← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

حكم من نسي القرآن بعد حفظه إعراضاً عنه أو غير إعراض عنه إن من حفظ القرآن ثم نسيه إعراضاً عنه لا شك في أنه على خطر، أما من نسيه من غير إعراض فلا شك في أنه خسر خسارة كبيرة وفاته خير كثير، والإنسان عندما يوفقه الله لحفظ القرآن أو لحفظ شيء منه ينبغي له أن يحرص على تعاهده.

стр. 4832

نزول القرآن على سبعة أحرف

стр. 4833

شرح حديث (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف. حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: (سمعت هشام بن حكيم بن حزام ﵄ يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﵌ أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه فجئت به رسول الله ﵌، فقلت: يا رسول الله! إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال له رسول الله ﵌: اقرأ. فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﵌: هكذا أنزلت. ثم قال لي: اقرأ. فقرأت فقال: هكذا أنزلت. ثم قال: إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه)]. قوله: [باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف]. أورد المصنف في هذا الباب عدة أحاديث، أولها: حديث عمر بن الخطاب ﵁: [(أنه سمع هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على خلاف ما سمعها من رسول الله ﷺ وأقرأه إياها، فـ عمر ذهب بـ هشام إلى رسول الله ﵊ وقال: إن هذا يقرأ سورة الفرقان على وجه لم تقرئني إياه، فقال له: اقرأ يا هشام فقرأ فقال: [(هكذا أنزلت)]، ثم بعد ذلك قال لـ عمر: اقرأ، فقرأ فقال: [(هكذا أنزلت)] يعني أن كلاً من القراءتين مما أنزل على رسول الله ﷺ ، قراءة هشام وقراءة عمر. قوله: [(إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف)]. اختلف في المراد بالأحرف السبعة، فقيل: المقصود بها أوجه من أوجه لغة العرب، أي أن القرآن نزل على هذا الوجه للتخفيف في أول الأمر؛ لأن العرب كانوا متفرقين وكانوا مختلفين وكانوا متنابذين وكل له لغته، ويكون عند هذه القبيلة ما ليس عند القبيلة الأخرى، ولكن لما جمع بينهما الإسلام واتصل بعضهم ببعض وذهب ما بينهم من العداوة والشحناء بسبب الإسلام وعرف كل ما عند الآخرين من اللغة قام عثمان بن عفان ﵁ فجمع الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة؛ حتى لا يحصل الاختلاف بين الناس؛ لأن المقصود من إنزال القرآن على سبعة أحرف هو التخفيف، وقد حصل ذلك بالتقاء العرب بعضهم ببعض وفهم كل واحد ما عند الآخرين، فلم يكن هناك حاجة إلى بقاء الأحرف السبعة التي نزلت للتخفيف، فعند ذلك قصر عثمان ﵁ -عندما جمع القرآن- الناس على حرف واحد، وأحرق ما سوى ذلك؛ حتى لا يحصل الاختلاف. وقد ذكر ابن القيم ﵀ في كتاب (إعلام الموقعين) أدلة كثيرة لسد الذرائع، ذكر تسعة وتسعين دليلاً كلها تدل على سد الذرائع، وختمها بجمع عثمان القرآن على حرف واحد وأنه سد لذريعة الاختلاف، ووافقه على ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين. ومما ينبغي أن يعلم أن الأحرف غير القراءات؛ لأن القراءات موجودة لم تنته، وأما الأحرف السبعة فإنه ليس هناك عند الناس إلا حرف واحد، وهو الموجود في المصحف الذي جمعه عثمان، والقراءات تختلف باختلاف النقط والشكل والحركة مثل: (يعلمون (و (تعلمون)، ومثل: (قال) و (قل)، ومثل: (عجبتَ) و (عجبتُ)، فهذه قراءات موجودة، أما الأحرف التي تأتي فيها الكلمة بعدة ألفاظ فإنها انتهت ولم يبق عند الناس إلا حرف واحد هو الذي جمعه أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه، ووافقه على ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ﵃ وأرضاهم. ثم إنه لا يلزم أن تكون كل كلمة فيها سبعة أحرف؛ لأنه ليس المراد بالعدد التكثير كما يقوله بعض أهل العلم، وإنما المقصود بالسبعة الأحرف سبع لغات لا يتجاوزها؛ لأنه -كما سيأتي في الحديث- كان يستزيد مرة ثم مرة حتى وصل السابعة ثم وقف عند ذلك. إذاً: المقصود أنه ينتهي إلى سبعة أحرف، ولا يلزم أن تكون كل كلمة على سبعة أحرف، بل يمكن أن تكون كلمات بحرف واحد وهذا هو الكثير، وبعض الكلمات تكون بحرفين، وبعضها بسبعة، ولكن لا تزيد على السبعة.

стр. 4834

تراجم رجال إسناد حديث: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) قوله: [حدثنا القعنبي]. هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عروة بن الزبير]. هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الرحمن بن عبد القاري]. عبد الرحمن بن عبد القاري يقال له رؤية وذكره العجلي في ثقات التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: سمعت عمر بن الخطاب]. هو عمر بن الخطاب ﵁ أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة ﵁ وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

стр. 4835

معنى قوله: (فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف) قال عمر ﵁: [(فكدت أن أعجل عليه ثم أمهلته حتى انصرف ثم لببته بردائه)]. يعني: أراد أن يقاطعه، ولكنه تركه حتى انتهى فأخذ بردائه وذهب به إلى رسول الله ﵊، وهذا يدلنا على عناية الصحابة بالقرآن واهتمامهم به والمحافظة عليه، وأنه لما سمع شيئاً يخالف ما كان عليه ظن أن هذا شيء غير صحيح، فعمل معه هذا العمل حيث ذهب به إلى رسول ﵊. وهشام بن حكيم لا أعلم هل كان في صلاة أو في قراءة؛ لكن عمر أمهله حتى انتهى من القراءة.

стр. 4836

شرح أثر الزهري في معنى الأحرف السبعة قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال: قال الزهري: إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد، ليس يختلف في حلال ولا حرام]. هذا الأثر المقطوع عن الزهري رحمة الله عليه قال فيه: [إنما هذه الأحرف في الأمر الواحد، ليس يختلف في حلال ولا حرام] يعني: تكون عند بعض العرب بهذا اللفظ وعند بعض العرب بلفظ آخر، كما جاء في بعض الأحاديث أن بعض القبائل كانوا لا يعرفون السكين وإنما هي عندهم مدية، وعند بعض القبائل هي سكين، لكن كلا اللفظين في معنى واحد. فليس المعنى أن هذا الحرف فيه حلال وهذا فيه حرام، وإنما هو على أمر واحد إما حلال وإما حرام، ولكن الاختلاف إنما هو في الألفاظ من أجل التيسير.

стр. 4837

تراجم رجال إسناد أثر الزهري في معنى الأحرف السبعة قوله: [حدثنا محمد بن يحيى بن الفارس]. هو محمد بن يحيى بن فارس الذهلي، ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا عبد الرزاق] هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا معمر]. هو معمر بن راشد الأزدي البصري، ثم اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: قال الزهري]. الزهري قد مر ذكره.

стр. 4838

شرح حديث (إني أقرئت القرآن فقيل لي على حرف أو حرفين ؟) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي حدثنا همام بن يحيى عن قتادة عن يحيى بن يعمر عن سليمان بن صرد الخزاعي ﵁ عن أبي بن كعب ﵁ قال: قال النبي ﵌: (يا أبي! إني أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل: على حرفين، قلت: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: قل: على ثلاثة، قلت: على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف إن قلت سميعاً عليماً عزيزاً حكيماً، ما لم تختم آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب)]. قوله: [(أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل: على حرفين حتى بلغ إلى سبعة أحرف)] أن الأحرف منتهاها سبعة، وأنه ليس المراد أكثر من سبعة أحرف؛ لأنه ذكر هذا الترقي من واحد إلى أن وصل إلى سبعة، ثم قال: [(ليس منها إلا شاف كاف)] يعني: أي واحد منها هو شاف كاف. قوله: [(إن قلت سميعاً عليماً عزيزاً حكيماً، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب)]، هذا فيما مضى وفي شيء قد انتهى، وأما الآن فليس أمام الناس إلا ما هو موجود في المصحف، فيتعين عليهم أن يأتوا بما هو موجود في المصحف، وليس بإمكانهم أن يأتوا بشيء خلاف ذلك. وهذا يفيد أن هذا مما كان موجوداً من قبل، ولكنه بعد جمع القرآن على حرف واحد في عهد عثمان ﵁ لم يكن أمام أي مسلم إلا أن يأتي بالقرآن على ما هو عليه، وعلى الصيغة وعلى اللفظ وعلى الترتيل الذي جاء في هذا المصحف الذي جمعه عثمان ﵁ وأرضاه.

стр. 4839

تراجم رجال إسناد حديث (إني أقرئت القرآن فقيل لي على حرف أو حرفين ؟) قوله: [حدثنا أبو الوليد الطيالسي]. مر ذكره. [حدثنا همام بن يحيى]. هو همام بن يحيى العوذي، وهو ثقة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. مر ذكره. [عن يحيى بن يعمر]. يحيى بن يعمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سليمان بن صرد]. عن سليمان بن صرد ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بن كعب]. أبي بن كعب ﵁ هو صحابي مشهور، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 4840

شرح حديث (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد عن ابن أبي ليلى عن أبي بن كعب ﵁: (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان عند أضاة بني غفار، فأتاه جبريل ﷺ فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على حرف، قال: أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك، ثم أتاه ثانية فذكر نحو هذا، حتى بلغ سبعة أحرف، قال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا)]. أورد أبو داود حديث أبي ﵁ أن النبي ﷺ اُقرِئ القرآن على حرف، فسأل الله معافاته ومغفرته، فزيد حتى وصل إلى سبعة أحرف، وأن أي حرف قرءوا به فقد أصابوا. قوله: [كان النبي ﷺ عند أضاة بني عفار]. الأضاة: هي غدير ماء.

стр. 4841

تراجم رجال إسناد حديث (إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف) قوله: [حدثنا ابن المثنى]. هو محمد بن المثنى العنزي أبو موسى الملقب بـ الزمن، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [حدثنا محمد بن جعفر]. هو محمد بن جعفر الملقب بـ غندر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة]. شعبة مر ذكره. [عن الحكم]. هو الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن مجاهد]. هو مجاهد بن جبر المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن أبي ليلى]. هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بن كعب] أبي بن كعب ﵁ مر ذكره.

стр. 4842

حكم كتابة المصحف بحرف الإملاء دون الرسم العثماني لا يجوز أن يكتب القرآن بالكتابة المعهودة عند الناس؛ لأن كتابته بذلك لا يحصل معها بقاء القراءات والرسم، فمثلاً: قول الله في سورة الزخرف: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف:٢٤] تكتب فيه كلمة (قال) هكذا (قل)؛ لكونها قد قرئت بـ (قُل)، فلو كتبت (قال) بالقاف وبعدها ألف ثم لام فإنها لا تستوعب قراءة (قل) ولا يمكن أن تدخل قراءة (قل) في كلمة (قال)، لكن لما كانت في رسم المصحف متصلة فيها القاف باللام فعند قراءة (قل) تكون القاف مفتوحة وألف صغيرة فوق القاف تدل على أن اللام مفتوحة، وعلى قراءة (قُلْ) تكون القاف مضمومة واللام ساكنة، فالرسم استوعب القراءتين، لكن لو رسمت على قراءة (قال) فإنها لا تحوي القراءتين، وكذلك الآية التي في سورة الأنبياء، حيث يقول : ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ﴾ [الأنبياء:١١٢] ترسم هكذا (قل) بأن ترسم القاف متصلة باللام، وأما الكلمة التي ليس فيها القاف متصلة باللام مثل: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] فإنك تجد الألف موجودة مع القاف، وذلك عندما لا يكون هناك احتمال لأي قراءة ثانية، فجاءت الألف منفصلة عن اللام وليست القاف متصلة باللام. ومثل قول الله في آخر سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم:١٢] فقوله: (وكتبه) هو في قراءة حفص، أما قراءة الجمهور فهي (وكتابه)، فجاء الرسم على أن التاء متصلة بالباء هكذا (كتبه) والتاء مفتوحة مع ألف صغيرة فوق التاء، وعند قراءة (كتبه) تكون التاء مضمومة، ولو كتبت و (كتابه) بحيث تكون الألف متصلة بالتاء ثم الباء تأتي بعد ذلك مع الهاء لما استوعبت قراءة (كتبه). فإذاً: رسم المصحف والمحافظة عليه أمر مطلوب؛ لأن فيه استيعاب القراءات وتحمل القراءات، فلا يجوز أن يكتب القرآن بحروف الإملاء، ومعلوم أن حروف الإملاء قد تكتب على خلاف ما ينطق به، مثل (لكن) فلا أحد يكتب فيها الألف مع اللام ثم (كن) لوحدها هكذا (لاكن)؛ لأن الناس اصطلحوا على أن اللام متصلة بالكاف فلا تكتب بلام ألف ثم كاف ونون (لاكن) مع أن فيها ألفاً. إذاً: رسم المصحف له خاصيته وله ميزته، وذلك أنه يستوعب القراءات.

стр. 4843

طرق أثر (عدد درج الجنة عدد آي القرآن) وبيان درجته ومظانه وهذا الأثر الذي ذكره الشيخ الألباني في المجلد الخامس من السلسة الضعيفة هو موقوف على عائشة ﵂ وضعيف؛ لأن فيه معفس بن عمران، لكن له طريق آخر لم يذكره الشيخ، حيث ورد الحديث من طريقين عن عائشة ﵂: أحدهما مرفوع، والآخر موقوف، أما المرفوع فرواه البيهقي في شعب الإيمان في الجزء الثاني قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد الخياط ببغداد من أصل كتابه قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن روح قال: حدثنا الحكم بن موسى قال: حدثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﵌: (عدد درج الجنة عدد آي القرآن، فمن دخل الجنة من أهل القرآن فليس فوقه درجة). قال الحاكم: هذا إسناد صحيح ولم يكتب هذا المتن إلا بهذا الإسناد وهو من الشواذ. وفي هذا الإسناد محمد بن أحمد الخياط القنطري شيخ الحاكم، ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد في الجزء الأول، وذكر عن ابن أبي الفوارس أن فيه ليناً، وشيخه محمد بن روح لعله البزاز ترجم له الخطيب في الجزء الخامس، ولم يذكر فيه شيئاً، والحديث ذكره الألباني ﵀ في ضعيف الجامع وقال: ضعيف، ورمز له بـ البيهقي في الشعب، إلا أنه وقع عنده بلفظ (عدد آنية الجنة) بدل (عدد درج الجنة) وأشار إلى السلسلة الضعيفة برقم لم يطبع بعد، ثم ذكر الموقوف الذي تكلم عليه الذي أخرجه ابن أبي شيبة. وهذا الذي عند البيهقي ضعفه الألباني.

стр. 4844

تفسير الألباني لصاحب القرآن المقصود في الحديث الشيخ الألباني في السلسلة أخرج حديث: (يقال لصاحب القرآن) وذكر فائدة في تفسير معنى صاحب القرآن، وهي أن المقصود به الحافظ الذي يحفظ القرآن، وهذا لا شك في أنه داخل في هذا، لكن يحتمل أيضاً أن يكون غيره. وكما أنه ينزع القرآن من الصدور في آخر الزمان فلا يبقى منه شيء فكذلك يمكن أن يوضع في الصدور ويتمكن الإنسان مع ذلك من القراءة إذا كان الإنسان معنياً بالقراءة في المصحف في حياته وكثير التلاوة، ولا شك في أن الذي يحفظ القرآن أمره واضح؛ لأن كثرة قراءته تختلف عن غيره من ناحية أنه يتمكن من القراءة راكباً وماشياً ومضطجعاً وفي جميع أحواله، بخلاف الذي يقرأ المصحف، فإنه لا يقرأ إلا في حالة معينة يجلس فيها لقراءة القرآن. والله تعالى أعلم.

стр. 4845

شرح سنن أبي داود [١٧٨] الدعاء عبادة من العبادات، وقربة من القربات، وبه تطلب الحاجات وتستنزل الرحمات، وقد شرع له جملة من الآداب المهمة التي يتأدب بها السائل حين يسأل ربه الحيي الكريم الذي يستحي من عبده حين يدعوه أن يرد يديه صفراً، ومن هذه الآداب العظيمة: أن يسبق الدعاء جملة من الثناء على الله تعالى ثم الصلاة على الرسول ﷺ ، فإذا شرع المرء في دعائه فليدع بجوامع الدعاء، وليسأل الله تعالى من خيري الدنيا والآخرة، وليحذر أن يعتدي في دعائه فيدعو بما لا يسأل مثله، فإذا فرغ من دعائه فلا يستعجل الإجابة ويستبطئ المطلوب، بل عليه أن يلح على الله بالدعاء، وليعلم أن ما قضاه الله خير له.

стр. 4846

ما جاء في الدعاء

стр. 4847

شرح حديث (الدعاء هو العبادة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الدعاء. حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن منصور عن ذر عن يسيع الحضرمي عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي صلى الله عليه وعلى وسلم قال: (الدعاء هو العبادة ((قَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)) [غافر:٦٠])]. قوله: [باب الدعاء] الدعاء هو الطلب والسؤال من الله ، وقد يطلق ويراد به ذكر الله ، ويكون من قبيل دعاء العبادة؛ لأن الدعاء نوعان: دعاء عبادة ودعاء مسألة، فدعاء المسألة هو كون الإنسان يسأل ويقول: (رب اغفر ل) ي، (رب ارحمني)، (رب هب لي كذا)، (رب اصرف عني كذا)، ودعاء العبادة يدخل تحته الذكر، فهو عبادة لله وليس مسألة. وقوله: [(الدعاء هو العبادة)] يدلنا على عظم شأن الدعاء، وهذا اللفظ كأنه حصر، وهو مثل قوله: (الحج عرفة)، ومثل قوله: (الدين النصيحة) إذاً: الدعاء له شأن عظيم، وهو عبادة لله ، فيسأل الإنسان ربه، ويعول عليه، ويسأل حاجاته منه ولا يسأل غيره، كما جاء في الحديث عن النبي ﵊: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)، وفي سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]. فقوله: [(الدعاء هو العبادة)] يدلنا على عظم شأن الدعاء، وأنه من أنواع العبادة، وأنواع العبادة كثيرة، ومنها: الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والإنابة، والاستغاثة، والاستعانة، والخشية، كل ذلك من أنواع العبادة. وجاء في حديث ضعيف: (الدعاء مخ العبادة)، وأما قوله: [(الدعاء هو العبادة)] فهو حديث صحيح. وقوله تعالى: [(((وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)) [غافر:٦٠])] فيه أمر بالدعاء ووعد بالإجابة، ثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠] فدل هذا على أن الدعاء عبادة. فهذا حديث عظيم يدل على عظم شأن الدعاء، ولهذا صدر به أبو داود ﵀ الأحاديث التي تتعلق بهذا الباب الذي هو باب الدعاء.

стр. 4848

تراجم رجال إسناد حديث (الدعاء هو العبادة) قوله: [حدثنا حفص بن عمر]. حفص بن عمر ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي. [حدثنا شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن منصور]. هو منصور بن المعتمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ذر]. هو ذر بن عبد الله الهمداني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن يسيع الحضرمي]. يسيع الحضرمي ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن. [عن النعمان بن بشير]. النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما هو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو من صغار الصحابة؛ لأن النبي ﵊ توفي وعمره ثمان سنوات، وحدث عن رسول الله ﵊، وجاءت أحاديث له صرح فيها بالسماع، مثل الحديث المشهور الذي هو من قواعد الإسلام ومن جوامع الكلم، وهو: (الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس) فإنه قال فيه: (سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا). ورواية الصغار إذا تحملوا في الصغر وأدوا في الكبر معتبرة عند المحدثين، وكذلك الكافر إذا تحمل في حال كفره وأدى في حال إسلامه. فمن أمثلة تحمل الصغير في حال صغره وأدائه في حال كبره حديث النعمان بن بشير: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الحلال بين والحرام بين). وكذلك هذا الحديث وغيره من الأحاديث. وتحمل الكافر في حال كفره وتأديته بعد إسلامه مثاله حديث أبي سفيان الطويل المشهور مع هرقل الذي يحكي فيه ويذكر ما كان عليه رسول الله ﵊ من الصفات والأخلاق، فإنه قال ذلك في حال كفره وأداه في حال إسلامه.

стр. 4849

شرح حديث (سيكون قوم يعتدون في الدعاء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة عن زياد بن مخراق عن أبي نعامة عن ابن لـ سعد أنه قال: سمعني أبي ﵁ وأنا أقول: (اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال: يا بني! إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء، فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر)]. ومعنى هذا الحديث أن هناك قوماً يعتدون في الدعاء، وجعل سعد ﵁ ما قاله ابنه من الاعتداء في الدعاء، وهو كون الإنسان يدعو بأشياء لا حاجة إليها، ويكثر من ذكرها وتعدادها، كذكر ما للنار من الصفات وما فيها من الأهوال، وذكر ما في الجنة وصفاتها وأحوالها، فهذا يعتبر من الاعتداء في الدعاء الذي حذر منه رسول الله ﵊. قوله: [إياك أن تكون منهم] إلى آخره هو من كلامه لابنه، أما الحديث المرفوع فهو [(سيكون قوم يعتدون في الدعاء)]. هذا الحديث في إسناده ابن سعد الذي هو مبهم ولم يسم، وقال المنذري: إن كان عمر بن سعد فإنه ضعيف. والحديث صححه الألباني وأحاله إلى حديث مضى عن عبد الله بن مغفل، وهو بمعناه، وفيه: (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء) فالحديث جاء من طريق أخرى عن أبي نعامة نفسه الذي يروي عن ابن سعد، لكن هنا يروي عن عبد الله بن مغفل، فيكون الحديث صحيحاً. وقد مر عند أبي داود في باب الإسراف في الماء وفيه: (إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء) فأورده في كتاب الطهارة من أجل قوله: (يعتدون في الطهور) ومعناه أنهم يتجاوزون الحد فيه، والدعاء هو الذي يطابق ما نحن فيه، ويطابق ما عندنا في هذه الترجمة، والحديث صحيح؛ لأنه جاء من طريق أخرى صحيحة، فوجود هذا المبهم لا يؤثر؛ لأنه ثبت من طريق أبي نعامة نفسه الذي يروي عن ابن لـ سعد، حيث روى عن عبد الله بن مغفل أن ابناً له قال: (اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها، فقال: أي بني! سل الله الجنة وتعوذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء).

стр. 4850

تراجم رجال إسناد حديث: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء) قوله: [حدثنا مسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا يحيى]. هو يحيى بن سعيد القطان، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي، مر ذكره. [عن زياد بن مخراق]. زياد بن مخراق ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود. [عن أبي نعامة]. هو قيس بن عباية، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن. [عن ابن لـ سعد أنه قال: سمعني أبي]. أبوه هو سعد بن أبي وقاص ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁ وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. قوله: [عن ابن لـ سعد]. يقول الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون مصعب بن سعد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وذكره المبهمات. وعلى كلٍ فالاحتمال قائم؛ لأن المنذري يقول: إن كان عمر فإنه ضعيف، ولكن الحافظ يقول: إن عمر بن سعد صدوق. ونقول: سواءٌ أكان ضعيفاً أم صدوقاً أم ثقة فالحديث ثابت عن عبد الله بن مغفل، وهو صحيح.

стр. 4851

شرح حديث (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه جل وعز ( قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا حيوة أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ أن أبا علي عمرو بن مالك حدثه، أنه سمع فضالة بن عبيد ﵁ صاحب رسول الله ﵌ يقول: (سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى، ولم يصل على النبي ﵌، فقال رسول الله ﵌: عجل هذا، ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه جل وعز والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﵌، ثم يدعو بعد بما شاء)]. قوله: [(أن النبي ﷺ سمع رجلاً يدعو في صلاته لم يمجد الله تعالى، ولم يصل على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : عجل هذا، ثم دعاه وقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه جل وعز والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعد بما شاء)، يعني: من أسباب قبول الدعاء أن يمهد قبله بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسوله ﷺ ، ولهذا جاءت صلاة الجنازة مشتملة على الحمد، وعلى الصلاة على النبي ﷺ ، ثم الدعاء؛ لأن قراءة الفاتحة حمد وثناء على الله ، والصلوات الإبراهيمية فيها صلاة على النبي ﷺ ، ثم بعد ذلك يكون الدعاء للميت والسؤال له بالمغفرة والرحمة والشفاعة له. ثم أيضاً فيما يتعلق بالصلاة أن التشهد يسبق السلام، وهو مشتمل على حمد الله والثناء عليه، فقوله: (التحيات لله والصلوات والطيبات) حمد وثناء على الله ، وبعدها: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ثم بعد ذلك الصلاة على النبي ﷺ ، ثم بعد ذلك الدعاء، ففيه تمهيد للدعاء. والنبي ﷺ في هذا الحديث أرشد المسلم أن يجمع في صلاته بين التمجيد والثناء على الله، ثم الصلاة على رسول الله ﷺ بعد ذلك، ثم الدعاء بما أحب بعد ذلك، فيكون قد مهد لدعائه بثناء على الله، وبصلاة وسلام على رسول الله ﷺ . ولعل اختيار الإمام أحمد رحمة الله عليه دعاء الاستفتاح: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، لكونه اشتمل على تعظيم لله والثناء عليه، وكما هو معلوم أنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنواع من الاستفتاحات، منها ما هو ثناء، ومنها ما هو دعاء، وكل ذلك حق، والاختلاف فيها اختلاف تنوع، فإذا اختار أي واحد من هذه الأنواع فهو على حق.

стр. 4852

تراجم رجال إسناد حديث (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد ربه جل وعز) قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل]. هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام الفقيه المحدث، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الله بن يزيد]. هو عبد الله بن يزيد المقري المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حيوة]. هو حيوة بن شريح المصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وحيوة بن شريح اثنان: أحدهما في طبقة متقدمة وهو هذا المصري، والآخر في طبقة متأخرة من شيوخ أبي داود، وهو حمصي، فإذا جاء حيوة بن شريح يروي عنه أبو داود فهو الحمصي، وإذا جاء حيوة بن شريح بين أبي داود وبينه واسطتان أو أكثر من ذلك على حسب الأسانيد وتعدد الرواة فإنه يكون المصري المذكور في هذا السند. [أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ]. أبو هانئ حميد بن هانئ لا بأس به، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن. [أن أبا علي عمرو بن مالك]. أبو علي عمرو بن مالك ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن. [أنه سمع فضالة بن عبيد]. هو فضالة بن عبيد ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن.

стр. 4853

معنى قوله (إذا صلى أحدكم فليبدأ) قوله: [(إذا صلى أحدكم فليبدأ)]. هذا يشمل الصلاة المفروضة، والصلاة هي أقوال وأعمال مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وكذلك الدعاء يشمل المعنى الشرعي والمعنى اللغوي.

стр. 4854

الثناء على الله والصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء قوله: [(ثم يدعو بعد بما شاء)]. يعني: بعد أن يمجد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ يدعو بما شاء ويسأل حاجاته، وهذا يكون في السجود والتشهد الأخير، أما الأدعية الواردة -مثل دعاء الاستخارة أو دعاء قنوت الوتر- فإنه يؤتى بها كما وردت. والصلاة على النبي ﷺ وتمجيد الله جل وعلا في بداية الدعاء ليسا بواجبين، ولكنهما من أسباب قبول الدعاء ومن الأمور المرغب فيها في الدعاء.

стр. 4855

شرح حديث (كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا يزيد بن هارون عن الأسود بن شيبان عن أبي نوفل عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﵌ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك)]. قوله: [(كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك)]. الجوامع هي التي لفظها قليل ومعناها كثير، فهي قليلة المبنى واسعة المعنى، هذه هي جوامع الكلم، وهكذا كانت أدعية الرسول ﷺ ، وكذلك الأدعية التي جاءت في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١]، فهذا دعاء عظيم جامع لخير الدنيا والآخرة، وحسنة الدنيا كل خير في الدنيا، وحسنة الآخرة كل خير في الآخرة، وليس المراد شيئاً معيناً. وقد تجد بعض السلف يفسر هذه الآية على أن المراد بها شيء معين، وبعضهم يفسرها بغير ذلك، وهذا لا يعني الحصر، وإنما يعني التوضيح، فمن قائل: الحسنة في الدنيا هي الزوجة الصالحة، وهذا حق، ومن قائل: الولد الصالح، وهذا حق، ومن قائل: الرزق الحلال، وهذا حق؛ لأن هذه كلها من حسنات الدنيا، فالتفسير لهذا اللفظ الجامع بشيء معين هو من قبيل التفسير بالمثال، وليس التفسير بالحصر. ومثل ذلك قول الرسول ﷺ في الحديث: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى)، (اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها)، (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر) فأدعية الرسول ﷺ جوامع؛ لأنه أوتي جوامع الكلم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. فالأولى للمسلم عندما يدعو أن يحرص على أدعية الرسول ﵊، ويعرف هذه الأدعية وما كان يدعو به ويأتي به، هذا هو الأولى وهذا هو الذي ينبغي له؛ لأن الإنسان إذا أتى بأدعية من عند نفسه قد يكون فيها تجاوز، وقد يكون فيها أمر منكر، وقد يكون فيها أمر محرم، وقد يكون فيها أمر شاذ. ومثل ذلك الصلاة على الرسول ﷺ ، فالذي ينبغي للمسلم هو أن يأتي بما ورد عن رسول الله ﵊ من كيفية الصلاة عليه أخذاً بكلام المعصوم ﷺ . وإذا رجع المرء إلى إلى مثل كتاب (دلائل الخيرات) فسيجد أنه فهذا كتاب مشتمل على صلوات على الرسول ﷺ ، ولكن فيها تجاوز وفيها غلو وفيها جفاء، فاختيار الأدعية التي تأتي عن النبي ﷺ هي التي فيها العصمة وفيها السلامة، وهي التي تكون أعم وأنفع؛ لأنها كلام الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

стр. 4856

تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء) قوله: [حدثنا هارون بن عبد الله]. هو هارون بن عبد الله البغدادي الملقب بـ الحمال، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [حدثنا يزيد بن هارون]. هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأسود بن شيبان]. الأسود بن شيبان ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن أبي نوفل]. هو أبو نوفل بن أبي عقرب، وهو ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأبو داود والنسائي. [عن عائشة]. هي عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي من أوعية السنة وحفظتها، وهي أحد سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 4857

شرح حديث (لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة؛ فإنه لا مكره له)]. قوله: [(لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة)] أي يقول: (اللهم اغفر لي) ولا يضيف إلى ذلك شيئاً من التقييد الذي هو (إن شئت). قوله: [(فإن الله لا مكره له)] أي: فإن الله تعالى يعطي ويتفضل ويجود على عباده دون إكراه من أحد، أما العباد فمنهم من يعطي رغبة ورهبة، فتجد الشخص يعطي من يسأله من أجل رغبة في تحصيل شيء من وراء إعطائه إياه، أو يعطيه خوفاً منه، والله لا مكره له، فلا يليق أن يسأل بهذا السؤال، وإنما يسأل بالعزيمة بدون التقييد بذكر المشيئة. وهذا الحديث عقد له شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد باباً خاصاً، وهو (باب قول اللهم اغفر لي إن شئت). أما قوله ﷺ : (طهور إن شاء الله) وقوله: (وإنا بكم إن شاء الله لاحقون) فهذا ليس من التعليق، بل هو من التحقيق؛ لأنه لابد من أن يلحق بهم، ولا يوجد احتمال أنه لا يلحق بهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح:٢٧] يعني: تحقيقاً لا تعليقاً. فقوله: (طهور إن شاء الله) من هذا القبيل، وليس شكاً.

стр. 4858

تراجم رجال إسناد حديث (لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت) قوله: [حدثنا القعنبي]. هو عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الزناد]. هو عبد الله بن ذكوان، لقبه أبو الزناد وكنيته أبو عبد الرحمن، وأبو الزناد لقب على صيغة الكنية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الأعرج]. هو عبد الرحمن بن هرمز، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة] قد مر ذكره.

стр. 4859

شرح حديث (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي عبيد عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي)]. قوله: [(يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول: قد دعوت فلم يستجب لي)] يعني أنه يترك الدعاء ويعرض عن الدعاء ويهمل الدعاء؛ لأنه دعا ولم يستجب له، فيقول: قد دعوت، والإنسان إذا دعا ربه فإنه يلح عليه بالدعاء ويكرر الدعاء، وإذا لم يحصل على الإجابة فلا يترك الدعاء؛ لأنه -كما جاء عن النبي ﷺ : إما أن يعجل له ما طلب في الدنيا، أو يصرف عنه مثله من الشر، أو يدخر له في الآخرة، ومعنى ذلك أنه على خير، والدعاء عبادة، فعلى الإنسان أن يحرص على عبادة الله والإلحاح عليه في الدعاء، ولا يستبطئ الإجابة فيقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي. واستعجال الإنسان الإجابة من أسباب عدم قبول الدعاء.

стр. 4860

تراجم رجال إسناد حديث (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل) قوله: [حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب]. ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله الزهري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي عبيد]. هو سعد بن عبيد الزهري ومولى ابن أزهر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة مر ذكره.

стр. 4861

شرح حديث (سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد الملك بن محمد بن أيمن عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق عمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي حدثني عبد الله بن عباس ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: (لا تستروا الجدر، من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فإنما ينظر في النار، سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم). قال أبو داود: روي هذا الحديث من غير وجه عن محمد بن كعب كلها واهية، وهذا الطريق أمثلها، وهو ضعيف أيضاً]. قوله: [(لا تستروا الجدر)] المقصود بذلك ستر الجدر بالأمشة والستائر ونحوها، وهذا جاء فيه حديث عن عائشة ﵂ في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: (لم يأمرني الله فيما أنعم علي أن أستر الحجارة والطين)، أو كما قال ﷺ ، وهو يدل على ترك ذلك، وجمهور العلماء على كراهيته، وذلك لما فيه من الإسراف، ولما فيه من الخيلاء أو الاستكبار، وبعض أهل العلم قال بالتحريم، وهو أبو نصر المقدسي، وقد ذكر ذلك الشيخ الألباني ﵀ في كتاب: (آداب الزفاف)، وذكر ما يتعلق بهذه المسألة، وأن الجدر لا تستر بالسجاد ولا بغير، وذكر حديث عائشة الذي أشرت إليه، أما هذا الحديث فضعيف لا يحتج به، ولكن جاء في معناه من ناحية أن الجدر لا تستر حديث عائشة الذي في صحيح مسلم، وهذا بالنسبة للجدر، وأما الأبواب والنوافذ فلا بأس بسترها للحاجة إلى ذلك، وذلك أنه إذا فتح الباب كان فيه حصول اطلاع على من في الداخل والخارج، فكونها تستر بستائر بحيث يحصل معها دخول الهواء ودخول الريح من غير كشف فلا بأس بذلك، وقد جاء في بعض الأحاديث ما يدل على ذلك، والنبي ﷺ لما كان في مرض موته كشف الستار ورأى الناس يصلون خلف أبي بكر فسر ﷺ . إذاً: ستر الأبواب والنوافذ لا بأس به، وأما ستر الجدر فهو الذي لا يصلح، كما جاء في حديث عائشة.

стр. 4862

حكم النظر في كتب الآخرين قوله: [(من نظر في كتاب أخيه بغير أذنه فإنما ينظر في النار)]. قيل: إن المقصود بالكتاب هو الكتاب الذي فيه سر، أو فيه أمانة، أو فيه شيء لا يحب صاحبه أن يطلع عليه، وكون الإنسان يطلع في كتاب أحد فيه أمور لا يريد أن يطلع عليها لا شك في أنه من أولى ما يمنع منه، وأما كتب العلم ونحوها فمن الآداب ومن الأخلاق الكريمة أن الإنسان لا يستعمل شيئاً إلا بإذن صاحبه، إلا إذا كان يعرف من عادة هذا الإنسان أنه يسمح بذلك، فإن هذا لا بأس به، ولكن كون الإنسان يأتي إلى كتب لشخص معين في بيته ويطلع عليها من غير إذنه فلا شك في أن هذا ليس من الأخلاق الكريمة، وليس من الآداب الحسنة. وقوله: [(فإنما ينظر في النار)] فسر بعدة تفسيرات، منها: أنه يكون قريباً منها وأنها تصلاه ويصل إليه صليها وشدة حرارتها، ولكن الحديث ضعيف لا يعول عليه.

стр. 4863

معنى قوله (سلوا الله ببطون أكفكم) قوله: [(سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها)] قد ورد ما يدل على أن الإنسان يشرع له أن يرفع يديه بحيث تكون بطون الأكف إلى السماء وظهورها إلى الأرض حال الدعاء، وقد جاء في بعض المواضع -مثل الاستسقاء- أن تكون بطونها إلى الأرض وظهورها إلى السماء أو إلى ما يلي وجه الإنسان.

стр. 4864

حكم المسح على الوجه بعد الفراغ من الدعاء وحكم رفع اليدين فيه قوله: [(فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم)]. يدل هذا اللفظ على مسح الوجه، ولكن الحديث ضعيف، والأحاديث التي وردت في ذلك ضعيفة لم يثبت فيها شيء عن رسول الله ﷺ ، والشيخ الألباني ﵀ حققها في كتابه (إرواء الغليل) فإنه ذكر الأحاديث التي وردت في ذلك وبين ضعفها، وأنه لا يصح منها شيء، وهذا بالنسبة للمسح، وأما بالنسبة للرفع فقد جاءت نصوص فيها الرفع، وجاءت نصوص فيها عدم الرفع، وجاءت نصوص مسكوت فيها عن الرفع، فما جاء فيه الرفع فإنه يرفع فيه، وما جاء فيه أنه لا يرفع لا يرفع، وما سكت عنه فالأمر في ذلك واسع. وقد ذكر الشيخ الألباني ﵀ فيما يتعلق بهذا الحديث في (إرواء الغليل) كلاماً فقال: وثبت رفع اليدين في قنوت النوازل عن رسول الله ﷺ ، وأما رفع اليدين في قنوت الوتر فثبت عن عمر وغيره من أصحاب رسول الله ﷺ ، وبعض أهل العلم حسن الحديث بمجموع الطرق، ومنهم الحافظ ابن حجر في آخر كتاب (بلوغ المرام) في كتاب الجامع، فإنه ذكر أن له شواهد تقتضي حسنه، وكذلك السيوطي في الجامع الصغير رمز له، وأقره المناوي في فيض القدير. وذكر الألباني آثاراً كثيرة عن السلف في عدم مسح الوجه بعد الدعاء، وذكر جملة من الآثار في كلامه على هذا الحديث. فرفع اليدين -كما هو معلوم- ثبت في مواضع، وجاء عدم الرفع في مواضع، وسُكِت عن مواضع، وكل له حكمه، وأما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء فلم يثبت، وممن ضعف الأحاديث في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.

стр. 4865

تراجم رجال إسناد حديث (سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد الملك بن محمد بن أيمن]. عبد الملك بن محمد بن أيمن مجهول العين، أخرج له أبو داود. [عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق]. عبد الله بن يعقوب بن إسحاق مجهول الحال، أخرج له أبو داود والترمذي. [عمن حدثه]. هذا مبهم ففي هذا الإسناد ثلاث علل: الأولى: أن فيه مجهول العين. الثانية: فيه مجهول الحال. الثالثة: فيه مبهم. فقوله: [عمن حدثه] يقول الحافظ في فصل المبهمات: يقال: هو أبو المقدام هشام بن زياد، وهو متروك. فهذا الإسناد ظلمات بعضها فوق بعض. [عن محمد بن كعب القرظي]. محمد بن كعب القرظي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني عبد الله بن عباس]. هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 4866

شرح حديث (إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني قال: قرأته في أصل إسماعيل -يعني ابن عياش - حدثني ضمضم عن شريح حدثنا أبو ظبية أن أبا بحرية السكوني حدثه عن مالك بن يسار السكوني ثم العوفي ﵁ أن رسول الله ﵌ قال: (إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها)، قال أبو داود: وقال سليمان بن عبد الحميد: له عندنا صحبة -يعني مالك بن يسار -]. قوله: [(إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها)]، هذا الحديث من جنس الحديث الضعيف الذي تقدم، والحديث يدل على أن الإنسان عندما يسأل الله يسأله بباطن الكفين، بحيث يكونا إلى فوق، وهذا هو الغالب، إلا فيما ورد بأن يكون ظاهرهما إلى السماء كما في الاستسقاء، وكما سيأتي أيضاً في الابتهال إلى الله . إذاً: فالسؤال إنما يكون ببطون الأكف وليس بظهورها إلا فيما ورد بالنسبة للظهور، وأما قلب الكفين في الاستعاذة من العذاب ومن الشرور فلا نعلم شيئاً يدل عليه.

стр. 4867

تراجم رجال إسناد حديث (إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم) قوله: [حدثنا سليمان بن عبد الحميد البهراني]. سليمان بن عبد الحميد البهراني صدوق، أخرج له أبو داود وحده. [قال: قرأته في أصل إسماعيل - يعني ابن عياش -] هو إسماعيل بن عياش، وهو صدوق في روايته عن الشاميين مخلط في غيرهم، وهنا روايته عن شامي، وهو ضمضم، أخرج له البخاري في رفع اليدين، وأصحاب السنن. [حدثني ضمضم]. هو ضمضم بن زرعة الحمصي، وهو صدوق يهم، أخرج له أبو داود وابن ماجة في التفسير. [عن شريح]. هو شريح بن عبيد الحضرمي الحمصي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثنا أبو ظبية]. هو أبو ظبية السلفي الكلاعي، وهو مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [أن أبا بحرية السكوني]. هو عبد الله بن قيس، ثقة، أخرج له أصحاب السنن. [عن مالك بن يسار السكوني ثم العوفي]. هو مالك بن يسار السكوني ﵁، وحديثه أخرجه أبو داود وحده. [قال أبو داود: وقال سليمان بن عبد الحميد: له عندنا صحبة. يعني مالك بن يسار]. أي أن أبا داود يحكي عن شيخه أن مالك بن يسار صحابي. وقال عنه ابن حجر: إنه صحابي قليل الحديث، أخرج له أبو داود.

стр. 4868

شرح حديث (رأيت رسول الله ﷺ يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عقبة بن مكرم حدثنا سلم بن قتيبة عن عمر بن نبهان عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﵌ يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما)]. قوله: [(رأيت رسول الله ﷺ يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما)]. قال الألباني: إنه صحيح بظهور كفيه. يعني: في الاستسقاء. والمراد أنه جعل ظاهر كفيه مما يلي وجهه، وباطنهما مما يلي الأرض، لكن هذا خاص بالاستسقاء.

стр. 4869

تراجم رجال إسناد حديث (رأيت رسول الله ﷺ يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما) قوله: [حدثنا عقبة بن مكرم]. عقبة بن مكرم ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [حدثنا سلم بن قتيبة]. هو سلم بن قتيبة الشعيري أبو قتيبة، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وسبق أن مر عند أبي داود أنه ذكره بكنيته فقال: أبو قتيبة بدون أن ينسبه، وهو مشهور بكنيته، ولهذا يأتي ذكره في الشيوخ بكنيته أبي قتيبة، والمراد به سلم بن قتيبة. وسلم بن قتيبة ذكره الحافظ في مقدمة الفتح ضمن الذين تكلم فيهم من رجال البخاري، وذكر كلمة عجيبة في التجريح والتعديل؛ إذ كان مشهوراً عند العوام في نجد أنه إذا كان الشخص صاحب قوة قالوا: جمل محامل، ففي ترجمته قال يحيى بن سعيد القطان: ليس من جمال المحامل. وهذا توهين له، وهي كلمة قديمة، فقد كان الشخص يقال له: جمل محامل إذا كان معتمداً عليه. والتوهين له ليس بشديد. [عن عمر بن نبهان]. عمر بن نبهان ضعيف أخرج له أبو داود. [عن قتادة]. هو قتادة بن دعامة السدوسي. [عن أنس]. أنس هو صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وهذا الحديث بهذا اللفظ فيه عمر بن نبهان، وهو ضعيف، ولكنه صح عن أنس أنه كان يدعو وبطون كفيه مما يلي الأرض في الاستسقاء، وقد مر بنا في سنن أبي داود في باب الاستسقاء.

стр. 4870

شرح حديث (إن ربكم ﵎ حيي كريم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني حدثنا عيسى -يعني ابن يونس - حدثنا جعفر -يعني ابن ميمون صاحب الأنماط- حدثني أبو عثمان عن سلمان ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (إن ربكم ﵎ حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً)]. قوله: [(يستحي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً)] يعني: خاليتين. ومعنى الحديث أنه يجيب دعاءه، وهذا يدل على مشروعية رفع اليدين، ولكن على التفصيل الذي ذكرت فيما مضى، فالموطن الذي ورد أنه ترفع فيه الأيدي فإنها ترفع فيه، مثل رفع الأيدي عند الجمرة الأولى والثانية، وعلى الصفا والمروة وغيرها من الأماكن والمواضع التي ورد فيها رفع الأيدي عند الدعاء، وهناك مواضع لا ترفع فيها الأيدي، مثل خطبة الجمعة، فالإمام والمأمومون لا يرفعون أيديهم فيها؛ لأن النبي ﷺ على كثرة خطبه بالناس كان لا يرفع يديه، وكذلك الصحابة كانوا لا يرفعون أيديهم، وما جاء ذلك إلا في الاستسقاء في الجمعة؛ لأن النبي ﷺ رفع يديه في الاستسقاء لما طلب منه أن يستسقي. وأما أدبار الصلوات فلم يعهد ولم يرو عنه ﵊ أنه كان يرفع يديه بعد الصلوات المفروضة. أما ما كان مسكوتاً عنه ولم يرد فيه فعل ولا منع فهو مطلق والأمر فيه واسع، فللداعي أن يرفع وله أن يترك. قوله: [(حيي كريم)] فيه إثبات صفة الحياء والكرم لله كما يليق بجلاله . قوله: [(يستحي من عبده)]. هذه صفة مأخوذة من حيي؛ لأن أسماء الله كلها مشتقة ليس فيها اسم جامد، وما ذكر أن من أسماء الله الدهر فذلك غير صحيح، واستند القائلون به على قوله: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر)، فقوله: (وأنا الدهر) ليس معناه أن الدهر من أسماء الله، وإنما معناه أن من سب الدهر فقد سبني؛ لأن الدهر هو الزمان، والله تعالى هو الذي يقلب هذا الزمان وهذا المُقلَّب ليس فاعلاً وليس عنده إرادة ولا عنده مشيئة، فترجع سبته إلى المقلب. إذاً: فأسماء الله كلها مشتقة ليس فيها اسم جامد، وأسماء الله تدل على صفاته؛ لأن كل اسم يشتق منه صفة، ولكن ليس كل صفة يشتق منها اسم، لا يؤخذ من الصفات أسماء ولكن يؤخذ من الأسماء صفات، فهناك صفات ذاتية كاليد وكالوجه لا يؤخذ منها أسماء، وهناك صفات مثل الاستهزاء والخداع والمكر وما إلى ذلك لا يؤخذ منها أسماء، فلا يقال: من أسماء الله المخادع ولا الماكر ولا المستهزئ، لكن يوصف بذلك على وجه المقابلة والمشاكلة، أما الأسماء فيؤخذ منها صفات، وكلمة [يستحي] مأخوذة من حيي.
следующие страницы →