← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

شرح حديث: (قصّرتُ عن النبي بمشقص على المروة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا شعيب بن إسحاق عن ابن جريج، وحدثنا أبو بكر بن خلاد حدثنا يحيى المعنى، عن ابن جريج أخبرني الحسن بن مسلم عن طاوس عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: (قصرت عن النبي ﵌ بمشقص على المروة أو رأيته يقصر عنه على المروة بمشقص). قال ابن خلاد: إن معاوية، لم يذكر أخبره]. أورد أبو داود حديث ابن عباس، وهو في بعض الطرق من مسند معاوية، فالطريق التي فيها أن معاوية أخبره، تكون من مسند معاوية، وأما التي فيها: عن ابن عباس: أن معاوية قصر، فهذا يكون من مسند ابن عباس. وقد كان هذا في عمرة من العُمَر، وليس في حجه ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ في حجه كان قارناً، وإنما أتى إلى المروة وطاف بين الصفا والمروة قبل الحج، ولم يأت للصفا والمروة بعد الحج، فليس هناك تقصير، وإنما يبقى على النسك، وهذا كما قيل للنبي ﷺ : (قد حلّ الناس وأنت لم تحل؟ فقال: إني لبّدت شعري، وسقت الهدي، فلا أحل حتى أنحر)، إذاً كان هذا في عمرة، ولكن ما هذه العمرة؟ الذي يناسب أنها عمرة الجعرّانة؛ لأنها هي التي كانت بعد الفتح، ومعاوية ﵁ إنما أسلم عام الفتح، والعُمَر التي كانت من النبي ﷺ قبل ذلك هي: عمرة الحديبية، وعمرة القضية، فالأولى في السنة السادسة، والثانية في السابعة، فلا يناسب في تلك العمر أن يكون معاوية قصر له، وإنما يناسب ذلك كونه في عمرة الجعرانة، إلا أن الرواية الثانية فيها: (ورأيت النبي يقصر عنه بمشقص) فيمكن أن يكون ذلك في عمرة القضاء التي في السنة السابعة، حيث رأى غيره يقصر له، ويكون هذا مما تحمله في حال كفره وأداه في حال إسلامه، وعلى هذا: فإن التقصير كان من معاوية ﵁ أو من غيره ومعاوية يرى، ولا يكون ذلك إلا في عمرة، وقد جاء مصرحاً به في الصحيح، وهذه العمرة هي إما الجعرانة، وهذا هو الذي يناسب حاله بعد إسلامه؛ لأن إسلامه كان في عام الفتح في السنة الثامنة، وعمرة الجعرانة كانت بعد الفتح، أو أنها في عمرة القضاء، وهو الذي يناسب رواية: (ورأيته يقصر عنه بمشقص) أي: أنه رأى غيره يقصر له، فيكون هذا من قبيل ما تحمل في حال كفره، وأداه في حال إسلامه، ومن المعلوم عند المحدثين أن الكافر إذا تحمل في حال كفره وأدى بعد إسلامه فذلك صحيح، وكذلك الصغير إذا تحمله في حال صغره وأداه بعد بلوغه فذلك صحيح معتبر، ومن أمثلة تحمل الكافر في حال كفره وتأديته بعد إسلامه: حديث هرقل وقصة أبي سفيان معه، وذكْر الكتاب الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى هرقل عظيم الروم، وما اشتمل عليه الكتاب بعد أن قرئ الكتاب وأبو سفيان ومن معه يسمعون، وقالوا ما قالوا بعد ذلك عندما سألهم، وفيه: أنه قال: كان يأمرنا بالصدق وكذا وكذا إلى آخره، وهذا إنما قاله في حال كفره، وتحمله في حال كفره، ولكنه أداه بعد إسلامه.

стр. 5847

تراجم رجال إسناد حديث: (قصرت عن النبي بمشقص على المروة) قوله: [حدثنا عبد الوهاب بن نجدة]. عبد الوهاب بن نجدة ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [حدثنا شعيب بن إسحاق]. شعيب بن إسحاق ثقة، أخرج له أصحاب الكتب إلا الترمذي. [عن ابن جريج]. ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وحدثنا أبو بكر بن خلاد]. أبو بكر بن خلاد هو محمد بن خلاد وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثنا يحيى]. يحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن جريج]. ابن جريج مر ذكره. [أخبرني الحسن بن مسلم]. الحسن بن مسلم بن يناق وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [عن طاوس]. طاوس بن كيسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. ابن عباس مر ذكره. [عن معاوية]. معاوية ﵁ أمير المؤمنين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [قال ابن خلاد: إن معاوية، لم يذكر أخبره]. ابن خلاد هو الموجود في الطريق الثانية، وقوله: إن معاوية، ولم يذكر أخبره، أي: أنه جعله من مسند ابن عباس.

стр. 5848

شرح حديث: (قصرت عن النبي بمشقص) من طريق ثانية قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي ومخلد بن خالد ومحمد بن يحيى المعنى، قالوا: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ أن معاوية ﵁ قال له: (أما علمت أني قصرت عن رسول الله ﵌ بمشقص أعرابي على المروة). زاد الحسن في حديثه: لحجته]. أورد أبو داود حديث ابن عباس من طريق أخرى، وهو أيضاً من مسند معاوية؛ لأنه قال: أما علمت أني فعلت كذا وكذا، وقال: زاد الحسن -وهو أحد الشيوخ الثلاثة لـ أبي داود، وهو الحسن بن علي الحلواني -: في حجته، وهذه اللفظة التي فيها: لحجته، شاذة؛ لأن حجته لم يكن فيها تقصير على المروة، وإنما كان فيها حلق في منى، حلق ﵊ شعره فأخذه الناس ووُزَّع عليهم، وأما المروة فلم يكن عندها تقصير في الحج، وإنما كان هذا في العمرة كما جاء في الصحيح أنه كان في عمرة، فهذه الزيادة التي جاءت من طريق الحسن في هذا الإسناد شاذة.

стр. 5849

تراجم رجال إسناد حديث: (قصرت عن النبي بمشقص) من طريق ثانية قوله: [حدثنا الحسن بن علي]. الحسن بن علي الحلواني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي. [ومخلد بن خالد]. مخلد بن خالد ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود. [ومحمد بن يحيى]. محمد بن يحيي الذهلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا عبد الرزاق]. عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن معمر]. معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن طاوس]. ابن طاوس هو عبد الله بن طاوس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن طاوس عن ابن عباس عن معاوية]. طاوس وابن عباس ومعاوية مر ذكرهم.

стр. 5850

شرح حديث: (أهل النبيّ ﷺ بعمرة، وأهل أصحابه بحجّ) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن معاذ أخبرنا أبي حدثنا شعبة عن مسلم القري أنه سمع ابن عباس ﵄ يقول: (أهلّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعمرة، وأهلّ أصحابة بحج)]. أورد أبو داود حديث ابن عباس: (أن النبي ﷺ أهل بعمرة، وأهل أصحابة بحج)، فالنبي ﷺ لم يهل بعمرة مفردة وهو التمتع المعروف، وإنما أهل بعمرة معها حج، وأهلّ بعض أصحابه بالحج مفرداًَ، فقد ساق النبي ﷺ الهدي، والمعتمر إذا طاف وسعى يقصر، بل إن المعتمر إذا ساق الهدي وهو في وقت الحج فعليه أن يدخل الحج على العمرة؛ حتى يكون قارناً، ولا يذبح الهدي إلا يوم النحر إذا كان قد ساق معه الهدي. وقوله: (أهل أصحابة بحج) يعني: بعض أصحابه.

стр. 5851

تراجم رجال إسناد حديث: (أهل النبي ﷺ بعمرة وأهل أصحابه بحج) قوله: [حدثنا ابن معاذ]. ابن معاذ هو عبيد الله بن معاذ العنبري ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [أخبرني أبي]. أبوه هو معاذ بن معاذ العنبري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة]. شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن مسلم القري]. مسلم القري صدوق، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. [عن ابن عباس]. ابن عباس مر ذكره.

стр. 5852

شرح حديث: (تمتع رسول الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث حدثني أبي عن عقيل عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (تمتع رسول الله ﵌ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، فأهدى وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله ﵌ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله ﵌ بالعمرة إلى الحج، وكان من الناس من أهدى وساق الهدي، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله ﵌ مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل له شيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. وطاف رسول الله ﵌ حين قدم مكة فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاث أطواف من السبع، ومشى أربعه أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم، فانصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل الناس مثلما فعل رسول الله ﵌، من أهدى وساق الهدي من الناس)]. أورد أبو داود حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: (تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فأهدى، وساق معه الهدي من ذي الحليفة)، قوله: (تمتع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج) أي: أنه قرن بين الحج والعمرة، وهذا التمتع هو التمتع اللغوي، وهو التمتع العام الذي يشمل القران، ويشمل التمتع المشهور الذي هو قسيم الإفراد والقران؛ وذلك لأن القران فيه تمتع من جهة أنه أدى نسكين في سفرة واحدة، فبدلاً من أن يسافر سفرتين: سفرة للعمرة وسفرة للحج فإنه يأتي بالنسكين في سفرة واحدة. قوله: (وبدأ رسول الله ﷺ فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج)، الذي جاء في الحديث أنه أهل بهما جميعاً، فقال: (لبيك عمرة وحجة)، ولم يأت بالعمرة أولاً ثم بعد ذلك أدخل الحج عليها ثانياً، وبعض أهل العلم يقول: إنه أتى بها أولاً وأتى بالحج ثانياً، لكن الذي جاء في الروايات الأخرى أنه جمع بينهما، وهو المقدم والثابت عنه ﷺ ، فأحرم وأهل بهما، وقال: (أتاني الليلة آت وقال لي: قل: عمرة في حجة)، وسمعه أنس يلبي ويقول: (لبيك عمرة وحجة). قوله: (وتمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى وساق الهدي، ومنهم من لم يهد) أي: تمتع الناس مع رسول الله ﷺ ، وهذا التمتع الذي حصل من الناس على ضربين: ضرب هو التمتع بالمعنى الخاص، وهم أصحابه الذين أحرموا بالعمرة ولم يهدوا، وضرب الذين أحرموا بالقران وحصل منهم الجمع بين النسكين، فإنه يقال له: تمتع. قوله: (فلما قدم رسول الله ﷺ مكة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنه لا يحل له شيء حرم منه حتى يقضي حجه). أي: لا يحل له شيء حرم عليه بالإحرام حتى يقضي حجه. قوله: (ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصّر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليُهدِ) أي: أن المتمتع يتحلل بعد فراغه من العمرة، ثم يحرم بالحج بعد ذلك في يوم التروية، ويكون عليه هدي. قوله: (فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله) إما أنه لم يجد هدياً يباع أصلاً، أو أنه وجده يباع بثمن لا يستطيعه، أو أنه لم يكن عنده نقود يشتري بها هدياً، فينتقل إلى أن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، ولو كان غنياً في بلده، فلا يقال: إنه إذا كان غنياً فإنه يؤخر، ثم يقضي بعد ذلك، وإنما عليه أن يفعل ذلك حيث لا يجد في نفس الوقت هدياً يذبحه، فينتقل إلى الصيام. وهذا الحديث فيه بيان لما أجمل في الآية: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة:١٩٦]، فإنه هنا بين أن الرجوع هو إلى أهله، فالآية لم تبين هل الرجوع إلى الأهل أو الرجوع من الحج إلى مكة، فيصوم في الأيام التي تكون بعد الحج، فبيّن الحديث ذلك فقال: (وسبعة إذا رجع إلى أهله). قوله: (وطاف رسول الله ﵌ حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شيء، ثم خب ثلاث أطواف من السبع، ومشى أربعة أطواف) أي: أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ هو الطواف، وخب ثلاث أشواط، أي: أنه رملها، والرمل والخبب هو الإسراع مع مقاربة الخطا، فلا يركض ركضاً خارجاً عن المشي المعتاد، أي: أنه رمَل وأسرع إسراعاً خفيفاً من الحجر إلى الحجر، والرمل إنما حصل في عمرة القضية، فالنبي ﷺ لما قدم هو وأصحابه في عمرة القضاء سنة سبع، كان الكفار جالسين في الجهة التي وراء الحجر يتحدثون ويقولون: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، فالنبي ﷺ أمر أصحابه أن يسرعوا وأن يرملوا في الأشواط الثلاثة، وإذا كانوا بين الركنين -حيث تحجز الكعبة بينهم وبين الكفار الذين يتحدثون بهذا الحديث- أمرهم أن يمشوا؛ شفقة عليهم، ورفقاً بهم، ولما كان في حجة الوداع رمَل من الحجر إلى الحجر، وهذا الفعل فيه تذكير بما كان عليه المسلمون أولاً، وما كان من الكفار في من معاداة المسلمين وإيذائهم، وهذه سنة مستمرة، وهذه إحدى السنن التي تتعلق بالطواف، فأول ما يقدم الإنسان سواء كان معتمراً أو حاجاً فإنه يطوف طواف القدوم. والسُّنَّة الثانية: أن يضطبع، وذلك أن يجعل رداءه من الجهة اليمنى تحت إبطه، ويلف طرفه على كتفه الأيسر، ويكون ذلك في الأشواط السبعة كلها، أي: في الطواف الذي يكون عند الوصول إلى مكة أولاً، فإن كان معتمراً فهو طواف العمرة، وإن كان حاجاً متمتعاً أو قارناً أو مفرداً فطواف القدوم. ويكون الطواف من الحجر إلى الحجر؛ لأن النبي ﷺ في حجة الوداع رمل في الأشواط الثلاثة كلها، وأما في عمرة القضاء فلم يرمل بين الركنين، قال الراوي: (ولم يمنعهم من أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم) يعني: شفقة عليهم أمرهم أن يتركوا الرمل بين الركنين، وكان هذا من قبيل إظهار القوة للأعداء، وهو يدخل تحت قوله: (الحرب خدعة). قوله: (ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثم سلم)، فيه دليل على صلاة ركعتين خلف المقام للطواف. قوله: (ثم سلم) أي: من الركعتين. وجاء في بعض الأحاديث أنه ذهب إلى الحجر واستلمه بعدما فرغ من الركعتين. قوله: (فانصرف فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف)، فيبدأ بالصفا، ويختم بالمروة. قوله: (ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر)، أي: أنه بقي على إحرامه، فقد طاف وسعى وبقي على إحرامه، وأما الذين ما كان معهم هدي فقد قصروا وتحللوا وأحرموا في الحج يوم ثمانية. قوله: (وأفاض فطاف بالبيت) أي: أفاض يوم النحر، ثم طاف بالبيت دون سعي؛ لأنه قد سعى مع طواف القدوم. قوله: [ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل الناس مثلما فعل رسول الله ﷺ ، من أهدى وساق الهدي من الناس] أي: أن من أهدى وساق الهدي من الناس فعل مثلما فعل الرسول ﷺ ، أي: أنهم بقوا على إحرامهم، والقارنون يفعلون كما فعل رسول الله ﵊، والذين ساقوا الهدي يكون هذا شأنهم، ويفعلون مثلما فعل رسول الله، وهذا فيمن أهدى وساق الهدي من الناس، وأما الذين لم يكونوا كذلك بأن كانوا متمتعين وفسخوا الحج أو القران إلى العمرة، وكانوا متمتعين فإنهم قد حصل لهم أمور أخرى قبل ذلك، وهي أنهم تحللوا من العمرة، وأتوا كل ما يأتيه المحلون، وبعد ذلك دخلوا في الحج، وأتوا بأمور أخرى منها: السعي بالنسبة للمتمتعين، فإنهم سعوا مرة أخرى بين الصفا والمروة، ولكن الذي فعلوا كفعله هم الذين إحرامهم كإحرامه ﷺ ، وهو القران.

стр. 5853

تراجم رجال إسناد حديث: (تمتع رسول الله في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج) قوله: [حدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث]. عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. [عن أبيه]. أبوه ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. [عن عقيل]. عقيل بن خالد بن عقيل المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. ابن شهاب هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سالم]. سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 5854

شرح حديث: (إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ عن حفصة ﵂ زوج النبي ﵌ أنها قالت: (يا رسول الله! ما شأن الناس قد حلوا ولم تحلل أنت من عمرتك؟! فقال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي)]. أورد أبو داود حديث حفصة أنها قالت: (ما بال الناس حلوا من عمرتهم وأنت لم تحلل من عمرتك؟!) أي: من عمرتهم المقرونة مع الحج، وكذلك الذين ليس معهم عمرة مقرونة مع الحج وهم المتمتعون، فالذين حلوا صنفان من الناس: الذين كانوا متمتعين أصلاً كأمهات المؤمنين، والذين كانوا قارنين ومفردين ولا هدي معهم، وقد أمروا أن يفسخوا إحرامهم إلى عمرة، وأن يكونوا متمتعين، فهؤلاء كلهم حلوا. قولها: (وأنت لم تحلل من عمرتك) أي: عمرتك المقرونة مع حجك، وليس المقصود أنه كان معتمراً فقط، بل كان قارناً، فقد جمع بين الحج والعمرة، كما أن بعض الناس كان عندهم عمرة مقرونة مع الحج وقد حلوا. قوله: (إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي) أي: يوم النحر.

стр. 5855

تراجم رجال إسناد حديث: (إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي) قوله: [حدثنا القعنبي]. القعنبي هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. مالك بن أنس إمام دار الهجرة، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن نافع]. نافع مولى ابن عمر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر]. هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄، وقد مر ذكره. [عن حفصة]. حفصة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 5856

شرح سنن أبي داود [٢١٥] التلبية من شعائر الحج الظاهرة، وقد اشتملت على معان عظيمة، وقد بين العلماء كيفية التلبية عن النفس وكذلك عن الغير لمن حج عن غيره، وبينوا ما يستحب في التلبية من رفع الصوت ونحوه، وبينوا متى تقطع التلبية.

стр. 5857

إهلال الرجل بالحج، ثم جعلها عمرة

стр. 5858

شرح أثر أبي ذر في فسخ الحج إلى عمرة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة. حدثنا هناد -يعني: ابن السري - عن ابن أبي زائدة أخبرنا محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود، عن سليم بن الأسود أن أبا ذر ﵁ كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله ﵌]. أورد أبو داود هذه الترجمة: باب من أحرم بالحج ثم يجعلها عمرة، وقد مر بنا جملة من الأحاديث الدالة على أن الإنسان الذي ليس معه هدي سواءً كان قارناً أو مفرداً أنه يفسخ إحرامه إلى عمرة، وأنه يكون متمتعاً، ومر أيضاً أن النبي ﷺ سئل عن ذلك: (هل هي لنا أو للأبد؟ قال: بل لأبد الأبد)، وهي أحاديث صحيحة دالة على أن ذلك لم يكن خاصاً بأصحاب رسول الله ﷺ ، وأنه حكم مستمر ودائم. وأورد أبو داود ﵀ تحت هذه الترجمة أثراً وحديثاً فيهما أن هذا الذي حصل كان خاصاً بأصحاب الرسول ﷺ ، فالأول عن أبي ذر، وهو موقوف عليه، أنه كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع الرسول ﷺ ، فهو يخبر أن الركب الذين كانوا مع رسول الله ﷺ فسخوا إحرامهم إلى عمرة، وصاروا متمتعين، وذكر أن ذلك لم يكن إلا لهم، وهذا قول ورأي له، ويقابل هذا الرأي الأحاديث الكثيرة الصحيحة الدالة على أن ذلك ليس خاصاً بهم، وإنما هو للأبد، وقال بعض أهل العلم: إن قول أبي ذر هذا يحمل على أن الفسخ الواجب الذي يتعين هو الذي كان لأصحاب الرسول ﷺ ، وأما غيرهم فإنه يبقى على الاستحباب، وقد ذكر هذين القولين ابن القيم ﵀.

стр. 5859

تراجم رجال إسناد أثر أبي ذر في فسخ الحج إلى عمرة قوله: [حدثنا هناد يعني: ابن السري]. هناد مر ذكره. [عن ابن أبي زائدة عن محمد بن إسحاق]. محمد بن إسحاق صدوق، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن عبد الرحمن بن الأسود]. عبد الرحمن بن الأسود ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سليم بن الأسود]. سليم بن الأسود ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي ذر]. أبو ذر هو جندب بن جنادة ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 5860

شرح أثر بلال بن الحارث في خصوصية فسخ الحج بالصحابة قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا النفيلي حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد - أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن بلال بن الحارث عن أبيه ﵁ أنه قال: (قلت: يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: بل لكم خاصة)]. أورد أبو داود حديث بلال بن الحارث ﵁ (أنه سأل النبي ﷺ : فسخ الحج لنا خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل لكم خاصة)، وهذا دال على ما دل عليه كلام أبي ذر المتقدم، وهذا مرفوع إلى رسول الله ﵊، ولكنه غير صحيح ولا ثابت، بل الثابت خلافه، فقد تُكلِّم في بعض رواته، والذين رووا خلاف ذلك كثيرون، وليس فيهم كلام، بل هي أحاديث صحيحة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وقد مر جملة منها.

стр. 5861

تراجم رجال إسناد أثر بلال بن الحارث في خصوصية فسخ الحج بالصحابة قوله: [حدثنا النفيلي عن عبد العزيز يعني: ابن محمد]. عبد العزيز بن محمد هو الدراوردي وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن]. ربيعة بن أبي عبد الرحمن وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن بلال بن الحارث]. بلال بن الحارث مقبول أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن أبيه]. أبوه هو بلال بن الحارث وهو صحابي، أخرج حديثه أصحاب السنن.

стр. 5862

حج الرجل عن غيره

стр. 5863

شرح حديث: (إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الرجل يحج عن غيره. حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (كان الفضل بن عباس ﵄ رديف رسول الله ﵌، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول الله ﵌ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع)]. أورد أبو داود باب: الرجل يحج عن غيره، وكلمة الرجل هنا لا مفهوم لها، بل إن المرأة كذلك أيضاً، فللرجل أن يحج عن غيره، وللمرأة أن تحج عن غيرها. وأورد أبو داود حديث ابن عباس ﵄: (أن الفضل بن العباس -أي: أخاه الأكبر- كان رديف النبي ﷺ أي: في حجة الوداع، وذلك في انصرافهم من مزدلفة إلى منى، فقد أردف النبي ﷺ خلفه في حجه من عرفة إلى مزدلفة أسامة بن زيد، وأردف خلفه من مزدلفة إلى منى الفضل بن العباس، وهو الذي لقط له الجمرات السبع التي أخذهن وجعل يقلبهن، وقال: (بمثل هذا فارموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين). فـ الفضل بن العباس ﵁ كان رديف النبي ﷺ من مزدلفة إلى منى، فجاءت امرأة من خثعم تستفيه عن حجها عن أبيها، وكان شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة، فقالت: (إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع الثبوت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: نعم)، وذلك في حجة الوداع، فدل هذا على أن المرأة تحج عن الرجل؛ لأن الرسول ﷺ أفتاها بأن تحج عن أبيها، وفيه دليل على الحج عن الغير، وأن الرجل يحج عن الرجل، والمرأة تحج عن الرجل، والحديث واضح وصريح الدلالة في حج المرأة عن الرجل، ويحج عن الميت، وأما الحي فإنه لا يحج عنه إلا في حالتين: إحداهما: ما جاء في هذا الحديث، وهي أن يكون هرماً كبيراً، لا يستطيع السفر والركوب. والثانية: أن يكون مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه، وأما غير هذين الصنفين من الناس فإنه لا يحج عنه وهو حي. وفي هذا الحديث: أن الفضل كان ينظر إلى هذه المرأة وهي تنظر إليه، فصرف النبي ﷺ وجهه إلى الشق الآخر، وهذا من الأحاديث التي يستدل بها من يقول بجواز كشف النساء وجوههن، وعدم وجوب تغطيتها، وقد جاءت عدة نصوص دالة على الحجاب وستر الوجوه، وقد عُلِّل ذلك كما جاء في أمهات المؤمنين: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣]. وإذا كان هذا في أمهات المؤمنين فهو مطلوب من غيرهن من باب أولى؛ لأنهن إذا كان ذلك مع طهارتهن ونزاهتهن ﵅ وأرضاهن فغيرهن من باب أولى والعلة واحدة، ثم أيضاً إذا كانت الشريعة قد جاءت بأن المرأة ترخي ثوبها من وراءها حتى تستر قدميها، فكيف تأمر الشريعة بستر القدمين وتبيح كشف الوجه، والزينة إنما تكون في الوجه لا في الرجلين؟! وهذا الحديث الذي معنا وهو قصة الخثعمية، ونظر ابن العباس إليها ونظرها إلى الفضل بن العباس رضي الله تعالى عنهما، يمكن أن يقال: إنه لا يلزم أن يكون الجمال فقط في الوجه، والنظر يكون إلى الوجه، فكما يكون الجمال في الوجه فإنه يكون أيضاً في التفاصيل، وفي هيئة الجسم وشكله، فإن المرأة ولو كانت متحجبة قد يظهر جمالها في الشكل والهيئة، وليس الأمر مقصوراً على الوجه والنظر إليه، بل الهيئة أيضاً لها دخل في معرفة جمال النساء، وذلك في طلعتهن وهيئتهن وتفاصيل أجسامهن وإن لم يكن الوجه ظاهراً. وبعض أهل العلم يقول: إن هذا كان في الحج، والمرأة إحرامها في وجهها، ولكن قد جاء عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: كنا نكشف وجوهنا فإذا حاذانا الركبان سدلت إحدانا خمارها على وجهها. والحاصل أن كشف الوجوه لا يأتي إلى الناس بخير، فكثير من الفتن والشرور التي جاءت إنما هي ناتجة عن كشف الوجوه، فبعد كشف الوجوه جاء كشف الرءوس، ثم كشف النحور، ثم كشف الصدور، ثم كشف الأرجل والأفخاذ! وصار شأن كثير من المسلمات في كثير من بلاد العالم الإسلامي على هيئة الرجال، وهذه الهيئة مخالفة لهدي الرسول ﷺ ، فالرجال يسبلون ويغطون أعقابهم، والنساء تتعرى، فتظهر المرأة صدرها وعضديها وساقيها وجزءاً من فخذيها، وكل هذا نتيجة للتهاون بالسفور.

стр. 5864

تراجم رجال إسناد حديث: (إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً) قوله: [حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار]. سليمان بن يسار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين. [عن عبد الله بن عباس]. عبد الله بن عباس مر ذكره.

стр. 5865

الأسئلة

стр. 5866

حكم من حج متمتعاً ثم رجع إلى بلده من غير صيام ولا هدي السؤال كيف يصنع من تمتع بالعمرة إلى الحج ورجع إلى بلده من غير أن يصوم ثلاثة أيام؛ لأنه كان مريضاً، ولم يهد؛ لأنه كان عاجزاً، فهل يهدي الآن في بلده أو يصوم العشرة في بلده؟ الجواب يصوم العشرة أيام في بلده.

стр. 5867

وقت صيام الثلاثة أيام في الحج لمن لم يجد الهدي السؤال متى يكون صيام الثلاثة أيام في الحج لمن لم يجد الهدي؟ الجواب الأفضل أن يصومها قبل يوم عرفة، وإن أخر ولم يفعل ذلك فإنه يجوز صيامها في أيام التشريق، ولا يصوم في يوم العيد، وقد قال بعض الصحابة: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي، فمن لم يجد الهدي جاز له أن يصوم أيام التشريق، والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة. وإذا كان مقيماً في المدينة للدراسة أو للعمل فإنه يصوم في المدينة، فهذا هو محل إقامته، وليس المراد أن يأخرها ولو إلى بعد سنة حتى يرجع إلى بلده.

стр. 5868

حكم لبس جلود النمور أو جعلها أحذية السؤال هل يصح لبس جلود النمور أو جعلها أحذية؟ الجواب الحديث الذي مر بنا قريباً يدل على أنه لا يجوز ذلك.

стр. 5869

حكم التلفظ بالإحرام السؤال قول النبي ﷺ : (أتاني الليلة آت من ربي فقال لي: قل: حجة في عمرة) هل يؤخذ منه أنه لابد من التلفظ بالإحرام؟ الجواب لا يؤخذ منه ذلك، وإنما الذي لابد منه هو النية التي محلها القلب، وإذا تلفظ الإنسان بما نوى بما يتعلق بالحج فهذا هو الذي ينبغي، وليس بواجب، وذلك أن الأنساك متعددة، فإذا تلفظ الإنسان بالشيء حتى يعرف غيره ما هو النسك الذي أهل به فلا بأس به، لكن لو لم يتلفظ بذلك فإنه يكفيه أن ينوي بقلبه، والتلفظ بالنية بدعة في العبادات إلا في الحج، فإن الإنسان يتلفظ بما نوى؛ لأن هناك عمرة مستقلة، وحج مستقل، وحج مقرون مع عمرة، فإذا أتى بهذا أو بهذا فقد جاءت السنة بذلك كله، لكن التلفظ بذلك ليس بلازم. وليس معنى ذلك أنه يقول: نويت، وإنما ينوي بقلبه ويقول: لبيك عمرة، أو لبيك حجة، أو لبيك عمرة وحجة.

стр. 5870

هل رأي الصحابي حجة السؤال هل يعتبر رأي الصحابي حجة؟ الجواب المسائل التي للصحابة فيها أقوال مختلفة يرجع فيها إلى الأقوى من حيث الدليل، وأما إذا كانت المسألة ليس فيها أقوال، وإنما فيها قول لأحد الصحابة فلاشك أن لقوله قوة؛ لأنه رأي وقول لرجل من خير هذه الأمة، وهم خيرة سلف هذه الأمة، وهم خير الناس بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه على رسله ورضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وإذا كان قول الصحابي له شيء يعضده، أو عموم يندرج تحته الحكم، فالمعول عليه هو الدليل، ولكن حيث لا دليل فلاشك أن آراء الصحابة لها وزنها ولها قيمتها.

стр. 5871

أخوّة أهل البدع في الإسلام السؤال عرفنا بالأمس أنه يصح أن يقال لأهل البدع غير المكفرة: إنهم إخوان لنا في الإسلام، لكن هل كان من منهج السلف إطلاق الأخوة على رءوس أهل البدع منهم، وذلك في مقام التحذير أو التعريف بهم؟ الجواب لا يفعل ذلك في مقام التحذير، وإنما يحذر بدون أن يقول ذلك، لكن ذلك القول جائز؛ لأن كل مسلم هو أخ في الإسلام، والذين حصلت المباينة بينهم وبين المسلمين هم الكفار، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:١٠] أي: الذين يقتل بعضهم بعضاً إخوان، فيصلح بينهم، وإن كان قد حصل اعتداء من بعضهم على بعض، وأما في مقام التحذير فلا يقال: أخونا فلان، أو إخواننا، وإنما يحذر منهم دون أن تذكر الأخوة، لكن هل هم إخوة لنا في الإسلام أو ليسوا بإخوة؟ فكل من لم يكن كافراً فهو أخ لنا في الإسلام.

стр. 5872

تابع حج الرجل عن غيره

стр. 5873

شرح حديث: (احجج عن أبيك واعتمر) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: الرجل يحج عن غيره. حدثنا حفص بن عمر ومسلم بن إبراهيم بمعناه قالا: حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم عن عمرو بن أوس عن أبي رزين ﵁ أنه قال حفص في حديثه رجل من بني عامر أنه قال: (يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن، قال: احجج عن أبيك واعتمر)]. سبق البدء في هذه الترجمة وهي: باب الرجل يحج عن غيره، وقلنا: إن ذكر الرجل لا مفهوم له، والمقصود من ذلك هو الحج عن الغير، سواءً كان الحاج رجلا ً أو امرأة، ولهذا أورد أبو داود ﵀ ثلاثة أحاديث: الحديث الأول: حج امرأة عن رجل، وهو حديث الخثعمية. والحديث الثاني: حج رجل عن رجل. ثم أورد أبو داود ﵀ حديث أبي رزين العقيلي ﵁ أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: (إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن). أي: لا يستطيع أن يركب ولا يستطيع أن يمشي، أي: أنه قد بلغ به الكبر بحيث إنه يتمكن من أن يمشي أو يركب، فقال له النبي ﷺ : (حج عن أبيك واعتمر)، فدل هذا على أن الرجل يحج ويعتمر عن غيره. وهذا من الأدلة التي يستدل بها على وجوب العمرة؛ لأن النبي ﷺ قال له: (حج عن أبيك واعتمر) وذلك عندما ذكر له أنه لا يستطيع الحج والعمرة. فأمره أن يحج عن أبيه ويعتمر، فدل ذلك على وجوب العمرة، وقد مر بنا حديث الصبي بن معبد، وفيه أنه كان نصرانياً فأسلم، وأنه كان يحب الجهاد، ولكنه وجد أن الحج والعمرة مكتوبين عليه، فجاء إلى رجل من قومه فأرشده أن يجمع بينهما -أي بين الحج والعمرة- فجاء إلى عمر ﵁ وأرضاه وذكر له القصة، فقال له: (هديت لسنة نبيك محمد ﷺ ، وهذا الحديث هو أقوى ما يستدل به على وجوب العمرة، وقد جاء عن الإمام أحمد ﵀ أنه قال: هذا أصح شيء جاء في وجوب العمرة عن رسول الله ﷺ ، والحديث مطابق للترجمة من جهة أن يحج الرجل عن غيره، فهذا يدل على أن للإنسان أن يحج عن غيره، وهذا إذا كان ميتاً، وأما إذا كان حياً، فيجوز ذلك في حالتين اثنتين: إحداهما: أن يكون هرماً كبيراً لا يستطيع السفر، كما جاء في هذا الحديث وحديث الخثعمية السابق، والثانية: أن يكون مريضاً مرضاً لا يرجى برؤه، وهو في معناه.

стр. 5874

تراجم رجال إسناد حديث: (احجج عن أبيك واعتمر) قوله: [حدثنا حفص بن عمر]. حفص بن عمر ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي. [ومسلم بن إبراهيم]. مسلم بن إبراهيم الفراهيدي وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن النعمان بن سالم]. النعمان بن سالم ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن عمرو بن أوس]. عمرو بن أوس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي رزين]. أبو رزين العقيلي ﵁ صحابي أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.

стр. 5875

شرح حديث: (حُجّ عن نفسك ثم حُجَّ عن شبرمة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني وهناد بن السري المعنى واحد، قال إسحاق: حدثنا عبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة عن قتادة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﵌: سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب لي، قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)]. أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ : (سمع رجلاً يقول: لبيك عن شبرمة، فقال له النبي ﷺ : ومن شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب). أي: شك الراوي هل قال: أخ أو قريب، (قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة)، وهذا مطابق للترجمة من جهة أن الرجل يحج عن الرجل، وأن الرجل يحج عن غيره؛ لأن النبي ﷺ قال له: (حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة). وفيه دليل على أن الإنسان لا يحج عن غيره إلا إذا كان قد حج عن نفسه. فيبدأ بنفسه أولاً، ثم يحج عن غيره، فلا يحج عن غيره وهو لم يحج عن نفسه، وفيه دليل أيضاً على أنه يمكن للإنسان أن يظهر في التلبية لمن يكون النسك، فيقول: لبيك لفلان، أو لبيك عن فلان، إذا كان يحج عن غيره. وقول النبي ﷺ : (ومن شبرمة؟ قال: أخ لي أو قريب) يدل على أن الحج قد يكون من الأخ عن أخيه، وليس خاصاً بالولد عن والده كما جاء في حديث الخثعمية وحديث أبي رزين العقيلي المتقدمين، فذاك فيه حج الولد عن والده، والآخر فيه حج البنت عن والدها، وحديثنا هذا فيه حج الأخ عن أخيه أو قريبه. وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا كان قد أحرم بالنسك عن غيره ولم يحج عن نفسه فإنه يقلب ذلك إلى نفسه، فيلبي عن نفسه، ويكون النسك له، ولا يستطيع الإنسان أن يحج حجاً واحداً عن شخصين، بل يكون الحج من واحد عن واحد، إما عن نفسه، أو عن واحد من الناس، لكن يمكن إذا كان الإنسان متمتعاً أن يجعل العمرة لشخص والحج لشخص، لأن كل واحد منهما مستقل عن الثاني بإحرامه وتحلله وما بين ذلك.

стр. 5876

تراجم رجال إسناد حديث (حجّ عن نفسك ثم حجّ عن شبرمة) قوله: [حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني]. إسحاق بن إسماعيل الطالقاني ثقة، أخرج له أبو داود. [وهناد بن السري]. هناد بن السري أبو السري ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن. [عن عبدة بن سليمان]. عبدة بن سليمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن أبي عروبة]. ابن أبي عروبة هو: سعيد بن أبي عروبة وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عزرة]. عزرة بن يحيى وهو مقبول، أخرج له أبو داود وابن ماجة. [عن سعيد بن جبير]. سعيد بن جبير ﵁، تابعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. ابن عباس هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، والحديث صحيح.

стр. 5877

كيفية التلبية

стр. 5878

شرح حديث: (أن تلبية رسول الله: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: كيف التلبية؟ حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ (أن تلبية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، قال: وكان عبد الله بن عمر يزيد في تلبيته: لبيك لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل)]. أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: كيف التلبية؟ أي: كيف تكون التلبية؟ وما هي صيغتها؟ والتلبية: مصدر لبى يلبي تلبيةً، أي: أنه قال: لبيك اللهم لبيك! لبيك لا شريك لك لبيك، وهذه هي تلبية رسول الله. وأورد أبو داود حديث ابن عمر أن تلبية رسول الله ﷺ : (لبيك اللهم لبيك! لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)، فهذه هي تلبية رسول الله ﵊ التي كان يقولها، وكان ابن عمر يزيد على ذلك: (لبيك لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل)، وجاء -كما سيأتي- أنهم كانوا يزيدون والنبي ﵊ يسمع ولا ينكر عليهم، فدل هذا على جواز ذلك، ومعلوم أن السنة: قول وفعل وتقرير، ولكن الأولى هو الاقتصار على ما جاء عن النبي ﷺ . وكلمة (لبيك) معناها: إجابة بعد إجابة، فيؤتى بكلمة لبيك في الإجابة، فالإنسان إذا نودي فإنه يقول: لبيك، وقد كان معاذ بن جبل رديفاً للنبي ﷺ على حمار، فقال له النبي ﷺ : (يا معاذ! فقال له: لبيك يا رسول الله!) وكرر ذلك، فكلمة (لبيك) هي جواب، وهو جواب حسن ممن ينادى، وأصل ذلك أن الله دعا الناس إلى حج بيته الحرام، فمن وفقه الله لأن يأتي إلى هذه العبادة، فإنه عندما يلبس لباس الإحرام، ويدخل في النسك، يلبي بهذه التلبية فيقول: لبيك اللهم لبيك! أو يقول: لبيك عمرة، أو لبيك عمرة وحجة، أو لبيك حجة، فمعنى قوله: لبيك، أنك دعوتني فأجبتك، فلبيك اللهم لبيك، إجابة بعد إجابة؛ لأن تكرار لبيك يعني تكرار الإجابة. قوله: (لا شريك لك) أي: أنه بعد تكرار التلبية ذكر إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وكل عمل من الأعمال لا ينفع صاحبه إلا إذا كان خالصاً لوجه الله، ومطابقاً لسنة رسول الله ﷺ ، فالعمل المقبول عند الله لابد فيه من هذين الشرطين، فلا بد من تجريد الإخلاص لله وحده، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ ، فلا يعبد إلا الله، ولا يعبد الله إلا طبقاً لما جاء به رسول الله ﵊، وإذا اختل أحد هذين الشرطين فلا ينفع العمل، ويرد على صاحبه، فإذا فقد الشرط الأول وهو الإخلاص، فالعمل مردود، ولو كان العمل خالصاً لله ولكنه مبني على بدعة فإنه يكون مردوداً عليه، لقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد)، وقوله: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقال: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة). ولا يكفي أن يقول الإنسان: هذا عمل طيب، وأنا قصدي حسن، فهذا الكلام لا ينفع، ولابد من هذين الشرطين: الإخلاص والمتابعة، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، قال بعض أهل العلم: العمل المقبول عند الله هو ما كان خالصاً صواباً، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على سنة رسول الله ﷺ . فقوله: (لبيك لا شريك لك) توضيح وبيان أن العبادة لله وحده، وأن الحج يكون لله وحده، ولهذا فكلمة: لبيك لا شريك لك هي بمعنى: لا إله إلا الله، فلبيك هي بمعنى: (إلا الله)، ولا شريك لك: هي بمعنى (لا إله)، فلبيك لا شريك لك فيها نفي وإثبات، فهي تنفي العبادة عن كل ما سوى الله، وتثبتها لله وحده لا شريك له، وقول الملبي: لبيك لا شريك لك فيها خطاب لله تعالى، أي: أجيبك وأجيب دعوتك، ولا أشرك معك أحداً في العبادة، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. ثم بين بعد ذلك أن كل النعم من الله، وأن الحمد لله، وأن الملك لله، قال: (إن الحمد والنعمة لك والملك)، فالله تعالى هو المنعم بكل النعم ظاهرها وباطنها، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] وقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، فنعم الله تعالى لا تعد ولا تحصى، والنعم كلها من الله، ولو أنعم عليك أحد من الخلق وأحسن إليك فإنما حصل ذلك من الله ، كما قال ﵊: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف)، فالنعم كلها من الله، والله تعالى يجعل للنعم أسباباً تحصل بها، والكل من الله ، والحمد لله تعالى، فهو المحمود على كل حال، فهو صاحب النعمة والمتفضل بها، وهو المستحق للحمد، وهو أيضاً مالك الملك، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء ، ففي التلبية توحيد وثناء، فالتوحيد في قوله: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك)، والثناء في قوله: (إن الحمد والنعمة لك والملك) فكما أنه لا شريك لك في الملك، ولا شريك لك في الرزق، ولا في الإحياء، ولا في الإماتة؛ فلا شريك لك أيضاً في العبادة. وقول ابن عمر ﵁ في الزيادة: (لبيك لبيك لبيك وسعديك) كلمة (سعديك) هذه كلمة يؤتى بها معطوفة على لبيك، فلا تأتي لوحدها، وإنما تأتي معطوفة على سعديك، فهي كلمة تابعة لكلمة، وكلمة سعديك تضاف إلى الله ، ويخاطب بها الله ، ومعناها: مساعدة منك بعد مساعدة، أو إسعاد منك بعد إسعاد، أي: لي. وقوله: (والخير بيديك) أي: كل النعم هي من الله، والخير بيد الله، فهو الذي يجود ويتفضل على عباده، فالخير بيد الله يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء. قوله: (والرغباء إليك) أي: الرغبة وطلب الحصول على الشيء إنما تكون إلى الله، فهي نوع من أنواع العبادة، فأنواع العبادة كثيرة منها: الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة والاستعانة والاستعاذة والذبح والنذر وغيرها، فيجب أن تكون أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له، ولا يصرف أي نوع من أنواع العبادة لغيره، وهذا هو توحيد الألوهية، وهو توحيد الله تعالى بأفعال العباد، كالدعاء والنذر والخوف والرجاء وغيرها، وأما توحيد الربوبية فهو توحيد الله بأفعاله، فهو الخالق الرازق المحيي المميت، فهذه أفعال الله .

стр. 5879

تراجم رجال إسناد حديث (أن تلبية رسول الله: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك) قوله: [حدثنا القعنبي]. القعنبي هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. مالك بن أنس إمام دار الهجرة، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن نافع]. نافع مولى ابن عمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر]. عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وهذا الإسناد رباعي، وهو من أعلى الأسانيد عند أبي داود، وهي التي يكون فيها بين أبي داود وبين رسول الله ﷺ أربعة أشخاص، وهم هنا: القعنبي ومالك ونافع وابن عمر.

стр. 5880

شرح حديث جابر في التلبية (لبيك ذا المعارج) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا جعفر قال: حدثنا أبي عن جابر بن عبد الله ﵄ أنه قال: (أهل رسول الله ﵌ فذكر التلبية مثل حديث ابن عمر ﵄، قال: والناس يزيدون: ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنبي ﵌ يسمع فلا يقول لهم شيئاً)]. أورد أبو داود حديث جابر وهو مثل حديث ابن عمر في التلبية، وزاد فيه: (والناس يزيدون: ذا المعارج ونحوه من الكلام الذي فيه ثناء على الله ، والنبي ﷺ يسمع فلا يقول لهم شيئاً) أي: لا ينكر عليهم، وقد سبق أن عرفنا أن الاقتصار على ما جاء عن النبي ﷺ هو الأولى والأفضل، وهو وإن كان قد أقرهم فهو لم يأت بذلك، فالاقتصار على ما جاء عنه ﵊ لاشك أنه هو الأولى. وبعض الناس قد يأتون ويزيدون شيئاً غير سائغ، وأما الصحابة ﵃ وأرضاهم فما كانوا يأتون إلا بشيء سائغ، ولهذا لا يصح أن يزيد الإنسان ما يريد، لكن إذا أتى بشيء مما جاء عن الصحابة فلا بأس بذلك، وأما أن يأتي بشيء من عنده فلا يصلح ولا ينبغي، والاقتصار على ما جاء عن النبي ﷺ هو الأولى.

стр. 5881

تراجم رجال إسناد حديث جابر في التلبية (لبيك ذا المعارج) قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل]. أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن يحيى بن سعيد]. يحيى بن سعيد القطان البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن جعفر]. جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبيه]. أبوه هو محمد بن علي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن جابر بن عبد الله]. جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما صحابي بن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وجعفر وأبوه محمد بن علي من أهل البيت، وهما من أئمة أهل السنة، وأهل السنة يعظمون أهل بيت النبي ﷺ ، وينزلونهم منازلهم، ويعرفون قدرهم، وهذان الرجلان العظيمان رحمة الله تعالى عليهما من علماء أهل السنة، ومن أئمة أهل السنة، الذين يعرف أهل السنة فضلهم، وينزلونهم منازلهم من غير جفاء ولا غلو، وإنما باعتدال وتوسط.

стр. 5882

شرح حديث رفع الصوت بالإهلال قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن خلاد بن السائب الأنصاري عن أبيه ﵁: (أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: أتاني جبريل ﷺ فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو قال: بالتلبية، يريد أحدهما)]. أورد أبو داود ﵀ حديث السائب بن خلاد ﵁: (أن جبريل أتى النبي ﷺ ، قال: فأمرني أني آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال أو بالتلبية، يريد أحدهما) أي: أن رفْع الصوت بالتلبية لا يحصل مضرة على الناس، وهذا بالنسبة للرجل، وأما المرأة فتلبي بدون رفع الصوت، ويكون ذلك بحيث تسمعها صاحباتها، ولا يسمعها الرجال، والذين يرفعون أصواتهم هم الرجال، لكن بلا مشقة، وبلا إزعاج. وهذا فيه دليل على أن الإنسان يرفع صوته بالتلبية والإهلال، وهذا ليس بلازم؛ لأن التلبية نفسها ليست بلازمة، فلو لم يأت بها لا يترتب على ذلك شيء، ولا يلزمه شيء، فهي من المستحبات التي ينبغي أن يأتي بها، ولكن لو لم يأت بها لا يقال: إن حجه نقص، أو أنه ترك أمراً يحتاج فيه إلى جبر، فالتلبية سنة، ورفع الصوت بها سنة.

стр. 5883

تراجم رجال إسناد حديث رفع الصوت بالإهلال قوله: [حدثنا القعنبي، عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم]. عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث]. عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن خلاد بن السائب]. خلاد بن السائب بن خلاد وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن. [عن أبيه]. أبوه هو السائب بن خلاد، أخرج له أصحاب السنن.

стр. 5884

متى يقطع التلبية

стр. 5885

شرح حديث: (أن رسول الله لبّى حتى رمى جمرة العقبة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: متى يقطع التلبية؟ حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن الفضل بن عباس ﵃: (أن رسول الله ﵌ لبى حتى رمى جمرة العقبة)]. أورد أبو داود باب: متى يقطع التلبية؟ والمقصود به هنا الحاج الذي أحرم بالحج، أو بالحج والعمرة أي: سواء كان قارناً أو مفرداً، وهو الذي يبقى على إحرامه حتى يوم النحر، وحتى يرمي جمرة العقبة، فتقطع التلبية عند رمي جمرة العقبة، فالإنسان من حين يدخل في الإحرام يلبي إلى أن يرمي جمرة العقبة، فإذا رمى جمرة العقبة قطع التلبية، لكن هل يقطعها عند البدء أو يقطعها عند الانتهاء؟ قال بعض أهل العلم: إنه يقطعها عندما يبدأ، وقال بعضهم: إنه يقطعها عندما ينتهي، لكن الرسول ﷺ لما كان يرمي لم يأت عنه أنه كان يلبي، وإنما كان يكبر، فدل هذا على أن الأظهر هو القطع عند البدء؛ لأنه بعد ذلك يكبر ولا يلبي عند الرمي، فالحالة التي يرمي فيها لم يعرف عنه أنه لبى، ولم يأت ذلك عنه، وهذا يقوي القول الأول القائل: إنه يقطع التلبية عندما يبدأ برمي جمرة العقبة، وبعد ذلك يكبر، وكذلك في يوم العيد وأيام التشريق، فهي أيام تكبير. وهذا الحديث الذي أورده أبو داود هو حديث الفضل بن عباس، وهو أكبر أولاد العباس، وأمه لبابة بنت الحارث الهلالية، وهي أم أولاد العباس، وكان من أعلم الناس بهذه الحالة؛ لأنه كان رديف رسول الله ﷺ عندما كان يلبي حتى رمى، فهو على علم بتلبيته وبانتهائها.
следующие страницы →