Полный текст (18 341 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
الأحكام المستنبطة من قوله (فسألته وهو أعمى فجاء وقت الصلاة)
قوله: [(فسألته وهو أعمى، فجاء وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفاً بها -يعني: ثوباً ملفقاً- كلما وضعها على منكبيه رجع طرفاها إليه من صغرها، فصلى بنا ورداؤه إلى جنبه على المشجب)].
لما جاء وقت الصلاة قام جابر وصلى بهم، وهذا دليل على أن صاحب البيت وصاحب المنزل أولى من غيره بالإمامة، ويدل أيضاً على جواز إمامة الأعمى، ويدل أيضاً على أن الإنسان له أن يصلي بالثوب الواحد إذا كان كافياً وساتراً ولو كان عنده غيره؛ لأنه استعمل هذه النساجة التي هي ملفقة، وعندما جعلها على منكبيه وسحبها من جهة تحركت إلى الجهة الأخرى لصغرها، مع أن معه ثوباً معلقاً على المشجب، وكان بإمكانه أن يضيف ذلك الثوب الذي على المشجب إليه، فدلنا هذا على كفاية الثوب الواحد حيث يكون ساتراً ولو كان معه غيره من الثياب ويمكن أن تضاف إليه.
والمشجب: هو أعواد كانوا يحزمونها وتكون أطرافها بارزة من فوق يعلقون عليها الثياب؛ ولهذا يقولون: فلان كالمشجب، من أين أتيته وجدته.
أيضاً هذا ما أن جابراً فتح الأزرار يدل على أن الثياب يكون لها زر، وأن الثياب تتخذ فيها الأزرة بحيث تكون مفتوحة الصدور، وقد جاء في بعض الأحاديث: (أن النبي ﵊ جاءه وفد وكان إزراره محلولاً)، وبعض الشباب يتعلقون بهذا الحديث فيفتحون أزرتهم باستمرار، وهذا ليس بصحيح؛ لأن هذه الهيئة الخاصة والحالة الخاصة التي وجدت منه ﷺ في حالة من الحالات ربما كانت في غرض من الأغراض، كتبرد أو نسيان زر من الأزرار أو ما إلى ذلك، أما أن تكون الأزرار موجودة ثم يترك الصدر مكشوفاً دون أن يزر فما فائدة الأزرار إذن؟! ولهذا كان مع محمد بن علي رحمة الله عليه هذان الزراران، وقد فكهما جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما وأدخل يده وجعلها بين ثدييه، وذلك تأنيساً له لكونه شاباً صبياً رحمة الله عليه.
قوله: [(فقلت: أخبرني عن حجة رسول الله ﷺ ].
هذا السؤال من محمد بن علي بن الحسين رحمة الله عليه وجابر ﵁ هو الذي طلب منه أن يسأل، وقدمه على غيره لقرابته من رسول الله ﷺ .
стр. 6162
حج النبي ﷺ في السنة العاشرة
قوله: [(فقال بيده فعقد تسعاً)].
كان العقد باليد عند العرب مشهور، وله هيئات تدل على الأعداد، فقد يقبض أصبعاً أو أصبعين، ويرفع أصبعاً أو أصبعين، وكل هيئة تدل على رقم معين، فعقد تسعاً.
قوله: [(ثم قال: إن رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحج)] يعني: مضى عليه تسعة أعوام في المدينة ولم يحج إلا في السنة العاشرة، وسبق أن عرفنا أن العلماء اختلفوا في فرض الحج متى كان؟ فمنهم من قال: في السنة السادسة، ومنهم من قال قبل ذلك، ومنهم من قال: إنما كان في السنة التاسعة؛ ولهذا أرسل النبي ﷺ أبا بكر ليحج بالناس في السنة التاسعة، وينادي: (ألا يحج بعد العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان) حتى إذا جاءت السنة التي حج فيها الرسول ﷺ وإذا هذه الهيئات والصفات السيئة التي اعتادها بعض الناس قد قضي عليها وقد انتهي منها، فالكفار منعوا من الحج فلم يحجوا بعد ذلك العام، وكذلك العراة منعوا من العري، وأنه لا يطوف بالبيت عريان كما كان بعض الجاهليين يطوفون عراة، والنبي ﷺ أمر أبا بكر أن يبلغ الناس ذلك.
стр. 6163
إعلام الناس في السنة العاشرة بحج النبي ﷺ
قوله: [(ثم أذن في الناس في العاشرة)].
يعني: في السنة العاشرة.
قوله: [(أن رسول الله ﷺ حاج)] إما أذن هو وأخبر بنفسه، أو أذن غيره بأمره، وإنما حصل الإخبار بحجه ﷺ حتى يأتي الناس ليصحبوه في حجه ويتلقوا عنه الحج، ويعرفوا كيف يحجون وما هي صفة الحج، وحتى يتلقوا منه ﷺ قولاً وفعلاً؛ ولهذا قال ﵊: (خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) فأعلن في الناس أنه حاج، فتوافد الناس على المدينة يريدون أن يصحبوا رسول الله ﷺ في رحلته إلى الحج.
قوله: [(فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله ﷺ ويعمل بمثل عمله)].
يعني: بعدما أُعلن بأن النبي ﷺ حاج، توافد إلى المدينة أعداد كبيرة من الناس؛ كل يريد أن يأتم برسول الله ﵊ ويقتدي به في الحج، ويسير على نهجه، وينظر إلى حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله ﷺ ، فيقتدي به، وهو نفسه ﵊ حث بقوله: (خذوا عني مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا) صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
стр. 6164
مكث النبي ﷺ بذي الحليفة يوماً وليلة بعد خروجه من المدينة للحج
قوله: [(فخرج رسول الله ﵌ وخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة)].
أخبر جابر ﵁ أن النبي ﷺ خرج من المدينة، وكان خروجه بعد صلاة الظهر في هذا المسجد المبارك، صلى بالناس الظهر أربعاً، ثم خرج إلى ذي الحليفة وصلى فيها العصر ركعتين، ثم صلى فيها المغرب والعشاء والفجر والظهر، فيكون صلى فيها خمس صلوات، وجلس يوماً وليلة، ولعل جلوسه ﷺ في ذلك المكان حتى يتوافد الناس إليه، وحتى يكونوا على علم بصفة حجه من بدايته؛ لأن الحج يبدأ من الميقات حيث يكون الإحرام منه.
إذاً: مكثه ﷺ يوماً وليلة في ذي الحليفة ليتوافد الناس إليه، وليكونوا معه من أول عمل من أعمال الحج، ومن حين إهلاله بالحج، فيقتدوا به ويأتسوا به ﷺ ، فصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، وهذا يدلنا على أن المسافر إذا خرج من البلد وتجاوزها فإنه يبدأ بأحكام السفر ورخصه؛ لأن النبي ﷺ خرج وقصر العصر في ذي الحليفة، ولا يلزم أن يسير المسافر مسافة طويلة جداً حتى يترخص برخص السفر، ولكنه إذا خرج وبدأ بالسفر بدأ بالترخص؛ ولهذا بدأ ﵊ القصر بذي الحليفة في صلاة العصر، حيث صلى بالمدينة الظهر أربعاً، وصلى بذي الحليفة العصر ركعتين، ولكن إذا امتدت المدينة ودخل ذو الحليفة في البنيان واتصل العمران فإنه لا يجوز أن يقصر في ذي الحليفة؛ لأنها عند ذلك تكون من المدينة، وقد انتشر البنيان الآن وكاد أن يتصل بذي الحليفة، فإذا اتصل فإن ذا الحليفة تكون من جملة المدينة وليس من أطرافها، ولا يجوز القصر فيه، وإنما يقصر إذا تجاوز العمران نهائياً، عند ذلك يبدأ بالترخص؛ لأن النبي ﷺ قصر في ذي الحليفة؛ لأنه كان خارج المدينة، وبينه وبين المدينة مسافة قريبة من عشرة كيلو متر.
стр. 6165
ولادة أسماء بنت عميس في ذي الحليفة وحكم من كانت معها
قوله: [(فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ فقال: اغتسلي واستذفري بثوب وأحرمي)].
ولدت أسماء ﵂ بذي الحليفة، وأسماء بنت عميس هذه كانت زوجة جعفر بن أبي طالب ﵁، وقد استشهد في غزوة مؤتة، ثم تزوجها بعده أبو بكر ﵁، وبعد موت أبي بكر تزوجها علي، وولدت من الثلاثة، وهذا الذي ولدته في ذي الحليفة هو محمد بن أبي بكر، ولا أدري هل ولدت له غيره أو لا؟ ولكنها ولدت من الثلاثة: من جعفر ومن أبي بكر ومن علي رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، فلما ولدت أرسلت إلى النبي ﷺ تسأل: كيف تصنع؟ وقد حصلت لها الولادة وحصل لها النفاس، فأمرها النبي ﵊ أن تغتسل وأن تستذفر بثوب، وذلك بأن تجعل ثوباً على فرجها يمنع من نزول الدم، وأمرها أن تغتسل للإحرام، وهذا يدل على استحباب الاغتسال للإحرام، وأنه سنة حتى الحائض والنفساء يسن لهما أن يغتسلا للإحرام، وأن يحصل منهما النظافة والنزاهة لأجسامهما بهذه المناسبة.
стр. 6166
إحرام النبي ﷺ وأصحابه في ذي الحليفة
قوله: [(فصلى رسول الله ﷺ في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء قال جابر: نظرت إلى مد بصري من بين يديه من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله، فما عمل به من شيء عملنا به)].
يعني: أن النبي ﷺ صلى بالمسجد بذي الحليفة صلاة الظهر، ثم أحرم بعدها وانطلق في رحلته إلى الحج ﵊.
إذاً: فهو صلى في ذي الحليفة خمسة أوقات: العصر والمغرب والعشاء والفجر والظهر، وبعد صلاة الظهر انطلق ومعه أصحابه ﵃ وأرضاهم للحج، ولما استوت ناقته على البيداء نظر جابر ﵁ وإذا الناس منهم الراكب والماشي مد البصر، أمامه ويمينه وشماله وخلفه، والنبي ﷺ وسطهم، وما فعله فعلوه، فهم يتابعونه ويسيرون على نهجه وعلى طريقته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو ﷺ الذي ينزل عليه القرآن وهو الذي يعلم تأويله، ومن المعلوم أن خير ما يفسر به القرآن هو القرآن، وسنة الرسول ﷺ ؛ ولهذا فالسنة تبين القرآن وتشرحه وتوضحه وتدل عليه؛ ولهذا قال جابر رضي الله تعالى عنه: (وعليه ينزل القرآن وهو يعلم تأويله) يعني: وهو ﷺ يعلم تفسيره وبيان معناه.
وما عمله من شيء عمله أصحابه، ومن المعلوم أن النبي ﵊ لما كان في ذي الحليفة خير الناس بين أنساك ثلاثة: خيرهم بين الإفراد، وهو أن يحرم بالحج وحده، وإذا وصل مكة طاف وسعى وبقي على إحرامه حتى يذهب إلى عرفة، ويرجع إلى مزدلفة، ثم يأتي إلى منى ويرمي الجمرة، ويحلق رأسه، ويطوف ويتحلل، وليس عليه هدي، وبين القران، وهو أن يحرم من الميقات بحج وعمرة يلبي بهما معاً، وإذا وصل مكة طاف وسعى وقصر وبقي على إحرامه حتى يأتي يوم النحر مثله مثل المفرد، وبين التمتع، وهو أن يحرم الإنسان بالعمرة من الميقات، فإذا وصل مكة طاف وسعى وقصر وتحلل، وإذا جاء اليوم الثامن أحرم بالحج، ثم أتى بالحج وأكمله، فخير ﵊ الناس بين الأنساك الثلاثة، وقد كان ﵊ ساق الهدي، وأحرم بالقران صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فجمع بين الحج والعمرة.
стр. 6167
إهلال النبي ﷺ بالتوحيد ومعاني التلبية
قوله: [(فأهل رسول الله ﷺ بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)].
أهل ﵊ بالتوحيد، والتوحيد: هو إفراد الله بالعبادة، وهذه التلبية مشتملة على لا إله إلا الله، ومقتضى لا إله إلا الله أي: لا معبود بحق إلا الله؛ لأن لا إله إلا الله تشتمل على ركنين: نفي، وإثبات، نفي عام في أولها، وإثبات خاص في آخرها.
وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هي المفتاح للدخول في الإسلام، وهي مفتاح الجنة؛ ولهذا أول ما بعث الله تعالى الرسول ﷺ كان يمشي في مكة ويقول: (يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) وأول شيء يدعى إليه هو التوحيد؛ ولهذا جاء في حديث معاذ بن جبل لما أرسله ﷺ إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) فأول شيء يدعى إليه هو التوحيد، الشهادة لله بالوحدانية ولنبيه محمد ﷺ بالرسالة.
فالتلبية مشتملة على التوحيد؛ لأن (لبيك) معناها: أنك يا رب! لما دعوتني لحج بيتك استجبت لدعوتك ولبيت نداءك، فلبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك.
فالتلبية هي بمعنى لا إله إلا الله؛ لأن (لبيك اللهم لبيك) هي بمعنى (إلا الله)، و (لا شريك لك) بمعنى (لا إله)؛ ولهذا قال جابر ﵁: [(فأهل بالتوحيد)] يعني: أهل بإعلان إخلاص العبادة لله ؛ ولهذا كل عمل من الأعمال لا ينفع صاحبه عند الله إلا إذا توافر فيه أمران: الإخلاص لله وحده، والمتابعة للرسول ﷺ .
فإذا فقد الشرطان أو أحدهما، فإن العمل لاغ ومردود على صاحبه، فمن فقد الإخلاص في العمل، وإن كان العمل على طبق السنة، مادام أن فيه رياء وصُرِفَ العمل لغير الله؛ فإنه يكون مردوداً على صاحبه؛ ولهذا يقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] يعني: كل عمل يعمله الكفار من الأعمال الطيبة التي فيها خير وفيها بر ومصلحة وفائدة وإحسان مردودة عليهم ولا تنفعهم عند الله ؛ لأنها لم تبن على التوحيد، ومن شرط العمل المقبول عند الله أن يكون خالصاً لوجه الله، هذا هو الشرط الأول.
الشرط الثاني: أن يكون مطابقاً لسنة رسول الله ﷺ ، وهذان الشرطان هما مقتضى الشهادتين، مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ومقتضى شهادة أن محمداً رسول الله ﵊.
إذاً: إنما يعبد الله طبقاً لما جاء به رسول الله ﷺ ، فإذا فقد الإخلاص رد العمل وكان حابطاً، وإن وجد الإخلاص وكان مبنياً على بدعة ومبنياً على محدثات الأمور، فإنه أيضاً يكون مردوداً على صاحبه؛ لقول النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وقال: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) فرغب في اتباع السنة، ورهب من اتباع المحدثات التي هي البدع المنكرة؛ ولهذا فإن العمل ولو كان خالصاً لله لابد أن يكون مطابقاً لسنة رسول الله ﷺ .
قد يقول بعض الناس: إن الإنسان قد يأتي بعمل صالح يتقرب به إلى الله مع أنه لم يأت عن الرسول ﷺ ، ولكن قصد الإنسان حسن، فهل يشفع له حسن قصده؟ وهل يكون عمله مقبولاً عند الله، مع أنه ليس مبنياً على سنة رسول الله ﷺ ؟ الأمر كما قال ﵊: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه.
ومما يدل على أن حسن القصد لا يكفي: أن النبي ﵊ لما ذبح أحد أصحابه ﵃ وأرضاهم أضحيته قبل صلاة العيد، يريد من وراء ذلك أن يطبخ اللحم، حتى إذا جاء الرسول ﷺ وأصحابه من المصلى وهم بحاجة إلى اللحم يقدم لهم لحم أضحيته، فهذا قصد حسن وقصد طيب، لكن ماذا قال رسول الله ﵊ بعد أن علم أنه ذبحها قبل صلاة العيد؟ قال: (شاتك شاة لحم) يعني: ليست أضحية؛ لأنها ما وقعت طبقاً للسنة في الوقت المحدد، فهي مثل الشاة التي تذبح في محرم وصفر وربيع، حينما يذبح الناس الشياه ويأكلون لحمها، هذه من جنسها، والأضحية هي التي تكون بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريق، أربعة أيام: يوم العيد، وثلاثة أيام بعده، هذا هو وقت ذبح الأضاحي، فلا تذبح قبل الصلاة، وإذا غابت الشمس من آخر أيام التشريق انتهى وقت الذبح، فهذا الصحابي ﵁ كان قصده حسناً، ومع ذلك قال له النبي ﷺ : (شاتك شاة لحم) يعني: ليست أضحية.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري نقلاً عن بعض أهل العلم: وفي هذا الحديث دليل على أن العمل لا يعتبر إلا إذا وقع طبقاً للسنة، وأنه لا يكفي حسن قصد الفاعل.
ومما يدل على ذلك أيضاً: أن أبا عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ صاحب رسول الله ﷺ بلغه أن أناساً يتحلقون في المسجد، ومع كل واحد منهم حصى، وفيهم واحد يقول: هللوا مائة، فيهللون مائة ويعدون بالحصى، ثم يقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، ثم يقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، فوقف على رءوسهم أبو عبد الرحمن ﵁ وأرضاه وقال: ما هذا يا هؤلاء؟! قالوا: حصى نسبح به، فقال ﵁ وأرضاه: إما أن تكونوا على طريقة أهدى مما كان عليه أصحاب الرسول ﷺ ، أو أنكم مفتتحو باب ضلالة، فقالوا: سبحان الله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير، فقال ﵁: وكم من مريد للخير لم يصبه.
ولهذا يقول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠].
قال بعض السلف: العمل الصالح هو الذي يكون خالصاً صواباً، فالخالص ما كان لله وحده، والصواب ما كان على سنة الرسول ﷺ .
إذاً: الرسول ﷺ أهل بالتوحيد، والتوحيد: هو إفراد الله بالعبادة، والعبادة أنواع كثيرة: فالدعاء عبادة، والذبح عبادة، والنذر عبادة، والاستعانة عبادة، والاستغاثة عبادة، والاستعاذة عبادة، والرغبة عبادة، والرهبة عبادة، والخوف عبادة، والتوكل عبادة.
وتوحيد الله تعالى في ألوهيته: هو توحيد الله تعالى في أفعال العباد بحيث تكون خالصةً لله، فلا يجعلون مع الله شريكاً في عباداتهم التي يتقربون بها إلى الله، وإنما يجعلونها خالصةً لوجه الله ، فعلى هذا الذي فعله هؤلاء الذين أنكر عليهم عبد الله بن مسعود مردود عليهم مع حسن قصدهم، فكم من مريد للخير لم يصبه.
وبعدما أهل بالتوحيد ﷺ وأعلن إخلاص العبادة لله والناس يسمعون، وقد رفع صوته بذلك ﵊، أثنى على الله بما هو أهله، وأنه المستحق للعبادة؛ لأنه المنعم بكل نعمة، والمحمود على كل حال، وهو مالك الملك ذو الجلال والإكرام، فقال: [(إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)] يعني: أنت المتفرد بإسداء النعم إلى كل منعَم عليه، وأنت المحمود على كل حال، وأنت مالك الملك ذو الجلال والإكرام، فلا شريك لك في الملك، ولا شريك لك في العبادة، وأنت المتفرد بالخلق والإيجاد لا شريك لك في ذلك، فكما أنه لا خالق إلا الله، ولا رازق إلا الله، ولا محيي إلا الله، ولا مميت إلا الله، فلا يعبد إلا الله، ولا تصرف العبادة إلا لله ، فلا تصرف لملك مقرب ولا لنبي مرسل، وهذا هو مقتضى لا إله إلا الله، فلا يصرف من أنواع العبادة شيء لغير الله ، فلا يدعى إلا الله، ولا ينذر إلا لله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يذبح إلا لله، ولا يحلف إلا بالله، ولا ينذر إلا لله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].
فهذه تلبية رسول الله ﷺ التي كان يلبي بها: [(لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)].
стр. 6168
عدم إنكار النبي ﷺ على من كانوا يزيدون في التلبية
قوله: [(وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد عليهم رسول الله ﵌ شيئاً منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته)].
من الناس من كان يزيد على هذه التلبية، كما جاء عن ابن عمر ﵁ فيما مضى أنه كان يقول: (لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل)، وجاء عن بعض الصحابة أنه قال: (لبيك حقاً حقاً)، وهناك ألفاظ أخرى، والنبي ﷺ كان يسمعهم ولا ينكر عليهم، فدل ذلك على جواز الزيادة في التلبية، ولكن الأولى الاقتصار على تلبية النبي ﷺ ؛ لأنه ما كان يزيد عليها شيئاً، ولكنه أقر الذين كانوا يلبون ويضيفون إلى التلبية بعض الإضافات مثل: (لبيك وسعديك، والخير بيديك، والرغباء إليك والعمل).
فإن أتى الإنسان بشيء مما جاء عن السلف وعن الصحابة، فلا بأس بذلك، لكن الأولى الاقتصار على ما اقتصر عليه رسول الله ﷺ .
стр. 6169
معنى قوله: (لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة)
قوله: [(قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة)].
يعني: أنهم ذهبوا من أجل الحج، وأنهم كانوا لا يعرفون العمرة، ولعل المقصود من ذلك العمرة التي تفسخ القران والإفراد مع عدم سوق الهدي، وإلا فإن العمرة موجودة، والنبي ﷺ كان قد اعتمر في أشهر الحج، اعتمر عمرة الحديبية في ذي القعدة، التي صده المشركون عنها، واعتمر عمرة القضية في ذي القعدة من السنة السابعة، واعتمر في السنة الثامنة عمرة الجعرانة، وكانت في ذي القعدة، واعتمر مع حجته؛ لأنه كان قارناً، وكان الدخول في الإحرام في ذي القعدة، وأداء الحج والعمرة في وقت الحج.
إذاً: المقصود من قوله: (ما كنا نعرف العمرة) أنهم ما كانوا يعرفون أن من يلبي بالحج أنه سيتحول من كونه حاجاً إلى كونه معتمراً، وقد كان في الصحابة من هو محرم بالعمرة، وأمهات المؤمنين كلهن كن محرمات بالعمرة متمتعات، والنبي ﷺ خير أصحابه في الميقات بين الثلاثة الأنساك: بين التمتع والقران والإفراد، وأمهات المؤمنين كلهن أحرمن بالعمرة، وكلهن أكملن العمرة إلا عائشة فقد حصل لها الحيض، وجاء الحج وهي لم تطهر، فأمرها النبي ﷺ أن تدخل الحج على العمرة وتكون قارنة.
стр. 6170
استلام النبي ﷺ للركن وطوافه بالبيت مع الرمل في الثلاثة الأشواط الأولى
قوله: [(حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً)].
دخل النبي ﷺ وأصحابه مكة، ولما وصلوا إلى البيت أول شيء بدأ به ﷺ أن استلم الركن، أي: الحجر الأسود، والاستلام يكون بالتقبيل لمن يتمكن من ذلك، ومن لم يتمكن ومد يده ولمس الحجر، فإنه يقبل يده، وإذا كان راكباً يلمس الحجر بعصا ويقبلها، كما فعل رسول الله ﵊، فإنه كان قد ركب صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وكان يستلم الركن بمحجن.
ثم رمل ثلاثة أشواط، والرمل: هو الإسراع مع مقاربة الخطا، فرمل في الأشواط الثلاثة كلها من الحجر إلى الحجر، وأصل الرمل كان في عمرة القضية كما سبق، لما اتفق النبي ﷺ وكفار مكة على أن يرجعوا عام الحديبية ويعتمروا من العام القادم، كان جماعة من كفار مكة من جهة الحجر، وكانوا يتحدثون فيما بينهم ويقولون: إنه يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب، فأمر النبي ﷺ الصحابة أن يرملوا الأشواط الثلاثة الأول، وإذا كانوا بين الركنين يمشون؛ وذلك لأن الكعبة تحجب بينهم وبين الكفار، ولكنه في حجة الوداع رمل من الحجر إلى الحجر، فدل ذلك على أنه سنة، وأن الرمل يكون في الأشواط الثلاثة كلها من أولها إلى آخرها.
قوله: (ومشى أربعاً) هذا يدل على أن الطواف بالبيت سبعة أشواط، وأن الثلاثة الأشواط الأول يرمل فيها، وذلك في حق من يدخل مكة أول طواف يطوفه إن كان متمتعاً أو معتمراً فطواف العمرة، وإن كان قارناً أو مفرداً فطواف القدوم.
وبالنسبة للرمل فقد جاء أنه ﷺ طاف على بعير، لكن هذه الرواية عن جابر فيها أنه استلم الركن فرمل، لكنه جاء في بعض الأحاديث عن جابر: (أن الناس غشوه فركب البعير ﷺ ولعله ﷺ استلم الحجر ثم بعد ذلك غشاه الناس فركب البعير؛ حتى يشرف وحتى يراه الناس ﷺ ، وقد أمر بالرمل، فيكون معنى قوله: (فرمل) أي: أمر أصحابه بالرمل، ويكون أضاف إليه الرمل لأنه الآمر به ﷺ .
стр. 6171
صلاة النبي ﷺ ركعتي الطواف عند مقام إبراهيم
قوله: [(ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥]، فجعل المقام بينه وبين البيت، قال: فكان أبي يقول: قال ابن نفيل وعثمان: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي ﷺ ، قال سليمان: ولا أعلمه إلا قال: كان رسول الله ﵌ يقرأ في الركعتين بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وبـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾)].
ذكر هنا الاختلاف بين الرواة الذين روى عنهم أبو داود ﵀ فيما يتعلق بالركعتين، وفيما يتعلق بالقراءة في الركعتين، وأنه كان يقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.
و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ كما هو معلوم دالة على على توحيد الأسماء والصفات، وأن الله تعالى واحد في ذاته وأسمائه وصفاته، فهو الأحد الصمد الذي تصمد إليه الخلائق بحوائجها، وهو مستغن عن الأصول والفروع والنظراء، فهو: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، وسورة الكافرون فيها توحيد العبادة: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:٢ - ٣] فهذه فيها توحيد العبادة، وتلك فيها توحيد الأسماء والصفات.
стр. 6172
استلام النبي ﷺ للركن بعد ركعتي الطواف
قوله: [(ثم رجع إلى البيت فاستلم الركن)].
يعني: ثم رجع إلى البيت بعدما صلى خلف المقام ركعتين، فاستلم الحجر الأسود، وهذا يدل على أنه يشرع للقادم إذا انتهى من الطواف بالبيت وصلى ركعتين أن يأتي إلى الحجر الأسود ويستلمه، وهذا استلام ليس متعلقاً بطواف وإنما هو استلام مستقل، فذلك جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، ومعلوم أن الاستلام الآن والذهاب إلى الحجر في غاية المشقة، ولا ينبغي للإنسان أن يستلم الحجر إذا كان هناك مشقة؛ بل إن تيسر له أن يستلمه بدون أن يؤذي أحداً فعل، وإن كان لا يصل إليه إلا بالإيذاء فإنه لا يفعل؛ لأن استلامه سنة وإيذاء الناس حرام، ولا يرتكب الأمر المحرم من أجل الوصول إلى أمر مستحب، بل يترك الأمر المستحب إذا لم يوصل إليه إلا بإيذاء الناس.
والحاصل: أن الإنسان يستلم الحجر في كل طوفة، وأيضاً في هذا الموضع بعد ركعتي الطواف يأتي ويستلمه، أما ما يفعله بعض الناس عندما يأتي ويصلي قريباً من الحجر وما أن يسلم الإمام حتى يثب على الحجر ويقبله، فهذا ما جاءت به السنة عن رسول الله ﵊؛ لأن السنة جاءت بأنه يقبل ويستلم في حال الطواف، وفي هذا الموضع الذي هو بعد ركعتي الطواف.
واستلام الحجر على ثلاث مراتب: أن يقبله، فإن لم يستطع فإنه يستلمه بشيء ويقبل ما استلمه به، فإن لم يستطع فإنه يشير إليه ويكبر، وفي هذا الموضع استلمه النبي ﷺ ، فإذا تيسر للإنسان أن يستلم فهذا هو المطابق لفعله ﷺ ، وأما أن يشير إليه فمحتمل ولا أجزم بذلك، والله تعالى أعلم؛ لأن الذي فعله النبي ﷺ في هذا الموطن بالذات هو الاستلام.
стр. 6173
خروج النبي ﷺ إلى الصفا
قوله: [(ثم خرج من الباب إلى الصفا)].
يعني: خرج من باب المسجد إلى الصفا؛ لأن الصفا والمروة كانتا خارج المسجد، وكان المسعى إلى وقت قريب في وسط السوق، والدكاكين عن يمينه وشماله، وكان الناس يسعون بين الدكاكين والناس يبيعون ويشترون، وكان ذلك موجوداً إلى سنة (١٣٧٠هـ)، وكانت السيارات تمشي من بطن الوادي وتقطع المسعى، والناس يقفون وينتظرون حتى تمضي السيارات، فذكر أنه خرج من الباب لأن المسعى كان خارج المسجد.
стр. 6174
بداية النبي ﷺ من الصفا
قوله: [(فلما دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] نبدأ بما بدأ الله به)].
يعني: أن الله تعالى بدأ بالصفا في الذكر، فنحن نبدأ بها فعلاً وعملاً، لا نبدأ من المروة، وإنما نبدأ بما بدأ الله به؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ [البقرة:١٥٨]، فقدم الصفا في الذكر على المروة، فنحن نبدأ بالصفا ونختم بالمروة، ولو أن إنساناً أخطأ وبدأ بالمروة فإنه يلغي الشوط الأول الذي بدأ فيه بالمروة، ويبدأ من الصفا؛ اقتداءً برسول الله ﵊، ولقوله: (نبدأ بما بدأ الله به).
стр. 6175
صعود النبي ﷺ على الصفا
قوله: [(فبدأ بالصفا فرقي عليه حتى رأى البيت فكبر الله ووحده، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك وقال مثل هذا ثلاث مرات)].
لما وصل ﷺ إلى الصفا صعد عليه، واستقبل القبلة حتى رأى البيت، وجعل يهلل الله ويوحده ويكبره، ويقول: [(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ويدعو بين ذلك)] وهذا يدل على أن هذا الموطن فيه ذكر، وفيه الإشارة إلى الدعاء، فهذا ذكر لله وثناء عليه وتعظيم له، وإعلان إفراد العبادة له وحده لا شريك له.
فكلمة (لا إله إلا الله) هي كلمة التوحيد، وهي -كما ذكرنا- مفتاح الإسلام، وهي كذلك ختام الدنيا ونهايتها، والنبي ﷺ -كما أسلفت- كان يقول لأهل مكة: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) وقال ﵊: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فإنه من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، والتلقين يكون قبل الموت لا بعده كما يفعله بعض المبتدعة حينما يلقنون الميت بعد الدفن، ويقولون: يا فلان ابن فلانة اذكر كذا وقد وردت فيه أحاديث ضعيفة غير ثابتة عن رسول الله ﵊، ولكن الثابت هو التلقين ما دام الإنسان في الحياة الدنيا؛ ولهذا قال ﵊: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فإنه من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة)، والإنسان إنما ينتهي من الدنيا بالموت، فإذا قالها قبل أن يموت فقد ختم له بكلمة التوحيد.
وقوله: (موتاكم) أي: الذين قاربوا الموت، وليس المقصود به الذي مات بالفعل، حتى تكون كلمة التوحيد آخر ما ينطقون به، وهي أيضاً مفتاح الجنة، قيل لـ وهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح.
يعني: أن مجرد كلمة التوحيد بدون ما تقتضيه وبدون ما تتطلبه فهي مثل المفتاح الذي ليس له أسنان، والمفتاح إنما يفتح إذا كان له أسنان.
стр. 6176
شرح سنن أبي داود [٢٢٤]
حج النبي ﷺ حجة الوداع فكانت حجته تطبيقاً عملياً لجميع أعمال الحج، بأركانه وواجباته وسننه، وقد رواها جابر ﵁ مفصلة في حديثه الطويل، فكان منسكاً متكاملاً لمن أراد أن يحج كما حج النبي ﷺ .
стр. 6177
تابع صفة حجة النبي ﷺ
стр. 6178
صفة سعيه ﷺ بين الصفا والمروة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب صفة حجة النبي ﵌.
قال جابر ﵁: (ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه رمل في بطن الوادي، حتى إذا صعد مشى حتى أتى المروة فصنع على المروة مثلما صنع على الصفا)].
قد وصلنا إلى السعي بين الصفا والمروة، وأنه بعدما وقف على الصفا وذكر الله ووحده وقال: (لا إله إلا اله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده) وأنه كان يدعو بين ذلك، ويأتي بذلك ثلاثاً، وقد عرفنا أن هذا الدعاء مشتمل على التوحيد، وعلى إخلاص العبادة لله ، وذلك في قوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير)، فإن قوله: (لا إله إلا الله)، هذه كلمة الإخلاص وكلمة التوحيد.
وقوله: (وحده لا شريك له) تأكيد لكلمة التوحيد؛ فهي كلمة مؤكدة للنفي الذي هو (لا إله).
ثم بعد ذلك الثناء على الله بما هو أهله من أن له الحمد وله الملك، فهو مالك الملك، وهو المحمود على كل حال، وهو الذي يعبد وحده لا شريك له، وهو على كل شيء قدير.
قوله: (لا إله إلا الله وحده) وهذا أيضاً تكرار لكلمة التوحيد، وتأكيد لقوله: (إلا الله).
قوله: [(أنجز وعده)] أي: وعده لنبيه ﷺ .
قوله: [(ونصر عبده)] وهو النبي ﷺ .
قوله: [(وهزم الأحزاب وحده)] إما أن يكون المراد بهم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﵊ يوم الأحزاب، وأرسل الله عليهم ريحاً وجنوداً لم يرها الناس، وهزمهم الله، وإما أن يكون المراد ما يحصل للمؤمنين من نصر على أعداء الله ، فهو الذي ينصر عباده، وهو الذي ينصر أولياءه، وهو على كل شيء قدير.
ثم ذكر أنه دعا بين ذلك وكرر ذلك ثلاثاً، وأنه نزل من الصفا متجهاً إلى المروة، وصار يمشي ﷺ مشياً حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي أسرع وسعى، حتى إذا ارتفع من بطن الوادي إلى جهة المروة صار يمشي حتى وصل إلى المروة، فتبين بهذا أن السنة في السعي أن يمشي ما بين الصفا والمروة إلا في المكان الذي هو بطن الوادي، والذي جعل له في هذا الزمان علامة، وهي طلاء أخضر وإضاءة خضراء تكون على الجوانب، فإذا كان بين هذه العلامة فإنه يسعى، وإذا تجاوزها فإنه يمشي، هكذا كان يفعل في سعيه ﷺ ، حتى إذا وصل إلى المروة فعل عليها مثل ما فعل على الصفا، حيث وقف يدعو ويذكر الله ويهلله، وهو مستقبل القبلة، وفيه أيضاً أنه كان يرفع يديه ﵊ وهو يدعو ويذكر الله ويهلله.
стр. 6179
أمر النبي ﷺ من لم يكن معه هدي أن يتحلل ويجعلها عمرة
قوله: [(حتى إذا كان آخر الطواف على المروة قال: إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فلْيَحْلُل وليجعلها عمرة، فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي ﵌ ومن كان معه هدي)].
يعني: أن النبي ﷺ بعدما انتهى من الطواف بين الصفا والمروة قال لأصحابه: [(لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي ولجعلتها عمرة)] فدل هذا على أن التمتع أفضل من القران والإفراد، وأنه في حالة سوق الهدي يبقى القارن والمفرد على إحرامه حتى يوم النحر، وإذا لم يكن معه هدي فإنه يتحول من كونه قارناً أو مفرداً إلى كونه متمتعاً، أي: محرماً بعمرة ويقصر ويتحلل، ثم في اليوم الثامن يحرم بالحج من مكة، ويذهب إلى منى ويكمل أعمال الحج.
وهنا ذكر التقصير وأنهم قصروا، ومعلوم أن الحلق أفضل من التقصير، ولكن لكون الزمن متأخراً؛ لأنهم وصلوا في رابع ذي الحجة ولم يبق إلى الحج إلا أيام قليلة، فقصروا حتى يبقى شعر يحلق يوم العيد بعد رمي جمرة العقبة، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أتى بعمرة وهو قريب من الحج وليس هناك وقت ينبت الشعر معه، فإن الأولى في حقه أن يقصر كما فعل الصحابة مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فإنهم قصروا عند المروة، وأما إذا كان الإنسان جاء في وقت مبكر ويمكن أن ينبت الشعر كأن يكون جاء في أول ذي القعدة، أو جاء في أثناء ذي القعدة أو قبل ذلك في أشهر الحج، فإن الأولى في حقه أن يحلق؛ لأن النبي ﵊ دعا للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة واحدة، فدل على أن الحلق أفضل من التقصير، ولكن التقصير هنا من الذين فسخوا إحرامهم من الحج والعمرة إلى العمرة فصاروا متمتعين؛ لأن الحج قريب، وقصروا ليكون هناك شعر يبقى ليحلق يوم العيد.
إذاً: الرسول ﷺ قسم الناس قسمين: من كان معه هدي سواء كان قارناً أو مفرداً فيبقى على إحرامه إلى يوم النحر حيث يبلغ الهدي محله، ومن لم يكن معه هدي من القارنين والمفردين، فإنه ينتقل من كونه قارناً أو مفرداً إلى كونه معتمراً فيكون بذلك متمتعاً، وهذا -كما سبق أن أسلفت- يدل على أن التمتع أفضل من القران والإفراد، وذلك لأن النبي ﷺ أرشد القارنين والمفردين الذين لم يسوقوا هدياً أن يكونوا متمتعين وأن يتحولوا إلى عمرة، ولو كان القران والإفراد أفضل لما أرشدهم النبي ﵊ أن يتحولوا إلى العمرة وهي دون ذلك، ولكن الرسول ﷺ لا يرشد إلا إلى ما هو الأكمل والأفضل؛ لأنه ﵊ هو أنصح الناس للناس.
стр. 6180
دخول العمرة في الحج للأبد
قوله: [(فقام سراقة بن جعشم ﵁ فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله ﵌ أصابعه في الأخرى ثم قال: دخلت العمرة في الحج -هكذا مرتين- لا بل لأبد أبد، لا بل لأبد أبد)].
لما أمرهم ﷺ أن يتحللوا وتحللوا سأله سراقة بن مالك بن جعشم: أرأيت عمرتنا هذه ألعامنا هذا أم للأبد؟ يعني: هل هي خاصة بنا هذه السنة فقط أو أنها مستمرة ودائمة وباقية، فقال النبي ﷺ : [(لا بل لأبد الأبد)] يعني: أنها مستمرة، وليست خاصة بكم.
قوله: [(وشبك بين أصابعه، وقال: دخلت العمرة في الحج)] وهذا بالنسبة للعمرة التي هي عمرة التمتع، والتي هي منفصلة عن الحج، يعني: دخلت العمرة في وقت أشهر الحج؛ لأن العمرة التي هي عمرة التمتع تكون في أشهر الحج.
إذاً: العمرة التي تكون مستقلة عن الحج ليست مقرونةً معه، وهي التي سئل عنها وقال ﵊: (لأبد الأبد)، فدل ذلك على أن هذه ليست خاصة بأصحاب الرسول ﷺ ، وأنه لما كان أهل الجاهلية يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فالنبي ﷺ أمرهم بذلك، والنبي ﵊ قبل ذلك كان قد اعتمر في السنة السادسة، وفي السنة السابعة، وفي السنة الثامنة، وكلها كانت في ذي القعدة وهي من أشهر الحج، فقد عرفوا الحكم في ذلك، وأيضاً هذه الحجة كان معهم من هو محرم بالعمرة فقط، والنبي ﷺ خيرهم بين الإفراد والقران والتمتع، وكان أمهات المؤمنين متمتعات وكن محرمات بالعمرة والعمرة موجودة، ولكن إما أن العمرة المنفردة دخلت في الحج في وقته، وهي التي سئل عنها، أو أن العمرة التي مع الحج دخلت في أعمال الحج، لكن إذا كان الإنسان أحرم بحج وعمرة وساق الهدي، فإن العمرة موجودة مع الحج وهي داخلة في أعماله وليست منفصلةً عنه، ولكن الحديث والسؤال إنما جاء فيما يتعلق بالعمرة المنفصلة التي هي عمرة التمتع.
إذاً: التمتع حكم مستمر وليس خاصاً بأصحاب الرسول ﵊ ورضي الله عنهم وأرضاهم.
стр. 6181
تمتع فاطمة ﵂ وإحرام علي ﵁ بما أحرم به النبي ﷺ
قوله: [(وقدم علي ﵁ من اليمن ببدن النبي صلى الله عليه وآله سلم فوجد فاطمة ﵂ ممن حل ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت، فأنكر علي ذلك عليها، وقال: من أمرك بهذا؟ قالت: أبي، فكان علي يقول بالعراق: ذهبت إلى رسول الله ﵌ محرشاً على فاطمة في الأمر الذي صنعت مستفتياً لرسول الله ﵌ في الذي ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها، فقالت: إن أبي أمرني بهذا، فقال: صدقت صدقت)].
قدم علي ﵁ من اليمن ومعه بدن للنبي ﷺ ، والنبي ﷺ قدم ببدن من المدينة، ومجموع ذلك هو مائة كما سيأتي في حديث جابر هذا، ولما جاء كان قد أحرم بإحرام النبي ﷺ ، والنبي كان قارناً وقد ساق الهدي، وعلي أحرم بإحرام النبي ﷺ ومعه هدي، إذاً يكون إحرامه كإحرام النبي ﵊، ولكنه لما جاء وجد فاطمة ﵂ قد لبست ثياباً صبيغة واكتحلت فأنكر ذلك عليها، وقال: إن هذا ليس شأن الحجاج وشأن المتلبسين بالإحرام، ولم يعرف الحكم الذي قد حصل، فقال: من أمرك بهذا؟ قالت: أبي، فقام علي وذهب محرشاً بـ فاطمة ﵂ ذاكراً ذلك الذي أنكره عليها للنبي ﵊، فقال النبي ﷺ : (صدقت، صدقت) وفاطمة ﵂ كانت متمتعة؛ لأنها تحللت من العمرة ولبست وفعلت ما يفعل المحلون، وعلي ﵁ استغرب هذا منها؛ لأنه لم يعرف هذا الحكم، ولكنه لما جاء إلى النبي ﷺ وسأله أخبره بذلك، ثم إنه سأله عن إحرامه وقال: إنه أحرم بما أحرم به النبي ﷺ وقد ساق الهدي هو، فأمره أن يبقى على إحرامه.
قوله: [(ماذا قلت حين فرضت الحج؟ قال: قلت: اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، قال: فإن معي الهدي فلا تحلل، قال: وكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي ﵌ من المدينة مائة، فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وآله سلم ومن كان معه هدي)].
سأل النبي ﷺ علياً: ماذا فعلت في إحرامك؟ قال: إني أهللت بما أهل به رسول الله ﷺ ، فقال: إني قد سقت الهدي، وهو أيضاً ساق الهدي، فأمره أن يبقى على إحرامه، وكان جملة الهدي الذي جاء من المدينة ومن اليمن مائة من الإبل، وليس هذا فرضاً، وإنما الفرض ما استيسر من الهدي، كما قال الله : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]، وهذا العدد الكبير من الإبل إنما هو تطوع وتقرب إلى الله بنحر تلك البدن، والقارن عليه هدي وهو ما استيسر من الهدي وهو شاة، والمتمتع عليه شاة، والنبي ﷺ إنما نحر هذا المقدار تطوعاً صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وقد سبق حديث الرجل الذي جاء إلى عمر وقال: (إني كنت نصرانياً وإني أحب الجهاد، ووجدت أن العمرة والحج مكتوبان علي، فسألت رجلاً من عشيرتي، فقال: اجمعهما واذبح ما تيسر من الهدي).
إذاً: القارن عليه ما تيسر، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] وهي تشمل القارن والمتمتع؛ لأن القران تمتع بالمعنى العام الذي هو كون القارن أتى بنسكين في سفرة واحدة، فيشمل المتمتع ويشمل القارن، أي: كل منهما عليه هدي وهو ما استيسر من الهدي.
فالنبي ﵊ نحر مائة من الإبل، وقد نحر بيده الشريفة ثلاثاً وستين، ونحر علي الباقي.
وعلي ﵁ أراد أن يقتدي بالرسول ﷺ ، وهو لا يعرف إهلال الرسول، فأراد أن يهل بإهلاله، وقال: (اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله ﷺ وعلي نفسه ساق الهدي، فآل أمره وانتهى إلى أن إهلاله يكون مثل إهلال النبي ﷺ ؛ لأنه قد ساق الهدي، لكن لو لم يسق الهدي وقد أهل بما أهل به النبي ﷺ -وهو القران- فإنه يفسخ إلى عمرة؛ لأن النبي ﷺ أمر كل من لم يسق الهدي من القارنين والمفردين أن يتحولوا إلى عمرة.
كذلك من جاء إلى الحج، ولكنه لم يعين النسك، فإنه يتحول إلى ما هو الأفضل الذي هو التمتع، فعليه أن يطوف ويسعى ويتحلل؛ لأنه مثل من لم يسق الهدي.
стр. 6182
إهلال النبي ﷺ وأصحابه بالحج يوم التروية
قوله: [(فلما كان يوم التروية ووجهوا إلى منى أهلوا بالحج)].
يوم التروية هو اليوم الثامن من شهر ذي الحجة، وفيه توجه الرسول ﷺ وأصحابه إلى منى، فالذين كانوا قارنين ومفردين وتحولوا إلى عمرة، فهؤلاء في يوم التروية دخلوا في الحج، وأما الذين كانوا قارنين فبقوا على إحرامهم وهم النبي ﷺ الذي كان معه الهدي، وكل من ساق الهدي باق على إحرامه.
والإهلال يكون في المكان الذي ينزل فيه الإنسان، والصحابة كانوا نازلين مع النبي ﷺ في الأبطح، فأحرموا من الأبطح، وأهل مكة الذين يريدون الحج يحرمون من منازلهم، ولو كان الإنسان نازلاً في منى قبل اليوم الثامن فإنه يحرم من منزله في منى، ولا يلزمه أن يأتي إلى مكة ويحرم منها ثم يذهب إلى منى، بل يجوز له أن يحرم من منى من منزله.
أما كون الإنسان يريد أن يدخل في الإحرام فيذهب ويطوف فليس له ذلك، وليس هناك طوافاً عند الإحرام، وإنما على الإنسان أن ينوي الإحرام من منزله ثم يذهب إلى منى، لا يذهب إلى البيت ولا يطوف به ولا يحرم من هناك وإنما يحرم من منزله كما فعل رسول الله ﷺ .
قوله: [(فركب رسول الله ﷺ فصلى بمنى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح)].
يعني: ذهب النبي ﷺ ضحى إلى منى من الأبطح ونزل في منى، وصلى فيها خمسة أوقات: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، وهذه سنة فعلها رسول الله ﷺ وليست واجبة، من تركها ليس عليه شيء، ولكن الأولى والأفضل للإنسان أن يأتي بهذا الذي جاء عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، بأن يصلي الصلوات الخمس في منى، يقصر الرباعية بدون جمع، كما فعل رسول الله ﵊، كل صلاة يصليها في وقتها بدون أن يجمع بين الصلاتين.
أما أهل مكة فحكمهم حكم الحجاج في قصر الصلوات الرباعية؛ لأن النبي ﷺ لم يقل لأهل مكة: أتموا فإنا قوم سفر، وقد قال ذلك لهم وهو عند الكعبة حينما صلى بهم قال: (أتموا فإنا قوم سفر) أما في منى فلم يقل لهم ذلك، بل صلى معه الحجاج كلهم من أهل مكة ومن غير أهل مكة، لكن لا يقال: إن هذا سفر، وإنما هذا من أجل النسك بالنسبة لأهل مكة، وأما بالنسبة للحجاج فهم مسافرون.
ولهذا لو أن إنساناً من أهل مكة ذهب إلى منى أو ذهب إلى عرفات في غير الحج فليس له أن يقصر؛ لأن هذا ليس بسفر، ولكن بالنسبة للحجاج لهم أن يقصروا؛ لأن النبي ﷺ صلى بالناس ومعهم أهل مكة، ولم يقل: إنا قوم سفر، كما قال ذلك وهو عند الكعبة ﷺ .
стр. 6183
ذهاب النبي ﷺ إلى عرفة ووقوفه بها
قوله: [(ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة له من شعر فضربت بنمرة)].
مكث ﷺ قليلاً بعد صلاة الفجر حتى طلعت الشمس، فدل هذا على أن السنة أن الناس ينطلقون من منى إلى عرفة بعد طلوع الشمس.
قوله: [(وأمر بقبة له من شعر فضربت بنمرة، فسار رسول الله صلى الله عليه وآله سلم، ولا تشك قريش أن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة كما كانت قريش تصنع في الجاهلية)].
يعني: أن الرسول ﷺ أمر بخيمة من شعر فنصبت في نمرة، ونمرة قريبة من عرفة، وليست في عرفة، وكانت قريش لا تشك أنه لا يتجاوز مزدلفة وأنه يقف بها، وهو الموقف الذي كانت تقف به قريش في الجاهلية، وذلك أنهم أرادوا أن يتميزوا عن الناس، فالناس كانوا يقفون بعرفة وهم يقفون بمزدلفة، ويقولون: نحن أهل الحرم فلا نخرج من الحرم.
والوقوف بعرفة جاء عن إبراهيم الخليل ﵊، فإنه تجاوز المزدلفة وذهب إلى عرفة؛ ولهذا جاء في القرآن: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة:١٩٩] يعني: عموم الناس، وليس الذي أحدثته قريش وأتت به، بل الشريعة جاءت بالوقوف بعرفة وأن هذا الذي كان موجوداً في الجاهلية ومعمولاً به في الجاهلية من الوقوف بعرفة هو الحق، وأن ما أحدثته قريش من الاقتصار على الوقوف بمزدلفة دون الذهاب إلى عرفة أمر محدث، والنبي ﷺ تجاوز وذهب إلى عرفة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [(فأجاز رسول الله ﵌ حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له)].
نزل النبي ﷺ في هذه القبة التي ضربت له بنمرة وهي قريبة من عرفة، ثم عندما جاء وقت الزوال أمر براحلته فرحلت.
قوله: [(فركب حتى أتى بطن الوادي)].
يعني: فأتى بطن الوادي الذي هو وادي عرنة.
стр. 6184
خطبة النبي ﷺ في عرفة
قوله: [(فخطب الناس فقال: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)].
صلى النبي ﷺ بالناس في ذلك الوادي جمعاً وقصراً، صلى الظهر والعصر جمعاً في أول وقت الظهر، صلى الظهر ركعتين، وصلى العصر ركعتين، وخطب الناس قبل الصلاة خطبة بين فيها كثيراً من الأمور العامة فقال: [(إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)] وهذا فيه بيان حرمة هذه الأمور التي ذكرت كحرمة اليوم والشهر والبلد، وأن تلك محرمة كحرمة هذه، وهذا يدل على أن شأنها عظيم وأن أمرها خطير، وأنه يجب الابتعاد عن سفك الدماء، وأخذ الأموال، وانتهاك الأعراض، وأنها محرمة كحرمة هذا الزمان والمكان؛ لأن مكة بلد حرام والشهر شهر حرام.
قوله: [(ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)].
يعني: أنه لا يتشبث بالأمور التي كانت في الجاهلية؛ مثل: الربا والزنا وسفك الدماء بغير حق، وغير ذلك من الأمور التي كانوا يتعلقون بها، فالنبي ﷺ ألغاها وأبطلها.
قوله: [(ودماء الجاهلية موضوعة)] يعني: التقاتل والمطالبة بالدماء التي كانت بينهم في الجاهلية موضوعة، وقد انتهت بما فيها من شر بعد أن جاء هذا الخير، فلا يتشبث أحد بشيء مما كان في الجاهلية.
قوله: [(وأول دم أضعه دماؤنا)] كونه يبدأ بنفسه وبقرابته أدعى لأن تميل النفوس إلى هذا الشيء الذي وضعه النبي ﷺ ، وهذا يجعل الذين خوطبوا بهذا الخطاب يستسلمون لهذا الحكم العام؛ لأن أول من توضع دماؤهم قرابة النبي ﷺ .
قوله: [(دم ابن ربيعة، أو دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب)].
قيل: إن ابن الحارث هو إياس، كان مسترضعاً في هذيل فقتلته، فكان الدم عند هذيل، فوضعه النبي ﷺ لأن كل ما كان في الجاهلية انتهى بعد أن جاء الإسلام، ثم تأتي الأحكام تبعاً لما يقع في الإسلام.
قوله: [(وربا الجاهلية موضوع)].
يعني: وكذلك ربا الجاهلية موضوع، فلا يأت أحد يطالب أحداً بشيء من الربا.
قوله: (وأول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله)].
وهذا مثل الذي قبله، فقد بدأ بالتخلص من الشيء الذي يتعلق بأهله وقرابته ﷺ .
قوله: [(فاتقوا الله في النساء)].
أوصى ﵊ بالنساء خيراً لضعفهن.
قوله: [(فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)] أي: لأنكم تزوجتم بهن بشرع الله، وهن أمانات عندكم، فعليكم أن تقوموا برعاية هذه الأمانة، وعدم الإضرار بهن، وعدم الإساءة إليهن، وإنما تحسنون إليهن، وتعاشرونهن بالمعروف، وتعاملونهن بالمعروف.
قوله: [(وإن لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح)].
ليس المقصود من وطء الفرش ما يتعلق بالزنا، فإن هذا أمر خطير، ولا يكتفى فيه بالضرب غير المبرح الذي أرشد إليه النبي ﷺ ، وإنما ذلك يتعلق بما كان معروفاً في الجاهلية من أن المرأة كانت تكلم الرجل وتتحدث معه مع البعد عن الريبة، ولكن الإسلام جاء بمنع ذلك، وأمر بالحجاب، وحرم خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية، يقول ﷺ : (لا يخلو رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) فإذا حصل شيء من هذا الذي لا يليق ولا ينبغي، فإنكم تؤدبونهن التأديب الذي هو الضرب غير المبرح، أما ما يتعلق بالزنا فإن له حكماً يخصه إما الرجم وإما الجلد، ولا يجوز للزوج أن يتمسك بالمرأة العاهرة الزانية.
قوله: [(ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)].
يعني من حقهن عليكم أن ترزقوهن وتكسوهن بالمعروف.
قوله: [(وإني قد تركت فيكم ما لم تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله)].
هنا لم يذكر سنة الرسول ﷺ لأنها داخلة في كتاب الله؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] فهي داخلة في القرآن، والأمر بالاعتصام بالقرآن هو أمر بالاعتصام بالسنة؛ لأن الأخذ بالسنة أخذ بالقرآن، ولهذا كما في الحديث المشهور عن ابن مسعود ﵁ في قصة المرأة التي اعترضت على قوله عن النبي ﷺ : (لعن الله النامصة والمتنمصة)، فقال: ما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: يا أبا عبد الرحمن! إنك قلت كذا وكذا وإني نظرت في المصحف من أوله إلى آخره فما وجدت فيه: لعن الله النامصة والمتنمصة، فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
إذاً: السنة كلها داخلة في هذه الآية وداخلة في هذه الجملة، وكذلك في قول الله : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وفي قوله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إلى سنته ﷺ .
قوله: [(وأنتم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟)].
المرسلون سوف يسألون والمرسل إليهم سوف يسألون، قال : ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف:٦] فالمرسلون يسألون عن التبليغ، والمرسل إليهم يسألون عن كونهم بلغوا.
قوله: [(قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، ثم قال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس)] يعني: قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فعند ذلك رفع أصبعه الشريفة إلى السماء ونكتها عليهم وقال: [(اللهم اشهد)] رفع أصبعه إلى السماء يشير إلى الله ويستشهد الله عليهم، وينكتها عليهم قائلاً: [(اللهم اشهد)] أي: اشهد عليهم.
ورفعه ﷺ أصبعه إلى السماء يدل على علو الله، وأنه تعالى فوق العرش، وهذا من أدلة علو الله وفوقيته، وأنه فوق المخلوقات وأنه فوق العرش وهو مستو عليه.
قوله: [(ثم أذن بلال ﵁، ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً)].
هذا يدل على أن الخطبة تكون واحدة في يوم عرفة، وتكون قبل الصلاة، وأن للإمام أو نائب الإمام أن يقوم بالخطبة ثم يصلي بالناس، فـ بلال بعدما فرغ رسول الله ﷺ من هذه الخطبة أذن للصلاة ثم أقام للظهر وصلاها ركعتين، ثم أقام للعصر وصلاها ركعتين، وكان ذلك في يوم الجمعة الذي هو يوم عرفة، فهو ﷺ صلى الظهر ولم يصل جمعة، ولهذا أسر في القراءة صلوات الله وسلامه وبركاته عليه في الصلاتين.
стр. 6185
ركوب النبي ﷺ بعد الصلاة وذهابه إلى الموقف في عرفة
قوله: [(ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه فاستقبل القبلة)].
أي: أن النبي ﷺ ذهب إلى المكان الذي وقف فيه وجعل بطن ناقته إلى الصخرات.
وحبل المشاة هو الطريق الذي يمشي منه المشاة، فالنبي ﷺ جعله أمامه بين يديه واستقبل القبلة وجعل يدعو الله ، وهذا هو الوقوف، ويكون بعد الزوال وبعد تأدية صلاة الظهر والعصر جمع تقديم، ولهذا يشرع الجمع جمع تقديم في أول وقت الظهر، لأنه بعد بذلك يبدأ الوقوف ويستمر إلى الغروب، وليس هناك صلاة تفصل، وإنما هي الظهر والعصر قد فرغ منهما في أول الوقت، فيمتد وقت الوقوف من وقت الفراغ من الصلاتين إلى أن تغرب الشمس، ولكن النبي ﷺ وقف في ذلك المكان وقال: (عرفة كلها موقف وارفعوا عن بطن عرنة) فليس معنى ذلك أن هذا الموقف الذي وقف فيه النبي ﷺ هو مكان الوقوف، بل عرفة كلها موقف.
قوله: [(فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حين غاب القرص)].
هذا يدل على أن الإنسان يقف بعرفة حتى تغيب الشمس ويذهب القرص ويتحقق الغروب، وبعد ذلك يأتي وقت الانصراف والإفاضة من عرفات إلى مزدلفة، فيستمر الإنسان إلى الغروب، ولا يصلي المغرب والعشاء في عرفة وإنما يصليهما في مزدلفة إذا وصل إليها.
إذاً: عندما تغرب الشمس ويتحقق الغروب يحصل الانطلاق والإفاضة من عرفة إلى مزدلفة، ولكن هناك أمر مهم للحجاج وهو أن الإنسان عليه أن يتحقق أنه في داخل حدود عرفة، ولا يكفي أن يرى الجبل الذي يسمى جبل الرحمة من مكان بعيد ويقول: هذه عرفة، فإنه يرى من أماكن بعيدة جداً خارج عرفة، ولكن المهم في الأمر هو الوقوف بعرفة وبأرض عرفة، وأرض عرفة قد جعل لها بنايات وعلامات وكتب عليها كتابات من مختلف اللغات، فإذا كان الإنسان يريد أن يخرج من عرفة يجد مكتوباً منتهى عرفة، وإذا كان مقبلاً على عرفة تجد مكتوباً عليها من الجهة الأخرى مبتدأ عرفة، فالإنسان عليه أن يتحقق من أنه في داخل هذه الحدود ولا يتهاون في الأمر؛ لأنه لو وقف خارج عرفة فلا يعتبر وقف بعرفة، والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، ولو حصل منه أن خرج من الحدود لأمر من الأمور قبل الغروب فعليه أن يرجع حتى تغرب عليه الشمس وهو بعرفة، وبعد أن تغرب الشمس ويتحقق الغروب ينطلق؛ لأن النبي ﷺ بعدما غابت الشمس وذهبت الصفرة انطلق ﷺ وأفاض ومعه أصحابه متجهين إلى مزدلفة.
والوقوف -كما هو معلوم- هو المكث بعرفة سواء كان الإنسان واقفاً أو راكباً أو جالساً، وليس معنى الوقوف بعرفة أن يكون الإنسان واقفاً على رجليه، بل يكون راكباً ويكون وافقاً ويكون جالساً كل ذلك يطلق عليه وقوف.
стр. 6186
دفع النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة
قوله: [(وأردف أسامة ﵁ خلفه، فدفع رسول ﵌].
أي: أن النبي ﷺ أردف أسامة بن زيد ﵄ خلفه على دابته وعلى راحلته، وذلك في طريقه من عرفة إلى مزدلفة، وهذا يدل على جواز الإرداف على الدابة بشرط أن تكون مطيقة، وأما إذا كانت الدابة لا تطيق فإنه لا يردف عليها، بل ولا يركب الراكب عليها إذا كانت لا تطيق الركوب، كما لو كانت هزيلة ضعيفة مريضة.
قوله: [(وقد شنق للقصواء الزمام)].
يعني: أنه ردها حتى لا يحصل منها إسراع؛ لأنه إذا مسك الخطام وجر رأسها إلى أن يكون عند مورك رحله عند رجليه التي هي متدلية من جهة الأمام، فهذا يمنعها من الحركة والسرعة والإقدام في المشي؛ حتى لا يحصل منها أذى للناس، وأمر الناس أن يمشوا؛ حتى لا يضر بعضهم بعضاً.
قوله: [(وهو يقول بيده اليمنى: السكينة أيها الناس! السكينة أيها الناس!)].
يعني: وهو يشير إليهم السكينة السكينة، فقد قام بشنق زمام راحلته حتى يمنعها من الإسراع في المشي، وهو يشير للناس السكينة السكينة، أي: عليكم بالهدوء، عليكم بالسكينة؛ حتى لا يحصل ضرر، وهذا من رفقه بأمته صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهو رءوف رحيم بالمؤمنين كما وصفه الله بذلك في كتابه العزيز.
قوله: [(كلما أتى حبلاً من الحبال)].
الحبل: هو التل من الرمل.
قوله: [(أرخى لها قليلاً حتى تصعد)] يعني: أرخى زمام ناقته؛ لأن السرعة لا تحصل مع الصعود، والصعود فيه تعب، لكن إذا كان هناك انحدار ونزول، أو كانت الأرض مستوية وترك الزمام لها فقد تسرع، فهو ﷺ إذا لم يكن في صعود سحب رأسها بالخطام حتى يكون قريباً من الرحل، وإذا كان في صعود أرخى لها حتى تتمكن من الصعود.
стр. 6187
وصول النبي ﷺ إلى مزدلفة ومبيته بها وما يفعل بمزدلفة
قوله: [(حتى أتى المزدلفة فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين)].
استمر ﷺ سائراً حتى وصل إلى مزدلفة، وجمع فيها بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين.
وأول عمل يعمله الحجاج إذا وصلوا إلى مزدلفة هو الصلاة، لكن بعض الحجاج يتصورون أن المهم في مزدلفة هو لقط الحصى لرمي الجمار، فتراهم حين يصلون إلى مزدلفة من أول الليل ينتشرون في الأرض لأجل لقط الحصى، وليس هذا من السنة، بل السنة أن يصلي المغرب والعشاء جمعاً، وسواء كان ذلك في وقت العشاء فيكون جمع تأخير، أو كان جمع تقديم في وقت المغرب كما يحصل الآن بالنسبة لسرعة السيارات، لكن إذا اشتد الزحام وتأخر في الطريق حتى انتصف الليل أو قارب الانتصاف، فلا يؤخر الإنسان الصلاة إلى أن يصل إلى مزدلفة؛ لأن الصلاة لا تؤخر عن وقتها بل يصليها في الطريق، وعلى هذا فالرسول ﷺ جمع بين المغرب والعشاء لما وصل إلى مزدلفة، ومعلوم أن ذلك كان في وقت العشاء، ولكنه إذا حصل الوصول قبل العشاء فإن الحجاج يصلون حين يصلون، وأول عمل يعملونه هو الصلاة، فلا يشتغلون بلقط الحصى، والحصى لا يلزم أن يلقط من مزدلفة، ولا يلزم أن يكون من مكان معين، بل للإنسان أن يلقط من مزدلفة وله أن يلقط من منى، ويوم العيد لا يلقط إلا سبع حصيات فقط، فليس بلازم أن يجمع سبعين حصاة ويجعلها في كيس، وإنما يجمع سبع حصيات فقط؛ لأن النبي ﷺ في ذلك اليوم وفي أثناء انصرافه من مزدلفة إلى منى أمر الفضل بن عباس أن ينزل وأن يلقط له سبع حصيات، فلقطهن ورمى بهن جمرة العقبة ﷺ .
قوله: [قال عثمان].
عثمان هو أحد الشيوخ الأربعة الذين روى عنهم أبو داود هذا الحديث الطويل وهو عثمان بن أبي شيبة.
قوله: [(ولم يسبح بينهما شيئاً)] يعني: لم يتنفل بين المغرب والعشاء؛ لأنه جمع بينهما فلا يسبح بينهما، فالمراد بالتسبيح هو التنفل.
قوله: [(ثم اتفقوا: ثم اضطجع رسول الله ﵌ حتى طلع الفجر)].
أي: اضطجع رسول الله ﷺ بعد صلاة المغرب والعشاء حتى طلع الفجر، وهذا يدل على أن السنة في مزدلفة المبيت حتى يطلع الفجر.
وهنا مسألة: هل أوتر ﷺ أو لم يوتر؟ ليس في الحديث شيء يدل على هذا، لكن الأحاديث الأخرى الدالة على أن النبي ﵊ ما كان يترك الوتر لا في حضر ولا في سفر، وكذلك ركعتي الفجر لم يتركها لا في حضر ولا في سفر، فهذا يدل على أن الإنسان عليه أن يوتر في تلك الليلة، ولا يترك الوتر؛ لأن النبي ﷺ المعروف عنه أنه كان يحافظ على الوتر وعلى ركعتي الفجر في الحضر والسفر، وهذا سفر، لكن لا يتهجد في تلك الليلة ولا يخصها بتهجد وعبادة، وإنما يكتفي بالوتر؛ لأن الوتر وركعتي الفجر هما آكد السنن.
قوله: [(فصلى الفجر حين تبين له الصبح)].
صلى النبي ﷺ الفجر في أول وقتها، وهذا بعد صلاته ركعتي الفجر.
قوله: [قال سليمان].
سليمان هو سليمان بن عبد الرحمن أحد الشيوخ الأربعة الذين روى عنهم أبو داود هذا الحديث الطويل.
قوله: [(بنداء وإقامة)]؛ وذلك لأنها صلاة واحدة، بخلاف الصلاتين فإنه يشرع لهما أذان واحد وإقامتان عند الجمع.
стр. 6188
ذهاب النبي ﷺ إلى المشعر الحرام
قوله: [(ثم اتفقوا: ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فرقي عليه)].
المشعر الحرام: هو جبل في مزدلفة، والنبي ﷺ لما وقف هناك قال: (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف) كما قال في عرفة: (وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف) يعني: أن هذا الموقف الذي أنا فيه لا يلزم الناس أن يقفوا فيه، بل أي مكان يوقف فيه من مزدلفة فإنه يحصل المقصود.
قوله: [قال عثمان وسليمان: (فاستقبل القبلة فحمد الله وكبره وهلله -زاد عثمان -: ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً)].
يعني أنه ﷺ بعد صلاة الصبح جاء إلى المشعر الحرام الذي يطلق على ذلك المكان الذي وقف فيه النبي ﷺ ، وأيضاً يطلق على مزدلفة كلها، فيقال لها: المشعر الحرام، وهي مشعر حرام؛ لأنها من المشاعر وهي داخل الحرم؛ لأن حدود الحرم وراءها بينها وبين عرفة، وأما عرفة فهي مشعر ولكنها ليست حراماً؛ لأنها في الحل وليست في الحرم.
ثم إنه ﷺ استقبل القبلة فحمد الله وهلله ووحده ودعا واستمر حتى أسفر جداً، يعني: حتى اتضح النهار وحصل الإسفار ولكن الشمس لم تطلع، وفعل النبي ﷺ ذلك يريد أن يخالف أهل الجاهلية؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا ينتقلون إلا بعد أن تطلع الشمس، فالنبي ﷺ حصل منه المغادرة والانصراف قبل طلوع الشمس حين أسفر جداً.
стр. 6189
دفع النبي ﷺ من مزدلفة إلى منى
قوله: [(ثم دفع رسول الله ﵌ قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس ﵄، وكان رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع رسول الله ﵌ مر الظعن يجرين، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله ﵌ يده على وجه الفضل، وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر، وحول رسول الله ﵌ يده إلى الشق الآخر، وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر)].
يعني: أنه ﷺ عند انصرافه من مزدلفة إلى منى أردف الفضل بن عباس، كما كان رديفه أسامة بن زيد من عرفة إلى مزدلفة، والفضل بن عباس هو أكبر أولاد العباس رضي الله تعالى عنهم، وفي أثناء الطريق مرت الظعن -وهن النساء- فجعل ينظر إليهن والنبي ﷺ يضع يده على وجهه، فالتفت إلى الشق الآخر ينظر؛ لأن الظعن من هنا ومن هنا، ثم إنه ﷺ وضع يده على وجهه، فانصرف إلى الشق الآخر.
قوله: [(حتى أتى محسراً)].
محسر: هو الوادي الذي يفصل بين مزدلفة وبين منى.
قوله: [(حرك قليلاً)] يعني: أسرع.
ووادي محسر قيل: إنه الوادي الذي حسر فيه الفيل الذي جاء لهدم الكعبة، وأنه حصل ما ذكره الله في سورة الفيل في ذلك المكان الذي هو وادي محسر.
فكونه أسرع قليلاً؛ لأن الإسراع مطلوب عند أماكن العذاب، والنبي ﷺ لما ذهب إلى تبوك ومر بديار قوم صالح أسرع قليلاً وقنع رأسه حتى تجاوز ﷺ تلك الديار.
قوله: [(ثم سلك الطريق الوسطى الذي يخرجك إلى الجمرة الكبرى)].
يعني: أن هناك طرقاً متعددة، ولكنه بعدما دخل منى سلك الطريق الوسطى التي توصل إلى جمرة العقبة؛ لأن يوم العيد لا يرمى فيه إلا جمرة العقبة.
стр. 6190
رمي النبي ﷺ جمرة العقبة
قوله: [(حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات)].
وهي جمرة العقبة، وقيل لها: جمرة العقبة لأنها كانت موجودة في سفح جبل، وكان ذلك الجبل موجوداً إلى عام (١٣٧٠هـ) والناس كانوا يأتون ويرمون هذه الجمرة من جهة واحدة التي هي من بطن الودي.
قوله: [(يكبر مع كل حصاة منها بمثل حصى الخذف)].
يعني: الحصى الذي يخذف بالأصابع، وهو فوق الحمص ودون البندق فهو حصى متوسط.
وقد جاء في بعض الأحاديث أنه ﷺ لما كان في أثناء الطريق من مزدلفة إلى الجمرة -لا يدري هل هو في مزدلفة أو في منى- أمر الفضل بن عباس أن ينزل فيلقط له حصى، فلقط سبع حصيات مثل حصى الخذف، فجعل النبي ﷺ يقلبهن بيده والناس يرون، فقال ﵊: (بمثل هذا فارموا، وإياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين) يعني: لا ترموا بحصى كبيرة؛ لأن المعتبر هو السنة، وليس المعتبر كون الإنسان يكبر الحصى ويغلو ويزيد ويتجاوز، بل يقف عند السنة، والسنة في حصى الجمار أنها مثل حصى الخذف.
قوله: [(فرمى من بطن الوادي)].
يعني: بحيث تكون مكة عن يساره ومنى عن يمينه إذا رماها من بطن الوادي.
стр. 6191
نحر النبي ﷺ للهدي
قوله: [(ثم انصرف رسول الله ﵌ إلى المنحر فنحر بيده ثلاثاً وستين، وأمر علياً فنحر ما غبر، يقول: ما بقي، وأشركه في هديه)].
يعني: أن النبي ﷺ ذهب إلى المنحر بعدما رمى جمرة العقبة ونحر بيده ثلاثاً وستين بدنه من المائة، وأمر علياً أن ينحر ما بقي منها.
قوله: [(وأشركه في هديه)].
يعني: أن النبي ﷺ أشرك معه علياً في الهدي الذي هو مائة من الإبل؛ لأنه الهدي مائة وبعضها من المدينة وبعضها من اليمن.
قوله: [(ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها)].
هذا يدل على أن الحاج يأكل من هديه، والله تعالى يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨]، والنبي ﷺ أكل من هديه وشرب من المرق، فهو أكل وشرب من مجموع الهدي؛ لأن اللحم كان مائة بضعة، والنبي ﷺ إنما أكل شيئاً قليلاً، وأما المرق فإنه شرب من الجميع.
стр. 6192
ذهاب النبي ﷺ إلى مكة لطواف الإفاضة
قوله: [قال سليمان: (ثم ركب ثم أفاض رسول الله ﵌ إلى البيت فصلى بمكة الظهر)].
يعني: أن النبي ﷺ بعدما نحر وحلق أفاض إلى مكة لطواف الإفاضة، وعلى هذا فيكون عمل يوم النحر أربعة أمور: الرمي ثم النحر ثم الحلق ثم الطواف.
فقوله: [(ثم أفاض رسول الله ﷺ إلى البيت وصلى بمكة الظهر)] يعني: أنه صلى الظهر في مكة ﷺ ، وطاف طواف الإفاضة فقط ولم يسع بين الصفا والمروة؛ لأنه كان قارناً وكان قد سعى مع طواف القدوم، وكذلك المفرد ليس عليه إلا سعي واحد إن كان قد سعى مع طواف القدوم، أما إن كان القارن والمفرد لم يسعيا مع القدوم، أو لم يقدما مكة إلا بعد عرفة ومزدلفة فإنهما بعدما يطوفان يسعيان؛ لأن القارن ليس عليه إلا سعي واحد وطواف واحد لحجه وعمرته، والمفرد كذلك عليه سعي واحد وطواف واحد لحجه.
قوله: [(ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلواً فشرب منه)].
أي: أنه ﷺ ذهب إلى بني عبد المطلب وهم يخرجون الماء من بئر زمزم ليسقوا الحجاج، فقال لهم: (فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم) يعني: أن النبي ﷺ فعل ذلك لاقتدى به الناس وعملوا مثلما يعمل.
стр. 6193
تراجم رجال إسناد حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ
قوله: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي].
عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.
[وعثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي في عمل اليوم والليلة، وابن ماجة.
[وهشام بن عمار].
هو هشام بن عمار الدمشقي وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن.
[وسليمان بن عبد الرحمن].
هو سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي وهو صدوق يخطئ، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
قوله: [وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة أو الشيء].
يعني: أنهم متفقون على أكثره وربما زاد بعضهم على بعض الكلمة أو الشيء.
[حدثنا حاتم بن إسماعيل].
حاتم بن إسماعيل صدوق يهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا جعفر بن محمد].
هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رحمة الله عليه وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
أبوه هو محمد بن علي بن الحسين وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 6194
شرح حديث جابر في صفة حجة النبي ﷺ من طريق ثانية وتراجم رجال الإسناد
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا سليمان -يعني ابن بلال - (ح) وحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الوهاب الثقفي، والمعنى واحد، عن جعفر بن محمد عن أبيه: (أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر بأذان واحد بعرفة ولم يسبح بينهما وإقامتين، وصلى المغرب والعشاء بجمع بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما)].
أورد المصنف ﵀ طريقاً أخرى لحديث جابر وهو مختصر وذكر فيه: أنه صلى الظهر والعصر بعرفة ولم يسبح بينهما وكان ذلك بأذان وإقامتين، وكذلك في المزدلفة صلى المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين.
وهو حديث مرسل؛ لأنه انتهى إلى محمد ولم يذكر جابراً، ولكنه قد جاء في الطريق السابقة المتصلة أنه صلى بأذان واحد وإقامتين.
قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة].
هو عبد الله بن مسلمة القعنبي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن سليمان يعني ابن بلال] سليمان بن بلال ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[(ح) وحدثنا أحمد بن حنبل].
أحمد بن حنبل الإمام الفقيه المحدث، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الوهاب الثقفي].
هو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جعفر بن محمد عن أبيه].
جعفر بن محمد وأبوه قد مر ذكرهما.
стр. 6195
شرح حديث جابر في صفة حجة النبي من طريق ثالثة وتراجم رجاله
[قال أبو داود: هذا الحديث أسنده حاتم بن إسماعيل في الحديث الطويل، ووافق حاتم بن إسماعيل على إسناده محمد بن علي الجعفي عن جعفر عن أبيه عن جابر ﵁ إلا أنه قال: (فصلى المغرب والعتمة بأذان وإقامة)].
هذا الذي ذكره في هذه الطريق أسنده حاتم بن إسماعيل في الحديث الطويل؛ لأنه ذكر جابراً وهنا ما ذكر جابراً، وقد وافق حاتم بن إسماعيل محمد بن علي الجعفي إلا أنه قال: (بأذان وإقامة)، وهذا الذي جاء في هذا الطريق غير صحيح؛ لأن الثابت هو أذان واحد وإقامتان؛ لأنه في عرفة صلى بأذان واحد وإقامة للظهر ثم إقامة العصر، وكذلك في مزدلفة أذان واحد وإقامة للمغرب ثم إقامة للعشاء، فذكر الإقامة هنا غير صحيح؛ لأنه مخالف للرواية الأخرى.
ووافق حاتم بن إسماعيل على إسناده محمد بن علي الجعفي، حيث ذكر جابراً ﵁، لكنه خالف في هذه الفقرة التي هي غير صحيحة وهي أنه صلى المغرب والعتمة بأذان واحد وإقامة.
قوله: [محمد بن علي الجعفي].
محمد بن علي الجعفي من أهل الكوفة، وهو أخ لـ حسين بن علي الجعفي، يروي عن جعفر بن محمد عن أبيه وهو مترجم في التاريخ الكبير.
стр. 6196
شرح حديث: (قد نحرت هاهنا ومنى كلها منحر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا جعفر حدثنا أبي عن جابر ﵁ قال: ثم قال النبي ﵌: (قد نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، ووقف بعرفة فقال: وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقف بالمزدلفة فقال: قد وقفت هاهنا ومزدلفة كلها موقف)].
هذه طريق أخرى أيضاً في حديث جابر، وهذه الطريق فيها: [(أن النبي ﷺ وقف بعرفة فقال: وقفت هاهنا وعرفة كلها موقف)] يعني: أنه لا يختص الوقوف بعرفة بالمكان الذي وقف فيه النبي ﷺ ، وأن الناس قد يظنون أن مكان وقوفه هو مكان الوقوف فقط، فبين ﵊ أنه وقف هاهنا وعرفة كلها موقف، ولكن كما جاء في بعض الأحاديث: (يرفع عن بطن عرنة) فلا يوقف فيه.
ومما ينبغي أن ينبه عليه: أن عرفة لها حدود وقد كتب عليها كتابات بمختلف اللغات، والحاج لا يستهين بهذا الأمر الذي هو الوقوف، بل يحرص على معرفة أن وقوفه في داخل الحدود، ولا يكتفي بأن ينظر إلى الجبل الذي يقال له: جبل الرحمة، فإنه يرى من مكان بعيد، والإنسان إذا لم يقف بأرض عرفة فإنه لا يكون قد وقف؛ لأن الوقوف إنما هو بعرفة، والوقوف بعرفة ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، فهذا أمر ليس بالهين وليس بالأمر السهل، بل يحتاج إلى انتباه ويقظة وحرص على معرفة أنه في داخل الحدود؛ لأن الإنسان قد يكون جاء من أماكن بعيدة، فكونه يتساهل في هذا الأمر ثم يكون وقوفه خارج عرفة فيكون قد تعب من غير فائدة، فعلى كل حاج أن يعرف أنه في داخل عرفة، ويستمر فيها حتى غروب الشمس ولا يخرج منها إلا بعد الغروب، وإن خرج منها قبل الغروب رجع إليها حتى يكون غروب الشمس وهو فيها، أو حتى لو رجع إليها بعد الغروب فإنه يكون قد أدى ما عليه.
ثم إن النبي ﵊ وقف بمزدلفة وفي المكان الذي وقف فيه فقال: [(وقفت هاهنا وجمع كلها موقف)] جمع هي مزدلفة.
ثم قال: [(نحرت هاهنا - يعني في منى - ومنى كلها منحر)] يعني: لا يختص النحر بالمكان الذي نحر فيه النبي ﵊، بل ينحر في أي مكان من منى، بل قد جاء كما سيأتي: (منى كلها منحر وفجاج مكة كلها طريق ومنحر) يعني: أن الإنسان يدخل إلى مكة من أي جهة أراد، وكذلك الحاج لو نحر هديه بمكة فنحره صحيح؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ ما يدل على أن مكة أيضاً منحر كما أن منى منحر.
стр. 6197
تراجم رجال إسناد حديث: (قد نحرت هاهنا ومنى كلها منحر)
قوله: [قال: حدثنا أحمد بن حنبل].
هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا جعفر].
هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا أبي].
هو محمد بن علي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
هو جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما وهو صحابي ابن صحابي، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 6198
شرح حديث: (قد نحرت هاهنا ومنى كلها منحر) من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا حفص بن غياث عن جعفر بإسناده زاد: (فانحروا في رحالكم)].
ورد هذا الحديث من طريق أخرى وفيه مثل الذي قبله وزاد: (فانحروا في رحالكم)، والرحال هي المساكن التي يسكنها الناس، سواء كانت بيوتاً من شعر أو من قطن أو خياماً أو غير ذلك، وقد مر ذكر الحديث الذي فيه: (أن النبي ﷺ لما صلى بأصحابه ولما سلم رأى رجلين لم يصليا فدعا بهما، فأتي بهما ترتعد فرائصهما، فقال: ما لكما لا تصليا؟ قالا: صلينا في رحالنا، قال: إذا أتيتما والإمام يصلي فصليا معه وتكون لكما نافلة)، فالرحل هو منزل الإنسان.
قوله: [(نحرت هاهنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم)] أي: الأماكن التي أنتم ساكنون فيها في منى انحروا فيها، ولا يلزمكم أن تذهبوا إلى مكان معين، لكن الآن لما حصل من الناس إهمال وتساهل في أمر الأنساك، وأن الناس يأتون بالهدي ويذبحونه ويرمونه ثم ينتن ويلحق أذى بالناس صار هناك مكان معين للذبح؛ حتى لا يكون هذا الضرر الذي يلحق بالناس، وهذا فيه مصلحة، لكن لو أن كل إنسان ذبح في محله وأكل الذبيحة والسواقط هذه دفنها أو رماها في النفايات فلا بأس بذلك، لكن بعض الناس لا يراعون مثل هذه الأشياء بل تجده يذبحها ويتركها.
стр. 6199
تراجم رجال إسناد حديث: (قد نحرت هاهنا ومنى كلها منحر) من طريق أخرى
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا حفص بن غياث].
حفص بن غياث ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جعفر].
جعفر قد مر ذكره.
стр. 6200
شرح حديث (فقرأ فيهما بالتوحيد وقل يا أيها الكافرون)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن جعفر حدثني أبي عن جابر ﵁ فذكر هذا الحديث وأدرج في الحديث عند قوله: (﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:١٢٥] قال: فقرأ فيهما بالتوحيد و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] وقال فيه: قال علي ﵁ بالكوفة -قال أبي: هذا الحرف لم يذكره جابر -: فذهبت محرشاً، وذكر قصة فاطمة ﵂].
أورد المصنف ﵀ الحديث من طريق أخرى، وفيه بعض الزيادات المدرجة في هذه الرواية، وأنه قرأ بالتوحيد، يعني: بسورة الإخلاص، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١].
لكن جاء في الروايات الأخرى التي سبق أن مرت أنه قرأ بسورتين.
وأيضاً قال: هنا حرف لم يذكره في هذه الرواية، وأنه سبق أن مر في رواية حاتم بن إسماعيل.
следующие страницы →