Полный текст (18 341 стр.). Показаны 6406–6445 · переход к 6411.
стр. 6406
شرح حديث: (أن رسول الله رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك (ح) وحدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبي البداح بن عاصم عن أبيه ﵁: (أن رسول الله ﵌ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد بيومين، ويرمون يوم النفر)].
أورد أبو داود حديث عاصم بن عدي ﵁: [(أن رسول الله ﷺ رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد بيومين، ويرمون يوم النفر)].
يعني: رخص لهم أن يذهبوا مع إبلهم، ولكنهم إذا جاءوا يرمون عن اليوم الحاضر ويوم آخر معه، سواء قبله أو بعده، وهذا يدل على أن رمي الجمار واجب؛ لأنه لو كان غير واجب لما احتاج إلى الترخيص فيه لرعاء الإبل.
إذاً: يجب على كل حاج أن يرمي الجمار، ورميها ليس من الأمور المستحبة التي لو تركها الإنسان لا يكون عليه شيء، بل هو من الأمور الواجبة التي من تركها عمداً أثم، ويكون عليه فدية وهي شاة يذبحها بمكة ويوزعها على فقراء الحرم.
قوله: [(يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ثم من بعد الغد بيومين)] قوله: [(من بعد الغد بيومين)] يتفق مع قوله: [(يرمون يوم النفر)] وهو يوم النفر الثاني؛ لأن النفر الثاني بعد الغد بيومين؛ لأن يوم الغد الذي هو يوم الحادي عشر الذي هو يوم القر بعده يومان، أحدهما يوم النفر الأول والثاني يوم النفر الثاني، فقوله: [(ومن بعد الغد بيومين، ويرمون يوم النفر)] ليس بمستقيم، إلا إذا كان المراد باليومين بعد العيد، ولكنه قال: (وبعد الغد بيومين)، وقد جاء في بعض الأحاديث أنهم يرمون يوماً ويتركون يوماً، فمعنى هذا: أنهم يرمون يوم العيد، ثم يتركون يوم الحادي عشر، ثم يرمون يوم الثاني عشر وهو يوم النفر الأول، وإن تعجلوا تعجلوا، وإن أرادوا أن يتأخروا رموا في اليوم الثالث العشر الذي هو يوم النفر الثاني.
وبعض أهل العلم يقول: إن لهم أن يقدموا وأن يؤخروا.
أي: لهم أن يقدموا الرمي في اليوم الحادي عشر ثم يرمون عن اليوم الثاني عشر، وبعضهم يقول: يرمي في اليوم الأخير عن اليوم الذي رخص له أن يتخلف من أجله، وسيأتي في حديث أنهم يرمون يوماً ويتركون يوماً، ومعنى هذا: أنهم يرمون يوم العيد، ثم يوم الثاني عشر، ويتركون الرمي يوم النفر الثاني لمن أراد أن يتأخر.
قوله: [(رخص لرعاء الإبل في البيتوتة)].
يعني: أنهم يتركون المبيت، والرمي يمكن أن يجمع بعضه إلى بعض، وكذلك يدخل في الرخصة مثل الشرطة والقائمين على الخدمات الطبية وغيرها في البيتوتة وجمع الرمي إذا كان الأمر يتطلب بقاءهم، مثل الرعاة تماماً.
стр. 6407
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر)
قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك].
القعنبي مر ذكره، ومالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[(ح) وحدثنا ابن السرح].
هو أحمد بن عمرو بن السرح وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
[أخبرنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم].
عبد الله بن أبي بكر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي البداح بن عاصم].
أبو البداح بن عاصم ثقة، أخرج له أصحاب السنن.
[عن أبيه].
هو عاصم بن عدي وهو صحابي، أخرج له أصحاب السنن.
стр. 6408
شرح حديث الترخيص في الرمي لرعاء الإبل من طريق ثانية وتراجم رجاله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر عن أبيهما عن أبي البداح بن عدي عن أبيه: (أن النبي ﵌ رخص للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً)].
أورد أبو داود حديث عاصم بن عدي من طريق أخرى، وفيه: [(أنه رخص للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً)] يعني: أنهم يقضون ذلك الذي تركوه ولا يتركونه نهائياً، ولكنهم يجمعونه مع اليوم الذي جاءوا فيه.
قوله: [حدثنا مسدد حدثنا سفيان].
مسدد وقد مر ذكره، وسفيان هو ابن عيينة مر ذكره.
[عن عبد الله ومحمد ابني أبي بكر].
عبد الله ومحمد ابنا أبي بكر كل منهما ثقة، أخرج لهما أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيهما عن أبي البداح بن عدي عن أبيه].
هؤلاء مر ذكرهم، وأبو البداح بن عاصم بن عدي في الحديث الأول نسبه إلى أبيه، وفي الثاني نسبه إلى جده.
стр. 6409
شرح حديث ابن عباس: (ما أدري أرماها رسول الله بست أو بسبع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الرحمن بن المبارك حدثنا خالد بن الحارث حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أبا مجلز يقول: (سألت ابن عباس ﵄ عن شيء من أمر رمي الجمار، قال: ما أدري أرماها رسول الله ﵌ بست أو بسبع)].
أورد أبو داود حديث ابن عباس: (أنه سئل عن شيء من أمر الجمار، فقال: ما أدري أرماها رسول الله ﷺ بست أو بسبع)] شك هل رماها بست أو سبع، ولكن جاء اليقين عن بعض الصحابة ومنهم جابر وابن عمر وغيرهما أنه رماها بسبع، فجزم الجازم مقدم على شك الشاك.
стр. 6410
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (ما أدري أرماها رسول الله بست أو بسبع)
قوله: [حدثنا عبد الرحمن بن المبارك].
عبد الرحمن بن المبارك ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي.
[حدثنا خالد بن الحارث].
خالد بن الحارث ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا شعبة].
مر ذكره.
[عن قتادة].
هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: سمعت أبا مجلز].
هو لاحق بن حميد وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[سألت ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 6411
شرح حديث: (إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الحجاج عن الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﵌: (إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء)، قال أبو داود: هذا حديث ضعيف، p=١٠٠١٣٠٦> الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه.
].
أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: [(إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء)] يعني: قد تحلل التحلل الأول الذي يحل معه كل شيء إلا النساء، والحديث كما قال أبو داود: ضعيف؛ لأنه من طريق الحجاج بن أرطأة وروايته عن الزهري منقطعة، ولكن الحديث جاء من طرق أخرى وله شواهد، وهو ثابت عن رسول الله ﷺ ، وفي بعض رواياته: (إذا رميتم وحلقتم)، ولكن الرواية التي فيها ذكر الحلق ضعيفة، وبعض أهل العلم يرى أنه إذا حصل رمي جمرة العقبة فإنه يحصل التحلل كما جاء في هذا الحديث، وبعضهم يرى أنه لا يتحلل إلا إذا فعل اثنين من ثلاثة، وهي: الرمي والحلق والطواف والسعي لمن كان عليه سعي مع الطواف، فإذا فعل اثنين من ثلاثة فإنه يحصل بذلك التحلل الأول، وإذا فعل الثالث حصل التحلل الأخير، الذي يحل معه كل شيء حتى النساء، وقد جاء عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها طيبت رسول الله ﷺ بعد الرمي والحلق؛ حيث قالت: (كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت) والنبي ﷺ رمى ونحر وحلق، ثم إنه ذهب للطواف ﷺ .
وعلى هذا فإن التحلل يكون برمي جمرة العقبة كما جاء في هذا الحديث، والأولى للإنسان أنه بعد أن يرمي الجمرة أن يحلق أو يطوف؛ لأنه قد جاء عن عائشة -كما أسلفت- أنها كانت تطيب رسول الله ﷺ لحله قبل أن يطوف بالبيت بعد الرمي والحلق، لكن لهذا الحديث فإن من تحلل بعد الرمي فإن عمله صحيح، وإن كان لم يحلق، ولكن الأولى أن يكون مع الحلق كما جاء عن عائشة ﵂.
стр. 6412
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء)
قوله: [حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد بن زياد].
عبد الواحد بن زياد ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الحجاج].
هو الحجاج بن أرطأة، وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن الزهري عن عمرة بنت عبد الرحمن].
الزهري مر ذكره، وعمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية ثقة كثيرة الرواية عن عائشة، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
قد مر ذكرها.
стр. 6413
الأسئلة
стр. 6414
حكم رمي الجمار حال الركوب
السؤال
هل كان النبي ﷺ يرمي وهو راكب أم كان ينزل ثم يرمي؟
الجواب
كان ﷺ يرمي وهو راكب وسبق أن مر بنا الحديث في هذا، وأنه يجوز أن ترمى الجمار عن ركوب ومن غير ركوب.
стр. 6415
حكم إعادة الرمي إذا سقطت الحصاة خارج المرمى
السؤال
لو سقطت حصاة واحدة خارج المرمى، فهل عليه أن يعيد الرمي؟
الجواب
عليه أن يعيد، لكن يأخذ حصاة واحدة فقط ليست من محل الرمي فيرمي بها، وإذا كانت الحصاة قد رمي بها فلا يرمي بها؛ لأن بعض أهل العلم يقول: ولا يرمى بشيء قد رمي به، لكن إذا كانت الحصى ليست عند الحوض، وإنما هي في مكان متأخر عن الحوض، وغالباً أن الحصى الذي لم يرم به رمياً شرعياً ولا أجزأ عن صاحبه هو الذي يقع على رءوس الناس، فإذا أخذ من ذلك ورمى به فلا بأس.
стр. 6416
حكم من رمى الجمرة بست حصيات وسافر إلى أهله
السؤال
ما حكم من رجع إلى أهله وبقيت عليه حصاة واحدة؟
الجواب
يقول بعض العلماء: إذا بقيت حصاة واحدة لم تقع في المرمى فلا بأس؛ لأنه جاء أثر عن السلف أنهم رموا بست، وأنهم قالوا: لا بأس، لكن إذا سقطت الحصاة ولم تقع في المرمى، فإنه يأخذ من الإخوة عند المرمى، أو يأخذ من الأماكن البعيدة عن المرمى، بحيث تكون الحصى لم يحصل الرمي بها رمياً شرعياً.
стр. 6417
حكم تحية المسجد بعد صلاة العصر
السؤال
ما حكم تأدية تحية المسجد بعد صلاة العصر؟
الجواب
إذا دخل الإنسان المسجد بعد صلاة العصر فهل يصلي تحية المسجد أو لا؟ هناك خلاف بين أهل العلم، منهم من قال: إنه يصلي؛ لعموم قوله ﷺ : (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين)، ومنهم من قال: إنه لا يصلي؛ لعموم قوله ﷺ : (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس)، والذي يبدو أن الأمر في ذلك واسع، وأن من دخل وصلى فلا ينكر عليه، ومن دخل وجلس فلا ينكر عليه.
стр. 6418
حكم لبس الخاتم والساعة والحزام للمحرم
السؤال
ما حكم لبس المحرم للخاتم والساعة والحزام؟
الجواب
كون المحرم يلبس خاتماً، أو يلبس ساعة، أو يستعمل النظارة، أو يستعمل حزاماً، كل ذلك لا بأس به.
стр. 6419
حكم ملامسة الرجل للمرأة أثناء الطواف بسبب الزحام
السؤال
بالنسبة للاختلاط الذي يقع في الطواف، فبسبب الازدحام قد يلامس الرجال النساء، فهل في ذلك شيء؟
الجواب
على الإنسان أن يبتعد عن ملامسة المرأة، والمرأة عليها أن تبتعد عن ملامسة الرجل، وإن حصل شيء من غير اختيار الإنسان فلا يؤثر عليه، ولكن على الإنسان أن يتقي الله ما استطاع.
стр. 6420
حكم تأخر الحاج بعرفات حتى الساعة الثانية ليلاً لعدم وجود الحافلات
السؤال
شخص لم يخرج من عرفات إلا بعد الساعة الثانية ليلاً، لعدم وجود الحافلات، مع العلم أن الحجاج مقيدون بهذه الحافلات، ولا يعرفون التحرك في المشاعر، وإذا فعلوا ذلك قد يتيهون، فما حكم ذلك؟
الجواب
الواجب على المسئولين عن الحافلات أن يوفروا السيارات التي تكفي للناس، حتى لا يبقى الناس في عرفات إلى آخر الليل، وإنما يذهبون بهم في أول الليل، وتأخرهم إلى الساعة الثانية من الليل أو الساعة الثالثة غلط لا يصلح، بل عليهم أن يطالبوا من يكون سبباً في ذلك ومن يحصل منه ذلك ألا يفعل ذلك، وأن يرفعوا أمره إلى الجهات المسئولة، حتى يزيدوا في السيارات، ويزيدوا في الحافلات.
стр. 6421
حكم رمي جمرة العقبة قبل الفجر لمن دفع مع النساء بعد منتصف الليل من مزدلفة
السؤال
هل يجوز لمن دفع مع النساء ليلة النحر بعد منتصف الليل من مزدلفة أن يرمي جمرة العقبة فوراً عند وصوله إلى منى قبل صلاة الفجر؟
الجواب
إذا كان مع النساء فله أن يرمي، وإن أخر ذلك إلى بعد طلوع الشمس فهو الأولى، وإن رمى فرميه صحيح.
стр. 6422
حكم هدي التمتع على أهل مكة
السؤال
إذا حج أهل مكة متمتعين فهل عليهم هدي؟
الجواب
ليس عليهم هدي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦].
стр. 6423
حكم حلق اللحية وشرب الدخان
السؤال
هل حلق اللحية وشرب الدخان من الفسوق، خاصة أننا نرى بعض الحجاج في يوم عرفة يدخن؟
الجواب
حلق اللحية لا شك أنه من المعاصي؛ لأن النبي ﷺ أمر بإعفاء اللحى وأمر بتوفيرها، ونهى عن تشبه الرجال بالنساء، وكل ذلك موجود في حلق اللحى، والنبي ﷺ كان كث اللحية، وكان لا يأخذ من لحيته، وكذلك أصحابه الكرام ﵃ وأرضاهم كانوا يعفون لحاهم، وقد اجتمع في إعفاء اللحى أوجه ثبوت السنة الثلاثة التي هي: القول والفعل والتقرير، فإن النبي ﷺ أمر الناس بإعفاء اللحى وهذا قول، وكان معفياً للحيته وهذا فعل، وكان يرى أصحابه وهم ذوو لحى موفرة ويقرهم على ذلك، وهذه أوجه ثبوت السنة عن النبي ﷺ : القول والفعل والتقرير، وكلها مجتمعة في مسألة اللحية وإعفائها، فلا يجوز حلقها، وحلقها لا شك أن فيه إثماً، وهو معصية لله .
أما شرب الدخان فهو من الأمور المحرمة، وهو محرم من وجوه متعددة: محرم من جهة أن فيه إضاعة للمال، والنبي ﷺ جاء عنه أنه يقول: (إن الله ينهاكم عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال).
وكذلك أيضاً من جهة أن فيه إتلافاً للنفس وجلباً للأمراض، والله تعالى يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
وأيضاً من جهة أن فيه إيذاء للناس بالرائحة الكريهة، والنبي ﷺ قال: (من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنسان) مع أن هذه الأشياء من الطيبات؛ ولكن للرائحة الخبيثة قال ما قال فيها، فكيف بالدخان الذي يؤذي صاحبه به الناس ويؤذي به الملائكة، ثم أيضاً الدخان ليس من الطيبات وإنما هو من الخبائث، والله تعالى بعث نبيه ليحل الطيبات ويحرم الخبائث، فكل هذه الأمور تدل على أنه محرم، وأن الإنسان لا يجوز له أن يتعاطاه، وأن تعاطيه فيه أضرار كثيرة كما أشرت إلى جملة منها، ويمكن للإنسان أن يتصور مدى سوء عمل صاحب الدخان وأن عمله عمل سيئ لو أن إنساناً معه نقود يمزقها ويرميها في الهواء، ماذا سيقول الناس لمن رأوه يفعل ذلك؟ سيقولون: إنه سفيه، ومع ذلك فهو أحسن حالاً ممن يصرف النقود في شرب الدخان؛ لأن ذاك ضيع نقوده وصحته باقية لم يأت بما يضرها، وأما هذا فأضاع نقوده في إتلاف نفسه، وإهلاكها، وأضاع نقوده في إيذاء الناس.
فهذا يدل على فظاعة هذا العمل المنكر، وأن الإنسان الذي ابتلي به عليه أن يتوب إلى الله منه، وأن يبقي على ماله، وأن يصرف هذه الأموال التي يصرفها في هذا الأمر المحرم يصرفها في وجوه البر، فيحصل أجرها وثوابها، في الوقت الذي إذا صرفها في شرب الدخان يحصل إثمها وعقابها، ولكنه إذا صرفها في أمور تنفع فإنه يسلم من الدخان ويحصل على الأجر والثواب من الله .
стр. 6424
حكم زيارة قبر الرسول ﷺ مراراً
السؤال
زرت قبر رسول الله ﷺ مراراً، فهل أكون بذلك قد ارتكبت إثماً؟
الجواب
الرسول ﷺ يقول: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ولا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) أي: أن النبي ﷺ تبلغه الصلاة والسلام عليه بواسطة الملائكة ولو لم يأت الإنسان إلى القبر، فلهذا قال: (لا تتخذوا قبري عيداً فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، وقوله ﷺ : (إن لله ملائكة سياحين يبلغونني عن أمتي السلام) فتكرار الزيارة داخل تحت قوله: (لا تتخذوا قبري عيداً) يعني: أنه منهي عنه.
стр. 6425
حكم التوسل بالنبي ﷺ
السؤال
هل يجوز لنا معاشر الحجاج زيارة قبر النبي ﵌، وسؤالنا إياه قضاء حوائجنا وطلب مغفرة الذنوب، مع العلم أننا نعلم أن الله هو الذي يغفر الذنوب، ولكننا نتخذه وسيلة؟
الجواب
لا يجوز للإنسان أن يطلب من النبي ﷺ أموراً لا تطلب إلا من الله ، ثم أيضاً على الإنسان أن يعمل الأعمال الصالحة ويتوسل بها إلى الله ؛ لأنها هي التي تقربه إلى الله ، والله بابه مفتوح للعباد، ليس بينه وبينهم وسائط، بل الإنسان يسأل الله والله تعالى يجيبه، يقول : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، وقال : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
стр. 6426
شرح سنن أبي داود [٢٣٠]
الحلق والتقصير من الأمور الواجبة في الحج والعمرة، والحلق والتقصير يكونان للرجال، والحلق في حقهم أفضل، وأما النساء فليس في حقهن سوى التقصير ولا يجوز لهن الحلق، ويكون الحلق بعد النحر؛ لأن الرسول ﵊ رمى ثم نحر ثم حلق ثم طاف، وإن قُدِّم أو أُخر شيء من ذلك فلا حرج كما جاء في الأحاديث، والعمرة واجبة في العمر مرة، ويجوز للحائض التي لم تتمكن من الطواف أن تنقض عمرتها وتدخلها في الحج بحيث تصبح قارنة بعد أن كانت متمتعة.
стр. 6427
ما جاء في الحلق والتقصير، وحكمهما في الحج والعمرة
стр. 6428
شرح حديث: (اللهم ارحم المحلقين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الحلق والتقصير.
حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﵌ قال: (اللهم ارحم المحلقين! قالوا: يا رسول الله والمقصرين، قال: اللهم ارحم المحلقين! قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال: والمقصرين)].
قال أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب: الحلق والتقصير، والحلق والتقصير من الأمور الواجبة في الحج والعمرة، فالمعتمر عندما يدخل مكة فإنه يطوف ويسعى ثم يحلق رأسه أو يقصره، والحلق أفضل من التقصير، وكذلك الحاج عندما يأتي من مزدلفة ويرمي الجمرة فإنه يحلق رأسه أو يقصره، والحلق أفضل من التقصير.
وإذا كانت العمرة قريبة من الحج بحيث لا يكون هناك مدة ينبت فيها الشعر فإن المناسب أن يقصر الإنسان حتى يحلق يوم العيد، وذلك كأن يأتي في وقت متأخر، فعندما ينتهي من العمرة من كان متمتعاً يقصر من شعر رأسه كله، وإذا جاء اليوم العاشر فإنه يحلق رأسه كله، وأما بالنسبة للنساء فإن الواجب في حقهن التقصير فقط.
أورد أبو داود ﵀ حديث ابن عمر أن النبي ﵊ قال: [(اللهم ارحم المحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: يا رسول الله! والمقصرين، قال: والمقصرين)].
فهذا الدعاء بالرحمة وتكراره من النبي ﷺ للمحلقين يدل على أن الحلق أفضل من التقصير، ويدل على أن أي واحد منهما يحصل به أداء الواجب، ولكن الحلق أفضل وأعظم أجراً من التقصير؛ وذلك أن الإنسان عندما يكون محباً للشعر فقد يقدم على التقصير ويحتفظ بالشعر، ولكنه إذا أزاله كله بالحلق تقرباً إلى الله، فإنه يكون أكمل وأفضل.
قوله ﷺ : [(اللهم ارحم المحلقين)] يدل على جواز الدعاء بالرحمة للأحياء، فهي ليست مقصورة على الأموات، بل تكون للأحياء والأموات، وقد شاع عند الناس أن الترحم إنما يكون للأموات، فإذا سمع شخصاً يقول: فلان ﵀، فإنه يظن أنه قد مات، فهذا الحديث يدل على الدعاء بالرحمة للأحياء وللأموات؛ لأن النبي ﷺ قال: [(اللهم ارحم الملحقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله!)] وهذا يسمى عطف التلقين، فهم يطلبون منه أن يضيف المقصرين ويلحقهم بالمحلقين، فكرر ﵊ الدعاء للمحلقين، ثم قال: [(والمقصرين)]، فدل على أن الحلق أفضل من التقصير.
وقد بينت الأحوال التي يكون فيها الحلق والتقصير، فالحلق أفضل في العمرة إذا كانت بعيدة عن الحج، وفي الحج يوم العيد، وأما إذا كان الحج قريباً فإن التقصير أولى وأنسب من أجل أن يحصل الحلق يوم العيد، وأما النساء فليس في حقهن إلا التقصير من شعورهن.
وقد سبق أن مر بنا أن النبي ﷺ لما دخل مكة هو وأصحابه طافوا وسعوا وقصروا؛ وذلك لأن الحج قريب، فلم يبق عليه إلا خمسة أيام، فقد دخل ﵊ مكة في اليوم الرابع، والحلق يكون في اليوم العاشر فقصر وقصروا.
إذاً: فالحلق يكون أفضل من التقصير إذا كان في عمرة بعيدة من الحج، أو كان في الحج في يوم العيد، وكذلك كون الحاج يزيل شعره كله تقرباً إلى الله فإنه أكمل وأفضل، بخلاف الذي يقصر فإنه أبقى لنفسه شيئاً من الشعر؛ فهو يحبذه ويعجبه ذلك.
стр. 6429
تراجم رجال إسناد حديث (اللهم ارحم المحلقين)
قوله: [حدثنا القعنبي].
هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع].
هو نافع مولى ابن عمر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عمر].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وهذا الإسناد من أعلى الأسانيد عند أبي داود؛ لأنه من الرباعيات.
стр. 6430
شرح حديث (أن رسول الله حلق رأسه في حجة الوداع)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب -يعني: الإسكندراني - عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵄: (أن رسول الله ﵌ حلق رأسه في حجة الوداع)].
أورد أبو داود حديث ابن عمر: [(أن رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع)] يعني: يوم العيد بعد أن رمى ونحر حلق، وقد فعل ﵊ الأكمل والأفضل، وقد سبق الحديث أنه دعا للمحلقين ثلاث مرات، والمقصرين مرة واحدة.
стр. 6431
تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله حلق رأسه في حجة الوداع)
قوله: [حدثنا قتيبة].
هو قتيبة بن سعيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يعقوب -يعني: الإسكندراني -].
هو يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني القاري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن موسى بن عقبة].
هو موسى بن عقبة المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن نافع عن ابن عمر].
نافع وابن عمر قد مر ذكرهما.
стр. 6432
شرح حديث: (أن رسول الله رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا بذبح فذبح ثم دعا بالحلاق)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء حدثنا حفص عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله ﵌ رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزله بمنى فدعا بذبح فذبح، ثم دعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن فحلقه، فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر فحلقه، ثم قال: هاهنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة ﵁].
أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁: [(أن رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة يوم النحر، ثم رجع إلى منزله بمنى ودعا بذبح فذبح، ودعا بالحلاق فأخذ بشق رأسه الأيمن، فجعل يقسم بين من يليه الشعرة والشعرتين، ثم أخذ بشق رأسه الأيسر، ثم قال: هاهنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة)].
وهذا يدلنا على ما ترجم له المصنف من الحلق، وأن النبي ﷺ قد حلق في حجته، ويدل على أنه رمى ثم نحر ثم حلق.
قوله: [(بذبح)] سبق أن مر أنه نحر بيده ﷺ ثلاثاً وستين بدنة، ووكل علياً بنحر الباقي وهو تمام المائة.
والحديث يدل على تبرك الصحابة ﵃ وأرضاهم بشعر النبي ﷺ وبعرقه وبفضل وضوئه وغير ذلك مما مسه جسده ﷺ ، وهذا من خصائصه ﷺ فلا يفعل ذلك مع غيره من الناس؛ لأن الصحابة ﵃ وأرضاهم لم يفعلوا هذا مع الخلفاء الراشدين، ولا مع كبار الصحابة ﵃ وأرضاهم وهم خير وأفضل الناس، وعلى هذا فما يقوله بعض العلماء: من أن التبرك بآثار الصالحين جائز، يعتبر غلطاً؛ لأن الصحابة ﵃ وأرضاهم لم يفعلوا هذا مع خير الناس بعد رسول الله ﷺ وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، وهم أولى الناس بأن يتبرك بهم لو كان التبرك سائغاً، وأما أن يتعدى ذلك إلى غير النبي ﷺ فإن ذلك ليس بصحيح، وقد نقل الشاطبي اتفاق الصحابة على ذلك، وأنهم لم يحصل منهم ذلك مع أحد إلا مع رسول الله ﷺ ، وأيضاً فهذا من خصائصه ﷺ ولا يتعداه إلى غيره.
قوله: [(ثم قال: هاهنا أبو طلحة؟ فدفعه إلى أبي طلحة)]، يعني: أنه أعطاه قسماً كبيراً من شعره من أجل أن يتولى توزيعه وقسمته.
стр. 6433
تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله رمى جمرة العقبة يوم النحر ثم رجع إلى منزلة بمنى فدعا بذبح فذبح ثم دعا بالحلاق)
قوله: [حدثنا محمد بن العلاء].
هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حفص].
هو حفص بن غياث، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام].
هو هشام بن حسان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن سيرين].
هو محمد بن سيرين، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 6434
شرح حديث (أن رسول الله رمى جمرة العقبة يوم النحر) من طريق أخرى وتراجم رجاله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد بن هشام أبو نعيم الحلبي وعمرو بن عثمان المعنى، قالا: حدثنا سفيان عن هشام بن حسان بإسناده بهذا قال فيه: (قال للحالق: ابدأ بشقي الأيمن فاحلقه).
].
وهذا مثل الذي قبله، إلا أنه قال للحالق: [(ابدأ بشقي الأيمن)]، وهناك بدأ بالشق الأيمن ثم بالأيسر، وهذا يدل على البدء بالشق الأيمن عند الحلق؛ لأن النبي ﷺ أمر بذلك، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الشق الأيسر.
قوله: [حدثنا عبيد بن هشام أبو نعيم الحلبي].
عبيد بن هشام أبو نعيم الحلبي صدوق، أخرج له أبو داود.
[وعمرو بن عثمان].
هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[حدثنا سفيان].
هو سفيان بن عيينة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام بن حسان].
هشام بن حسان قد مر ذكره.
стр. 6435
شرح حديث: (فسأله رجل فقال: إني حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي أخبرنا يزيد بن زريع أخبرنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﵌ كان يُسأل يوم منى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: إني حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، قال: إني أمسيت ولم أرم، قال: ارم ولا حرج)].
أورد أبو داود حديث ابن عباس ﵄: [(أن النبي ﷺ كان يسأل يوم منى فيقول: لا حرج)] أي: أنه كان يسأل عن التقديم والتأخير، فكان يقول: [(لا حرج)]، وقد رتب النبي ﷺ الأعمال في يوم النحر على النحو التالي: رمي، ثم نحر، ثم حلق، ثم طواف، فبعض الناس قدم وأخر، فجاءوا يسألون النبي ﷺ ؛ لأن ترتيبهم ليس كترتيب النبي ﷺ ، وكان كلما سئل قال: [(لا حرج)] فجاءه رجل وقال: [(حلقت قبل أن أنحر)]، والنبي ﷺ نحر ثم حلق، فقال: [(اذبح ولا حرج)] أي: لا حرج عليك في تقديم وتأخير النحر لا حرج عليك، وهذا يدل على أن الترتيب ليس بلازم وليس بواجب، وأنه يجوز التقديم والتأخير، ولكن الإتيان بها وترتيبها كما رتبها رسول الله ﷺ هو الأولى والأفضل، لكن لو قدم بعضها على بعض وخالف هذا الترتيب فإنه سائغ؛ لأن النبي ﷺ ما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: [(لا حرج)].
قوله: [(قال: إنس أمسيت ولم أرم)] يعني: أن النبي ﷺ رمى ضحى، فهذا جاء المساء وهو لم يرم في الصباح، فقال: [(ارم ولا حرج)] فدل هذا على أن النهار كله وقت للرمي يوم العيد، وأنه يبدأ من طلوع الشمس إلى غروبها، وأن من رخص له في الانصراف من مزدلفة آخر الليل، فإن له أن يرمي كما فعل ذلك بعض نساء النبي ﷺ وهي أم سلمة ﵂، وكذلك أيضاً أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما.
لم يتمكن من الرمي في النهار له أن يرمي في الليل الذي بعده، وليس ذلك مقصوراً على نصف الليل، بل إلى الفجر، ولكنه عن شيء سابق، ليس عن شيء قادم، لا يقدم مثلاً رمي يوم الثاني عشر ليلة إحدى عشرة، ولكنه يمكن أن يرمي عن يوم العيد في الليل، ويمكن أن يرمي عن يوم الحادي عشر ليلة اثني عشرة، إذا لم يتمكن من الرمي قبل الغروب.
стр. 6436
تراجم رجال إسناد حديث: (فسأله رجل فقال: إني حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج)
قوله: [حدثنا نصر بن علي].
هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا يزيد بن زريع].
يزيد بن زريع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا خالد].
هو خالد بن مهران، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عكرمة].
هو عكرمة مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 6437
شرح حديث: (ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن الحسن العتكي حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جريج قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان ﵂ قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان ﵂ أن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: (ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير)].
أورد أبو داود حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: [(ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير)] يعني: أن النساء يقصرن من شعورهن ولا يحلقنها، فالحلق والتقصير للرجال، والحلق أفضل كما عرفنا، وأما النساء فإن الواجب في حقهن هو التقصير فقط، ولا يحلقن رءوسهن؛ لأن النساء بحاجة إلى شعر الرأس للتجمل به، وهن يختلفن عن الرجال.
стр. 6438
تراجم رجال إسناد حديث (ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير)
قوله: [حدثنا محمد بن حسن العتكي].
محمد بن الحسن العتكي صدوق يغرب، أخرج له أبو داود.
[حدثنا محمد بن بكر].
محمد بن بكر صدوق قد يخطئ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا ابن جريج].
هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان].
صفية بنت شيبة صحابية، أخرج حديثها أصحاب الكتب الستة.
[عن أم عثمان بنت أبي سفيان].
أم عثمان بنت أبي سفيان صحابية أخرج لها أبو داود.
[أن ابن عباس].
ابن عباس مر ذكره.
وهنا يقول ابن جريج: [بلغني] ففيه انقطاع إذاً، وستأتي له طريق أخرى يتقوى بها فيكون الحديث حجة.
стр. 6439
شرح حديث: (ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو يعقوب البغدادي ثقة، حدثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة عن صفية بنت شيبة ﵂ قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان ﵂ أن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﵌: (ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير)].
قوله: [(ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير)] وهو مثل الذي قبله، ولكن ينبغي أن يعلم أن النساء لهن أن يقصرن عن أنفسهن بأنفسهن، ولا يلزم أن يقصر للمحرم غيره أو يحلقه غيره، فالمرأة تقصر عن نفسها، والرجل يقصر عن نفسه، ويحلق عن نفسه إذا تمكن من ذلك، فهذا ليس فيه ارتكاب محظور وإنما هو فعل نسك من الناسك وبعض الناس قد يتساءل كثيراً هل يحلق المحرم لنفسه أو يقصر لنفسه، وهل المرأة تقصر لنفسها؟
و
الجواب
أنها يجوز لها أن تقصر لنفسها، والرجل يقصر ويحلق لنفسه، فهذا الفعل ليس فيه ارتكاب محظور، وإنما هو فعل النسك الذي يكون به التحلل، فهو سائغ وجائز ولا بأس به.
ذكر الشيخ الألباني ﵀ في (السلسلة الصحيحة) في الجزء الثاني رقم (١٥٧) أن ابن جريج صرح بالتحديث في رواية المخلص في جزء المنتقى من (الجزء الرابع)، وقد توبع على ذلك.
стр. 6440
تراجم رجال إسناد حديث: (ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير) من طريق ثانية
قوله: [حدثنا أبو يعقوب البغدادي ثقة].
هو إسحاق بن أبي إسرائيل صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود والنسائي.
[حدثنا هشام بن يوسف].
هشام بن يوسف ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[عن ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة].
ابن جريج مر ذكره، وعبد الحميد بن جبير بن شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس].
مر ذكرهم.
وهذا الحديث يفسر الحديث السابق، والواسطة التي بلغت عن صفية هو عبد الحميد بن جبير بن شيبة، والحديثان يشد بعضهما بعضاً.
стр. 6441
حكم العمرة
стр. 6442
شرح حديث: (اعتمر رسول الله ﷺ قبل أن يحج)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: العمرة.
حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا مخلد بن يزيد ويحيى بن زكريا عن ابن جريج عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر ﵄ قال: (اعتمر رسول الله صلى الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قبل أن يحج)].
قوله: [باب: العمرة]، العمرة واجبة كالحج، والمسلم عليه في عمره حجة واحدة وعمرة واحدة، سواء أتى بالعمرة وحدها والحج وحده، أو أتى بالعمرة مع الحج، وسواء كان تمتعاً أو قراناً، فالعمرة والحج لا زمان للمسلم في عمره مرة واحدة، وقد اعتمر النبي ﷺ قبل أن يحج ثلاث عمر وهي: عمرة الحديبية، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، هذه الثلاث كانت قبل حجته، فعمرة الحديبية في السنة السادسة، والقضاء أو القضية في السنة السابعة، والجعرانة في السنة الثامنة، فحجته ﷺ كانت في السنة العاشرة، وقد قرن فيها بين الحج والعمرة، فكانت عمره ﷺ أربعاً، ثلاث مستقلات وواحدة مقرونة مع حجته ﷺ ، وعلى هذا فالإنسان له أن يحج قبل أن يعتمر، وله أن يعتمر قبل أن يحج، وله أن يأتي بهما جميعاً بالقران.
стр. 6443
تراجم رجال إسناد حديث: (اعتمر رسول الله ﷺ قبل أن يحج)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج حديثه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي في (عمل اليوم والليلة) وابن ماجة.
[حدثنا مخلد بن يزيد].
مخلد بن يزيد صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[ويحيى بن زكريا].
هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن جريج عن عكرمة بن خالد].
ابن جريج مر ذكره، وعكرمة بن خالد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن ابن عمر].
ابن عمر مر ذكره.
стр. 6444
شرح حديث (والله ما أعمر رسول الله عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد بن السري عن ابن أبي زائدة حدثنا ابن جريج ومحمد بن إسحاق عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس ﵄ قال: (والله! ما أعمر رسول الله ﵌ عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك؛ فإن هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الوبر وبرأ الدبر ودخل صفر فقد حلت العمرة لمن اعتمر، فكانوا يحرِّمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم)].
أورد أبو داود حديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ ، إنما أعمر عائشة بعد الحج ليقطع بذلك أمر أهل الشرك الذين كانوا لا يأتون بالعمرة في أشهر الحج ولا في الأشهر الحرم، وإنما يأتون بها بعدما ينتهي المحرّم وهو آخر الأشهر الحرم، وذلك إذا دخل صفر، فعند ذلك يأتون بالعمرة، لكن كما هو معلوم أن عائشة ﵂ وأرضاها ما أعمرها الرسول ﷺ إلا بعد إلحاحها وطلبها، فالنبي ﷺ لم يعمرها ابتداء ليقطع دابر أهل الجاهلية، فالرسول ﷺ نفسه إنما فعل عمره كلها في ذي القعدة، وفي ذلك إبطالاً لأمر الجاهلية الذين يقولون: إن العمرة لا تكون في أشهر الحج ولا في الأشهر الحرم، وإنما كانوا يؤخرون العمرة إلى أن تنتهي الأشهر الحرم، فكانت عمره كلها في ذي القعدة، وذو القعدة من أشهر الحج ومن الأشهر الحرم، وكذلك أمهات المؤمنين كن متمتعات وعمرتهن كانت في ذي الحجة مع النبي ﷺ .
إذاً: فإعمار النبي ﷺ لـ عائشة بعد الحج كان بعد إلحاح منها، ولا شك أن أمر الجاهلية هو عدم الإتيان بالعمرة في الأشهر الحرم، ولكن قد جاء ما يدل على ذلك غير هذا الحديث، ومن ذلك أن أمهات المؤمنين اللاتي دخلن في اليوم الرابع عمرهن في شهر ذي الحجة، وقد طفن وسعين وقصرن وتحللن.
إذاً: فلا شك أن هذه العمرة وغيرها مما وقع في أشهر الحج في ذي العقدة وذي الحجة أن في ذلك مخالفة للمشركين، وقد خالفهم النبي ﷺ وأتى بالعمر كلها قبل حجه في السنة السادسة والسابعة والثامنة في ذي القعدة.
قوله: [(كانوا يقولون: إذا عفا الوبر)] يعني: كثر الوبر على ظهور الإبل.
قوله: [(وبرئ الدبر)] الدبر هو الذي يكون في ظهر الإبل من الجروح بسبب الركاب وكثرة السير عليها، فإنهم لا يقاتلون في الأشهر الحرم، بل يتركون الإبل تستريح حتى يبرأ الدبر، وكذلك لا يعتمرون عليها في الأشهر الحرم.
قوله: [(ودخل صفر)] ذهب بالأشهر الحرم.
стр. 6445
تراجم رجال إسناد حديث: (والله ما أعمر رسول الله عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك)
قوله: [حدثنا هناد بن السري].
هناد بن السري ثقة، أخرج له البخاري في (خلق أفعال العباد)، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن ابن أبي زائدة حدثنا ابن جريج].
ابن أبي زائدة وابن جريج قد مر ذكرهما.
[ومحمد بن إسحاق].
هو محمد بن إسحاق المدني صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عبد الله بن طاوس].
عبد الله بن طاوس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
أبوه هو طاوس بن كيسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
ابن عباس قد مر ذكره.
следующие страницы →