Полный текст (18 341 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.
стр. 7596
شرح حديث أم عطية (لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها.
حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا إبراهيم بن طهمان قال: حدثني هشام بن حسان ح وحدثنا عبد الله بن الجراح القهستاني عن عبد الله -يعني: ابن بكر السهمي - عن هشام -وهذا لفظ ابن الجراح - عن حفصة عن أم عطية ﵂: أن النبي ﷺ قال: (لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيباً إلا أدنى طهرتها إذا طهرت من محيضها بنبذة من قسط أو أظفار).
قال يعقوب مكان عصب: (إلا مغسولاً)، وزاد يعقوب: (ولا تختضب)].
أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة وهي: باب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها، وقد ذكرنا فيما مضى أن الإحداد هو الامتناع من الزينة والطيب، فالمرأة المعتدة للوفاة تجتنب الطيب، وتجتنب استعمال الزينة في الثياب وغيرها، ولا تلبس ثياب الزينة سواءً كانت مصبوغة أو غير مصبوغة، وإنما تلبس لباساً لا زينة فيه، ولا تتجمل، ولا تتطيب، ولا تكتحل ولا تختضب، فكل هذه الأمور التي هي زينة تجتنبها المرأة المعتدة للوفاة.
وأورد أبو داود حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت أكثر من ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً)، وقد سبق أن مر هذا الحديث عن زينب بنت أبي سلمة عن أمها، وعن زينب بنت جحش، وعن أم حبيبة كل منهما جاء عنها مثل ما جاء في حديث أم عطية: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد أكثر من ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً).
وذكرنا فيما مضى أن قوله: (أربعة أشهر وعشراً) إنما هو لغير الحامل، وأما الحامل فإن انتهاء عدتها يكون بوضع الحمل، وأجلها هو وضع الحمل طالت المدة أم قصرت، وأما غير الحامل فسواء كانت ممن تحيض أو كانت صغيرة أو آيسة، أو كانت مدخولاً بها أو غير مدخولاً بها فكل واحدة منهن تعتد أربعة أشهر وعشراً.
وقوله: (ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب)، يعني: أنه مصبوغ للزينة، وقوله: (إلا ثوب عصب) قيل: هو الذي جمعت خيوطه قبل أن ينسج وحزمت وصبغت ثم بعد ذلك نسجت، يعني: أنه لم يصبغ وهو منسوج فيكون مصبوغاً للزينة، وإنما صبغت خيوطه قبل أن ينسج، وقد ربط وحزم وصبغ محزوماً مربوطاً ثم فك الحزام ونسج، فمثل ذلك مستثنى؛ لأن الصبغ لم يكن بعد النسيج ولم يفعل للزينة، وإنما فعل في أول الأمر بحيث كانت خيوطه مصبوغة.
قوله: (ولا تكتحل)، لأن الاكتحال زينة، وقد سبق أن مر في الحديث عن النبي ﷺ : (أن امرأة جاءت تسأل عن بنتها توفي زوجها فقالت: إنها اشتكت عينها أفنكحلها؟ قال: (لا)، ثم ذكر قصة المرأة في الجاهلية وأنها كانت تمكث المدة الطويلة، وأن الإسلام إنما جاء بأربعة أشهر وعشر) وهي قليلة.
قوله: (ولا تمس طيباً إلا أدنى طهرتها) يعني: إذا جاء طهرها من الحيض فإنها تستعمل نوعاً من الطيب تضعه في مكان النتن حتى يذهب أثر الرائحة المنتنة، وإلا فإنها لا تتطيب، وهذا مستثنى من منع استعمالها للطيب، ويكون قوله: (طيباً) مخصوصاً وليس أي طيب تستعمله المرأة في هذه الحال.
قوله: (بنبذة من قسط أو أظفار) يعني: بشيء يسير من قسط أو أظفار، والمقصود بذلك: نوع من الطيب معروف عندهم.
[قال يعقوب مكان عصب: (إلا مغسولاً).
يعقوب هو شيخ أبي داود الأول، وهو: يعقوب بن إبراهيم الدورقي.
وقوله: [وزاد يعقوب: (ولا تختضب)].
يعني: أن يعقوب زاد على الشيخ الثاني قوله: (ولا تختضب)، وهذا فيه النهي عن الخضاب؛ لأن الخضاب زينة وجمال تتجمل المرأة به.
стр. 7597
تراجم رجال إسناد حديث أم عطية (لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج)
قوله: [حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي].
يعقوب بن إبراهيم الدورقي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، فقد رووا عنه مباشرة وبدون واسطة، وهو من صغار شيوخ البخاري؛ لأنه توفي سنة (٢٥٢هـ)، ومثله محمد بن بشار ومحمد بن المثنى فهؤلاء الثلاثة من شيوخ أصحاب الكتب الستة، وهم من صغار شيوخ البخاري، وكانت وفاتهم جميعاً في سنة واحدة قبل وفاته بأربع سنوات.
[حدثنا يحيى بن أبي بكير].
يحيى بن أبي بكير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا إبراهيم بن طهمان].
إبراهيم بن طهمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: حدثني هشام بن حسان].
هشام بن حسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ح وحدثنا عبد الله بن الجراح القهستاني].
لفظة (ح) للتحول من إسناد إلى إسناد، وعبد الله بن الجراح القهستاني صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود والنسائي في مسند مالك وابن ماجة.
[عن عبد الله يعني: ابن بكر السهمي].
عبد الله بن بكر السهمي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام، وهذا لفظ ابن الجراح].
يعني: عبد الله بن الجراح الذي في الإسناد الثاني، والإسناد الأول أنزل من الإسناد الثاني؛ لأن أبا داود بينه وبين هشام بن حسان ثلاثة أشخاص، وفي الإسناد الثاني بينه وبينه شخصان اثنان، والغالب أن الإسناد العالي يذكر أولاً، ثم يذكر الإسناد النازل، ولكنه هنا عكس القضية، ولعل السبب في ذلك أن الإسناد النازل فيه شخص متكلم فيه وهو: عبد الله بن الجراح وهو شيخه، وأما رجال الإسناد الأول: يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن يحيى بن أبي بكير عن إبراهيم بن طهمان فكل هؤلاء ثقات خرج لهم أصحاب الكتب الستة.
إذاً: ففي النازل قوة؛ فأحياناً يقدم النزول على العلو لقوة في النازل ولضعف في العالي، أو لشيء من الكلام في العالي، ولهذا يقول -أظنه السيوطي -: وربما يعرض للمفوق ما يجعله مساوياً أو قدما يعني: أن النازل قد يعرض له شيء يجعله مقدماً، كأن يكون الرجال كلهم ثقات، والعالي يكون فيه شيء من الضعف.
[عن حفصة].
حفصة بنت سيرين ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة.
[عن أم عطية].
أم عطية هي نسيبة بنت كعب رضي الله تعالى عنها صحابية، أخرج لها أصحاب الكتب الستة.
стр. 7598
شرح حديث (لا تحد المرأة فوق ثلاث إلا على زوج) من طريق أخرى وتراجم رجال إسنادها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن عبد الله ومالك بن عبد الواحد المسمعي قالا: حدثنا يزيد بن هارون عن هشام عن حفصة عن أم عطية ﵂ عن النبي ﷺ بهذا الحديث، وليس في تمام حديثهما.
قال المسمعي: قال يزيد: ولا أعلمه إلا قال فيه: (ولا تختضب)، وزاد فيه هارون: (ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب)].
أورد أبو داود حديث أم عطية من طريق أخرى وأحال على الرواية السابقة فقال: بهذا الحديث وليس بمثل حديثهما، يعني: ليس مماثلاً له تماماً؛ لأن قوله: (بهذا الحديث) قد يفهم منه أنه مساوٍ له، ولكنه قال: وليس في تمام حديثهما، يعني: أنه ليس مطابقاً له تماماً.
وقوله: [قال المسمعي: قال يزيد: ولا أعلمه إلا قال فيه: (ولا تختضب)].
يزيد هو ابن هارون شيخ المسمعي هذا، قال: ولا أعلمه إلا قال: (ولا تختضب)، يعني: أن هذه زيادة من جهة المسمعي، وهناك زيادة من جهة يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وهنا قال: (لا أعلمه إلا قال) وكأن المسألة فيها شك وليس فيها جزم من جهة المسمعي.
وقوله: [وزاد فيه هارون: (ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب)].
هارون هو شيخه الأول، وهو هارون بن عبد الله الحمال البغدادي، وروايته هذه مثل رواية الشيخ الثاني في الإسناد الأول الذي قال: (إلا ثوب عصب)، يعني: أنه استثنى ثوب عصب.
قوله: [حدثنا هارون بن عبد الله].
هارون بن عبد الله الحمال البغدادي ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[ومالك بن عبد الواحد المسمعي].
مالك بن عبد الواحد المسمعي ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود.
[قالا: حدثنا يزيد بن هارون].
يزيد بن هارون الواسطي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن هشام عن حفصة عن أم عطية].
هشام وحفصة وأم عطية قد مر ذكرهم في الإسناد السابق.
стр. 7599
شرح حديث أم سلمة (المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا زهير بن حرب حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا إبراهيم بن طهمان قال: حدثني بديل عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن أم سلمة ﵄ زوج النبي ﷺ عن النبي ﷺ أنه قال: (المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل)].
أورد أبو داود حديث أم سلمة ﵂ في بيان أمور تجتنبها المحدة وهي: أنها لا تلبس المعصفر من الثياب، وهو الذي صبغ بالعصفر، ولا الممشق: وهو الذي صبغ بصبغ يقال له: المشق أو الممشق.
وقوله: (ولا الحلي) يعني: لا تلبس الحلي ولا تلبس الزينة.
وقوله: (ولا تختضب) يعني: لا تختضب بالحناء في اليدين أو الرجلين.
وقوله: (ولا تكتحل) الكحل قد مرت روايات متعددة فيه؛ ونهي عنه لأنه زينة.
стр. 7600
تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة (المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب)
قوله: [حدثنا زهير بن حرب].
زهير بن حرب أبو خيثمة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا إبراهيم بن طهمان قال: حدثني بديل].
يحيى بن أبي بكير وإبراهيم بن طهمان مر ذكرهما، وبديل هو ابن ميسرة، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
[عن الحسن بن مسلم].
الحسن بن مسلم بن يناق ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن صفية بنت شيبة].
صفية بنت شيبة لها رؤية، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أم سلمة].
هي هند بنت أبي أمية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.
стр. 7601
شرح حديث أم سلمة في نهي النبي لها عن الكحل والطيب والحناء والصبر حال عدتها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني مخرمة عن أبيه قال: سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: أخبرتني أم حكيم بنت أسيد عن أمها: أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء -قال أحمد: الصواب: بكحل الجلاء- فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة ﵂ فسألتها عن كحل الجلاء، فقالت: لا تكتحلي به إلا من أمر لابد منه يشتد عليك فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار، ثم قالت عند ذلك أم سلمة: (دخل علي رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبراً فقال: ما هذا يا أم سلمة؟! فقلت: إنما هو صبر يا رسول الله! ليس فيه طيب، قال: إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب، قالت: قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟! قال: بالسدر تغلفين به رأسك)].
أورد أبو داود حديث أم سلمة ﵂ وفيه: أن المغيرة بن الضحاك قال: أخبرتني أم حكيم بنت أسيد عن أمها: أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينيها فتكتحل بالجلاء، والجلاء قيل: هو الأثمد الذي يجلو العينين ويجملهما، وقد سبق أن مر الحديث الذي فيه المنع من ذلك، وفيه: أن امرأة جاءت وقالت: إن ابنتها مات زوجها وأنها تشتكي عينها أفنكحلها؟ فقال ﵊: (لا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر)، ثم ذكر العمل الذي كانوا يعملونه في الجاهلية من أن المرأة كانت تمكث سنة كاملة في حالة سيئة، وأن الإسلام جاء بأمر يسير وشيء سهل ومدة تعتبر ثلث المدة التي كانت في الجاهلية تقريباً.
وهذا الحديث فيه أنها تستعمل الكحل إذا كان في أمر لابد منه، وأنها تضعه بالليل وتمسحه بالنهار، وكذلك ما ذكرته أم سلمة عن استعمالها للصبر في عينيها عندما مات أبو سلمة وهي في عدتها منه، فقال النبي ﷺ : (إنه يشب الوجه) يعني: أنه يجمل ويظهر الوجه بمظهر حسن، وأمرها بأن تفعله بالليل وتمسحه بالنهار.
ولكن هذا الحديث مخالف للحديث الذي مر وهو صحيح فقد منعها فيه من الاكتحال، وأيضاً هذا الحديث في إسناده مجهولان ومقبول، إذاً فهو ليس بحجة ولا ثابت عن رسول الله ﷺ ، ولا عن أم سلمة؛ لأن الإسناد إليها فيه هاتان المجهولتان والرجل المقبول الذي دونهما، والمقبول لا يحتج به إلا إذا وجد من يعضده، ولو وُجد من يعضد هذا فإنه لا حجة فيه؛ لأن الإسناد فيه هاتان المرأتان المجهولتان، إذاً فالحديث غير صحيح فلا يعارض الحديث الذي سبق أن تقدم في أن المرأة لا تكتحل، وأنها إنما كانت تريد أن تفعل ذلك للعلاج في أمر لابد منه، ولهذا قالت: اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال: (لا).
стр. 7602
تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة في نهي النبي لها عن الكحل والطيب والحناء والصبر حال عدتها
قوله: [حدثنا أحمد بن صالح].
هو أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل.
[حدثنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني مخرمة].
هو مخرمة بن بكير، وهو صدوق، أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وأبو داود والنسائي.
[عن أبيه].
أبوه هو بكير بن عبد الله بن الأشج المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: سمعت المغيرة بن الضحاك].
المغيرة بن الضحاك مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي.
[يقول: أخبرتني أم حكيم بنت أسيد عن أمها].
أم حكيم بنت أسيد مجهولة، أخرج لها أبو داود والنسائي، وكذلك أمها مجهولة، أخرج لها أبو داود.
[عن أم سلمة].
أم سلمة مر ذكرها.
стр. 7603
عدة الحامل
стр. 7604
شرح حديث سبيعة الأسلمية في عدة الحامل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في عدة الحامل.
حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية ﵂ فيسألها عن حديثها وعما قال لها رسول الله ﷺ حين استفتته، فكتب عمر بن عبد الله إلى عبد الله بن عتبة يخبره أن سبيعة أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة -وهو من بني عامر بن لؤي، وهو ممن شهد بدراً- فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك -رجل من بني عبد الدار- فقال لها: ما لي أراك متجملة؛ لعلك ترتجين النكاح؟ إنك والله! ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي.
قال ابن شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر].
أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: باب في عدة الحامل، والأربعة الأشهر والعشر التي مرت هي في عدة الحوائل اللاتي هن غير حوامل، سواءً كانت الواحدة منهن آيسة من الحيض بأن تجاوزت سن المحيض أو أنها لم تبلغ سن المحيض لصغرها، وسواء كانت مدخولاً بها، أو غير مدخولاً بها فإن هؤلاء يعتددن بأربعة أشهر وعشر.
أما الحوامل فإن عدتهن تختلف عن عدة الحوائل؛ وذلك بأن عدتهن وضع الحمل طالت المدة أو قصرت، فقد تكون ساعة وقد تكون ثلاث سنين، وذلك إذا بقي الحمل هذه المدة الطويلة، فقد وجد في بعض الرواة من مكث في بطن أمه ثلاث سنين، كما ذكروا ذلك في ترجمة محمد بن عجلان المدني.
فالحاصل: أن الحامل عدتها وضع الحمل طالت المدة أو قصرت، فقد تكون ساعة واحدة وقد تكون ثلاث سنين، فالمعتبر هو وضع الحمل، أي: أن انتهاء العدة يكون بوضع الحمل، وإذا كانت في النفاس فلها أن تتزوج كما ذكره المصنف عن الزهري؛ لأنها ليست في العدة، والزواج يكون بعد العدة؛ إلا أنها لا يقربها زوجها؛ لأن النفساء مثل الحائض لا تجامع.
وقد أورد أبو داود ﵀ حديث سبيعة الأسلمية ﵂ أن زوجها توفي، وزوجها هو سعد بن خولة ﵁ توفي في حجة الوداع، وذكرت أنها ما لبثت حتى ولدت، أي: أنها ولدت بعده بوقت يسير، وأنها لما تعلت -يعني: انتهت- من نفاسها وطهرت تجملت، فجاءها أبو سلمة بن بعكك وقال: لعلك تريدين النكاح؟ لست بفاعلة حتى تمضي عليك أربعة أشهر وعشر.
وقال بعض العلماء: إنها تعتد أكثر الأجلين، فإن بلغت مدة الحمل أربعة أشهر وعشراً فإنها تكون متفقة مع المدة، وإن زادت فإنها تنتظر حتى تضع، ومعنى هذا: أنها لو وضعت قبل أن تبلغ أربعة أشهر وعشراً فإنها تنتظر حتى تكمل أربعة أشهر وعشراً، ولكن حديث سبيعة الأسلمية هذا واضح الدلالة في أن النبي ﷺ أفتاها بأنها قد خرجت من عدتها بوضع الحمل، وأن لها أن تنكح إذا أرادت ولو لم تبلغ أربعة أشهر وعشراً؛ لأن الأربعة الأشهر والعشر هذه إنما تكون للحوائل دون الحوامل، وأما الحوامل فعدتهن وضع الحمل طالت المدة أو قصرت.
стр. 7605
تراجم رجال إسناد حديث سبيعة الأسلمية في عدة الحامل
قوله: [حدثنا سليمان بن داود المهري].
سليمان بن داود المهري المصري ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[أخبرنا ابن وهب].
ابن وهب مر ذكره.
[أخبرني يونس].
هو يونس بن يزيد الأيلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة].
عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ثقة فقيه، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين الذين يأتي ذكرهم كثيراً فيقال: الفقهاء السبعة، أو قال به الفقهاء السبعة، أو هذه المسألة قال بها الفقهاء السبعة، وهذا يغني عن عدهم وسردهم، ومنهم عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود هذا، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[أن أباه كتب إلى عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري].
عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري مقبول، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية].
سبيعة الأسلمية رضي الله تعالى عنها صحابية، وحديثها أخرجه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
стр. 7606
العمل بالمكاتبة عند المحدثين
هذا الحديث فيه العمل بالكتابة والمكاتبة، وهذا شيء معروف عند المحدثين، وهي من طرق التحمل والأداء، وكيفية ذلك أن يكتب الواحد إلى الآخر بالحكم أو بالحديث، وقد سبق أن مرت قصة وراد كاتب المغيرة الذي كتب إلى معاوية في قصة الذكر بعد السلام من الصلاة، ففيها الكتابة، وهذا أيضاً فيه الكتابة، وهي تأتي في أعلى الأسانيد وفي أوساط الأسانيد وفي أول الأسانيد، وسبق أن مر إسناد قال فيه أبو داود: كتب إلي فلان، وهو أحد شيوخه، والبخاري أيضاً له في صحيحه موضع واحد عن محمد بن بشار قال فيه: كتب إلي محمد بن بشار، وهو من صغار شيوخه، فالمكاتبة طريق من الطرق التي يعول عليها في تحمل وأداء الحديث.
стр. 7607
شرح أثر ابن مسعود (من شاء لاعنته، لأنزلت سورة النساء القصرى)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء، قال عثمان: حدثنا وقال ابن العلاء: أخبرنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله ﵁ قال: (من شاء لاعنته، لأنزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة الأشهر وعشر)].
أورد أبو داود هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود قال: من شاء لاعنته، يعني: باهلته، وهذا معناه أنه متوثق ومطمئن إلى الشيء الذي يتكلم فيه، وأن نزول سورة النساء القصرى -وهي سورة الطلاق- بعد الأربعة أشهر وعشر، يعني: كما هو في سورة البقرة، وجاء في سورة الطلاق: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، فقال: إن هذه متأخرة عن هذه، وليس هذا نسخاً وإنما هو تخصيص.
ثم أيضاً الواضح الجلي أن سورة الطلاق فيها علامة طلاق وليس فيها عدة وفاة، والذي في سورة البقرة هي عدة وفاة، وأما سورة الطلاق فليس فيها ذكر شيء عن الوفاة، وإنما هي كلها في المطلقات، لكن الأمر الواضح في الدلالة على أن المتوفى عنها زوجها تعتد بوضع الحمل إذا كانت حاملاً هو حديث سبيعة الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ ، فهو العمدة وهو الذي يعول عليه، وأما ذاك فهو محتمل؛ لأنه جاء عن طريق القياس والإلحاق، وأما هذا فهو نص في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً، والنبي ﷺ أفتاها بأنها قد انتهت عدتها بوضع حملها، وأن لها أن تنكح إذا شاءت.
стр. 7608
تراجم رجال إسناد أثر ابن مسعود (من شاء لاعنته، لأنزلت سورة النساء القصرى)
قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة].
عثمان بن أبي شيبة الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فإنه أخرج له في عمل اليوم والليلة ولم يخرج له في السنن.
[ومحمد بن العلاء].
هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[قال عثمان: حدثنا، وقال ابن العلاء: أخبرنا أبو معاوية].
أبو معاوية هو محمد بن خازم الضرير الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الأعمش].
هو الأعمش سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مسلم].
هو مسلم بن صبيح أبو الضحى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مسروق].
هو مسروق بن الأجدع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن مسعود الهذلي صحابي جليل، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 7609
الفرق بين حدثنا وأخبرنا
قوله: (قال عثمان: حدثنا، وقال ابن العلاء: أخبرنا) هذا من القليل عند أبي داود أو من النادر عند أبي داود، أعني: أن يذكر الفرق بين الروايات فيما إذا كانت بالتحديث أو بالإخبار، نعم قد يذكر كثيراً الفرق بين (عن) و (حدثنا وأخبرنا)، لأن الرواية بالعنعنة والرواية بالتحديث بينهما فرق كبير، فيقول: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، لكن كونه يقول: قال فلان: حدثنا، وقال فلان: أخبرنا فهذا قل أن يذكره، والغالب أن حدثنا يستعملونها فيما سمع من لفظ الشيخ، فإذا كان الشيخ يقرأ وهم يسمعون فإنهم يستعملون حدثنا، وإذا كان يُقرأ عليه وهو يسمع وهم يسمعون فإنهم يعبرون عنه بأخبرنا.
ومن العلماء من لا يفرق بين (حدثنا) و (أخبرنا) بل يجعل التعبير واحداً، فيستعمل حدثنا أو أخبرنا في هذا وفي هذا، لكن من العلماء من يفرق بين (حدثنا) و (أخبرنا)، والذي يستعمل هذا التفريق بكثرة هو الإمام مسلم ﵀ في صحيحه، فإنه كثيراً ما يقول: قال فلان: حدثنا، وقال فلان: أخبرنا، والإمام مسلم رحمة الله عليه عنده عناية تامة في سوق الأسانيد والمتون بألفاظها والمحافظة على الألفاظ، وعدم الاشتغال بالرواية بالمعنى بالنسبة للمتون.
والحافظ ابن حجر في ترجمته في (تهذيب التهذيب) قال: حصل للإمام مسلم حظ عظيم مفرط في هذا؛ بحيث إنه يحافظ على ألفاظ الأحاديث ولا يشتغل بالرواية بالمعنى، وذكر أعمالاً تميز بها في صحيحه فقال: إنه حصل له حظ عظيم مفرط في صحيحه في المحافظة على الألفاظ وسياقها في أسانيدها ومتونها، وبيان كون هذا يعبر بكذا وهذا يعبر بكذا.
стр. 7610
باب في عدة أم الولد
стр. 7611
شرح حديث عمرو بن العاص (لا تلبسوا علينا سنة نبينا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في عدة أم الولد.
حدثنا قتيبة بن سعيد أن محمد بن جعفر حدثهم ح وحدثنا ابن المثنى حدثنا عبد الأعلى عن سعيد عن مطر عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص ﵄ أنه قال: لا تلبسوا علينا سنة -قال ابن المثنى - سنة نبينا ﷺ ، عدة المتوفى عنها أربعة أشهر وعشر) يعني: أم الولد].
ثم أورد أبو داود هذه الترجمة وهي: باب عدة أم الولد، وأم الولد هي: الأمة التي وطأها سيدها وحملت منه وولدت، فإذا ولدت فإنها تكون أم ولد ليس له أن يبيعها، وإنما تبقى في ملكه وبعد موته تعتق، ولهذا احتاج الصحابة ﵃ وأرضاهم في بعض الغزوات إلى العزل فكان الواحد منهم يعزل عن الأمة؛ لأنه يخشى أنها تحمل؛ لأنها إذا حملت صارت أم ولد فلا يتمكن من بيعها والتصرف فيها، فتبقى معه ولكنها أمة، ولا تصير حرة إلا بعد وفاته، أي: أنها تعتق بعد وفاته، وقد قال بعض أهل العلم بمقتضى ما جاء في حديث عمرو بن العاص هذا الذي فيه: (سنة نبينا: عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر).
وقال بعض أهل العلم: إن هذا إنما يكون فيما لو أعتقها وجعل عتقها صداقها فإنها تكون زوجة، وأما ما دام أنها ليست بزوجة له فإنها من الإماء، والنص الذي جاء في القرآن في قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة:٢٣٤] إنما هو في عدة الأزواج وليس في الإماء.
وقال بعض أهل العلم قال: إن عدتها حيضة واحدة يستبرأ بها رحمها؛ لأنها ليست زوجة، والاعتداد بأربعة أشهر وعشر إنما هو للزوجات كما جاء في القرآن.
فالحديث فيه أن عدتها -أي: أم الولد- أربعة أشهر وعشر، ولكن قيل: إن هذا فيما لو أعتقها وجعل عتقها صداقها وهي أم ولده فإنها بذلك تكون من الزوجات، وعند ذلك تكون عدتها عدة غيرها من الزوجات، وأما إذا كانت من الإماء وليست من الزوجات فإن عدتها ليست عدة الزوجات، وإذا أرادت أن تتزوج فإنها تستبرئ بحيضة بعد وفاة سيدها؛ لاستبراء رحمها.
стр. 7612
تراجم رجال إسناد حديث عمرو بن العاص (لا تلبسوا علينا سنة نبينا)
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة.
أن محمد بن جعفر حدثهم].
محمد بن جعفر غندر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ح وحدثنا ابن المثنى].
هو محمد بن المثنى العنزي أبو موسى الملقب: الزمن ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[حدثنا عبد الأعلى].
هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد].
هو سعيد بن أبي عروبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مطر].
مطر الوراق صدوق كثير الخطأ، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن رجاء بن حيوة].
رجاء بن حيوة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن قبيصة بن ذؤيب].
قبيصة بن ذؤيب الخزاعي المدني له رؤية، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن العاص].
عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه صحابي مشهور، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 7613
المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجاً غيره
стр. 7614
شرح حديث (لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر ويذوق عسيلتها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجاً غيره.
حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته -يعني: ثلاثاً- فتزوجت زوجاً غيره فدخل بها، ثم طلقها قبل أن يواقعها أتحل لزوجها الأول؟ قالت: قال النبي ﷺ : (لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر ويذوق عسيلتها)].
أورد أبو داود باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح زوجا ًغيره، أي: ويطلقها، ويكون ذلك النكاح نكاح رغبة لا نكاح تحليل، فعند ذلك يحل لزوجها الأول أن يرجع إليها بثلاث تطليقات يستأنفها؛ لأنه استنفذ ثلاث تطليقات فلا تحل له إلا بعد زوج، فإذا رجع إليها بعد أن يتوفى عنها الزوج الثاني أو يطلقها وتخرج من العدة ويكون الزواج زواج رغبة وليس زواج تحليل تحل له، أي: أنها لا تحل للأول إلا بعد أن يطلقها أو يموت عنها زوجها الثاني الذي ذاقت عسيلته وذاق عسيلتها، وذوق العسيلة قالوا: إنما يكون بالاستمتاع بها بالجماع في الفرج الذي يكون معه إيجاب الغسل، والذي يكون فيه الحد، هذا هو المقصود بذوق العسيلة، ومنهم من قال: إنه المني، يعني: حصول الإنزال، لكن الحد يمكن أن يكون من غير إنزال، فما دام أنه أولج وحصل منه الإيلاج والجماع فإنه يحصل الحد بذلك، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] يعني: إن طلقها الطلقة الثالثة فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ويطلقها ذلك الزوج الثاني.
стр. 7615
تراجم رجال إسناد حديث (لا تحل للأول حتى تذوق عسيلة الآخر ويذوق عسيلتها)
قوله: [حدثنا مسدد].
مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم].
أبو معاوية والأعمش قد مر ذكرهما، وإبراهيم هو ابن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأسود].
الأسود بن يزيد بن قيس النخعي ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عائشة].
عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 7616
ما جاء في تعظيم الزنا
стр. 7617
شرح حديث (يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تزاني حليلة جارك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في تعظيم الزنا.
حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قال: فقلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يأكل معك، قال: قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك، قال: وأنزل الله تعالى تصديق قول النبي ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨] الآية)].
أورد أبو داود باب تعظيم الزنا، يعني: بيان خطورته؛ لأن فيه إفساد الفراش، وفيه اختلاط الأنساب، ويلحق بالزوج من ليس من أولاده، ففيه أمور خطيرة وسيئة تترتب على ذلك، فهو أمر خطير وعظيم وليس بالأمر الهين.
وأورد أبو داود حديث ابن مسعود ﵁: (أن النبي ﷺ سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، وهذا هو أعظم ذنب، فأظلم الظلم وأبطل الباطل وأعظم الذنوب الشرك بالله ، وهو أن يعبد العبد مع الله غيره وأن يشرك مع الله غيره بالعبادة، وهنا في هذه الجملة قال ﷺ : (أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، فأشار إلى الخلق؛ لأن الخالق هو الذي يجب أن يعبد، وكيف يعبد الإنسان مع الله من كان مخلوقاً كائناً بعد أن لم يكن؟! فالمخلوق كان معدوماً فأوجده الله، والعبادة إنما تكون للخالق وحده لا شريك له.
فقوله ﷺ : (أن تجعل لله نداً وهو خلقك) فيه تنبيه إلى سوء وفساد عقول الذين يشركون مع الله غيره مع أنه هو الخالق وحده لا شريك له، كما أنه المتفرد بالخلق والإيجاد، فهو الذي يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له.
ولهذا فإن كون الإقرار بأن الله هو الخالق الرزاق المحيي المميت هذا مما أقر به الكفار الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، ولكن ذلك لم يدخلهم في الإسلام ولم ينفعهم؛ لأنهم لم يفردوا العبادة لله ، ولم يخصوا الله بالعبادة التي هي مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، والتي هي معنى لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله .
فالكفار الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، ولكنهم كانوا غير مقرين بالألوهية، ولهذا يقولون كما حكى الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] أي: أنهم يجعلون مع الله آلهة أخرى، ويعبدون مع الله مخلوقات كانت بعد أن لم تكن، والعبادة لا تكون مقبولة عند الله إلا إذا كانت خالصة لله، ومطابقة لسنة رسول الله ﷺ ، فإن فقد شرط الإخلاص وحصل الشرك ردت على صاحبها ولو كان العمل الذي أتي به حسناً ومطابقاً للسنة، فإنه يرد لكونه أشرك مع الله فيه غيره، وكذلك لو أن العمل كان خالصاً لله ولكنه مبني على بدعة وعلى مخالفة السنة فإنه يكون مردوداً على صحابه؛ لقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وهذه الرواية متفق عليها، وفي لفظ لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني: فهو مردود عليه.
فلابد من الإخلاص ولابد من المتابعة، فتجريد الإخلاص لله وحده هو مقتضى: (أشهد أن لا إله إلا الله)، وتجريد المتابعة للرسول ﷺ هو مقتضى: (أشهد أن محمد رسول الله)، فالشهادتان متلازمتان لابد منهما ولا تكفي واحدة عن الأخرى، وكذلك مقتضى الشهادتين: إخلاص العبادة لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ لابد منهما جميعاً، وإذا اختل أحد هذين الشرطين فإن العمل يكون مردوداً على صاحبه وغير مقبول عند الله .
ثم إنه يأتي كثيراً في القرآن تقرير توحيد الربوبية، وليس المقصود من تقريره إثباته على أحد ينكره، بل الذين خوطبوا بذلك هم أناس مقرون به، وهم كفار قريش الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، فإنهم كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، ولكنه يقرر ذلك من أجل الإلزام بتوحيد الألوهية، ولهذا يقولون: توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، ومعنى مستلزم: أن من أقر بأن الله خالق رازق يلزمه أن يعبد الله وحده، ولهذا قال في الحديث: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك)، وتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية، أي: أن الذي يعبد الله وحده ويخصه بالعبادة لا يمكن أن ينكر أن يكون الله هو الخالق والرازق وحده، بل هو مقر بهذا ضمناً، فتوحيد الألوهية إذا وجد فإن توحيد الربوبية موجود، وتوحيد الربوبية قد يوجد ولا يوجد توحيد الألوهية كما هو شأن الكفار الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ .
ولهذا يأتي في القرآن كثيراً تقرير توحيد الربوبية للإلزام بتوحيد الألوهية، كما قال الله : ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل:٦٠]، هذا السياق كله من أجل: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل:٦٠]، ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل:٦١]، أتُي بهذا كله من أجل ((أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ))، أي: هل الذي يتفرد ويستقل بهذا ولا يشاركه أحد يجعل معه آلهة؟ فأين العقول؟ وكيف تضيع العقول؟ وكيف تعبد آلهة كانت بعد أن لم تكون؟ فالآلهة التي عبدها الكفار كانت عدماً فأوجدها الله، ثم مع هذا يجعل لها نصيب من العبادة! بل العبادة يجب أن تكون للذي استقل، وانفرد بالخلق والإيجاد، فكما أن الله هو المتفرد بالخلق والإيجاد فيجب أن يفرد بالعبادة، ولهذا يأتي كثيراً في القرآن تقرير هذا المعنى، والمقصود منه الإلزام لهؤلاء؛ لأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية.
فقوله: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك) هذا تنبيه وإشارة إلى أن الخالق هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له.
وقوله: (أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك)، فقد كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر، والله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١]، وهذا في سورة الإسراء، وقال في سورة الأنعام: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١]، ففي سورة الإسراء قال: ((خَشْيَةَ إِمْلاقٍ)) يعني: أن الفقر متوقع وليس بواقع، ولهذا قدم الأولاد فقال: ((نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ)) فالأولاد قد يكونون سبباً في رزق الوالد، فقدم الأولاد على الوالدين للإشارة إلى أن الأولاد قد يكونون سبباً في رزق الوالدين.
وفي سورة الأنعام قال : ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] يعني: من الفقر، فلما كان الفقر واقعاً قدم الوالدين على الأولاد فقال: ((نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)).
قوله: (قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك)، فالزنا خطير، ولكنه إذا كان مع حليلة الجار فإنه يكون أسوء وأسوء؛ لأن الجار له حق، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، وقال ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره)، وجاءت أحاديث كثيرة في إكرام الجار والنهي عن إيذائه، فإذا كان الزنا في حد ذاته أمر خطير وأمر عظيم فإنه إذا كان مع حليلة الجار يكون أسوأ وأسوأ، ويكون أشد وأعظم.
وقوله: (وأنزل الله تصديق ذلك -أي: تصديق نبيه- فقال: ((وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ)))، وهذه الآية فيها نفس الترتيب الذي جاء في الحديث.
وقوله: (تصديق ذلك) لا يعني أن النبي ﷺ كان يقول ويتكلم من عند نفسه، وأن كلامه ليس من عند الله، لا، فالحديث والسنة من عند الله، والقرآن من عند الله، فالكل من عند الله، كما قال : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، وقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على أن السنة وحي من الله، كما في الحديث الصحيح الذي فيه أن النبي ﷺ قال: (يغفر للشهيد كل شيء) ثم قال: (إلا الدين سارني به جبريل آنفاً)، يعني: أن هذا الاستثناء جاء به جبريل منبهاً ومبيناً أنه يستثنى الدين، فالسنة وحي من الله ، والحديث قد يكون في القرآن ما يطابقه، كما جاء عن بعض السلف عند قوله ﷺ : (والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي جئت به إلا كان من أصحاب النار)، جاء أنه قال: إن هذا الحديث تأملته فوجدت مصداقه في كتاب الله، قال الله : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود:١٧] يعني: أن هذا الحكم تطابق عليه القرآن والسنة، وليس معنى ذلك أن الرسول ﷺ يأتي بشيء ليس من عند الله، بل كل ما يأتي به الرسول صلى الله عليه
стр. 7618
تراجم رجال إسناد حديث (يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تزاني حليلة جارك)
قوله: [حدثنا محمد بن كثير].
محمد بن كثير العبدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا سفيان].
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ثقة فقيه وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن منصور].
منصور بن المعتمر الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي وائل].
هو شقيق بن سلمة مشهور بكنيته، وهو ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن شرحبيل].
عمرو بن شرحبيل ثقة مخضرم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن عبد الله].
عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قد مر ذكره.
стр. 7619
الأسئلة
стр. 7620
حكم دعاء الأبناء على والدهم الظالم لأمهم
السؤال
ما حكم دعاء الأبناء على والدهم بحجة أنه ظلم أمهم الكفيفة؛ حيث يقول لها: هؤلاء أولادك أولاد زنا وليسوا بأولادي، فيشتمها ويضربها، فهم يدعون عليه، فهل يعتبر هذا من العقوق ومن كبائر الذنوب؟
الجواب
هذا الذي يقوله من سوء الخلق ومن الكلام القبيح، وبدل أن يأتوا بشيء فيه سب له أو دعاء عليه عليهم أن ينصحوه، وبذلك يكونون قد بروا به حيث أحسنوا إليه بأن يبتعد عن هذا الكلام القبيح الذي يقوله والذي يتسبب في كونهم يدعون عليه، فالأولى في حقهم ألا يدعوا عليه، وإنما ينصحونه ويدعون الله له أن يوفقه، وأن يهديه، وأن يجنبه سوء الخلق، وأن يجعله على خلق حسن.
стр. 7621
حكم استبدال الذهب بذهب أقل مع دفع الفارق نقداً
السؤال
اشتريت ذهباً وتبين أن مقاسه ليس صحيحاً لمن اشتريته له، ثم استبدلته بذهب أصغر منه وأرجع لي الباقي للفرق بين السعرين نقداً، فما الحكم؟
الجواب
هذا معناه أنه استقاله البيعة السابقة، ثم اشترى شيئاً آخر أصغر، فيبدو أنه لا بأس بهذا؛ لأن هذا استقاله البيعة ثم اشترى منه شيئاً جديداً، ودفع إلى المشتري المبلغ الزائد.
стр. 7622
حكم أخذ الولي من مال اليتيم
السؤال
هل يجوز للولي أن يأخذ من مال اليتيم إذا كان مضطراً بالمعروف؟ وهل يرد المال الذي أخذه إذا أيسرت في حالته المادية؟
الجواب
ولي اليتيم كما جاء في القرآن يأكل بالمعروف في مقابل قيامه بالمحافظة عليه، ولكنه يحسن إليه ويحفظ ماله، والأولى ألا يأخذ شيئاً، ولكن إذا أكل بالمعروف في مقابل عمله وكان ذلك باعتدال وعدم زيادة، فلا بأس بذلك كما جاء في القرآن.
وإذا أيسر لا يرده؛ لأن هذا في مقابل عمله، وأما إذا اقترض منه شيئاً فيرده.
стр. 7623
عدة الأمة
السؤال
أليست عدة الإماء على النصف من عدة الحرائر؟
الجواب
هذا في الإماء المزوجات، وأما الإماء المملوكات فليس عليهن عدة وإنما عليهن استبراء الرحم فقط، والمزوجات هن اللاتي يكون عليهن عدة كما سبق أن مر في كلام بعض أهل العلم، فالطلاق ينظر فيه إلى الرجال ولا ينظر إلى النساء، والعدد ينظر فيها إلى النساء ولا ينظر إلى الرجال.
стр. 7624
عدة أم الولد
السؤال
ما الذي ترجحونه في عدة أم الولد؟
الجواب
الذي يظهر أن عدتها حيضة؛ لأنه ليس هناك نص يدل على أنها أكثر من ذلك؛ والآية التي جاءت في العدد إنما هي في الزوجات وهذه ليست زوجة، إلا إذا صارت زوجة باعتبار المعنى الذي أشرت إليه، وقد قاله بعض أهل العلم أنه إذا أعتقها وجعل عتقها صداقها فإنها تكون أم ولد إذا مات عنها.
стр. 7625
شرح سنن أبي داود [٢٦٥]
الصيام ركن من أركان الإسلام، ولا يتم إسلام المرء إلا به، ومن جحده كان كافراً، والصيام سهل ويسير على من يسره الله عليه، وإذا حصلت معه مشقة فقد أباح الشرع معها الفطر والقضاء على من يستطيع القضاء، والفدية على من لا يستطيع القضاء.
стр. 7626
مبدأ فرض الصيام
стр. 7627
شرح حديث ابن عباس: (فكان الناس إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الصوم.
باب مبدأ فرض الصيام.
حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه حدثني علي بن حسين بن واقد عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣]، فكان الناس على عهد النبي ﷺ إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل نفسه، فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك يسراً لمن بقي ورخصة ومنفعة، فقال سبحانه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] الآية، وكان هذا مما نفع الله به الناس ورخّص لهم ويسّر].
أخّر أبو داود ﵀ كتاب الصوم عن النكاح وعن الطلاق وعن اللقطة، والمعروف من عمل المصنفين أن العبادات -ومنها الصوم- تكون متتابعة في البداية، ثم بعدها تأتي المعاملات التي منها النكاح والطلاق وغير ذلك، وهذا الترتيب على خلاف ما هو مألوف ومعروف من تقديم العبادات على المعاملات.
والصوم في اللغة: الإمساك، فأيّ إمساك يقال له: صوم.
وفي الشرع: هو إمساك مخصوص عن الأكل والشرب وسائر المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
هذا هو الصوم الشرعي، وعلى هذا فإن الصوم الشرعي جزء من جزئيات المعنى اللغوي للصوم؛ لأن المعنى اللغوي واسع يدخل فيه أيّ إمساك، وأما الصوم الشرعي فهو إمساك مخصوص، وكثيراً ما تكون المعاني الشرعية أجزاءً من المعاني اللغوية.
ومثله في هذا الحج، فالحج لغة: القصد، أيّ قصد، وفي الشرع: هو قصد مكة؛ لأداء أعمال مخصوصة.
والعمرة لغة: الزيارة، أيّ زيارة، وفي الشرع: هي زيارة البيت العتيق للطواف والسعي فيه.
وهكذا نجد أن المعاني اللغوية تكون واسعة، والمعاني الشرعية أجزاء من تلك المعاني الواسعة.
قوله: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٣]، وكان الناس على عهد النبي ﷺ إذا صلوا العتمة حُرم عليهم الطعام والشراب والنساء، وصاموا إلى القابلة) أي: كان الناس لما نزل قول الله الذي فيه فرض الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] يحرم عليهم الطعام والشراب والنساء بعد صلاة العشاء، وهذه الآية لا تعني المماثلة في مقدار الصيام، وإنما تعني أنه فُرِضَ عليكم كما فُرض على من قبلكم، وإن كان هناك فرق بين ما فرض عليكم وما فرض على من قبلكم، فالذين قبلنا كان عندهم صيام ونحن عندنا صيام، لكن ليس معنى ذلك أن صيامنا مثل صيامهم تماماً، وأن المقدار الذي فرض علينا هو نفسه الذي فرض عليهم، وإنما المقصود: المماثلة في الجملة لا في التفاصيل والجزئيات؛ حيث شُرع لهم صيام وشُرع لنا صيام.
وكان المسلمون في أول الأمر إذا صلى أحدهم العتمة -أي: العشاء- ثم نام، فإنه لا يحل له أن يأكل شيئاً، ولا أن يجامع أهله، بل يستمر من ذلك الوقت إلى الليلة الآتية صائماً، فيجمع بين صيام الليل والنهار، وكان فيهم من يشتهي أهله بعدما يقوم من النوم، فأنزل الله بعد ذلك الرخصة، وأن الامتناع من الأكل والشرب والجماع إنما هو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وأما الليل فيجوز لهم فيه أن يأكلوا ما شاءوا سواء ناموا أم لم يناموا، ويجوز لهم أن يجامعوا سواء حصل منهم النوم أم لم يحصل، فذلك جائز في الليل سواء كان في أوله، أو وسطه، أو آخره، وسواء حصل النوم أو لم يحصل النوم، فالأمر في ذلك واسع، وهو رخصة من الله ، ونسخ الله ذلك التحريم بقوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] الآية.
قوله: (إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء) أي: إذا صلوا العشاء وناموا كما جاء ذلك مبيناً في الروايات الأخرى، وأما بدون نوم فإنه لا يحرم عليهم شيء.
قوله: (فاختان رجل نفسه، فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر) أي: ظلم نفسه، وأقدم على الشيء الذي مُنع منه.
стр. 7628
تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (فكان الناس إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب والنساء)
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن شبويه].
هو أحمد بن محمد بن شبويه المروزي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود.
[حدثني علي بن حسين بن واقد].
علي بن حسين بن واقد صدوق يهم، أخرج حديثه البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
وهو حسين بن واقد، وهو ثقة له أوهام، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن يزيد النحوي].
هو يزيد بن أبي سعيد النحوي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في (الأدب المفرد) ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عكرمة].
هو عكرمة مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 7629
شرح حديث (كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا نصر بن علي بن نصر الجهضمي أخبرنا أبو أحمد أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: (كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها، وإن صرمة بن قيس الأنصاري ﵁ أتى امرأته وكان صائماً فقال: عندِك شيء؟ قالت: لا، لعلي أذهب فأطلب لك شيئاً، فذهبت وغلبته عينه، فجاءت فقالت: خيبةً لك، فلم ينتصف النهار حتى غشي عليه، وكان يعمل يومه في أرضه، فذُكر ذلك للنبي ﵌ فنزلت: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧]، قرأ إلى قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:١٨٧])].
أورد أبو داود حديث البراء بن عازب ﵁ قال: (كان الرجل إذا صام ونام لم يأكل إلى مثلها) يعني: أنه إذا نام في الليل بعد أن يفطر عند الغروب فإنه لا يأكل إلى الغد، أي: أنه يصل الليل بالنهار كما سبقت الإشارة إليه في الحديث السابق، وكان صرمة بن قيس يعمل في أرض له، فأتى امرأته وكان صائماً فلم يجد عندها شيئاً، فذهبت تبحث له عن طعام، فرجعت وقد نام، فأنزل الله الآية التي رخص الله تعالى لهم فيها بأن يأكلوا ويشربوا وأن يجامعوا إلى طلوع الفجر، وأنه لا حرج عليهم في ذلك، فهي رخصة وتيسير من الله .
стр. 7630
تراجم رجال إسناد حديث (كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها)
قوله: [حدثنا نصر بن علي بن نصر الجهضمي].
هو نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا أبو أحمد].
هو أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرنا إسرائيل].
هو إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق].
هو أبو إسحاق عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 7631
نسخ قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية)
стр. 7632
شرح حديث نسخ قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب نسخ قوله تعالى: ((وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ)).
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا بكر -يعني ابن مضر - عن عمرو بن الحارث عن بكير عن يزيد مولى سلمة عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤] كان من أراد منا أن يفطر ويفتدي فعل حتى نزلت هذه الآية التي بعدها فنسختها)].
أورد أبو داود هذه الترجمة: باب نسخ قول الله : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، والمقصود من ذلك: أن الصوم لما شرع في أول الأمر كان على التخيير، فمن أراد أن يصوم صام، ومن أراد ألا يصوم ويطعم عن كل يوم مسكين فعل، وبعد ذلك نسخ هذا الحكم وجاء الإلزام بالصيام، ولم يعد هناك تخيير بين الصوم والفدية، فمن كان مستطيعاً فعليه أن يصوم وليس له أن يتحول عن الصيام إلى غيره، ومن كان غير مستطيع لكونه مريضاً أو مسافراً فعدة من أيام أخر، أي: يصوم أياماً أخر بدل هذه التي لم يصمها من الشهر.
وقوله: ((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ))، يعني: أنه يقضي إذا أفطر لعذر، أما لغير عذر فلا يجوز له أن يفطر، وليس له أن يتحول من الصيام إلى الفدية، بل ليس هناك إلا الصيام، وإنما كان التخيير بين الصيام وبين ترك الصيام والفدية في أول الأمر، ثم نسخ بالآية التي بعدها وهي قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، حتى قال: ((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)).
وقوله: ((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) فيها دلالة على أنه إذا كان الشهر ناقصاً فإن الذي يقضي إنما يقضي على عدة الشهر ولا يقضي شهراً كاملاً، أي: يقضي مثل الأداء، وحيث كان الشهر ناقصاً فإن القضاء يكون تسعة وعشرين، لقوله تعالى: ((وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) أي: يصوم عدة الأيام التي صامها الناس قضاءً في أيام أخر، فالحكم الذي كان موجوداً أول الأمر من التخيير نسخ وصار الإلزام بالصيام.
стр. 7633
تراجم رجال إسناد حديث نسخ قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين)
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا بكر يعني: ابن مضر].
بكر بن مضر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن عمرو بن الحارث].
عمرو بن الحارث ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن بكير].
هو بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن يزيد مولى سلمة].
هو يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سلمة بن الأكوع].
سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 7634
شرح أثر ابن عباس في بيان نسخ الفدية والإلزام بالصيام
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد حدثني علي بن حسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، فكان من شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى وتم له صومه، فقال : ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:١٨٤]، وقال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٥]].
وهذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه هو مثل ما تقدم أنه كان في أول الأمر من شاء أن يفتدي افتدى، ومن شاء أن يصوم صام، وأنه بعد ذلك جاء الإلزام بالصيام وعدم التخيير.
стр. 7635
تراجم رجال إسناد أثر ابن عباس في بيان نسخ الفدية والإلزام بالصيام
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد حدثني علي بن حسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس].
قد مر رجال هذا الإسناد في الإسناد الأول.
следующие страницы →