← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

ضابط الشرك الأصغر عند السعدي والتعليق عليه السؤال قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ في القول السديد في مقاصد التوحيد صفحة (٥٤): فإن حد الشرك الأكبر وتفسيره الذي يجمع أنواعه وأفراده أن يصرف العبد نوعاً أو فرداً من أفراد العبادة لغير الله، فكل اعتقاد أو قول أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع، فصرفه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفه لغيره شرك وكفر، فعليك بهذا الضابط للشرك الأكبر الذي لا يشذ عنه شيء، كما أن حد الشرك الأصغر هو: كل وسيلة وذريعة يتطرق منها إلى الشرك الأكبر من الإرادات والأقوال والأفعال التي لم تبلغ رتبة العبادة، فعليك بهذين الضابطين للشرك الأكبر والأصغر، فإنه مما يعينك على فهم الأبواب السابقة واللاحقة من هذا الكتاب، وبه يحصل لك الفرقان بين الأمور التي يكثر اشتباهها والله المستعان. أرجو توضيح ضابط الشرك الأصغر، وكيف نفرق بينه وبين البدع؟ الجواب هذا الضابط غير واضح فيما يتعلق بالشرك الأصغر، وأنه كل وسيلة؛ لأن هناك وسائل لا تعتبر شركاً ولكنها تؤدي إلى الشرك، ولكن الشرك الأصغر مثل الحلف بغير الله؛ لأن فيه تعظيم غير الله، لكنه لا يصل إلى حد الشرك الأكبر، اللهم إلا إذا اعتقد أن هذا الذي يحلف به أعظم من الحلف بالله، أو أنه يكون مساو للحلف بالله، فهذا يكون شركاً أكبر، أما مجرد كونه يعظم ويحلف به، ويقول: وفلان! وحياتي! أو والنبي! والكعبة وما إلى ذلك من الألفاظ التي هي من الشرك الأصغر، نعم هي صرف شيء لغير الله لا ينبغي أن يصرف إلا لله ، لكن أن تكون كل وسيلة من الوسائل شركاً أصغر، فهذا ليس بواضح.

стр. 8052

حكم كشف المرأة عن وجهها في الطواف السؤال هل المرأة إذا اعتمرت تكشف عن وجهها أو تحتجب في الطواف؟ الجواب بالنسبة للطواف تحتجب؛ لأن الرجال موجودون أمامها ومعها، ولا يخلو المطاف من الطائفين من الرجال الأجانب، فعليها أن تغطي وجهها، وإنما تكشف وجهها إذا لم يكن عندها رجال، مثلما جاء عن عائشة: (أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر فكن يكشفن عن وجوههن، فإذا حاذاهن الركبان أسدلت إحداهن خمارها على وجهها، فإذا تجاوزوها كشفت خمارها عن وجهها).

стр. 8053

مسافة القصر والفطر في الشرع السؤال حدد لنا مسافة القصر والفطر بالكيلو متر؟ الجواب المشهور عند بعض العلماء أنها سبعون أو ثمانون كيلو متراً أو قريب من ذلك، يعني: ما كان في هذا الحدود فهو الذي فيه الاحتياط، وبعض أهل العلم يرى أنها أقل من ذلك، ولكن: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).

стр. 8054

حكم من يصوم يوماً ويفطر يوماً ووافق صيامه يوم السبت السؤال من كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ووافق يوم الصيام يوم السبت، فهل يصوم أو يترك؟ الجواب الذي يبدو أنه لا بأس أن يصوم لأن هذا شيء معتاد، ولو أنه صام الخميس والأربعاء متتابعة وأفطر يوم السبت قد يكون أولى، ولكن يبدو أنه لا بأس به.

стр. 8055

شرح سنن أبي داود [٢٨٣] نهى النبي ﷺ عن صيام الدهر لما فيه من الغلو والمشقة على النفس، وتضييع حقوق وواجبات أخرى، وأرشد ﷺ إلى صيام أشهر أخرى كالأشهر الحرم وشعبان، وقد كان ﷺ يصوم غالب شعبان، فهذه مواسم لمن أراد التزود من عبادة الصيام.

стр. 8056

ما جاء في صوم الدهر تطوعاً

стр. 8057

شرح حديث (ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في صوم الدهر تطوعاً. حدثنا سليمان بن حرب ومسدد قالا: حدثنا حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة ﵁: (أن رجلاً أتى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله! كيف تصوم؟ فغضب رسول الله ﷺ من قوله، فلما رأى ذلك عمر قال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، نعوذ بالله من غضب الله ومن غضب رسوله، فلم يزل عمر يرددها حتى سكن غضب النبي ﵌، فقال: يا رسول الله! كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر -قال مسدد: لم يصم ولم يفطر أو ما صام ولا أفطر. شك غيلان - قال: يا رسول الله! كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال: أويطيق ذلك أحد؟ قال: يا رسول الله! فكيف بمن يصوم يوماً ويفطر يوماً؟ قال: ذلك صوم داود، قال: يا رسول الله فكيف بمن يصوم يوماً ويفطر يومين؟ قال: وددت أني طوقت ذلك، ثم قال رسول الله ﵌: ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله، وصيام عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده، وصوم يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)]. يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب في صوم الدهر تطوعاً]. يعني: هل هو سائغ أو غير سائغ؟ صيام الدهر جاء ما يدل على منعه وذلك في بعض الأحاديث، ومنها: ما أورده أبو داود هنا، وذلك أن صوم الدهر فيه مشقة على الإنسان، وكونه يقصر في الأمور الأخرى الواجبة عليه، يعني: فيما يتعلق بالصلاة والنوافل، وما يتعلق بحقوق الأهل، وما يتعلق بحقوق من له حقوق عليه، فإن استمرار الصيام يلحق الضرر بجسمه، ويعيقه عن الإتيان بالأمور التي عليه أن يأتي بها، هذا هو التعليل للمنع منه، والنبي ﷺ جاء عنه أحاديث تدل على أن الإنسان إذا عمل بها فإنه يحصل له ثواب صوم الدهر، وتفضيل ذلك أن صيام ثلاثة أيام من كل شهر -والحسنة بعشر أمثالها- وصيام رمضان وإتباعه بست من شوال يكون كصيام الدهر، فإنه يحصل الأجر للسنة كلها بهذا العمل، وأما كونه يصوم الدهر كله فإن هذا يترتب عليه المحاذير التي أشرت إليها آنفاً. أورد أبو داود ﵀ حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: كيف تصوم يا رسول الله؟ فغضب رسول الله ﷺ يعني: من هذا السؤال، وكان ينبغي له أن يقول: كيف أصوم؟ يعني: هو نفسه يسأل عن صيامه، وماذا ينبغي له أن يفعله في الصيام؟ وأما أن يسأل رسول الله ﷺ كيف تصوم؟ فهذا هو الذي غضب منه رسول الله ﷺ ، وغضبه ﵊ إما لأن هذا الشخص قد يتقال عمله ﷺ ، ويحصل منه عمل كثير يلحقه به مضرة ومشقة، مثل قصة الثلاثة الذين جاءوا وسألوا عن حال رسول الله ﷺ وعن أعماله، فكأنهم تقالوها، فقالوا لبعضهم: الرسول ﷺ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما نحن فنحتاج إلى عمل، فقال بعضهم: (أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أقوم الليل فلا أنام، وقال الثالث: وأنا لا أتزوج النساء، فالنبي ﷺ لما علم بخبرهم قال: أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، أما إني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) وسنته ﷺ هي صيام وإفطار، وصلاة ونوم، وتزوج للنساء، فمثل هذا السؤال يمكن أن يبنى عليه أن يتقال العمل، أو يحاول أن يلزم نفسه بما فعله الرسول ﷺ فيعجز عن ذلك، مثلما جاء في قضية الوصال، وأن الرسول ﷺ كان يواصل لما نهى الصحابة عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: (إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى) كما مر بنا الحديث قريباً. ثم إن النبي ﷺ أراد أن يوقفهم على مشقة ذلك الشيء الذي أرادوه فواصل بهم في آخر الشهر يومين أو ثلاثة، وقال: (لو تأخر الشهر لزدتكم) كالمنكل لهم، فهذا السؤال إما أن يترتب عليه كون الإنسان يلزم نفسه بشيء يشق عليه مثل الوصال ولا يستطيعه، أو أنه يتقال العمل فيلزم نفسه بشيء قد يطيقه في الحال ولكنه يشق عليه مع الاستمرار ومع طول الزمن، ومع مضي الأيام يلحقه بذلك مضرة ومشقة، فالرسول ﷺ غضب لذلك، وعندما غضب قال عمر ﵁: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، وجعل يرددها حتى سكن غضبه ﷺ ، وغضبه ﷺ إنما هو للشفقة على أمته، والرفق بها، والحرص على ألا يحصل لها شيء يلحقها فيه مضرة ومشقة، وهذا من كمال نصحه ﷺ لأمته، وأنه رءوف رحيم بها، كما وصفه الله بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨] وهذا الذي قاله عمر رضي عنه جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ من حديث العباس بن عبد المطلب أن النبي ﷺ قال: (ذاق طعم الإيمان من رضي الله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً) وجاء في الدعاء عند الأذان: (رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً) وجاء في أدعية الصباح والمساء: (رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً) وهذه الأمور الثلاثة التي جاءت في هذه الأحاديث هي الأمور التي يسأل عنها في القبر؛ لأن العبد يسأل في قبره عن ربه، ودينه، ونبيه، وهذه الأمور الثلاثة هي التي بنى عليها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه كتابه الأصول الثلاثة وأدلتها، وهي: الأول: معرفة العبد ربه. الثاني: معرفة العبد دينه. الثالث: معرفة العبد لنبيه محمد ﷺ . فهذا الكتاب المختصر المفيد العظيم لا يستغني عنه الخاص والعام، ولا العامي ولا طالب العلم؛ لأنه مبني على هذه الأمور الثلاثة التي هي مدار السؤال في القبر: سؤال الإنسان عن ربه، ودينه، ونبيه محمد ﷺ ، فلا يستغني طالب العلم عن هذا الكتاب الصغير الحجم العظيم الفائدة القليل المبنى، الواسع المعنى، وهو كتاب مشتمل على الأمور الثلاثة التي جاءت في الحديث، والتي جاءت في كلام عمر ﵁ وأرضاه هنا، والتي بقي يرددها حتى سكن غضب رسول الله ﷺ .

стр. 8058

التحذير من صيام الدهر واستحباب الاقتصار على ما يطاق من العمل قوله: [(قال: كيف بمن يصوم الدهر كله؟)]. انتقل السائل إلى هذا السؤال كيف بمن يصوم الدهر كله؟ وهذا يبين أو يدل على أن السائل عنده جانب يعني: الزيادة أو الإكثار من العمل، والنبي ﷺ قد جاء عنه أنه قال: (عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا) وقال ﵊ (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، وقال: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل) ويقال في الحكم: (قليل تداوم عليه خير من كثير تنقطع عنه) وقد يجد الإنسان في نفسه النشاط في بعض الأوقات، فيقدم ويلزم نفسه بشيء، ثم بعد ذلك يندم أنه ألزم نفسه بشيء عجز عنه، كما جاء عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه كان كثير العبادة والصيام، ولكنه بعد ذلك جاء عنه أنه تمنى أن يكون أخذ بوصية رسول الله ﷺ فيما يتعلق بالصيام وبقراءة القرآن، والحد الذي حده له رسول الله ﷺ . الحاصل أن الإنسان قد يجد في نفسه نشاطاً فيلزم نفسه بشيء، ثم يقصر فيما التزم به، أو يعجز عن الالتزام به، ولكنه كونه يحافظ على الشيء ولو كان قليلاً هذا هو الذي يعود عليه بالمصلحة، وهو الذي فيه الإبقاء على الشيء وبالمداومة عليه وإن كان قليلاً، والمداومة على الشيء ولو كان قليلاً يكون الإنسان على صلة بالله دائماً؛ لأن الموت إذا جاءه يأتيه وهو ملازم للعبادة ولو كانت قليلة، أما إذا نشط في بعض الأحيان وأكثر ثم أهمل في بعض الأوقات فقد يأتيه الموت وهو في وقت الإهمال؛ ولهذا قيل لـ بشر الحافي: إن أقواماً يجتهدون في رمضان فإذا خرج تركوا، قال: بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان. قوله: [(قال: كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لا صام ولا أفطر)]. يعني: لم يصم ولم يفطر؛ لأنه ما حصل منه الصيام الذي يحصل معه الإتيان بالأمور الواجبة (ولا أفطر) يعني: ولا حصل منه الارتياح في الإفطار الذي يتمكن من أداء العبادات. وقيل: إنه دعاء عليه، مثل قول النبي ﷺ فيمن ينشد الضالة قال: (لا ردها الله عليك) يعني: دعاء عليه بأن لا يرد الله تعالى عليه ضالته التي ينشدها في المسجد، وكذلك ما جاء في القبر من قول الملكين: (لا تليت ولا دريت). يعني: قيل: إنه دعاء عليه، فقوله: (لا ردها الله عليك) مثل قوله: (لا صام ولا أفطر) يعني: دعاء عليه بأنه ما حصل له ذلك الشيء الذي يعود عليه بالخير. قوله: [قال مسدد: (لم يصم ولم يفطر) أو (ما صام ولا أفطر) شك غيلان]. يعني: مسدد الذي هو أحد الشيخين شك في أنه: (لم يصم ولم يفطر) أو (لا صام ولا أفطر) وأما الشيخ الثاني الذي هو سليمان بن حرب فإنه قال: (لا صام ولا أفطر) يعني: بدون شك، وأما هذا شك: هل قال هذه الكلمات كما قال سليمان بن حرب أو قال كلمة أخرى، وهي: (لم يصم ولم يفطر). قوله: [(قال: يا رسول الله! كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوماً؟ قال: أويطيق ذلك أحد؟)]. يعني: معناه يصوم ثلثي الدهر، فسأله عن صيام الدهر، ثم سأله عن صيام ثلثيه، يعني: يصوم من الشهر عشرين يوماً ويترك عشرة قال: (أويطيق ذلك أحد؟) يعني: هناك مشقة في الاستمرار على ذلك، أما كونه يطيقه في شهر أو في شهرين فهذا وارد، لكن مع الدوام والاستمرار وطول الحياة فإن في ذلك مشقة. قوله: [(قال: يا رسول الله! فكيف بمن يصوم يوماً ويفطر يوماً؟ قال: ذلك صوم داود)]. يعني: هو خير الصيام كما جاء ذلك عن رسول الله ﷺ ، يعني: حين يصوم يوماً ويفطر يوماًً فإن في ذلك ارتياحاً وصياماً، وليس صياماً مستمراً لا راحة معه، ولا إفطاراً مستمراً لا صيام معه، وإنما صوم يوم وإفطار يوم. قوله: [(فكيف بمن يصوم يوماً ويفطر يومين؟ قال: وددت أني طوقت ذلك)]. يعني: يصوم عشرة أيام من الشهر، وكون الإنسان يلازم على صيام عشرة أيام فهو يصوم ثلث الدهر، قال: (وددت أني طوقت ذلك) قيل: معناه أن الرسول ﷺ لانشغاله بأهله وضيوفه، وبأعماله وبالناس يجعله لا يصوم هذا المقدار باستمرار. وقيل: إن المقصود بذلك أمته.

стр. 8059

بيان النبي للأيام التي يستحب صيامها قوله: [ثم قال رسول الله ﵌: (ثلاث من كل شهر)]. ثم إن النبي ﷺ أرشد إلى ما ينبغي أن يفعل فقال: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، الحسنة بعشر أمثالها، فيكون الإنسان كأنه صام الدهر؛ لأن كل يوم عن عشرة أيام، والحسنة بعشر أمثالها، فيكون صام ثلاثين يوماً في رمضان وكل يوم عن عشرة أيام، فإذا صام من كل شهر ثلاثة أيام يكون قد صام ستة وثلاثين يوماً، وكل يوم بعشرة أيام، وعلى اعتبار أن الأشهر كاملة، والحسنة بعشرة أمثالها، فيكون بذلك له أجر صيام الدهر، مثلما جاء في فرض الصلوات خمسين صلاة ثم خفضت إلى خمس صلوات، ثم قال الله : (هن خمس في العمل وخمسون في الأجر)؛ لأن الحسنة بعشرة أمثالها، والصلاة عن عشر صلوات، واليوم عن عشرة أيام، وهنا يكون كأنه صام الدهر. وكما سيأتي في الحديث: (من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر) أو (فكأنما صام الدهر) لأن رمضان بثلاثين يوماً، فيكون المجموع مع شوال ستة وثلاثين يوماً والحسنة بعشر أمثالها، فإذا صام رمضان وستاً من شوال، وصام ثلاثة أيام من كل شهر يكون بذلك كأنه صام الدهر مرتين، وحصل أجر صيام السنة مرتين؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها. قوله: [(ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان فهذا صيام الدهر كله، وصيام عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)]. ويوم عرفة هو يوم من أيام السنة، وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، وصيامه يستحب لغير الحجاج، وأما الحجاج فالأولى في حقهم أن يكونوا مفطرين لا أن يكونوا صائمين، وإنما الفضل في الصيام في حق من كان في غير عرفة وليس من الحجاج، فالحجاج بحاجة إلى أن يتقووا على الدعاء والذكر في ذلك اليوم، والصوم قد يحصل لهم معه كسل يحول بينهم وبين الإتيان بذلك الدعاء والابتهال إلى الله في تلك الساعات النفيسة العظيمة التي ينزل الله ويباهي بأهل الموقف الملائكة. قوله: [(إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)] يعني: هذا يدل على أن أفضل يوم يصام تطوعاً هو يوم عرفة، وذلك لغير الحجاج. والتكفير إنما هو تكفير الصغائر، وأما الكبائر فإنها تحتاج إلى التوبة حتى تكفرها، أما أن يكون الإنسان مصراً على الكبائر ومداوماً عليها، ثم يصوم يوماً في السنة ويقول: هذا ينهي كل ما تقدم، فهذا لا بد فيه من التوبة؛ ولهذا يقول الله : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]. ويقول ﷺ : (الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر) فهذا التقييد بقوله: (ما اجتنبت الكبائر) يدل على أن التكفير إنما هو للصغائر، وإذا صامه مع توبة نصوح، فإنه يكفر الكبائر والصغائر، أما صيام مع الإصرار على الكبائر وعدم التوبة منها فهذا لا يحصل منه تكفير الكبائر. قوله: [(وصوم يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله)]. وهذا يدل على فضل صيام يوم عاشوراء، ولكنه يضاف إليه يوم آخر حتى يسلم من المشابهة لليهود، فيصوم يوماً قبله أو يوماً بعده، والأولى أن يصوم يوماً قبله؛ لأن الأحاديث وردت بذلك، حديث قال ﷺ : (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع) فهذا يدلنا على أنه يصام معه، ولكن كما جاء في الحديث هنا: (أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية) وهذا يدل على فضله، وأنه مثل يوم عرفة في الفضل؛ فعرفة يكفر السنة الماضية والآتية، وهذا يكفر السنة الماضية.

стр. 8060

تراجم رجال إسناد حديث (ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله) قوله: [حدثنا سليمان بن حرب]. سليمان بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ومسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [قالا: حدثنا حماد بن زيد]. حماد بن زيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن غيلان بن جرير]. غيلان بن جرير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن معبد الزماني]. عبد الله بن معبد الزماني ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن أبي قتادة]. هو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8061

شرح حديث (أرأيت صوم يوم الإثنين ويوم الخميس) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا مهدي حدثنا غيلان عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة ﵁ بهذا الحديث زاد: (قال: يا رسول الله! أرأيت صوم يوم الإثنين ويوم الخميس؟ قال: فيه ولدت وفيه أنزل علي القرآن)]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى، حديث أبي قتادة، وأنه فيه زيادة: أنه سئل عن صوم يوم الإثنين والخميس فقال: (فيه ولدت، وفيه أنزل علي القرآن) وهذا في يوم الإثنين لا في يوم الخميس، وقيل: إن زيادة الخميس وهم؛ لأن الذي فيه ولادته وفيه إنزال القرآن عليه -أي: البدء في إنزال القرآن عليه- كان يوم الإثنين، وهذا يدلنا على فضل صيام يوم الإثنين، وأما صيام يوم الخميس فقد جاءت أحاديث أخرى تدل على صيام الإثنين والخميس، وأن الأعمال تعرض فيهما على الله ، وأنه ﷺ يحب أن يعرض عمله وهو صائم، وقد جاء ما يدل على صوم الإثنين والخميس أحاديث عديدة، ولكن كونه يعلل بأنه يوم ولد فيه وأنزل عليه فيه القرآن هذا يدلنا على فضل صيام يوم الإثنين. ثم إن بعض الذين فتنوا بالموالد يستدلون على إقامة مولد النبي ﷺ بهذا الحديث، وفي الحقيقة هذا الحديث ليس فيه دليل لهم؛ لأنهم في المولد لا يصومون، وإنما يأكلون الأطعمة ويتنافسون فيها، ويكثرون من أنواع الطعام، وهو خلاف ما جاء عن رسول الله ﷺ . قوله: [(ذاك يوم ولدت فيه)] معناه: من أراد أن يحصل منه احتفاء بذلك اليوم فإن الطريق إلى ذلك بأن يصومه؛ لأنه يوم ولد فيه الرسول ﷺ وأنزل عليه القرآن فيه، أما أن يجتمع الناس فيه للتلاوة وقول المدائح وغيرها فهذا من الأمور المحدثة المبتدعة التي ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، ولم تأت فيها سنة عن رسول الله ﷺ ، وما فعلها الصحابة الكرام ولا التابعون ولا أتباع التابعين، ومضت ثلاثمائة سنة كاملة لا يوجد شيء اسمه الاحتفال بالموالد، حتى جاء الرافضة العبيديون الذين حكموا مصر في القرن الرابع فأحدثوا بدعة الموالد، وقبل إحداث الرافضة العبيديين لها في القرن الرابع لم يكن لها وجود؛ ولهذا الكتب التي ألفت في تلك الحقبة وفي تلك الأزمان لا ذكر للموالد فيها أبداً لا مضافة إلى الرسول ﷺ ، ولا إلى خلفائه الراشدين، ولا الصحابة أجمعين، ولا التابعين ولا أتباع التابعين. فلو قال قائل: النصارى يحتفلون بميلاد عيسى، ونحن أولى أن نحتفل بميلاد محمد ﷺ . فنقول له: نحن مأمورون بمخالفة أهل الكتاب، والرسول ﷺ قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) فهذا تنفير لنا عن متابعتهم والأقتداء بهم، وإنما أمرنا بأن نقتدي بما جاء عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، فالمولد بدعة في الدين ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، والرسول ﷺ بين للناس كل ما أمر بتبليغه، ولم يكن من ذلك هذه البدعة التي ابتدعها الرافضة العبيديون، وقلدهم من قلدهم فيها إلى هذا اليوم، ومنذ ذلك الوقت والناس بين فاعل لها ومنكر لها، ولكن قال ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) وهؤلاء الخيار لا وجود لهذا العمل عندهم أبداً، بل هو من محدثات الأمور، والنبي ﷺ محبته يجب أن تكون في قلب كل مسلم، وفوق محبة كل محبوب بعد الله ، فقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) ومحبة الرسول ﷺ تابعة لمحبة الله، ويجب أن تكون محبة الرسول ﷺ في قلب كل مسلم أعظم من محبته لنفسه، ومحبته لأبيه وأمه وابنه وبنته، وزوجته وصديقه وأقاربه، والناس أجمعين، قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) لماذا؟ لأن نعمة الهداية إلى الصراط المستقيم نعمة الخروج من الظلمات إلى النور، هي أعظم وأجل نعمة، لا يساويها نعمة ولا يماثلها نعمة، أعظم نعمة أنعم الله تعالى بها على المسلمين أن هداهم للإسلام، وهذه النعمة ساقها الله للناس على يدي الرسول ﷺ . فإذاً: محبته يجب أن تكون أعظم من محبة الأب والأم والابن والبنت وسائر الناس أعظم من محبته لأصوله وفروعه وكل من له به علاقة، بل ومن سائر الناس أجمعين، فهذه هي المحبة التي يجب أن تكون، لكن محبة الرسول ﷺ بإقامة الموالد أو بالتمسح بالجدران والشبابيك لا يصح، بل محبته ﷺ باتباعه، وهناك آية في القرآن يسميها بعض العلماء: آية الامتحان والاختبار، وهو أن من يدعي محبة الله ورسوله فعليه أن يقيم البينة، ومعلوم أن البينات لا بد منها في الدعاوى، فكون إنسان يدعي على إنسان مالاً فمجرد الدعوى لا يثبت له بها الحق أبداً حتى يقيم البينة، والبينة شهود عدول أو اعتراف المدعى عليه، وقد قال ﵊: (لو أعطي الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) فكذلك في أمور الدين كمحبة الرسول ﷺ لا بد فيها من إقامة البينة على أن العبد محب للرسول ﷺ ، فما هي البينة؟ البينة هي اتباع الرسول ﷺ ، وهذه الآية هي قول الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، هذه آية الامتحان والاختبار، وهي أن من يدعي محبة الله ورسوله عليه أن يقيم البينة، والبينة هي اتباع الرسول ﷺ ، أما أن تكون محبة الرسول ﷺ مجرد دعاوى وغلو، ثم يعصى الرسول ﷺ ويخالف، ويعبد الله فيما ابتدع مما لم يكن جاء عن رسول الله ﷺ فهذا لا يجوز، وقد قال النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) وقال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) وبعض الناس يمكن أن يقول: إن الإنسان الذي يفعل هذا قصده طيب، والإنسان يؤجر على قصده ونيته، والإنسان هو على خير ما دام قصده طيباً، فلو أنه فعل أمراً ما جاء عن الرسول ﷺ يشفع له حسن قصده. نقول: هذا كلام غير صحيح؛ لأنه لا بد مع حسن القصد أن يكون العمل مطابقاً للسنة؛ لأن العمل الذي يقبل عند الله لا بد فيه من أمرين اثنين: الأول: أن يكون خالصاً لوجه الله. الثاني: أن يكون مطابقاً لسنة رسول الله ﷺ . فإن فقد شرط الإخلاص رد على صاحبه، وإن فقد شرط الاتباع رد على صاحبه، ودليل رده على صاحبه إذا فقد شرط الإخلاص قول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] ودليل رد العمل إذا كان غير مطابق للسنة قول الرسول ﷺ : (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) متفق عليه، وفي لفظ لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). فإذاً: لا بد من الأمرين: إخلاص، ومتابعة، لا بد من تجريد الإخلاص لله وحده، ولا بد من تجريد المتابعة للرسول ﷺ ، وهذا هو مقتضى أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؛ لأن مقتضى أشهد أن لا إله إلا الله الإخلاص، ومقتضى أشهد أن محمداً رسول الله اتباع الرسول ﷺ والسير على نهجه، وأن يكون العمل مطابقاً لسنته ﷺ . ومما يوضح أن حسن القصد لا يكفي ما جاء في الصحيح عن أحد الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أنه في يوم عيد الأضحى ذبح أضحيته قبل الصلاة؛ لأنه يعلم أن الناس بحاجة إلى اللحم، وأنهم مشتهون للحم، فأراد أن تذبح أضحيته قبل الصلاة وتطبخ فإذا جاء الناس من المصلى وإذا اللحم قد طبخ، فتكون أضحيته أول ما يؤكل منها، فيقدمها للرسول ﷺ وأصحابه، فلما علم رسول الله ﷺ بما صنع قال: (شاتك شاة لحم)؛ لأنها ما وقعت في الوقت المحدد؛ لأن الذبح لا يكون إلا بعد صلاة العيد بعد أن يرجع الناس من المصلى، وقبل أن يخرجوا المصلى لا يذبحون، ولو ذبحوا ما أجزأهم ذلك، فهذا الصحابي قال له الرسول ﷺ : (شاتك شاة لحم) فكان قصده طيباً وحسناً، ولا إشكال في حسن القصد هذا، لكن العمل لما وقع غير مطابق للسنة لم يعتبر، فقال له النبي ﷺ : (شاتك شاة لحم) يعني: مثل الذبيحة التي تذبح في أي يوم من السنة للأكل، وأما أيام الذبح والنحر فهي أربعة: يوم العيد- عيد الأضحى - وثلاثة أيام بعده التي هي أيام التشريق. نقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري نقلاً عن بعض أهل العلم قال: وفي هذا دليل على أن العمل لا يعتبر إلا إذا وقع مطابقاً للسنة، ولا يكفي حسن قصد الفاعل. يعني: إن العمل لا يعتبر إلا إذا كان مطابقاً للسنة ولو كان قصد صاحبه حسناً، وليس معناه: أنه يصير سنة وإن كان بدعة، والرسول ﷺ بين للصحابي أن شاته شاة لحم. الدليل الثاني على ذلك: أن أبا عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ جاء إلى أناس في المسجد متحلقين وكل واحد منهم معه حصى، وفي كل حلقة واحد يقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ثم يقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، ثم يقول كبروا مائة، فيكبرون مائة، وعند ذلك وقف على رءوسهم أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ وقال: ما هـ

стр. 8062

تراجم رجال إسناد حديث (أرأيت صوم يوم الإثنين ويوم الخميس) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا مهدي]. هو مهدي بن ميمون، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا غيلان عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة]. وقد مر ذكرهم.

стр. 8063

شرح حديث (ألم أحدث أنك تقول: لأقومن الليل ولأصومن النهار ؟) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب وأبي سلمة عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (لقيني رسول الله ﵌ فقال: ألم أحدث أنك تقول: لأقومن الليل، ولأصومن النهار؟ قال: أحسبه قال: نعم يا رسول الله! قد قلت ذلك، قال: قم ونم، وصم وأفطر، وصم من كل شهر ثلاثة أيام، وذاك مثل صيام الدهر، قال: قلت: يا رسول الله! إني أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم يوماً وأفطر يومين، قال: فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يوماً وأفطر يوماً، وهو أعدل الصيام، وهو صيام داود، قلت: إني أطيق أفضل من ذلك، فقال رسول الله ﵌: لا أفضل من ذلك)]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه: (أن النبي ﷺ لقيه وقال: ألم أحدث أنك تقول: لأصومن النهار، ولأقومن الليل؟) قال: الرواي: أحسبه قال: نعم، الرسول أخبر بهذا، ولكنه سأله عن هذا الخبر الذي أخبر به، هل هو صحيح أو غير صحيح؟ قال: (ألم أحدث) ما قال له: إنك تقول كذا وكذا؛ لأنه قد يكون في الخبر شيء، فهذا يدل على الاحتياط والتثبت في الأخبار، وأنه لا يكفي مجرد نقل الأخبار، وأن يعول عليها دائماً وأبداً، فقد تكون الأخبار فيها وهم، وقد يكون فيها زيادة أو نقصان، وقد يكون فيها سهو أو خطأ، ولذا يقال: وما آفة الأخبار إلا رواتها. يعني: كثيراً ما تكون آفة الأخبار من رواة الأخبار، بأن يكون فيها خلل ونقص، فالرسول ﷺ حين قال: (ألم أحدث) أراد أن يتثبت وأن يتحقق، وهل هذا الخبر الذي بلغه صحيح أو لا؟ (فقال: نعم) يعني: هذا الذي أخبرت به صحيح، فقال له النبي ﷺ : (صم وأفطر، وقم ونم) يعني: لا تصم صياماً مستمراً، ولا تصل صلاة مستمرة، وإنما اجمع بين هذا وهذا، وهذا مطابق لهديه ﷺ ، كما جاء في قصة الثلاثة قال: (أما إني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام) فأرشده ﷺ إلى أن الإنسان يصوم ويفطر ويصلي وينام، ولا يتعب نفسه ويشق عليها. قوله: [(قم ونم، وصم وأفطر، وصم من كل شهر ثلاثة أيام)]. أرشده إلى أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ويفطر سبعة وعشرين يوماً. قوله: [(وذلك مثل صيام الدهر)]. لأنه إذا صام ثلاثة أيام من كل شهر، وكل يوم بأجر عشرة أيام؛ حصل له أجر صيام السنة؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها. قوله: [(قلت: يا رسول الله! إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يوماً وأفطر يومين)]. معناه: يصوم عشرة أيام من ثلاثين يوم، فبدلاً من ثلاثة أيام انتقل إلى عشرة أيام. قوله: [(فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فصم يوماً وأفطر يوماً، وهو أعدل الصيام، وهو صيام داوو)]. فأشار إلى أمرين: كونه أعدل الصيام، وكونه صيام نبي الله داود ﵊. قوله: [(قال: إني أطيق أفضل من ذلك قال: لا أفضل من ذلك)]. يعني: لا أفضل من كون الإنسان يصوم يوماً ويفطر يوماً، فعندما يصوم الإنسان يوماً ويفطر يوماً فهو يصوم نصف الدهر، ومع ذلك فيه مشقة عليه، ولهذا جاء عن ابن عمرو ﵁: أنه كان يتمنى أن يكون أخذ بوصية رسول الله ﷺ ؛ لأنه ألزم نفسه بالشيء الذي التزمه أمام الرسول ﷺ ، ولكنه لما كبر وشق ذلك عليه كان يتمنى أن يكون أخذ بالرخصة التي رخص له بها رسول الله ﷺ ، ولكن لكونه فارق النبي ﷺ على أمر ألزم نفسه به، واصل وداوم على ذلك الشيء، وإن كان فيه مشقة عليه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

стр. 8064

تراجم رجال إسناد حديث (ألم أحدث أنك تقول لأقومن الليل وأصومن النهار ؟) قوله: [حدثنا الحسن بن علي]. هو الحسن بن علي الحلواني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي. [حدثنا عبد الرزاق]. هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا معمر]. هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن المسيب وأبي سلمة]. ابن المسيب هو سعيد بن المسيب، وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم؛ لأن الإسناد فيه اثنان وكل منهما من الفقهاء السبعة، إلا أن واحداً متفق على عده في الفقهاء السبعة وهو سعيد بن المسيب، والثاني: مختلف في عده فيهم وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. [عن عبد الله بن عمرو بن العاص]. عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8065

شرح سنن أبي داود [٢٨٤] الأشهر الحرم أربعة أشهر، ثلاثة منها متتابعة وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وشهر منفرد وهو رجب الفرد، والصيام من الأعمال الفاضلة في هذه الأشهر، وقد جاء عن النبي ﷺ تخصيص المحرم من بين هذه الشهور بمزيد فضل ومزية وأن صيامه أفضل الصيام بعد رمضان.

стр. 8066

ما جاء في صوم أشهر الحرم

стр. 8067

شرح حديث (صم من الحرم واترك) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في صوم أشهر الحرم. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سعيد الجريري عن أبي السليل عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها: (أنه أتى رسول الله ﵌، ثم انطلق، فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته، فقال: يا رسول الله! أما تعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول، قال: فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة؟ قال: ما أكلت طعاماً منذ فارقتك إلا بليل، فقال رسول الله ﵌: لم عذبت نفسك؟ ثم قال: صم شهر الصبر، ويوماً من كل شهر، قال: زدني فإن بي قوة، قال: صم يومين، قال: زدني، قال: صم ثلاثة أيام قال: زدني، قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها)]. أورد أبو داود صوم الأشهر الحرم، والأشهر الحرم أربعة وهي: رجب وحده ليس متصلاً بشهر حرام، وشهر ذي الحجة، وشهر قبله وشهر بعده، أي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ثلاثة مسرودة وواحد منفرد؛ ولهذا يقال لرجب: الفرد؛ لأنه منفرد عن الأشهر الحرم في أثناء السنة، والأشهر الباقية متصلة، والأشهر الحرم ما جاء فيها شيء يخصها فيما يتعلق بعمل خاص بها، ومنها شهر رجب، وجاء فيه هذا الحديث الذي هو عن عم مجيبة الباهلية أنه جاء إلى النبي ﷺ في سنة من السنوات، ثم جاءه بعد سنة وإذا هو قد تغير ونحل وضعف، فقال للرسول: أتعرفني؟ قال: من أنت؟ قال: أنا الباهلي الذي لقيتك عام الأول، قال: ما الذي غيرك؟ يعني: هيئته تغيرت، قال: منذ فارقتك ما أكلت طعاماً إلا بليل، معناه: دائماً يصوم النهار، فقال: (لم عذبت نفسك؟) يعني: كونه جاء قبل في هيئة حسنة وشكل طيب، وبعد ذلك صار ناحلاً ضعيفاً هزيلاً متعباً، وهو سؤال إنكار! قوله: [قال: (صم شهر الصبر ويوماً من كل شهر)]. الذي هو شهر رمضان، فهذا فرض فرضه الله على عباده، وقيل له شهر الصبر، لأن فيه حبس النفس عما تشتهي. قوله: [(ويوماً من كل شهر، قال: زدني فإن بي قوة، قال: صم يومين قال: زدني، قال: صم ثلاثة أيام، قال زدني، قال: صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك)]. يعني: صم بعضها وأفطر بعضها. قوله: [(وقال بأصابعه الثلاث فضمها ثم أرسلها)]. يعني: إشارة إلى أنه يصوم ثلاثة أيام، ويترك ثلاثة أيام، وقيل في معناه: أنه يصوم ثلاثة ثم يترك ثلاثة، ثم يصوم ثلاثة. والحديث ضعفه الألباني، لكن لا أدري ما وجه تضعيفه، والحديث فيه لاضطراب من ناحية مجيبة، هل هو رجل أو امرأة؟ وإذا كان تعليله بالاضطراب فقد جاء على أوجه كثيرة، وأما ما عداه فالرجال معروفون.

стр. 8068

تراجم رجال إسناد حديث (صم من الحرم واترك) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. موسى بن إسماعيل مر ذكره. [حدثنا حماد]. هو حماد بن سلمة وقد مر ذكره، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن سعيد الجريري]. هو سعيد بن إياس الجريري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي السليل]. أبو السليل هو ضريب بن نقير، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن مجيبة الباهلية]. مجيبة الباهلية قيل: هي صحابية أخرج لها أبو داود والنسائي. [عن أبيها أو عمها]. عن أبيها أو عمها. قال البغوي وابن مندة: اسمه عبد الله بن الحارث الباهلي، وعلى كل حال: إذا كان صحابياً فلا إشكال، ولكن الشأن في الاضطراب الذي جاء في الراوي وهو مجيبة هل هو اسم رجل أو اسم امرأة؟ وهل هو عن أبيه أو عن عمه؟ على أوجه مختلفة.

стр. 8069

ما جاء في صوم المحرم

стр. 8070

شرح حديث (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في صوم المحرم. حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد قالا: حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل) لم يقل قتيبة: شهر، قال: رمضان]. أورد أبو داود: باب صوم المحرم، والمحرم من الأشهر الحرم، وقد جاء ما يدل على فضل الصيام فيه، وأن أفضل الصيام بعد رمضان الصيام في شهر الله المحرم، فهذا يدل على فضل الصيام فيه، ولا يقال له: شهر محرم، وإنما يقال له: الشهر المحرم، بالألف واللام. أورد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم، وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة من الليل). وهذا يدلنا على فضل صلاة الليل، وأنها أفضل الصلاة بعد المفروضة، ومن أهل العلم من قال: إن الحديث يدل على أنها أفضل من غيرها مطلقاً، وبعضهم قال بتفضيل السنن الرواتب التي هي تابعة للصلوات، والتي هي قبل الصلوات أو بعدها، والحديث دال على فضل قيام الليل، وأن شأنه عظيم.

стр. 8071

تراجم رجال إسناد حديث (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله المحرم) قوله: [حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد]. مسدد مر ذكره، وقتيبة بن سعيد، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قالا: حدثنا أبو عوانة]. أبو عوانة هو وضاح بن عبد الله اليشكري وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بشر]. أبو بشر هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن حميد بن عبد الرحمن]. هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.

стр. 8072

شرح حديث (أن رسول الله كان يصوم حتى نقول لا يفطر) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا عيسى حدثنا عثمان -يعني ابن حكيم - قال: (سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب؟ فقال: أخبرني ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﵌ كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم)]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عثمان بن حكيم قال: (سألت سعيد بن جبير عن صيام رجب، فقال: أخبرني ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان يصوم حتى نقول: لا يفطر)]. يعني: سئل سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه عن صيام رجب، فروى عن ابن عباس عن النبي ﷺ : (أن النبي ﷺ كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، وكان يفطر حتى نقول: لا يصوم) معناه: أنه ليس ثابتاً على مقدار معين من الشهر، بل أحياناً يصوم الشهر حتى نقول: يكمله، وأحياناً يفطر حتى نقول: لا يصومه، ومعنى ذلك أنه أحياناً يصوم منه كثيراً، وأحياناً يصوم منه قليلاً، وهذا الجواب عن هذا السؤال ليس فيه شيء يدل على أن رجب يصام أو لا يصام، وإنما شأنه شأن غيره؛ ولهذا أتى بالجواب العام الذي يشمله ويشمل غيره، فأخبر عن صيام النبي ﷺ وأنه كان يصوم من الأشهر حتى نقول: لا يفطر، وأحياناً يفطر حتى نقول: لا يصوم ورجب لأنه لم يأت فيه سنة عن رسول الله ﷺ ، ولكنه إذا عومل معاملة الشهور بأن يكون الإنسان ملازماً على شيء في أيام الشهور فرجب واحد منها، يعني: لو كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أو يصوم الإثنين والخميس من كل شهر، فرجب يكون واحداً منها، فليس فيه شيء يدل على صيامه ولا على إفطاره، ولكن الشأن أن حكمه حكم سائر الشهور، اللهم إلا ما جاء فيه سنة عن رسول الله ﷺ أنه يميز على غيره كشعبان والمحرم وست من شوال، وهكذا.

стр. 8073

تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله كان يصوم حتى نقول لا يفطر) قوله: [حدثنا إبراهيم بن موسى]. هو إبراهيم بن موسى الرازي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عيسى]. هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عثمان -يعني ابن حكيم -]. عثمان بن حكيم ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. قال: [سألت سعيد بن جبير]. سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني ابن عباس]. هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وهو ليس فيه شيء يتعلق بالترجمة؛ لأن الترجمة للمحرم، وليس فيه شيء يخص المحرم، ولكن لما كان السؤال عن رجب، ورجب من الأشهر الحرم أخبر عن الشيء الذي كان يفعله الرسول ﷺ في الأشهر، وكذلك أيضاً يقال في محرم كغيره: أن الرسول كان يصوم حتى يقال: لا يفطر، أو يفطر حتى يقال: لا يصوم.

стр. 8074

ما جاء في صوم شعبان

стр. 8075

شرح حديث (كان أحب الشهور إلى رسول الله أن يصومه شعبان) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في صوم شعبان حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس سمع عائشة ﵂ تقول: (كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبان ثم يصله برمضان)]. أورد أبو داود صوم شعبان، وأن النبي ﷺ كان يكثر من الصيام منه، وجاء في بعض الأحاديث أنه ما استكمل شهراً إلا رمضان، وجاء هنا أنه كان يصوم شعبان ويصله برمضان، والأحاديث الدالة على أنه لم يستكمل شهراً إلا رمضان تدل على عدم إكماله شعبان، ولكن كونه يصوم كثيراً منه فإنه يعطي الأكثر حكم الكل، فالرسول ﷺ لا يكمل صيام شهر من الشهور غير رمضان كما جاء في الحديث الذي مر: (كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ثم يفطر حتى نقول: لا يصوم) وهذا شأنه ﷺ . قوله: [(كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبان)]. قيل: لأن شهر شعبان يكون قبل رمضان، وأنه قد يكون حصل له شواغل في بعض الشهور الماضية فيستدرك في شعبان، وقيل: لأنه يسبق رمضان فيكون صيامه كالسنن الرواتب في الصلوات التي تكون قبلها، كما أن صيام الست من شوال بعد رمضان كالسنن الرواتب البعدية، فيكون اتصال رمضان بما قبله وما بعده، والله تعالى أعلم. قوله: [(ثم يصله برمضان)]. معناه: أنه يصوم رمضان بعده، لكن كما عرفنا أن الاستكمال لم يكن ثابتاً عن رسول الله، وما جاء من كونه يصومه كله يكون محمولاً على الغالبية وعلى الأكثر.

стр. 8076

تراجم رجال إسناد حديث (كان أحب الشهور إلى رسول الله أن يصومه شعبان) قوله: [حدثنا أحمد بن حنبل]. أحمد بن حنبل هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، الإمام المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الرحمن بن مهدي]. هو عبد الرحمن بن مهدي البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن معاوية بن صالح]. هو معاوية بن صالح بن حدير، وهو صدوق له أوهام، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. [عن عبد الله بن أبي قيس]. عبد الله بن أبي قيس ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [سمع عائشة]. عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8077

شرح سنن أبي داود [٢٨٥] صيام النوافل من الأمور التي حض عليها الشرع الحنيف ورتب عليها الأجر الجزيل، ومن الأيام التي تصام تتنفلاً ستة أيام من شوال، ويستحب فيها التعجيل لورود الأمر النبوي بإتباع رمضان بها، ومما يستحب صيامه من الأيام يوما الخميس والإثنين.

стр. 8078

ما جاء في صوم شوال

стр. 8079

شرح حديث (صم رمضان والذي يليه وكل أربعاء وخميس) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في صوم شوال. حدثنا محمد بن عثمان العجلي حدثنا عبيد الله -يعني ابن موسى - عن هارون بن سلمان عن عبيد الله بن مسلم القرشي عن أبيه ﵁ قال: (سألت أو سئل النبي ﵌ عن صيام الدهر، فقال: إن لأهلك عليك حقاً، صم رمضان والذي يليه، وكل أربعاء وخميس، فإذاً أنت قد صمت الدهر)]. يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب في صوم شوال]. شهر شوال جاء فيه صيام الست من شوال، وهذا ثابت عن رسول الله ﷺ كما سيأتي، وأما صيام شوال، وصيام الأربعاء والخميس الذي جاء فيه الحديث فهذا لا يصح وغير ثابت، وإنما الثابت هو صيام ست من شوال، وما جاء فيه من ذكر صيام الدهر، (أن لأهلك عليك حقاً) هذا ثابت عن رسول الله ﷺ . أورد أبو داود ﵀ في هذه الترجمة حديث عبيد الله بن مسلم القرشي عن أبيه ﵁ (أن النبي ﷺ سئل عن صيام الدهر فقال: إن لأهلك عليك حقاً)]. فهذا ثابت عن رسول الله ﷺ ، وصيام الدهر يضعف ولا يمكن من إيصال الحقوق إلى أهلها سواءً أهله أو أقاربه. قوله: [(صم رمضان والذي يليه)]. الذي هو شوال. قوله: [(وكل أربعاء وخميس)]. الأربعاء ما ثبت فيه شيء، والخميس ثبت عن رسول الله ﷺ صيام الإثنين والخميس في أحاديث كثيرة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وصيام شوال بأكمله ما ثبت فيه شيء، وهذا الحديث لا يحتج به، فهو حديث ضعيف؛ لأن فيه من هو مقبول لا يحتج به إلا عند المتابعة، وليس هناك ما يشهد لذلك في صيام شوال وصيام الأربعاء، وإنما الذي ثبت هو صيام ست من شوال كما سيأتي. قوله: [(فإذاً أنت قد صمت الدهر)]. يعني: إذا فعلت كذا وكذا تكون بذلك صمت الدهر، ولكن الثابت أن الإنسان إذا صام ثلاثة أيام من كل شهر فهو كمن صام الدهر كما جاء ذلك عن رسول الله ﷺ ، أما كون الإنسان يصوم شوالاً ويصوم الأربعاء والخميس، ويكون بذلك صام الدهر، فهذا الحديث لم يثبت.

стр. 8080

تراجم رجال إسناد حديث (صم رمضان والذي يليه وكل أربعاء وخميس) قوله: [حدثنا محمد بن عثمان العجلي]. محمد بن عثمان العجلي ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [حدثنا عبيد الله -يعني ابن موسى -]. عبيد الله بن موسى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن هارون بن سلمان]. هارون بن سلمان لا بأس به، ولا بأس به بمعنى صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. [عن عبيد الله بن مسلم القرشي]. عبيد الله بن مسلم القرشي مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. [عن أبيه]. وهو صحابي أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. والحافظ يرجح أنه مسلم بن عبيد الله؛ ولهذا ذكره في التقريب في مسلم بن عبيد الله. [قال أبو داود: وافقه زيد العكلي وخالفه أبو نعيم قال: مسلم بن عبيد الله]. قوله: [وافقه زيد العكلي]. هو زيد بن حباب العكلي، وهو صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. [وخالفه أبو نعيم]. أبو نعيم هو الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: مسلم بن عبيد الله]. ومسلم بن عبيد الله هو الذي رجحه الحافظ وهو الذي ذكر ترجمته في التقريب بهذا الاسم الذي هو مسلم بن عبيد الله، وأما عبيد الله بن مسلم فهو مقلوب.

стр. 8081

ما جاء في صوم ستة أيام من شوال

стр. 8082

شرح حديث (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في صوم ستة أيام من شوال. حدثنا النفيلي حدثنا عبد العزيز بن محمد عن صفوان بن سليم وسعد بن سعيد عن عمر بن ثابت الأنصاري عن أبي أيوب ﵁ صاحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عن النبي ﵌ قال: (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر)]. أورد أبو داود باب صيام ست من شوال، وستة أيام من شوال صيامها ثابت عن رسول الله ﷺ ، وجاء في بعض الروايات عند النسائي تفصيل ذلك بأنه إذا صام رمضان فيكون يقابل عشرة أشهر، وإذا صام ستاً من شوال يقابل شهرين، فيكون صام ثلاثمائة وستين يوماً؛ لأن اليوم عن عشرة أيام، والحسنة بعشر أمثالها، وهذا يوضح ما جاء في الحديث: (شهرا عيد لا ينقصان) وقد سبق أن المقصود بذلك أنه إن كان ناقصاً فهو كامل في الأجر والثواب؛ ولهذا جاء التفصيل بأن رمضان يعادل عشرة أشهر، وستاً من شوال تعادل صوم شهرين، وقد يكون الشهر تسعة وعشرين يوماً، فيكون ناقصاً، ولكنه قال: (لا ينقصان) يعني: في الأجر، وإن حصل النقص في العدد بأن يكون تسعة وعشرين يوماً فإن الأجر فيه كامل، ويكون كأنه صام ثلاثين يوماً، وهذا الذي جاء في هذا الحديث يبين هذا الحديث وهو قوله ﷺ : (شهرا عيد لا ينقصان). ثم إن صيام ست من شوال أورد أبو داود فيه حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر). يعني: يشبه صيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، واليوم عن عشرة أيام، كما أن قوله: (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال) يدل على أن الإنسان لا يأتي بصيام الست إلا بعدما يؤدي القضاء الذي عليه؛ لأنه لا يقال للإنسان إنه صام رمضان إلا إذا أدى ما عليه سواءً الفرض أو قضاء الفرض، يعني: لو أن أحداً كان عليه شيء من رمضان فيبدأ بالفرض قبل النفل ويشتغل به؛ ولهذا قوله ﷺ : (من صام رمضان وأتبعه) لأن من لم يصم ما عليه من رمضان لا يقال: صام رمضان بل رمضان باق في ذمته، وقوله ﷺ : (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال) دال على أن المقصود بذلك من أدى ما عليه من الفرض في وقته وليس عليه قضاء، وإن كان عليه شيء من رمضان فعليه أن يبدأ بقضاء رمضان ثم يصوم ستاً من شوال، ولا يتشاغل بالفرض عن النفل، وقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قال بعض الأكابر: من اشتغل بالفرض عن النفل فهو معذور، ومن اشتغل بالنفل عن الفرض فهو مغرور. قوله: (ثم أتبعه بست من شوال) يدل على أن المبادرة إلى صيامها بعد العيد هو الأولى؛ لأن هذا هو الذي يقتضيه الإتباع في قوله: (ثم أتبعه بست من شوال)، ولكن إن لم يفعل فإن الشهر كله وقت وزمن لها، ولكن لا يؤخرها عن شوال؛ لأن النبي ﷺ قال: (بست من شوال) فهو في حدود شوال، يعني: من صام أثناء الشهر يكون حصل منه المطلوب، ولكن الأولى أن يبادر إلى الصيام بعد العيد إذا أمكنه ذلك؛ لأن هذا هو الذي يتحقق به الإتباع، ولكنه إذا لم يفعل وأتى بها سواءً كانت مجتمعة أو متفرقة فإن ذلك يحصل به المقصود، ثم إن كون الإنسان يصوم ستاً من شوال هذه بمثابة السنة الراتبة بعد الفريضة، وقد جاء في الحديث أن التطوع يكمل به الفرض إذا لم يكن أتمه وإذا كان في نقص، كما سبق أن مر بنا الحديث في ذلك عن رسول الله ﷺ ، فهو بمنزلة الراتبة في صلاة الفريضة، ثم أيضاً كون الإنسان يأتي بصيام هذه الست يدل على رغبته في الطاعة ومحبته للصوم؛ لأنه أتى بالطاعة التي هي الصيام في رمضان، ثم بعد ذلك أتى بالتطوع، ويدلك كذلك على أنه لا يودع الصيام بانتهاء شهر الصيام، وإنما يصوم تطوعاً لله ، والله تعالى قد قال في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه).

стр. 8083

تراجم رجال إسناد حديث (من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال) قوله: [حدثنا النفيلي]. النفيلي هو عبد الله بن محمد بن نفيل النفيلي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا عبد العزيز بن محمد]. هو عبد العزيز بن محمد الدراوردي وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن صفوان بن سليم]. صفوان بن سليم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وسعد بن سعيد]. سعد بن سعيد صدوق سيئ الحفظ، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن، وهذا هو أخو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، وهو أخو عبد ربه بن سعيد الأنصاري المدني، فهم ثلاثة إخوة، ولكن المعروف والمتميز فيهم والمتقدم هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني الذي هو من صغار التابعين، وهو شيخ مالك، وكثيراً ما يروي عنه الإمام مالك، وهو راوي أول حديث في صحيح البخاري الذي هو: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁ عن رسول الله ﷺ ، ورواه عن عمر بن الخطاب علقمة بن وقاص الليثي وهو من كبار التابعين، ورواه عن علقمة بن وقاص الليثي محمد بن إبراهيم التيمي وهو من أوساط التابعين، ورواه عنه يحيى بن سعيد الأنصاري المدني وهو من صغار التابعين. [عن عمر بن ثابت الأنصاري]. عمر بن ثابت الأنصاري ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن أبي أيوب]. هو أبو أيوب الأنصاري، وهو خالد بن زيد رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وهو مشهور بكنيته وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8084

كيف كان يصوم النبي ﷺ ؟

стр. 8085

شرح حديث (كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب كيف كان يصوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي ﵌ أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﵌ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان)]. أورد أبو داود ﵀ باب كيف كان يصوم رسول الله ﷺ ؟ يعني: في النفل، والمقصود من إيراد هذه الترجمة بيان فعل الرسول ﷺ ، وأنه كان في بعض الأشهر يكثر من الصيام حتى يقال: لا يفطر، ومعناه: أنه يكمل الشهر، وفي بعضها: (يفطر حتى يقال: لا يصوم) فهذا هدي رسول الله ﷺ كان يفعل هذا وهذا، وأما قوله فقد جاء في أحاديث كثيرة صوم كذا وصوم كذا وصوم كذا، ولكن فعله الذي تحكيه عائشة ﵂ أنه كان يصوم حتى يقولوا: لا يفطر، ومعناه: أنه يريد أن يكمل الشهر، وكان يفطر حتى يقولوا: لا يصوم، معناه: أنه يكمل الشهر غير صائم، ثم يصوم، ومعنى ذلك: أنه لا يخلي شهراً من صيام، ولكنه أحياناً يكون كثيراً، وأحياناً يكون قليلاً، ثم بينت مثالاً للكثير وأنه لم يستكمل شهراً إلا رمضان، وهذا بيان منها أن النبي ﷺ ما أكمل شهراً متطوعاً، ولكنها أخبرت بأنه أكثر ما كان يصوم في شعبان، وهذا يبين لنا ما تقدم من أنه يصوم شعبان كله، وأن المقصود به الغالبية والأكثر، كما جاء في هذا الحديث: (وأنه كان أكثر ما يصوم في شعبان) ولم يكن يستكمل شهراً إلا رمضان، ومعنى هذا: أن ما جاء عنها في بعض الروايات عن شعبان أنه يصومه ويصله برمضان أن هذا محمول على الغالب، وليس معنى ذلك أنه قد استكمله كما في هذا الحديث الذي جاء عن عائشة ﵂ وأرضاها.

стр. 8086

تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة]. هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله]. أبو النضر مولى عمر هو سالم بن أبي أمية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة بن عبد الرحمن]. هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. هي عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، ورضي الله تعالى عنهم وعن الصحابة أجمعين.

стр. 8087

شرح حديث (كان يصومه إلا قليلاً بل كان يصومه كله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمعناه زاد: (كان يصومه إلا قليلاً، بل كان يصومه كله)]. أورد المصنف حديث أبي هريرة ﵁: (أنه كان يصومه إلا قليلاً، بل كان يصومه كله) وهذا إشارة إلى كثرة ما كان يصوم فيه، ولكن ما جاء أنه لم يكن يستكمل شهراً إلا رمضان دال على أنه لا يستكمل صيام أي شهر من الشهور.

стр. 8088

تراجم رجال إسناد حديث (كان يصومه إلا قليلاً بل كان يصومه كله) [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو ابن سلمة بن دينار، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن محمد بن عمرو]. محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، صدوق له أوهام، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة عن أبي هريرة]. أبو سلمة مر ذكره، وأبو هريرة هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.

стр. 8089

ما جاء في صوم الإثنين والخميس

стр. 8090

شرح حديث (إن أعمال العباد تعرض يوم الإثنين ويوم الخميس) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في صوم الإثنين والخميس. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان حدثنا يحيى عن عمر بن أبي الحكم بن ثوبان عن مولى قدامة بن مظعون عن مولى أسامة بن زيد (أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القرى في طلب مال له، فكان يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس فقال له مولاه: لم تصوم يوم الإثنين ويوم الخميس وأنت شيخ كبير؟ فقال: إن نبي الله ﵌ كان يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس، وسئل عن ذلك فقال: إن أعمال العباد تعرض يوم الإثنين ويوم الخميس)]. أورد أبو داود صيام الإثنين والخميس، وهذان اليومان قد جاءت السنة عن رسول الله ﷺ باستحباب صيامهما، وجاء في ذلك أحاديث منها حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما هذا الذي أورده المصنف أنه كان مولاه قد سافر معه إلى وادي القرى، وهو واد تابع للمدينة في الشمال منها، وهو الذي سار فيه رسول الله ﷺ لما ذهب إلى تبوك، وهو الذي فيه الحديقة التي خرصها رسول الله ﷺ للمرأة وقال: إذا رجعنا فأخبرينا بالنتيجة، فلما رجعوا وإذا الواقع مطابق لما خرصه رسول الله ﷺ ، والحديث صحيح وقد سبق أن مر. وأسامة سافر معه مولاه، وكلمة (مولى) تأتي من الأعلى ومن الأسفل، فيقال للسيد أو المعْتِق: مولى، ويقال للعبد أو المعْتَق: مولى، ولهذا يقولون: من أنواع علوم الحديث معرفة الموالي من أعلى ومن أسفل؛ لأنه قد يكون مولىً لأنه سيد، وقد يكون مولىً لأنه عتيق قد يكون منْعِماً وهو السيد، وقد يكون منْعَماً عليه وهو المعتق، فيقال: مولى من أعلى ومولى من أسفل، فيقال: مولى فلان، يعني: أنه مولى من أسفل، وفلان مولى فلان، يعني: مولاه من أعلى، والولاء يكون أيضاً بغير العتق، فيكون بالحلف، ويكون بالدخول في الإسلام، مثل البخاري رحمة الله عليه كان الجعفي مولاهم؛ لأن أحد أجداده أسلم على يد واحد من الجعفيين، فكان جده ينسب ويقال له: الجعفي مولى، والبخاري كذلك يقال له: الجعفي مولى، وكان الولاء ولاء إسلام على يديه، وكان ولاء عتق، وهو من أعلى ومن أسفل. سافر معه مولاه إلى وادي القرى وكان في طلب مال له أي مال لـ أسامة بن زيد ﵁، وكان يصوم الإثنين والخميس، فقال له مولاه: لماذا تصوم وأنت شيخ كبير؟ يصوم تطوعاً في السفر وهو شيخ كبير، فقال: (إن النبي ﷺ كان يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس، ويقول: إن هذه الأعمال تعرض فيهما على الله ، وجاء في بعض الأحاديث: (وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم) والحاصل أن الإثنين والخميس من الأيام المستحب صيامها كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ .
следующие страницы →