← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

فضل الشهادة

стр. 8332

شرح حديث ابن عباس في فضل الشهادة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في فضل الشهادة. حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﵌: (لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياءٌ في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب؟ فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم. قال: فأنزل الله: ((وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [آل عمران:١٦٩] إلى آخر الآية)]. أورد أبو داود فضل الشهادة، أي القتل في سبيل الله ، والله أخبر عن الشهداء بأنهم ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧٠]، فأورد أبو داود حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر) الحديث. قوله: (فقال الله : أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩])، فهذه الآية الكريمة فيها بيان حال المقتولين في سبيل الله، وأن أرواحهم في جوف طير خضر، وأرواح الشهداء تنعم منفردة وتنعم أيضاً متصلة بالأجساد، وكذلك أيضاً من يكون منعماً أو معذباً في القبر فإن العذاب يكون للروح والجسد والنعيم يكون للروح والجسد، وليس العذاب أو النعيم للروح وحدها، وإنما يكون لمجموع الأمرين والله على كل شيء قدير؛ فتكون الأرواح في الجنة ولها اتصال بالأجساد، وتنعم متصلة ومنفصلة، وذلك أن الإحسان حصل من مجموع الأرواح والأجساد، والإساءة حصلت من مجموع الأرواح والأجساد، وقد جاء في الحديث: (المسلم يفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من روحها ونعيمها، والفاجر يفتح له باب إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ولا يزال كل منهما فيما هو فيه إلى أن تقوم الساعة). وقد جاء في الحديث أن نسمة المؤمن على صورة طير في الجنة، وأرواح الشهداء في أجواف طير، وحديث: (نسمة المؤمن على صورة طير) رواه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي، والإمام الشافعي رواه عن الإمام مالك، فهو مسلسل بثلاثة من الأئمة أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة، وهو في المسند، فقد ذكره الحافظ ابن كثير عند تفسير هذه الآية ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، وذكر أن هذا إسناد عزيز مسلسل بثلاثة من الأئمة أصحاب المذاهب المشهورة. قوله: (قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش). أي: تحت العرش. قوله: (فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم). المقيل هو الاستراحة في وسط النهار، قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان:٢٤]. قوله: (ولا ينكلوا عند الحرب). أي: حتى لا يهتمون للقاء الأعداء خشية الموت.

стр. 8333

تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس في فضل الشهادة قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وأما النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة. [حدثنا عبد الله بن إدريس]. عبد الله بن إدريس الأودي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن محمد بن إسحاق]. محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن إسماعيل بن أمية]. إسماعيل بن أمية ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الزبير]. أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد بن جبير]. سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من أصحابه الكرام، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8334

شرح حديث حسناء بنت معاوية (الشهيد في الجنة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا عوف حدثتنا حسناء بنت معاوية الصريمية قالت: حدثنا عمي قال: (قلت للنبي ﵌: من في الجنة؟ قال: النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والوئيد في الجنة)]. أورد أبو داود حديث عم حسناء بنت معاوية الصريمية (أنه سأل النبي: من في الجنة؟ فقال: النبي في الجنة) والمراد به الجنس، أي: الأنبياء في الجنة. قوله: (والشهيد في الجنة) هذا محل الشاهد. قوله: (والمولود في الجنة). المولود هو الصغير الذي لم يبلغ الحلم. قوله: (والوئيد في الجنة). الوئيد الذي وئد، أي دفن حياً كما كانوا يدفنون البنات خشية العار والأبناء خشية الفقر في الجاهلية.

стр. 8335

تراجم رجال إسناد حديث حسناء بنت معاوية (الشهيد في الجنة) قوله: [حدثنا مسدد]. مسدد بن مسرهد، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا يزيد بن زريع]. يزيد بن زريع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثا عوف]. عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن حسناء بنت معاوية]. وهي مقبولة، أخرج لها أبو داود. [عن عمها]. يقال: اسمه أسلم بن سليم؛ ولم نجد له ترجمة، لكن هو صحابي لأنه سأل النبي ﷺ ، فجهالته وعدم معرفته لا تؤثر، لأن المجهول من أصحاب رسول الله ﷺ في حكم المعلوم، والحديث حسنه الألباني أو صححه، وفيه هذه المرأة المقبولة التي هي حسناء بنت معاوية.

стр. 8336

الشهيد يشفع

стр. 8337

شرح حديث: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الشهيد يشفع. حدثنا أحمد بن صالح حدثنا يحيى بن حسان حدثنا الوليد بن رباح الذماري حدثني عمي نمران بن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام، فقالت: أبشروا فإني سمعت أبا الدرداء ﵁ يقول: قال رسول الله ﵌: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته). قال أبو داود: صوابه رباح بن الوليد]. قوله: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته)] أي: من قراباته أصوله وفروعه أو حواشيه، أو زوجاته؛ لأن كل هؤلاء أهل بيته.

стр. 8338

تراجم رجال إسناد حديث: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) قوله: [حدثنا أحمد بن صالح]. أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل. [حدثنا يحيى بن حسان]. يحيى بن حسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [حدثنا الوليد بن رباح الذماري]. الوليد بن رباح أو رباح بن الوليد وهو صدوق أخرج له أبو داود. [حدثني عمي نمران بن عتبة الذماري]. وهو مقبول، أخرج له أبو داود. [دخلنا على أم الدرداء]. وهي هجيمة، تابعية ثقة، أخرج لها أصحاب الكتب الستة. [سمعت أبا الدرداء]. عويمر بن زيد أو ابن مالك وهو صحابي جليل أخرج له أصحاب الكتب الستة. والحديث حسنه الألباني أو صححه.

стр. 8339

النور يرى عند قبر الشهيد

стр. 8340

شرح أثر عائشة في النور عند قبر النجاشي قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في النور يرى عند قبر الشهيد. حدثنا محمد بن عمرو الرازي حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل - عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة ﵂ أنها قالت: لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور]. أورد أبو داود باباً في النور يرى عند قبر الشهيد، وأورد فيه هذا الأثر عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وهذا الأثر موقوف على عائشة رضي الله تعالى عنها لم ترفعه إلى رسول الله ﷺ ، ولكنها قالت: كنا نتحدث، وهذا الخبر إما أن يكون وصل إليهم أو أنه كان يشاع هذا الشيء، ولا يوجد ما يدل على ثبوته، والألباني يضعف هذا الأثر.

стр. 8341

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في النور عند قبر النجاشي قوله: [حدثنا محمد بن عمرو الرازي]. محمد بن عمرو الرازي ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة. [حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل -]. سلمة بن الفضل صدوق كثير الخطأ، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة في التفسير. [عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن رومان]. محمد بن إسحاق مر ذكره، ويزيد بن رومان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عروة]. عروة بن الزبير، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. وهي أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . والذي فيه الكلام هو سلمة بن الفضل الذي هو كثير الخطأ. والنجاشي ليس بشهيد معركة؛ ولكن لعله حصل له نوع من أنواع الشهادة في غير المعركة، ومعلوم أنه جاءت أحاديث عن النبي ﷺ في ذكر الشهداء غير المقتولين كالغريق والمبطون، وقال النووي في رياض الصالحين: باب ذكر جماعة من الشهداء في ثواب الآخرة ويغسلون ويصلى عليهم، ثم أورد أحاديث عديدة فيها أناس ثبت أن لهم أجر شهيد، ولكن لا أدري ما الذي حصل للنجاشي.

стр. 8342

شرح حديث فضل من طال عمره في طاعة الله قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت عمرو بن ميمون عن عبد الله بن ربيعة عن عبيد بن خالد السلمي ﵁ قال: (آخى رسول الله ﵌ بين رجلين فقتل أحدهما ومات الآخر بعده بجمعة أو نحوها، فصلينا عليه، فقال رسول الله ﵌: ما قلتم؟ فقلنا: دعونا له، وقلنا: اللهم اغفر له وألحقه بصاحبه، فقال رسول الله ﵌: فأين صلاته بعد صلاته وصومه بعد صومه؟ -شك شعبة في صومه- وعمله بعد عمله؟ إن بينهما كما بين السماء والأرض)]. أورد أبو داود حديث عبيد بن خالد السلمي ﵁ قال: (آخى الرسول ﷺ بين رجلين، فقتل أحدهما ومات الآخر بعده بجمعة) أي: بأسبوع، لأنه يقال للأسبوع: جمعة، ويقال له: سبت كما جاء في الحديث: (فما رأينا الشمس سبتاً) أي: أسبوعاً، والمقصود من ذلك أنه مات بعده بأسبوع. قوله: (فقال النبي ﷺ ما قلتم؟) أي: في دعائكم له. قوله: (قلنا: اللهم ألحقه بصاحبه) يعني أنه يلحق بصاحبه الذي قتل. قوله: (فقال ﷺ : فأين صلاته بعد صلاته؟). يعني المدة التي عاش بعده وهي سبعة أيام، وعمل فيها أعمالاً صالحة تكون زيادة له في الأجر والثواب، وهذا لا يدل على أن كل من تأخر عن غيره أنه يكون أفضل منه، ولكن يدل على أن الإنسان كلما يعيش ويعمر على طاعة الله ، وعلى عمل صالح، فإنه يكتب له حسنات ذلك، وقد يكون في الذين يموتون على فرشهم من هو أفضل ممن هو شهيد، بأن يكون مثلاً من الصديقين، ومعلوم أن أبا بكر الصديق ﵁ خير من الشهداء، بل هو خير من مشى على الأرض بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم أجمعين، ولكن الحديث يدل على أن الإنسان إذا فسح له في الأجل وطال عمره فاستعمله في طاعة الله فإنه يكون زيادة في ثوابه وزيادة في أجره عند الله . قوله: (فأين صلاته بعد صلاته وصومه بعد صومه وعمله بعد عمله؟ إن بينهما كما بين السماء والأرض). يعني بهذا العمل الذي حصل في هذا الأسبوع، ولعل هذا الرجل من الصديقين.

стр. 8343

تراجم رجال إسناد حديث فضل من طال عمره في طاعة الله قوله: [حدثنا محمد بن كثير]. محمد بن كثير العبدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت عمرو بن ميمون]. عمرو بن ميمون ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن ربيعة]. قال الحافظ: ذكر في الصحابة، ونفاه أبو حاتم، ووثقه ابن حبان، أي أنه مختلف في صحبته، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي. [عن عبيد بن خالد السلمي]. عبيد بن خالد السلمي ﵁، وحديثه أخرجه أبو داود والنسائي. والحديث ليس فيه دلالة على الترجمة، لأنه ليس فيه ذكر النور على قبر الشهيد.

стр. 8344

بدعة الاحتفال بالإسراء والمعراج نتكلم في هذه الليلة بمناسبة ليلة الإسراء والمعراج التي يظن بعض الناس أن لها ميزة، وأقول: إن ليلة الإسراء والمعراج لم يثبت أنها في ليلة معينة لا في ليلة سبع وعشرين ولا غيرها، ولو ثبت ذلك لم يكن ثبوتها مقتضياً أن تخص باحتفال أو بعمل خاص؛ لأن تخصيص الليالي والأيام بأعمال خاصة إنما يجب أن يسار فيه طبقاً لما جاءت به سنة رسول الله ﷺ ، والنبي ﵊ ما جاء عنه شيء يدل على ذلك، فكيف ولم يثبت أنها في ليلة معينة معروفة عند العلماء؟! وعلى هذا فإن على المسلم أن يحرص على معرفة الأدلة ومعرفة الأحكام الشرعية، ويسأل عن الشيء قبل أن يعمله، فإن وجد أنه قد ثبت وأخبره بذلك من عنده علم بالسنة وحرص على معرفتها، فإنه يأخذ بما يفتيه به، أما إذا لم يكن هناك شيء من ذلك، فإن على الإنسان أن يقتصر على ما جاءت به الأدلة عن رسول الله ﷺ ، ويحذر من البدع ومحدثات الأمور. وقد كتب شيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه رسالة قيمة اسمها: التحذير من البدع، وهي تشتمل على أمور أربعة: تشتمل على بيان الاحتفال بالمولد النبوي وأنه لم يثبت في ذلك عن رسول الله ﷺ ، وكذلك الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، وكذلك بليلة النصف من شعبان، وكذلك الرؤيا التي تنسب إلى أحمد خادم الحجرة، وقد بين بطلان هذه البدع، وأنه لا يجوز للإنسان أن يعرج عليها أو أن يعمل بها أو أن يأخذ بها، وإنما عليه أن يكون متبعاً للسنن، والنبي الكريم ﵊ قال: (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة)، وقال ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وهو حديث متفق عليه من حديث عائشة ﵂، وفي لفظ لـ مسلم (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وعلى هذا فإن الواجب على المسلم أن يكون عمله مطابقاً للسنة؛ لأن الإنسان إذا كان عمله مطابقاً للسنة يحصل الأجر، أما إذا كان عمله غير مطابق للسنة بل كان مبنياً على بدعة فإنه لا يحصل أجراً بل يحصل إثماً. ومعلوم أن دين الإسلام مبني على قاعدتين اثنتين لا بد منهما: إحداهما: ألا يعبد إلا الله، والثانية: ألا يعبد الله إلا طبقاً لما شرع رسول الله ﷺ ، فالعمل إذا كان خالصاً لله وكان موافقاً لسنة رسول الله أجر صاحبه وأثيب، وإن تخلف أحد الأمرين فإنه يكون مردوداً على صاحبه، فلو عمل الإنسان العمل موافقاً للسنة ولكنه غير خالص لله، بل أشرك مع الله غيره؛ فإنه يكون مردوداً عليه، ولو كان العمل خالصاً لله ولكنه غير موافق لسنة رسول الله ﵊؛ رد على صاحبه؛ لقوله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) يعني مردوداً عليه؛ لأن الشريعة قد كملت وليس فيها نقص، ولا تحتاج إلى تكميل، ولا تحتاج إلى إضافات، ولا تحتاج إلى بدع ومحدثات، وقد قال الإمام مالك رحمة الله عليه: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وقال: من قال: إن في الإسلام بدعة حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة:٣]، فما لم يكن يومئذ ديناً لا يكون ديناً اليوم، أي: ما لم يكن ديناً في زمن رسول الله ﷺ ، فإنه لا يكون ديناً بعد ذلك، بل ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه هو الحق والهدى، وما أحدث بعدهم فإنه من محدثات الأمور. فالواجب هو الابتعاد عن البدع، والابتعاد عن محدثات الأمور، بل يحرص الإنسان على أن تكون أعماله مطابقة للسنة، وأن يكون حذراً من البدع، والله تعالى أعلم.

стр. 8345

الجعائل في الغزو

стр. 8346

شرح حديث ذم الجعائل على الغزو قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الجعائل في الغزو. حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا، ح وحدثنا عمرو بن عثمان حدثنا محمد بن حرب المعنى وأنا لحديثه أتقن عن أبي سلمة سليمان بن سليم عن يحيى بن جابر الطائي عن ابن أخي أبي أيوب الأنصاري عن أبي أيوب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ستفتح عليكم الأمصار وستكون جنود مجندة، تقطع عليكم فيها بعوث، فيكره الرجل منكم البعث فيها، فيتخلص من قومه، ثم يتصفح القبائل يعرض نفسه عليهم، يقول: من أكفيه بعث كذا؟ من أكفيه بعث كذا؟ ألا وذلك الأجير إلى آخر قطرة من دمه)]. الجعائل: جمع جعل، والمراد بها ما يعطى للشخص في مقابل غزوه، بمعنى أنه لا يكون غزوه من أجل الجهاد في سبيل الله، ولكنه أجير يغزو من أجل الجعل الذي يعطى له، هذا هو المقصود بالترجمة. ومعلوم أن الجهاد في سبيل الله يكون لوجه الله، ويكون لإعلاء كلمة الله، ولا يكون الباعث عليه تحصيل الدنيا وحطامها، وإنما يكون الباعث له إعلاء كلمة الله والجهاد في سبيله، وهو مأجور على كل حال، سواء حصل غنيمة أو لم يحصل، أما أن يكون الباعث له على السفر للجهاد مع المجاهدين هو ذلك الجعل الذي جعل له، فيكون بمثابة الأجير الذي يعمل عملاً يأخذ عليه أجراً، فلا يكون بذلك متقرباً به إلى الله ، وذلك لا يليق بالمسلم ولا يسوغ له. وقد أورد أبو داود حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁، وفيه قوله: (تقطع عليكم فيها بعوث). يعني يؤخذ من هذه الجنود بعوث يختارون أو يقتطعون من غيرهم للغزو، فيذهبون للجهاد في سبيل الله، ثم من الناس من لا يريد أن يدخل في هذه البعوث التي تذهب للجهاد في سبيل الله، فيتخلص الواحد من أن يكون مع هؤلاء البعوث، ولكنه يذهب يتصفح وجوه الناس يطلب منهم أن يجعلوه أجيراً يستأجرونه ليذهب معهم على مقدار يحصله من الدنيا، فيكون الباعث له على ذلك هو هذا المال الذي يعطى له قبل أن يسافر، فيكون بذلك مسافراً من أجله. قوله: (وستكون جنود مجندة تقطع عليكم فيها بعوث فيكره الرجل البعث فيها)، أي أن من الناس من يكره أن يدخل في جملة الجيش الذي يختار من قبيلته للجهاد، ولكنه بعد ذلك يفتش عمن يستأجره للجهاد. قوله: (يقول: من أكفيه بعث كذا؟ من أكفيه بعث كذا؟). بمعنى أني أكون بدله في الجهاد في مقابل أجرة، وفي مقابل جعل يوضع له. قوله: (ألا وذلك الأجير إلى آخر قطرة من دمه). أي: من كان هذا شأنه فهو أجير وليس بمجاهد، ولم يخرج لإعلاء كلمة الله، وإنما خرج من أجل هذا المال الذي طلبه وسعى لتحصيله. وقوله: (إلى آخر قطرة من دمه) معناه أنه لو استمر على ذلك حتى قتل وهو على هذه النية فإنه يعتبر أجيراً، ولا يعتبر مجاهداً في سبيل الله، ومثل ذلك لا يسوغ، لأن الأعمال الصالحة يجب أن تكون خالصة لوجه الله، ولكنه إذا خرج للجهاد في سبيل الله يريد الأجر، فحصل غنيمة فهي من الرزق ومن الثواب المعجل الذي يعجله الله له في الدنيا قبل الآخرة، وهذا لا بأس به، وكذلك لو خصصت مبالغ للإنفاق على المجاهدين في سبيل الله، ثم خرج للجهاد، فاستفاد من هذه النفقات التي تصرف، فلا بأس بذلك أيضاً. ولا يجوز للإنسان أن يؤجر نفسه ليجاهد في سبيل الله، وإنما يجب عليه أن يخرج إلى الجهاد يريد وجه الله.

стр. 8347

تراجم رجال إسناد حديث ذم الجعائل على الغزو قوله: [حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي]. إبراهيم بن موسى الرازي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا ح وحدثنا عمرو بن عثمان]. يعني أنه عبر عن شيخه الذي يروى عنه بأخبرنا، ثم حول السند إلى شيخ آخر فقال: ح وحدثنا عمرو بن عثمان]. وهو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي، وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثنا محمد بن حرب]. محمد بن حرب وهو حمصي أيضاً ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [المعنى وأنا لحديثه أتقن]. يعني أن الطريقين متفقان في المعنى، وأنه لحديث محمد بن حرب الذي هو في الإسناد الثاني أتقن منه لحديث الراوي الذي في الإسناد الأول. [عن أبي سلمة سليمان بن سليم]. وهو صدوق، أخرج له أصحاب السنن. [عن يحيى بن جابر الطائي]. وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن ابن أخي أبي أيوب]. ابن أخي أبي أيوب ويقال له: أبو سورة، وهو ضعيف أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن أبي أيوب]. أبو أيوب الأنصاري هو خالد بن زيد رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. فالحديث من حيث الإسناد غير صحيح، وقد ضعفه الألباني ﵀، لكن أخذ الأجرة على الجهاد لا يجوز.

стр. 8348

الرخصة في أخذ الجعائل

стр. 8349

شرح حديث الرخصة في أخذ الجعائل قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في أخذ الجعائل. حدثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي قال: حدثنا حجاج -يعني ابن محمد - ح وحدثنا عبد الملك بن شعيب حدثنا ابن وهب عن الليث بن سعد عن حيوة بن شريح عن ابن شفي عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: (للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي). أورد أبو داود ﵀ باب الرخصة في أخذ الجعائل، والمقصود من ذلك ما كان بغير اشتراط، وقد مر في الأحاديث: (من جهز غازياً فقد غزا)؛ ولكن كونه يعتبر نفسه أجيراً يتفق مع غيره على أنه يخرج للجهاد بأجرة، هذا هو الذي لا يجوز، وأما الذي يكون عنده رغبة في الجهاد، ولكن ليس له ظهر ولا زاد، ثم وجد من يتبرع له بظهر وزاد، وكان يريد الجهاد ولا يريد الدنيا، فهذا لا بأس به، وقد جاء في القرآن أن جماعة من الصحابة ﵃ وأرضاهم كانوا يأتون إلى النبي ﷺ يريدون الخروج فلا يجد ما يحملهم عليه، فيرجعون وعيونهم تفيض من الدمع حزناً، لأنهم لا يقدرون على أن يجاهدوا. فهذا الذي عنده رغبة في الجهاد ولكنه عاجز عن النفقة والظهر فجهزه غيره يكون له أجر الجهاد، والذي أغزاه له أجر إنفاقه ومثل أجر المجاهد. فقوله: [(للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي)]. معناه: للغازي الذي باشر الغزو أجره، وللجالس الذي جهزه أجره وله أيضاً مثل أجر الغازي، فله أجره على نفقته وعلى تمكينه من المركوب وله مثل أجر الغازي، فهذا يدل على أن الجهاد بالأموال شأنه عظيم؛ وذلك لأنه يمكن غيره من الجهاد، فيكون بذلك مأجوراً على إنفاقه ومأجوراً على كونه مكن غيره وتسبب في جهاد غيره.

стр. 8350

تراجم رجال إسناد حديث الرخصة في أخذ الجعائل قوله: [حدثنا إبراهيم بن الحسن المصيصي]. إبراهيم بن الحسن المصيصي ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [حدثنا حجاج]. حجاج بن محمد المصيصي الأعور، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح وحدثنا عبد الملك بن شعيب]. عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا ابن وهب]. عبد الله بن وهب المصري، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الليث بن سعد]. الليث بن سعد المصري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن حيوة بن شريح]. حيوة بن شريح المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شفي]. وهو حسين بن شفي بن ماتع وهو ثقة، أخرج له أبو داود. [عن أبيه]. وهو ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة في التفسير. [عن عبد الله بن عمرو]. عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8351

الرجل يغزو بأجر الخدمة

стр. 8352

شرح حديث الرجل يغزو بأجر الخدمة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يغزو بأجر الخدمة. حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عاصم بن حكيم عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن عبد الله بن الديلمي أن يعلى بن منية ﵁ قال: (أذن رسول الله ﵌ بالغزو وأنا شيخ كبير ليس لي خادم، فالتمست أجيراً يكفيني وأجري له سهمه، فوجدت رجلاً، فلما دنا الرحيل أتاني، فقال: ما أدري ما السهمان وما يبلغ سهمي، فسم لي شيئاً كان السهم أو لم يكن، فسميت له ثلاثة دنانير، فلما حضرت غنيمته أردت أن أجري له سهمه، فذكرت الدنانير، فجئت النبي ﵌ فذكرت له أمره، فقال: ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى)]. قوله: باب في الرجل يغزو بأجر الخدمة، يعني أنه يغزو من أجل الخدمة فيكون مستأجراً للخدمة كأن يستأجره إنسان ليساعده لكونه بحاجة إلى المساعدة، أو يستأجر من أجل رعي الإبل والعناية بها، والحاصل أنه لم يخرج للجهاد، وإنما خرج أجيراً، وهو شبيه بالأول الذي مر في الحديث الضعيف الذي فيه أنه أجير إلى آخر قطرة من دمه، فهذا من جنسه، لأنه ما خرج للجهاد وإنما خرج أجيراً. أورد أبو داود حديث يعلي بن أمية وهو يعلي بن منية، لأن أباه أمية، وأمه منية، فهو أحياناً ينسب إلى أمه وأحياناً ينسب إلى أبيه، وهو صحابي. قوله: (أذن رسول الله ﷺ بالغزو وأنا شيخ كبير). أي: فاحتاج إلى من يكون معه ليساعده ويخدمه، فطلب من شخص أن يذهب معه ويكون له سهم في الغنيمة. قوله: (فلما دنا الرحيل قال الرجل: ما أدري ما السهمان وما يبلغ سهمي) أي: ولا أدري هل يحصل شيء أو لا يحصل، ولكن أريد أن أخرج على أجر أتفق معك عليه من البداية، فاتفق معه على ثلاثة دنانير، ولما جاءت الغنيمة تذكر أنه اتفق معه على ثلاثة دنانير، فجاء يعلي بن منية إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك، فقال النبي ﷺ : (ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إلا دنانيره التي سمى) أي: لا يعطى شيئاً من الغنيمة، لأنه اتفق معه على هذا المقدار، وكذلك ليس له شيء في الآخرة، لأنه ما جاهد من أجل الله، وإنما خرج من أجل الأجرة.

стр. 8353

تراجم رجال إسناد حديث الرجل يغزو بأجر الخدمة قوله: [حدثنا أحمد بن صالح]. أحمد بن صالح المصري ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والترمذي في الشمائل. [حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عاصم بن حكيم]. عبد الله بن وهب مر ذكره، وعاصم بن حكيم صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود. [عن يحيى بن أبي عمرو السيباني]. يحيى بن أبي عمرو السيباني ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة. [عن عبد الله بن الديلمي]. ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن يعلي بن منية]. يعلي بن منية أبوه أمية وأمه منية، ينسب إلى أمه وينسب إلى أبيه، وهو صحابي أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة. وهذا الحديث الصحيح الذي فيه أن الذي يخرج من أجل الدنيا لا يحصل ثواباً في الآخرة يطابق الحديث الذي سبق أن مر وفيه ابن مكرز عن أبي هريرة، وقلت: إن الشيخ الألباني ضعفه وأنا في الحقيقة قد وهمت في نسبة التضعيف للألباني، بل الشيخ حسنه في سنن أبي داود ولم يضعفه، ولكن إسناده فيه ابن مكرز، وقد ذكره في تهذيب التهذيب ولم يذكر فيه شيئاً من قدح أو توثيق، إلا أنه نقل عن علي بن المديني أنه قال: إنه مجهول؛ ولكن لعل الشيخ ناصر حسنه بمثل هذا الحديث.

стр. 8354

شرح سنن أبي داود [٢٩٩] للجهاد آداب يجب الوقوف عندها، فلا يخرج المجاهد في سبيل الله إلا بإذن أبويه ما لم يتعين الجهاد عليه، ولا يتخلف المرء عن الجهاد متذرعاً بجور الإمام ونحو ذلك، وإذا كان عنده فضل من مركوب ونحوه فليساعد به من يريد الجهاد ولا يجد ذلك، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

стр. 8355

الرجل يغزو وأبواه كارهان

стр. 8356

شرح حديث الرجل يغزو وأبواه كارهان قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان. حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: (جاء رجل إلى رسول الله ﵌ فقال: جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان، فقال: ارجع عليهما فأضحكهما كما أبكيتهما)]. أورد أبو داود باب الرجل يغزو وأبواه كارهان، أي: ما حكم ذلك؟ وهذا فيه تفصيل، فإن كان الجهاد فرض عين فليخرج الإنسان للجهاد ولو لم يرض الأبوان، وإن كان فرض كفاية فلا يخرج إلا بإذنهما. وإنما يكون فرض عين إذا استنفر الإمام، وكذلك لو دهم العدو المسلمين في بلدهم. وإذا كان الأبوان كافرين فإن له أن يخرج بدون إذنهما ولو لجهاد التطوع؛ لأن الكافر متهم بأنه لا يريد للإسلام أن ينتصر. قوله: (جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: جئت أبايعك على الهجرة). معلوم أنهم كانوا يأتون إليه ويبايعونه على الهجرة، وإنما يهاجرون لينصروه وليجاهدوا معه في سبيل الله، وقد عرفنا فيما مضى أن المهاجرين لما انتقلوا من مكة إلى المدينة كانوا يريدون الهجرة والنصرة، فجمعوا بين الأمرين، وأن الأنصار عندهم النصرة، وأن المهاجرين أفضل من الأنصار لذلك، فهذا جاء يبايع على الهجرة، ومعناه أنه يكون تحت تصرفه ويغزو معه. قوله: (ارجع عليهما فأضحكهما كما أبكيتهما) أي: أدخل السرور عليهما كما أدخلت الحزن عليهما.

стр. 8357

تراجم رجال إسناد حديث الرجل يغزو وأبواه كارهان قوله: [حدثنا محمد بن كثير]. محمد بن كثير العبدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا سفيان]. سفيان هو الثوري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا عطاء بن السائب]. عطاء بن السائب صدوق اختلط، والسماع منه قبل الاختلاط صحيح، فإذا سمع منه أحد قبل الاختلاط فيعتمد الحديث الذي يأتي من طريقه، وإذا كان بعد الاختلاط فإنه لا يعول عليه، وكذلك إذا جهل السماع هل كان قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط فإن لا يعول عليه، وإنما يقبل إذا تحقق أن السماع كان قبل الاختلاط، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب في آخر ترجمة عطاء بن السائب ستة ممن صح سماعهم منه قبل الاختلاط، وفي مقدمتهم سفيان الثوري هذا، ويضاف إليهم الأعمش، ذكر ذلك الشيخ ناصر ﵀ في السلسلة الصحيحة فيكونون سبعة. وقد أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [عن أبيه]. هو السائب بن يزيد، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [عن عبد الله بن عمرو]. عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وقد مر ذكره.

стр. 8358

شرح حديث: (ففيهما فجاهد) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي العباس عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (جاء رجل إلى النبي ﵌ فقال: يا رسول الله! أجاهد؟ قال: ألك أبوان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد). قال أبو داود: أبو العباس هذا الشاعر اسمه السائب بن فروخ]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن (رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! أجاهد؟ فقال: هل لك أبوان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) أي: اجعل جهادك في خدمتهما حيث يكونان محتاجين إليك، وكذلك إذا لم يأذنا وكان الجهاد تطوعاً، فإن الأمر يحتاج إلى إذنهما كما مر في الحديث، وكما يدل عليه قوله: (ففيهما فجاهد).

стр. 8359

تراجم رجال إسناد حديث: (ففيهما فجاهد) قوله: [حدثنا محمد بن كثير عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت]. محمد بن كثير وسفيان مر ذكرهما، وحبيب بن أبي ثابت ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي العباس]. هو السائب بن فروخ، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن عمرو]. قد مر ذكره [قال أبو داود: أبو العباس هذا الشاعر اسمه السائب بن فروخ]. هذا توضيح لهذا الذي ذكر بكنيته وهو أبو العباس واسمه السائب بن فروخ.

стр. 8360

شرح حديث أبي سعيد في استئذان الأبوين في الجهاد قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري ﵁ (أن رجلاً هاجر إلى رسول الله ﵌ من اليمن فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي، قال: أذنا لك؟ قال: لا. قال: ارجع إليهما فاستأذنهما، فإن إذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما)]. أورد المصنف حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلاً جاء من اليمن مهاجراً وذكر الحديث، وفيه الأمر باستئذان الوالدين للجهاد، وهذا مثل الذي قبله حيث لا يتعين الجهاد، وأما إذا تعين فلا يحتاج إلى استئذان الأبوين.

стр. 8361

تراجم رجال إسناد حديث أبي سعيد في استئذان الأبوين في الجهاد قوله: [حدثنا سعيد بن منصور]. سعيد بن منصور ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث]. عمرو بن الحارث المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أن دراجاً أبا السمح]. دراج أبو السمح صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [عن أبي الهيثم]. هو سليمان بن عمرو بن عبد، ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [عن أبي سعيد]. أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان ﵁، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، وهذا الحديث من رواية دراج عن أبي الهيثم، وتقدم أن فيها ضعفاً؛ ولكن الحديثان اللذان قبله شاهدان له.

стр. 8362

النساء يغزون

стр. 8363

شرح حديث غزو النساء قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في النساء يغزون. حدثنا عبد السلام بن المطهر حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس ﵁ أنه قال: (كان رسول الله ﵌ يغزو بـ أم سليم ونسوة من الأنصار ليسقين الماء ويداوين الجرحى)]. أورد أبو داود باب في النساء يغزون. أي أن يذهب بهن أولياؤهن من أجل الاستفادة منهن في أمور خاصة، فهن لا يجاهدن ولا يقاتلن ولسن من أهل الغزو، ولكن كونهن يسقين ويداوين الجرحى هذا هو الذي جاء في الحديث الإشارة إليه، وقد قال النووي: إذا كان الذي تعالجه من محارمها فإنها تلمسه، وأما إذا كان غير محرم فإنها تداويه بدون مس. قوله: (كان الرسول يغزو بـ أم سليم ونسوة من الأنصار) المقصود بذلك أن معهن محارمهن، وأنس ﵁ هو ابن أم سليم، فإذا خرجت فابنها معها، وكذلك النساء اللاتي يخرجن أيضاً معهن محارمهن لقوله ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم). قوله: [ليسقين الماء ويداوين الجرحى]. أي: يساعدن في سقي الماء، أما القتال فلسن من أهله، قال الشاعر: كتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جر الذيول

стр. 8364

تراجم رجال إسناد حديث غزو النساء قوله: [حدثنا عبد السلام بن مطهر]. عبد السلام بن مطهر صدوق، أخرج حديثه البخاري وأبو داود. [عن جعفر بن سليمان]. وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن ثابت]. ثابت بن أسلم البناني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. أنس ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ ، والحديث من الرباعيات عند أبي داود، وهي أعلى الأسانيد عنده.

стр. 8365

الغزو مع أئمة الجور

стр. 8366

شرح حديث أنس في الغزو مع أئمة الجور قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الغزو مع أئمة الجور. حدثنا سعيد بن منصور حدثنا أبو معاوية حدثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن أبي نشبة عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله، ولا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار)]. أورد أبو داود باب الجهاد مع أئمة الجور يعني أن الجهاد يكون مع من قام به براً أو فاجراً، ولا يشترط في الذي يجاهد معه أن يكون عدلاً وأن يكون تقياً، فمن يكون والياً على الجيش سواء كان براً أو فاجراً فإنه يجاهد معه، ولو كان عنده نقص ولو كان عنده ذنوب؛ لأن هذا جهاد لإعلاء كلمة الله ولتكون كلمة الله هي العليا، فيكون مع البر والفاجر، وكما أن الصلاة تصح وراءهم فكذلك الجهاد. قوله: (ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال: لا إله إلا الله). أي: أنه عندما يكون هناك قتال مع الكفار فقال كافر: لا إله إلا الله، فإنه يكف عنه ولا يقتل، لأنه قال: لا إله إلا الله، فالناس لا يعلمون ما في قلبه وهل هو صادق أو كاذب، ولكن يكف عنه، وقد جاء عن الرسول ﷺ أنه أنكر على من قتله وقال: (أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟!). قوله: (ولا نكفره بذنب). أي: من قال: لا إله إلا الله لا يكفر بذنب، إلا إذا كان مستحلاً له، فالذنب الذي يكون معلوماً من الدين بالضرورة من يستحله يكفر، كأن يستحل الزنا أو يستحل شرب الخمر، أو ينكر أمراً واجباً معلوماً من الإسلام بالضرورة وجوبه. قوله: (ولا نخرجه من الإسلام بعمل). أي: ولو كان كبيرة من الكبائر إلا إذا كان مستحلاً، فهذا قريب في المعنى من قوله: (لا نكفره بذنب). فلا تكفير بذنب إلا إذا استحله فاعله فإنه يكون بذلك كافراً؛ إلا فيما يتعلق بالصلاة، فإنه إذا تركها متعمداً جاحداً لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين، وإما إذا تركها تهاوناً وتكاسلاً، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، والصحابة ﵁ وأرضاهم يرون كفره كما جاء عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله لم يكن عندهم شيء من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. قوله: (والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل أخر أمتي الدجال). أي: منذ أذن له في الجهاد، وإلا فإنه إنما أذن له بالجهاد بعد أن هاجر إلى المدينة ﷺ . قوله: (لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل). هذا محل الشاهد، ومعناه أنه يجاهد مع البررة والفجار. قوله: (والإيمان بالأقدار). أي أن الإيمان بالقدر من أصول الإيمان، وهو من أصول الإيمان الستة التي جاءت في حديث جبريل: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ويوم الآخر والقدر خيره وشره). والحديث ضعيف، ففي إسناده من هو مجهول.

стр. 8367

تراجم رجال إسناد حديث أنس في الغزو مع أئمة الجور قوله: [حدثنا سعيد بن منصور عن أبي معاوية]. أبو معاوية محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن جعفر بن برقان]. جعفر بن برقان صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن يزيد بن أبي نشبة]. وهو مجهول، أخرج له أبو داود. [عن أنس]. أنس ﵁ قد مر ذكره.

стр. 8368

شرح حديث أبي هريرة في الغزو مع أئمة الجور قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب حدثني معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم براً كان أو فاجراً وإن عمل الكبائر). قوله: (الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراً) يعني مع البررة ومع الفجار ما دام أن الجهاد لإعلاء كلمة الله. (والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم). معناه أن من صحت صلاته صحت إمامته، لكن عند الاختيار لا يصلح أن يختار من هو فاسق أو مبتدع، وذلك حيث تكون بدعة مفسقة أما من كانت بدعته مكفرة فلا يصلي وراءه. قوله: [(وإن عمل الكبائر)]. يعني وإن كان فاسقاً مرتكباً لشيء من الكبائر. قوله: [(والصلاة واجبة على كل مسلم براً كان أو فاجراً)]. المقصود الصلاة على الجنازة، فيصلى على جنازته إذا توفي براً كان أو فاجراً.

стр. 8369

تراجم رجال إسناد حديث أبي هريرة في الغزو مع أئمة الجور قوله: [حدثنا أحمد بن صالح عن ابن وهب عن معاوية]. معاوية بن صالح بن حدير، وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. [عن العلاء بن الحارث]. وهو صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن مكحول]. مكحول الشامي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبي هريرة]. أبو هريرة ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وهو أكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق. والحديث فيه انقطاع، لأن رواية مكحول عن أبي هريرة منقطعة.

стр. 8370

الرجل يتحمل بمال غيره يغزو
следующие страницы →