← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

تراجم رجال إسناد حديث (الراكب شيطان والراكبان شيطانان) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي]. عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الرحمن بن حرملة]. عبد الرحمن بن حرملة، وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن عمرو بن شعيب]. عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن. [عن أبيه]. وهو: شعيب بن محمد، وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وجزء القراءة وأصحاب السنن. [عن جده]. عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، الصحابي الجليل، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهم عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8612

ما جاء في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم

стр. 8613

شرح حديث (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم. حدثنا علي بن بحر بن بري حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا محمد بن عجلان عن نافع عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم)]. أورد أبو داود ﵀ هذه الترجمة، وهي: باب في القوم يسافرون يؤمرون أحدهم. يعني: يجعلون واحداً منهم أميراً عليهم، وهذه الإمارة المقصود منها الرجوع إليه عندما يريد الإنسان أن يذهب إلى جهة، أو يريد أن يتخلف، أو يريد أن يستأذن في شيء حتى يكون بعضهم على علم من بعض، فلا يذهب الواحد منهم حيث يشاء ولا يعرف عنه أصحابه شيئاً، وإنما يكون هناك مرجع لهم يرجعون إليه، بحيث يستشيرونه ويرجعون إليه في النزول إذا أرادوا أن ينزلوا، وإذا أرادوا أن يركبوا ويرتحلوا، وإذا كان الواحد منهم يريد أن يذهب في حاجة من الحاجات أو لغرض من الأغراض يستأذنه حتى يكون على علم، وحتى يعرف بعضهم عن البعض أموره وأحواله، فلا يكون كل واحد منهم أمير نفسه، أو يكونون رفقاء فلا يدري الاثنان إلا وقد ذهب الثالث، ولا يدرون إلى أين ذهب؟! فإذا كان هناك أمير يرجعون إليه يقول للأمير: أريد أن أفعل كذا وكذا أستأذنك في كذا وكذا فهذه هي الإمارة، وهذه هي مهمتها، فليست المهمة أن يجلد ويضرب، وأنه يسير والياً وحاكماً، وإنما مهمته أن يكون هؤلاء المسافرون يتشاورون ويرجع يعضهم إلى بعض، ويستأذن المأمور الأمير في ذهابه إذا أراد أن يذهب لحاجة، وكذلك إذا أراد أن يتقدم ويسبقهم بيوم أو يومين إلى أهله وما إلى ذلك. فهذا هو المقصود بالإمارة، فالإمارة المقصود منها أن يعرفوا مرجعهم، لا أن هذه ولاية يترتب عليها أحكام كإقامة حدود وجلد وما إلى ذلك، فليس هذا من شأنهم، وليست هذه مهمتهم، وإنما مهمتهم ما يتعلق بأحوال السفر والارتحال والنزول. وهذا أيضاً فيه تحديد بالثلاثة، وهذا مثل ما مر في الحديث السابق أن الثلاثة ركب، فهم الذين يؤمرون واحداً منهم، وأما الاثنان فهما شيطانان كما مر في الحديث، فليس ذلك هو المأذون به والمرخص فيه أن يسافر اثنان، بل يسافرون ثلاثة، والأمر في الحديث يدل على الاستحباب.

стр. 8614

تراجم رجال إسناد حديث (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) قوله: [حدثنا علي بن بحر بن بري]. علي بن بحر بن بري، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي. [حدثنا حاتم بن إسماعيل]. حاتم بن إسماعيل، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا محمد بن عجلان]. محمد بن عجلان المدني، صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن نافع]. نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة]. أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سعيد الخدري]. أبو سعيد الخدري ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وهو سعد بن مالك بن سنان، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8615

استنباط الخطابي من حديث الإمارة تحكيم الرجلين ثالثاً في قضية ما فينفذان حكمه قال الخطابي: وفيه دليل على أن الرجلين إذا حكما رجلاً بينهما في قضيةٍ فقضى بالحق فقد نفذ حكمه. وتوجيهه أنه عندما يكون الشخص أميراً على هذين الاثنين فإنهما يرجعان إليه ويستجيبان له فيما يأمرهما به فيما يتعلق بالسفر، فيكون مثل ذلك اثنان اختارا واحداً هو أهل للحكم والقضاء في مسألة اختصما إليه فيها، فإنه ينفذ حكمه إذا كان من أهل القضاء والاجتهاد، يعني: من جهة أن الاثنين يرجعان إلى الثالث الذي هو أميرهما، فهذا وجهه.

стр. 8616

إسناد حديث (إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا علي بن بحر حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا محمد بن عجلان عن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) قال نافع: فقلنا لـ أبي سلمة: أنت أميرنا]. أورد أبو داود حديث نافع عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة وقد روى لهم الحديث أبو سلمة، وهو مثل حديث أبي سعيد المتقدم، فقالوا لـ أبي سلمة: أنت أميرنا، يعني: أنت الذي حدثت بالحديث، ورويت هذه السنة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ فأنت الأمير. قوله: حدثنا علي بن بحر حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا محمد بن عجلان عن نافع عن أبي سلمة عن أبي هريرة]. كلهم مر ذكرهم في الإسناد السابق إلا أبو هريرة، فهو عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق.

стр. 8617

متى يكون الشخص عاصياً إذا لم يطع الأمير ؟ والأمير تجب طاعته، فإذا عصي فإن العاصي يأثم إذا كانت المعصية فيما يتعلق بمهمته وفي ولايته، أما كونه يستأذنه في أمر من الأمور فيرى نفسه مضطراً إلى ذلك والأمير لا يسمح، فالذي يبدو أنه لا يكون عاصياً، يعني: لو كان يحتاج إلى أمر من الأمور ولكن الأمير تمسك برأيه وهو مضطر إلى هذا، فيبدو أنه لا يكون عاصياً، بشرط أن يكون مضطراً وما قدرت ظروفه؛ ولكن في حال السعة على الإنسان أن يستجيب وإلا فما فائدة الإمارة؟! الإمارة تكون في حال السفر في الطريق وفي المكان الذي يقيمون فيه حتى يرجعوا، وإذا نزلوا في بلد وهم مع بعض فليستأذنوا الأمير إذا ذهب أحدهم في مهمة في البلد.

стр. 8618

ما جاء في المصحف يسافر به إلى أرض العدو

стр. 8619

شرح حديث (نهى رسول الله أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو. حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو) قال مالك: أراه مخافة أن يناله العدو]. أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في المصحف يسافر به إلى أرض العدو. السفر بالمصحف إلى أرض العدو إذا كان يؤمن ألا يناله العدو، ولا يحصل له شيء من امتهانهم وما إلى ذلك لا بأس به؛ لأن التعليل هو الخوف من أن ينالوه بشيء لا يليق في حق القرآن، وأما إذا لم يكن هناك محذور، والإنسان يأخذه معه ليقرأ فيه، والمحذور مأمون فلا بأس بذلك، وإنما النهي إذا كان يغلب على الظن أنه تحصل إساءة للقرآن وامتهان له أو يناله العدو بسوء، فهذا هو الذي يمنع منه. أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو). قال مالك: أراه مخافة أن يناله العدو. أي: بسوء. وهذا الذي قاله مالك قد جاء في بعض الروايات أنه من كلام رسول الله ﷺ ، أعني: كونه خشية أن يناله العدو، فهذا التعليل ثابت، إذاً: فالحكم يدور مع علته، فإن وجدت هذه العلة فلا يسافر به، وإن لم توجد المخافة عليه فإنه لا بأس بالسفر به. وهنا قال في الترجمة: المصحف، والرسول ﷺ قال: (القرآن) كما في الحديث، وذلك أن المصحف إنما وجد في زمن عثمان ﵁؛ لأنه جمع القرآن وجعله في مصحف، فصاروا يعبرون عنه بالمصحف، وفي التراجم يأتون بلفظ المصحف، وإلا فالحديث جاء بالقرآن أنه لا يسافر به إلى أرض العدو؛ لأن المصحف إنما وجد في زمن عثمان، وقبل ذلك ما كان يوجد مصحف، وقبل زمن أبي بكر ما كان مجموعاً، ولكنه جمع مرتين، مرة في عهد أبي بكر في صحف، فجمع كل شيء يتعلق بالقرآن في عهده. وفي زمن عثمان ﵁ جمع الناس على مصحف واحد، وأحرق ما سوى ذلك حتى لا يختلفوا، وكان على حرف واحد وعلى لغة واحدة، ولم يكن على الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، لأن القرآن أول ما نزل نزل على سبعة أحرف للتخفيف والتسهيل على الناس؛ لأن العرب كانوا متفرقين ومتنابذين، وكان كل لا يعرف لغة الآخر، ولما جاء الإسلام جمع بينهم، ووحد بينهم، واختلطوا وصار كل يعرف لغة الآخرين، فعند ذلك لم يكن هناك حاجة إلى الاستمرار، فرأى عثمان ﵁ -والصحابة أقروه على ذلك- أن يجمع الناس على حرف واحد، وهذا الحرف الواحد الذي هو لغة واحدة يشمل القراءات. الأحرف غير القراءات، فالأحرف لغات، والقراءات هي إما نقط أو شكل أو زيادة حرف مثل: يعملون وتعملون، ومثل عجبتَ وعجبتُ في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] يعني: في الشكل، وقد يكون بزيادة حرف مثل الكتاب والكتب كما في قول الله : ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم:١٢] قراءة حفص عن عاصم بالقراءة المشهورة التي بين أيدينا وهي: كتبه، وقراءة جمهور القراء: (كتابه) فصارت القراءتان موجودتين، ورسم المصحف بتحمل القراءات، ولهذا فرسم المصحف له هيئة خاصة لا يجوز أن تحول إلى الحروف الإملائية التي اعتادها الناس؛ لأن رسمه يستوعب القراءات، مثل (كتابه) رسمها لا تكون الألف فيه مرسومة بعد الباء، وإنما تكون التاء متصلة بالباء، وعند قراءة (كتابه) تكون الكاف مكسورة والتاء مفتوحة، وتوجد ألف قصيرة فوقها إشارة إلى المد، والباء مكسورة، وعلى قراءة (كتبه) تكون الكاف والتاء مضمومة، والباء مكسورة، والرسم يستوعب قراءته، لكن لو جاء لفظ (كتابه) بالألف فإنه لا يستوعب قراءة (كتبه) فجاء الرسم مستوعباً القراءات. إذاً: الأحرف غير القراءات، وابن القيم ﵀ له في كتاب: إعلام الواقعين كلام في مسألة سد الذرائع، أورد فيها تسعة وتسعين دليلاً من أدلة سد الذرائع ختمها بالدليل التاسع والتسعين، وهو جمع عثمان ﵁ القرآن على حرف واحد، سداً لذريعة الاختلاف بين الناس. فإذاً: كلمة المصحف تأتي في التراجم والأبواب، لأن هذا هو الأمر الذي استقر عليه، مثلما جاء في حديث (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) فهذا هو الحديث الثابت الذي في الصحيحين وفي غيرهما، ولا يوجد (ما بين قبري ومنبري)، ولكن في التراجم لما صار الواقع خلاف ما في الحديث، فهدم بيت النبي ﷺ ووسع المسجد ترجم العلماء على ذلك، ولهذا ترجم الإمام البخاري ترجمة فقال: فضل ما بين القبر والمنبر وأتى بحديث: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة). فإذاً: كان المؤلفون يذكرون الشيء بعدما وجد، وأما قبل أن يوجد فإنه لا يعرف، وإنما يؤتي بلفظ القرآن كما في الحديث بلفظ البيت، فنهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، ولم يقل المصحف؛ لأن المصحف ما وجد إلا متأخراً، وكذلك أيضاً قوله: (ما بين بيتي ومنبري) فهذا قول الرسول ﷺ ولكن جاءت الترجمة بلفظ: باب فضل ما بين القبر والمنبر. قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر]. وقد مر ذكرهم جميعاً إلا ابن عمر وهو: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8620

الأسئلة

стр. 8621

رواية لفظ المصحف قبل أن يجمع السؤال الشيخ الألباني ﵀ صحح حديثاً في المجلد الخامس من السلسلة الصحيحة بلفظ: (من سره أن ينظر الله إليه فليقرأ في المصحف) فجاء لفظ المصحف قبل أن يجمع؟ الجواب الذي يبدو والله أعلم أن الرواية رواها الراوي بالمعنى، أو أن المقصود به الشيء المكتوب الذي في أيدي الناس، وإلا فإن المصحف الذي استقر عليه الأمر بعدما جمعه عثمان إنما وجد في زمن عثمان، فيمكن أن تكون الرواية رويت بالمعنى، أو أن المقصود منه الصحيفة التي فيها القرآن، وهذا هو الموجود في زمنه ﷺ ، فقد كان يكتب القرآن في صحف أو في ألواح.

стр. 8622

شرح سنن أبي داود [٣٠٩] ذكر النبي ﷺ آداباً وأحكاماً مهمة عند الغزو والجهاد في سبيل الله، وهذه الآداب فيها تعليم لنا في كيفية التعامل مع المدعوين من المشركين وأهل الكتاب، وما هي الخصال التي لابد من البدء بها قبل الملحمة واستعار الحرب، ومن يقتل منهم ومن لا يقتل، وما يفعل معهم إذا حوصروا فطلبوا من الأمير أن ينزلهم على حكم الله وغير ذلك من الأحكام المهمة كحكم تحريق الأشجار ونحوها للمصلحة، وبث العيون لمعرفة أخبار العدو والاستعداد له.

стр. 8623

ما جاء فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا

стр. 8624

شرح حديث (خير الصحابة أربعة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا. حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة حدثنا وهب بن جرير حدثنا أبي قال: سمعت يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة) قال أبو داود: والصحيح أنه مرسل]. أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي باب فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا. يعني: من حيث العدد، فأورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال (خير الصحابة أربعة) الصحابة: الرفقاء؛ لأن الصحبة بمعنى الرفقة، فهذا هو المطابق للترجمة، فالرفقاء المقصود بهم الصحابة الذين هم أربعة أشخاص. وذكر هنا الأربعة مع أنه قد مر في الأحاديث أن أقل الجمع في السفر ثلاثة، وأن الثلاثة ركب، وأنهم يؤمرون واحداً منهم إذا كانوا ثلاثة فأكثر، ولكن هنا ذكر أن خير الرفقاء أربعة، فمعناه: لا يقلون عن أربعة، فلو كانوا خمسة أو ستة فلا بأس بذلك، لكن كونهم ينقصون عن هذا العدد فلا يوصفون بالخيرية، ولعل ذلك أن الأربعة إذا كانوا مع بعض يمكن أن ينفرد كل واحد مع الثاني فيتحدثان، بخلاف ما لو كانوا ثلاثة، فإنه إذا تناجى اثنان دون الثالث فإنه يؤلمه ويحصل له تأثر، وأما إذا كانوا أربعة فلا يوجد إشكال، لكن إذا كانوا ثلاثة فلابد أن يتحدثوا كلهم مع بعض، ولا يتناجى اثنان دون الثالث فإنه قد جاء ما يدل على منعه؛ لأن ذلك يؤلمه ويغضبه. ثم أيضاً لو أرادوا أن يقتسموا المهمة بحيث يتعاونون مع بعض، وكل يوكل له مهمة فيكون اثنان مع بعض واثنان مع بعض، بخلاف الثلاثة فإنه لا تكون القسمة متساوية. قوله: [(وخير السرايا أربعمائة)]. يعني: يكون عددهم أربعمائة، لا يقلون عن ذلك، مع أن السرية يمكن أن تكون أقل من أربعمائة، ولكن لا تكون خيرة حتى يكون عددها أربعمائة، ولا أدري ما وجه اختيار هذا العدد؟! وقيل: لعل ذلك أن أهل بدر كانوا فوق الثلاثمائة، فيكون الكسر مجبوراً على اعتبار أن هذا العدد خرج فيه رسول الله ﷺ وهم فوق الثلاثمائة، ولكنهم ما بلغوا الأربعمائة فيكون هناك جبر للكسر. على كل: الله تعالى أعلم بوجه اختيار هذا العدد، وكونه خير السرايا. والسرية: هي القطعة التي تقتطع من الجيش وترسل في مهمة، ثم تعود إلى الجيش، والجيش عدده كبير فالإمام أو الأمير يختار سرية يسند إليها مهمة تذهب بها، ثم ترجع إلى الجيش الذي هو أصلها. قال: [(وخير الجيوش أربعة آلاف)]. قوله: (ولن يغلب اثنا عشر ألفاً من قلة) يعني: كون الغلبة سببها القلة، ولكن قد تكون الغلبة في غير القلة بأن يكون هناك عجب وأمور أخرى يحصل بها الانهزام أو عدم الغلبة، فليس المقصود أنه لا تحصل الصفات الذميمة والأشياء التي قد تكون سبباً في الهزيمة، وإنما المسألة هي مسألة قلة فقط، فالرسول ﷺ يقول: (لن يغلب اثنا عشر ألف من قلة).

стр. 8625

تراجم رجال إسناد حديث (خير الصحابة أربعة) قوله: [حدثنا زهير بن حرب أبو خيثمة]. زهير بن حرب أبو خيثمة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [حدثنا وهب بن جرير]. وهو وهب بن جرير بن حازم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبي]. جرير بن حازم، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: سمعت يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله]. يونس والزهري مر ذكرهما وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين. [عن ابن عباس]. عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . ثم قال أبو داود: والصحيح أنه مرسل، والشيخ الألباني صححه وهو مرفوع، ولعله جاء من طرق أخرى مرسلة أي: أن الطريقة المتصلة هي المعتبرة.

стр. 8626

ما جاء في دعاء المشركين

стр. 8627

شرح حديث (كان رسول الله إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في دعاء المشركين. حدثنا محمد بن سليمان الأنباري حدثنا وكيع عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيراً، وقال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال أو خلال، فأيتها أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم. ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين؛ يجرى عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم. فإن أبوا فاستعن بالله تعالى وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله تعالى فلا تنزلهم، فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم). قال سفيان بن عيينة: قال علقمة: فذكرت هذا الحديث لـ مقاتل بن حيان فقال: حدثني مسلم -قال أبو داود: هو ابن هيصم - عن النعمان بن مقرن ﵁ عن النبي ﷺ مثل حديث سليمان بن بريدة]. أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في دعاء المشركين. يعني: دعوتهم إلى الإسلام، فالدعاء بمعنى الدعوة، وذلك كونهم يدعون إلى الإسلام أولاً، والكفار إذا بلغتهم الدعوة فلا تجب دعوتهم عند القتال، وإنما يستحب ذلك، وأما إذا لم تبلغهم فيجب أن يدعوا وأن تبلغ الدعوة إليهم. وأورد أبو داود حديث بريدة بن الحصيب ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا أمر أميراً أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه وبمن معه من المسلمين خيراً) فالرسول ﷺ كان إذا أرسل الأمراء على الجيوش يوصي الأمير بأمرين: أولاً: أن يتقي الله في جميع شئونه. ثانياً: يوصيه بمن معه من المسلمين خيراً، يعني: أصحابه الذين هو أمير عليهم يوصيه بهم خيراً. وهذا فيه بيان ما يتعلق بصلة الإنسان بربه وصلته بغيره، وهو يشبه ما جاء في حديث معاذ الذي قال فيه: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) فأوصاه بتقوى الله في معاملته لربه، ومعاملته للناس بأن يخالقهم بخلق حسن، وهنا في الحديث أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وأوصاه بمن معه من المسلمين خيراً، يعني: أنه يرفق بهم ويعاملهم المعاملة اللائقة بهم، ولا يسيء إليهم، بل يحسن إليهم. قوله: [(قال: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث)]. يقول للأمير الذي يؤمره بعدما يوصيه بالوصيتين: المتعلقة بنفسه والمتعلقة بأصحابه، يقول: (إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال) وهذا شك من الراوي، فخصلة أو خلة معناهما واحد، والشك من الراوي هل قال: (خصال) أو قال: (خلال). الأولى: أن يدعوهم إلى الإسلام. والثانية: إلى إعطاء الجزية. والثالثة: أن يستعين بالله ويقاتلهم. فهذه هي الخصال الثلاث التي أرشد إليها رسول الله ﷺ ، ثم إن الأولى فيها تفصيل. قوله: [(فأيتها ما أجابوك إليها فاقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين)]. يعني: إذا استجابوا وأسلموا يدعون للتحول إلى دار المهاجرين، بمعنى: أنهم يأتون إلى الرسول ﷺ في المدينة، ويكونون مستعدين للجهاد معه، ويكون لهم ما للمهاجرين، وإن أبوا وأرادوا أن يبقوا في دارهم فيكونوا كأعراب المسلمين الذين يبقون في الفلاة، وليس لهم من الغنيمة والفيء إلا أن يجهزوا أنفسهم للجهاد، ومن احتيج إليه في الجهاد من الأعراب وجاء من هذه الدار التي لم يحصل فيها هجرة إلى الرسول ﷺ فإنه يعطى نصيبه من الغنيمة إذا حضر الغزوة والجهاد، فإن لم يحضر فإنه لا يكون له شيء، وإنما يكون له من ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين، لكن من جاء من البادية وحضر الجهاد فإنه يكون له نصيب؛ لأنه قد حضر، لكن كونه يجري له ما يجري للمهاجرين، وحكمه حكم المهاجرين الذين تركوا أوطانهم وجاءوا لنصرة الرسول ﷺ فلا يكون له ذلك. قوله: [(ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين وأن عليهم ما على المهاجرين)]. يعني: لهم ما للمهاجرين من الحقوق، وعليهم ما على المهاجرين من الواجبات. قوله: [(فإن أبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين: يجرى عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا مع المسلمين)]. يعني: إذا أرادوا أن يبقوا في دارهم، ولا توجد ضرورة تدعو إلى هجرتهم ومجيئهم فإنهم يكونون كالأعراب الذين يكونون في فلاتهم مع مواشيهم ودوابهم يقومون برعايتها ومتابعتها، فتجري عليهم أحكام الإسلام، وليس لهم في الغنيمة والفيء أي شيء، إلا من حضر منهم الغزو فإنه يكون له نصيب من الغنائم بحضوره الغزو ومشاركته، لكن لا يقال إنهم في حكم المهاجرين الذين تركوا بلادهم، وصاروا في مدينة الرسول ﷺ معه ينصرونه ويؤيدونه، وتحت إمرته، وتحت توجيهه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. قوله: [(فإن هم أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية)]. يعني: أبوا أن يسلموا وأن يدخلوا في الإسلام؛ لأن الكلام الذي مر هو مع أناس دخلوا في الإسلام. والدعوة إلى إعطاء الجزية يعني: أن يعطوا الجزية حيث بقوا على كفرهم، ولكن المسلمين استولوا عليهم، فإنهم يعطون الجزية لأنهم يكونون تحت ولاية المسلمين، فيكونون خاضعين لحكم المسلمين وهم باقون على ما هم عليه، فوجودهم بين المسلمين وتحت حكم المسلمين يكون من أسباب دخولهم في الإسلام، وكون المسلمين يحكمونهم وهم يشاهدون أحكام الإسلام وأعمال المسلمين الحسنة والأمور العظيمة التي جاء بها الإسلام، فإنه يكون سبباً في إسلامهم. والحديث يدل على أخذ الجزية من كل شخص سواء كانوا من مشركي العرب أو من أهل الكتاب، وبعض أهل العلم يقصرها على أهل الكتاب؛ لأنه قال في آية التوبة: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩] ولكن هذا الحديث يدل على أن الحكم عام وشامل، فأهل الكتاب جاء الحكم فيهم في القرآن، وهذا الحديث يشمل أهل الكتاب وغير أهل الكتاب، فتؤخذ الجزية من العرب وغير العرب. قوله: [(فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم)]. لأنه إذا قبل منهم الجزية، وكف عنهم، ودخلوا تحت حكم الإسلام وصاروا بين المسلمين، فإن ذلك يكون سبباً في دخولهم الإسلام، وهذا هو المهم في الأمر في الجهاد في سبيل الله؛ لأن المقصود من ذلك أن تكون كلمة الله هي العليا، وكون المسلمين لهم الحكم والولاية في الأرض، والكفار يكونون تحت لوائهم، فيكون ذلك سبباً في دخولهم في الإسلام. قوله: [(فإن أبوا فاستعن بالله تعالى وقاتلهم)]. فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم يعني: هذه الخصلة الثالثة التي هي الأخيرة، استعن بالله وقاتلهم؛ لأنهم ما دخلوا في الإسلام، ولا أعطوا الجزية، وإنما كابروا وعاندوا. قوله: [(وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوكم أن تنزلوهم على حكم الله تعالى فلا تنزلوهم، فإنكم لا تدرون ما يحكم الله فيهم)]. يقول الرسول ﷺ للأمير: إذا حاصرت أهل حصن يعني: جماعة متحصنين في مكان معين، وأرادوا أن ينزلوا على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله؛ لأنك لا تدري هل أصبت حكم الله أو لا، لكن أنزلهم على حكمك، أو حكم أصحابك، أو حكم الأمير، أو حكم واحد ممن مع الأمير؛ لأن المجتهد قد يصيب الحق وقد يخطئه، قد يصيب حكم الله وقد يخطئه، والنبي ﷺ قال في الحديث الآخر المتفق على صحته: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد) وهذا يدل على أن الحق واحد قد يصيبه بعض المجتهدين ويخطئه البعض، فمن اجتهد وأصاب حصل على أجرين: أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، وإن اجتهد وأخطأ حصل أجراً على الاجتهاد، وخطؤه مغفور. فلا ينزلونهم على حكم الله لأنه قد لا يكون حكم الله واضحاً فيحتاج الأمر إلى اجتهاد، ومعلوم أنهم كانوا يجتهدون في زمن الرسول ﷺ مثلما حصل في قصة الذهاب إلى بني قريظة حيث قال لهم ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة)، فذهبوا، ولما دنا وقت غروب الشمس انقسموا إلى قسمين: منهم من قال: نستمر في المشي حتى ولو غربت الشمس، ومنهم من قال: نصلي الصلاة في وقتها ولا نؤخرها، والرسول ﷺ ما أراد أن تؤخر الصلاة عن وقتها. فهذا الاجتهاد حصل في زمن النبوة، فقال: فلا تنزلهم على حكم الله؛ لأنك لا تدري هل تصيب حكم الله أو لا، ولكن أنزلهم على حكمك أنت، فتجتهد في البحث عن حكم الله وفي الوصول إلى حكم الله، فقد تصيبه وقد لا تصيبه.

стр. 8628

تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله إذا بعث أميراً على سرية أو جيش أوصاه بتقوى الله) قوله: [حدثنا محمد بن سليمان الأنباري]. محمد بن سليمان الأنباري، صدوق أخرج له أبو داود. [حدثنا وكيع]. وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سفيان]. سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن علقمة بن مرثد]. علقمة بن مرثد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سليمان بن بريدة]. سليمان بن بريدة، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن أبيه]. بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [قال سفيان بن عيينة]. سفيان بن عيينة، هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال علقمة: فذكرت هذا الحديث لـ مقاتل بن حيان]. مقاتل بن حيان، صدوق، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [فقال: حدثني مسلم -قال أبو داود: هو ابن هيصم -]. مسلم بن هيصم، وهو مقبول، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن النعمان بن مقرن]. النعمان بن مقرن ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8629

شرح حديث (اغزوا باسم الله وفي سبيل الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو صالح الأنطاكي محبوب بن موسى أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا، ولا تغُّلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً)]. أورد أبو داود حديث بريدة بن الحصيب، وفيه وصية الرسول ﷺ للجيوش التي كان يرسلها قال: (اغزوا باسم الله) يعني: مستعينين بالله معتمدين على الله. فقوله: [(وفي سبيل الله)]. أي: حتى يكون الغزو في سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله . قوله: [(وقاتلوا من كفر الله اغزوا ولا تغدروا)]. الغدر: هو الغدر بالعهد، وهو كونهم يعاهدون ثم يغدرون في عهدهم، فلابد أن يوفوا بالعهود لغيرهم إذا عاهدوهم. [(ولا تغلوا)]. الغلول: الأخذ من الغنيمة بدون حق، وهذه خيانة. قوله: [(ولا تمثلوا)]. يعني: إذا قتلتم أحداً فلا تمثلوا به فتقطعوا أنفه أو تقطعوا شيئاً منه فيكون مشوهاً، لكن اقتلوه بدون تمثيل. قوله: [(ولا تقتلوا وليداً)]. يعني: الصغير الذي لا يقاتل، ولكنه إذا كان من أهل القتال فإنه يقتل لمقاتلته.

стр. 8630

تراجم رجال إسناد حديث (اغزوا باسم الله وفي سبيل الله) قوله: [حدثنا أبو صالح الأنطاكي محبوب بن موسى]. أبو صالح الأنطاكي محبوب بن موسى، هو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي. [أخبرنا أبو إسحاق الفزاري]. وهو: إبراهيم بن محمد بن الحارث، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سفيان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه]. وقد مر ذكرهم جميعاً في الإسناد السابق.

стр. 8631

شرح حديث (انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا يحيى بن آدم وعبيد الله بن موسى عن حسن بن صالح عن خالد بن الفزر قال: حدثني أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا صغيراً، ولا امرأةً، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)]. أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁. قوله: [(انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله)]. يعني: الذين يخرجون للجهاد في سبيل الله فقوله: (انطلقوا باسم الله وبالله) يعني: معتمدين على الله متوكلين عليه مستعينين به، (وعلى ملة رسول الله) يعني: على سنته وطريقته ومنهجه ودينه. قوله: [(ولا تقتلوا شيخاً فانياً)]. يعني: ليس من أهل القتال، إلا إن كان ذا رأي وخبرة في الحرب بحيث يستفيدون منه فيقتل وإن كان كبيراً للتخلص من شره. قوله: [(ولا طفلاً ولا صغيراً)]. في بعض الروايات: (طفلاً صغيراً) ويمكن أن يكون الطفل صغيراً جداً كالرضيع والذي حوله، والصغير: هو الذي لم يبلغ الحلم، ولكن الحكم كما مر أن الوليد الذي لا يقتل هو الذي لا يقاتل، أما من يكون من المقاتلة ولو لم يبلغ فهو يقتل لقتاله. قوله: [(ولا امرأة)]. المرأة كذلك لا تقتل إلا أن تكون من المقاتلة فإنها تقتل. قوله: [(ولا تغلوا، وضموا غنائمكم)]. يعني: اجمعوها وضموا بعضها إلى بعض، حتى لا يؤخذ منها من غير حق. قوله: [(وأصلحوا وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)]. وهذه الجملة الأخيرة آية، وهذا يسمونه في علم البلاغة: الاقتباس، وهو أن يأتي بالكلام ثم يتبعه بآية أو جزء منها أو بحديث دون أن يقول فيه: قال الله أو قال رسوله ﷺ ، فهذا اسمه في علم البلاغة الاقتباس، فيأتي بشيء من كلام الله أو كلام رسوله ﵌ متصلاً بالكلام دون إضافته إلى الله وإلى الرسول ﷺ . والحديث ضعيف، فيه خالد بن الفزر، ولكن له شواهد في أحاديث أخرى مثل النهي عن الغلول وغيره.

стр. 8632

تراجم رجال إسناد حديث (انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله) قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، إلا الترمذي والنسائي فقد أخرج له في أعمال اليوم والليلة. [حدثنا يحيى بن آدم]. يحيى بن آدم الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [وعبيد الله بن موسى]. عبيد الله بن موسى، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن حسن بن صالح]. حسن بن صالح بن حي، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن خالد بن الفزر]. خالد بن الفزر، وهو مقبول، أخرج له أبو داود. [عن أنس بن مالك]. أنس بن مالك ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8633

ما جاء في الحرق في بلاد العدو

стр. 8634

شرح حديث (أن رسول الله حرق نخل بني النضير) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الحرق في بلاد العدو. حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن نافع عن ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة؛ فأنزل الله : ((مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا)) [الحشر:٥]). يقول أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب في الحرق في بلاد العدو. المقصود من ذلك التحريق في بلاد العدو إذا كان في ذلك مصلحة كأن يكون فيه إضعاف لقوتهم، ويشبه هذا ما سبق أن مر في قضية جعفر بن أبي طالب الذي عقر جواده حتى لا يستفيد منه العدو. وقد أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حرق رسول الله ﷺ نخل بني النضير وقطع وهي البويرة، والبويرة: مكان النخل، فأنزل الله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر:٥] وهذا يدل على ما ترجم له المصنف من التحريق، لكن حيث تكون المصلحة في ذلك. وقوله تعالى: ((مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ)) يعني: نخلة ((أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا)) يعني: من غير قطع ((فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ)). فهذا فيه إقرار، أي: أن الذي حصل إنما هو بإذن الله، وكما هو معلوم أن قوله: (بإذن الله) إذا أريد به الإذن الشرعي فيكون الإذن موجوداً من قبل. وإن كان المراد الإذن الكوني فمعناه أنه مقدر، وكل ما يحصل ويحدث هو بقضاء الله وقدره.

стр. 8635

تراجم رجال إسناد حديث (أن رسول الله حرق نخل بني النضير) قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد]. قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الليث]. الليث بن سعد المصري، ثقة فقيه أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن نافع]. نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عمر]. ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وهذا الإسناد من أعلى الأسانيد عند أبي داود؛ لأنه رباعي، بين أبي داود وبين رسول الله ﷺ أربعة أشخاص: قتيبة والليث ونافع وابن عمر.

стр. 8636

شرح حديث (أغر على (أبنى) صباحاً وحرق) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هناد بن السري عن ابن المبارك عن صالح بن أبي الأخضر عن الزهري قال عروة: فحدثني أسامة ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان عهد إليه فقال: أغر على (أبنى) صباحاً وحرق)]. أورد أبو داود حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال له: (أغر على أبنى صباحاً وحرق) وأبنى: موضع في فلسطين يقال له (أُبنى) ويقال له (يُبنى) أطلق عليه فيما بعد: (يبنان) فهو قيل له: أُبنى بالهمزة، ثم قيل له: يُبنى بياء بدل الهمزة، وهذا فيه قضية التحريق، وفيه أن الإغارة تكون في الصباح.

стр. 8637

تراجم رجال إسناد حديث (أغر على (أُبنى) صباحاً وحرق) قوله: [حدثنا هناد بن السري]. هناد بن السري أبو السري، ثقة أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن. [عن ابن المبارك]. عبد الله بن المبارك المروزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن صالح بن أبي الأخضر]. صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف يعتبر به، أخرج له أصحاب السنن. [عن الزهري]. وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال عروة]. عروة بن الزبير بن العوام، ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [فحدثني أسامة]. أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، صاحب رسول الله ﷺ ، وحبه وابن حبه رضي الله تعالى عنهما، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. والحديث ضعفه الألباني، ولعله من أجل صالح بن أبي الأخضر.

стр. 8638

شرح أثر أبي مسهر في معنى (أبنى) وتراجم رجال إسناده قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن عمرو الغزي قال: سمعت أبا مسهر قيل له: أُبْنَى قال: نحن أعلم، هي يُبْنى فلسطين]. ذكر أبو داود هذا الأثر عن أبي مسهر، وهو: عبد الأعلى بن مسهر قال: أنا أعلم بهذا الخبر، هي يبنى فلسطين، يعني: بدل الهمزة ياء، ولعل ذلك أنها كانت يطلق عليها: أُبنى ثم أطلق عليها: يبنى، أي: أبدل حرف بحرف. وهذا يقال له مقطوع؛ لأن المتن الذي ينتهي إلى من دون الصحابي سواء كان تابعياً أو تابع تابعي أو من دونه فإنه يقال له مقطوع. قوله: [حدثنا عبد الله بن عمرو الغزي]. عبد الله بن محمد بن عمرو الغزي، نسبه إلى جده، وهو ثقة، أخرج له أبو داود. [قال: سمعت أبا مسهر]. وهو عبد الأعلى بن مسهر أبو مسهر، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. وقوله: (نحن أعلم) أي: أنه يمكن أنه أعلم بالاسم، لأن الخلاف هو في قضية الاسم هل هو بالياء أو بالهمزة؟ وعلى كل: هي كلها بلاد شامية، فبلاد الشام هي: فلسطين والأردن وسوريا ولبنان، فهذه الدول كانت كلها منطقة واحدة يقال لها: بلاد الشام.

стр. 8639

ما جاء في بث العيون

стр. 8640

شرح حديث (بعث بسيسة عيناً ينظر ما صنعت عير أبي سفيان) قال المصنف رحمه الله تعالى [باب في بعث العيون. حدثنا هارون بن عبد الله حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا سليمان -يعني: ابن المغيرة - عن ثابت عن أنس ﵁ قال: (بعث -يعني النبي ﷺ بسيسة عيناً ينظر ما صنعت عير أبي سفيان)]. أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في بعث العيون، والمقصود بالعيون الجواسيس الذين يذهبون ليأخذوا الخبر عن الأعداء، فالجاسوس يطلق عليه عين لأنه يذهب ويرى الأشياء بعينه، فيخبر عن الشيء الذي رآه وشاهده. فالرسول ﷺ كان يبعث من يأتي بالخبر، ومن يتعرف على أخبار العدو حتى يكون على علم باستعدادهم، وعلى ما عندهم من عدد، فالمقصود من الترجمة أن العيون تبعث من أجل الإتيان بالأخبار؛ حتى يبنى على الخبر الذي تأتي به العين استعداد أكثر أو عمل احتياطات لازمة من جهة إقدام أو إحجام أو ما إلى ذلك. أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ بعث بسيسة عيناً ينظر ماذا صنعت عير أبي سفيان، يعني: يأتي بخبر هذه العير التي كان عليها أبو سفيان، فهذا يدل على بعث العيون والجواسيس للإتيان بأخبار الأعداء، والتعرف على ما عند الأعداء من قوة واستعداد. ثم هذا من الأشياء التي استدلوا بها على سفر الواحد للحاجة، وقد جاء في أحاديث ما يدل على منع الإنسان أن يسافر وحده، وقد مر بنا الحديث الذي فيه: (الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب) ولكنه إذا حصل أمر يقتضيه فيمكن أن يسافر الشخص وحده، كما كان النبي ﷺ يرسل العيون ويرسل الشخص الواحد للقيام بهذه المهمة.

стр. 8641

تراجم رجال إسناد حديث (بعث بسيسة عيناً ينظر ما صنعت عير أبي سفيان) قوله: [حدثنا هارون بن عبد الله]. هارون بن عبد الله الحمال البغدادي، ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [حدثنا هاشم بن القاسم]. هاشم بن القاسم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سليمان يعني: ابن المغيرة]. سليمان بن المغيرة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ثابت]. ثابت بن أسلم البناني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. أنس بن مالك ﵁، صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8642

شرح سنن أبي داود [٣١٠] رخص الشرع لابن السبيل إذا كان محتاجاً أن يحلب من الماشية التي يلقاها في طريقه فيشرب من لبنها، لكن لا يحمل معه شيئاً، وكذلك للمحتاج أن يأكل من ثمر البستان دون أن يدخر، وفي الأحاديث ذكر ضوابط ذلك وآدابه.

стр. 8643

ما جاء في ابن السبيل يأكل من التمر ويشرب من اللبن إذا مر به

стр. 8644

شرح حديث (إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في ابن السبيل يأكل من التمر ويشرب من اللبن إذا مر به. حدثنا عياش بن الوليد الرقام حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: (إذا أتى أحدكم على ماشية: فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحتلب وليشرب، فإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثاً، فإن أجابه فليستأذنه وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل)]. أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في ابن السبيل يأكل من التمر ويشرب من اللبن إذا مر به. يعني: إذا مر بالتمر وبالمواشي التي فيها لبن، وذكره المصنف هنا في كتاب الجهاد مثلما ذكر الأحاديث والأبواب التي سبق أن تقدمت في آداب المسافر مثل: ماذا يقول عند الركوب. وابن السبيل هو المسافر الذي تنتهي نفقته، ولا يكون معه نفقة، ويكون بحاجة إلى أن يأكل أو يشرب، فأورد أبو داود هذا الباب في كتاب الجهاد لكون المجاهد من جملة المسافرين الذين قد يمرون بماشية فيحتاجون إلى شرب شيء من لبنها أو يحتاجون لشيء من الثمر. والمأذون في ذلك أنه يستأذن صاحب المحل إذا وجده، فإن لم يجده فإنه يأكل دون أن يحمل، يعني: لا يتزود شيئاً يحمله معه، وإنما يقضي حاجته بأكله فقط، أما كونه يجذ ويأخذ شيئاً يقتاته في سفره فهذا لا يجوز، والمقصود الأكل عند الحاجة. أورد أبو داود حديث سمرة بن جندب ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه). يعني: يطلب منه أن يسقيه من ألبان هذه الماشية، وإن لم يكن موجوداً فليناد ثلاثاً، فإن أجابه استأذنه، وإلا شرب ولم يحمل شيئاً، وإنما يصوت ثلاثاً لأنه قد يكون هذا الشخص في مكان مختف لا يراه، إما وراء شجرة أو بين بعض الغنم إذا كانت الغنم متفرقة أو مجتمعاً بعضها مع بعض، فقد يكون مضطجعاً بين بعضها، فيصوت وينادي ثلاث مرات حتى يعرف صاحبها إذا كان موجوداً معها فيستأذنه، وإن لم يجد أحداً وهو بحاجة فإنه يشرب ولكن لا يحمل معه شيئاً، بمعنى أنه لا يحلب في سقاء ويحمل في هذا السقاء، فليس له أن يأخذ شيئاً في السقاء، ولكنه يشرب ويقضي حاجته من الشرب دون أن يتزود بشيء، وهذا خاص بالمسافر. وكذلك لو جاء إلى بستان ووجد صاحبه فيه استأذنه، فإذا لم يجده فيه دخل وأكل وخرج، فقد ورد ما يدل على جواز ذلك عند الحاجة ولو كان في الحضر، أي: في أطراف البلد.

стр. 8645

تراجم رجال إسناد حديث (إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه) قوله: [حدثنا عياش بن الوليد الرقام]. عياش بن الوليد الرقام، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي. [حدثنا عبد الأعلى]. عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سعيد]. هو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. وهو ابن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الحسن]. الحسن بن أبي الحسن البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سمرة بن جندب]. رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. والحديث من رواية الحسن عن سمرة، ومعروف الكلام الذي في رواية الحسن عن سمرة، فمن العلماء من قال: إنها تقبل مطلقاً، ومنهم من قال: لا تقبل مطلقاً، ومنهم من قال: يقبل حديثه في العقيقة ولا يقبل في غيره، ولكن غيره إذا جاءت له شواهد فإنه يعتبر به ويقبل لشواهده، والألباني صحح هذا الحديث، ولعل ذلك لوجود الشواهد.

стр. 8646

الفرق بين الاضطرار والحاجة وليس الأمر متعلقاً بالمضطر الذي لا يجد طعاماً ويخاف على نفسه التلف، بل الذي يبدو أن الأمر أوسع من هذا، فالمضطر كما هو معلوم له أن يأكل الميتة، ولكن الكلام هنا عن الذي هو بحاجة ولو لم يكن مضطراً، فهذا أوسع من الاضطرار. فالمضطر كما هو معلوم لا يكون له إلا الموت أمامه، وأما صاحب الحاجة فهو من إن أمكنه أن يشتري منه فذاك أو يطلب منه فذاك وإلا تجاوزه وبحث عن غيره، أما المضطر فله أن يأكل، ولكنه إذا كان عنده شيء فيدفع له القيمة، أو يجعله في ذمته إذا لم يسمح له. على كل: إن كان الشخص قد سرقت نفقته، أو كانت قيمة النفقة غير موجودة معه، ويعلم أن المسافة طويلة بينه وبين المكان المقصود، فهو إن أخذه بقيمته فيعتبره شيئاً واجباً في ذمته لهذا الشخص صاحب هذا البستان.

стр. 8647

شرح حديث (ما علمت إذ كان جاهلاً ولا أطعمت إذ كان جائعاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن أبي بشر عن عباد بن شرحبيل ﵁ قال: (أصابتني سنة فدخلت حائطاً من حيطان المدينة ففركت سنبلاً، فأكلت وحملت في ثوبي، فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فقال له: ما علَّمت إذ كان جاهلاً، ولا أطعمت إذ كان جائعاً -أو قال: ساغباً- وأمره فرد علي ثوبي وأعطاني وسقاً أو نصف وسق من طعام)]. أورد أبو داود حديث عباد بن شرحبيل ﵁ قال: أصابتني سنة، يعني: فاقة، أي: سنة فيها جدب وقحط. قوله: [(فدخلت حائطاً من حيطان المدينة ففركت سنبلاً)]. السنبل: الرزع، وفركه: أخرج الحب من قشره وأكله. قوله: [(فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي)]. يعني: جاء صاحب الزرع فضربه وأخذ ثوبه الذي كان فيه هذا الحب عقاباً له، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (ما علمت إذ كان جاهلاً) يعني: بدلاً من أن تعاقبه بهذه العقوبة تنبهه وتعذره لجهله، أو تطالبه بالشيء الذي لا توافق له عليه. (ولا أطعمت إذ كان جائعاً أو قال: ساغباً). والساغب بمعنى الجائع؛ لأن المسغبة هي الجوع، ومعناه: أنك تحسن إليه وتعلمه لجهله، ثم إنه أمره برد ثوبه الذي أخذه منه. قوله: [(وأعطاني وسقاً أو نصف وسق من طعام)]. يعني: أعطاه الرسول ﷺ لحاجته وسقاً أو نصف وسق من طعام، يعني: إما هذا وإما هذا -شك الراوي- وهذا لا يدل على أن الإنسان يتخذ شيئاً، لكن ينبغي أن يعذر الإنسان الجاهل، وإذا كان الإنسان لم يسمح بهذا الذي أخذه وحمله معه فيطالبه بقيمته أو يسترجعه، ولكن لا يأخذ زيادة على حقه كالثوب.

стр. 8648

تراجم رجال إسناد حديث (ما علمت إذ كان جاهلاً ولا أطعمت إذ كان جائعاً) قوله: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري]. عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري، ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا أبي]. معاذ بن معاذ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة]. شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بشر]. وهو جعفر بن إياس المشهور بـ ابن أبي وحشية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عباد بن شرحبيل]. عباد بن شرحبيل ﵁، وحديثه أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة.

стр. 8649

إسناد حديث (ما علمت إذ كان جاهلاً ولا أطعمت إذ كان جائعاً) من طريق أخرى وتراجم رجاله قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي بشر قال: سمعت عباد بن شرحبيل ﵁ رجلاً منا من بني غبر، بمعناه]. أورد الحديث من طريق أخرى، وهو بمعنى الحديث الأول. قوله: [حدثني محمد بن بشار]. محمد بن بشار هو الملقب: بندار البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا محمد بن جعفر]. محمد بن جعفر الملقب غندر البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. وقد مر ذكره. [عن أبي بشر عن عباد]. أبو بشر وعباد قد مر ذكرهم. قوله: [رجلاً منا من بني غبر]. هذه زيادة تعريف له.

стр. 8650

من قال إنه يأكل مما سقط
следующие страницы →