← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

الفرق بين الاضطرار والحاجة وليس الأمر متعلقاً بالمضطر الذي لا يجد طعاماً ويخاف على نفسه التلف، بل الذي يبدو أن الأمر أوسع من هذا، فالمضطر كما هو معلوم له أن يأكل الميتة، ولكن الكلام هنا عن الذي هو بحاجة ولو لم يكن مضطراً، فهذا أوسع من الاضطرار. فالمضطر كما هو معلوم لا يكون له إلا الموت أمامه، وأما صاحب الحاجة فهو من إن أمكنه أن يشتري منه فذاك أو يطلب منه فذاك وإلا تجاوزه وبحث عن غيره، أما المضطر فله أن يأكل، ولكنه إذا كان عنده شيء فيدفع له القيمة، أو يجعله في ذمته إذا لم يسمح له. على كل: إن كان الشخص قد سرقت نفقته، أو كانت قيمة النفقة غير موجودة معه، ويعلم أن المسافة طويلة بينه وبين المكان المقصود، فهو إن أخذه بقيمته فيعتبره شيئاً واجباً في ذمته لهذا الشخص صاحب هذا البستان.

стр. 8647

شرح حديث (ما علمت إذ كان جاهلاً ولا أطعمت إذ كان جائعاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن أبي بشر عن عباد بن شرحبيل ﵁ قال: (أصابتني سنة فدخلت حائطاً من حيطان المدينة ففركت سنبلاً، فأكلت وحملت في ثوبي، فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فقال له: ما علَّمت إذ كان جاهلاً، ولا أطعمت إذ كان جائعاً -أو قال: ساغباً- وأمره فرد علي ثوبي وأعطاني وسقاً أو نصف وسق من طعام)]. أورد أبو داود حديث عباد بن شرحبيل ﵁ قال: أصابتني سنة، يعني: فاقة، أي: سنة فيها جدب وقحط. قوله: [(فدخلت حائطاً من حيطان المدينة ففركت سنبلاً)]. السنبل: الرزع، وفركه: أخرج الحب من قشره وأكله. قوله: [(فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي)]. يعني: جاء صاحب الزرع فضربه وأخذ ثوبه الذي كان فيه هذا الحب عقاباً له، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (ما علمت إذ كان جاهلاً) يعني: بدلاً من أن تعاقبه بهذه العقوبة تنبهه وتعذره لجهله، أو تطالبه بالشيء الذي لا توافق له عليه. (ولا أطعمت إذ كان جائعاً أو قال: ساغباً). والساغب بمعنى الجائع؛ لأن المسغبة هي الجوع، ومعناه: أنك تحسن إليه وتعلمه لجهله، ثم إنه أمره برد ثوبه الذي أخذه منه. قوله: [(وأعطاني وسقاً أو نصف وسق من طعام)]. يعني: أعطاه الرسول ﷺ لحاجته وسقاً أو نصف وسق من طعام، يعني: إما هذا وإما هذا -شك الراوي- وهذا لا يدل على أن الإنسان يتخذ شيئاً، لكن ينبغي أن يعذر الإنسان الجاهل، وإذا كان الإنسان لم يسمح بهذا الذي أخذه وحمله معه فيطالبه بقيمته أو يسترجعه، ولكن لا يأخذ زيادة على حقه كالثوب.

стр. 8648

تراجم رجال إسناد حديث (ما علمت إذ كان جاهلاً ولا أطعمت إذ كان جائعاً) قوله: [حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري]. عبيد الله بن معاذ بن معاذ العنبري، ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا أبي]. معاذ بن معاذ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا شعبة]. شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بشر]. وهو جعفر بن إياس المشهور بـ ابن أبي وحشية، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عباد بن شرحبيل]. عباد بن شرحبيل ﵁، وحديثه أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة.

стр. 8649

إسناد حديث (ما علمت إذ كان جاهلاً ولا أطعمت إذ كان جائعاً) من طريق أخرى وتراجم رجاله قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثني محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي بشر قال: سمعت عباد بن شرحبيل ﵁ رجلاً منا من بني غبر، بمعناه]. أورد الحديث من طريق أخرى، وهو بمعنى الحديث الأول. قوله: [حدثني محمد بن بشار]. محمد بن بشار هو الملقب: بندار البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا محمد بن جعفر]. محمد بن جعفر الملقب غندر البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. وقد مر ذكره. [عن أبي بشر عن عباد]. أبو بشر وعباد قد مر ذكرهم. قوله: [رجلاً منا من بني غبر]. هذه زيادة تعريف له.

стр. 8650

من قال إنه يأكل مما سقط

стр. 8651

شرح حديث (فلا ترم النخل وكل مما يسقط في أسفلها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب من قال إنه يأكل مما سقط. حدثنا عثمان وأبو بكر بن أبي شيبة -وهذا لفظ أبي بكر - عن معتمر بن سليمان قال: سمعت ابن أبي حكم الغفاري يقول: حدثتني جدتي عن عم أبي رافع بن عمرو الغفاري ﵁ قال: (كنت غلاماً أرمي نخل الأنصار، فأتي بي النبي ﷺ فقال: يا غلام! لم ترم النخل؟ قال: آكل قال: فلا ترم النخل وكل مما يسقط في أسفلها، ثم مسح رأسه فقال: اللهم أشبع بطنه)]. أورد أبو داود حديث أبي رافع بن عمرو الغفاري ﵁ أنه كان يرمي تمراً على رءوس النخل بالحجارة، حتى إذا ضرب الحجر القنو تساقط منه التمر بسبب الضربة التي حصلت برمي الحجارة عليها، فيأكل من ذلك. قوله: [(كنت غلاماً أرمي نخل الأنصار فأتي بي النبي ﷺ ]. أي: شكوه إليه وأتوا به إليه؛ لأنه عمل هذا العمل. قوله: [(فقال: يا غلام! لم ترم النخل؟ قال: آكل، قال: فلا ترم النخل وكل مما يسقط في أسفلها)]. يعني: آكل مما يسقط بسبب الرمي بالحجارة، فقال النبي ﷺ : لا ترم النخل، وكل مما يتساقط بسبب الريح أو أي سبب من الأسباب، المهم ألا يرميه الشخص بالحجارة حتى يتساقط، وإنما يمشي تحت النخل فيأخذ من الشيء الذي تساقط بسبب الريح، ولا يفعل هذا الفعل الذي هو الرمي بالحجارة؛ لأن الرمي بالحجارة قد يفسد التمر بمعنى أنه يتمزق. وكونه يسقط بالريح أو بغير ذلك من الأشياء التي لا تمزقه فإنه يستفيد منه بهذه الطريقة. والترجمة هي: (من قال إنه يأكل مما سقط) يعني: ولا يأخذ شيئاً من النخل، فلا يصعد ويأخذ شيئاً من النخل، وإنما يأخذ من المتساقط. وهذا الحديث ضعيف، ولكن يجوز للمرء إذا كان في حاجة أن يصعد النخلة ويأكل منها، ولكن لا يحمل معه شيئاً.

стр. 8652

تراجم رجال إسناد حديث (فلا ترم النخل وكل مما يسقط في أسفلها) قوله: [حدثنا عثمان وأبو بكر بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي والنسائي فأخرج له في عمل اليوم والليلة. وأبو بكر أخوه وهو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [وهذا لفظ أبي بكر]. أي: هذا لفظ الشيخ الثاني. [عن معتمر بن سليمان]. معتمر بن سليمان بن طرخان التيمي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: سمعت ابن أبي حكم الغفاري]. ابن أبي الحكم الغفاري، قيل: اسمه حسن وقيل: عبد الكبير، وهو مستور، يعني: مجهول الحال، أخرج له أبو داود وابن ماجة. [حدثتني جدتي]. لا توجد لها ترجمة. [عن عم أبي رافع بن عمرو الغفاري]. أبو رافع بن عمرو، أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. ففي الحديث: هذا المستور، وفيه هذه الجدة التي لا ندري ما حالها، ولو عرفت على أنها ثقة فسبطها هذا الذي هو ابن أبي الحكم يعل به الحديث وحده لو لم تضف إليه علة أخرى.

стр. 8653

ما جاء فيمن قال لا يحلب

стр. 8654

شرح حديث (لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيمن قال: لا يحلب. حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتثل طعامه، فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه). أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب فيمن قال لا يحلب. يعني: أن ابن السبيل أو الذي يمر بالغنم لا يحلب منها شيئاً إلا بإذن صاحبها وإذا لم يكن صاحبها، موجوداً ليأذن له فإنه لا يحلب. وقد أورد حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه). نعم إذا كان موجوداً فإنه يستأذنه كما سبق أن مر في الحديث، وإذا لم يكن موجوداً ولم يره فإنه ينادي ثلاثاً حتى يتبين له مكانه، فإن لم يجده وكان محتاجاً فإنه يشرب ولا يحمل، فيحمل ما جاء في هذا الحديث على غير الحاجة، أما إذا كان محتاجاً فقد رخص له كما جاء في الحديث السابق، وعلى هذا يوفق بين هذا الحديث وبين ذاك الحديث السابق. ثم إن النبي ﷺ قال: (أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته؟). والمشربة: هي الغرفة المرتفعة يكون فيها الشيء الذي يخزن، (فتكسر خزانته فينتثل طعامه) يعني: يفرق أو يؤخذ منه شيء، وضروع مواشيهم هي مثل هذه الخزانة، وكما أن الإنسان لا يجب أن يؤتى إلى مشربته وتنتثل الخزانة فكذلك لا يأتي للضروع ويستخرج ما فيها، ولكن هذا كما هو معلوم محمول على غير الحاجة، وأما مع الحاجة فقد مر في الحديث السابق ما يدل على الرخصة.

стр. 8655

تراجم رجال إسناد حديث (لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه) قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك]. عبد الله بن مسلمة القعنبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. ومالك بن أنس الفقيه المحدث الإمام، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن نافع عن ابن عمر]. نافع وابن عمر قد مر ذكرهما، وهذا من أعلى الأسانيد عند أبي داود؛ لأنه رباعي.

стр. 8656

شرح سنن أبي داود [٣١١] من أحكام الجهاد المهمة التي شدد فيها النبي ﷺ : طاعة القائد والأمير في الحرب، وأن من خالف في ذلك فقد أثم، وكراهية تمني لقاء العدو، وأن يسأل الإنسان ربه العافية، ودعوة المشركين قبل القتال إذا لم يكونوا قد بلغتهم الدعوة، وأما إذا بلغتهم الدعوة وسمعوا بالمسلمين وبالذي يقاتلون من أجله فإنه لا تجب دعوتهم وإنما تستحب استحباباً، واستحباب استخدام الخدعة في الحرب لأن فيها نصراً للمسلمين، ومباغتة للأعداء قبل استعدادهم.

стр. 8657

ما جاء في الطاعة

стр. 8658

شرح حديث سبب نزول قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله) قال المصنف رحمه الله تعالى [باب في الطاعة. حدثنا زهير بن حرب حدثنا حجاج قال: قال ابن جريج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] في عبد الله بن قيس بن عدي (بعثه النبي ﷺ في سرية) أخبرنيه يعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄]. أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في الطاعة. يعني: السمع والطاعة للأمير الذي هو أمير الجيش، يعني: إذا كانوا غزاة فإنهم يسمعون ويطيعون للأمير. والسمع والطاعة للولاة جاءت بها الأحاديث الكثيرة عن رسول الله ﷺ ، فيسمع للوالي ولأمراء الوالي الذين ولاهم على الأقاليم والمدن والقرى، وكذلك في الأمراء على الجيوش فإنه يسمع للأمير والإمام الأعظم، ولنوابه وأمرائه الذين أسند إليهم المهمة في بلد أو غزوة أو سفر أو غير ذلك، ولكن في حدود المعروف، أي: في حدود ما هو طاعة لله ولرسوله ﷺ ، أما إذا كان الأمر فيه معصية لله ورسوله ﵊ فلا يسمع ولا يطاع، بل تقدم طاعة الله وطاعة رسوله، وتترك طاعة الأمير التي هي معصية لله ولرسوله ﷺ ، وقد جاء في ذلك أحاديث. وقد أورد أبو داود أثر ابن عباس أن هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس الذي أمره النبي ﷺ في سرية، وأراد أن يختبر طاعة الجند الذين معه له، فأجج ناراً وطلب منهم أن يقعوا فيها، فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: نحن إنما آمنا بالرسول ﷺ فراراً من النار فكيف نقع في النار؟! فهذه القصة هي سبب نزول هذه الآية، ففي الأثر أن هذه الآية نزلت وجاء فيها الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ وطاعة ولاة الأمور، ولكن أعيد فيها فعل الأمر (أطيعوا) مع ذكر الرسول ﷺ ، فقال تعالى: ((أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)) ولم يقل: أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم، ولم يقل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم، فلم يأت لفظ الطاعة مكرراً في المواضع الثلاثة ولم يأت مع لفظ الجلالة فقط، وإنما كرر عند الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله، وحذف مع ولاة الأمور، فجاء مضافاً إلى الله ثم إلى الرسول ﷺ ولم يضف إلى ولاة الأمور، قالوا: والسبب في هذا أن طاعة الرسول ﷺ هي من طاعة الله ، فهو لا يأمر إلا بما هو حق، وهو معصوم ﵊ فلا يأمر بباطل، أما ولاة الأمور فيأمرون بحق ويأمرون بباطل؛ لأنهم غير معصومين، فلم يأت الفعل (أطيعوا) معهم كما جاء مع النبي ﷺ ، وذلك لبيان أن طاعتهم ليست طاعة مطلقة كطاعة النبي ﷺ ، بل طاعة مقيدة في حدود ما هو طاعة لله ولرسوله ﷺ . يعني أن الطاعة لا تكون مطلقة في كل ما يأمرون به مطلقاً حتى ولو كان معصية، بل المعصية لا يجوز لهم أن يأمروا بها ولا يطاع لهم فيها، وإنما يطاع لهم في المعروف؛ قالوا: هذا هو السر الذي من أجله حذف فعل الأمر ولم يؤت به مع ولاة الأمور، وأعيد مع النبي ﷺ ؛ لأن أمر رسول الله ﷺ أمر من الله، قال الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]. فالسنة هي وحي من الله، كما أن القرآن وحي من الله، والرسول ﵊ مبلغ ما يوحى به إليه، وليست السنة من عند الرسول ﷺ ، بل هي من عند الله، والله تعالى يوحي إلى نبيه بالكتاب وبالسنة، ولهذا جاء في أحاديث عديدة ما يبين ذلك، ومنها الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ قال: (يغفر للشهيد كل شيء) ثم إنه قال بعد ذلك: (إلا الدين فإنه سارني به جبريل آنفاً) يعني: استثنى الدين في كونه لا يغفر للشهيد؛ لأن الدين من حقوق الناس، وأصحاب الدين إذا لم يحصلوا حقهم في الدنيا فإنهم سيحصلونه في الآخرة عن طريق الاقتصاص بالحسنات، فيؤخذ من المدين حسنات فتعطى للدائنين. قوله: [قال ابن جريج: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)) في عبد الله بن قيس بن عدي]. يعني: نزلت فيه، فهو سبب نزولها، ثم أتى بالإسناد: أخبره فلان عن فلان عن ابن عباس أنه قال: نزلت في عبد الله بن قيس بن حذافة.

стр. 8659

تراجم رجال إسناد حديث سبب نزول قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله) قوله: [حدثنا زهير بن حرب]. زهير بن حرب، هو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي. [حدثنا حجاج]. وهو: ابن محمد الأعور المصيصي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال ابن جريج]. وهو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنيه يعلى]. يعلى بن مسلم المكي، وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن سعيد بن جبير]. سعيد بن جبير، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. عبد الله بن عباس بن عبد الملطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8660

شرح حديث (لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عمرو بن مرزوق أخبرنا شعبة عن زبيد عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁: (أن رسول الله ﷺ بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأجج ناراً وأمرهم أن يقتحموا فيها، فأبى قوم أن يدخلوها وقالوا: إنما فررنا من النار، وأراد قوم أن يدخلوها، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: لو دخلوها أو دخلوا فيها، لم يزالوا فيها وقال: لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف)]. أورد أبو داود حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ بعث سرية وأمر عليهم أميراً، وهذا الأمير هو عبد الله بن حذافة الذي مر في الإسناد السابق فأجج ناراً -وكان يريد أن يختبر مدى طاعتهم له- وأمرهم بأن يقتحموها، فقال بعضهم لبعض: فنحن ما آمنا بالله ورسوله ﷺ إلا لنسلم من عذاب النار، فكيف نقع في النار ونعذب أنفسنا بالنار؟! فلم يدخلوها، ولما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: (لو دخلوها أو دخلوا فيها لم يزالوا فيها) معناه أنهم يعذبون بالنار بسبب قتلهم أنفسهم بدخولهم النار. ثم بين ﵊ أن الطاعة لولاة الأمور ليست مطلقة في كل ما يؤمرون به، بل في حدود ما هو معروف، وفي حدود ما هو طاعة لله ولرسوله ﷺ ، وأما كون الإنسان يقتل نفسه، أو يؤمر بأن يقتل غيره، وذلك الذي أمر بقتله معصوم لا يستحق القتل، فليس له أن يسمع ويطيع، بل يمتنع من قتل نفسه، ويمتنع من قتل غيره إذا أمر بذلك. (لا طاعة في معصية الله) يعني: لا طاعة للولاة في معصية الله. (إنما الطاعة في المعروف) هذا تأكيد لما تقدم، والمعروف ما كان طاعة لله ولرسوله ﷺ . قال ابن القيم: جاء في بعض الروايات أن هذا الرجل كان معروفاً بكثرة المزاح، والمعروف أنهم أغضبوه حتى فعل ذلك. لكن لا أدري عن صحة هذا الكلام، وإنما الذي ذكر أنه كان يختبرهم، وكونه يفعل ذلك بعد أن أغضبوه لعله وجد عدم استجابة في بعض الأحوال، وأراد أن يختبرهم، لكن كلام ابن القيم أن هذا الفعل بسبب أنهم أغضبوه غير واضح، فكونهم يغضبونه ويفعل ذلك هذا أمر غريب، ولكن كونه يريد أن يختبر مدى طاعتهم هو المعقول. قال الخطابي: وقد يفسر قوله: (لا طاعة في معصية الله) تفسيراً آخر، وهو: أن الطاعة لا تسلم لصاحبها ولا تخلص إذا كانت مشوبة بالمعصية، وإنما تصح الطاعات مع اجتناب المعاصي. على كل: المعنى الأول هو الواضح؛ لأن المقصود السمع والطاعة فيما هو طاعة لله ولرسوله ﷺ ، وكلام الخطابي فيه بعد.

стр. 8661

تراجم رجال إسناد حديث (لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف) قوله: [حدثنا عمرو بن مرزوق]. عمرو بن مرزوق، ثقة له أوهام، أخرج له البخاري وأبو داود. [عن شعبة عن زبيد]. شعبة مر ذكره. وزبيد هو اليامي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعد بن عبيدة]. سعد بن عبيدة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي عبد الرحمن السلمي]. هو عبد الله بن حبيب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن علي]. علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، الصحابي الجليل، ابن عم النبي ﷺ ، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، ﵁ وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

стр. 8662

شرح حديث (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: حدثني نافع عن عبد الله ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)]. أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره) يعني: فيما يحبه وفيما يكرهه ما دام ليس فيه معصية لله ولرسوله ﷺ ، ولو كان يكره ذلك الشيء الذي أمر به، يعني: أنه يسمع ويطيع ولو كان يكره هذا الذي أمر به، إلا في شيء واحد، وهو أن يكون المأمور به فيه معصية لله ولرسوله ﷺ ، فعند ذلك لا سمع ولا طاعة. فهو مثل الأحاديث المتقدمة الدالة على أن السمع والطاعة لولاة الأمور مقيدة بأن يكون المأمور به معروفاً، ولا يكون معصية لله ولرسوله ﷺ .

стр. 8663

تراجم رجال إسناد حديث (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية) قوله: [حدثنا مسدد]. مسدد بن مسرهد البصري، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا يحيى]. يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبيد الله]. وهو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر العمري المصغر، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن نافع عن ابن عمر]. وقد مر ذكرهما.

стр. 8664

شرح حديث (أعجزتم إذ بعثت رجلاً منكم فلم يمض لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن معين حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال عن بشر بن عاصم عن عقبة بن مالك من رهطه ﵁ قال: (بعث النبي ﷺ سرية فسلَّحت رجلاً منهم سيفاً، فلما رجع قال: لو رأيت ما لامنا رسول الله ﷺ قال: أعجزتم إذ بعثت رجلاً منكم فلم يمض لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري)]. أورد أبو داود حديث عقبة بن مالك ﵁ عن رجل من الصحابة؛ لأن في الحديث شيئاً عن عقبة، وفيه شيء عن الذي سلحه وأعطاه السيف، وهو الذي أسنده إلى الرسول ﷺ بعد أن رجعوا، ففيه أنه بعث جيشاً، وأعطى رجلاً من هذا الجيش سيفاً يكون سلاحاً له، فهو إما أعطاه إياه هبة أو إعارة أو أعطاه إياه بأي صفة من الصفات التي يستفيد منها ذلك الذي سلح وأعطي السيف، فلما رجع ذلك الرجل الذي أعطاه عقبة السيف قال: لو رأيت ما لامنا عليه رسول الله ﷺ . قال: (أعجزتم إذ بعثت رجلاً منكم فلم يمض لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري). يعني: أن من يحصل منه معصية يستبدل بمن يسمع ويطيع ويمضي لأمر الله ورسوله ﷺ ، وهذا الحديث دخل في هذا الباب من جهة أن الشخص عليه أن يسمع ويطيع فيما هو طاعة لله ورسوله ﷺ ، وأما إذا لم يحصل منه استجابة وطاعة لله ورسوله ﷺ فإنه يستبدل بغيره. يقول في عون المعبود: فلما رجع ذلك الرجل بعدما قتل رجلاً أظهر إيمانه كما سيأتي ثم قال: وأورد ابن الأثير في أسد الغابة وابن ججر في الإصابة من رواية النسائي والبغوي وابن حبان وغيرهم من طريق سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: أتينا بشر بن عاصم فقال: حدثنا عقبة بن مالك وكان من رهطه قال: (بعث رسول الله ﷺ سرية فأغارت على قوم، فشذ من القوم رجل فأتبعه من السرية رجل معه سيف شاهر فقال له الشاذ: إني مسلم، فلم ينظر إلى ما قال، فضربه فقتله، فنمى الخبر إلى رسول الله ﷺ فقال فيه قولاً شديداً، فبلغ القاتل، فبينا رسول الله ﷺ يخطب إذ قال القاتل: والله ما كان الذي قال إلا تعوذاً من القتل، فأعرض عنه، فعل ذلك ثلاثاً، فأقبل رسول الله ﷺ عليه تعرف المساءة في وجهه فقال: إن الله أبى علي فيمن قتل مؤمناً ثلاث مرات) انتهى. فإذا كان بهذا الإسناد الذي هو ثابت فمعناه أن فيه بياناً لسبب المخالفة التي عاتب الرسول ﷺ عليها، ويكون ذلك مثل قصة أسامة الذي فيه: (قتلته بعدما قال لا إله إلا الله).

стр. 8665

تراجم رجال إسناد حديث (أعجزتم إذ بعثت رجلاً منكم فلم يمض لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري) قوله: [حدثنا يحيى بن معين]. يحيى بن معين، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث]. عبد الصمد بن عبد الوارث، صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا حميد بن هلال]. سليمان بن المغيرة مر ذكره. وحميد بن هلال ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن بشر بن عاصم]. بشر بن عاصم، وهو صدوق يخطئ، أخرج له أبو داود والنسائي. [عن عقبة بن مالك]. وهو صحابي، أخرج له أبو داود والنسائي.

стр. 8666

ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته

стр. 8667

شرح الأحاديث الواردة في باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته. حدثنا عمرو بن عثمان الحمصي ويزيد بن قبيس من أهل جبلة ساحل حمص، وهذا لفظ يزيد قالا: حدثنا الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء أنه سمع مسلم بن مشكم أبا عبيد الله يقول: حدثنا أبو ثعلبة الخشني ﵁ قال: (كان الناس إذا نزلوا منزلاً، قال عمرو: كان الناس إذا نزل رسول الله ﷺ منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية، فقال رسول الله ﷺ : إن تفرقكم في هذه الشعاب والأودية إنما ذلكم من الشيطان، فلم ينزل بعد ذلك منزلاً إلا انضم بعضهم إلى بعض حتى يقال: لو بسط عليهم ثوب لعمهم). حدثنا سعيد بن منصور حدثنا إسماعيل بن عياش عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي عن فروة بن مجاهد اللخمي عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه ﵁ قال: (غزوت مع نبي الله ﷺ غزوة كذا وكذا، فضيق الناس المنازل، وقطعوا الطريق، فبعث نبي الله ﷺ منادياً ينادي في الناس: أن من ضيق منزلاً أو قطع طريقاً فلا جهاد له). حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية عن الأوزاعي عن أسيد بن عبد الرحمن عن فروة بن مجاهد عن سهل بن معاذ عن أبيه قال: (غزونا مع نبي الله ﷺ بمعناه)]. يقول أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته. انضمام العسكر: أن يجتمع بعضهم إلى بعض، لكن هذا الاجتماع لا يكون فيه تضييق، بحيث إن جماعة يأخذون أكثر من حاجتهم فيضيقون على إخوانهم، أو يضيقون الطريق الذي تمشي فيه فرق الجيش والمعسكر، ولا يكون التفرق بحيث يبتعد بعضهم عن بعض، فلا يكون تباعد ولا يكون تضييق مع الانضمام، وإنما يكون انضمام بدون تضييق ولا تباعد معه، ولا تضيق الطرق التي يسلكون منها، بحيث إذا أراد بعضهم أن يخرج أو يدخل فإنه يكون هناك طرق في المعسكر يدخل منها ويخرج. فالحكم هو: أنه لا يصير الانتشار واسعاً بحيث تكون كل جماعة بعيدة عن الأخرى، ولا ينضم بعضهم إلى بعض بحيث يضايق بعضهم بعضاً بأن يأخذ أكثر من حاجته، أو يضيق الطرق التي تكون بين العسكر. أورد أبو داود حديث أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁ قال: (كان الناس إذا نزلوا منزلاً. وقال عمرو: كان الناس إذا نزل رسول الله ﷺ منزلاً تفرقوا في الشعاب والأودية)، يعني: عندما ينزلون منزلاً يتفرقون في الشعاب والأودية، وتكون بينهم مسافات، فالنبي ﷺ قال: (إنما ذلكم من الشيطان)، يعني: هذا التفرق إنما هو من الشيطان، فكانوا بعد ذلك ينضم بعضهم إلى بعض حتى لو وضع عليهم ثوب لوسعهم من شدة تقاربهم، لكن هذا التقارب كما هو معلوم لا يكون فيه تضييق بعضهم على بعض، وهذا فيه مبالغة في ترك ما كانوا عليه من التفرق إلى أن يكونوا مجتمعين غير متفرقين. وأورد حديث معاذ بن أنس عن أبيه قال: (غزوت مع نبي الله ﷺ غزوة كذا وكذا فضيق الناس المنازل وقطعوا الطريق؛ فبعث نبي الله ﷺ منادياً ينادي في الناس: أن من ضيق منزلاً أو قطع طريقاً فلا جهاد له). فهذا فيه مقابل ما تقدم في الحديث السابق، حيث ورد فيه أنهم تفرقوا في الشعاب، وبعد ذلك كان يجتمعون، والاجتماع الذي يكون فيه مضرة مذموم، والتفرق الذي ليس فيه مصلحة مذموم، والحق وسط بين الإفراط والتفريط، وبين التفرق الذي فيه تباعد، والانضمام الذي يكون فيه تضييق لبعضهم على بعض وتضييق للطريق. وقوله: (لا جهاد له)، يعني: أنه جاهد من أجل أن يحصل خيراً، ولكنه عمل شيئاً أضعف من أجره بحيث أنه آذى غيره بذلك.

стр. 8668

تراجم رجال إسناد الأحاديث الواردة في باب ما يؤمر من انضمام العسكر وسعته قوله: [حدثنا عمرو بن عثمان]. عمرو بن عثمان الحمصي، صدوق، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. [ويزيد بن قبيس]. يزيد بن قبيس، وهو ثقة، أخرج له أبو داود. [قالا: حدثنا الوليد بن مسلم]. الوليد بن مسلم الدمشقي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن العلاء]. عبد الله بن العلاء، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [أنه سمع مسلم بن مشكم أبا عبيد الله]. وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن أبي ثعلبة الخشني]. أبو ثعلبة الخشني صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. قوله: [حدثنا سعيد بن منصور]. سعيد بن منصور، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا إسماعيل بن عياش]. إسماعيل بن عياش، وهو صدوق في روايته عن الشاميين، مخلط في روايته عن غيرهم، وحديثه أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين وأصحاب السنن. [عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي]. أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود. [عن فروة بن مجاهد اللخمي]. فروة بن مجاهد اللخمي، مختلف في صحبته، أخرج له أبو داود. [عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني]. سهل بن معاذ بن أنس الجهني، لا بأس به، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. [عن أبيه]. وهو: معاذ بن أنس ﵁، وحديثه أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي وابن ماجة. قوله: [حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا بقية]. عمرو بن عثمان مر ذكره. وبقية بن الوليد، صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن الأوزاعي]. عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أسيد بن عبد الرحمن عن فروة بن مجاهد عن سهل بن معاذ عن أبيه ﵁]. وقد مر ذكرهم جميعاً.

стр. 8669

ما جاء في كراهية تمني لقاء العدو

стр. 8670

شرح حديث (لا تتمنوا لقاء العدو) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في كراهية تمني لقاء العدو. حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله -يعني: ابن معمر - وكان كاتباً له قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى ﵁ حين خرج إلى الحرورية أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها العدو قال: (يا أيها الناس! لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله تعالى العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال: اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)]. أورد أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى هذه الترجمة، وهي: باب في كراهية تمني لقاء العدو. والمقصود من هذه الترجمة أن المسلم في حال جهاده للأعداء لا يتمنى لقاء العدو؛ لأنه قد تكون حاله عند تمني لقاء العدو غير طيبة، وذلك بأن يحصل منه ما لا ينبغي إما من عدم الصبر، أو من الفرار أو ما إلى ذلك. فالمقصود من الترجمة أن الإنسان لا يتمنى لقاء العدو، فقد يكون هذا التمني فيه إعجاب بالنفس؛ فيترتب على ذلك الخذلان وعدم التوفيق من الله . وقد أورد أبو داود حديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: (لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية)، وهذا هو المقصود والشاهد للترجمة. قوله: [(فإذا لقيتموهم فاصبروا)]. أي: إذا حصل اللقاء فعليكم بالصبر، وعليكم بالثبات. قوله: [(واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)]، أي: أنهم عندما يلاقون العدو يصبرون ويثبتون، ويعرفون أنهم إذا قتلوا فإنهم شهداء، وأن مآلهم إلى الجنة. قوله: [(وأن الجنة تحت ظلال السيوف)]. أي: أن المسلم إذا التقى بالكافر، ثم رفع الكافر سيفه عليه وصار تحته ظلال سيفه، فإذا وقع عليه ومات فإنه يكون شهيداً، والجنة تكون مأواه ومصيره، والمعنى: أنه إذا وقع القتل على أحد منكم من الكفار ومات بذلك فإنه يكون من أهل الجنة. ثم إن النبي ﵊ قال: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)، وهذا دعاء يكون عند اللقاء جاء عن النبي ﷺ ، وفيه توسل إلى الله بأفعاله، وأن الله تعالى ينصرهم ويؤيدهم ويهزم أعداءهم. قوله: [(اللهم منزل الكتاب)]. المراد بالكتاب إما أن يكون الجنس، فيكون المراد به الكتب التي أنزلها الله على رسله الكرام، أو أن المراد به كتاب معين وهو القرآن، و (أل) في الحالتين إما للاستغراق وإما للعهد الذهني. والاستغراق: هو أن اللفظ المفرد الذي يأتي محلى بالألف واللام يراد به العموم، أي: استغراق جنس الكتاب، ويأتي كثيراً في القرآن ذكر الكتاب باللفظ المفرد ويراد به الكتب، كما قال الله : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة:١٧٧] الكتاب المقصود به الكتب، وليس المقصود به كتاباً واحداً. وكذلك قول الله : ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد:٢٥] أي: الكتب، الله ما أنزل على رسله كتاباً واحداً، وإنما أنزل عليهم كتبه. وكذلك قوله : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقَِّ﴾ [المائدة:٤٨] المقصود به القرآن ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة:٤٨] أي: من الكتب، فهنا جاء لفظ الكتاب ويراد به القرآن في الموضع الأول، ويراد به الكتب الذي هو جنس في الموضوع الثاني. وكذلك قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦] قوله (الكتاب الذي نزل على رسوله) هو القرآن (والكتاب الذي أنزل من قبل) أي: الكتب. فهنا قوله: (منزل الكتاب) محتمل لأن يكون المراد به الكتب أي: الكتب المنزلة على المرسلين، أو أن المقصود به القرآن الذي هو منزل على نبينا محمد ﵊. و (أل) تكون للعهد الذهني أي: الكتاب المعهود في الذهن، وهو القرآن، مثل قوله في أول سورة البقرة ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢] أي: الكتاب المعهود في الذهن الذي هو القرآن. (ومجري السحاب) أي: يجريه في السماء ويسوقه حيث يشاء، فينزله في الموضع الذي أراد الله تعالى أن ينزل فيه، فيوجده بين السماء والأرض، ويسخره بين السماء والأرض، ويسوقه إلى حيث شاء الله تعالى أن ينزل فيه الماء، ويستفيد فيه من ينزل عليه. (وهازم الأحزاب)، والأحزاب: المراد بهم الكفار على مختلف العصور والدهور، من لدن نوح، فكل ما حصل لهم من هزيمة فهي من الله . فتوسل إلى الله بأفعاله، ثم النتيجة (اهزمهم وانصرنا عليهم)، فهذا فيه التوسل بين يدي الدعاء، والتوسل إلى لله يكون بأفعاله أو بصفاته أو بأسمائه أو بربوبيته فكل ذلك سائغ، ومن التوسل بربوبيته لبعض المخلوقات التي لها شأن قوله: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل)، فإنه توسل إلى الله بربوبيته لجبريل وميكائيل وإسرافيل.

стр. 8671

تراجم رجال إسناد حديث (لا تتمنوا لقاء العدو) قوله: [حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى]. أبو صالح محبوب بن موسى، صدوق أخرج له أبو داود والنسائي. [أخبرنا أبو إسحاق الفزاري]. وهو: إبراهيم بن محمد بن الحارث، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن موسى بن عقبة]. موسى بن عقبة المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سالم أبي النضر]. سالم أبو النضر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله بن أبي أوفى]. وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة. والذي كتب هو عبد الله بن أبي أوفى إلى عمر بن عبيد الله، فكتب: من عبد الله بن أبي أوفى إلى عمر بن عبيد الله، وسالم أبو النضر يروي عن عبد الله بن أبي أوفى مكاتبة وكتابة، والكتابة والمكاتبة هي من طرق الأداء والتحمل عند العلماء، وهي موجودة على مختلف الطبقات يعني: في طبقة الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى المؤلفين، فأحياناً يقول المؤلف: كتب إلي فلان، يعني: بدلاً من أن يقول: حدثني فلان وفلان وفلان يقول: كتب إلي فلان، مثلما فعل البخاري في صحيحه حيث قال: كتب إلي محمد بن بشار ثم ساقه بإسناده، أي: أن الرواية جاءت عن طريق الكتابة، كما أنها تأتي عن طريق السماع، وعن طريق القراءة على الشيخ الذي يسمى العرض، وهنا الرواية جاءت عن طريق المكاتبة. وكان عمر بن عبيد الله هو الذي ذهب إلى الحرورية لغزوهم، وعبد الله بن أبي أوفى كتب إليه بالحديث يذكره به وينبهه على أن لا يتمنوا لقاء العدو، ولكنهم يسألون الله العافية، وإذا حصل اللقاء فليصبروا ويثبتوا ويعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف. وقوله: (الجنة تحت ظلال السيوف)، هذا ليس مجازاً وإنما هو حقيقة، بمعنى أن الإنسان إذا مات وصل إلى الجنة، ومعلوم أن الإنسان عندما يموت إن كان من أهل الجنة فقد حصل له ما يحصل من الجنة، وإن كان بخلاف ذلك فإنه يحصل له ما يحصل من النار، وحديث البراء بن عازب يدل على ذلك، وأوله: (إذا كان العبد في إدبار من الدنيا وإقبال على الآخرة) فما بين المؤمن وبين الاستفادة من الجنة ومن نعيمها إلا الموت؛ لأن من مات قامت قيامته، وصار إما في نعيم من نعيم الجنة، أو في عذاب من عذاب النار، والقبر حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة.

стр. 8672

ما يدعى عند اللقاء

стр. 8673

شرح حديث (كان رسول الله إذا غزا قال اللهم أنت عضدي ونصيري) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما يدعى عند اللقاء. حدثنا نصر بن علي أخبرنا أبي حدثنا المثنى بن سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا غزا قال: اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل)]. أورد أبو داود هذه الترجمة فقال: باب ما يدعى عند اللقاء. أي: ما يدعى به عند اللقاء، والحديث الذي مر فيه ما يندرج تحت هذه الترجمة، في قوله: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم) لأن هذا مما يدعى به عند اللقاء، ولكن أبا داود أورده من أجل كراهية تمني الموت الذي جاء في أوله، وهذا الحديث الذي أورده تحت هذه الترجمة المراد به أن هذا من جملة الأدعية التي يدعى بها عند اللقاء. فأورد أبو داود حديث أنس بن مالك أن النبي ﵊ كان إذا غزا قال: (اللهم أنت عضدي ونصيري بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل). قوله: [(اللهم أنت عضدي)]. يعني: معتمدي ومستندي. قوله: [(ونصيري)]. يعني: ناصري ومؤيدي. قوله: [(بك أحول)]. يعني: أعمل كل ما يمكن أن يمكنني من حيل للوصول إلى معرفة الحق، وكذلك (وبك أصول) يعني: أفعل وأقدم وأتقدم، (وبك أقاتل) يعني: يقاتل لله ومن أجل الله .

стр. 8674

تراجم رجال إسناد حديث (كان رسول الله إذا غزا قال اللهم أنت عضدي ونصيري) قوله: [حدثنا نصر بن علي]. نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا أبي]. وهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا المثنى بن سعيد]. المثنى بن سعيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس بن مالك]. أنس بن مالك ﵁، خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8675

ما جاء في دعاء المشركين

стр. 8676

شرح حديث (وقد أغار نبي الله على بني المصطلق وهم غارون) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في دعاء المشركين. حدثنا سعيد بن منصور حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا ابن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن دعاء المشركين عند القتال، فكتب إلي: (أن ذلك كان في أول الإسلام، وقد أغار نبي الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث ﵂ حدثني بذلك عبد الله وكان في ذلك الجيش]. أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في دعاء المشركين. وقد سبق نظير هذه الترجمة فيما مضى، وتلك الترجمة أورد فيها أنهم يدعون إلى الإسلام، وأورد في حديث بريدة بن الحصيب الذي فيه: (إذا لقيت عدوك المشركين فادعهم إلى ثلاثة خصال أو خلال وادعهم إلى الإسلام ثم إلى الجزية ثم قاتلهم) وهنا أورد نفس الترجمة، إلا أن تلك الترجمة في كونهم يدعون قبل القتال، وفي هذه الترجمة أنهم لا يدعون، وإنما يقاتلون بدون دعوة لهم، وذلك أن الدعوة في حق من لم تبلغهم متعينة، وأما من بلغتهم فإنها تكون مستحبة ولا تكون واجبة، لأن عندهم علم سابق بالشيء الذي يقاتل الناس عليه، والشيء الذي يغزون من أجله. فعلى هذا يكون معنى الترجمتين وإن كانتا بلفظ واحد: أن الترجمة الأولى في كونهم يدعون، وذلك في حال الوجوب حيث لم تصل إليهم الدعوة ولم تبلغهم، فيدعون إلى الشيء الذي يقاتلون عليه، وأما إذا بلغتهم الدعوة، وعرفوا أن المسلمين يغزون الكفار من أجل أن يدخلوا في دين الإسلام الذي بعث الله به رسوله الكريم ﷺ ، فهنا لا تكون الدعوة واجبة ولكنها مستحبة، إن أتي بها فحسن وهو تأكيد، وإن لم يؤت بها فإن الأصل موجود من قبل. فالترجمة السابقة فيها حصول الدعوة، وأنه لا قتال قبل الدعوة، والترجمة اللاحقة فيها أن القتال يكون بدون دعوة؛ لأنه قد سبق أن حصلت الدعوة، فكان قتالهم ليس خالياً من الدعوة أصلاً، ولكن الدعوة موجودة من قبل فاكتفي بها، وإن أتي بها فهي مستحبة، أي: كونهم يدعون مرة أخرى. أورد أبو داود حديث عبد الله بن عون أنه كتب إلى نافع مولى ابن عمر يسأله عن دعاء المشركين عند القتال يعني: هل يدعون أو لا يدعون، فكتب إليه أن هذا -أي: الدعاء- كان في أول الإسلام حيث كان الناس لا يعرفون البعثة والرسالة، فكان يقاتلهم ﷺ ويغزوهم في بلادهم ويدعوهم، أما بعد ذلك فإنه حصل من النبي ﷺ أنه أغار على بعض الجهات التي غزاها ﷺ دون أن يدعوهم، وذلك لسبق الدعوة، ولوجود الشيء الذي يقاتلون من أجله عندهم من قبل، وهو الدخول في الدين الحنيف، وعدم دخولهم يسوغ قتالهم. قوله: [(وقد أغار نبي الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارون)]. يعني: على غرة وغفلة، وما أرسل إليهم أحداً يدعوهم لأن الدعوة موجودة من قبل، والعلم موجود عندهم من قبل، ولم يكونوا ممن لم تبلغهم الدعوة، بل بلغتهم الدعوة من قبل. قوله: (وهم غارون)، أي: في غفلة وغرة ونعمهم تسقى على الآبار. قوله: [(فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم)]. أي: قتل الذين يقاتلون، وسبى السبي الذين هم النساء والصبيان والذرية الذين ليسوا من أهل القتال. قوله: [(وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث)]. أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، إحدى زوجاته ﷺ . قوله: [حدثني بذلك عبد الله وكان في ذلك الجيش]. لما كتب له بذلك يخبره بالحديث أسنده بعد ذلك فقال: حدثني بذلك عبد الله بن عمر وكان في ذلك الجيش الذي هو في غزوة بني المصطلق. [قال أبو داود: هذا حديث نبيل، رواه ابن عون عن نافع، ولم يشركه فيه أحد]. (هذا حديث نبيل) أي: جيد، من النبل وهو الجودة، رواه ابن عون عن نافع، ولم يشركه فيه أحد، وكما هو معلوم أن الراوي لا يؤثر انفراده فإنه يكون حجة وعمدة، ومعلوم أن هناك أحاديث كثيرة في الصحيحين وفي غيرهما جاءت من طريق واحد، وهي معتبرة، ومنها أول حديث في صحيح البخاري، وآخر حديث في صحيح البخاري، ففي فاتحة البخاري وخاتمته حديثان غريبان جاءا من طريق واحد، فالذي جاء في أول الصحيح حديث: (إنما الأعمال بالنيات) رواه عمر عن رسول الله ﷺ ، ورواه عن عمر: علقمة بن وقاص الليثي، وهو من كبار التابعين، ورواه عن علقمة: محمد بن إبراهيم التيمي، وهو من أوساط التابعين، ورواه عن محمد بن إبراهيم التيمي: يحيى بن سعيد الأنصاري وهو من صغار التابعين، ثم بعد ذلك كثر الرواة بعد يحيى بن سعيد، وهو من فوق يحيى بن سعيد كان غريباً، ما جاء إلا من طريق واحد. وآخر حديث في صحيح البخاري: (كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)، جاء من طريق أبي هريرة، ورواه عن أبي هريرة أبو زرعة بن عمرو بن جرير، ورواه أيضاً عنه آخر، ثم اتسع بعد ذلك.

стр. 8677

تراجم رجال إسناد حديث (وقد أغار نبي الله على بني المصطلق وهم غارون) قوله: [حدثنا سعيد بن منصور]. سعيد بن منصور، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا إسماعيل بن إبراهيم]. إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم المشهور: بـ ابن علية، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا ابن عون]. وهو: عبد الله بن عون، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [كتبت إلى نافع]. نافع مولى ابن عمر، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الله]. عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8678

شرح حديث (أن النبي كان يغير عند صلاة الصبح) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان يغير عند صلاة الصبح، وكان يتسمع، فإذا سمع أذاناً أمسك وإلا أغار)]. أورد أبو داود حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يغير عند صلاة الصبح أي: في أول النهار، وقد سبق أن مر أن النبي ﷺ كان يوصي بأن يكون القتال في أول النهار. فأورد هنا حديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ كان يتسمع فإذا سمع أذاناً فإنه يمسك)، أي: عن القتال؛ لأن هذا شعار الإسلام، ودليل على أن أهل البلد مسلمون فلا يغزوهم. والترجمة مناسبة للحديث في كونه لا توجد دعوة، وإنما استدل على إسلامهم أو عدم إسلامهم بالأذان، لأنه إذا رفع فيهم الأذان فمعناه أنهم قد أسلموا، وإذا لم يرفع الأذان فإنه يغير بدون دعوة، لكن كما هو معلوم أن الدعوة موجودة من قبل، وهو مثل حديث قصة بني المصطلق ومن جنسه، لأنه هنا قال: (وإلا أغار) أي: حيث لا يجد شعار الإسلام، وذاك ذكر أنه أغار عليهم وهم غارون.

стр. 8679

تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي كان يغير عند صلاة الصبح) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. وهو: ابن سلمة بن دينار البصري، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [أخبرنا ثابت]. ثابت بن أسلم البناني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. أنس ﵁، وقد مر ذكره. وهذا الإسناد من أعالي الأسانيد عند أبي داود؛ لأنه رباعي.

стр. 8680

شرح حديث (إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحداً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن ابن عصام المزني عن أبيه ﵁ قال: (بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فقال: إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحداً)]. أورد أبو داود حديث عصام المزني ﵁: (أن النبي ﷺ بعثهم في سرية فقال: إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحداً)، وهو مثل الذي قبله من جهة أنه إذا وجد شعار الإسلام وسمع الأذان، فإن ذلك يدل على إسلام القوم فلا يغار عليهم، وإن لم يكن كذلك فإنه يغار عليهم؛ لأنه ما وجد الشعار، ومعلوم أن هذا إنما كان بعد أن عرفت الدعوة وانتشرت وحصلت، فتكون الدعوة سابقة.

стр. 8681

تراجم رجال إسناد حديث (إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحداً) قوله: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان]. سعيد بن منصور مر ذكره. وسفيان هو: ابن عيينة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق]. عبد الملك بن نوفل بن مساحق، وهو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. [عن ابن عصام المزني]. ابن عصام المزني وهو لا يعرف فهو مجهول الحال، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. [عن أبيه]. عصام، وهو صحابي، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. والحديث ضعفه الألباني، لكنه بمعنى الحديث المتقدم مع زيادة ذكر المسجد.

стр. 8682

ما جاء في المكر في الحرب

стр. 8683

شرح حديث (الحرب خدعة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المكر في الحرب. حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو أنه سمع جابراً ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الحرب خدعة)]. أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب المكر في الحرب. يعني: كون المسلمين يمكرون بالكفار، بمعنى أنهم يأتون بالحيل التي تجعلهم لا يعرفون شيئاً عن أحوالهم وعتادهم وقوتهم، وهذا هو المقصود بالمكر. وأورد أبو داود حديث جابر أن النبي ﷺ قال: (الحرب خدعة) والخدعة: المقصود بها المكر، يعني: كونهم يمكرون بهم حتى ينخدعوا بما يشاهدونه ويعاينونه؛ فيترتب على ذلك ضعفهم وهزيمتهم، أي: الكفار. ومن الأشياء التي هي خدعة في الحرب التورية التي كان يفعلها رسول الله ﷺ ، والتي أوردها أبو داود تحت هذه الترجمة وفي قصة غزوة تبوك، وأنه إذا كان يريد غزوة يوري بغيرها، حيث يخفي الأمر على الكفار، فلا يتهيئون ولا يستعدون للقاء الرسول ﷺ .

стр. 8684

تراجم رجال إسناد حديث (الحرب خدعة) قوله: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو]. سعيد بن منصور وسفيان مر ذكرهما. وعمرو هو ابن دينار المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن جابر]. جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي جليل، أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . والحديث من الأسانيد العالية عند أبي داود لأنه رباعي.

стр. 8685

شرح حديث (أن النبي كان إذا أراد غزوة ورى غيرها) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبيد حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ﵁ (أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورى غيرها وكان يقول: الحرب خدعة)]. أورد أبو داود حديث كعب بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورى غيرها)] وكان ذلك في غزوة تبوك. وكعب بن مالك ﵁ معروف حديثه الطويل في غزوة تبوك، وفي ذكر التورية، وأنه كان ﵊ إذا أراد غزوة ورى بغيرها، فإذا كان سيغزو إلى جهة الجنوب يسأل عن جهة الشمال، ويسأل عن الطرق والمياه في جهة الشمال، فالاستعداد موجود، فهم يستعدون للحرب، ولكن لا يعرفون الجهة، فهو يريد الجنوب فيسأل عن الطريق من جهة الشمال والمياه في جهة الشمال وغيرها، فالذي يسمع هذه الأسئلة يظن أنه سيذهب إلى جهة الشمال، فهذه من التورية والخدعة والمكر الذي يكون في الحرب. (كان إذا أراد غزوة ورى غيرها)، وفي غزوة تبوك لم يور النبي ﷺ ، بل أعلن بأنه سيغزو الروم، واستنفر الناس ولما أراد ﷺ أن يذهب إلى مكة عام الفتح أخفى ذلك، ولما حصل إرسال حاطب بن أبي بلتعة المرأة التي معها الكتاب أطلع الله نبيه على ذلك، وألحق بها من أتى بالكتاب، لأنه كان لا يريد أن يعلم أهل مكة أنه سيذهب إليهم، لكن في غزوة تبوك أعلن بأنه سيغزو، وأن الناس يستعدون لذلك، وذلك لأن المسافة بعيدة، والعدو كبير، والحر شديد، فأراد ﷺ أن يكون الاستعداد والتهيؤ الكامل لهذه الأسباب التي هي: بعد المسافة، وكثرة العدو، وقلة الظهر، وشدة الحر. والنبي لم يقل: إنني سأذهب إلى جهة الشمال، وهو يريد الجنوب، وإنما يسأل مجرد أسئلة، يريد أن يصرف الأنظار عن الجهة التي سيذهب إليها، فكان من يسمع الأسئلة يظنه سيذهب إلى الجهة التي يسأل عنها وهو سيذهب إلى جهة أخرى غيرها، فهذه هي التورية، وكان يقول: (الحرب خدعة)، أو خُدعة يعني: وهذه التورية من الخدعة.
следующие страницы →