Полный текст (18 341 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.
стр. 8681
تراجم رجال إسناد حديث (إذا رأيتم مسجداً أو سمعتم مؤذناً فلا تقتلوا أحداً)
قوله: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان].
سعيد بن منصور مر ذكره.
وسفيان هو: ابن عيينة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق].
عبد الملك بن نوفل بن مساحق، وهو مقبول، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
[عن ابن عصام المزني].
ابن عصام المزني وهو لا يعرف فهو مجهول الحال، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
[عن أبيه].
عصام، وهو صحابي، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
والحديث ضعفه الألباني، لكنه بمعنى الحديث المتقدم مع زيادة ذكر المسجد.
стр. 8682
ما جاء في المكر في الحرب
стр. 8683
شرح حديث (الحرب خدعة)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب المكر في الحرب.
حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو أنه سمع جابراً ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (الحرب خدعة)].
أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب المكر في الحرب.
يعني: كون المسلمين يمكرون بالكفار، بمعنى أنهم يأتون بالحيل التي تجعلهم لا يعرفون شيئاً عن أحوالهم وعتادهم وقوتهم، وهذا هو المقصود بالمكر.
وأورد أبو داود حديث جابر أن النبي ﷺ قال: (الحرب خدعة) والخدعة: المقصود بها المكر، يعني: كونهم يمكرون بهم حتى ينخدعوا بما يشاهدونه ويعاينونه؛ فيترتب على ذلك ضعفهم وهزيمتهم، أي: الكفار.
ومن الأشياء التي هي خدعة في الحرب التورية التي كان يفعلها رسول الله ﷺ ، والتي أوردها أبو داود تحت هذه الترجمة وفي قصة غزوة تبوك، وأنه إذا كان يريد غزوة يوري بغيرها، حيث يخفي الأمر على الكفار، فلا يتهيئون ولا يستعدون للقاء الرسول ﷺ .
стр. 8684
تراجم رجال إسناد حديث (الحرب خدعة)
قوله: [حدثنا سعيد بن منصور حدثنا سفيان عن عمرو].
سعيد بن منصور وسفيان مر ذكرهما.
وعمرو هو ابن دينار المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي جليل، أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
والحديث من الأسانيد العالية عند أبي داود لأنه رباعي.
стр. 8685
شرح حديث (أن النبي كان إذا أراد غزوة ورى غيرها)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبيد حدثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه ﵁ (أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورى غيرها وكان يقول: الحرب خدعة)].
أورد أبو داود حديث كعب بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا أراد غزوة ورى غيرها)] وكان ذلك في غزوة تبوك.
وكعب بن مالك ﵁ معروف حديثه الطويل في غزوة تبوك، وفي ذكر التورية، وأنه كان ﵊ إذا أراد غزوة ورى بغيرها، فإذا كان سيغزو إلى جهة الجنوب يسأل عن جهة الشمال، ويسأل عن الطرق والمياه في جهة الشمال، فالاستعداد موجود، فهم يستعدون للحرب، ولكن لا يعرفون الجهة، فهو يريد الجنوب فيسأل عن الطريق من جهة الشمال والمياه في جهة الشمال وغيرها، فالذي يسمع هذه الأسئلة يظن أنه سيذهب إلى جهة الشمال، فهذه من التورية والخدعة والمكر الذي يكون في الحرب.
(كان إذا أراد غزوة ورى غيرها)، وفي غزوة تبوك لم يور النبي ﷺ ، بل أعلن بأنه سيغزو الروم، واستنفر الناس ولما أراد ﷺ أن يذهب إلى مكة عام الفتح أخفى ذلك، ولما حصل إرسال حاطب بن أبي بلتعة المرأة التي معها الكتاب أطلع الله نبيه على ذلك، وألحق بها من أتى بالكتاب، لأنه كان لا يريد أن يعلم أهل مكة أنه سيذهب إليهم، لكن في غزوة تبوك أعلن بأنه سيغزو، وأن الناس يستعدون لذلك، وذلك لأن المسافة بعيدة، والعدو كبير، والحر شديد، فأراد ﷺ أن يكون الاستعداد والتهيؤ الكامل لهذه الأسباب التي هي: بعد المسافة، وكثرة العدو، وقلة الظهر، وشدة الحر.
والنبي لم يقل: إنني سأذهب إلى جهة الشمال، وهو يريد الجنوب، وإنما يسأل مجرد أسئلة، يريد أن يصرف الأنظار عن الجهة التي سيذهب إليها، فكان من يسمع الأسئلة يظنه سيذهب إلى الجهة التي يسأل عنها وهو سيذهب إلى جهة أخرى غيرها، فهذه هي التورية، وكان يقول: (الحرب خدعة)، أو خُدعة يعني: وهذه التورية من الخدعة.
стр. 8686
تراجم رجال إسناد حديث (أن النبي كان إذا أراد غزوة ورى غيرها)
قوله: [حدثنا محمد بن عبيد].
محمد بن عبيد يحتمل أن يكون ابن حساب ويحتمل أن يكون المحاربي لأن أبا داود روى عنهما جميعاً، وشيخهما محمد بن ثور رويا عنه جميعاً.
أما محمد بن عبيد بن حساب الغبري فهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
ومحمد بن عبيد المحاربي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وعلى كل: الأمر دائر بينهما؛ لأن كلاً منهما تلميذ لـ ابن ثور، وكل منهما روى عنه أبو داود، وهو محتمل هذا وهذا، محمد بن عبيد المحاربي كوفي، ومحمد بن عبيد بن حساب الغبري بصري.
ومحمد بن ثور صنعاني، من صنعاء دمشق أو صنعاء اليمن، وصنعاء دمشق هي قرية قريبة من دمشق يقال لها صنعاء، ولهذا يميزونها أحياناً بأن يقولوا: صنعاء دمشق، ولكن عند الإطلاق يراد صنعاء اليمن.
[حدثنا ابن ثور].
محمد بن ثور، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[عن معمر].
معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزهري].
وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك].
عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا، وتاب الله عليهم في قول الله ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨] وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 8687
بيان انفراد معمر بلفظ (الحرب خدعة) عن كعب
[قال أبو داود: لم يجئ به إلا معمر يريد قوله: (الحرب خدعة)، بهذا الإسناد، إنما يروى من حديث عمرو بن دينار عن جابر، ومن حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁].
ثم قال أبو داود: لم يأت به، يعني قوله: (الحرب خدعة)، أما قضية التورية فهي معروفة في حديث جابر.
فقوله: [وكان يقول: (الحرب خدعة)] لم يأت به إلا معمر بهذا الإسناد، وقد جاء لفظ: (الحرب خدعة) من حديث جابر الذي تقدم، ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وهو ثابت، ولكن روايته في هذا الحديث فيها شيء؛ لأنها لم تأت إلا من هذا الطريق الذي هو طريق معمر، والذين رووا حديث كعب بن مالك ما ذكروا: (الحرب خدعة)، فيحتمل أن تكون من كلام كعب يبين أن هذه التورية التي جاءت مضافة إلى الرسول ﷺ ، كما في حديث أبي هريرة وحديث جابر فهذا الذي جاء في حديث كعب هو من أمثلة الخدعة، أي: أنه يوري.
قوله: [إنما يروى من حديث عمرو بن دينار عن جابر].
أي: الذي مر.
قوله: [ومن حديث معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة ﵁].
معمر مر ذكره، وهمام بن منبه ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 8688
التورية ليست من الكذب
والتورية ليست من الكذب، وإنما هي صدق، ولهذا كان الرسول ﷺ إذا أراد أن يذهب إلى جهة الجنوب يسأل عن أماكن في جهة الشمال، فأي كذب في هذا؟! ليس هناك كذب، وإنما فيه قطع الطريق أمام العدو بحيث إنه تصل إليه الأخبار معكوسة؛ لأنه قد يكون له جواسيس، فإذا علم بأن الأسئلة إلى جهة أخرى يأمن ولا يستعد، بسبب هذه التورية.
وكونه يسأل عن جهة الشمال وهو يريد الجنوب ليس كذباً؛ لأنه يسأل عن الموارد والمسالك والطرق في الجهة المقابلة، وهذه تورية وهي صدق.
وأحياناً تكون التورية بأن الإنسان يريد شيئاً وغيره يفهم شيئاً آخر، فالمتكلم صادق فيما يقول؛ لكن غيره فهم شيئاً آخر، مثل تورية أم سليم لـ أبي طلحة لما جاء وقد مات ابنه، ولكنها ما أرادات أن تزعجه فسأل عنه فقالت: إنه قد سكنت نفسه واستراح، ففهم أنه قد خف مرضه، وهي تريد أنه انتهى نفسه، وخرجت روحه، فكلامها صحيح، فهي تريد شيئاً وهو فهم شيئاً آخر، وكذلك لفظ: (استراح) يفهم منه أنه حصلت له راحة وهدوء، وخف المرض عنه، وهي تريد أنه فاضت روحه، فالتورية يكون القائل فيها صادقاً في قوله، والذي يسمعه يفهم شيئاً آخر.
كذلك ما يذكر عن بعض العلماء في فتنة خلق القرآن، فمنهم من امتنع من القول بخلق القرآن كالإمام أحمد، ومنهم من ورى، ومن الذين وروا قال: أشهد أن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور هؤلاء كلهن مخلوقات.
ويشير بأصابعه، يعني: الأربع هؤلاء مخلوقات، فهذه تورية، لأنه أراد الأصابع، وذاك يفهم أنه يريد الكتب السماوية، فالتورية ليست كذباً، فالإنسان صادق في قوله، ولكنه في بعض المواضع قد يفهم خلاف ما يريده الإنسان، فهو يريد شيئاً وغيره يفهم شيئاً آخر، وتوجد أمثلة كثيرة للتورية جاءت في الأحاديث.
ومن ذلك قصة غزوة بدر لما لقي النبي ﷺ وأصحابه رجل فقال: من أين أنتم؟ قال: (نحن من ماء) فالكلام صحيح أنه من ماء.
وأما الإكثار منها فإنه لا يصلح، فالإتيان بها لا يكون إلا عند الحاجة، أما كون الإنسان يأتي بها من غير حاجة فلا يصلح، أما إذا كان من حاجة كالإكراه أو ككون الإنسان يريد أن يتخلص من إنسان ابتلي به، فلا بأس أن يأتي بشيء يوري فيه، كالذي حصل من أم سليم مع أبي طلحة رضي الله تعالى عنهما، أما كون الإنسان تكون عادته التورية من غير حاجة فهذا لا ينبغي.
стр. 8689
ما جاء في البيات
стр. 8690
شرح حديث (أمر علينا رسول الله أبا بكر فغزونا ناساً من المشركين فبيتناهم نقتلهم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في البيات.
حدثنا الحسن بن علي حدثنا عبد الصمد وأبو عامر عن عكرمة بن عمار حدثنا إياس بن سلمة عن أبيه ﵁ قال: (أمر رسول الله ﷺ علينا أبا بكر ﵁ فغزونا ناساً من المشركين فبيتناهم نقتلهم، وكان شعارنا تلك الليلة: أمت أمت، قال سلمة: فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أهل أبيات من المشركين)].
أورد أبو داود حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن النبي ﷺ أمر عليهم أبا بكر ﵁ في غزوة من الغزوات.
قوله: [(فغزونا ناساً من المشركين فبيتناهم نقتلهم)].
يعني: أنهم هاجموهم بالليل وهم بائتون وفي قصة بني المصطلق قال: (وهم غارون) وهنا قال: (وهم بائتون) يعني: هجموا عليهم في البيات، ومعلوم أن هذا بعد بلوغ الدعوة، وليس لمن لم تبلغهم الدعوة كما عرفنا.
قوله: (وكان شعارنا تلك الليلة: أمت أمت).
يعني: هذا الشعار الذي بينهم ليعرف به بعضهم بعضاً، فهي كلمة يتواطئون عليها بحيث إن كل واحد يعرف صاحبه إذا كان في ظلام أو في اختلاط بأن يقول الكلمة فيعرف أنه من أصحابه حتى لا يقتل، فكان الواحد إذا لقي أحداً يقول: أمت أمت، وهذا قد سبق في باب الشعار، والشعار: علامة يتواطئون عليها، وقد مرت جملة أحاديث منها هذا الحديث الذي هو: (أمت أمت).
قوله: [قال سلمة: فقتلت بيدي تلك الليلة سبعة أهل أبيات من المشركين].
يعني: سبع أسر.
стр. 8691
تراجم رجال إسناد حديث (أمر علينا رسول الله أبا بكر فغزونا ناساً من المشركين فبيتناهم نقتلهم)
قوله: [حدثنا الحسن بن علي].
الحسن بن علي الحلواني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[حدثنا عبد الصمد].
عبد الصمد بن عبد الواحد، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وأبو عامر].
أبو عامر العقدي وهو عبد الملك بن عمرو، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عكرمة بن عمار].
عكرمة بن عمار، وهو صدوق يغلط، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا إياس بن سلمة].
إياس بن سلمة بن الأكوع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
سلمة بن الأكوع ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 8692
شرح سنن أبي داود [٣١٢]
شرع الجهاد في الإسلام لتكون كلمة الله هي العليا، ولإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وليس لمصالح دنيوية، ولهذا فإذا أسلم الكفار صاروا إخوة للمسلمين، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم، ولا يكرهوا على الدين، ولكن يخيروا بين الإسلام أو الجزية أو القتال.
стр. 8693
ما جاء في لزوم الساقة
стр. 8694
شرح حديث: (كان رسول الله يتخلف في المسير فيزجي الضعيف ويردف)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في لزوم الساقة.
حدثنا الحسن بن شوكر حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا الحجاج بن أبي عثمان عن أبي الزبير أن جابر بن عبد الله ﵄ حدثهم قال: (كان رسول الله ﷺ يتخلف في المسير فيزجي الضعيف، ويردف، ويدعو لهم)].
أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب في لزوم الساقة.
يعني: مؤخر الجيش والمراد: أن يكون الرسول ﷺ وراء الجيش لينظر من ضعف مركوبه أو ضعف هو لكونه يمشي وليس عنده مركوب، وكذلك إذا رأى انهزاماً أو فراراً، فعندما يجد هذا المنهزم القائد أو الإمام في المؤخرة يكون ذلك دافعاً له أو مانعاً له من أن يحصل الانفلات والفرار وغير ذلك من الأسباب التي تترتب على لزوم الإمام للساقة.
أورد أبو داود حديث جابر ﵁: (أن النبي ﷺ كان يتخلف في المسير) يعني: يكون في آخر الركب وفي آخر الجيش.
(يزجي الضعيف) يعني: المركوب الذي يكون ضعيفاً يسوقه.
(ويردف الضعيف) أي: إذا كان هناك شخص يمشي يحمله ويجعله يركب وراءه، أو يقول: اركب وراء هذا، فيكون من فوائد ذلك أنه يسوق المركوب الذي قد ضعف، ويردف من كان ضعيفاً يمشي، ويدعو للجيش عموماً، ويدعو لهؤلاء الضعفة خصوصاً.
стр. 8695
تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يتخلف في المسير فيزجي الضعيف ويردف)
قوله: [حدثنا الحسن بن شوكر].
الحسن بن شوكر صدوق، أخرج له أبو داود.
[حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا الحجاج بن أبي عثمان].
ابن علية مر ذكره، والحجاج بن أبي عثمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الزبير].
أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي، صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جابر].
جابر ﵁ قد مر ذكره.
стр. 8696
على ما يقاتل المشركون
стр. 8697
شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب على ما يقاتل المشركون.
حدثنا مسدد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى)].
أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: باب على ما يقاتل المشركون، يعني: على أي شيء يقاتلون؟ يقاتلون لكونهم كفاراً إلا إذا حصل منهم الدخول في هذا الدين، وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وهاتان الشهادتان متلازمتان لا بد منهما: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
والنبي ﷺ إذا قال: (أمرت)، أو (نُهيت) فالآمر له هو الله ، وأما الصحابة إذا قالوا: أمرنا أو نهينا فالآمر لهم رسول الله ﷺ .
قوله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)، (إذا قالوها) يعني: دخلوا في الإسلام فعصموا أموالهم وأنفسهم بذلك، عصموا أنفسهم من القتل وأموالهم من الأخذ والغنيمة.
وقوله: (إلا بحقها) أي: بحق هذه الكلمة التي هي لا إله إلا الله وهو مقتضاها.
قوله: (إلا بحقها).
يمكن أن يرجع إلى الشهادة وأن مقتضاها الأخذ بما تتطلبه من الصلاة والصيام وما إلى ذلك، ويمكن أن يكون المقصود حق الأنفس والأموال في أن القتل إنما يكون إذا أسلم، فلا يقتل بسبب الكفر؛ لأنه سلم من الكفر بإسلامه وبإظهار الشهادة، ولكنه يقتل بكونه مستحقاً للقتل بعد أن يسلم إذا كان قصاصاً أو غير ذلك مما يكون مستحقاً به القتل، وكذلك المال يكون فيه معصوماً إلا إذا امتنع من الحق الذي عليه في ماله فإنه يؤخذ منه.
(وحسابهم على الله) يعني: نحن لنا الظاهر والبواطن علمها عند الله ، فلم نؤمر أن نشقق ما في القلوب ونعرف ما فيها؛ لأن ذلك من علم الله ، ولكن لنا الظاهر، وهو: أن من أظهر الإسلام قبلنا منه، والله تعالى هو الذي يتولى حسابهم سواء اتفق الظاهر والباطن أو أن الظاهر يكون على خلاف الباطن، والناس ليس لهم إلا الظاهر، والباطن علمه إلى الله ، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:٢٥ - ٢٦] فإذا دخل في الإسلام، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإنه يعصم نفسه بذلك، وإذا كان قال ذلك نفاقاً فأظهر الإسلام وأبطن الكفر فالله تعالى هو الذي يتولاه، والمنافق النفاق الاعتقادي في الدرك الأسفل من النار كما جاء ذلك في القرآن الكريم.
وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجة، فهو في الكتب كلها.
كذلك جاء الحديث عن ابن عمر ولم يذكره أبو داود هنا، وإنما هو في الصحيحين: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله) بمعنى حديث أبي هريرة، والحافظ ابن حجر في فتح الباري قال: إن هذا الحديث من غرائب الصحيح، يعني: كونه جاء من طريق واحد، يعني حديث ابن عمر قال: وقد خلا منه مسند الإمام أحمد على سعته، ومعلوم أن الحديث عند العلماء باعتبار الصحابي يكون متفقاً عليه، وعندما ينفرد به مسلم إنما هو باعتبار الصحابي، وليس معناه أن المتن يكون موجوداً عن صحابي وصحابي، وقد يكون مسلم رواه من طريق صحابي غير الصحابي الذي رواه البخاري من طريقه، والمتفق عليه أن يكون البخاري ومسلم روياه من طريق صحابي واحد مثل حديث جبريل المشهور اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث أبي هريرة، وانفرد مسلم بإخراجه من حديث عمر، فهو من أفراد مسلم عن عمر، وهو من المتفق عليه عن أبي هريرة، وهنا يقول الحافظ ابن حجر: إن حديث ابن عمر - (أمرت أن أقاتل الناس) - المتفق على صحته من غرائب الصحيح، وقد خلا منه مسند الإمام أحمد على سعته، مع أن حديث أبي هريرة الذي بمعناه موجود فيه.
وكما عرفنا أن الرواية تكون باعتبار الصحابي، فإن مسند الإمام أحمد موجود فيه حديث أبي هريرة هذا، لكن الذي لا يوجد في مسند الإمام أحمد حديث ابن عمر فالحديث يعتبر متفقاً عليه، ويعتبر فرداً من حيث الصحابي.
стр. 8698
تراجم رجال إسناد حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)
قوله: [حدثنا مسدد].
مسدد بن مسرهد البصري، ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا أبو معاوية].
محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي صالح].
وهو: ذكوان ولقبه: السمان المدني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.
стр. 8699
شرح حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني حدثنا عبد الله بن المبارك عن حميد عن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵌: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا، وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين)].
أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁، وهو موافق لحديث أبي هريرة المتقدم، ويختلف عنه في بعض الأمور.
قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله).
يعني أن يأتوا بالشهادتين: الشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه محمد ﷺ بالرسالة، وهاتان الشهادتان متلازمتان لا بد منهما، فلا تكفي شهادة أن لا إله إلا الله عن شهادة أن محمداً رسول الله، ومن أتى بالشهادة لله بالوحدانية ولم يأت بالشهادة للنبي ﷺ بالرسالة فإن ذلك لا ينفعه؛ لأن دين الإسلام مبني على هاتين الشهادتين، ومقتضاها الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ ، فالإخلاص هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، والمتابعة هي مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله ﷺ .
قوله: (وأن يستقبلوا قبلتنا).
يعني أن يتجهوا إلى القبلة التي نصلي إليها وهي الكعبة، أي على من دخلوا ديننا أن يستقبلوا قبلتنا، ولا يستقبلوا القبلة التي كانوا يستقبلونها قبل إسلامهم، مثل اليهود والنصارى وغيرهم.
قوله: (وأن يصلوا صلاتنا).
أي: يصلون الصلاة التي فرضها الله على المسلمين، وليست الصلاة التي كانت عندهم في كفرهم قبل إسلامهم، وإنما يستقبلون قبلة المسلمين ويصلون صلاة المسلمين.
قال: [(فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها)].
قوله: (إلا بحقها) أي: بحق دمائهم وأموالهم، بحيث يكونون مستحقين لأن يقتلوا إذا فعلوا ما يوجب قتلهم، وكذلك يؤخذ منهم زكاة أموالهم.
قوله: [(لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين)].
أي: لهم ما للمسلمين من الحقوق، وعليهم ما على المسلمين من الواجبات.
стр. 8700
تراجم رجال إسناد حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا)
قوله: [حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني].
سعيد بن يعقوب الطالقاني أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي.
[حدثنا عبد الله بن المبارك].
هو عبد الله بن المبارك المروزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حميد].
هو حميد بن أبي حميد الطويل، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس].
هو أنس بن مالك رضي الله خادم رسول الله ﷺ ، وقد مر ذكره.
وهذا الإسناد من أعالي الأسانيد عند أبي داود التي هي الرباعيات.
стр. 8701
شرح حديث: (أمرت أن أقاتل المشركين) وتراجم رجاله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا سليمان بن داود المهري أخبرنا ابن وهب أخبرني يحيى بن أيوب عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵌: (أمرت أن أقاتل المشركين) بمعناه].
أورد المصنف حديث أنس من طريق أخرى، وفي الحديث السابق: (أمرت أن أقاتل الناس) وهنا قال: (المشركين).
وقوله: بمعناه أي: بمعنى الحديث المتقدم عن أنس ﵁.
قوله: [حدثنا سليمان بن داود المهري].
هو سليمان بن داود المهري المصري، ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[أخبرنا ابن وهب].
هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أخبرني يحيى بن أيوب].
هو يحيى بن أيوب المصري، وهو صدوق ربما أخطأ، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حميد الطويل عن أنس].
حميد بن أبي حميد الطويل وأنس قد مر ذكرهما.
стр. 8702
شرح حديث أسامة في قتله من قال: (لا إله إلا الله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا الحسن بن علي وعثمان بن أبي شيبة المعنى قالا: حدثنا يعلى بن عبيد عن الأعمش عن أبي ظبيان حدثنا أسامة بن زيد ﵄ أنه قال: (بعثنا رسول الله ﵌ سرية إلى الحرقات، فنذروا بنا فهربوا، فأدركنا رجلاً، فلما غشيناه قال: (لا إله إلا الله) فضربناه حتى قتلناه، فذكرته للنبي ﵌ فقال: من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟! فقلت: يا رسول الله! إنما قالها مخافة السلاح! قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟! من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟! فما زال يقولها حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ)].
أورد أبو داود ﵀ حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ بعثهم في سرية إلى الحرقات -وهم من جهينة- فنذروا بهم -أي: أخبروا بغزوهم- فهربوا، فأدركوا رجلاً منهم، فلما لحقوه قال: (لا إله إلا الله) فقتلوه، وكانوا يرون أنه إنما قال ذلك خوفاً من السلاح بعد أن رفعوه عليه، ولما بلغ ذلك رسول الله ﷺ أنكر عليهم، وقال لـ أسامة: (من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟!) أي: بأي شيء تدفع هذا الإيراد وهذا الكلام في كونك تقتل مسلماً يقول: لا إله إلا الله؟! فقال: إنما قالها خوفاً من السيف.
يعني: خوفاً من القتل، فقال ﵊: ألا شققت عن قلبه لتعرف هل قالها خوفاً من السلاح أو لا؟! فقال أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه: وددت أني لم أكن أسلمت إلا يومئذ.
وهذا الحديث يدل على أن الناس لهم الظاهر، وأن من أظهر الإسلام فإنه يقبل منه، والبواطن علمها عند الله ، وعلمها موكول إلى الله ، لكن من قال: (لا إله إلا الله) فإنه يكف عنه؛ لأن هذا هو الشيء الظاهر الذي يعرف به أن الإنسان المقاتل يكون مسلماً.
قوله: [بعثنا رسول الله ﵌ سرية إلى الحرقات].
السرية قطعة من الجيش تذهب وتعود إلى الجيش.
والحرقات من جهينة.
قوله: [فنذروا بنا فهربوا].
يعني: أُنِذرُوا وأخبروا ووصلهم العلم بأنهم مغزوون فهربوا.
قوله: [فأدركنا رجلاً فلما غشيناه قال: (لا إله إلا الله) فضربناه حتى قتلناه].
يعني أنهم لما رفعوا عليه السيف قال: (لا إله إلا الله) ففهموا أنه قال ذلك خوفاً من السيف فقتلوه وقد قال: (لا إله إلا الله).
والمقصود من الترجمة أن الكفار يقاتلون على التوحيد، وأنهم إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يكف عنهم، والناس ليس لهم إلا الظاهر، يكتفون بالظاهر وعلم البواطن موكول إلى الله الذي يعلم السر والعلانية ويعلم الغيب والشهادة .
قوله: [فذكرته للنبي ﵌ فقال: (من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟!)].
أي: لما ذكر أسامة بن زيد ﵁ ذلك للنبي ﷺ قال: (من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟!) يعني: بأي شيء تجيب عن كونك قتلت مسلماً يقول: (لا إله إلا الله) وقد أظهر الإسلام ثم بعد ذلك تقتله وهو لا يستحق القتل، وليس لك حق قتله؛ لأن القتال إنما هو على التوحيد وقد وجد منه التوحيد؟! وهذا كما هو معلوم إنما هو بحسب الظاهر، وأما البواطن فإنها موكولة إلى الله .
قوله: [فقلت: يا رسول الله! إنما قالها مخافة السلاح!].
هذا هو الذي بنى عليه أسامة ﵁ ومن معه هذا الفعل الذي فعلوه، وهو أنه إنما قالها مخافة السلاح.
قوله: قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟! هنا وبخه وبين له أن مثل ذلك أمور غيبية، والغيب لا يطلع إليه إلا الله ولا يعلمه إلا الله، وما في القلوب لا يعلمه إلا الله ، فقال: ألا شققت عن قلبه لتعرف هل قالها مخافة السلاح أم قالها مؤمناً مسلماً يريد وجه الله ولم يكن خائفاً؟! قوله: [(من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟!) فما زال يقولها حتى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ].
أي: جعل رسول الله ﷺ يكرر هذه الكلمة حتى قال أسامة بن زيد: وددت أني لم أكن أسلمت إلا ذلك اليوم.
وذلك لأن الإسلام يجب ما قبله، ويكون هذا الذي حصل منه يجبه الإسلام ويخلص منه بالدخول في الإسلام، والإسلام يجب ما قبله ويهدم ما كان قبله، كما جاء في حديث عمرو بن العاص ﵁ في صحيح مسلم الذي فيه أنه لما جاء وأراد أن يسلم ومد يده إلى النبي ﷺ ليبايعه ويعلن إسلامه، قبض عمرو يده بعد أن مد رسول الله ﷺ يده فقال له: (لماذا يا عمرو؟ قال: أردت أشترط.
قال: وماذا تشترط؟ قال: أن يغفر لي.
قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله) فـ أسامة ﵁ يقول: وددت أني لم أكن أسلمت إلا ذلك اليوم.
يعني: حتى يكون هذا الصنيع الذي أنكره علي النبي ﷺ ممحوّاً بدخولي في الإسلام.
стр. 8703
تراجم رجال إسناد حديث أسامة في قتله من قال: (لا إله إلا الله)
قوله: [حدثنا الحسن بن علي].
هو الحسن بن علي الحلواني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[وعثمان بن أبي شيبة].
هو عثمان بن أبي شيبة الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي، فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة.
[حدثنا يعلى بن عبيد].
يعلى بن عبيد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الأعمش].
هو سليمان بن مهران الكاهلي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي ظبيان].
هو حصين بن جندب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا أسامة بن زيد].
هو أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما حب رسول الله ﷺ وابن حبه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 8704
سبب درء القصاص عن أسامة وقد قتل مسلماً عمداً
فإن قيل: لِمَ لَمْ يقتل النبي ﷺ أسامة بن زيد قصاصاً؟ ف
الجواب
لعل الرسول ﷺ عذره لأنه فهم أن من قال ذلك يكون مستحقاً القتل لأنه إنما قال ذلك خوفاً من القتل ولم يقله رغبة وقصداً في الدخول في الإسلام، وإنما قاله تعوذاً.
وقد قال بعض أهل العلم: لعل ذلك حصل في وقت لا ينفع معه الإيمان.
يعني مثل ما حصل لفرعون حين أعلن الإسلام عند حضور الأجل ومعاينته الموت، ومع ذلك ما نفعه إسلامه، فقالوا: إن هذا الذي حصل منه الدخول في الإسلام إنما قال ذلك لما أشرف على الهلاك ورأى أنه هالك، فقالوا: إنه لا ينفعه.
ولكن القول الأول أولى، فهم قتلوه ظناً منهم أنه قال ذلك لما غشوه بالسلاح تعوذاً وخوفاً من القتل، وأنهم محقون في قتلهم، فالنبي ﷺ عذرهم في ذلك فلم يوجب عليهم القصاص.
وقد أشار الخطابي إلى معنىً آخر، وهو أنه يشبه أن يكون المعنى فيه أن الأصل في دماء الكفار الإباحة، وهذا الذي أشار إليه الخطابي يصح اعتباره في الحرب، فالأصل أن دماءهم في الحرب على الإباحة، وأما إذا كانوا أهل ذمة أعطوا الجزية وكانوا تحت حكم الإسلام أو كانوا مستأمنين فليس الأصل حينئذٍ هو الإباحة.
стр. 8705
شرح حديث النهي عن قتل الكافر بعد قوله أسلمت لله
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا قتيبة بن سعيد عن الليث عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار عن المقداد بن الأسود ﵁ أنه أخبره أنه قال: يا رسول الله! أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله.
أفأقتله -يا رسول الله- بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﵌: (لا تقتله.
فقلت: يا رسول الله! إنه قطع يدي! قال رسول الله ﵌: لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)].
أورد أبو داود حديث المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه أنه سأل النبي ﷺ فقال: أرأيت يا رسول الله إن لقيت رجلاً من المشركين وقطع يدي فلحقته فلاذ مني بشجرة، ثم قال: أسلمت لله -يعني أنه دخل في الإسلام ودخل في هذا الدين الحنيف- أفأقتله؟ قال: (لا تقتله)، قال: إنه قطع يدي! قال: [(لا تقتله؛ فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله)].
يعني: أنت معصوم الدم، وكذلك هو بمنزلتك معصوم الدم بعد أن قال: (لا إله إلا الله) فأنت معصوم الدم لأنك مسلم، وهذا -أيضاً- بعد أن قال: (لا إله إلا الله) صار معصوم الدم، فصار بمنزلتك.
وقوله: [(وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال)].
يعني: أنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته، بمعنى أنك تستحق القتل، إلا أن قتله كان من أجل الكفر وأنت قتلك من أجل القصاص.
وقوله: [لاذ مني بشجرة] أي: هرب مني واستتر بشجرة.
стр. 8706
تراجم رجال إسناد حديث النهي عن قتل الكافر بعد قوله أسلمت لله
قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد].
هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الليث].
هو الليث بن سعد المصري، ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن شهاب].
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء بن يزيد الليثي].
عطاء بن يزيد الليثي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله بن عدي بن الخيار].
عبيد الله بن عدي بن الخيار ولد في حياة النبي ﷺ ، وقيل: هو من ثقاة التابعين، وحديثه أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
[عن المقداد بن الأسود].
المقداد بن الأسود هو المقداد بن عمرو ﵁، ويقال له: المقداد بن الأسود؛ لأن الأسود تبنَّاه فاشتهر بذلك، فكان يقال له: المقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 8707
النهي عن قتل من اعتصم بالسجود
стр. 8708
شرح حديث قصة سرية خثعم في قتلهم من اعتصم بالسجود
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود.
حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو معاوية عن إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله ﵁ أنه قال: (بعث رسول الله ﵌ سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل.
قال: فبلغ ذلك النبي ﵌ فأمر لهم بنصف العقل، وقال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين.
قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال: لا تراءى ناراهما)].
أورد أبو داود باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، يعني أنه سجد وأظهر ما يدل على إسلامه، ويعني بالترجمة النهي عن قتله وقد وجد منه شيء يدل على إسلامه.
وأورد أبو داود حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه أنه قال: [بعث رسول الله سرية إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود] يعني: لجئوا إلى السجود وسجدوا.
قوله: [فأسرع فيهم القتل].
أي: قتلوهم وهم ساجدون.
قوله: [فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر لهم بنصف العقل].
أي: أمر لهم بنصف الدية.
قيل: إنهم كانوا مسلمين، ولكنهم بين الكفار، فقتلوا كما قتل الكفار، والنبي ﷺ أمر لهم بنصف العقل، أي: بنصف الدية، ولم يأمر بها كاملة لأنهم بمقامهم مع الكفار صاروا شركاء في حصول الجناية عليهم، فصاروا مثل الذي قتل بفعله وفعل غيره، فالشيء الذي من فعله يسقط لأنه شارك في قتل نفسه، وأما من شارك في قتله فيكون عليه نصف الدية، فلا يتضمن القتل في هذه الحالة.
قوله: [قال: (أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين)].
يعني هؤلاء قتلوا بسبب وجودهم بين المشركين، وظن المسلمون أنهم منهم.
وقيل: إن اعتصامهم بالسجود ليس دليلاً واضحاً على إسلامهم؛ لأنه يوجد منهم السجود لكبرائهم وكذلك السجود لغير الله ، فمجرد السجود من الكفار لا يكفي، وإنما الذي يعول عليه هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، لكن لما كانوا مسلمين وكانوا بين الكفار وصار لهم مشاركة في أنهم قتلوا بتسبب أنفسهم وبفعل غيرهم صار على الذي حصل منه القتل نصف العقل وليس كله.
وقوله: [(لا تراءى ناراهما)] معناه الإشارة إلى التباعد بين المسلمين والكفار، وأن المسلم لا يكون مع الكفار، بل يكون بعيداً منهم بحيث لا ترى نارُه نارَهم ولا نارُهم نارَه، بمعنى أنهم إذا أوقدوا ناراً وهو أوقد ناراً فإن كلاً لا يرى نار الآخر، وذلك إشارة وكناية عن التباعد بين المسلمين والكفار.
وهذا يدل على البعد عن المشركين وعدم البقاء بين أظهرهم، لكن إذا كان البقاء بين المشركين فيه مصلحة للدعوة إلى الله ودعوتهم للإسلام فيكون سائغاً من هذه الناحية، أما إذا كان ليس كذلك، لا سيما إذا كان الإنسان يقيم بين المشركين ولا يتمكن من إظهار شعائر دينه فبقاؤه ضرر كبير عليه، وهو مستحق للوعيد الشديد، لكن إذا كان البقاء من أجل مصلحة تفوق هذه المفسدة، وهي كون بقائه فيه مصلحة للدعوة إلى الله وهداية من يهدي الله من الكفار على يديه وبسببه فإن هذا لا بأس به.
стр. 8709
تراجم رجال إسناد حديث قصة سرية خثعم في قتلهم من اعتصم بالسجود
قوله: [حدثنا هناد بن السري].
هو هناد بن السري أبو السري، ثقة، أخرج له البخاري في خلق أفعال العباد ومسلم وأصحاب السنن.
[حدثنا أبو معاوية].
هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن إسماعيل].
هو إسماعيل بن أبي خالد، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن قيس].
هو قيس بن أبي حازم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جرير بن عبد الله].
هو جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 8710
اختلاف الرواة في رفع حديث قصة سرية خثعم وتراجم رجال الإسناد
[قال أبو داود: رواه هشيم ومعمر وخالد الواسطي وجماعة لم يذكروا جريراً].
معنى قوله: [لم يذكروا جريراً] أنه مرسل من قيس بن أبي حازم يضيفه إلى النبي ﷺ ، فيكون من قبيل المرسل.
قوله: [هشيم].
هو هشيم بن بشير الواسطي ثقة مدلس، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[ومعمر].
هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وخالد الواسطي].
هو خالد بن عبد الله الواسطي الطحان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
والحديث صححه الألباني إلا فيما يتعلق بالعقل.
стр. 8711
شرح سنن أبي داود [٣١٣]
من أحكام الجهاد تحريم الفرار من الزحف، فهو من أكبر الكبائر، لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة، ولكن يجوز الفرار في حالات بينها أهل العلم.
ومن أحكام الجهاد جواز قتل الجاسوس، وقد ذكر العلماء أدلة كل كذلك.
стр. 8712
حرمة التولي يوم الزحف
стр. 8713
شرح أثر تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في التولي يوم الزحف.
حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا ابن المبارك عن جرير بن حازم عن الزبير بن خريت عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ أنه قال: نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] فشق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة، ثم إنه جاء تخفيف فقال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦] قرأ أبو توبة إلى قوله: ((يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ)) قال: فلما خفف الله تعالى عنهم من العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم].
أورد أبو داود باباً في التولي يوم الزحف يعني التولي عند التقاء جيوش المسلمين وجيوش الكفار وبدء المعركة.
والفرار والتولي يوم الزحف من الكبائر؛ لأن هذا يسبب الوهن والضعف، ومن أسباب الهزيمة للمسلمين كونه يوجد فيهم من يفر وينهزم، فيكون ذلك سبباً في هزيمة المسلمين، وهذا من الكبائر، وهو من السبع الموبقات التي جاءت في الحديث المتفق على صحته.
وأورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في المصابرة؛ وهو أنه كان في أول الأمر يجب على كل مسلم أن يصابر عشرة من المشركين، فيقف للعشرة ولا ينهزم أمامهم، بل عليه أن يثبت ويصبر، ثم إن الله خفف عنهم، وجعل المصابرة من الواحد للاثنين.
فـ ابن عباس رضي الله تعالى عنه ذكر الناسخ والمنسوخ، وقال: إنه لما نقص العدد في المصابرة نقص من الصبر بقدره، بمعنى أنه قبل كان يصابر الواحد عشرة، فصار يصابر اثنين، فنقص العدد ونقصت المصابرة بقدره.
стр. 8714
تراجم رجال إسناد أثر تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون)
قوله: [حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع].
هو أبو توبة الربيع بن نافع الحلبي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[حدثنا ابن المبارك].
هو عبد الله بن المبارك المروزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن جرير بن حازم].
جرير بن حازم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن الزبير بن خريت].
الزبير بن خريت ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي.
[عن عكرمة].
هو عكرمة مولى ابن عباس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عباس].
هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 8715
شرح حديث: (بل أنتم العكارون)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا يزيد بن أبي زياد أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه أن عبد الله بن عمر ﵄ حدثه (أنه كان في سرية من سرايا رسول الله ﵌.
قال: فحاص الناس حيصة فكنت فيمن حاص.
قال: فلما برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا يرانا أحد.
قال: فدخلنا فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﵌، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا.
قال: فجلسنا لرسول الله ﵌ قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرارون.
فأقبل إلينا فقال: لا، بل أنتم العكارون.
قال: فدنونا فقبلنا يده فقال: أنا فئة المسلمين)].
أورد أبو داود حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان في سرية، وأنهم حاصوا حيصة، أي: مالوا ميلة وانحرفوا وانهزموا وفروا، ولما برزوا وابتعدوا عن الكفار وعن المعركة ندموا على ما حصل منهم، وقالوا: إننا تولينا من الزحف.
فرأوا أن يدخلوا المدينة خفية، ثم إنهم بدا لهم أن يعرضوا أمرهم على رسول الله ﷺ ، فإن كان لهم توبة وإلا فإنهم يعودون، فلما جاءوا إلى الرسول ﷺ قبل صلاة الفجر أخبروه بالذي قد حصل وقالوا: نحن الفرارون.
فقال: [(لا، بل أنتم العكارون)].
أي: العائدون الذين هم معذورون.
وقوله: [فدنونا فقبلنا يده] فيه تقبيل اليد، وتقبيل اليد جاء فيه أحاديث ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وهو سائغ لمن يستحق أن تقبل يده، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك ديدناً، ولا يصح حين يترتب على ذلك اغترار من الذي تقبل يده أو فتنة، أو غلو من الذي يحصل منه التقبيل، وإلا فإنه في الأصل جائز وثابت عن رسول الله ﷺ .
ثم قال ﷺ : [(أنا فئة المسلمين)].
وهذا إشارة إلى الاستثناء في قوله تعالى: ((إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ)) فهذا ليس ممن توعد إذا كان متحرفاً لقتال، والمتحرف للقتال هو الذي يحصل منه شيء من أجل أن يوهم العدو أنه منهزم ثم يكر عليهم، أو يطمع العدو في نفسه حتى يرجع إليهم ويقتلهم، أو ينحرف من جهة إلى جهة في المعسكر، فيذهب من جهة إلى جهة.
والتحيز إلى فئة هو أن يكون هناك جماعة أخرى تقاتل في مكان آخر في مقابل العدو فيذهب إليهم، فيكون فاعلو هذين الأمرين غير مؤاخذين وغير متوعدين بالوعيد.
وإنما المحذور هو الذي يفر لا لهذا ولا لهذا، لا متحرفاً لقتال ولا متحيزاً إلى فئة.
فقوله ﷺ : [(أنا فئة المسلمين)] يعني أنهم برجوعهم إلى المدينة داخلون في قوله تعالى: ((أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ)) فيكونون بذلك معذورين.
والحديث ضعيف؛ لأن في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف.
стр. 8716
تراجم رجال إسناد حديث: (بل أنتم العكارون)
قوله: [حدثنا أحمد بن يونس].
أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا زهير].
هو زهير بن معاوية، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا يزيد بن أبي زياد].
يزيد بن أبي زياد ضعيف، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه].
عبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[أن عبد الله بن عمر حدثه].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 8717
شرح حديث: نزلت في يوم بدر: (ومن يولهم يومئذٍ دبره)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن هشام المصري حدثنا بشر بن المفضل حدثنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁ أنه قال: نزلت في يوم بدر ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ))].
أورد أبو داود حديث أبي سعيد الذي فيه بيان نزول الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال:١٦]،فهذه الآية نزلت في غزوة بدر، وأن التولي مذموم ومحرم إلا في حق هذين الصنفين من الناس: المتحرف لقتال والمتحيز إلى فئة.
стр. 8718
تراجم رجال إسناد حديث: نزلت في يوم بدر: (ومن يولهم يومئذٍ دبره)
قوله: [حدثنا محمد بن هشام المصري].
محمد بن هشام المصري ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[حدثنا بشر بن المفضل].
بشر بن المفضل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا داود].
هو داود بن أبي هند، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي نضرة].
هو المنذر بن مالك بن قطعة، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبي سعيد].
هو سعد بن مالك بن سنان ﵁، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
стр. 8719
الأسير يكره على الكفر
стр. 8720
شرح حديث خباب: (أتينا رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فشكونا إليه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الأسير يكره على الكفر.
حدثنا عمرو بن عون أخبرنا هشيم وخالد عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم عن خباب ﵁ أنه قال: (أتينا رسول الله ﵌ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فشكونا إليه فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فجلس محمراً وجهه فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت ما يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون)].
أورد أبو داود باب في الأسير يكره على الكفر يعني كونه مأسوراً ويكره على أن يكون كافراً فيرجع عن الإسلام إلى الكفر، والعياذ بالله.
فكون الأسير يثبت على الإسلام ولو قتل هذا هو الذي يدل عليه حديث خباب بن الأرت، ولو أن إنساناً أكره على الكفر ثم أظهر الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فإن ذلك ينفعه، ولا يكون كافراً بذلك كما جاء في القرآن الكريم، ولكن كونه يصبر ويثبت على دينه حتى لو قتل فإن هذا يكون أولى؛ حيث يدل على عزة المسلم وعظم شأن إسلامه، وأنه يثبت على الدين ولو قتل في سبيل دينه، ولكنه إن لم يصبر وأراد أن يتخلص من القتل بأن يظهر الكفر مع اطمئنان قلبه بالإيمان ومع كونه إنما يقول ذلك بلسانه دون قلبه فإنه معذور، ولا بأس بذلك.
وأورد أبو داود حديث خباب بن الأرت ﵁ أنهم جاءوا إلى الرسول ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فقالوا له وقت إيذاء المشركين لهم: [يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟] أي: تطلب النصر لنا من الله فيظهرنا على أعدائنا.
فجلس ﷺ محمراً وجهه من الغضب، فأخبرهم بأن الله سيظهر دينه، ولكن الله يبتلي المؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين، والله قادر على أن ينصر نبيه بدون قتال وبدون جهاد، ولكنه شاء أن يكون القتال والصراع بين الحق والباطل والمؤمنين والكفار، كما قال الله : ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤].
فالله قادر، ولو شاء أن ينصر المسلمين على الكفار بدون قتال لحصل ذلك، ولكنه شاء أن يبتلى المؤمنون بالكفار ليصلوا إلى ما يصلون إليه بأعمال صالحة وبهمم عالية، فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد:٤] يعني: الكفار ((وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ)) يعني: أن الوصول إلى هذه الغاية يكون بتعب؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) فالطريق الموصل إلى الجنة فيه تعب ونصب، ويحتاج الإنسان فيه إلى صبر، ولا بد من الصبر على طاعة الله، ولا بد من الصبر عن معاصي الله، ولا بد من الصبر على أقدار الله؛ لأن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، كما قال ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
قوله: [(قد كان من قبلكم)].
يعني في الأمم السابقة كان يؤتى بالرجل فيحفر له حفرة ثم يدفن فيها حتى لا يهرب وحتى لا يفر؛ لأن جسمه قد دفن في الأرض وما بقي إلا رأسه ظاهراً، فيؤتى بالمنشار ويطلب منه أن يرجع عن دينه ويترك دينه، فيأبى ويبقى على دينه فيفلق فلقتين، وكان يؤتى بأمشاط الحديد ثم تحرك على رأس الإنسان فتقطع كل ما تمر به دون العظم من عصب ولحم، كل ذلك من أجل أن يرجع عن دينه فلا يرجع، وهذا أذىً شديد وعذاب عظيم، ومع ذلك كانوا يصبرون، فأنتم مطلوب منكم أن تقاتلوا المشركين وأن تصبروا، والله قادر على نصرة أوليائه، ولكنه شاء أن يبتليهم.
قوله: [(والله ليتمن الله هذا الأمر)].
يعني أن الغاية التي تريدونها والأمر الذي تريدونه سيحصل، وهذا من دلائل نبوته ﵊، وهو أنه يخبر بالأمور المستقبلة والأمور المغيبة فتقع كما أخبر، وكان الصحابة يصدقون بحصولها ووقوعها حينما يبلغهم الخبر بها عن النبي ﷺ ، فيصدقون ويؤمنون بأن ما أخبر به النبي ﵊ لا بد أن يوجد.
فأخبر النبي ﷺ بهذا الأمر الذي يريدونه أنه سيحصل، ولكن الله شاء أن يكون الطريق الموصل إليه فيه تعب وفيه نصب، ولا يحصل بسهولة ويسر بدون أن يتعبوا وبدون أن ينصبوا وبدون أن يتميز من يصبر ممن لا يصبر، ومن يثبت ممن لا يثبت، فقال صلى الله عليه سولم: [(والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه)] يعني: لا يخاف إلا الله الذي هو النافع الضار والذي لا يحصل نفع إلا بقضائه وقدره، ولا يحصل ضرر إلا بقضائه وقدره، كما قال ﵊ في وصيته لـ ابن عباس (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) فأخبر النبي ﷺ بحصول الأمن وأن الراكب سيسافر وحده، بل جاء في بعض الأحاديث أن الضعينة ستسافر وحدها لا تخشى أحداً.
وكذلك لا يخاف إلا الذئب على غنمه، وهذا من الأسباب العادية التي جعلها الله من أسباب إلحاق الضرر بالشخص، وهي بقضاء الله وقدره، وفي ذلك بيان أن الأسباب تخشى، ولكن لا تكون خشيتها على اعتبار أن الأمر حاصل منها ومتعلق بها، بل ذلك بقضاء الله وقدره؛ لأنه لا يكون شيء من الأسباب ضاراً إلا وقد جعله الله ضاراً، ولا يكون سبب نافعاً إلا وقد جعله الله نافعاً، وقد يوجد السبب ولا يوجد المسبب، فقد يوجد الذئب، ولكن الله تعالى يعصم ويحفظ الغنم من أن يصل إليها الذئب، وقد يقدر الله أن الذئب يصيبها.
قوله: [(ولكنكم تعجلون)] أي: تستعجلون فتريدون أن تحصل الأمور بدون تعب، وتريدون أن يحصل لكم شيء بدون مقابل وبدون نصب، والأمر هو كما قال ﵊: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات).
следующие страницы →