← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

تراجم رجال إسناد حديث: (بل أنتم العكارون) قوله: [حدثنا أحمد بن يونس]. أحمد بن يونس ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا زهير]. هو زهير بن معاوية، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا يزيد بن أبي زياد]. يزيد بن أبي زياد ضعيف، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [أن عبد الرحمن بن أبي ليلى حدثه]. عبد الرحمن بن أبي ليلى ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أن عبد الله بن عمر حدثه]. هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8717

شرح حديث: نزلت في يوم بدر: (ومن يولهم يومئذٍ دبره) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن هشام المصري حدثنا بشر بن المفضل حدثنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد ﵁ أنه قال: نزلت في يوم بدر ((وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ))]. أورد أبو داود حديث أبي سعيد الذي فيه بيان نزول الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال:١٦]،فهذه الآية نزلت في غزوة بدر، وأن التولي مذموم ومحرم إلا في حق هذين الصنفين من الناس: المتحرف لقتال والمتحيز إلى فئة.

стр. 8718

تراجم رجال إسناد حديث: نزلت في يوم بدر: (ومن يولهم يومئذٍ دبره) قوله: [حدثنا محمد بن هشام المصري]. محمد بن هشام المصري ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي. [حدثنا بشر بن المفضل]. بشر بن المفضل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا داود]. هو داود بن أبي هند، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبي نضرة]. هو المنذر بن مالك بن قطعة، وهو ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن أبي سعيد]. هو سعد بن مالك بن سنان ﵁، وهو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8719

الأسير يكره على الكفر

стр. 8720

شرح حديث خباب: (أتينا رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فشكونا إليه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الأسير يكره على الكفر. حدثنا عمرو بن عون أخبرنا هشيم وخالد عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم عن خباب ﵁ أنه قال: (أتينا رسول الله ﵌ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فشكونا إليه فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فجلس محمراً وجهه فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت ما يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون)]. أورد أبو داود باب في الأسير يكره على الكفر يعني كونه مأسوراً ويكره على أن يكون كافراً فيرجع عن الإسلام إلى الكفر، والعياذ بالله. فكون الأسير يثبت على الإسلام ولو قتل هذا هو الذي يدل عليه حديث خباب بن الأرت، ولو أن إنساناً أكره على الكفر ثم أظهر الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان فإن ذلك ينفعه، ولا يكون كافراً بذلك كما جاء في القرآن الكريم، ولكن كونه يصبر ويثبت على دينه حتى لو قتل فإن هذا يكون أولى؛ حيث يدل على عزة المسلم وعظم شأن إسلامه، وأنه يثبت على الدين ولو قتل في سبيل دينه، ولكنه إن لم يصبر وأراد أن يتخلص من القتل بأن يظهر الكفر مع اطمئنان قلبه بالإيمان ومع كونه إنما يقول ذلك بلسانه دون قلبه فإنه معذور، ولا بأس بذلك. وأورد أبو داود حديث خباب بن الأرت ﵁ أنهم جاءوا إلى الرسول ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فقالوا له وقت إيذاء المشركين لهم: [يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟] أي: تطلب النصر لنا من الله فيظهرنا على أعدائنا. فجلس ﷺ محمراً وجهه من الغضب، فأخبرهم بأن الله سيظهر دينه، ولكن الله يبتلي المؤمنين بالكفار والكفار بالمؤمنين، والله قادر على أن ينصر نبيه بدون قتال وبدون جهاد، ولكنه شاء أن يكون القتال والصراع بين الحق والباطل والمؤمنين والكفار، كما قال الله : ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤]. فالله قادر، ولو شاء أن ينصر المسلمين على الكفار بدون قتال لحصل ذلك، ولكنه شاء أن يبتلى المؤمنون بالكفار ليصلوا إلى ما يصلون إليه بأعمال صالحة وبهمم عالية، فقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ [محمد:٤] يعني: الكفار ((وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ)) يعني: أن الوصول إلى هذه الغاية يكون بتعب؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات) فالطريق الموصل إلى الجنة فيه تعب ونصب، ويحتاج الإنسان فيه إلى صبر، ولا بد من الصبر على طاعة الله، ولا بد من الصبر عن معاصي الله، ولا بد من الصبر على أقدار الله؛ لأن الجنة حفت بالمكاره، والنار حفت بالشهوات، كما قال ذلك رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. قوله: [(قد كان من قبلكم)]. يعني في الأمم السابقة كان يؤتى بالرجل فيحفر له حفرة ثم يدفن فيها حتى لا يهرب وحتى لا يفر؛ لأن جسمه قد دفن في الأرض وما بقي إلا رأسه ظاهراً، فيؤتى بالمنشار ويطلب منه أن يرجع عن دينه ويترك دينه، فيأبى ويبقى على دينه فيفلق فلقتين، وكان يؤتى بأمشاط الحديد ثم تحرك على رأس الإنسان فتقطع كل ما تمر به دون العظم من عصب ولحم، كل ذلك من أجل أن يرجع عن دينه فلا يرجع، وهذا أذىً شديد وعذاب عظيم، ومع ذلك كانوا يصبرون، فأنتم مطلوب منكم أن تقاتلوا المشركين وأن تصبروا، والله قادر على نصرة أوليائه، ولكنه شاء أن يبتليهم. قوله: [(والله ليتمن الله هذا الأمر)]. يعني أن الغاية التي تريدونها والأمر الذي تريدونه سيحصل، وهذا من دلائل نبوته ﵊، وهو أنه يخبر بالأمور المستقبلة والأمور المغيبة فتقع كما أخبر، وكان الصحابة يصدقون بحصولها ووقوعها حينما يبلغهم الخبر بها عن النبي ﷺ ، فيصدقون ويؤمنون بأن ما أخبر به النبي ﵊ لا بد أن يوجد. فأخبر النبي ﷺ بهذا الأمر الذي يريدونه أنه سيحصل، ولكن الله شاء أن يكون الطريق الموصل إليه فيه تعب وفيه نصب، ولا يحصل بسهولة ويسر بدون أن يتعبوا وبدون أن ينصبوا وبدون أن يتميز من يصبر ممن لا يصبر، ومن يثبت ممن لا يثبت، فقال صلى الله عليه سولم: [(والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه)] يعني: لا يخاف إلا الله الذي هو النافع الضار والذي لا يحصل نفع إلا بقضائه وقدره، ولا يحصل ضرر إلا بقضائه وقدره، كما قال ﵊ في وصيته لـ ابن عباس (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) فأخبر النبي ﷺ بحصول الأمن وأن الراكب سيسافر وحده، بل جاء في بعض الأحاديث أن الضعينة ستسافر وحدها لا تخشى أحداً. وكذلك لا يخاف إلا الذئب على غنمه، وهذا من الأسباب العادية التي جعلها الله من أسباب إلحاق الضرر بالشخص، وهي بقضاء الله وقدره، وفي ذلك بيان أن الأسباب تخشى، ولكن لا تكون خشيتها على اعتبار أن الأمر حاصل منها ومتعلق بها، بل ذلك بقضاء الله وقدره؛ لأنه لا يكون شيء من الأسباب ضاراً إلا وقد جعله الله ضاراً، ولا يكون سبب نافعاً إلا وقد جعله الله نافعاً، وقد يوجد السبب ولا يوجد المسبب، فقد يوجد الذئب، ولكن الله تعالى يعصم ويحفظ الغنم من أن يصل إليها الذئب، وقد يقدر الله أن الذئب يصيبها. قوله: [(ولكنكم تعجلون)] أي: تستعجلون فتريدون أن تحصل الأمور بدون تعب، وتريدون أن يحصل لكم شيء بدون مقابل وبدون نصب، والأمر هو كما قال ﵊: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات).

стр. 8721

تراجم رجال إسناد حديث خباب: (أتينا رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فشكونا إليه) قوله: [حدثنا عمرو بن عون]. عمرو بن عون ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا هشيم وخالد]. هشيم مر ذكره، وخالد هو خالد بن عبد الله الطحان الواسطي، وكل منهما ثقة، أخرج حديثهما أصحاب الكتب الستة. [عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم]. إسماعيل وقيس بن أبي حازم قد مر ذكرهما. [عن خباب]. هو خباب بن الأرت ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8722

حكم الجاسوس إذا كان مسلماً

стр. 8723

شرح حديث قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ في بعثه الكتاب إلى قريش قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلماً. حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن عمرو حدثه حسن بن محمد بن علي أخبره عبيد الله بن أبي رافع -وكان كاتباً لـ علي بن أبي طالب - قال: سمعت علياً ﵁ يقول: (بعثني رسول الله ﵌ أنا والزبير والمقداد ﵄ فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ضعينة معها كتاب فخذوه منها. فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالضعينة، فقلنا: هلمي الكتاب. فقالت: ما عندي من كتاب. فقلت: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. فأخرجته من عقاصها، فأتينا به النبي ﵌ فإذا هو من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ إلى ناس من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﵌، فقال: ما هذا يا حاطب؟! فقال: يا رسول الله! لا تعجل علي؛ فإني كنت امرأً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها، وإن قريشاً لهم بها قرابات يحمون بها أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك أن أتخذ فيهم يداً يحمون قرابتي بها، والله -يا رسول الله- ما كان بي من كفر ولا ارتداد. فقال رسول الله ﵌: صدقكم. فقال عمر ﵁: دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال رسول الله ﵌: قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم!)]. أورد أبو داود [باب في حكم الجاسوس إذا كان مسلماً] يعني: ماذا يفعل به؟ هل يقتل أو لا يقتل؟ والذي يظهر أن حكمه يرجع إلى الإمام، وأنه يرى ما فيه المصلحة، فإن قتله فله قتله، وإن أبقاه فله إبقاؤه، وقد أورد أبو داود حديث علي بن أبي طالب ﵁ في قصة حاطب. وذلك لأن النبي ﷺ لما أراد أن يغزو مكة عام الفتح أخفى الخبر عن الناس حتى لا يحصل اطلاع ومعرفة من الكفار بقدوم النبي ﷺ فيستعدون. وكان النبي ﷺ إذا أراد غزوة ورى بغيرها إلا في غزوة تبوك فإنه أعلن أنه سيغزو الروم، وأمر الناس بالاستعداد وأمرهم بالنفير، وفي غيرها كان يوري حتى يخفى الخبر على الكفار الذين يريد أن يغزوهم ﷺ . وحصل من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ أنه كتب كتاباً إلى الكفار بمكة يخبرهم بشيء من خبر النبي ﷺ وأنه يريد أن يأتي إليهم وأنه يتهيأ لغزوهم، وأرسل بذلك مع ضعينة -امرأة- فذهبت بهذا الكتاب. فالله تعالى أطلع نبيه على ذلك، فأرسل علياً ومعه الزبير والمقداد بن الأسود ليأتوا بذلك الكتاب الذي مع هذه المرأة، وقال: [(اذهبوا إلى روضة خاخ)] وهي مكان بين مكة والمدينة، وأخبرهم بأنهم سيجدون امرأة معها الكتاب فليأتوا به، فذهبوا وأدركوها في المكان الذي أخبرهم به رسول الله ﷺ ، وهذا من الغيب الذي أطلع الله نبيه ﵊ عليه، والله تعالى يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من غيبه، وقد أطلع الله نبيه ﷺ على كثير من الغيوب، ولكنه لم يطلعه على كل غيب، فعلم الغيب على الإطلاق من خصائص الله ، قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] فالنبي ﷺ لا يعلم متى تقوم الساعة، وقد جاء في حديث جبريل (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) وجاءت أحاديث كثيرة تدل على حصول أمور مغيبة لم يعلمها رسول الله ﵊، مثل العقد الذي كان لـ عائشة فقد مكثوا يبحثون عنه وكان تحت الجمل الذي تركب عليه عائشة، وكذلك في قصة الإفك ما كان ﷺ يعلم الحقيقة، بل قال لـ عائشة: (إذا كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفريه) ومكث خمسين يوماً وهو حزين متألم، وبعد ذلك أنزل الله براءتها في آيات تتلى من سورة النور، فعلم ﵊ أنها بريئة، وقبل ذلك ما كان يعلم أنها بريئة، بل كان يقول لها: (يا عائشة! إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفريه) وهجرها وذهبت إلى أهلها وحصل ما حصل، ولم يكن يعلم بذلك الغيب حتى أنزل الله عليه ما أنزل من القرآن الذي فيه براءتها رضي الله تعالى عنها وأرضاها. فلما لحق الثلاثة بالمرأة قالوا: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي من كتاب. فقالوا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. أي: نفتشك ونخرجه منك. لأن الرسول أخبر بأنه معها، والرسول ﷺ صادق فيما يقول، فإذاً الكتاب موجود، وقد أمروا بأن يذهبوا للإتيان به، فهددوها وأخبروها، بل ورد في بعض الروايات أنهم هددوها بالقتل، فأخرجته من عقاصها، قيل: إنه كان في رأسها. وجاء في بعض الروايات أنه كان في حقوها، وجمع بينهما بأن قالوا: لعله كان في حقوها وربطته في طرف عقيصتها. فجاءوا إلى النبي ﷺ ، وإذا بموضوعه من حاطب بن أبي بلتعة إلى كفار قريش يخبرهم ببعض خبر النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : [(ما هذا يا حاطب؟!)] فقال: لا تعجل علي يا رسول الله، والله ما بي -يا رسول الله- من كفر ولا ارتداد. يعني: ما كنت باقياً على الكفر وأظهرت الإسلام نفاقاً مع أنني أبطن الكفر، ولا ارتددت بعد أن دخلت في الإسلام، فما خرجت منه إلى الكفر، فلست باقياً على الكفر وأظهرت الإسلام نفاقاً مع إبطان الكفر، وما دخلت في الإسلام ثم خرجت منه ورجعت إلى الكفر بالردة. فقوله: [ما كان بي من كفر ولا ارتداد] معناه أنه ليس باقياً على الكفر مظهراً للإسلام نفاقاً كما هو شأن المنافقين الذين لما قوي الإسلام وظهر الإسلام أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، فهم كفار، وذلك لأن قلوبهم معقودة على الكفر وباقية على الكفر، ولكنهم أظهروا الإسلام خوفاً من المسلمين، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] وقوله: [ولا ارتداد] يعني: ما دخلت في الإسلام ثم خرجت منه بالردة ورجعت إلى الكفر والعياذ بالله. ثم بين سبب فعله بأن الموجودين في المدينة من المهاجرين لهم أقارب في مكة يحمون أهليهم وذويهم عندما يحصل الغزو، وقال: وأنا لست من أنفسهم، وإنما كنت ملصقاً بهم. يعني: أنا حليف من حلفائهم ولست من أنفسهم، فأراد إذ فاته أن يكون منهم من يحمون من يكون قريباً له أن تكون له هذه اليد عندهم حتى يحموا قرابته. فقال الرسول ﷺ : [(صدقكم)] فأخبر بأنه قد صدق، فقال عمر ﵁: [دعني أضرب عنق هذا المنافق] مع أن حاطباً قال: [ما كان بي من كفر] ومعناه: إني لست منافقاً باقياً على النفاق. فـ عمر ﵁ وأرضاه رأى أن هذا الفعل هو فعل من يظهر الإيمان ويبطن الكفر، فقال: [دعني أضرب عنق هذا المنافق]. فقال ﷺ : [إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم!] فكونه من أهل بدر وكونه من الذين حصلت لهم تلك الفضيلة وتلك المنقبة، فنهايتهم طيبة، وما يحصل منهم فإنه مغفور لهم، ويكونون في الآخرة من أهل الجنة، فهذا يجعل حاطباً ﵁ لا يؤاخذ بما فعل. قوله: [فأخرجته من عقاصها]. العقاص هو ضفائر شعر رأسها. قوله: [فقال: يا رسول الله! لا تعجل علي؛ فإني كنت امرأً ملصقاً في قريش ولم أكن من أنفسها، وإن قريشاً لهم بها قرابات يحمون بها أهليهم بمكة]. المقصود بقوله: [وإن قريشاً] المهاجرون الذين في المدينة، فقد كان لهم قرابات يحمون قراباتهم، وأما أنا فليس لي قرابات، فلست مثل بقية المهاجرين، فأردت أن تكون هذه اليد التي أقدمها لهم تقوم مقام القرابة التي حصلت للناس الآخرين فيحمون قرابتي وأهلي هناك. وقول عمر ﵁: [دعني أضرب عنق هذا المنافق] وإجابة النبي ﷺ بأنه شهد بدراً فيه إشارة إلى جواز قتل الجاسوس؛ لأنه ما ذكر شيئاً يمنع منه إلا كونه شهد بدراً، ففهم منه أنه لو لم يكن عنده هذه المنقبة لكان أهلاً لأن يقتل، ولكن الذي حصل لهذا الرجل ﵁ أنه شهد بدراً، وأهل بدر قد قال الله تعالى فيهم ما قال، وهذا يدل على أن أهل بدر نهاياتهم حسنة، وأن مآلهم إلى الجنة، وهم من خيار أصحاب رسول الله ﷺ ، وأنهم مغفور لهم في الآخرة، لكن هذا لا يعني أن من وجب عليه منهم شيء في الدنيا لا يؤاخذ به ويسقط عنه. بل لو فعل أمراً يستحق عليه حداً أو نحو ذلك فإنه يؤاخذ به، وإنما الكلام فيما يتعلق بالآخرة.

стр. 8724

تراجم رجال إسناد حديث قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ في بعثه الكتاب إلى قريش قوله: [حدثنا مسدد]. هو مسدد بن مسرهد البصري، ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي. [حدثنا سفيان]. هو سفيان بن عيينة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو]. هو عمرو بن دينار، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثه حسن بن محمد بن علي]. حسن بن محمد بن علي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبره عبيد الله بن أبي رافع]. عبيد الله بن أبي رافع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [سمعت علياً]. هو علي بن أبي طالب ﵁، أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8725

إسناد آخر لحديث قصة حاطب وتراجم رجاله قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا وهب بن بقية عن خالد عن حصين عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ بهذه القصة، قال: (انطلق حاطب فكتب إلى أهل مكة أن محمداً ﷺ قد سار إليكم وقال فيه: قالت: ما معي كتاب. فانتحيناها فما وجدنا معها كتاباً، فقال علي: والذي يحلف به لأقتلنك أو لتخرجن الكتاب) وساق الحديث]. هذا الإسناد الثاني الذي أورده المصنف عن علي رضي الله تعالى عنه هو قريب من الأول. قوله: [فانتحيناها]. أي: قصدناها فحاولوا أخذ الكتاب فما وجدوه معها. وقوله: [والذي يحلف به]. الذي يحلف به هو الله تعالى، فالحلف لا يكون إلا بالله تعالى. قوله: [حدثنا وهب بن بقية]. هو وهب بن بقية الواسطي، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. [عن خالد]. هو خالد بن عبد الله الواسطي الطحان، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن حصين]. هو حصين بن عبد الرحمن السلمي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعد بن عبيدة]. سعد بن عبيدة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي عبد الرحمن السلمي]. هو عبد الله بن حبيب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن علي]. هو علي بن أبي طالب ﵁، ابن عم رسول الله ﵊، وصهره زوج ابنته فاطمة، وأبو الحسنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة ﵁ وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

стр. 8726

الجاسوس الذمي

стр. 8727

شرح حديث أمره ﷺ بقتل فرات بن حيان حين كان عيناً لأبي سفيان قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الجاسوس الذمي. حدثنا محمد بن بشار حدثني محمد بن محبب أبو همام الدلال حدثنا سفيان بن سعيد عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن فرات بن حيان ﵁ أن رسول الله ﵌ أمر بقتله، وكان عيناً لـ أبي سفيان ﵁، وكان حليفاً لرجل من الأنصار، فمر بحلقة من الأنصار فقال: إني مسلم. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله! إنه يقول: إنني مسلم! فقال رسول الله ﵌: (إن منكم رجالاً نكلهم إلى إيمانهم، منهم فرات بن حيان)]. أورد أبو داود [باب في الجاسوس الذمي] يعني: ماذا يصنع به وماذا يعمل به. والذمي هو الذي له ذمة وله عهد، فإذا صار جاسوساً فإنه يكون ناقضاً لعهده وللإمام أن يقتله. فالذمي هو الكافر الذي له عهد وذمة، فإذا غزا المسلمون بلاداً فدخل أهلها في ولايتهم وصاروا يدفعون الجزية لبقائهم على كفرهم صاروا أهل ذمة، وابن القيم له كتاب واسع في أحكام أهل الذمة من أحسن ما كتب في بيان أحكام أهل الذمة وما يتعلق بهم من مسائل وأحكام مختلفة، وهو كتاب واسع في عدة مجلدات، فهو من أحسن ما يرجع إليه فيما يتعلق بأحكام الكفار والتعامل معهم، سواء أكان في التهنئة أم في التعزئة أم في السلام أم في غير ذلك مما يتعلق بأحكام الكفار أهل الذمة وغير أهل ذمة. وقد أورد أبو داود حديث فرات بن حيان ﵁ أنه كان جاسوساً لـ أبي سفيان، وقد جاء في بعض الروايات أنه كان ذمياً وكان جاسوساً، ففي مسند الإمام أحمد أنه كان ذمياً، وهذا هو الذي فيه مطابقة للترجمة من جهة كونه ذمياً، وأنه كان عيناً -أي: جاسوساً- لـ أبي سفيان في حال كفره، وذلك قبل أن يسلم، فالرسول ﷺ أمر بقتله، وهذا يدل على أن الجاسوس الكافر إذا كان ذمياً فإنه يكون قد نقض عهده بذلك ويحل قتله، والنبي ﷺ أرشد إلى قتله، فجاء إلى مجلس جماعة من الأنصار فقال: [إني مسلم]. أي أن النبي ﷺ أمر بقتله، ولكن فراتاً أخبرهم بأنه مسلم، أي: دخل في الإسلام، وكان جاسوساً قبل أن يسلم. فقال رجل من الأنصار: [يا رسول الله! إنه يقول: إنه مسلم]. فقال رسول الله ﷺ : [(إن منكم رجالاً نكلهم إلى إيمانهم)]. يعني ما يقولونه بألسنتهم من أنهم مؤمنون وأنهم مسلمون، أي: الحكم بالظاهر؛ لأن الكافر إذا قال: إنه مسلم. أو قال: آمنت بالله. أو قال: أشهد أن لا إله إلا الله فإن الحكم أنه يكون مسلماً بذلك، ولا يبحث عما سوى ذلك؛ لأن الظاهر للناس والباطن علمه إلى الله ، وقد مر في بعض الأحاديث: (أفلا شققت عن قلبه) يعني الذي قتل بعد أن قال: (لا إله إلا الله). قال ﷺ : [(إن منكم رجالاً نكلهم إلى إيمانهم منهم فرات بن حيان)]. أي: أن فرات بن حيان من هؤلاء الذين نكلهم إلى إيمانهم. ومحل الشاهد من هذا أن الرسول ﷺ أمر بقتله من أجل تجسسه، ولكن الإسلام هو الذي منع من ذلك وحال بينه وبين أن يقتل. وقد كان جاسوساً لـ أبي سفيان، ولا ندري هل كان -أيضاً- من أهل الذمة أم لم يكن له عهد، ويمكن أن يكون عاش تحت ولاية الإسلام ولكنه استخدم للتجسس.

стр. 8728

تراجم رجال إسناد حديث أمره ﷺ بقتل فرات بن حيان حين كان عيناً لأبي سفيان قوله: [حدثنا محمد بن بشار]. هو محمد بن بشار الملقب بـ بندار البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [حدثني محمد بن محبب أبو همام الدلال]. محمد بن محبب أبو همام الدلال ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سفيان بن سعيد]. هو سفيان بن سعيد الثوري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي إسحاق]. هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن حارثة بن مضرب]. حارثة بن مضرب ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [عن فرات بن حيان]. هو فرات بن حيان ﵁، وحديثه أخرجه أبو داود وحده.

стр. 8729

الجاسوس المستأمن

стр. 8730

شرح حديث: (أتى النبي ﷺ عين من المشركين وهو في سفر) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الجاسوس المستأمن. حدثنا الحسن بن علي حدثنا أبو نعيم حدثنا أبو عميس عن ابن سلمة بن الأكوع عن أبيه ﵁ أنه قال: (أتى النبي ﵌ عين من المشركين وهو في سفر، فجلس عند أصحابه ثم انسل، فقال النبي ﵌: اطلبوه واقتلوه. قال: فسبقتهم إليه فقتلته وأخذت سلبه فنفلني إياه)]. أورد أبو داود [باب في الجاسوس المستأمن]. المستأمن هو الذي له أمان، وهو الذي يدخل إلى بلاد المسلمين ويعطى أماناً على نفسه وماله مدة بقائه في بلاد المسلمين. وأورد أبو داود ﵀ حديث سلمة بن الأكوع، وفيه ذكر قصة الرجل الذي جاء إلى رسول الله ﷺ وأصحابه في سفر، وأنه جاء وأناخ بعيره ودخل معهم، وبعد ذلك انسل بسرعة وركب بعيره وهرب، فعلموا أنه جاسوس، فأمر النبي ﷺ باللحاق به وبقتله، فلحقوه، وكان الذي أدركه سلمة بن الأكوع، وكان عدَّاءً -أي: سباقاً على رجليه- فسبق الذين على الإبل حتى تقدم عليهم وأمسك خطام جمل الجاسوس وقتله، فأعطاه النبي ﷺ سلبه. والحديث ليس فيه دليل واضح على الاستئمان، ولكن كونه جاء وجلس معهم ورأى حالة أصحاب رسول الله ﷺ ثم انطلق بسرعة معناه أن له حكم المستأمن الذي أعطي أماناً. ولكن البخاري بوب لهذا بقوله: (باب الجاسوس بغير أمان) يعني: وليس له أمان؛ لأن هذا جاء ولم يكن له أمان، فلعل أبا داود أراد من وراء ذلك أن يبين أن حكم المستأمن يكون كذلك، وأنه إذا حصل منه تجسس فإنه ينقض أمانه ويستحق القتل. وهذا الجاسوس الذي جاء وجلس مع أصحاب رسول الله ﷺ ورأى حالهم ثم انسل فعرفوا أنه جاسوس ما كان ابن سبيل أو عابر سبيل، وما جاء ليشاركهم في أكلهم أو ليكون ضيفاً عندهم، وإنما جاء ليتجسس ثم انصرف بسرعة وهرب، فعند ذلك عرفوا أنه جاسوس فلحقوه، وقتله سلمة بن الأكوع، فأعطاه النبي ﷺ سلبه. قوله: [أتى النبي ﵌ عين من المشركين وهو في سفر فجلس عند أصحابه ثم انسل]. أي: جلس عند أصحاب رسول الله ﷺ ورأى ضعف حالهم وضعف ركابهم وما فيهم من ضعف. [فانسل] يعني: خرج منسلاً إلى بعيره، وكان قد قيده، ففك قيده وركب عليه ثم هرب. قوله: [فقال النبي ﵌ اطلبوه فاقتلوه. قال: فسبقتهم إليه فقتلته وأخذت سلبه فنفلني إياه]. هذا اختصار للقصة، وستأتي بكمالها في الحديث الآتي. فـ سلمة بن الأكوع ﵁ لحقه يعدو على رجليه، وكان ممن لحقه صاحب ناقة ورقاء كانت من أحسن الركاب، ولكنه سبق الناقة وسبق الجمل حتى تقدم وأمسك بخطامه وأناخه، ولما أناخه اخترط سيفه وضرب عنقه فسقط رأسه ومات.

стр. 8731

تراجم رجال إسناد حديث (أتى النبي ﷺ عين من المشركين وهو في سفر) قوله: [حدثنا الحسن بن علي]. هو الحسن بن علي الحلواني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي. [حدثنا أبو نعيم]. هو الفضل بن دكين الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو عميس]. هو عتبة بن عبد الله المسعودي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن سلمة بن الأكوع]. هو إياس بن سلمة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. هو سلمة بن الأكوع ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8732

شرح حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه في قتله جاسوساً للمشركين قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا هارون بن عبد الله أن هاشم بن القاسم وهشاماً حدثاهم قالا: حدثنا عكرمة قال: حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي سلمة بن الأكوع ﵁ أنه قال: (غزوت مع رسول الله ﵌ هوازن. قال: فبينما نحن نتضحى وعامتنا مشاة وفينا ضعفة إذ جاء رجل على جمل أحمر، فانتزع طلقاً من حقو البعير فقيد به جمله، ثم جاء يتغدى مع القوم، فلما رأى ضعفتهم ورقة ظهرهم خرج يعدو إلى جمله فأطلقه ثم أناخه فقعد عليه، ثم خرج يركضه، واتبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء هي أمثل ظهر القوم، قال: فخرجت أعدو فأدركته ورأس الناقة عند ورك الجمل وكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته بالأرض اخترطت سيفي فأضرب رأسه فندر، فجئت براحلته وما عليها أقودها، فاستقبلني رسول الله ﵌ في الناس مقبلاً فقال: من قتل الرجل؟ فقالوا: سلمة بن الأكوع. قال: له سلبه أجمع) قال هارون هذا لفظ هاشم]. أورد أبو داود حديث سلمة بن الأكوع ﵁، وهو أكثر تفصيلاً لهذه القصة من الرواية السابقة، وقد أخبر سلمة بن الأكوع ﵁ بأنهم كانوا في غزوة هوازن، وأن الصحابة ﵃ كانوا قد نزلوا يأكلون طعاماً في الضحى، قال: نتضحى مثلما يقال: نتغدى ونتعشى. أي: طعام الغداة وطعام العشاء. فجلسوا يأكلون في وقت الضحى فجاء هذا الرجل وشاركهم في الأكل وهو جاسوس، فلما رأى رقة حالهم وضعفهم انسل وركب، وكان حين وصل إليهم قد انتزع طلقاً من حقو جمله -والطلق هو عقال من جلد- فقيده به، أي: وضعه على يديه بحيث لا يمشي مع استطاعته أن يتحرك ليرعى. فلما رأى حالتهم انسل وأطلق عقال جمله وأناخه وركب عليه، ثم جعل يركضه، أي: يستحثه على الجري والعدو، فأمر النبي ﷺ باللحاق به وقتله، فلحقه رجل من أسلم من جماعة سلمة بن الأكوع على ناقة ورقاء هي أمثل الإبل التي معهم، فكان رأسها عند ورك الجمل، فلحق بهما سلمة حتى صار عند ورك الناقة، ثم تقدم حتى صار عند ورك الجمل، ثم تقدم حتى صار أمامه وأمسك بخطامه وأناخه، ولما أناخه وصارت ركبة البعير في الأرض اخترط سيفه فضرب رأسه فندر، أي: سقط رأسه، فجاء بالبعير يقوده وما عليه، فاستقبله الرسول ﷺ هو والناس، أي: قاموا من أماكنهم يستقبلون اللذين ذهبا لقتل هذا الجاسوس فلما وصلا قال ﷺ : [(من الذي قتله؟)] قالوا: سلمة بن الأكوع فقال: [(له سلبه أجمع)] يعني: كل سلبه يكون لـ سلمة، والسلب هو مال القتيل الكافر ثيابه وسلاحه يعطاه قاتله. والحديث فيه دليل على القيام لاستقبال من يأتي واستقبال القادم والداخل؛ لأن النبي ﷺ والصحابة استقبلوا من لحق ذلك الجاسوس.

стр. 8733

تراجم رجال إسناد حديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه في قتله جاسوساً للمشركين قوله: [حدثنا هارون بن عبد الله]. هو هارون بن عبد الله الحمال، وهو البغدادي، ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [أن هاشم بن القاسم]. هاشم بن القاسم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أن هشاماً] يحتمل أن يكون المراد به هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، ويحتمل أن يكون المراد به هشام بن سعيد الطالقاني، وفي تهذيب الكمال في ترجمة هارون بن عبد الله الحمال لم يذكر من مشايخه من يسمى هشاماً إلا هشام بن سعيد الطالقاني. وإن كان هشام هنا هو هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي فمعنى ذلك أن أبا داود روى عنه بواسطة وبغير واسطة. وعلى كل حال فإن كان المراد هشام بن سعيد الطالقاني فهو صدوق أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي، وإن كان المراد هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي فهو ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عكرمة]. هو عكرمة بن عمار العجلي، صدوق يغلط، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [حدثني إياس بن سلمة حدثني أبي سلمة بن الأكوع]. قد مر ذكرهما. وقوله: [قال هارون: هذا لفظ هاشم] معناه أن الحديث لفظ هاشم بن القاسم وليس لفظ هشام.

стр. 8734

شرح سنن أبي داود [٣١٤] الجهاد في سبيل الله تعالى شرف عظيم، وله أحكام وآداب شرعية تخصه، فمن ذلك أن النبي ﷺ كان يبدأ القتال أول النهار أو يؤخره إلى ما بعد الزوال، وكذلك مشروعية التزام الصمت حال القتال إلا من ذكر الله ، وكذلك استحباب فعل ما يظهر قوة المسلمين أمام أعدائهم؛ ولذا جاز الاختيال بين الصفوف.

стр. 8735

وقت استحباب لقاء الكفار في الجهاد

стр. 8736

شرح حديث قتاله ﷺ أول النهار أو بعد زوال الشمس قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في أي وقت يستحب اللقاء. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد أخبرنا أبو عمران الجوني عن علقمة بن عبد الله المزني عن معقل بن يسار أن النعمان -يعني ابن مقرن ﵄ قال: (شهدت رسول الله ﵌ إذا لم يقاتل من أول النهار أخر القتال حتى تزول الشمس وتهب الرياح وينزل النصر)]. أورد أبو داود [باب في أي وقت يستحب اللقاء] يعني لقاء الكفار. وقد أورد أبو داود حديث النعمان بن المقرن ﵁ أن الرسول ﷺ كان إذا لم يقاتل أول النهار أخر حتى تزول الشمس وتهب الرياح، وذلك وقت صلاة الظهر وصلاة العصر جمعاً، فيكون وقت قبول الدعاء. وهذا فيه دليل على أن الرسول ﷺ كان هديه القتال في أول النهار أو بعد منتصف النهار ودخول وقت صلاة الظهر، فإذا لم يقاتل أول النهار في الصباح يقاتل بعد الزوال وبعد دخول وقت الصلاة صلاة الظهر والعصر في الحال الجمع. فهذا هو الوقت الذي يستحب فيه اللقاء، في الصباح أو بعد الزوال.

стр. 8737

تراجم رجال إسناد حديث قتاله ﷺ أول النهار أو بعد زوال الشمس قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو حماد بن سلمة، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [أخبرنا أبو عمران الجوني]. هو عبد الملك بن حبيب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن علقمة بن عبد الله المزني]. علقمة بن عبد الله المزني ثقة، أخرج له أصحاب السنن. [عن معقل بن يسار]. هو معقل بن يسار ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [أن النعمان بن مقرن]. هو النعمان بن مقرن رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8738

ما يؤمر به من الصمت عند اللقاء

стр. 8739

شرح حديث: (كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون الصوت عند اللقاء) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب فيما يؤمر به من الصمت عند اللقاء. حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام. ح وحدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا هشام حدثنا قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد أنه قال: كان أصحاب النبي ﵌ يكرهون الصوت عند اللقاء عند القتال]. أورد أبو داود: [باب فيما يؤمر به من الصمت عند اللقاء] يعني السكوت وعدم الصخب والكلام، وإنما يكون الجهاد سكوتاً إلا في ذكر الله فلا بأس بذلك، وأما أن يكون هناك صراخ أو صياح أو كلام في غير ذلك فلا يصلح. وقد أورد أبو داود هذا الأثر عن قيس بن عباد عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا عند اللقاء أو عند القتال يكرهون الصوت. أي: يكرهون التكلم إلا في ذكر الله والتكبير، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال:٤٥] ومن الذكر التكبير. وهذا الأثر موقوف على أصحاب الرسول ﷺ ؛ لأنه ينتهي إسناده إلى أصحاب رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليهم. وهو حجة، لكون الصحابة كان هذا شأنهم وهذه طريقتهم، وهم أسبق الناس إلى كل خير وأحرص الناس على كل خير ﵃ وأرضاهم.

стр. 8740

تراجم رجال إسناد حديث: (كان أصحاب النبي ﷺ يكرهون الصوت عند اللقاء) قوله: [حدثنا مسلم بن إبراهيم]. هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا هشام]. هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح وحدثنا عبيد الله بن عمر]. هو عبيد الله بن عمر القواريري، وهو ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا عبد الرحمن بن مهدي]. عبد الرحمن بن مهدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا هشام حدثنا قتادة]. هشام قد مر ذكره، وقتادة هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الحسن]. هو الحسن بن أبي الحسن البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن قيس بن عباد]. قيس بن عباد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.

стр. 8741

إسناد آخر لحديث كراهية الصوت عند اللقاء وتراجم رجاله قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبيد الله بن عمر حدثنا عبد الرحمن عن همام حدثني مطر عن قتادة عن أبي بردة عن أبيه ﵁ عن النبي ﵌ بمثل ذلك]. أورد أبو داود الحديث هنا ولكنه مرفوع إلى رسول الله ﷺ . وقوله: [بمثل ذلك] يعني أنه لا يؤتى بالصوت عند اللقاء، وإنما يكون السكوت والصمت وعدم الكلام إلا في ذكر الله . قوله: [حدثنا عبيد الله بن عمر عن عبد الرحمن عن همام]. همام هو همام بن يحيى العوذي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني مطر]. هو مطر الوراق، وهو صدوق كثير الخطأ والنسيان، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن قتادة عن أبي بردة]. قتادة قد مر ذكره، وأبو بردة هو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. هو أبو موسى الأشعري ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، واسمه عبد الله بن قيس، وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة. والحديث ضعفه الألباني، ولعل ذلك من أجل مطر الوراق، لكن كون أصحاب الرسول ﷺ يفعلون ذلك يدل على أنهم أخذوه من هدي رسول الله ﷺ ، لا سيما وإسناده إلى جميعهم وإلى عمومهم وليس إلى فرد واحد منهم.

стр. 8742

الترجل عند اللقاء

стр. 8743

شرح حديث ترجل النبي ﷺ عن بغلته يوم حنين قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يترجل عند اللقاء. حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ أنه قال: (لما لقي النبي ﷺ المشركين يوم حنين فانكشفوا نزل عن بغلته فترجل)]. أورد أبو داود باب الترجل عند اللقاء. والترجل هو المشي على الرجل، وهذا يدل على الشجاعة وعلى القوة وعلى عدم الاكتئاب وعدم الخوف، ولهذا لما انكشفوا نزل ﷺ عن بغلته وكان يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب)، فثبت ثم رجع أصحابه وصار النصر للمسلمين على أعدائهم. فالترجل هنا غير الترجل فيما يتعلق بالزينة وهو تسريح الشعر ودهنه، بل هو المشي على الرجل، وهو يدل على الثبات وعلى قوة الجأش وعدم الخوف والذعر.

стр. 8744

تراجم رجال إسناد حديث ترجل النبي ﷺ عن بغلته يوم حنين قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي، ولم يخرج له النسائي إلا في عمل اليوم والليلة. [حدثنا وكيع]. هو وكيع بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إسرائيل]. إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي إسحاق]. قد مر ذكره. [عن البراء] هو البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8745

الخيلاء في الحرب

стр. 8746

شرح حديث ما يحبه الله تعالى من الغيرة والخيلاء وما يبغضه منهما قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الخيلاء في الحرب. حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل -المعنى واحد- قالا: حدثنا أبان حدثنا يحيى عن محمد بن إبراهيم عن ابن جابر بن عتيك عن جابر بن عتيك ﵁ أن نبي الله ﵌ كان يقول: (من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة، وإن من الخيلاء ما يبغض الله ومنها ما يحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل نفسه عند القتال واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي) قال موسى: والفخر]. أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي [باب الخيلاء في الحرب] أي أنها سائغة، والخيلاء في الأصل غير سائغة، فكون الإنسان يكون مختالاً ويكون فخوراً لا يجوز، والله تعالى قد ذم المختال الفخور، ولكن ذلك في حال الحرب سائغ وجائز؛ لأنه يدل على ثبات الجأش وعلى القوة وعلى عدم ضعف النفس، ويدل على عزة النفس، وعلى ثبوت الرجل وعدم خوفه وضعفه وخوره، فأبيح في هذه الحالة التي هي حالة الحرب. وأورد أبو داود حديث جابر بن عتيك ﵁ أن النبي ﷺ قال: [(من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة)] يعني كون الإنسان يغار على أهله في ريبة وفي أمر محرم حتى لا يحصل، وهذا مما يحبه الله ، والغيور هو ضد الديوث الذي يقر الخبث في أهله ولا يبالي ولا يهتم. فالغيرة في الريبة وفيما هو ريبة مما يحبه الله، والغيرة في غير ذلك يبغضها الله، قالوا: ومن أمثلة ذلك كون الإنسان يغار على نكاح قرائبه وزواج قرائبه ويكره ذلك، فإن هذا في أمر مباح وأمر مشروع، فالغيرة فيه وكراهية ذلك أمر مبغوض عند الله ، وكون الإنسان كذلك يغار على أمه في زواجها ويكره زواجها بعد أبيه فهذا مما يكرهه الله ومما هو مبغوض، وهذه غيرة في غير ريبة، فتكون الريبة هنا مما يبغضه الله ، فالغيرة في الريبة محمودة والغيرة في غيرها -أي: فيما هو مباح ومشروع- مذمومة. قوله: [(وإن من الخيلاء ما يبغض الله ومنها ما يحب الله فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل نفسه عند القتال)]. اختيال الرجل نفسه عند القتال هو أن يحصل عنده اختيال يدل على قوة جأشه وعلى عدم انهزام نفسه وعلى عدم الخور عنده. قوله: [(واختياله عند الصدقة)]. يعني كونه يجود بالصدقة ويبذلها، ويترتب على ذلك اقتداء به ومتابعة له، فإن ذلك سائغ. قوله: [(وأما التي يبغض الله فاختياله في البغي)]. أي: كونه يختال على أحد باغياً عليه ومعتدياً عليه، ويتعاظم عند ما يقتل إنساناً معصوماً، أو عندما يأخذ مالاً لغيره، فإن هذا مما يبغضه الله . قوله: [قال موسى: والفخر]. أي: البغي والفخر، وهذه الزيادة هي من أحد شيخي أبي داود، وهو موسى بن إسماعيل، فكلمة (الفخر) جاءت عند موسى بن إسماعيل وحده وليست عند الشيخ الأول مسلم بن إبراهيم.

стр. 8747

تراجم رجال إسناد حديث ما يحبه الله تعالى من الغيرة والخيلاء وما يبغضه منهما قوله: [حدثنا مسلم بن إبراهيم]. هو مسلم بن إبراهيم الفراهيدي، وقد مر ذكره. [وموسى بن إسماعيل]. موسى بن إسماعيل مر ذكره. [حدثنا أبان]. هو أبان بن يزيد العطار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [حدثنا يجيى]. هو يحيى بن سعيد الأنصاري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن محمد بن إبراهيم]. هو محمد بن إبراهيم التيمي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن جابر بن عتيك]. قيل: هو عبد الرحمن. وقيل: آخر، وكل منهما مجهول، فهذا مجهول وذاك غير معروف، والنتيجة واحدة، سواء أكان هو المسمى الذي هو عبد الرحمن أم الآخر الذي لم يسم، وقيل: إنه أبو سفيان، وكل منهما مجهول، ولكن الحديث له شاهد عن عقبة بن عامر ذكره الشيخ الألباني ﵀ في إرواء الغليل. [عن جابر بن عتيك]. جابر بن عتيك ﵁، صحابي، وحديثه أخرجه أبو داود والنسائي.

стр. 8748

الرجل المسلم يستأسر

стр. 8749

شرح حديث قصة أصحاب الرجيع العشرة قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يستأسر. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا إبراهيم -يعني ابن سعد - أخبرنا ابن شهاب أخبرني عمرو بن جارية الثقفي حليف بني زهرة عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (بعث رسول الله ﵌ عشرة عيناً وأمر عليهم عاصم بن ثابت ﵁، فنفروا لهم هذيل بقريب من مائة رجل رام، فلما أحس بهم عاصم لجئوا إلى قردد، فقالوا لهم: انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحداً. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً في سبعة نفر، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق، منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر ﵃، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، والله لا أصحبكم، إن لي بهؤلاء لأسوة، فجروه فأبى أن يصحبهم فقتلوه، فلبث خبيب أسيراً حتى أجمعوا قتله، فاستعار موسى يستحد بها، فلما خرجوا به ليقتلوه قال لهم خبيب: دعوني أركع ركعتين، ثم قال: والله لولا أن تحسبوا ما بي جزعاً لزدت)]. أورد أبو داود [باب في الرجل يستأسر]. يعني: يأسره الكفار. وأورد حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أرسل عشرةً عيناً، أي: جواسيس يأتون بأخبار العدو، وهذا يدل على أن الجاسوس قد يكون واحداً وقد يكونون أكثر من واحد، كما ذكر هنا أنهم عشرة، وسبق أن مر فيما يتعلق بكون الإنسان يسافر وحده أنه يمكن أن يرسل وحده من أجل التجسس على الكفار، ويكون مسافراً وحده، ويكون مستثنىً مما جاء من كراهية أن يسافر الإنسان وحده. قوله: [وأمر عليهم عاصم بن ثابت] أي: جعله أميراً على العشرة يرجعون إليه ويكون مرجعاً لهم. وقد سبق أن مر أن الثلاثة عندما يسافرون يؤمرون واحداً منهم حتى يرجعوا إليه، وهنا النبي ﷺ أمر على هؤلاء العشرة عاصم بن ثابت رضي الله تعالى عنه، فجاءهم جماعة خرجوا لهم من هذيل، فأحاطوا بهم؛ فصعدوا فوق مكان مرتفع يقال له: قردد، فصار هؤلاء الكفار تحت وهؤلاء فوق، فصاروا ينادونهم ويقولون: انزلوا وسلموا أنفسكم ولكم الأمان والعهد أنه لا يحصل لكم شيء. فقال عاصم الذي هو أميرهم: لا أنزل على ذمة كافر. فرموهم حتى قتلوا منهم سبعة فيهم عاصم الذي هو أميرهم، وبقي ثلاثة، فنزل هؤلاء الثلاثة، وهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فلما نزلوا أطلقوا أوتار قسيهم - جمع قوس- فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر. وهو كونهم قالوا: انزلوا ولكم العهد أنه لا يحصل لكم شيء. ثم بعد ذلك ربطوهم، فقال: لي بأصحابي أسوة ولن أصحبكم. فجعلوا يجرونه وهو يأبى أن يصحبهم، فقتلوه فصار الذين قتلوا ثمانية، فبقي الاثنان خبيب وزيد بن الدثنة، ثم إنهم بعد ذلك أجمعوا على قتل خبيب، فقال: دعوني أصلي ركعتين. وطلب منهم موسى ليستحد بها. أي: يحلق بها عانته؛ لأن الاستحداد هو حلق العانة بالحديدة، فقيل له: استحداد؛ لأنه إزالة للشعر بالحديدة التي هي الموسى. فأذنوا له فصلى ركعتين، ثم إنه لما صلى ركعتين قال: والله لولا أن تظنوا أن بي جزعاً لزدت على ذلك. يعني: زدت ركعتين. ثم إنهم قتلوه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والحاصل أن هؤلاء الثلاثة سلموا أنفسهم وأسرهم أولئك وعاملوهم بهذه المعاملة. وقوله: [(فنفروا لهم هذيل)] فيه الجمع بين الاسم الظاهر والضمير، وهي اللغة التي يسمونها لغة (أكلوني البراغيث) وهي الجمع بين الاسم الظاهر والضمير، وقد جاء بها القرآن والسنة، أما القرآن ففي قول الله : ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٣] وأما السنة فقوله ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل). والترجمة [الرجل يستأسر] دالة على أن الرجل له أن يسلم نفسه للأسر عند الحاجة؛ لأنه قال: [يستأسر] يعني: يطلب منه، فالاستئسار هو الطلب؛ لأن السين والتاء تدلان على الطلب، أي: يطلب منه أن يسلم نفسه للأسر، فهؤلاء الثلاثة سلموا أنفسهم، وأحدهم لما رأى الغدر من أول وهلة لم يشأ أن يصحبهم، فسحبوه، ولما لم يستجب لهم قتلوه ﵁، ففيه جواز الامتناع عن الأسر ولو أدى ذلك إلى قتل الممتنع.

стр. 8750

تراجم رجال إسناد حديث قصة أصحاب الرجيع العشرة قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل عن إبراهيم بن سعد]. موسى بن إسماعيل مر ذكره، وإبراهيم بن سعد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا ابن شهاب]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني عمرو بن جارية الثقفي]. هو عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي. [عن أبي هريرة]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ وأكثر أصحابه حديثاً على الاطلاق ﵁ وأرضاه.

стр. 8751

إسناد آخر لحديث قصة أصحاب الرجيع وتراجم رجاله قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا ابن عوف حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي -وهو حليف لبني زهرة، وكان من أصحاب أبي هريرة ﵁ فذكر الحديث]. أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة، وهو مثل ما تقدم. قوله: [حدثنا ابن عوف]. هو محمد بن عوف، ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي في مسند علي. [حدثنا أبو اليمان]. هو الحكم بن نافع، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن شعيب]. هو شعيب بن أبي حمزة الحمصي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري أخبرني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية]. قد مر ذكرهما، وهنا قال: عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية، ففي الإسناد الأول نسبه إلى جده، وفي هذه الطريق الثانية ذكر نسبه كاملاً.

стр. 8752

الأسئلة

стр. 8753

حكم صلاة ركعتين قبل القتل السؤال هل الركعتان سنة عند القتل بدلالة فعل خبيب رضي الله تعالى عنه؟ الجواب ما أعلم سنيتهما، لكنهما جائزتان.

стр. 8754

استشكال في الإعلام بخبر أصحاب الرجيع لكونهم قتلوا جميعاً السؤال إذا كان العشرة من الصحابة قد قتلهم الهذليون فمن الذي أخبر بخبرهم؟ الجواب قد يكون الذي أخبر خبرهم هو زيد بن الدثنة؛ لأنه لم يعرف أمره بعد ذلك في القتل، وقد يكون أحد الهذليين أسلم بعد ذلك ثم أخبر بالخبر، ويحتمل أن يكون النبي ﷺ أخبر بذلك عن طريق الوحي، ففي صحيح البخاري أن خبيباً قال: (اللهم! أخبر عنا نبيك).

стр. 8755

قيام طالب العلم من مجلسه في الحلقة للداخل السؤال إذا كنت في مجلس أو حلقة علم ودخل علينا أحد فهل القيام له سنَّة؟ الجواب من كانوا في حلقة علم فالذي ينبغي لهم أن يكونوا كلهم مشتغلين بالعلم، وإذا انتهوا من الاشتغال بالعلم يقوم من يريد أن يقوم لهذا الجالس. لكن إذا كانوا في مجلس من المجالس فقاموا أو قام بعضهم لاستقبال القادم والداخل فهذا لا بأس به وهو مشروع ومستحب إذا كان فيه إيناس وإدخال للسرور، فلا بأس بذلك، وأما فيما يتعلق بحلقة العلم والاشتغال بالعلم فالذي ينبغي هو المواصلة، وإذا جاء أحد فإنه يجلس ويستمع ثم يقام له، وقد يكون سائغاً، مثل ما حصل لـ كعب بن مالك ﵁ حين نزلت توبته، وكان الرسول ﷺ جالساً مع أصحابه، فلما دخل كعب بن مالك قام طلحة واستقبله يهنئه بتوبة الله عليه.
следующие страницы →