← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

شرح حديث إجازته ﷺ تبييت المشركين مع ذراريهم ونسائهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله -يعني ابن عبد الله - عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة ﵃ أجمعين أنه سأل النبي ﵌ عن الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال النبي ﵌: (هم منهم) وكان عمرو -يعني ابن دينار - يقول: (هم من آبائهم). قال الزهري: ثم نهى رسول الله ﵌ بعد ذلك عن قتل النساء والولدان]. أورد أبو داود حديث الصعب بن جثامة الليثي ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن الدار -والدار المقصود بها القبيلة والجماعة من الكفار- يبيتون فيصاب النساء والصبيان، فقال ﵊: [(هم منهم)]. والمقصود من ذلك أنهم إذا كانوا غير مقصودين بالقتل ولكن كانوا مجتمعين وفيهم نساء وصبيان فأرسلت السهام فإنها تصيب من تصيب، وليس الصبيان والنساء مقصودين، وإنما يقصد المقاتلة. فقوله: [(هم منهم)] يعني أنهم تبع للرجال، وما مر من الأحاديث في النهي عن قتل النساء والصبيان المقصود به كونهم يقصدون بالقتل، كون المرأة يراد قتلها والصبي يراد قتله، فهذا هو الذي لا يجوز. وأما إذا كانوا مختلطين، أو كان الكفار متترسين بالنساء والصبيان أو بينهم نساء وصبيان وهم يرسلون السهام على الناس والمسلمون يرسلون السهام عليهم فتصيب نساءً أو صبياناً فهذا ليس فيه بأس، ولا مانع من ذلك. وذكر أن عمرو بن دينار كان يقول: [(هم من آبائهم)]. ومعناه أن الصبيان حكمهم حكم الآباء فهم تابعون لهم، وإذا حصل قتلهم فليسوا مقصودين. قوله: [قال الزهري: ثم نهى رسول الله ﵌ بعد ذلك عن قتل النساء والولدان]. معناه أنه نهى الرسول ﷺ بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان على سبيل الاستقلال، وأما أن ترسل السهام فتصيب من تصيب من الرجال أو النساء والصبيان فهذا لا بأس به.

стр. 8787

تراجم رجال إسناد حديث إجازته ﷺ تبييت المشركين مع ذراريهم ونسائهم قوله: [حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح]. أحمد بن عمرو بن السرح المصري ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثنا سفيان]. سفيان هو ابن عيينة المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري]. الزهري هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبيد الله -يعني ابن عبد الله -]. هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. هو عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . [عن الصعب بن جثامة]. الصعب بن جثامة رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة. قوله: [وكان عمرو - يعني ابن دينار - يقول]. عمرو بن دينار ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 8788

حكم حرق ذي الروح بالنار

стр. 8789

شرح حديث أمره ﷺ سرية بإحراق رجل ثم نهيه عن ذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في كراهية حرق العدو بالنار. حدثنا سعيد بن منصور حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي عن أبي الزناد حدثني محمد بن حمزة الأسلمي عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﵌ أمره على سرية، قال: فخرجت فيها وقال: (إن وجدتم فلاناً فأحرقوه بالنار. فوليت فناداني، فرجعت إليه فقال: إن وجدتم فلاناً فاقتلوه ولا تحرقوه؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار)]. أورد الإمام أبو داود باباً في كراهية حرق العدو بالنار. أي أنه لا يعذب أو يقتل أحد بإحراقه بالنار بأن تؤجج نار فيقذف فيها، أي أن ذلك لا يجوز، وإنما يقتل بالسيف أو بأي وسيلة من الوسائل التي يكون بها إزهاق روحه بدون هذه الطريقة التي هي التحريق بالنار. وقد أورد أبو داود رحمة الله تعالى عليه حديث حمزة الأسلمي ﵁ أن النبي ﷺ أرسله في سرية وأمره عليها وأنه قال: [(إن وجدتم فلاناً فأحرقوه بالنار)] فلما ولى ناداه وقال له: [(إن وجدتم فلاناً فاقتلوه ولا تحرقوه بالنار؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار)] فدل هذا على أن التحريق بالنار لا يجوز، اللهم إلا إذا كان على سبيل القصاص، بأن يكون حرق غيره فيحرق هو. وقد سبق أن مر في المثلة أنه لا يمثل الإنسان، ولكنه إذا قتل بالتمثيل فإنه يجازى بمثل ما فعل ويعامل بمثل ما عامل غيره به. إذاً: التحريق بالنار لا يجوز، وإنما يجوز في حق من قتل بالتحريق فإنه يقتل بالتحريق جزاءً وفاقاً. وقوله: [باب في كراهية حرق العدو] الكراهة يراد بها هنا التحريم، وقد يحصل أنه في الحرب تقذف القنابل والصواريخ التي تشتعل ناراً، وهنا يقال: إذا لم يجد المجاهدون وسيلة إلا قذف مثل ذلك فإن اشتعالها ناراً بالعدو قد يحصل وقد لا يحصل، وليس هو مثل تأجيج النار ثم بعد ذلك قذفهم فيها.

стр. 8790

تراجم رجال إسناد حديث أمره ﷺ سرية بإحراق رجل ثم نهيه عن ذلك قوله: [حدثنا سعيد بن منصور]. سعيد بن منصور ثقة، أخرج له أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي]. مغيرة بن عبد الرحمن الحزامي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي الزناد]. هو عبد الله بن ذكوان المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني محمد بن حمزة الأسلمي]. محمد بن حمزة الأسلمي مقبول، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والنسائي. [عن أبيه]. هو حمزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه البخاري تعليقاً ومسلم وأبو داود والنسائي.

стр. 8791

شرح حديث أمره ﷺ سرية بإحراق رجل ثم نهيه عن ذلك من طريق أخرى وتراجم رجال إسنادها قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يزيد بن خالد وقتيبة أن الليث بن سعد حدثهم عن بكير عن سليمان بن يسار عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: بعثنا رسول الله ﵌ في بعث فقال: (إن وجدتم فلاناً وفلاناً) فذكر معناه]. أورد المصنف حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ بعثهم في بعث فقال: [(إن وجدتم فلاناً وفلان) فذكر معناه]. أي أنه يحرق بالنار، ثم بعد ذلك قال: (اقتلوه؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار). وهذا يشهد للحديث السابق الذي فيه من هو مقبول، وهو محمد بن حمزة الأسلمي. قوله: [حدثنا يزيد بن خالد]. هو يزيد بن خالد الدمشقي، وهو ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [وقتيبة]. هو قتيبة بن سعيد، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أن الليث بن سعد حدثهم] هو الليث بن سعد المصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن بكير]. هو بكير بن عبد الله بن الأشج المصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سليمان بن يسار]. سليمان بن يسار ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي هريرة]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.

стр. 8792

شرح حديث إنكاره ﷺ إحراق قرية نمل وفجع حمرة بولدها قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن سعد - قالغير أبي صالح: عن الحسن بن سعد - عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ﵁ أنه قال: (كنا مع رسول الله ﵌ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي ﵌ فقال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها. ورأى قرية نمل قد حرقناها فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن. قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار)]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا مع النبي ﷺ في سفر، وأن النبي ﵊ رأى حمرة -هي طائر- تفرش جناحها وترفرف في الأرض؛ لأنها قد فجعت بأخذ فرخيها، فالنبي ﷺ قال: [(من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها)] ثم رأى قرية نمل قد أحرقت فقال: [(من أحرق هذه؟ قلنا: نحن. قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار)]. وهذا محل الشاهد، فلا يعذب الإنسان ولا الحيوان بالنار، لا يعذب بالنار إلا رب النار. فمحل الشاهد من الترجمة الجملة الأخيرة، وأما الجملة الأولى المتعلقة بالحمرة فهي لا تتعلق بالترجمة، ولكنها تدل على أن الطائر والحيوان لا يفجع بولده، لاسيما إذا كان صغيراً، فيترك، وإن أخذ فإنه يرجع؛ لأن النبي ﷺ أمر بإرجاع ولديها إليها، أي: ولدي الحمرة.

стр. 8793

تراجم رجال إسناد إنكاره ﷺ إحراق قرية نمل وفجع حمرة بولدها قوله: [حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى]. أبو صالح محبوب بن موسى صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي. [أخبرنا أبو إسحاق الفزاري]. هو إبراهيم بن محمد بن الحارث، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي إسحاق الشيباني]. هو سليمان بن أبي سليمان، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن سعد]. هو الحسن بن سعد، ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [قال غير أبي صالح: عن الحسن بن سعد]. يعني أن غير أبي صالح -وهم شيوخ لم يذكرهم -نسبوه فقالوا: الحسن بن سعد. وأما رواية أبي صالح التي أوردها فإنه ليس فيها إلا ابن سعد فأراد أبو داود أن يبين من هو ابن سعد هذا فقال: إن غير أبي صالح -أي: الذين يحدثون بهذا الحديث ولم يذكرهم- نسبوه، فالذين حصلت منهم التسمية هم غير أبي صالح الذي جاء في الإسناد. [عن عبد الرحمن بن عبد الله]. هو عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وبه كان يُكنَّى أبوه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. [عن أبيه]. هو عبد الله بن مسعود الهذلي ﵁، صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8794

كراء الدابة على النصف أو السهم

стр. 8795

شرح حديث طلب واثلة بن الأسقع حمله في غزوة تبوك مقابل سهمه فيها قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرجل يكري دابته على النصف أو السهم. حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدمشقي أبو النضر حدثنا محمد بن شعيب أخبرني أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن عمرو بن عبد الله أنه حدثه عن واثلة بن الأسقع ﵁ أنه قال: (نادى رسول الله ﵌ في غزوة تبوك، فخرجت إلى أهلي، فأقبلت وقد خرج أول صحابة رسول الله ﵌، فطفقت في المدينة أنادي: ألا من يحمل رجلاً له سهمه. فنادى شيخ من الأنصار فقال: لنا سهمه على أن نحمله عقبة وطعامه معنا؟ قلت: نعم. قال: فسر على بركة الله تعالى. قال: فخرجت مع خير صاحب حتى أفاء الله علينا، فأصابني قلائص، فسقتهن حتى أتيته، فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله، ثم قال: سقهن مدبرات. ثم قال: سقهن مقبلات. فقال: ما أرى قلائصك إلا كراماً. قال: إنما هي غنيمتك التي شرطت لك. قال: خذ قلائصك -يا ابن أخي- فغير سهمك أردنا)]. أورد أبو داود هذه الترجمة: [باب في الرجل يكري دابته على النصف أو السهم] أي: كراء الدابة على النصف مما يحصل باستعمالها، وذلك بأن يكريها على أن يحتطب عليها وله نصف الحطب، أو أن يستعملها للكراء ونقل الناس عليها وتأجيرها وله النصف مما يحصل من كرائها، ولا بأس بذلك ما دام أنها نسبة معينة ومعلومة؛ لأنه إن حصلت فائدة فهما مشتركان فيها، وهي مثل المضاربة التي أجمع المسلمون على جوازها بأن يدفع الإنسان مالاً لعامل والعامل يعمل، وإن حصل ربح فهو بينهما على النسبة التي يتفقان عليها، إما نصف ونصف، أو ثلث وثلثان، أو ربع وثلاثة أرباع، على حسب النسبة. وكذلك المزارعة والمساقاة -أيضاً- هي من هذا القبيل؛ لأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على النصف مما يخرج منها من ثمر أو زرع، فهذا مثله، وهو شبيه به ولا بأس به؛ لأنها مشاركة، فهذا منه المركوب وهذا منه العمل، وإذا حصل ربح وفائدة فإنها تقسم بينهما على النسبة التي يتفقان عليها، فيكون للعامل مقابل عمله، ويكون لصاحب الدابة مقابل استخدام دابته، وإذا حصلت خسارة فعلى العامل تعبه وعلى صاحب الدابة تعب دابته. وكذلك لو أن إنساناً أعطى سيارته لإنسان يشتغل عليها بالأجرة فما حصل من نقود في مقابل التأجير لهذه السيارة فإنه يكون لهذا النصف ولهذا النصف، أو لهذا الثلث ولهذا الثلثان، كل ذلك لا بأس به؛ لأن هذا من جنس المضاربة، ومن جنس المساقاة والمزارعة، فلا بأس بذلك، ولكن الذي لا يجوز هو أن يقول: إن لي من الناتج -مثلاً- ألف ريال أو مائة ريال. ويحدد بمقدار معين. فهذا لا يجوز اشتراطه؛ لأنه قد لا يحصل من العمل إلا هذا المقدار فيظفر به أحدهما، ويكون الآخر حينئذٍ ما حصل فائدة وما حصل شيئاً. ولكن إذا كان العمل على النسبة مما يحصل فإن هذا لا بأس به، فإن حصل شيء قليل قسم بينهما على النسبة، وإن حصل شيء كثير قسم بينهما على النسبة، ولا بأس بمثل هذه المعاملة، وفيها خلاف بين أهل العلم، ولكن القول الصحيح الجواز؛ لأنها شبيهة بالمضاربة وشبيهة بالمساقاة والمزارعة. وأورد أبو داود هنا حديث واثلة بن الأسقع ﵁ أن النبي ﷺ نادى في غزوة تبوك للخروج إلى الجهاد في سبيل الله، وكان النبي ﵊ استنفر الناس، ولم يبق إلا من هو معذور أو منافق، أو من كان غير معذور ولكن مرت عليه الأيام دون أن يخرج، والسبب الأخير هو الذي حصل لـ كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله تعالى عنهم، وهم الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وليس لهم أعذار وليسوا بالمنافقين، وقد تاب الله عليهم وأنزل فيهم آية تتلى في كتاب الله: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨] أي: وقد تاب على الثلاثة الذين خلفوا. فلما نادى رسول الله بغزوة تبوك لم يكن مع واثلة رضي الله تعالى عنه مركوب، فكان يتردد على قومه ويقول: [من يحمل رجلاً له سهمه؟]. يعني: ويكون له سهمه. فمثل هذه المعاملة لا بأس بها إذا كان السهم معلوم النسبة، كأن يكون الذي يحصله ثلاثة أسهم فسهم لشخص وسهمان لشخص، أو يقسم على النصف، فلا بأس بمثل هذه المعاملة. قوله: [فنادى شيخ من الأنصار فقال: لنا سهمه على أن نحمله عقبة؟]. المراد بحمله عقبة أنه لا يركب دائماً، وإنما يركب بالتعاقب، فيركب مسافة ثم يأتي آخر ويركب مكانه، أي: يتعاقبون على البعير. قوله: [وطعامه معنا]. يعني: يأكل معنا. فلما حصل له قلائص -وهي سهمه الذي حصله- جاء ليعطيهن ذلك الأنصاري، فقال: [سقهن مدبرات، ثم قال: سقهن مقبلات] يريد أن يعرف جودتهن وحسنهن من ضدهما، فقال: [ما أراهن إلا كريمات] فقال واثلة: هن السهم الذي جرى بيني وبينك الاتفاق عليه، فقال: [خذ قلائصك] والقلائص: جمع قلوص، وهي الناقة الشابة، قال: [خذ قلائصك - يا ابن أخي- فغير سهمك أردنا] يعني: ما أردنا سهمك الذي تحصله، ولكن أردنا أن نشاركك في الأجر في كوننا حملناك وساعدناك، ولم يأخذ السهم الذي حصله من القلائص. والحديث ضعيف، ولكن ما ترجم به المصنف هو صحيح، وهو شبيه بالمضاربة والمزارعة والمساقاة، ولكن إذا اشترط أحدهما شيئاً يخصه من الثمرة والريع دون الآخر، بحيث يقول: لي كذا والباقي يكون بيننا. أو: الباقي لك فإن هذا ليس بصحيح؛ لأنه قد لا يحصل إلا هذا المقدار الذي اشترطه أحدهما، فيكون أحدهما لم يحصل شيئاً والآخر أخذ ما حصل. وقوله: [فخرج فقعد على حقيبة من حقائب إبله]. الحقيبة قيل: هي ما يكون وراء القتب والرحل، ومعناه أنها شيء متصل بالرحل، إما شيء محشو، أو بشيء يكون تحت الرحل، فالمهم أنه شيء مرتفع جعله على الأرض وجلس عليه.

стр. 8796

تراجم رجال إسناد حديث طلب واثلة بن الأسقع حمله في غزوة مقابل سهمه فيها قوله: [حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدمشقي أبو النضر]. إسحاق بن إبراهيم الدمشقي أبو النضر صدوق أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي. [حدثنا محمد بن شعيب]. هو محمد بن شعيب بن شابور، وهو صدوق، أخرج له أصحاب السنن. [أخبرني أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو الشيباني]. أبو زرعة يحيى بن أبي عمرو الشيباني ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. [عن عمرو بن عبد الله]. عمرو بن عبد الله مقبول، أخرج له أبو داود. [عن واثلة بن الأسقع]. واثلة بن الأسقع ﵁ صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 8797

شرح سنن أبي داود [٣١٧] للأسير في الشريعة أحكام، ومن ذلك الإحسان إليه وترغيبة في الإسلام، ويجوز حبسه وضربه وتقريره لمعرفة ما عنده من أخبار العدو، ولا يجوز إكراهه على الإسلام إن أباه، ويجوز قتله إن رأى الإمام المصلحة في ذلك.

стр. 8798

إيثاق الأسير الكافر

стр. 8799

شرح حديث: (عجب ربنا من قوم يدخلون الجنة في السلاسل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الأسير يوثق. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد -يعني ابن سلمة - أخبرنا محمد بن زياد سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﵌ يقول: (عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل!)]. أورد أبو داود [باب في الأسير يوثق]. يعني: يوثق بالحبال والقيود حتى لا يفر وحتى يُطمأن إلى إمساكه وعدم إفلاته، فهو يوثق، والله قال: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤]. ووأرد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: [(عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل)] والمقصود بهم الأسارى الذين يؤسرون وهم كفار، فإن ذلك الأسر من أسباب إسلامهم ودخولهم في الإسلام، فهم يقادون إلى الجنة في السلاسل، يعني أنهم يجرون إلى شيء لا يريدونه وهو خير لهم، فيئول بهم الأمر إلى أن يسلموا ويكونوا من أهل الجنة وقد كانوا كارهين في أول الأمر؛ لأن أسرهم مكروه لهم، ولكنه يترتب على أسرهم وبقائهم وعدم قتلهم أنهم يشاهدون أحوال المسلمين وأعمال المسلمين وأحكام الإسلام، فيدخلون في الإسلام، فيكونون من أهل الجنة، ويسلمون من أن يكونوا من أهل النار الذين هم الكفار الذين لا سبيل لهم إلى الجنة، ومآلهم إلى النار، ويبقون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها أبداً. هذا هو المقصود بالحديث، وفيه إثبات صفة العجب لله ، وهي ثابتة في السنة كما في هذا الحديث وغيره، وأيضاً ثابتة في القرآن على إحدى القراءتين في قول الله : ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]. وقد قال المنذري: (عجب ربنا) قيل: عظم ذلك عنده. وقيل: عظم جزاؤه. فسمى الجزاء عجباً، وقال ابن فورك: والعجب المضاف إلى الله تعالى يرجع إلى معنى الرضا والتعظيم، وأن الله يعظم من أخبر عنه بأنه يعجب منه ويرضى عنه. وهذا من التأويل، والأصل في الصفات أنها لا تؤول، وإنما تثبت على الوجه الذي يليق بالله بكماله وجلاله، والصفات كلها من باب واحد يؤتى بها على نهج واحد وعلى طريقة واحدة بدون تأويل وبدون تحريف وبدون تكييف وبدون تشبيه أو تعطيل أو تمثيل، بل على حد قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].

стр. 8800

تراجم رجال إسناد حديث: (عجب ربنا من قوم يدخلون الجنة في السلاسل) قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد -يعني ابن سلمة -]. حماد بن سلمة ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [أخبرنا محمد بن زياد]. محمد بن زياد ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [سمعت أبا هريرة]. هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي ﵁، وقد مر ذكره. والإسناد من أعلى الأسانيد عند أبي داود.

стр. 8801

شرح حديث قصة إيثاق الحارث بن البرصاء الليثي قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن مسلم بن عبد الله عن جندب بن مكيث ﵁ أنه قال: (بعث رسول الله ﵌ عبد الله بن غالب الليثي ﵁ في سرية، وكنت فيهم، وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملوح بالكديد، فخرجنا حتى إذا كنا بالكديد لقينا الحارث بن البرصاء الليثي، فأخذناه، فقال: إنما جئت أريد الإسلام، وإنما خرجت إلى رسول الله ﵌! فقلنا: إن تكن مسلماًَ لم يضرك رباطنا يوماً وليلة، وإن تكن غير ذلك نستوثق منك. فشددناه وثاقاً)]. أورد أبو داود حديث جندب بن مكيث ﵁. [(نستوثق منه)] يعني: نطمئن إلى أنا قد تمكنا منك وأقعدناك حتى لا تفر وأنت كافر. والمقصود من هذا بيان ما دلت عليه الترجمة من أن توثيق الأسير جائز، وقد جاء بذلك القرآن والسنة، فجاء في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد:٤]، وجاء في السنة في أحاديث كثيرة، ومنها هذا الحديث.

стр. 8802

تراجم رجال إسناد حديث قصة إيثاق الحارث بن البرصاء الليثي قوله: [حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر]. عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الوارث]. هو عبد الوارث بن سعيد العنبري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا محمد بن إسحاق]. هو محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن يعقوب بن عتبة]. يعقوب بن عتبة ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن مسلم بن عبد الله]. مسلم بن عبد الله مجهول، أخرج له أبو داود. [عن جندب بن مكيث]. جندب بن مكيث رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج له أبو داود. والإسناد فيه ذلك المجهول، والحديث ضعيف من حيث الإسناد، لكن الوثاق وكون الأسير يوثق جاء في أحاديث منها الأحاديث المتقدمة.

стр. 8803

شرح حديث قصة أسر ثمامة بن أثال وإسلامه رضي الله تعالى عنه قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عيسى بن حماد المصري وقتيبة، قال قتيبة: حدثنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: (بعث رسول الله ﵌ خيلاً قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه رسول الله ﵌، فقال: ماذا عندك يا ثمامة؟ قال: عندي -يا محمد- خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﵌ حتى إذا كان الغد، ثم قال له: ما عندك يا ثمامة؟ فأعاد مثل هذا الكلام، فتركه حتى كان بعد الغد فذكر مثل هذا، فقال رسول الله ﵌: أطلقوا ثمامة. فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل فيه، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسول) وساق الحديث. قال عيسى أخبرنا الليث وقال: ذا ذم]. أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ أرسل بعثاً قبل نجد فجاءوا بـ ثمامة بن أثال وهو سيد أهل اليمامة، فأمر رسول الله ﷺ بربطه في سارية من سواري المسجد، ثم جاء إليه وقال: [(ماذا عندك يا ثمامة؟ فقال: عندي -يا محمد- خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت)]. قوله: [(عندي خير)] فسر هذا الخير الذي عنده بقوله: [(إن تقتل تقتل ذا دم)] يعني: يستحق القتل، وفي رواية أخرى: [ذا ذم] أي: ذا ذمة أو ذمام. [(وإن تنعم تنعم على شاكر)] يعني: شاكر لك عفوك وإحسانك. فتركه ثم أعاد عليه مرة ثانية ثم الثالثة وهو يجيب جواباً واحداً، فقال رسول الله ﷺ : [(أطلقوا ثمامة)]، فلما أطلقوه ذهب إلى نخل فيه ماء واغتسل وجاء وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأسلم. والمقصود من إيراد الحديث أنه ربط وأوثق، وفي الحديث دليل على اغتسال الكافر عند إسلامه، وذلك لأن الكفار لا يتطهرون، ويباشرون النجاسات، ولا يلتزمون بالأحكام الشرعية مثل الاغتسال من الجنابة وما إلى ذلك، فذهب واغتسل ثم جاء وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ثم إنه ذهب واعتمر، ولما رأه أهل مكة من الكفار قالوا: صبأت. فأخبرهم أنه أسلم وأنه هداه الله، وأن الميرة التي تأتيهم من نجد سيمنع مجيئها إليهم إلا إذا أذن محمد ﷺ . فالحاصل أن هذا الرجل أسلم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومحل الشاهد من ذلك كونه ربط في سارية من سواري المسجد. والحديث فيه جواز دخول الكافر المسجد، ولكن ذلك ليس على إطلاقه، وإنما للحاجة. والكافر ليست ذاته نجسة، بمعنى أن من يلمسه عليه أن يغسل يده، وإنما نجاسة الكفار نجاسة حكمية، وهي نجاسة الكفر، وأما أبدانهم فمن لمسها أو صافح إنساناً منهم فلا يغسل يديه من أجل المصافحة أو لأنه لمس شيئاً نجساً؛ لأن النجاسة حكمية.

стр. 8804

تراجم رجال إسناد حديث قصة أسر ثمامة بن أثال وإسلامه رضي الله تعالى عنه قوله: [حدثنا عيسى بن حماد المصري]. عيسى بن حماد المصري الملقب بـ زغبة وهو ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة. [وقتيبة]. قتيبة بن سعيد مر ذكره. [قال قتيبة: حدثنا الليث] الليث بن سعد مر ذكره. [عن سعيد بن أبي سعيد]. هو سعيد بن أبي سعيد المقبري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أنه سمع أبا هريرة] هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، وقد مر ذكره. وهذا الإسناد رباعي؛ لأن قتيبة وعيسى بن حماد في طبقة واحدة.

стр. 8805

شرح حديث ربط يدي سهيل بن عمرو إلى عنقه بعد أسره يوم بدر قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عمرو الرازي حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل - عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: (قدم بالأسارى حين قدم بهم وسودة بنت زمعة عند آل عفراء في مناخهم على عوف ومعوذ ابني عفراء، قال: وذلك قبل أن يضرب عليهن الحجاب، قال: تقول سودة: والله إني لعندهم إذ أتيت فقيل: هؤلاء الأسارى قد أتي بهم. فرجعت إلى بيتي ورسول الله ﵌ فيه، وإذا أبو يزيد سهيل بن عمرو في ناحية الحجرة مجموعة يداه إلى عنقه بحبل) ثم ذكر الحديث]. أورد أبو داود حديث: [يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال: [(قدم بالأسارى حين قدم بهم وسودة عند آل عفراء في مناخهم)] فلما رجعت إلى بيتها وجدت رسول الله ﷺ ، ورأت أبا يزيد سهيل بن عمرو مجموعة يداه إلى عنقه أي أنه قد أوثق. والشاهد منه إيثاق الأسارى، وأنهم يوثقون، لكون سهيل قد جمعت يداه إلى عنقه، أي: قد أوثق بالقيد. وقوله: [ثم ذكر الحديث] يشير إلى أن فيه اختصاراً. والحديث ضعيف لأن فيه انقطاعاً، وقد يكون -أيضاً- ضعفه من جهة سلمة بن الفضل، وقد ضعف الحديث الشيخ الألباني.

стр. 8806

تراجم رجال إسناد حديث ربط يدي سهيل بن عمرو إلى عنقه بعد أسره يوم بدر قوله: [حدثنا محمد بن عمرو الرازي]. محمد بن عمرو الرازي ثقة، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة. [حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل -]. سلمة بن الفضل صدوق كثير الخطأ، أخرج له أبو داود والترمذي وابن ماجة في التفسير. [عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبي بكر]. ابن إسحاق مر ذكره، وعبد الله بن أبي بكر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة]. يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود.

стр. 8807

الأسير ينال منه ويضرب ويقرر

стр. 8808

شرح حديث ضرب الصحابة عبد بني الحجاج للاستعلام عن عير أبي سفيان قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الأسير ينال منه ويضرب ويقرر. حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت عن أنس ﵁: (أن رسول الله ﷺ ندب أصحابه فانطلقوا إلى بدر فإذا هم بروايا قريش فيها عبد أسود لبني الحجاج فأخذه أصحاب رسول الله ﵌، فجعلوا يسألونه: أين أبو سفيان؟ فيقول: والله ما لي بشيء من أمره علم، ولكن هذه قريش قد جاءت فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف، فإذا قال لهم ذلك ضربوه، فيقول: دعوني دعوني أخبركم. فإذا تركوه قال: والله ما لي بـ أبي سفيان من علم، ولكن هذه قريش قد أقبلت فيهم أبو جهل وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف قد أقبلوا والنبي ﵌ يصلي وهو يسمع ذلك، فلما انصرف قال: والذي نفسي بيده! إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم، هذه قريش قد أقبلت لتمنع أبا سفيان. قال أنس: قال رسول الله ﵌: هذا مصرع فلان غداً. ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان غداً. ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلان غداً. ووضع يده على الأرض. فقال: والذي نفسي بيده! ما جاوز أحد منهم عن موضع يد رسول الله ﵌، فأمر بهم رسول الله ﵌ فأخذ بأرجلهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر)]. أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي [باب في الأسير ينال منه ويضرب ويقرر]. يعني أن ذلك سائغ عند الحاجة إلى ذلك، وهو كونه يضرب وينال منه ويقرر ويستجوب ويسأل عن أخبار العدو وعمّا وراءه، كل ذلك لا بأس به عند الحاجة. وأورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ لما ذهب هو وأصحابه إلى بدر لأجل أخذ العير التي جاء بها أبو سفيان من الشام إذا هم بروايا قريش فيها عبد أسود لبني الحجاج. والروايا: جمع راوية، وهي القِرَب التي تحمل على الإبل للسقي. فسألوا هذا العبد عن أبي سفيان، وأبو سفيان هو الذي جاء من الشام، فأخبرهم بأن قريشاً قد جاءت فيها فلان وفيها فلان وفيها فلان، والرسول ﷺ كان يصلي ويسمع كلامه وكلامهم، فضربوه، فكان إذا قال: دعوني أخبركم تركوا الضرب، فيقول لهم: مثل الكلام الذي قاله أولاً، وكان صادقاً في إخباره عن الجماعة الذين جاءوا ليدافعوا عن عير أبي سفيان وليقاتلوا الرسول ﷺ وأصحابه، فالنبي ﷺ كان يسمعهم، فلما سلم قال: [(إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتدعونه إذا كذبكم)]. يعني: إذا قال دعوني أخبركم تركوه، وهو ليس عنده خبر عن الشيء الذي يريدونه بالنسبة لعير أبي سفيان، ولكن كان عنده الخبر عن قريش. فالمقصود من هذا أنهم كانوا يضربونه والرسول ﷺ ما نهاهم عن الضرب، أي: أقرهم على ذلك، وما قال: لا تفعلوا. فدل هذا على جواز ضرب الأسير أو الشخص الذي يحتاج إلى ضربه من أجل استخراج شيء منه يفيد المسلمين ضد أعدائهم. وفيه دليل على أن الإنسان إذا كان يصلي فإنه يمكنه أن يسمع الكلام الذي يجري حوله بحيث لا يشغله عن صلاته؛ لأن النبي ﷺ كان يسمع الذي يقول لهم، وبعدما صلى أخبرهم بأن شأنه أنه إذا صدقكم ضربتموه وإذا كذبكم تركتموه ولم تضربوه. وقوله: [قال رسول ﷺ : (هذا مصرع فلان غداً)]. معناه أن النبي ﷺ أشار لهم في الأرض إلى مصارع هؤلاء الكفار الذين هم صناديد قريش وكفار قريش ومقدموهم. فلما جاءت الوقعة ما تجاوز كل واحد منهم المكان الذي أشار إليه رسول الله ﷺ ، وهذا من علامة نبوته ودلائل نبوته ﷺ ، حيث يخبر عن الشيء المستقبل فيقع طبقاً لما أخبر به صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. ثم إنه أمر بهم فسحبوا وألقوا في قليب في بدر، والقليب هي البئر المحفورة غير المطوية، فسحبوا وألقوا في هذه القليب.

стр. 8809

تراجم رجال إسناد حديث ضرب الصحابة عبد بني الحجاج للاستعلام عن عير أبي سفيان قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت]. موسى بن إسماعيل مر ذكره، وحماد مر ذكره، وثابت هو ابن أسلم البناني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. هو أنس بن مالك ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . والإسناد من الأسانيد العالية عند أبي داود، وهي الرباعيات.

стр. 8810

إكراه الأسير على الإسلام

стр. 8811

شرح حديث بيان سبب نزول قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الأسير يكره على الإسلام. حدثنا محمد بن عمرو بن علي المقدمي قال: حدثنا أشعث بن عبد الله -يعني السجستاني - ح وحدثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي - وهذا لفظه -، ح وحدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا وهب بن جرير عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (كانت المرأة تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا. فأنزل الله عزوجل: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦]). قال أبو داود: المقلاة التي لا يعيش لها ولد]. أورد أبو داود [باب في الأسير يكره على الإسلام] أي أنه لا يكره، فالأسير لا يكره فيقال له: إما أن تسلم وأما أن نقتلك، ليس هذا من حكم الإسلام، وإنما يوثق ويصير عبداً بين مسلمين يشاهد أحكام الإسلام وأعمال الإسلام، فيكون ذلك سبباً في إسلامه, فما دام أن المسلمين قد تمكنوا منه فإنه يصير تحت إمرتهم وتحت سلطتهم وتحت تصرفهم، فيكون رقيقاً مملوكاً يتصرفون فيه كيف يشاءون، ثم يكون وجوده بين المسلمين سبباً في إسلامه، فالمقصود هو الهداية وليس المقصود القتل. ولكن كون المسلمين يذهبون إلى بلاد الكفار ويغزونهم ويقاتلونهم على أن يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية ويكونوا تحت حكم الإسلام هذا هو حكم الإسلام، ومعنى هذا أن فيه جهاداً وفيه انتقال المسلمين من بلادهم إلى بلاد الكفار يغزونهم، فيدعونهم إلى الإسلام، وإلى أن يدخلوا تحت لوائه أو يعطوا الجزية ويكونوا تابعين للمسلمين يعاملهم المسلمون المعاملة التي جاء بها الإسلام. وأما أن يكون عندهم كافر أسير فيخيرونه بين القتل أو الإسلام فليس الأمر الشرعي كذلك؛ لأنه ما حصل إلزام الأفراد الذين عاشوا تحت حكم الإسلام مأسورين، وكذلك الذين أعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون، فهؤلاء ما أكرهوا على الإسلام بحيث يلزم الإنسان منهم بأن يسلم وإلا قتل، بل إن أسلم فالحمد لله، وإلا فإنه يعطي الجزية ويكون تحت حكم الإسلام، وإعطاؤه الجزية وبقاؤه تحت حكم الإسلام ومشاهدته أحكام الإسلام من أسباب دخوله في الإسلام. فإكراه الأسير على الإسلام لا يجوز. وهنا أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦] أن الأنصار كانوا في المدينة ومعهم اليهود، وكانت المرأة تكون مقلاة لا يعيش لها ولد، فتنذر أنَّه إن جاءها ولد فإنها ستهوده، أي: تجعله يهودياً. والأنصار الذين كانوا في المدينة من الأوس والخزرج أصلهم من أزد اليمن من العرب. فكانت المرأة تنذر بأن تهود ابنها، فيكون يهودياً وينشأ على أنه يهودي، واليهود كانوا معهم في المدينة، فلما أجلي بنو النضير قال الأنصار: لا ندع أبناءنا الذين قد هودوا بسبب هذا النذر الذي يحصل من المرأة المقلاة. فأنزل الله: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) يعني أنه لا يكره الشخص على الإسلام وعلى أن يدخل في الإسلام. وأنزل الله : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦]، فهذا هو معنى الآية، وليس معناها أن الكفار لا يُجَاهدون ولا يُغزون في بلادهم، وعلى هذا فلا تنافي بين ما جاء في القرآن من الأمر بقتال الكفار، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]، لا تنافي بين ذلك وبين هذه الآية التي هي قوله تعالى: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))، وتكون الآية محمولة على مثل من نزلت فيهم، وهم الذين كانوا أبناء مشركين ولكنهم تهودوا، فلا يكرهوهم على الإسلام فيلزموهم بالإسلام أو القتل؛ لأنهم لو أكرهوهم فيمكن أن يظهروا الإسلام علناً وهم يبطنون الكفر، فلا يكون هناك فائدة من وراء هذا الإكراه. فتكون الآية محمولة على مثل من نزلت فيهم، وآيات الأمر بالقتال للمشركين على ما هي عليه، وهي أن المسلمين يذهبون إلى بلاد الكفار فيغزونهم ويقاتلونهم، والنبي ﷺ كان إذا أمر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيراً وقال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله). فتحمل الآيات والأحاديث التي في القتال على غزو الكفار والذهاب إليهم ليدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ويحكم الإسلام بلادهم، ويكون الإسلام ظاهراً عالياً على الأديان، ويكونون تحت لوائه، فيشاهدون أحكام الإسلام وفضله، فيكون ذلك سبباً في إسلامهم، والآية ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) تكون في مثل هؤلاء. وليس الأمر كما يفعله بعض الناس في هذا الزمان حين انهزموا في نفوسهم، فأرادوا أن يعتذروا للإسلام أمام الكفار بأنَّ الإسلام ليس فيه هجوم وليس فيه ذهاب إلى الكفار من أجل دعوتهم إلى الإسلام، وإنما الجهاد في الإسلام للدفاع! هكذا يقول بعض الناس في هذا الزمان، فكثير من الناس يقولون: الجهاد للدفاع. ونقول: كيف يكون الجهاد للدفاع والصحابة كانوا يذهبون إلى الكفار في بلادهم ويغزونهم في بلادهم، وكذلك من بعدهم، والرسول ﷺ جهز الجيوش وقال: (اغزوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله)، والصحابة ذهبوا إلى الفرس والروم، مع أن الفرس والروم ما هاجموا المدينة وما جاءوا إلى المدينة حتى يدافع الصحابة عن أنفسهم، وإنما ذهبوا إليهم في بلادهم لإخراجهم من الظلمات إلى النور بأن يسلموا، أو يدخلوا تحت حكم الإسلام فيشاهدون أحكام الإسلام فيكون ذلك سبباً في إسلامهم؟! وهل يُظن أن الذين ذهبوا إلى إفريقيا حتى وصلوا إلى المحيط الأطلسي ذهبوا ليدافعوا عن الإسلام أو ليدافعوا عن المسلمين؟! إنما كانوا يذهبون إلى الكفار ويدعونهم إلى الإسلام، لكن لما ضعف المسلمون في هذا الزمان وصار الكفار متغلبين صار بعض المسلمين يزعم أن الجهاد إنما هو للدفاع فقط، وأن الكفار لا يغزون ولا يذهب إليهم في بلادهم، ولا إكراه في الدين، فصارت آية (لا إكراه في الدين) هي عندهم كل شيء، والآية إنما جاءت في مثل هذه الصورة التي ذكرت، وهي أن المرأة كانت تكون مقلاة، فتنذر إن عاش لها ولد فإنها ستهوده، ثم لما أجلي بنو النضير وكان أبناء الأنصار اليهود معهم كانوا يكرهونهم على الإسلام حتى يبقوا معهم، فنزلت الآية: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)). إذاً الآية لها معنىً يخصها، وتلك الآيات لها معانٍ، ولا تنافي بين ما في آيات قتال الكفار حتى يكون الدين كله لله وبين آية ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ))؛ لأنها في مثل من نزلت فيهم، فالمسلمون إذا كان تحت أيديهم كافر فإنه لا يجوز لهم أن يقولوا له: إما أن تسلم وإما أن نقتلك، فهذا إكراه ممنوع وغير جائز، وإنما يغزى الكفار في بلادهم ويقاتلون، فإن دخلوا في الإسلام فالحمد لله، وهذا هو المطلوب، وإن لم يدخلوا طلب منهم إعطاء الجزية ويتولى عليهم المسلمون، ويكون ذلك سبباً في إسلامهم بأن يشاهدوا أحكام الإسلام وتعاليم الإسلام.

стр. 8812

تراجم رجال إسناد حديث بيان سبب نزول قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) قوله: [حدثنا محمد بن عمرو بن علي المقدمي]. محمد بن عمرو بن علي المقدمي صدوق أخرج له أصحاب السنن. [حدثنا أشعث بن عبد الله]. أشعث بن عبد الله ثقة، أخرج له أبو داود. [ح وحدثنا ابن بشار]. هو محمد بن بشار بندار، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [حدثنا ابن أبي عدي]. هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا الحسن بن علي]. هو الحسن بن علي الحلواني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي. [حدثنا وهب بن جرير]. هو وهب بن جرير بن حازم، وهو ثقة، أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي بشر]. هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعيد بن جبير]. سعيد بن جبير ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 8813

قتل الأسير دون عرض الإسلام عليه

стр. 8814

شرح حديث عتابه ﵊ أصحابه على تركهم قتل ابن أبي السرح قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام. حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط بن نصر قال: زعم السدي عن مصعب بن سعد عن سعد ﵁ قال: (لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﵌ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم، وابن أبي سرح فذكر الحديث، قال: وأما ابن أبي سرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان ﵁، فلما دعا رسول الله ﵌ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله ﵌، فقال: يا نبي الله! بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟! فقالوا: ما ندري -يا رسول الله- ما في نفسك، ألا أومأت إلينا بعينك؟! قال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين). قال أبو داود: كان عبد الله أخا عثمان من الرضاعة، وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه، وضربه عثمان الحد إذ شرب الخمر]. أورد الإمام أبو داود رحمه الله تعالى [باب في الأسير يقتل ولا يعرض عليه الإسلام]. يعني أنه يقتل ولا يلزم أن يكون قتله بعد أن يعرض عليه الإسلام، وإنما الإمام مخير في الأسارى بين القتل أو الفداء أو المن والمسامحة. وقد أورد أبو داود حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ لما فتح مكة أمن الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وسماهم، وأن عبد الله بن أبي السرح اختبأ عند عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة، ثم إنه جاء به إلى رسول الله ﷺ وطلب منه أن يبايعه والنبي ﷺ يعرض عنه، ثم بعد ذلك بايعه، ثم إن النبي ﵊ قال: [(أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟! فقالوا: ألا أومأت إلينا بعينك؟! فقال: إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين)] أي: أن يظهر شيئاً ثم يشير بعينه أو ببصره إلى خلافه، فيكون الذي ظهر منه مخالفاً للذي أشار إليه، وهذا الفعل يظهر أنه ليس المنع منه خاصاً بالأنبياء بل هو ممنوع في حق الجميع، لكن في حق الأنبياء المنع منه أشد وأعظم، وامتناع النبي ﷺ عن مبايعته وقد حصل ذلك أكثر من مرة دليل على عدم رضاه وأنه يستحق القتل لو قتل، وهذا هو الدليل على الترجمة، وهو كون الرسول ﷺ أذن أن يقتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، وكذلك الذين لم يؤمنهم الرسول ﷺ ، فجاز أن يؤسروا ويقتلوا ولا يعرض عليهم الإسلام. وإنما فعل النبي ﷺ ما فعل مع عبد الله بن أبي السرح لأنه كان من كتاب الوحي، كان يكتب الوحي للرسول ﷺ ، ثم إنه ارتد ثم عاد إلى الإسلام، فعامله النبي ﷺ هذه المعاملة لكونه كان من كتاب الوحي ومع ذلك حصل منه ما حصل، إذ كان في الأصل أن كتابة الوحي وائتمان النبي ﷺ له على الوحي داعيان لبعده من أن يقع في مثل هذا الذي وقع فيه، فمن أجل ذلك عامله النبي ﷺ هذه المعاملة. قوله: [(لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﵌ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين -وسماهم- وابن أبي سرح)]. يعني أن هؤلاء يقتلون وغيرهم حصل له الأمان، فالنبي ﷺ قال: (من دخل داره فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، ولكن هؤلاء الأربعة والقينتين لم يؤمنهم النبي ﷺ وأمر بقتلهم أينما وجدوا. قوله: [(فلما دعا رسول الله ﵌ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله ﵌ فقال: يا نبي الله! بايع عبد الله)]، يعني بيعة الذين أسلموا عام الفتح، فلما دعا إلى بيعتهم فجاءوا جاء عثمان ومعه عبد الله بن أبي السرح وطلب من النبي ﷺ أن يبايعه، فالنبي ﷺ أعرض عنه. قوله: [(ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي)]. المقصود بالرشيد الفطن الذي عنده فطنة وعنده انتباه لكون النبي ﷺ أهدر دمه ومع ذلك لما أجاره عثمان وجاء به وكرر طلب المبايعة له جعل النبي ﷺ ينظر إليه ثم يعرض عنه، فهذا دليل على عدم رضاه وعلى عدم موافقته على بيعته، فالرشيد هنا المقصود به النبيه أوالفطن الذي عنده فطنة وعنده نباهة يعرف أن امتناع الرسول ﷺ إنما كان لأمر يستحقه ذلك الرجل الذي امتنع الرسول ﷺ من مبايعته وكان قد أهدر دمه.

стр. 8815

تراجم رجال إسناد حديث عتابه ﵊ أصحابه على تركهم قتل ابن أبي السرح قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وإلا النسائي فقد أخرج له في عمل اليوم والليلة. [حدثنا أحمد بن المفضل]. أحمد بن المفضل صدوق في حفظه شيء، أخرج له أبو داود والنسائي. [حدثنا أسباط بن نصر]. أسباط بن نصر صدوق كثير الخطأ، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [قال: زعم السدي]. السدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وهو صدوق يهم، أخرج له البخاري ومسلم وأصحاب السنن. وكلمة (زعم) المقصود بها هنا الخبر المحقق، يعني: أخبر خبراً محققاً. لأن الزعم يأتي في كلام العلماء وعلى ألسنة الصحابة بمعنى الخبر المحقق، وهذا منه. [عن مصعب بن سعد]. هو مصعب بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن سعد]. هو سعد بن أبي وقاص ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وسعد هذا هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵁ وأرضاه. والحديث صححه الشيخ الألباني ﵀ وقال: إلا أن أسباط بن نصر وأحمد بن المفضل قد تكلم فيهما بعض الأئمة من جهة حفظهما، لكن الحديث له شاهد يتقوى به، فالحديث بهذا الشاهد صحيح. قوله: [كان عبد الله أخا عثمان من الرضاعة، وكان الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه، وضربه عثمان الحد إذ شرب الخمر]. هنا ذكر القرابة التي بين عثمان وبين عبد الله بن أبي السرح، وهي أنه أخاه من الرضاعة، وذكر -أيضاً- أخاً له آخر، ولكنه أخوه من أمه، وهو الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد حده عثمان لشربه الخمر، والحديث في صحيح مسلم، وفيه أنه أمر الحسن أن يجلده، ثم إنه حصل الجلد وعلي يعد حتى بلغ أربعين، ثم قال: أمسك. ثم قال: جلد الرسول ﷺ كذا وجلد عمر كذا. وقال: وكل سنة، وهذا أحب إلي. يعني أن الشيء الذي جاء عن رسول الله ﷺ أحب إليه.

стр. 8816

شرح حديث: (أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا زيد بن حباب قال: أخبرنا عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي قال: حدثني جدي عن أبيه ﵁ أن رسول الله ﵌ قال يوم فتح مكة: (أربعة لا أؤمنهم في حل ولاحرم) فسماهم، قال: وقينتين كانا لـ مقيس، فقتلت إحداهما وأفلتت الأخرى فأسلمت. قال أبو داود: لم أفهم إسناده من ابن العلاء كما أحب]. أورد أبو داود هنا حديث سعيد بن يربوع المخزومي ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: [(أربعة لا أؤمنهم لا في حل ولا في حرم) فسماهم، قال: وقينتين كانتا لـ مقيس]. والقينتان هما الجاريتان اللتان تغنيان، وقيل: هما الجاريتان مطلقاً، ولكن المشهور أنهما متصفتان بالغناء. ثم إن إحداهما قتلت والثانية حصل لها الإفلات من القتل، ولكنها أسلمت ولم يحصل لها القتل، وهما لـ مقيس بن صبابة، وهو أحد الذين لم يؤمنهم النبي ﷺ ، وهؤلاء الأربعة هم مقيس هذا وعبد الله بن خطل وعكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن أبي السرح.

стр. 8817

تراجم رجال إسناد حديث: (أربعة لا أؤمنهم في حل ولا حرم) قوله: [حدثنا محمد بن العلاء]. هو محمد بن العلاء بن كريب أبو كريب البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا زيد بن حباب]. زيد بن حباب صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. [أخبرنا عمرو بن عثمان بن عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي]. عمرو بن عثمان مقبول، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود. [حدثني جدي]. هو عبد الرحمن بن سعيد، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبو داود. [عن أبيه]. هو سعيد بن يربوع المخزومي صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أبو داود. والحديث ضعفه الألباني، ولكنه مثل الحديث الذي قبله فيه ذكر الأربعة والجاريتين. قوله: [قال أبو داود: لم أفهم إسناده من ابن العلاء كما أحب]. معناه أنه غير مطمئن وغير متوثق من إسناده.

стр. 8818

شرح حديث أمره ﷺ بقتل ابن خطل وقد تعلق بأستار الكعبة قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك ﵁: (أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة. فقال: اقتلوه). قال أبو داود: ابن خطل اسمه عبد الله، وكان أبو برزة الأسلمي قتله]. أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁: [(أن رسول الله ﷺ دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر)] والمغفر هو غطاء يكون على الرأس يقي الرأس من أن تصل إليه السهام، وهو من الحديد، وهذا يدل على أن النبي ﷺ دخل مكة عام الفتح من غير إحرام، وذلك لأنه كان على رأسه المغفر، والمحرم لا يغطي رأسه بل يكشفه. ثم إن فيه دليلاً على الأخذ بالأسباب، وأن ذلك من التوكل؛ لأن النبي ﷺ هو سيد المتوكلين، وقد أخذ بالسبب الذي يمنع وصول السهام إليه ﷺ . [(فلما نزعه)]. فلما نزعه بعد أن انتهى فتح مكة عنوة قيل له: [ابن خطل متعلق بأستار الكعبة]. وكان ممن أهدر النبي ﷺ دماءهم. ومعنى ذلك أنه قرب من الكعبة والتصق بها وتعلق بأستارها يريد الأمان، فقال النبي ﷺ : [(اقتلوه)] يعني: ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة. وفي الحديث دليل على كسوة الكعبة، وأن هذا كان في الجاهلية وأقره الإسلام؛ لأن قوله: [متعلق بأستار الكعبة] يعني: بكسوتها، وهو يدل على كسوة الكعبة، فكسوة الكعبة جاء بها النص، وأما كسوة حجرة النبي ﷺ التي فيها قبره فلم يأت بها دليل، فهي غير جائزة. وليس فيه دليل على جواز التعلق بأستار الكعبة، لأن هذا طالب أمان، وكون الناس يأتون فيتعلقون بأستارها ويقولون: إن ابن خطل تعلق بأستار الكعبة ليس بحجة، فتعلق ابن خطل لأنه كان يطلب الأمان، فلشدة رغبته في الأمان تعلق بأستار الكعبة، فلا يجوز التعلق بأستارها، كما أنه لا يسوغ أن يستلم منها إلا الحجر الأسود والركن اليماني، أما ما عداهما فإنه لا يستلم، لا الركنان الشاميان ولا الجدران اللذان بينهما، اللهم إلا الملتزم الذي ورد فيه بعض الأحاديث، ومن العلماء من صححها ومنهم من ضعفها.

стр. 8819

تراجم رجال إسناد حديث أمره ﷺ بقتل ابن خطل وقد تعلق بأستار الكعبة قوله: [حدثنا القعنبي]. هو القعنبي عبد الله بن مسلمة بن قعنب، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة. [عن مالك]. هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس بن مالك]. هو أنس بن مالك ﵁ خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . وهذا الإسناد من الرباعيات التي هي أعلى الأسانيد عند أبي داود ﵀.

стр. 8820

شرح سنن أبي داود [٣١٨] للأسير أحكام في الشريعة الإسلامية تنبئ عن حرصها على مصلحة العباد وتحقيق الخير لهم، فمن ذلك ما يتعلق بقتل الأسير إن رأى الإمام ذلك، ومنها ما يتعلق بإطلاق سراحه بفداء أو بغير فداء حسب ما يراه الإمام. ومن الأحكام المتعلقة بهذا الباب رد السبي بعد إسلام أهليهم، وما يعوض به صاحب الحظ من السبي إن بقي على طلب حقه، ونحو ذلك من الأحكام الشرعية الدالة على عظمة الإسلام وشريعته.

стр. 8821

قتل الأسير صبراً

стр. 8822

شرح حديث قتل النبي ﷺ عقبة بن أبي معيط بعد أسره في بدر قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في قتل الأسير صبراً. حدثنا علي بن الحسين الرقي قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: أخبرني عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن إبراهيم قال: أراد الضحاك بن قيس أن يستعمل مسروقاً فقال له عمارة بن عقبة: أتستعمل رجلاً من بقايا قتلة عثمان؟! فقال له مسروق: حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁ -وكان في أنفسنا موثوق الحديث- (أن النبي ﵌ لما أراد قتل أبيك قال: من للصبية؟ قال: النار) فقد رضيت لك ما رضي لك رسول الله ﷺ . ]. أورد أبو داود [باب في قتل الأسير صبراً]. وقتل الأسير صبراً هو أن يحبس أو يمسك ثم يقتل، فالقتل صبراً يكون بحبس من كان حياً وإمساكه حتى يقتل، سواء أكان إنساناً أم حيواناً، وكذلك حبس البهائم حتى تموت هو من القتل صبراً. قوله: [(أراد الضحاك بن قيس أن يستعمل مسروقاً فقال له عمارة بن عقبة)]. أي: أراد الضحاك بن قيس وكان أميراً أن يستعمل مسروقاً في عمل من الأعمال، فقدح فيه عمارة بن عقبة وقال: أتستعمل شخصاً من بقايا قتلة عثمان؟! فـ مسروق قابله بأن قال فيه قولاً مقابل ما قاله فيه، فقال: [حدثنا عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ لما أراد قتل أبيك قال: (من للصبية -والصبية منهم عمارة هذا-؟ قال: النار) فقد رضيت لك ما رضي لك رسول الله ﷺ ] فكل منهما قدح في الآخر. وما أدري عن صحة قضية اتهام مسروق بما اتُهم به وما ذكره في حقه عمارة بن عقبة، لكن قصة عقبة بن أبي معيط وقول النبي ﷺ له جاء في هذا الإسناد وفي هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁، فما قيل في حق عقبة ثابت بهذا الإسناد. قوله: [من للصبية] يعني: إذا قتلتني فمن يكون للصبية؟! أي: عمارة وإخوانه. فقال: [(لهم النار)]. واختلف في تفسير قوله: [(لهم النار)] فمن العلماء من قال: معناه: لهم الضياع. أي: لهم الضياع بسبب ضياعه هو. ومنهم من قال غير ذلك، حيث قالوا: هذا من أسلوب الحكيم، أي: لك النار ودع أمر الصبية فإن الله تعالى كافلهم. ومعلوم أن أبناء المشركين حكمهم كما قال النبي ﷺ : (الله أعلم بما كانوا عاملين) يعني: إذا ماتوا وهم صغار فإنهم يمتحنون يوم القيامة والله أعلم بما كانوا عاملين، لكن من كبر منهم وأسلم يختلف حكمه. وعمارة مع كونه مسلماً قابله مسروق بأن قال فيه ما قال، ولكن الأمر يحتمل أن يكون المقصود أباهم وليس الذين أسلموا من أولاده.

стр. 8823

تراجم رجال إسناد حديث قتل النبي ﷺ عقبة بن أبي معيط بعد أسره في بدر قوله: [حدثنا علي بن الحسين الرقي]. علي بن الحسين الرقي صدوق، أخرج له أبو داود. [حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي]. عبد الله بن جعفر الرقي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني عبيد الله بن عمرو]. هو عبيد الله بن عمرو الرقي، ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن زيد بن أبي أنيسة]. زيد بن أبي أنيسة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن مرة]. هو عمرو بن مرة الهمداني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إبراهيم]. هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [فقال له مسروق]. هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الله بن مسعود]. هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8824

قتل الأسير بالنبل

стр. 8825

شرح حديث النهي عن القتل صبراً بالنَّبل قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في قتل الأسير بالنبل. حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن ابن تعلي قال: غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأتي بأربعة أعلاج من العدو فأمر بهم فقتلوا صبراً. قال أبو داود: قال لنا غير سعيد عن ابن وهب في هذا الحديث: قال: (بالنبل صبراً) فبلغ ذلك أبا أيوب الأنصاري ﵁ فقال: (سمعت رسول الله ﵌ ينهى عن قتل الصبر) فوالذي نفسي بيده! لو كانت دجاجة ما صبرتها. فبلغ ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأعتق أربع رقاب]. أورد أبو داود [باب في قتل الأسير بالنبل] يعني حكمه. وهو أنه يقتل بالنبل أو بأي وسيلة يحصل بها القتل. قوله عن ابن تعلي: [غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأتي بأربعة أعلاج من العدو فأمر بهم فقتلوا صبراً]. الأعلاج قيل: هم الكفار من العجم -أي: من غير العرب- وقيل غير ذلك. قوله: [فأمر بهم فقتلوا صبراً] يعني أنهم أمسكوا حتى قتلوا. قوله: [قال أبو داود: قال لنا غير سعيد عن ابن وهب في هذا الحديث: قال: (بالنبل صبراً)]. هذا محل الشاهد، أي: كون القتل كان بالنبل. قوله: [فبلغ ذلك أبا أيوب الأنصاري ﵁ فقال: (سمعت رسول الله ﵌ ينهى عن قتل الصبر)]. سبق أن مر في الترجمة السابقة ذكر القتل بالصبر، وأن ذلك سائغ، ولعل هذا الذي سمعه أبو أيوب كان قبل، أو أنه القتل الذي يكون فيه إيذاء للمقتول، ومعلوم أن هذا إذا لم يكن عن طريق المقابلة والقصاص، أما إذا كان قتله بالطريقة التي قتل بها فإن ذلك سائغ، وقد جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، كما عرفنا فيما مضى أن التمثيل لا يجوز ولكن من مثل يجوز أن يمثل به. فالمحذور هو أن يتخذ المقتول غرضاً ثم يرمى بالنبل، فيكون في ذلك تعذيب له، أما إمساكه وقتله فهو جائز كما فعل بـ عقبة بن أبي معيط، وقد قال ﷺ : (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) فيبدو أن النهي عن القتل صبراً إنما هو إذا كان فيه تعذيب. قوله: [فوالذي نفسي بيده لو كانت دجاجة ما صبرتها]. يعني كونها تمسك ثم ترمى، وإنما تقتل قتلاً بالسكين أو بأي شيء يزهقها في الحال، فقد يكون المقصود به تعذيبها بالقتل. قوله: [فبلغ ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأعتق أربع رقاب]. أي: أعتق أربع رقاب عن الذين قتلهم صبراً.
следующие страницы →