← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

قتل الأسير صبراً

стр. 8822

شرح حديث قتل النبي ﷺ عقبة بن أبي معيط بعد أسره في بدر قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في قتل الأسير صبراً. حدثنا علي بن الحسين الرقي قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي قال: أخبرني عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن إبراهيم قال: أراد الضحاك بن قيس أن يستعمل مسروقاً فقال له عمارة بن عقبة: أتستعمل رجلاً من بقايا قتلة عثمان؟! فقال له مسروق: حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁ -وكان في أنفسنا موثوق الحديث- (أن النبي ﵌ لما أراد قتل أبيك قال: من للصبية؟ قال: النار) فقد رضيت لك ما رضي لك رسول الله ﷺ . ]. أورد أبو داود [باب في قتل الأسير صبراً]. وقتل الأسير صبراً هو أن يحبس أو يمسك ثم يقتل، فالقتل صبراً يكون بحبس من كان حياً وإمساكه حتى يقتل، سواء أكان إنساناً أم حيواناً، وكذلك حبس البهائم حتى تموت هو من القتل صبراً. قوله: [(أراد الضحاك بن قيس أن يستعمل مسروقاً فقال له عمارة بن عقبة)]. أي: أراد الضحاك بن قيس وكان أميراً أن يستعمل مسروقاً في عمل من الأعمال، فقدح فيه عمارة بن عقبة وقال: أتستعمل شخصاً من بقايا قتلة عثمان؟! فـ مسروق قابله بأن قال فيه قولاً مقابل ما قاله فيه، فقال: [حدثنا عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ لما أراد قتل أبيك قال: (من للصبية -والصبية منهم عمارة هذا-؟ قال: النار) فقد رضيت لك ما رضي لك رسول الله ﷺ ] فكل منهما قدح في الآخر. وما أدري عن صحة قضية اتهام مسروق بما اتُهم به وما ذكره في حقه عمارة بن عقبة، لكن قصة عقبة بن أبي معيط وقول النبي ﷺ له جاء في هذا الإسناد وفي هذا الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁، فما قيل في حق عقبة ثابت بهذا الإسناد. قوله: [من للصبية] يعني: إذا قتلتني فمن يكون للصبية؟! أي: عمارة وإخوانه. فقال: [(لهم النار)]. واختلف في تفسير قوله: [(لهم النار)] فمن العلماء من قال: معناه: لهم الضياع. أي: لهم الضياع بسبب ضياعه هو. ومنهم من قال غير ذلك، حيث قالوا: هذا من أسلوب الحكيم، أي: لك النار ودع أمر الصبية فإن الله تعالى كافلهم. ومعلوم أن أبناء المشركين حكمهم كما قال النبي ﷺ : (الله أعلم بما كانوا عاملين) يعني: إذا ماتوا وهم صغار فإنهم يمتحنون يوم القيامة والله أعلم بما كانوا عاملين، لكن من كبر منهم وأسلم يختلف حكمه. وعمارة مع كونه مسلماً قابله مسروق بأن قال فيه ما قال، ولكن الأمر يحتمل أن يكون المقصود أباهم وليس الذين أسلموا من أولاده.

стр. 8823

تراجم رجال إسناد حديث قتل النبي ﷺ عقبة بن أبي معيط بعد أسره في بدر قوله: [حدثنا علي بن الحسين الرقي]. علي بن الحسين الرقي صدوق، أخرج له أبو داود. [حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي]. عبد الله بن جعفر الرقي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني عبيد الله بن عمرو]. هو عبيد الله بن عمرو الرقي، ثقة ربما وهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن زيد بن أبي أنيسة]. زيد بن أبي أنيسة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو بن مرة]. هو عمرو بن مرة الهمداني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إبراهيم]. هو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [فقال له مسروق]. هو مسروق بن الأجدع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الله بن مسعود]. هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8824

قتل الأسير بالنبل

стр. 8825

شرح حديث النهي عن القتل صبراً بالنَّبل قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في قتل الأسير بالنبل. حدثنا سعيد بن منصور قال: حدثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن ابن تعلي قال: غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأتي بأربعة أعلاج من العدو فأمر بهم فقتلوا صبراً. قال أبو داود: قال لنا غير سعيد عن ابن وهب في هذا الحديث: قال: (بالنبل صبراً) فبلغ ذلك أبا أيوب الأنصاري ﵁ فقال: (سمعت رسول الله ﵌ ينهى عن قتل الصبر) فوالذي نفسي بيده! لو كانت دجاجة ما صبرتها. فبلغ ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأعتق أربع رقاب]. أورد أبو داود [باب في قتل الأسير بالنبل] يعني حكمه. وهو أنه يقتل بالنبل أو بأي وسيلة يحصل بها القتل. قوله عن ابن تعلي: [غزونا مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأتي بأربعة أعلاج من العدو فأمر بهم فقتلوا صبراً]. الأعلاج قيل: هم الكفار من العجم -أي: من غير العرب- وقيل غير ذلك. قوله: [فأمر بهم فقتلوا صبراً] يعني أنهم أمسكوا حتى قتلوا. قوله: [قال أبو داود: قال لنا غير سعيد عن ابن وهب في هذا الحديث: قال: (بالنبل صبراً)]. هذا محل الشاهد، أي: كون القتل كان بالنبل. قوله: [فبلغ ذلك أبا أيوب الأنصاري ﵁ فقال: (سمعت رسول الله ﵌ ينهى عن قتل الصبر)]. سبق أن مر في الترجمة السابقة ذكر القتل بالصبر، وأن ذلك سائغ، ولعل هذا الذي سمعه أبو أيوب كان قبل، أو أنه القتل الذي يكون فيه إيذاء للمقتول، ومعلوم أن هذا إذا لم يكن عن طريق المقابلة والقصاص، أما إذا كان قتله بالطريقة التي قتل بها فإن ذلك سائغ، وقد جاءت به السنة عن رسول الله ﷺ ، كما عرفنا فيما مضى أن التمثيل لا يجوز ولكن من مثل يجوز أن يمثل به. فالمحذور هو أن يتخذ المقتول غرضاً ثم يرمى بالنبل، فيكون في ذلك تعذيب له، أما إمساكه وقتله فهو جائز كما فعل بـ عقبة بن أبي معيط، وقد قال ﷺ : (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة) فيبدو أن النهي عن القتل صبراً إنما هو إذا كان فيه تعذيب. قوله: [فوالذي نفسي بيده لو كانت دجاجة ما صبرتها]. يعني كونها تمسك ثم ترمى، وإنما تقتل قتلاً بالسكين أو بأي شيء يزهقها في الحال، فقد يكون المقصود به تعذيبها بالقتل. قوله: [فبلغ ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأعتق أربع رقاب]. أي: أعتق أربع رقاب عن الذين قتلهم صبراً.

стр. 8826

تراجم رجال إسناد حديث النهي عن القتل صبراً بالنبل قوله: [حدثنا سعيد بن منصور]. سعيد بن منصور ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد الله بن وهب]. هو عبد الله بن وهب المصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرني عمرو بن الحارث]. هو عمرو بن الحارث المصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن بكير بن عبد الله بن الأشج]. بكير بن عبد الله بن الأشج ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن تعلي]. هو عبيد بن تعلي الطائي، صدوق، أخرج له أبو داود. [فبلغ ذلك أبا أيوب]. هو خالد بن زيد رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8827

المن على الأسير بغير فداء

стр. 8828

شرح حديث عفو النبي ﷺ عن جماعة من المشركين أرادوا قتله قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في المن على الأسير بغير فداء. حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد قال: أخبرنا ثابت عن أنس أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على النبي ﵌ وأصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله ﵌ سلماً، فأعتقهم رسول الله ﵌، فأنزل الله : ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح:٢٤] إلى آخر الآية]. أورد أبو داود باباً في المن على الأسير بغير فداء. وهذه إحدى التراجم المتعلقة بأحكام الأسرى، والأسرى وردت أحاديث بقتلهم، ووردت أحاديث باستعبادهم، ووردت أحاديث بالمن عليهم، وكل ذلك ثابت، والأمر يرجع إلى الإمام، فما رأى فيه المصلحة من هذه الأمور فإنه يفعله، وبذلك يكون التوفيق بين هذه الأحاديث، فما دام أنه قد ثبت جميعها فإنه يرجع الأمر إلى الإمام، فيفعل ما يرى فيه المصلحة من القتل أو الأسر أو المن بدون فداء أو المن مع فداء. وأورد أبو داود حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ نزل عليه ثمانون رجلاً من جبال التنعيم عند صلاة الفجر يريدون قتله ﷺ مع أصحابه، فأخذهم النبي ﷺ سلماً، أي: أسرهم، ثم إنه منَّ عليهم بدون أن يأخذ منهم شيئاً، فأنزل الله تعالى الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٢٤]، فالله تعالى كف أيديهم عن النبي ﷺ بحيث لم يتمكنوا مما أرادوه من قتله ﷺ وقتل أصحابه، وأيضاً كف أيدي المؤمنين عنهم فلم يقتلوهم بعد أن ظفروا بهم. فالحديث فيه شاهد للترجمة، وهي المن على الأسير بغير فداء.

стр. 8829

تراجم رجال إسناد حديث عفو النبي ﷺ عن جماعة من المشركين أرادوا قتله قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن حماد]. هو حماد بن سلمة، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن ثابت]. هو ثابت بن أسلم البناني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. قد مر ذكره. وهذا الإسناد من الرباعيات عند أبي داود.

стр. 8830

شرح حديث: (لو كان مطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ أن النبي ﵌ قال لأسارى بدر: (لو كان مطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له)]. أورد أبو داود حديث جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال يوم بدر: [(لو كان مطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى -أي: الأسرى من الكفار فشفع فيهم- لأطلقتهم له)]. يعني: أطلقت سراحهم من أجله ومن أجل شفاعته، وهذا يدل على المن من غير فداء، ويدل على ما ترجم به المصنف من المن بغير فداء؛ لأنه قال: [(لو كان مطعم بن عدي حياً وكلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له)] يعني: وقبلت شفاعته فيهم. وقوله: [(لو كان مطعم بن عدي حياً)] ليس فيه اعتراض على القدر، بل معناه: لو أنه حصل كذا وكذا لكان كذا وكذا. يعني أن هذا الشخص لو كان حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لقبلت شفاعته. فليس فيه شيء يتعلق بالاعتراض على القدر أو ما إلى ذلك. وإنما الاعتراض على القدر هو كقول الكافرين كما حكى الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٥٦] فهذا هو الذي فيه اعتراض على القدر. وأما ما جاء في الحديث هنا فليس هو من هذا القبيل، ومثله قوله ﷺ : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة). أي: لو كان الذي سبق مني كله أمامي لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة. وهذا ليس تمنياً، وإنما إخبار عن أنه لو كان حصل كذا لكان كذا وكذا. والمطعم بن عدي هو والد جبير بن مطعم، وكان هو الذي أمن النبي ﷺ وأجاره لما قدم من الطائف، وأنزله في جواره ومنع الكفار من إيذائه، فمن أجل ذلك قال النبي ﷺ هذه المقالة في حقه لأنه قد أحسن إليه، فهو سيقبل شفاعته لو شفع فيهم، وهذا فيه تنويه بالعمل الذي قام به المطعم بن عدي، وهو الذي يقول فيه الشاعر: ولو أن مجداً أخلد الدهر واحداً من الناس أبقى مجده الدهر مطعماً أي: لو كان أحد يبقى بسبب العمل المجيد الذي حصل منه لبقي مطعم بن عدي الذي أمن الرسول ﷺ وحماه من الكفار عند قدومه من الطائف. ويذكر هذا البيت النحويون في شواهد النحو في عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، حيث لم يسبق للضمير مرجع، وإنما عاد على متأخر لفظاً ورتبة، والأصل أن الضمير يعود على متقدم. وهنا جاء الضمير عائداً على متأخر لفظاً ورتبة، حيث قال: أبقى مجده الدهر مطعماً أي: أبقى مجد مطعم مطعماً. فجاء الضمير متقدماً على مرجعه، بخلاف الأصل وهو أن الضمير يعود على متقدم، وهنا عاد على متأخر لفظاً ورتبة.

стр. 8831

تراجم رجال إسناد حديث: (لو كان مطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له) قوله: [حدثنا محمد بن يحيى بن فارس]. هو محمد بن يحيى بن فارس الذهلي، ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا عبد الرزاق]. هو عبد الرزاق بن همام الصنعاني اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا معمر]. هو معمر بن راشد الأزدي البصري ثم اليماني، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن الزهري عن محمد بن جبير بن مطعم]. الزهري قد مر ذكره، ومحمد بن جبير بن مطعم ثقة أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. أبوه هو جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. وكان من أسباب إسلامه أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، قال: فكاد قلبي أن يطير عند ذكر قوله : ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور:٣٥ - ٣٦]، فأدخل الله عليه الإسلام ودخل في الإسلام رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وكان من أسباب دخوله سماعه القرآن.

стр. 8832

فداء الأسير بالمال

стр. 8833

شرح حديث أخذ النبي ﷺ فداء أسرى بدر ونزول العتاب في ذلك قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في فداء الأسير بالمال. حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا أبو نوح قال: أخبرنا عكرمة بن عمار قال: حدثنا سماك الحنفي قال: حدثني ابن عباس ﵄ قال: حدثني عمر بن الخطاب ﵁ قال: (لما كان يوم بدر فأخذ -يعني النبي ﵌ الفداء أنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧] إلى قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال:٦٨] من الفداء، ثم أحل لهم الله الغنائم). قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن اسم أبي نوح فقال: أيش تصنع باسمه؟ اسمه شنيع. قال أبو داود: اسم أبي نوح: قراد، والصحيح عبد الرحمن بن غزوان]. أورد أبو داود [باب في فداء الأسير بالمال]. فمن الأحكام المتعلقة بالأسير أنه يقتل أو يؤسر ويستعبد أو يمن عليه بدون فداء أو يمن عليه بمال، فيطلق سراحه في مقابل الفدية أو بمفاداته بغيره، بأن يكون أسير من المسلمين عند الكفار فيطلق في مقابله أسير من الكفار عند المسلمين، فهذا عن طريق المفاداة، والمفاداة تكون بالمال وبغير المال، تكون بالمقابلة وتكون بالمال. وهنا ترجم بالمفاداة بالمال، وأنه يدفع مقداراً من المال فيطلق سراحه ويخلى سبيله في مقابل المال الذي دفعه، وقد عرفنا أن الأمر يرجع في ذلك إلى الإمام وما يرى فيه من المصلحة، فله أن يقتل، وله أن يأسر ويستعبد، وله أن يمن بفداء، وله أن يمن بغير فداء، والفداء إما أن يكون بالمال أو بالأسرى. قوله: [(لما كان يوم بدر فأخذ -يعني النبي ﷺ الفداء أنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧])] كان هذا خلاف ما أشار به عمر ﵁ على رسول الله ﷺ ، حيث أشار عليه بعض الصحابة بأخذ الفداء وأشار عليه عمر بعدم أخذ الفداء، فنزل القرآن موافقاً لما رآه عمر ولما أشار به رضي الله تعالى عنه وأرضاه. والحاصل أن الحديث يدل على أخذ الفداء والمن على الأسرى في مقابل مال يبذل منهم. قوله: [(ثم أحل لهم الله الغنائم)]. أي: سواء كانت من المال أم من النساء والذرية أم من الكفار الذين يأسرونهم وبعد ذلك يأخذون منهم الفداء، كما قال الله : ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد:٤] وهذا يكون من جملة الغنائم، أعني الفداء. كما أن الأسرى لو بقوا ولم يمن عليهم في مقابل مال يكونون عبيداً، وهم حنيئذٍ مال، فإذا اختير أن يخلى سبيلهم في مقابل مال يبذلونه فإن ذلك لا بأس به، ولكن المنع كان في أول الأمر، وبعد ذلك أحلت الغنائم، والله قال: ((حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)).

стр. 8834

تراجم رجال إسناد حديث أخذ النبي ﷺ فداء أسرى بدر ونزول العتاب في ذلك قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل]. هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام الفقيه المحدث، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة. [حدثنا أبو نوح]. هو عبد الرحمن بن غزوان، ولقبه قراد وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [أخبرنا عكرمة بن عمار]. عكرمة بن عمار صدوق يغلط، أخرج حديثه البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [حدثنا سماك الحنفي]. هو سماك بن الوليد الحنفي، ليس به بأس، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [حدثني ابن عباس]. هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . [حدثني عمر بن الخطاب]. هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة ﵁ وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يسأل عن اسم أبي نوح فقال: أيش تصنع باسمه؟ اسمه شنيع]. أي: ما حاجتك باسمه؟ فاسمه شنيع، أي: موصوف بأنه شنيع، وليس المعنى أن اسمه هو شنيع، بل المقصود أنه موصوف بأنه شنيع، وذلك لأنه لقب بـ (قراد)، والقراد هو الذي يعلق بآذان البهائم ويمتص دمها فيؤذيها.

стр. 8835

شرح حديث: (جعل النبي ﷺ فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي قال: حدثنا سفيان بن حبيب قال: حدثنا شعبة عن أبي العنبس عن أبي الشعثاء عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﵌ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة)]. أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: [(أن النبي ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة)]. ومعناه أن فيه المفاداة بالمال، وأن الفداء كان أربعمائة للشخص الواحد. والألباني صحح الحديث، ولكنه ضعفه بالتحديد والتقدير، والثابت أنه فاداهم بمال، فضعفه من أجل التقدير، وإلا فإنه قد ثبت من أوجه مختلفة أنهم يفادون بمال، ولكن التضعيف من أجل التحديد والتقدير فقط.

стр. 8836

تراجم رجال إسناد حديث: (جعل النبي ﷺ فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة) قوله: [حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي]. عبد الرحمن بن المبارك العيشي ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي. [حدثنا سفيان بن حبيب]. سفيان بن حبيب ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [حدثنا شعبة]. هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي العنبس]. أبو العنبس مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي. [عن أبي الشعثاء]. هو جابر بن زيد، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. ابن عباس مر ذكره.

стр. 8837

شرح حديث قصة فداء أبي العاص بن الربيع قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها قالت: (لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب ﵂ في فداء أبي العاص بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت عند خديجة ﵂ أدخلتها بها على أبي العاص، قالت: فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الذي لها. فقالوا: نعم. وكان رسول الله ﵌ أخذ عليه -أو وعده- أن يخلي سبيل زينب إليه، وبعث رسول الله ﵌ زيد بن حارثة ﵁ ورجلاً من الأنصار فقال: كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها)]. أورد أبو داود حديث عائشة ﵂ أن كفار قريش لما أرسلوا بالفداء لأسراهم، وكان ممن أُسِروا أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ ، فأرسلت في فداء زوجها، وكان الذي أرسلته فيه قلادة كانت لها من أمها خديجة أعطتها إياها لما أدخلت على أبي العاص، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، حيث تذكر زواجها وكون تلك القلادة كانت لأمها خديجة، وكونها حزنت حين أسر زوجها وأرادت خلاصه، فالنبي ﷺ رق لها وقال: [(إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها)]. أي: زوجها الذي هو أبو العاص. قال: [(وتردوا عليها الذي لها)]. أي: الذي دفعته من القلادة وغيرها. فأجاب إلى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، أي: أن يطلقوه من غير فداء، وكان النبي ﷺ اشترط عليه بأن يفي بالذي طلب منه، وهو أن يرسل زينب إليه إلى المدينة. فأرسل رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار وقال: [(كونا ببطن يأجج)] وهو موضع قريب من مكة. قال: [(حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها)]. يعني: كونا معها صاحبين لها في الطريق. وهذا يدل على جواز سفر المرأة من غير محرم إذا كانت برفقة مأمونة إذا كان هناك ضرورة إلى ذلك، وهنا الضرورة موجودة، وذلك لأنها كانت في مكة مع الكفار، وزوجها كان كافراً، وطلب منه أن يرسلها وقد أرسلها، فدل على أنه إذا حصلت ضرورة فالمرأة يمكن أن تسافر مع رفقة أمينة، ولا يتوسع في ذلك فتسافر المرأة من غير محرم بحجة هذا الذي قد حصل؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم). وعلى هذا فالذي حصل هو من قبيل أن الضرورات تبيح المحظورات، وسفر النساء بدون محرم هو من الأمور التي جاءت الشريعة بتحريمها والمنع منها؛ لقوله ﷺ : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر إلا مع ذي محرم)، وكل ذلك صيانة للمرأة من أن تتعرض لما لا تحمد عقباه عليها في عرضها وفي نفسها.

стр. 8838

تراجم رجال إسناد حديث قصة فداء أبي العاص بن الربيع قوله: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي]. عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا محمد بن سلمة]. هو محمد بن سلمة الحراني، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. [عن محمد بن إسحاق]. هو محمد بن إسحاق المدني، صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن يحيى بن عباد]. هو يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، وهو ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن. [عن أبيه عباد]. هو عباد بن عبد الله بن الزبير، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. هي عائشة أم المؤمنين ﵂ وأرضاها، وقد مر ذكرها. والحديث صحيح.

стр. 8839

شرح حديث رد النبي ﷺ سبي هوازن إلى أهلهم بعد مجيئهم مسلمين قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن أبي مريم حدثنا عمي -يعني سعيد بن الحكم - قال: أخبرنا الليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب قال: وذكر عروة بن الزبير أن مروان والمسور بن مخرمة ﵁ أخبراه (أن رسول الله ﵌ قال حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إما السبي وإما المال. فقالوا: نختار سبينا. فقام رسول الله ﵌ فأثنى على الله، ثم قال: أما بعد: فإن إخوانكم هؤلاء جاءوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال الناس: قد طيبنا ذلك لهم يا رسول الله. فقال لهم رسول الله ﵌: إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم. فرجع الناس وكلمهم عرفاؤهم فأخبروا أنهم قد طيبوا وأذنوا)]. أورد أبو داود باباً في فداء الأسير بالمال، وأورد تحت هذه الترجمة عدة أحاديث. ثم أورد أبو داود حديث المسور بن مخرمة ﵁ ومعه مروان بن الحكم -والعمدة على المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه- أن وفد هوازن جاءوا إلى النبي ﷺ وطلبوا منه أن يرد عليهم المال والسبي، أي: النساء والذرية والمال، فالنبي ﷺ رأى أن يرد عليهم، ولكنه لم يرد عليهم كل شيء، وإنما خيرهم بين رد المال أو رد السبي، فاختاروا أن يرد عليهم السبي. ثم إن النبي ﷺ أخبرهم أن هناك شيئاً يخصه وهناك شيئاً يخص غيره، وأن كلاً قد أخذ نصيبه، فقال ﵊: [(معي من ترون)] يعني: من السبي، والذي هو لي هو لكم. وتنازل عنه وتركه رسول الله ﷺ . وأما الذين عند غير النبي ﷺ فقد قام في الناس وذكرهم وتكلم فيهم وقال: (إن إخوانكم جاءوا تائبين، وإني رأيت أن أرد عليهم سبيهم، فمن أراد منكم أن يتنازل بدون مقابل فليفعل، ومن لم تسمح نفسه بذلك وأراد أن يبقي على حقه ولا يتنازل عن حقه فنحن سنعوضه عنه في أول ما يفيء الله به علينا). ومعناه أن من سمحت نفسه انتهى أمره، ومن كان متمسكاً بحقه فإنه يؤخذ منه السبي ويرد ولكنه يعوض عنه أول ما يحصل الفيء بعد ذلك، فتعالت الأصوات بقولهم: (طيبنا)، والرسول ﷺ لا يدري من طيب ومن لم يطيب؛ لأن الأصوات ظهرت من هنا ومن هنا، فلم يعرف من طيب ومن لم يطيب، فقال ﵊: [(إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم)] يعني الرؤساء، فكل رئيس ينفرد بالجماعة الذين يرأسهم ثم يأخذ رأيهم في ذلك ويعرف من سمح ومن لم يسمح ومن وافق ومن لم يوافق، فبعد ذلك جاء العرفاء بعد أن اجتمعوا بمرءوسيهم وأخبروا بأنهم طيبوا، وأنهم قد وافقوا وتنازلوا عن حقهم لما أراده رسول الله ﷺ منهم. قوله: [ذكر عروة بن الزبير أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه (أن رسول الله ﵌ قال حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم، فقال لهم رسول الله ﵌: معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إما السبي وإما المال)]. معنى قوله: [(معي من ترون)] أي: الذي يخصني والذي هو نصيبي من السبي هو لكم. يعني أنه متنازل عنه، ولكن الذي عند غيره أراد أن يستأذن الناس فيه، فاستأذنهم وكانت النتيجة أن أذنوا، فرد إليهم سبيهم ﷺ . قوله: [(وأحب الحديث إلي أصدقه)] يعني أنه يقول ويصدق ويعد ويفي، أي: فأنا أقول لكم وأصدق فيما أقول وأعدكم وأفي بما أعد به. قوله: [(فقالوا: نختار سبينا)]. لأنهم خيروا بين المال والسبي، فاختاروا السبي، وهو أن يرجع إليهم نساؤهم وأولادهم فيكونون طلقاء ولا يكونون سبياً وأرقاء، فهذا هو الذي فضلوه، وتركوا المال في سبيل الحصول على السبي الذي هو النساء والذرية. قوله: [(فقام رسول الله ﵌ فأثنى على الله ثم قال: أما بعد: فإن إخوانكم هؤلاء جاءوا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل)]. معنى قوله: [(من أحب أن يطيب ذلك فليفعل)] أي: أن ينزل عن حقه بدون مقابل فليفعل. قوله: [(ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل)]. أي: من كان منكم يريد أن يبقى على حظه من السبي ولا يتنازل عنه فنحن سنرجع لهم السبي لأننا وعدناهم بذلك، ولكن هذا الذي لم يتنازل سنعطيه بدلاً عن حقه من أول ما يفيء الله علينا. قوله: [(فقال الناس: قد طيبنا ذلك لهم يا رسول الله)]. معناه أنه كان الاجتماع كبيراً، وخرجت الأصوات بقولهم: [طيبنا ذلك لهم يا رسول الله]، ولم يعرف من وافق ومن لم يوافق؛ لأنها قد تكون الأصوات ممن وافق، ومن لم يوافق قد يكون ساكتاً ما قال شيئاً، فالرسول ﷺ أراد أن يقف على الحقيقة بالنسبة لكل فرد فقال: [(إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم)]. وهذا فيه دليل على اتخاذ العرفاء والرؤساء على أفراد الجيش، بحيث يكون لكل جماعة مرجع يرجعون إليه، ثم هؤلاء المراجع يكون مرجعهم أمير الجيش، وهو المرجع للجميع، ولكن الواسطة بينه وبين سائر الناس هؤلاء الرؤساء الذين هم العرفاء، والذين يعرفون من تحتهم ومن تحت رياستهم، فيأتون بأخبارهم ويبلغونهم الأمور التي يحتاجون إلى تبليغها، فهؤلاء يقال لهم: العرفاء. وأما حديث: (لابد للناس من عريف والعريف في النار) فإنه لو ثبت محمول على ما يتعلق بالشر، وأما الحديث الذي بين أيدينا فقد ثبت فيه اتخاذ العرفاء من قبل الرسول ﷺ ، وهو فيما يتعلق بالخير، وهو أمر تقتضيه الحاجة، لاسيما مع كثرة الناس. وكذلك يقال في حديث (لا تكن لهم شرطياً ولا جابياً ولا عريفاً) فهو محمول على كون ذلك في أمور الشر والظلم التي لا تجوز، وأما في الخير فقد دل على الجواز الحديث الذي معنا. ثم إن الشاهد من الحديث للترجمة بفداء الأسير بالمال قوله ﷺ : [(ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل)] حيث جعل ﷺ فكاك أولئك الأسرى بمقابل بدلهم من فيءٍ آخر يبذل لمن لم يرد أن يتنازل عن حقه بغير عوض. قوله: [(فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم فأخبروا أنهم قد طيبوا وأذنوا)]. معناه أنهم كلهم قد وافقوا، وتبين أن الجميع قد وافقوا على ما أراده منهم رسول الله ﷺ ، وأنهم قد نزلوا عن حقهم بدون مقابل.

стр. 8840

تراجم رجال إسناد حديث رد النبي ﷺ سبي هوازن إلى أهلهم بعد مجيئهم مسلمين قوله: [حدثنا أحمد بن أبي مريم]. هو أحمد بن سعد بن أبي مريم، وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي. [حدثنا عمي]. هو سعيد بن الحكم بن أبي مريم، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [أخبرنا الليث بن سعد]. الليث بن سعد ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عقيل]. هو عقيل بن خالد بن عقيل المصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن شهاب]. هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [قال: وذكر عروة بن الزبير أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه]. عروة هو عروة بن الزبير بن العوام، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة. ومروان هو ابن الحكم، وهو الخليفة، قال عنه الإمام أحمد: لا يتهم في الحديث. وقال الحافظ: لا تثبت له صحبة، وعليه فيكون الحديث من قبله مرسلاً، ولكن معه المسور بن مخرمة، وهو صحابي، فيكون متصلاً من أجل المسور بن مخرمة، وقد قال عروة بن الزبير: مروان لا يتهم في الحديث. وعروة هو الراوي عن مروان هنا. وعلى كل حال فالعمدة ليست عليه، وإنما هي على المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه، فهو الصحابي الذي يروي ذلك، وأما رواية مروان فهي من قبيل المرسل؛ لأنه ليس بصحابي. ومروان بن الحكم أخرج له البخاري وأصحاب السنن. والمسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه صحابي، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8841

شرح حديث أمره ﷺ برد نساء هوازن وأبنائهم إلى أهلهم بعد إسلامهم قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ في هذه القصة قال: فقال رسول الله ﵌: (ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن مسك بشيء من هذا الفيء فإن له به علينا ست فرائض من أول شيء يفيئه الله علينا. ثم دنا -يعني النبي ﷺ من بعير فأخذ وبرة من سنامه ثم قال: يا أيها الناس! إنه ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذا -ورفع أصبعيه- إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط. فقام رجل في يده كبة من شعر فقال: أخذت هذه لأصلح بها برذعة لي، فقال رسول الله ﵌: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك. فقال: أما إذا بلغت ما أرى فلا أرب لي فيها. ونبذها)]. أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في قصة وفد هوازن ورغبة النبي ﷺ في أن يرد إليهم سبيهم، وأنه قال: [(فمن مسك بشيءٍ من هذا الفي)] يعني: من تمسك بحقه ولم يطب نفساً بالتنازل عنه [(فإن له به علينا ست فرائض من أول شيءٍ يفيئه الله علينا)] والفرائض هي الإبل، قيل: الفرائض في الأصل هي فرائض الصدقة، لأنها تؤخذ منها فريضة الصدقة، فأطلق على الإبل بأنها فرائض وإن كان بعضها ليس من قبيل الصدقة، وكأنه بهذا يريد أن يعوض بمال؛ لأن الذي سيرد هو السبي وليس المال؛ لأن المال لم يستأذن في إرجاعه، والرسول ﷺ خيرهم بين المال وبين السبي فاختاروا السبي، فكان الحديث كله عن السبي، فكأنه سيعوض من تمسك بحقه بعوض، سواءٌ كان من السبي من فيءٍ قادم أم من الفرائض. قوله: [(إنه ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذا -ورفع أصبعيه- إلا الخمس، والخمس مردود عليكم)]. يعني: هذا هو الذي يحل لي من المغانم، وهو مردود عليكم، فهذا الخمس ينفق النبي ﷺ على أهله منه، والباقي يجعله في مصالح المسلمين من عدة الجهاد وغير ذلك، وهذا هو معنى قوله: [(مردود عليكم)]. فالخمس ليس مختصاً به ﷺ ، وإنما يأخذ منه حاجته وحاجة أهله، وقد جاء في الحديث: [(وجعل رزقي تحت ظل رمحي)] يعني قوته وقوت أهله يكون من ذلك، والباقي بعد حاجته وحاجة أهله مردود على المسلمين ومصروف في مصالح المسلمين. قوله: [(فأدوا الخياط والمخيط)]. قيل: الخياط هو الخيط، والمخيط هو الإبرة. يعني: أدوا كل شيء ولو كان شيئاً قليلاً، ولا يأخذ الإنسان شيئاً لا يستحقه؛ لأن النبي ﷺ أخبر بأن الوبرة ليس له منها إلا الخمس، ولا يستحق إلا الخمس، فيقال لغيره: أدوا الخياط والمخيط؛ لأن كل ذلك من الغنائم ومن الفيء، ويقسم على من شرع أن يقسم عليهم. قوله: [(فقام رجل في يده كبة من شعر فقال: أخذت هذه لأصلح بها برذعة لي. فقال ﷺ : أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك. فقال: أما إذا بلغت ما أرى فلا أرب لي فيها. ونبذها)]. معنى هذا أن رجلاً أخذ كبة من الغنيمة، وقال: إنه أراد أن يصلح بها برذعته. والبرذعة هي التي تجعل تحت الرحل؛ لأن الرحل يكون من الخشب، والبرذعة لينة، فتجعل بين جلد البعير وبين الخشب الذي هو الرحل الذي يكون عليه الراكب، فيلامس جلد البعير هذا الشيء اللين ثم يكون الرحل فوقه. فأراد الرجل أن يصلح هذه البرذعة التي هي تحت الرحل، فقال النبي ﷺ : [(أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك)] فسامح النبي ﷺ في حقه وحق بني عبد المطلب ولم يسامح في حق الناس، ولكن من أين لهذا الرجل أن يعرف مسامحة الناس له وهم كثيرون مستحقون لذلك؟! ولذلك قال: [أما إذ بلغت ما أرى فلا أرب لي فيها] أي: ما دامت المسألة وصلت إلى هذا الحد، فكل له فيها نصيب وله أن يطالب بحقه، وحقه يجب أن يوصل إليه، وأن هذه الكبة من جملة الغنائم وتقسم كما يقسم غيرها فلا أرب لي فيها. ثم رماها. ومعنى قوله: [فلا أرب لي فيها] أي: لا حاجة لي فيها.

стр. 8842

تراجم رجال إسناد حديث أمره ﷺ برد نساء هوازن وأبنائهم إلى أهلهم بعد إسلامهم قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل]. هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا حماد]. هو حماد بن سلمة، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن محمد بن إسحاق]. هو محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن عمرو بن شعيب]. عمرو بن شعيب صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة وأصحاب السنن. [عن أبيه]. هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، وهو صدوق، أخرج له البخاري في (جزء القراءة) وفي (الأدب المفرد) وأصحاب السنن. [عن جده]. هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وهو صحابي جليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8843

الأسئلة

стр. 8844

حكم تخصيص ليلة النصف من شعبان ويومه بشيء من العبادات السؤال هل ورد دليل على تخصيص ليلة النصف من شعبان أو يومه بشيء من العبادات؟ الجواب ليس هناك دليل يخص ليلة النصف من شعبان ولا يوم النصف من شعبان بشيءٍ من العبادة، ولم يثبت في ذلك عن رسول الله ﷺ شيء. ولشيخنا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله عليه رسالة في هذا الموضوع طبعت ضمن أربع رسائل تتعلق بليلة النصف من شعبان وليلة الإسراء والمعراج وبالمولد النبوي وبالرؤيا أو الوصية المنسوبة إلى أحمد خادم حجرة الرسول ﷺ التي هي مكذوبة كذباً واضحاً. وسمى هذه الرسائل الأربع (التحذير من البدع)، ومما ورد فيها أنه لم يثبت شيء فيما يتعلق بليلة النصف من شعبان ولا بيومه.

стр. 8845

سبب اختيار النبي ﷺ زيد بن حارثة مع رجل من الأنصار لحمل بنته زينب من مكة إلى المدينة السؤال أمر النبي ﷺ زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار أن يذهبا إلى بطن يأجج لصحبة زينب إلى المدينة، فهل يحتمل أن يكون سفرها مع زيد قبل إبطال التبني فيكون محرماً لها؟ الجواب المحرمية -كما هو معلوم- إنما هي بالأنساب وليست بالتبني، والاحتمال قائم، ولكن الضرورة -كما هو معلوم- تبيح المحظورات، فالمرأة إذا كانت مضطرة إلى سفر بدون محرم مع رفقة مأمونة كأن كانت بين الكفار فأفلتت منهم فمثل هذا لا بأس به، ويدخل تحت قاعدة (الضرورات تبيح المحظورات)، ولكن الأصل باق على ما هو عليه، وأن المرأة لا تسافر إلا مع ذي محرم.

стр. 8846

حكم العادات الشعبية في ليلة النصف من شعبان السؤال لبعض الناس عادات شعبية في ليلة النصف من شعبان، فهل تدخل في مسألة البدعة؟ الشيخ: لا تخصص ليلة النصف من شعبان بعادات، لا فيما يتعلق بالكبار ولا فيما يتعلق بالصغار، فالسنن يؤخذ بها، والبدع يحذر منها، سواء أكانت من صغار أم من كبار، والصغار يؤدبون وينشئون على اتباع السنة.

стр. 8847

حكم سفر الزوجة بدون محرم إلى زوجها حين لا يقدر على تكاليف سفرها السؤال إذا أراد طالب أن يأتي بزوجته إلى مقر دراسته خارج بلده، ولكن لم يستطع بسبب قلة المال، فهل يجوز للزوجة أن تسافر بدون محرم على اعتبار أن هذا من الضرورات؟ الجواب ليس هذا من هذا القبيل، بل تبقى امرأته عند أهلها، وإذا تمكن من أن يأتي بها فذاك وإلا فليذهب لزيارتها ويجلس عندها فترة ويرجع. وأما أن يقال: إن مثل تلك حالة ضرورة فإنه عندئذ ستقول كل امرأة: إنها في حال ضرورة. ثم لا يبقى للحديث عمل.

стр. 8848

حكم اصطياد السمك في سدود الحرم المائية السؤال هل يشمل تحريم الصيد في الحرم السمك؛ إذ إن في بعض سدود الحرم المائية أسماكاً؟ الجواب لا بأس بذلك، فالمحذور هو صيد البر الذي يأكل من الشجرة، ولهذا منع من قطع الشجر ومن قطع الحشيش -وهو النبات الرطب-، ولعل من حكمة ذلك أن يكون للصيد الذي يدخل الحرم قوته ومرعاه الذي يرتعي فيه، حيث يكون آمناً عنده قوته وعنده رزقه.

стр. 8849

شرح سنن أبي داود [٣١٩] للغنائم التي يصيبها المجاهدون أحكام كثيرة بينها أهل العلم، ومن ذلك التأني في قسمة الغنائم إذا رجي أن يرجع الكفار تائبين، فيرد عليهم الغنائم ترغيباً لهم في الإسلام، ومن ذلك حرمة التفريق بين المحارم من السبي إلا الكبار، ومن ذلك حكم من وجد في الغنيمة شيئاً كان ملكاً له، وإباحة الطعام في أرض العدو قبل القسمة.

стр. 8850

إقامة الإمام بعرصة العدو بعد الظهور عليهم

стр. 8851

شرح حديث: (كان رسول الله ﷺ إذا غلب على قوم أقام بالعرصة ثلاثاً) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الإمام يقيم عند الظهور على العدو بعرصتهم. حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا معاذ بن معاذ. ح وحدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا روح، قالا: حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس عن أبي طلحة ﵄ أنه قال: (كان رسول الله ﵌ إذا غلب على قوم أقام بالعرصة ثلاثاً) قال ابن المثنى: (إذا غلب قوماً أحب أن يقيم بعرصتهم ثلاثاً)]. أورد أبو داود [باب في الإمام يقيم عند الظهور على العدو بعرصتهم]. يعني الإمام ومعه الجيش الذي انتصر على العدو، فإنه عند ظهوره عليهم يبقى وينزل في عرصتهم، والعرصة هي الأماكن الواسعة التي ليس فيها بنيان، وهي الأفنية التي حول البنيان. فكان ﵊ إذا غلب على قوم أو انتصر عليهم بقي في عرصتهم ثلاثاً، وجلوسه ثلاثة أيام في العرصة من أجل أن يستريح الجيش، وأن يحصل له شيء من الراحة حين لا يكون هناك قتال، ثم بعد ذلك تكون المواصلة للسير، وإنما يبقون مدة ثلاثة أيام يستجموا وليجدوا الراحة بعد ذلك القتال الذي قد حصل. وأورد أبو داود حديث أبي طلحة -وهو زيد بن سهل ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا انتصر على قوم أو ظهر عليهم بقي في عرصتهم ثلاثاً، قال ابن المثنى أحد شيوخ أبي داود: [(أحب أن يقيم بعرصتهم ثلاثاً)].

стр. 8852

تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله ﷺ إذا غلب على قوم أقام بالعرصة ثلاثاً) قوله: [حدثنا محمد بن المثنى]. هو محمد بن المثنى العنزي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة. [حدثنا معاذ بن معاذ]. هو معاذ بن معاذ العنبري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [ح وحدثنا هارون بن عبد الله]. قوله: [ح] هي للتحول من إسناد إلى إسناد، وهارون بن عبد الله هو الحمال البغدادي، لقبه الحمال ونسبته إلى بغداد، وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [حدثنا روح]. هو روح بن عبادة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا سعيد]. هو سعيد بن أبي عروبة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن قتادة]. هو قتادة بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. هو أنس بن مالك ﵁، خادم رسول الله ﷺ ، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ . [عن أبي طلحة]. هو زيد بن سهل رضي الله تعالى عنه، وهو زوج أم أنس بن مالك أم سليم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8853

طعن القطان في الحديث ومدى صحته وأثره قوله: [قال أبو داود: كان يحيى بن سعيد يطعن في هذا الحديث؛ لأنه ليس من قديم حديث سعيد؛ لأنه تغير سنة خمس وأربعين، ولم يخرج هذا الحديث إلا بآخرةٍ. قال أبو داود: يقال: إن وكيعاً حمل عنه في تغيره]. ذكر أبو داود هنا كلاماً، وهو أن يحيى بن سعيد القطان كان يطعن في هذا الحديث ويقول: إن سعيد بن أبي عروبة تغير بآخره. وذكر أن وكيعاً قيل عنه: إنه حمل عنه في تغيره، ومع ذلك فالحديث صحيح وثابت، وقد أخرجه البخاري ومسلم، ونقل ابن الصلاح أن ابن معين اعترض على وكيع في روايته عن سعيد بن أبي عروبة قائلاً: تحدث عن سعيد بن أبي عروبة، وإنما سمعت منه في الاختلاط؟ فقال له وكيع: رأيتني حدثت عنه إلا بحديث مستوٍ؟! وعلى كل حالٍ فإن تعليل يحيى القطان فيه نظر، ولا يؤثر في هذا الحديث.

стр. 8854

التفريق بين السبي

стр. 8855

شرح حديث النهي عن التفريق بين الجارية وولدها قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في التفريق بين السبي. حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن عن الحكم عن ميمون بن أبي شبيب عن علي ﵁ (أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي ﵌ عن ذلك ورد البيع). قال أبو داود: ميمون لم يدرك علياً؛ قتل بالجماجم، والجماجم سنة ثلاث وثمانين. قال أبو داود: والحرة سنة ثلاث وستين، وقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين]. أورد أبو داود [باب في التفريق بين السبي] والتفريق بين السبي هو فيما إذا كانوا ذوي قرابة، فإذا كانوا كباراً فلا بأس بالتفريق بينهم، وأما إذا كان فيهم صغير وكبير، بأن تكون امرأة وابن لها صغير، أو أخت ولها أخ صغير بحاجة إلى حضانتها ورعايتها لكونه في الصغر يحتاج إلى رعاية؛ فإنه لا يفرق بينهم في هذه الحالة، وإنما التفريق يجوز فيما إذا كانوا كباراً. وعلى هذا فالتفريق بين السبي فيه تفصيل، كما أن التفريق بالبيع -أيضاً- فيه تفصيل، فإذا كان السبي أو الذين يباعون كباراً فإنه يجوز التفريق بينهم في البيع والسبي بأن يعطى هذا لواحد وهذا لواحد، فيكون كل واحد بجهة. وأما إذا كان أحدهما كبيراً وهو يرعى الصغير، والصغير بحاجة إليه وإلى حضانته وإلى رعايته ولا يقوم بنفسه فإنه لا يفرق بينهم، بل يكون بعضهم مع بعض في السبي وفي البيع. أورد أبو داود حديث علي بن أبي طالب ﵁ (أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي ﷺ عن ذلك ورد البيع)]. فهو باع الجارية لمشتر وباع ولدها لآخر، فنهاه الرسول ﷺ ورد البيع، بمعنى أنه لابد من بقائهما جميعاً؛ لأن الصغير بحاجة إلى الكبير، والابن بحاجة إلى أمه. أما إذا كان الابن ليس بحاجة لأمه بأن يكون كبيراً وأمه كبيرة، وكل منهما قائم بنفسه، فلا مانع من التفريق بينهما. قال ابن القيم: [وفي جامع الترمذي من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من فرق بين الجارية وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) قال الترمذي: حسن غريب. وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه. وليس كما قال؛ فإن في إسناده حسين بن عبد الله ولم يخرج له في الصحيحين، وقال أحمد: في أحاديثه مناكير. وقال البخاري: فيه نظر. ولفظ الترمذي فيه: (من فرق بين والدة وولدها)].

стр. 8856

تراجم رجال إسناد حديث النهي عن التفريق بين الجارية وولدها قوله: [حدثنا عثمان بن أبي شيبة]. عثمان بن أبي شيبة، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي وإلا النسائي فقد أخرج له في (عمل اليوم والليلة). [حدثنا إسحاق بن منصور]. هو إسحاق بن منصور السلولي، وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عبد السلام بن حرب]. عبد السلام بن حرب ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن يزيد بن عبد الرحمن]. يزيد بن عبد الرحمن وهو صدوق يخطئ كثيراً، أخرج له أصحاب السنن. [عن الحكم]. هو الحكم بن عتيبة الكندي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ميمون بن أبي شبيب]. ميمون بن أبي شبيب صدوق كثير الإرسال، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم في المقدمة وأصحاب السنن. [عن علي]. هو علي بن أبي طالب ﵁، أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة. والحديث فيه انقطاع بين ميمون بن أبي شبيب وعلي، ولكن له شواهد، وهو صحيح بشواهده. قوله: [قال أبو داود: ميمون لم يدرك علياً، قتل بالجماجم، والجماجم سنة ثلاث وثمانين]. ذكر أبو داود أن ميمون بن أبي شبيب قتل في الجماجم، وكانت سنة ثلاث وثمانين، وذكر أنه لم يدرك علياً، ولعله أراد بذكر سنة وقعة الجماجم أن ميمون كان عمره قصيراً، ولذلك لم يدرك علياً. وأما ذكر سنة الحرة وسنة مقتل ابن الزبير فلا يظهر له ارتباط بالموضوع إلا من جهة الفائدة.

стр. 8857

الرخصة في التفريق بين الكبار من السبي

стр. 8858

شرح حديث سلمة بن الأكوع في افتداء النبي ﷺ أسرى في مكة بجارية دون أمها قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة في المدركين يفرق بينهم. حدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا هاشم بن القاسم قال: حدثنا عكرمة قال: حدثني إياس بن سلمة قال: حدثني أبي ﵁ قال: (خرجنا مع أبي بكر ﵁ -وأمره علينا رسول الله ﵌ فغزونا فزارة فشننا الغارة، ثم نظرت إلى عنق من الناس فيهم الذرية والنساء، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل فقاموا، فجئت بهم إلى أبي بكر فيهم امرأة من فزارة وعليها قشع من أدم معها بنت لها من أحسن العرب، فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمت المدينة فلقيني رسول الله ﵌ فقال لي: يا سلمة! هب لي المرأة. فقلت: والله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوباً. فسكت حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله ﵌ في السوق فقال لي: يا سلمة! هب لي المرأة لله أبوك. فقلت: يا رسول الله! والله ما كشفت لها ثوباً، وهي لك. فبعث بها إلى أهل مكة وفي أيديهم أسرى ففداهم بتلك المرأة)]. أورد أبو داود [باب المدركين يفرق بينهم]. يعني البالغين، فيجوز في البالغين أن يفرق بين القريب وقريبه. وقد أورد أبو داود حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أنه قال: خرجنا في غزاة مع أبي بكر، وكان أبو بكر أميرهم، فذكر أنهم غزوا فزارة، وأنه جاء إلى عنق من الناس -وهم جماعة من الناس- فرمى بسهمه فوقع بينهم وبين الجبل فقاموا، فأتى بهم، وكانت فيهم امرأة ولها ابنة من أحسن العرب ومن أجملهم، فنفله أبو بكر إياها، والنفل هو إعطاء الشيء قبل قسمة الغنيمة من أجل جهد قام به ومن أجل عمل تميز به، فنفله إياها فصارت من نصيبه، فلما جاء إلى المدينة قال له النبي ﷺ : [(هب لي المرأة)] فقال: إنها أعجبتني، وإنني ما كشفت لها ثوباً. يعني أنه ما جامعها ولا حصل منه استمتاع بها، ثم بعد ذلك لقيه فقال: [(هب لي المرأة لله أبوك)] وذلك يدل على رغبة شديدة فيها، وكان رسول الله ﷺ أراد أن يفادي بها الأسرى الذين كانوا عند الكفار، فأعطاه إياها وقال: إنني ما كشفت لها ثوباً، وهي لك يا رسول الله. فأرسلها في مقابل أسرى عند المشركين فخلصوا من الأسر في مقابل هذه الجارية. ومحل الشاهد من الترجمة هو أنه فرق بين المرأة وبين ابنتها لأنهما مدركتان كبيرتان، ومعنى هذا أن التفريق يجوز في البالغين وفي الكبار، وأما بين الكبير والصغير فإنه لا يفرق بينهما كما مر في الترجمة السابقة. قوله: [(فشننا الغارة)]. يعني أنهم شنوا عليهم الغارة وأحاطوا بهم من جميع الجهات. قوله: [(ثم نظرت إلى عنق من الناس فيهم الذرية والنساء فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل فقاموا)]. العنق من الناس هم الجماعة، وكانوا جماعة فيهم النساء والذرية، فقاموا فأتى بهم يسوقهم. وكأنه أراد بالرمي أن يفزعوا فيستسلموا، وما قصد قتل أحدٍ منهم. قوله: [فيهم امرأة من فزارة وعليها قشع من أدم]. الأدم هو الجلد، والقشع: الجلد، وفيه لغتان، يقال: قَشع وقِشع ومنه قولك: قشعت الشيء. أي: دخلت قشره، والقشاعة: ما أخذته من جلدة وجه الأرض. وقوله: [(لله أبوك)]. هو عبارة ترغيب، تستعمل في التحريض على الشيء، كقولهم: لله درُه.

стр. 8859

تراجم رجال إسناد حديث سلمة بن الأكوع في افتداء النبي ﷺ أسرى في مكة بجارية دون أمها قوله: [حدثنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا هاشم بن القاسم]. هارون بن عبد الله مر ذكره، وهاشم بن القاسم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عكرمة]. هو عكرمة بن عمار، صدوق يغلط، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [حدثني إياس بن سلمة]. هو إياس بن سلمة بن الأكوع، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثني أبي]. هو سلمة بن الأكوع ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 8860

المال يصيبه العدو من المسلمين ثم يدركه صاحبه في الغنيمة
следующие страницы →