Полный текст (18 341 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.
стр. 8891
شرح حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في أخذه سيف أبي جهل وقتله به
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الرخصة في السلاح يقاتل به في المعركة.
حدثنا محمد بن العلاء قال: أخبرنا إبراهيم -يعني ابن يوسف، قال أبو داود: هو إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي - عن أبيه عن أبي إسحاق السبيعي قال: حدثني أبو عبيدة عن أبيه ﵁ أنه قال: مررت فإذا أبو جهل صريع قد ضربت رجله، فقلت: يا عدو الله يا أبا جهل! قد أخذ الله الآخر.
قال: ولا أهابه عند ذلك، فقال: أبعد من رجل قتله قومه؟! فضربته بسيف غير طائل فلم يغن شيئاً حتى سقط سيفه من يده، فضربته به حتى برد].
أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: [باب الرخصة في السلاح يقاتل به في المعركة].
والترجمة موهمة، ومعلوم أن السلاح يقاتل به في المعركة، وهذا هو الأصل فيه ولا يحتاج إلى ترخيص، ولكن المقصود من ذلك السلاح الذي يكون مع العدو فيأخذه المسلم من الكافر فيقاتل به، فالمقصود سلاح العدو وليس المقصود سلاحه هو؛ لأن الأصل أن كل مسلم يقاتل بسلاحه، والترخيص إنما هو في استعمال سلاح العدو بحيث يأخذ المسلم من عدوه سلاحاً فيقاتل به في المعركة، فالمقصود من السلاح هنا سلاح العدو.
وأورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه لما كان يوم بدر وجد أبا جهل وقد أصيبت رجله، وكذلك أصيب -أيضاً- في غير رجله، ولكن بقي فيه رمق، فجاء عبد الله وعرفه، وكان معه سيف غير حاد فكان يضربه به في غير طائل، أي: من غير فائدة، فضرب يده فسقط السيف وكان في يده وكان يذب به عن نفسه، أي: ما كان يستطيع الحركة ولكنه يذب عن نفسه بالسيف، فلما سقط سيفه أخذه عبد الله وأجهز عليه به حتى برد، أي: حتى مات وفارق الحياة.
ومحل الشاهد منه كون عبد الله بن مسعود أخذ سيف أبي جهل وضربه به واستعمله في المعركة.
قوله: [مررت فإذا أبو جهل صريع قد ضربت رجله، فقلت يا عدو الله يا أبا جهل قد أخذ الله الآخر].
يعني بالآخر الأبعد.
قوله: [ولا أهابه عند ذلك].
يعني: ولا أهابه عند ذلك لأنه جريح واقع في الأرض.
قوله: [فقال: أبعد من رجل قتله قومه؟!].
قال الخطابي: الصواب أنه (أعمد).
وقوله: [قتله قومه].
معناه أن الذي قد حصل هو أن الرجل قتله قومه.
يريد أن يهون على نفسه المصاب.
قوله: [فضربته بسيف غير طائل فلم يغن شيئاً].
أي: ضربه ابن مسعود بسيف كان معه، وقوله: [غير طائل] يعني: غير مجدٍ وغير مفيد [فلم يغن شيئاً] يعني: ما حصل منه المقصود في كونه يجهز عليه ويجعله يفارق الحياة.
قوله: [حتى سقط سيفه من يده فضربته به حتى برد].
يعني: سقط سيف أبي جهل من يد أبي جهل، فضربه به حتى برد، أي: حتى مات وفارق الحياة.
وقد جاء في بعض الأحاديث أن الذي قتل أبا جهل هما معاذ ومعوذ ابني عفراء.
وهنا ذكر أن الذي قتله ابن مسعود، والتوفيق بينهما أن معاذاً ومعوذاً أجهزا عليه فأردياه وبقي به رمق، فأجهز عليه ابن مسعود ﵁.
стр. 8892
تراجم رجال إسناد حديث ابن مسعود في أخذه سيف أبي جهل وقتله به
قوله: [حدثنا محمد بن العلاء قال: أخبرنا إبراهيم -يعني ابن يوسف -].
هو إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي، وهو صدوق يهم، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي.
[عن أبيه].
هو يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي إسحاق السبيعي].
أبو إسحاق السبيعي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني أبو عبيدة].
هو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبيه].
هو عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي جليل، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
والصحيح أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والألباني صحح الحديث، وقال: إن بعضه له شاهد في البخاري، ومعنى ذلك أن الحديث ثابت بالشواهد.
стр. 8893
تعظيم الغلول
стр. 8894
شرح حديث امتناع النبي ﷺ من الصلاة على ميت غل يوم خيبر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في تعظيم الغلول.
حدثنا مسدد أن يحيى بن سعيد وبشر بن المفضل حدثاهم عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبي عمرة عن زيد بن خالد الجهني ﵁ (أن رجلاً من أصحاب النبي ﵌ توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: صلوا على صاحبكم.
فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله.
ففتشنا متاعه فوجدنا خرزاً من خرز يهود لا يساوي درهمين)].
أورد أبو داود هذه الترجمة [باب في تعظيم الغلول] يعني تعظيم شأنه وأنه خطير، وأنه ليس بالأمر الهين.
والغلول في الأصل يكون من غنيمة، ويؤخذ بغير حق، وهو من الخيانة، فأمر الغلول عظيم، وقد جاء في الحديث (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر) ومعناه أنه أخذ ذلك من غير حق، فيكون خائناً بذلك، فشأن الغلول عظيم وخطير.
وقد ترجم أبو داود بهذه الترجمة، قال: [باب في تعظيم الغلول] يعني تعظيم شأنه وبيان خطورته وأن فيه وعيداً شديداً، وأنه ليس بالأمر الهين، وإنما هو شيء عظيم عند الله .
وأورد حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ [(أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: صلوا على صاحبكم)].
أي: لم يصل عليه.
قال: [(فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: إن صاحبكم غل في سبيل الله)].
قوله: [(فتغيرت وجوه الناس)] يعني: تأثروا لكون الرسول ﷺ تأخر عن الصلاة عليه، ومعنى ذلك أن عنده جرماً وأنه أتى بشيء عظيم فتغيرت وجوه الناس لكونه لم يصل عليه ﷺ ، فقال: [إن صاحبكم غلَّ في سبيل الله] يعني أن السبب في عدم الصلاة عليه كونه غل، والغلول خيانة؛ لأنه أخذ حقاً مشاعاً للغانمين، فالذين ظلمهم وأساء إليهم كثير، ولو كانت الإساءة إلى واحد فإن الأمر عظيم أيضاً، ولكن حيث تكون الإساءة إلى عدد كبير حين يكون الأخذ من حق أناس كثيرين فإن الأمر يكون أخطر؛ لأن فيه تعميماً للظلم وتكثيراً له، فلو حصل الظلم لشخص واحد فإنه يكون خطيراً فكيف به حين يكون لأشخاص كثيرين؟! وأخبر زيد بن خالد ﵁ أنهم فتشوا رحله ومتاعه فوجدوا فيه خرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين.
والحديث في إسناده أبو عمرة، وهو مقبول.
стр. 8895
تراجم رجال إسناد حديث امتناع النبي ﷺ من الصلاة على ميت غل يوم خيبر
قوله: [حدثنا مسدد].
هو مسدد بن مسرهد البصري ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
[أن يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد القطان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[وبشر بن المفضل].
بشر بن المفضل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثاهم].
أي: حدثا مسدداً وغيره.
[عن يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن محمد بن يحيى بن حبان].
محمد بن يحيى بن حبان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي عمرة].
أبو عمرة مقبول، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة.
[عن زيد بن خالد الجهني].
هو زيد بن خالد الجهني ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 8896
شرح حديث: (إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا القعنبي عن مالك عن ثور بن زيد الديلي عن أبي الغيث مولى ابن مطيع عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (خرجنا مع رسول الله ﵌ عام خيبر فلم نغنم ذهباً ولا ورقاً إلا الثياب والمتاع والأموال، قال: فوجه رسول الله ﵌ نحو وادي القرى -وقد أهدي لرسول الله ﵌ عبد أسود يقال له: مدعم - حتى إذا كانوا بوادي القرى، فبينا مدعم يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم فقتله، فقال: الناس هنيئاً له الجنة! فقال النبي ﵌: كلا، والذي نفسي بيده! إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً.
فلما سمعوا ذلك جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله ﵌، فقال رسول الله ﷺ : شراك من نار.
أو قال: شراكان من نار)].
أورد أبو داود حديث أبي هريرة ﵁ أنهم لما كانوا مع رسول الله ﷺ عام خيبر أنهم لم يغنموا ذهباً ولا فضة، وإنما غنموا الثياب والمتاع والأموال، يعني: ما غنموا ذهباً ولا فضة، وإنما غنموا أشياء من الثياب والمتاع ومن الأموال غير الذهب والفضة.
قال: [(فوجه رسول الله ﷺ نحو وادي القرى)] وذكر أنه أهدي لرسول ﷺ عبد أسود يقال له: مدعم، وأنه بينما يحط رحل الرسول ﷺ إذ جاءه سهم فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة فقال ﷺ : [(كلا، والذي نفسي بيده! إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً)].
وهذا هو محل الشاهد للترجمة، وهو بيان تعظيم الغلول وأن الأمر خطير، وأن تلك الشملة مع أنها حقيرة تشتعل عليه ناراً، وأنه يعذب بها لأنه قد غلها وأخذها من غير حقها.
فلما سمع الناس ذلك استعظموه، فجاء رجل ومعه شراك أو شراكان -شك من الراوي-، والشراك هو شسع النعل، فهو شيء يسير، وأخبر أنه أخذ ذلك من الغنيمة، فقال ﷺ : [(شراك من نار)] أو قال: [(شراكان من نار)] ومعناه أنه يعذب بهما، فصاحب الشملة عذب بها، وكذلك الشراكان يكونان من نار يعذب بهما آخذهما غلولاً.
стр. 8897
تراجم رجال إسناد حديث: (إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه ناراً)
قوله: [حدثنا القعنبي].
هو عبد الله بن مسلمة بن قعنب القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن ثور بن زيد الديلي].
ثور بن زيد الديلي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي الغيث مولى ابن مطيع].
أبو الغيث مولى ابن مطيع ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي هريرة].
هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، صاحب رسول الله ﷺ ، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق ﵁ وأرضاه.
стр. 8898
الغلول إذا كان يسيراً يتركه الإمام ولا يحرق رحله
стр. 8899
شرح حديث: (كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الغلول إذا كان يسيراً يتركه الإمام ولا يحرق رحله.
حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى قال: أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن عبد الله بن شوذب قال: حدثني عامر -يعني ابن عبد الواحد - عن ابن بريدة عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله! هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة.
فقال: أسمعت بلالاً ينادي ثلاثاً؟ قال: نعم.
قال: فما منعك أن تجيء به؟! فاعتذر إليه، فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله عنك)].
أورد أبو داود [باب في الغلول إذا كان يسيراً يتركه الإمام ولا يحرق رحله] أي: لا يحرق رحل الغال.
وهذه الترجمة فيها أن الغلول اليسير الذي يكون مع الغال يترك معه، ولكنه متوعد في ذلك في الدار الآخرة؛ لأنه جاء به بعد القسمة، ولأنه لو كان أتى به قبل أن يقسم لقسم بين الغانمين.
وأورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: [(كان رسول الله ﷺ إذا أصاب غنيمة أمر بلالاً فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه ويقسمه)].
ومعلوم أن كل واحد يأخذ شيئاً من الغنيمة من العدو، فكان ﷺ يأمر بلالاً فينادي بأن يأتي الناس بالغنائم التي معهم، فيجمعونها حتى تخمس وتقسم.
وفي غزوة أصاب شخص زماماً من شعر، وهو زمام البعير الذي يقاد به، فلم يأت بعد أن سمع النداء إلا بعدما قسمت الغنائم وقال: هذا أخذته من الغنيمة.
فقال له ﷺ : [(أسمعت بلالاً ينادي؟)] قال: نعم.
واعتذر عن عدم إتيانه به قبل تخميس الغنيمة وقسمتها بعذر لا نعلمه.
فقال له ﷺ : [(كن أنت تجيء به يوم القيامة)] يعني أنك تحاسب عليه يوم القيامة؛ لأنك أخذته من الغنيمة بغير حق، ولم تأت به ليقسم بين المستحقين.
فيبقى معه وهو متوعد بهذا الوعيد، وهو دال على خطورة الغلول، وأنه من الأمور الخطيرة ولو كان ذلك الشيء يسيراً.
ولقد سبق في حديث مضى أن رجلاً كان معه كبة من شعر أخذها من الغنائم فقال له النبي ﷺ : (ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك) أي: وما كان للناس فإنه لا يملكه، فقال: (أما إذا بلغت ما أرى فلا أرب لي فيها) ثم رماها وتركها ولم يأخذها.
والترجمة فيها ذكر التحريق والإشارة إلى التحريق، أي: تحريق رحل الغال، وقد أورد أبو داود عدة أحاديث ستأتي فيما يتعلق بتحريق المتاع ولكنها كلها ضعيفة.
стр. 8900
تراجم رجال إسناد حديث: (كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك)
قوله: [حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى].
أبو صالح محبوب بن موسى صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي.
[أخبرنا أبو إسحاق الفزاري].
هو إبراهيم بن محمد بن الحارث، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن شوذب].
عبد الله بن شوذب صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن.
[حدثني عامر -يعني ابن عبد الواحد -].
عامر بن عبد الواحد صدوق يخطئ، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن.
[عن ابن بريدة].
هو عبد الله بن بريدة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبد الله بن عمرو].
هو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من أصحاب النبي ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 8901
عقوبة الغال
стр. 8902
شرح حديث: (إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في عقوبة الغال.
حدثنا النفيلي وسعيد بن منصور قالا: حدثنا عبد العزيز بن محمد -قال النفيلي: الدراوردي - عن صالح بن محمد بن زائدة -قال أبو داود: وصالح هذا أبو واقد - قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأتي برجل قد غل، فسأل سالماً عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﵌ أنه قال: (إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه)، قال: فوجدنا في متاعه مصحفاً، فسأل سالماً عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه].
أورد أبو داود [باب في عقوبة الغال] ومعنى ذلك أنه يعاقب في الدنيا بتحريق متاعه، وفي الآخرة جاءت الأحاديث في الوعيد بحقه، مثلما مر في قوله ﷺ : (شراك من نار) أو (شراكان من نار) وإخباره ﷺ عن الشملة أنها تشتعل على صاحبها ناراً وأنه يعاقب على غلوله.
وتحريق المتاع لا يدخل فيه الغنيمة التي معه؛ لأنها للغانمين وليست حقاً له، وإنما الذي يحرق هو متاعه الذي يخصه.
وأورد أبو داود حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: [(إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه)].
قوله: (أحرقوا متاعه واضربوه) يعني: متاعه الذي يخصه وليس الغنيمة، ومعناه أنه يضرب مع تأديبه بحرق متاعه.
وقوله: [فوجدنا في متاعه مصحفاً، فسأل سالماً عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه].
أي: كان مما وجد في متاعه مصحف، فسأل مسلمة سالماً عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه؛ فلا يحرق مع متاعه، بل يبقى للاستفادة منه ويباع.
والحديث ضعيف لضعف رجل في إسناده.
стр. 8903
تراجم رجال إسناد حديث: (إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه)
قوله: [حدثنا النفيلي].
هو عبد الله بن محمد النفيلي، ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن.
[وسعيد بن منصور قالا: حدثنا عبد العزيز بن محمد].
سعيد بن منصور مر ذكره، وعبد العزيز بن محمد هو الدراوردي وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن صالح بن محمد بن زائدة].
صالح بن محمد بن زائدة ضعيف، أخرج له أصحاب السنن.
[فسأل سالماً عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب].
سالم هو ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
وأبوه هو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه هو أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، صاحب المناقب الجمة والفضائل الكثيرة ﵁ وأرضاه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 8904
شرح حديث إحراق الوليد بن هشام متاع غالٍّ وضربه ومنعه سهمه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي قال: أخبرنا أبو إسحاق عن صالح بن محمد قال: غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز، فغل رجل متاعاً فأمر الوليد بمتاعه فأحرق، وطيف به، ولم يعطه سهمه.
قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين، رواه غير واحد أن الوليد بن هشام أحرق رحل زياد بن سعد -وكان قد غل- وضربه].
هذا إسناد آخر ينتهي إلى الوليد بن هشام، وهو مثل الذي قبله، ومعناه أن الغال يحرق رحله ويضرب.
وهو مقطوع، ومع ذلك في إسناده ذلك الرجل الضعيف الذي هو صالح بن محمد.
стр. 8905
تراجم رجال إسناد حديث إحراق الوليد بن هشام متاع غالٍّ وضربه ومنعه سهمه
قوله: [حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي قال: أخبرنا أبو إسحاق].
أبو صالح مر ذكره، وأبو إسحاق هو الفزاري، وقد مر ذكره.
[عن صالح بن محمد].
صالح بن محمد مر ذكره.
قوله: [قال: غزونا مع الوليد بن هشام].
في الحديث السابق قال: مع مسلمة: وهنا قال: مع الوليد بن هشام، وهناك ذكر الإسناد إلى عمر بن الخطاب، وهنا وقف عند كون الوليد بن هشام أحرق المتاع، فيكون مقطوعاً، ومع كونه مقطوعاً هو ضعيف؛ لأن فيه صالح بن محمد وهو ضعيف أخرج له أصحاب السنن.
والوليد بن هشام هو الأموي، ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن.
قوله: [قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين].
يعني أن الموقوف هذا أصح من ذلك المتصل، وكل منهما فيه الرجل الضعيف الذي هو صالح بن محمد.
стр. 8906
شرح حديث إحراق النبي ﷺ وأبي بكر وعمر متاع الغالِّ وضربه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عوف قال: حدثنا موسى بن أيوب قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن رسول الله ﵌ وأبا بكر وعمر ﵄ حرقوا متاع الغال وضربوه].
أورد أبو داود حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما حرقوا متاع الغال وضربوه، فهو مثل الذي قبله، وهو -أيضاً- ضعيف من أجل زهير بن محمد الذي في الإسناد.
стр. 8907
تراجم رجال إسناد حديث إحراق النبي ﷺ وأبي بكر وعمر متاع الغال وضربه
قوله: [حدثنا محمد بن عوف].
محمد بن عوف ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي في مسند علي.
[حدثنا موسى بن أيوب].
موسى بن أيوب صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي.
[حدثنا الوليد بن مسلم].
الوليد بن مسلم ثقة، كثير التدليس، أخرج له أصحاب السنن.
[حدثنا زهير بن محمد].
زهير بن محمد رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها، والحديث ثبت من رواية الوليد بن مسلم، وهو من أهل الشام.
[عن عمرو بن شعيب].
عمرو بن شعيب صدوق، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
أبوه صدوق أيضاً، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وجزء القراءة وأصحاب السنن.
[عن جده].
هو عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وهو الصحابي الجليل، أحد العبادلة الأربعة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
стр. 8908
زيادة (ومنعوه سهمه) في حديث إحراق النبي ﷺ وأبي بكر وعمر متاع الغال وترجمة من زادها
[قال أبو داود: وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد -ولم أسمعه منه-: ومنعوه سهمه].
أي أن علي بن بحر زاد في الحديث: [ومنعوه سهمه] ولم يسمعها منه أبو داود، بل سمعها من غيره، ومعنى: [ومنعوه سهمه] أي: من الغنيمة.
وعلي بن بحر ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً وأبو داود والترمذي.
стр. 8909
طريق أخرى لحديث إحراق النبي ﷺ وأبي بكر وعمر متاع الغال وتراجم رجال الإسناد
[قال أبو داود: وحدثنا به الوليد بن عتبة وعبد الوهاب بن نجدة قالا: حدثنا الوليد عن زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب قوله، ولم يذكر عبد الوهاب بن نجدة الحوطي (منع سهمه)].
معناه أن الحديث مقطوع من قول عمرو بن شعيب.
قوله: [وحدثنا به الوليد بن عتبة].
الوليد بن عتبة ثقة، أخرج له أبو داود.
[وعبد الوهاب بن نجدة].
عبد الوهاب بن نجدة ثقة، أخرج له أبو داود والنسائي.
[قالا: حدثنا الوليد عن زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب].
قد مر ذكرهم جميعاً.
وهذه الروايات ضعفها جميعاً الإمام الألباني.
стр. 8910
النهي عن الستر على من غل
стр. 8911
شرح حديث: (من كتم غالاً فإنه مثله)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن الستر على من غل.
حدثنا محمد بن داود بن سفيان حدثنا يحيى بن حسان قال: حدثنا سليمان بن موسى أبو داود قال: حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن سمرة بن جندب ﵁ أنه قال: أما بعد: وكان رسول الله ﷺ يقول: (من كتم غالاً فإنه مثله)].
يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [باب في النهي عن الستر على من غل] أي أن الغال إذا علم أمره وشأنه فإنه لا يُستَر عليه، والذي ينبغي في مثل هذا أن ينصح، وإذا لم يقبل النصح، فإنه يرفع أمره إلى الأمير حتى يخلصه من هذا الغلول الذي حصل؛ لأن بقاءه معه واستمراره في حوزته واستمرار خيانته يعود عليه بالمضرة في الدنيا والآخرة، فالعمل على تخليصه من هذه البلية ومن هذا العمل الخبيث من التعاون على البر والتقوى.
وقد أورد أبو داود حديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: [(من كتم غالاً فإنه مثله)].
يعني: من كتم أمره وأخفى أمره وهو يعلم ذلك فإنه يكون مثله.
أي: في الإثم.
لكن الحديث ضعيف لا يصح عن رسول الله ﷺ ، ولكن المعنى صحيح من حيث كون المسلم يكون عوناً لأخيه المسلم وناصحاً له، فالذي عليه أن ينصحه وأن ينبهه حتى يتخلص من الغلول، وإذا لم يقبل النصح فإنه يرفع أمره إلى أمير الجيش حتى يخلصه من هذا الغلول الذي يعود عليه بالمضرة في الدنيا والآخرة.
والحديث -كما أشرت- ضعيف، وفيه خمسة متكلم فيهم، وهذا الإسناد هو إسناد حديث مر هو (يا خيل الله! اركبي)، فإن هذا الإسناد هو نفس ذاك الإسناد، فيه خمسة متكلم فيهم، فيهم من هو مقبول ومن هو مجهول ومن هو لين الحديث، ولم يسلم غير الصحابي إلا واحد هو يحيى بن حسان، فهو ثقة، وأما الصحابة فلا كلام فيهم، والخمسة الباقون بين لين الحديث ومقبول الحديث ومن ليس بالقوي ومن هو مجهول.
وهؤلاء الخمسة انفرد أبو داود بالإخراج لهم.
стр. 8912
تراجم رجال إسناد حديث: (من كتم غالاً فإنه مثله)
قوله: [حدثنا محمد بن داود بن سفيان].
محمد بن داود بن سفيان مقبول، أخرج له أبو داود وحده.
[حدثنا يحيى بن حسان].
يحيى بن حسان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[حدثنا سليمان بن موسى أبو داود].
سليمان بن موسى أبو داود فيه لين، أخرج حديثه أبو داود.
[حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب].
جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب ليس بالقوي، أخرج له أبو داود.
[حدثني خبيب بن سليمان] خبيب بن سليمان مجهول، أخرج له أبو داود.
[عن أبيه سليمان بن سمرة].
سليمان بن سمرة مقبول، أخرج له أبو داود.
[عن سمرة بن جندب].
هو سمرة بن جندب ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 8913
الأسئلة
стр. 8914
حكم استخدام أموال الدولة في المصالح الخاصة
السؤال
ما حكم استخدام أموال الدولة في المصالح الخاصة؟
الجواب
لا يجوز ذلك، وإنما أموال الدولة تستعمل في الأمور التي خصصت لها، فكون الإنسان يكون موظفاً فيأخذ من أوراق الدولة ومن أقلامها ويستعملها، أو يستعمل التلفونات في أموره الخاصة وليس في أمور الدولة؛ هذا لا يجوز، ويعتبر خيانة لكونه أخذ شيئاً بغير حق، ولا يعد غلولاً؛ إذ الغلول خاص بالأخذ من الغنيمة قبل القسمة.
стр. 8915
تفسير قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة)
السؤال
ما تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١]؟
الجواب
جاء في تفسيرها -كما في بعض الأحاديث- أنهم فقدوا قطيفة يوم بدر فقالوا: إن الرسول ﷺ أخذها.
ولعل المقصود من ذلك أنه أخذها اصطفاءً لا غلولاً.
وقد جاء في بعض الأحاديث في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران:١٦١] أن معناه: ما كان للنبي أن يتهمه قومه بالغلول.
وقوله تعالى: ((وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) يفسره قوله ﷺ : (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر، يقول: يا رسول الله! أغثني فأقول: قد أبلغتك).
стр. 8916
معنى الشملة
السؤال
ما المراد بالشملة؟
الجواب
المراد بالشملة شيء من الثياب يتوشح به ويتلفع، أو كساء من صوف أو شعر يتغطى به ويتلفف به، وهي من المتاع الخفيف.
стр. 8917
حكم بيع المصحف
السؤال
ما حكم بيع المصحف؟
الجواب
لا بأس ببيعه.
стр. 8918
معنى قوله ﷺ عن المطر: (حديث عهد بربه)
السؤال
جاء في صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: (أصابنا ونحن مع رسول الله ﷺ مطر، قال: فحسر رسول الله ﷺ ثوبه حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله! لم صنعت هذا؟! قال: لأنه حديث عهد بربه) فما المراد بقوله: (حديث عهد بربه)؟
الجواب
يعني أنه حديث عهد بإنزال ربه؛ لأنه -كما هو معلوم- نزل من بين السماء والأرض، وما نزل من العرش، وإنما نزل من بين السماء والأرض، كما قال الله : ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤]، وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٩] أي السحاب، فهو حديث عهد بإنزال ربه، وليس معنى ذلك أنه جاء من عند الله من فوق العرش.
стр. 8919
حكم مقاطعة المنتجات الأمريكية واليهودية
السؤال
ما حكم مقاطعة المنتجات الأمريكية واليهودية؟
الجواب
المسلمون -كما هو معلوم- في هذا الزمان عندهم ضعف شديد، وسبب ضعفهم عدم قيامهم بأمر الله وبما يجب عليهم، ومن أجل ذلك هانوا على أنفسهم وهانوا على أعدائهم فصاروا هائبين بدل أن يكونوا مهيبين، صاروا يهابون أعداءهم وأعداؤهم لا يهابونهم.
أما المقاطعة ونحوها فهي ترجع إلى المصلحة وما يترتب على ذلك من الفائدة.
ومعلوم أن اليهود -وهم من أرذل خلق الله ومن أحط خلق الله- ما تسلطوا على المسلمين إلا لضعف المسلمين وهوانهم وعدم قيامهم بأمر الله ، ولو أن المسلمين رجعوا إلى ربهم لصار لهم شأن ولهابهم أعداؤهم بدل أن صاروا هم الهائبين لأعدائهم، ومعلوم أن دول الكفر كلها ضد الإسلام، ولكن المسلمين أنفسهم هم الذين قصروا في إسلامهم وقصروا بما يجب عليهم نحو إسلامهم.
والمهم أن يرجع المسلمون إلى الله ، وإذا رجعوا إلى الله ، وأصلحوا ما بينهم وبين الله، وعملوا بما هو مطلوب منهم؛ فإن هذا من أسباب نصرهم، والله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، ويقول تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤٠ - ٤١].
стр. 8920
شرح سنن أبي داود [٣٢١]
للغنائم أحكامها الشرعية المتعلقة بها، ومن تلك الأحكام أنه لا يسهم فيها إلا لشاهد المعركة، ولا يسهم لمن لم يشهدها إلا إذا غاب بإذن الإمام، وقد يرى الإمام الإسهام لبعض من لم يشهدها، ومن أحكامها أن العبد والمرأة إذا شاركا في الجهاد كان لهما نصيبٌ منها رضخاً لا سهماً، ولما كانت الأسهم على قدر البلاء في الجهاد كان نصيب الفارس فيها أكبر من نصيب الراجل، فيعطى الفارس سهماً له وسهمين لفرسه لبلائه كراً وفراً.
стр. 8921
السلب يعطى القاتل
стр. 8922
شرح حديث: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في السلب يعطى القاتل.
حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة ﵁ أنه قال: (خرجنا مع رسول الله ﵌ في عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، قال: فاستدرت له حتى أتيته من ورائه فضربته بالسيف على حبل عاتقه، فأقبل عليَّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب ﵁ فقلت له: ما بال الناس؟ قال: أمر الله.
ثم إن الناس رجعوا وجلس رسول الله ﵌ وقال: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه.
قال: فقمت ثم قلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال ذلك الثانية: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه.
قال: فقمت ثم قلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، ثم قال ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله ﵌: ما لك يا أبا قتادة؟! قال: فاقتصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه منه.
فقال أبو بكر الصديق ﵁: لاها الله إذاً! يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه.
فقال رسول الله ﷺ : صدقت، فأعطه إياه.
فقال أبو قتادة: فأعطانيه، فبعت الدرع فابتعت به مخرفاً في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام)].
أورد أبو داود [باب في السلب يعطى للقاتل] أي: لقاتل الكافر الذي معه شيء من سلاح وثياب وغير ذلك، هذا هو السلب الذي يعطى للقاتل، وإعطاؤه القاتل فيه مكافأة له على نشاطه وعلى قوته وعلى جرأته وتمكنه من القضاء على الكافر ومن النكاية بالكفار، فلهذا شرع إعطاء القاتل السلب، ولقد جاء فيه أحاديث، وقد سبق أن مر بنا قريباً حديث سلمة بن الأكوع في قصة الرجل الذي جاء على جمل وأناخه ثم انسل، فقال ﷺ : (اقتلوه) فلحقوه، وكان سلمة بن الأكوع ﵁ عداءً، وكان سباقاً على رجليه، فلحق به حتى أدركه وقتله، فجاء بالبعير يقوده وما عليه، فأعطاه النبي ﷺ سلبه، فإعطاء السلب للقاتل -أي: ما كان بحوزة المقتول من الكفار- فيه مكافأة وفيه تحفيز للهمم ومكافأة لمن أبلى بلاءً حسناً وحصل منه ما فيه نكاية بالأعداء.
وأورد أبو داود حديث أبي قتادة رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا في غزوة حنين فحصلت جولة، يعني: حصل إقدام ثم إحجام، وانكشف المسلمون، وقد قال بعضهم: لن نغلب اليوم من قلة؛ فعوقبوا على ذلك بأن حصلت لهم الهزيمة أولاً، وبقي رسول الله ﷺ ومعه نفر قليل، فثبت يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ثم إنه رجع الناس وصار النصر لهم على أعدائهم في آخر الأمر.
فأخبر أبو قتادة أنه رأى رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين -يعني: ظهر عليه وغلبه- فاستدار وأتاه من خلفه فضربه على حبل رقبته، أي: ضربه في المكان الذي في أسفل الرقبة فقتله، ولكنه بقي فيه رمق فأقبل إليه وضمه ضمة شديدة، قال أبو قتادة: [وجدت منها ريح الموت] ثم إنه أطلقه لأنه أدركه الموت.
ثم إن النبي ﷺ بعد ذلك قال: [(من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)] يعني: له من يشهد له على ذلك؛ لأن الدعاوى قد يعتريها ما يعتريها من النقص ومن الخلل، فقال: [(من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)] فكان أبو قتادة يقوم ويقول: من يشهد لي.
ثم إن الرسول ﷺ قال له: [(مالك يا أبا قتادة؟)] فقص عليه القصة، وكان في الحاضرين الرجل الذي أخذ سلب ذلك المقتول، فقال: يا رسول الله! سلبه عندي فأرضه.
يعني: دع هذا السلب لي وأرض أبا قتادة من عندك.
فعند ذلك بادر أبو بكر الصديق ﵁ وقال: [لاها الله إذاً -أي: لا والله- يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه!] فقال رسول الله ﷺ : [(صدق)] يعني: صدق أبو بكر.
فقام ذلك الرجل الذي عنده سلب ذلك المقتول فأعطاه لـ أبي قتادة، فباعه واشترى به مخرفاً -أي: بستاناً-، قال: فهو أول مال تأثلته في الإسلام، يعني: تملكته وظفرت به، وكان بسبب ثمن ذلك السلب الذي حصل له من ذلك المقتول الذي قتله، وهو دال على إعطاء السلب لقاتله، وهذا إنما يكون من الإمام أو ممن يكون نائباً عنه.
стр. 8923
تراجم رجال إسناد حديث: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)
قوله: [حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي].
عبد الله بن مسلمة القعنبي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجة.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس الإمام المحدث الفقيه، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن يحيى بن سعيد].
هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عمر بن كثير بن أفلح].
عمر بن كثير بن أفلح ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا النسائي فقد أخرج له في مسند مالك.
[عن أبي محمد مولى أبي قتادة].
أبو محمد مولى أبي قتادة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي قتادة].
هو الحارث بن ربعي الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 8924
تابع شرح حديث: (من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه)
قوله: [فضربته بالسيف على حبل عاتقه].
المقصود بذلك أسفل عنقه الذي هو متصل بالعاتق.
قوله: [فلحقت عمر بن الخطاب ﵁ فقلت له: ما بال الناس؟ قال: أمر الله].
معنى قوله: [ما بال الناس] أي: الانكشاف الذي قد حصل.
وقول عمر: [أمر الله] يعني أن هذا شيء بقضاء الله وقدره، ومصيبة حلت بالمسلمين، ولكن الله أعاد الكرة لهم فرجعوا عن ذلك الانكشاف وذلك الانصراف الذي قد حصل وصار في النهاية النصر لهم.
قوله: [فقال أبو بكر ﵁: لاها الله إذاً! يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه!].
يعني أن هذا أسد من أسد الله يقاتل في سبيل الله ويذب عن رسول الله ﷺ ويكون منه الجهد العظيم والجهد المشكور، فكيف تكون الغنيمة لغيره وهو لا يظفر بذلك الذي هو نتيجة لجهده؟! فمعناه أن هذا لا يكون، وهو اعتراض على ذلك الطلب الذي طلبه من كان بيده السلب، فالنبي ﷺ أقره على ذلك، وقال: [(صدق)] أي: صدق أبو بكر، فأمره أن يعطيه إياه، فقام وأعطاه أبا قتادة ﵁ فباعه واشترى به مخرفاً أي بستاناً.
стр. 8925
شرح حديث: (من قتل كافراً فله سلبه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: (قال رسول الله ﵌ يومئذ -يعني يوم حنين-: من قتل كافراً فله سلبه.
فقتل أبو طلحة ﵁ يومئذ عشرين رجلاً وأخذ أسلابهم، ولقي أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر، فقال: يا أم سليم! ما هذا معك؟ قالت: أردت -والله- إن دنا مني بعضهم أبعج به بطنه.
فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله ﵌ قال أبو داود: هذا حديث حسن.
قال أبو داود: أردنا بهذا الخنجر، وكان سلاح العجم يومئذ الخنجر].
أورد أبو داود حديث أنس بن مالك ﵁ أنه كان في غزوة حنين فقال رسول الله ﷺ : [(من قتل كافراً فله سلبه)] فقتل أبو طلحة ﵁ عشرين شخصاً وأخذ أسلابهم، أي: أخذ الأشياء التي كانت معهم بناءً على هذا القول الذي قاله رسول الله ﷺ ، وهذا يدل على أن السلب يكون للقاتل ولو تعدد المقتولون ولو كثروا؛ لأن أبا طلحة ﵁ قتل عشرين وأخذ أسلابهم.
وهذا يدل على قوة بعض الصحابة ﵃ وأرضاهم ونشاطهم وبلائهم في الجهاد في سبيل الله، فإن أبا طلحة قتل هؤلاء العشرين من الكفار وأخذ أسلابهم.
ثم رأى أم سليم -وهي زوجته، وهي أم أنس بن مالك - ومعها خنجر فقال لها: ما هذا يا أم سليم؟ قالت: أردت إن دنا أحد مني أن أبعج بطنه.
أي: أشق بطنه بهذا الخنجر.
تعني أنه إذا دنا أحد من الكفار إليها فإنها تستعمله للدفاع عن نفسها وتشق بطنه بهذا الخنجر، فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله ﷺ .
قوله: [قال أبو داود: أردنا بهذا الخنجر، وكان سلاح العجم يومئذ الخنجر].
يعني بذلك لفظ الخنجر، والخنجر هو السكين الغليظة الكبيرة الحادة، وكان سلاح العجم يومئذ الخنجر، أي: وهذا من سلاح العجم، وإلا فإن الذين كانوا يقاتلون هم هوازن، وهم من العرب.
стр. 8926
تراجم رجال إسناد حديث: (من قتل كافراً فله سلبه)
قوله: [حدثنا موسى بن إسماعيل].
هو موسى بن إسماعيل التبوذكي البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا حماد].
هو حماد بن سلمة بن دينار البصري، ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن.
[عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة].
إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أنس بن مالك].
أنس بن مالك هو عم إسحاق بن عبد الله؛ لأن عبد الله بن أبي طلحة هو أخو أنس بن مالك لأمه وهذا ابنه، فيكون عمه.
وأنس بن مالك ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .
وهذا الإسناد رباعي من الأسانيد العالية عند أبي داود.
стр. 8927
منع الإمام القاتل السلب واعتبار الفرس والسلاح من السلب
стр. 8928
شرح حديث: (هل أنتم تاركون لي أمرائي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الإمام يمنع القاتل السلب إن رأى، والفرسُ والسلاحُ من السلب.
حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثني صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: خرجت مع زيد بن حارثة ﵁ في غزوة مؤتة، فرافقني مَدَدِي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزوراً فسأله المددي طائفة من جلده فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدرق، ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب، فجعل الرومي يفري بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد ﵁ فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد! أما علمت أن رسول الله ﵌ قضى بالسلب للقاتل؟! قال: بلى، ولكني استكثرته.
قلت: لتردنه عليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ ، فأبى أن يرد عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﵌، فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله ﵌: (يا خالد! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله! لقد استكثرته.
فقال رسول الله ﵌: يا خالد! رد عليه ما أخذت منه.
قال عوف: فقلت له: دونك يا خالد! ألم أفِ لك؟! فقال رسول الله ﵌: وما ذلك؟ فأخبرته، قال: فغضب رسول الله ﵌، فقال: يا خالد! لا ترد عليه، هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره)].
أورد أبو داود هذه الترجمة، وهي: [باب الإمام يمنع القاتل السلب إن رأى، والفرسُ والسلاحُ من السلب].
يعني: إذا رأى ذلك فإن القاتل يكون له السلب، ولكن للإمام أن يمنعه إذا رأى ذلك، أي: يمنع القاتل السلب إذا رأى ذلك.
وقوله: [والفرس والسلاح من السلب] يعني أنهما من جملة السلب، بحيث إذا كان للمقتول فرس ومعه سلاح فإنه يكون سلباً ويكون لقاتله فيملك الفرس ويملك السلاح.
وأورد أبو داود حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أنه قال: [خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، فرافقني مددي من أهل اليمن ليس معه غير سيفه].
وغزوة مؤتة هي الغزوة التي كانت في أرض الروم، وكانت في السنة الثامنة، واستشهد فيها ثلاثة من الأمراء، وهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، ويقال لها: غزوة الأمراء؛ لأنه استشهد فيها أمراء ثلاثة أمرهم رسول الله ﷺ ، ثم أخذ الراية خالد ونصر الله المسلمين على أعدائهم.
قال عوف بن مالك: صحبني مددي من اليمن.
والمددي هو الذي يأتي يمد الجيوش أو تمد به الجيوش، فيقال له: مددي.
أي: جاء يمد الجيوش، كما أخبر ﷺ عن أويس القرني فقال: (يأتيكم مع أمداد أهل اليمن) يعني الذين يأتون من اليمن ليمدوا الجيوش، فيقال للواحد: مددي، ويقال للجمع: أمداد.
فكان أهل اليمن يأتون أمداداً للجيوش، وفي الحديث: (إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمن) والمقصود به ما يحصل للمسلمين من التنفيس عن طريق الجيوش والأمداد التي تأتي من جهة اليمن، هذا هو معنى الحديث، وليس المقصود بذلك أن الله تعالى يوصف بأن له نفساً، وإنما يعني الجند أو الجيش أو الرجال الذين يحصل بهم التنفيس على المسلمين بمجيئهم لقتال الكفار.
قال عوف عن هذا المددي: [ليس معه غير سيفه، فنحر رجل من المسلمين جزوراً فسأله المددي طائفة من جلده فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدرق].
أي: أن هذا المددي لم يكن معه إلا سيفه، وأن رجلاً من المسلمين نحر جزوراً فطلب منه قطعة من الجلد ليتخذها كهيئة الدرق، أي: كالترس الذي يقي به السهام، وذلك بأن يجعله ييبس ليكون غليظاً قاسياً.
قوله: [ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يفري بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي فعرقب فرسه فخر، وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه].
يعني أنه لما حصل الالتقاء مع الروم كان فيهم -أي: الروم- رجل على فرس وعليه سرج مذهب ومعه سيف مذهب، فكان يفري بالمسلمين، ومعناه أنه يفتك بهم، فهذا المددي اختفى وراء صخرة، ولما مر به الرومي ضرب عراقيب فرسه فخر وقتله.
قوله: [وحاز فرسه وسلاحه].
يعني: حاز ذلك المددي الفرس الذي عليه السرج المذهب والسلاح المذهب.
وهذا محل الشاهد للترجمة، حيث قال فيها: [والفرس والسلاح من السلب]؛ لأنه حاز ذلك السلب الذي هو الفرس والسلاح.
قوله: [فلما فتح الله للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب، قال عوف: فأتيته فقلت: يا خالد! أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟].
يعني: لما حصل النصر للمسلمين على أعدائهم الروم أخذ خالد من ذلك السلب الذي مع المددي لأنه استكثره، فـ عوف بن مالك الذي كان قد رافق هذا المددي قال: [أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟] فأخبره بأنه استكثر ذلك، فأراد أن يكون للمسلمين شيء من ذلك.
قوله: [قلت: لتردنه عليه أو لأعرفنكها عند رسول الله ﷺ .
فأبى أن يرد عليه].
يعني بذلك أنه عندما يلتقي مع خالد عند رسول الله ﷺ فإنه سيخبر الرسول ﷺ بما حصل وبما فعله خالد من أخذ ذلك السلب من القاتل.
قوله: [قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله ﷺ ، فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله ﷺ : (يا خالد! ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله! لقد استكثرته.
فقال رسول الله ﵌: يا خالد! رد عليه ما أخذت منه)].
أي: أنهم لما التقوا عند رسول الله ﷺ قام عوف بإبلاغ الرسول ﵊، بما قد حصل، فالنبي ﷺ لم يكتف بهذا الخبر، بل استوثق من خالد وقال: (ما حملك على ما صنعت؟ فقال: استكثرته يا رسول الله.
فقال رسول الله ﷺ لـ خالد: رد عليه ذلك الذي أخذته منه).
أي: السلب.
قوله: [فقال عوف: قلت له: دونك يا خالد! ألم أف لك؟ فقال رسول الله ﷺ : وما ذلك؟].
أي: أنه لما أمر النبي ﷺ برد السلب على القاتل المددي قال عوف لـ خالد يخاطبه عند النبي ﷺ : [ألم أف لك؟] يعني: ألم أف بالكلام حين قلت لك بأنني سأعرفنكها عند رسول الله ﷺ ؟ ومعناه: إنني توعدتك، وقد وفيت بما توعدتك به، فقد أخبرت بذلك رسول الله ﷺ ، وقد رد السلب.
فقال رسول الله ﷺ : [(وما ذلك؟)].
وهذا يدل على أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب، ولا يعلم الغيب على الإطلاق إلا الله ، ولو كان النبي ﷺ يعلم الغيب على الإطلاق لما خفي عليه الذي جرى بين خالد وبين عوف بن مالك، وهذا من جملة الوقائع الكثيرة التي تدل على أن الرسول ﷺ لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وقد أطلعه الله على كثير من الغيوب، لكنه ما أطلعه على كل غيب، ولهذا فإن الذين يغلون في رسول الله ﷺ ويصفونه بأنه يعلم الغيب لم يحالفهم الصواب، بل أخطئوا، والله أمر نبيه بأن يقول: ﴿لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠]، وقال: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨] وقد حصلت وقائع كثيرة في الدنيا تدل على أنه لا يعلم الغيب، منها هذا الذي معنا، وكذلك مسألة العقد الذي كان لـ عائشة، فقد مكثوا يبحثون عنه مع أنه كان تحت الجمل الذي تركب عليه عائشة، ومع ذلك ما عرفوا أنه تحت الجمل إلا لما بحثوا عنه فلم يجدوه ثم أرادوا الرحيل فقام الجمل وإذا العقد تحته.
وكذلك في مسألة الإفك حين رميت عائشة بما رميت به من الإفك، فقد كان النبي ﷺ يقول لها: (إن كنت ألممت بذنب فتوبي إلى الله واستغفري) ولو كان يعلم الغيب من أول وهلة لقال للذين اتهموها: أنا أعلم الغيب، وأعلم أنه ما حصل منها شيء، فهي بريئة، ولم يعلم براءتها إلا بعد ما نزل القرآن بتبرئتها في آيات تتلى في أول سورة النور.
وأما بالنسبة للآخرة فقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه يذاد ناس عن الحوض، وأنه يقول: (أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك).
فهذا يدل على أن الرسول الكريم ﷺ لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وقد أطلعه الله على كثير من الغيوب، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة، وهي من دلائل نبوته، ومنها ما مر بنا في كونه أطلع على الكتاب الذي ذهبت به المرأة من قبل حاطب بن أبي بلتعة إلى كفار
стр. 8929
تراجم رجال إسناد حديث: (هل أنتم تاركون لي أمرائي)
قوله: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل].
هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الإمام الفقيه المحدث المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[حدثنا الوليد بن مسلم].
هو الوليد بن مسلم الدمشقي، ثقة مدلس، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[حدثني صفوان بن عمرو].
صفوان بن عمرو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير].
عبد الرحمن بن جبير بن نفير ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن أبيه].
هو جبير بن نفير، وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن.
[عن عوف بن مالك الأشجعي].
هو عوف بن مالك الأشجعي ﵁، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
стр. 8930
طريق أخرى لحديث: (هل أنتم تاركون لي أمرائي)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل قال: حدثنا الوليد قال: سألت ثوراً عن هذا الحديث فحدثني عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه].
كلمة [عن أبيه] هنا مقحمة؛ لأن الذي يروي عن أبيه هو عبد الرحمن بن جبير بن نفير في الإسناد الأول، وأما هذا الإسناد ففيه خالد بن معدان يروي عن جبير بن نفير، فكلمة [عن أبيه] مقحمة، ومفهومها أن جبيراً يروي عن نفير، ونفير ليس له رواية، وإنما الرواية لـ عبد الرحمن بن جبير عن أبيه الذي هو جبير بن نفير الذي مر في الإسناد السابق.
وفي تحفة الأشراف لا وجود لهذه الزيادة؛ لأن هناك طريقاً فيها عبد الرحمن بن جبير عن أبيه، وهنا أخرى فيها خالد بن معدان عن جبير.
فكلمة [عن أبيه] مقحمة.
قوله: [عن عوف بن مالك الأشجعي نحوه].
أي: نحو الحديث المتقدم في الرواية السابقة التي هي من طريق عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه، فنحوها هذه الطريق التي جاءت عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك، فالحديث نحو الحديث الأول في المعنى وليس مثله في الألفاظ.
следующие страницы →