← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 37052

شرح سنن أبي داود للعباد

عبد المحسن العباد

Полный текст (18 341 стр.). Показаны 9801–9840 · переход к 9806.

стр. 9801

شرح حديث (إن أخونكم عندنا من طلبه) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه عن بشر بن قرة الكلبي عن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ أنه قال: (انطلقت مع رجلين إلى النبي ﵌ فتشهد أحدهما ثم قال: جئنا لتستعين بنا على عملك، وقال الآخر مثل قول صاحبه، فقال: إن أخونكم عندنا من طلبه، فاعتذر أبو موسى إلى النبي ﵌ وقال: لم أعلم لما جاءا له، فلم يستعن بهما على شيء حتى مات)]. أورد أبو داود حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أنه جاء ومعه اثنان إلى رسول الله ﷺ ، فطلبا الولاية؛ فقال ﵊: (إن أخونكم عندنا من طلبه) يعني: من طلب الولاية، وهذا اللفظ جاء في هذه الرواية، وقد جاء الحديث في الصحيحين وفي غيرهما بغير هذا اللفظ، وليس فيه ذكر الخيانة، ولكنه لم يولهما، وقد ولى أبا موسى الأشعري الذي ما طلب الولاية. وفي الصحيحين أن أبا موسى جاء ومعه اثنان من الأشعريين وهو بينهما، واحد عن يمينه وواحد عن شماله حتى وصلوا إلى النبي ﷺ ، فطلب كل واحد منهما الإمارة، فـ أبو موسى أراد أن يدافع عن نفسه وخشي أن يظن أن مراده مرادهم، فقال: إنني ما علمت بالشيء الذي أراداه، يعني ما علم بالشيء الذي كان في أنفسهما، وهو ما طلباه من النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ قال: (إنا لا نولي هذا الأمر أحداً طلبه)، وولى أبا موسى الأشعري ولم يولهما. فالحديث ثابت في مجيء أبي موسى ومعه اثنان، وأنهما طلبا الولاية، وأن الرسول ﷺ لم يولهما وولاه، وأما قوله: (إن أخونكم عندنا من طلبه) فهذا جاء في هذه الرواية من هذا الطريق، وفيه مخالفة لرواية الثقات الذين رووه بدون ذلك، فهي من قبيل رواية الضعيف المخالف للثقات، فيكون هذا اللفظ من قبيل المنكر؛ لأن مخالفة الضعيف للثقة يسمى منكراً، ومخالفة الثقة لمن هو أوثق منه يسمى شاذاً، وهذا من قبيل مخالفة الضعيف للثقة؛ لأن إسماعيل بن أبي خالد يروي عن أخيه، وأخوه مبهم غير معلوم، وله عدة إخوة يروي عنهم.

стр. 9802

تراجم رجال إسناد حديث (إن أخونكم عندنا من طلبه) قوله: [حدثنا وهب بن بقية]. وهب بن بقية الواسطي ثقة، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي. [حدثنا خالد]. خالد بن عبد الله الطحان الواسطي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن إسماعيل بن أبي خالد]. إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أخيه]. أخوه غير معروف. [عن بشر بن قرة]. بشر بن قرة الكلبي صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي. [عن أبي بردة]. أبو بردة بن أبي موسى الأشعري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي موسى الأشعري]. أبو موسى الأشعري عبد الله بن قيس رضي الله تعالى عنه، وهو مشهور بكنيته ونسبته، وهو صحابي جليل، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 9803

الأسئلة

стр. 9804

حكم طلب الرئاسة الدينية السؤال الإمارة المراد بها هنا الدنيوية، لكن الرئاسة الشرعية الدينية ما حكم طلبها؟ الجواب القضاء رئاسة شرعية، وهي مثلها، فلا يطلب الإنسان القضاء. أما طلب الإنسان أن يكون إماماً من أجل أن يحافظ على الصلاة أو من أجل أن يعتني بالقرآن أو من أجل أن ينفع الناس بالتدريس فهذا لا بأس به.

стр. 9805

وجه طلب يوسف لجعله على خزائن الأرض السؤال ما هو الجمع بين طلب يوسف ﵊: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٥٥] وبين النهي عن طلب الإمارة؟ الجواب يجوز طلب الإمارة إذا تعين ذلك على الإنسان، وعلم من نفسه أنه قادر على القيام بذلك، ويوسف هو رسول الله ﵊ وليس كغيره، وإذا تعين على الإنسان أن يقوم بهذا الأمر، وأنه إذا أسند إلى أحد غيره قد يسيء فيه؛ فطلبه يكون له وجه.

стр. 9806

حكم طلب الترشيح في الانتخابات البرلمانية السؤال ما حكم ما يفعله بعض الإسلاميين من ترشيح أنفسهم في الانتخابات البرلمانية؟ الجواب لا شك أنه من طلب الإمارة، (ولكل امرئ ما نوى)، لكن في الغالب يكون رغبة في العلو، ورغبة في السلطة والولاية.

стр. 9807

الضرير يولى

стр. 9808

شرح حديث (استخلف ابن أم مكتوم على المدينة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الضرير يولى. حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا عمران القطان عن قتادة عن أنس ﵁: (أن النبي ﵌ استخلف ابن أم مكتوم ﵁ على المدينة مرتين)]. أورد أبو داود باب الضرير يولى، يعني: ولاية خاصة، كأن يكون أميراً على قرية أو مسئولاً في غيبة الأمير، هذا هو المقصود من تولية الضرير، وذلك سائغ، وبعض أهل العلم قال: إن المقصود به إمامة الصلاة بالناس، ولكن الذي يظهر هو ما ذكره ابن عبد البر أنه ولاه عدة مرات لغير الصلاة، وليس مرتين فقط، وهذا يدل على أن هذا سائغ وجائز ولا بأس به. قوله: (استخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة مرتين) يعني: في حال غيبته، ولا وجه لمن قال: لا يجوز للأعمى أن يقضي، بل له ذلك.

стр. 9809

تراجم رجال إسناد حديث (استخلف ابن أم مكتوم على المدينة) قوله: [حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي]. محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي بكسر الراء المهملة المشددة، وهو ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والنسائي. [حدثنا عبد الرحمن بن مهدي]. عبد الرحمن بن مهدي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا عمران القطان]. عمران بن داور القطان وهو صدوق يهم، أخرج له البخاري تعليقاً وأصحاب السنن. [عن قتادة]. قتادة بن دعامة السدوسي البصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أنس]. أنس بن مالك ﵁ صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 9810

اتخاذ الوزير

стр. 9811

شرح حديث (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في اتخاذ الوزير. حدثنا موسى بن عامر المري قال: حدثنا الوليد حدثنا زهير بن محمد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﵌: (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه)]. أورد أبو داود باباً في اتخاذ الوزير، يعني: أن الأمير لابد له من يعينه ويؤازره ويشد أزره، ويتحمل معه المسئولية، ويكون له عوناً على القيام بالواجب، فلابد للأمير من وزير، ولابد له ممن يساعده ويعينه ويشد أزره في مهمته التي تولاها. أورد أبو داود حديث عائشة ﵂: (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق) يعني: صادقاً في قوله وعمله. (إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه) يعني يذكره الشيء الذي ينساه مما هو واجب عليه، ومما هو مطلوب منه، وإن كان ذاكراً يكون عوناً له على القيام بهذه المسئولية، والقيام بتنفيذ هذه المهمة التي هو ذاكر لها، ولكنه بحاجة إلى من يعينه عليها. قوله: (وإذا أراد الله بالوزير غير ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه) يعني يجعله يبقى على عماه وعلى غفلته وعلى إهماله وتضييعه، وإن ذكر لم يعنه، وقد يخذله، ويكون سبباً في الحيلولة بينه وبين أن ينفذ الشيء الواجب عليه، بأن يفت في عضده، ويسوفه، ويأتي بالأمور التي تجعله لا ينفذ ذلك الشيء الواجب عليه.

стр. 9812

تراجم رجال إسناد حديث (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق) قوله: [حدثنا موسى بن عامر المري]. موسى بن عامر المري صدوق له أوهام، أخرج له أبو داود. [حدثنا الوليد]. الوليد بن مسلم وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا زهير بن محمد]. زهير بن محمد التميمي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الرحمن بن القاسم]. عبد الرحمن بن القاسم ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبيه]. القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وهو ثقة فقيه، أحد فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها الصديقة بنت الصديق، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 9813

العرافة

стр. 9814

شرح حديث (أفلحت يا قديم) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في العرافة. حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا محمد بن حرب عن أبي سلمة سليمان بن سليم عن يحيى بن جابر عن صالح بن يحيى بن المقدام عن جده المقدام بن معد يكرب ﵁: (أن رسول الله ﵌ ضرب على منكبه ثم قال له: أفلحت يا قديم! إن مت ولم تكن أميراً ولا كاتباً ولا عريفاً)]. أورد أبو داود (باب في العرافة) والعرافة: مأخوذة من التعريف، يعني: كون الإنسان يصير مسئولاً عن جماعة يعرف بهم، ويكون واسطة بين الأمير وبينهم، ويعرفون بواسطته، قيل له: عريف؛ لكونه يرجع إليه في معرفة الأشخاص الذين يوكل إليه ما يتعلق بشئونهم، وإذا كانت هناك أمور يبلغها إياهم، وإذا كانت هناك أمور مطلوبة منهم يكون هو المسئول. وقد جاء في السنة ما يدل على العرافة، ففي الصحيحين أو في أحدهما في قصة حنين وسبي هوازن، أن الرسول ﷺ بعد قسمة الغنائم والسبي جاء وفد هوازن إلى النبي ﷺ تائبين، وطلبوا منه أن يرد عليهم السبي والمال، فالرسول ﷺ أراد أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فجمع الناس وقال: (إن إخوانكم جاءوا تائبين، وقد طلبوا أن يرد عليهم سبيهم، فمن أعطيناه من السبي وأراد أن يطيب فليفعل، ومن أراد أن يحتفظ بحقه فإنا نعوضه من أول شيء يفيء الله علينا) يعني: أن السبي الذي قسم أراد أن يسترجعه، ومن سامح وتنازل عن حقه سقط حقه، ومن احتفظ بحقه ولم يرد أن يتنازل عن حقه من السبي فإنه يعوضه النبي ﷺ من أول شيء يحصل، (فسألهم النبي ﷺ فقالوا: طيبنا طيبنا، فالرسول ﷺ قال: ما نعرف من طيب ممن لم يطيب، فاذهبوا حتى يأتي إلينا عرفاؤكم، فجاء إليه العرفاء بعد ذلك وقالوا: إنهم طيبوا) يعني: أن كل شخص مسئول عن جماعة جاء وقال: إن جماعته الذي هو مسئول عنهم موافقون على التنازل، فهذا فيه دليل على مشروعية اتخاذ العرفاء الذين يكونون مسئولين عن بعض الجيش أو بعض الناس، وهم مثل الذين يسمون في هذا الزمان: شيوخ القبائل، فكل شيخ قبيلة يكون مسئولاً أمام الوالي عن جماعته والتعريف بهم، ومعرفة من هو من القبيلة ممن ليس من القبيلة. أورد المصنف حديثاً عن المقدام بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه [(أن رسول الله ﷺ ضرب على منكبه ثم قال له: أفلحت يا قديم! إن مت ولم تكن أميراً، ولا كاتباً، ولا عريفاً)] قديم يعني تصغير مقدام بحذف الزوائد، والحديث لم يثبت، ففيه رجل ضعيف، ولو صح لكان في حق من يكون ظالماً، فيعين غيره على الظلم عندما يكون كاتباً أو عريفاً، أو أميراً.

стр. 9815

تراجم رجال إسناد حديث (أفلحت يا قديم) قوله: [حدثنا عمرو بن عثمان]. عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير الحمصي وهو صدوق، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [حدثنا محمد بن حرب]. محمد بن حرب الحمصي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن أبي سلمة سليمان بن سليم]. أبو سلمة سليمان بن سليم وهو ثقة، أخرج له أصحاب السنن. [عن يحيى بن جابر]. يحيى بن جابر وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن صالح بن يحيى بن المقدام]. صالح بن يحيى بن المقدام وهو لين، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة. [عن جده المقدام بن معد يكرب]. المقدام بن معد يكرب صحابي ﵁، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. آفة هذا الحديث صالح بن يحيى، لم يوثقه إلا ابن حبان، ومع ذلك قال: ثقة يخطئ، يعني: مع كونه ذكره في الثقات قال: إنه يخطئ، وأيضاً ذكره في طبقة أتباع التابعين، وعلى هذا يكون فيه انقطاع.

стр. 9816

شرح حديث (إن العرافة حق) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا غالب القطان عن رجل عن أبيه عن جده: (أنهم كانوا على منهل من المناهل فلما بلغهم الإسلام جعل صاحب الماء لقومه مائة من الإبل على أن يسلموا فأسلموا، وقسم الإبل بينهم، وبدا له أن يرتجعها منهم، فأرسل ابنه إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال له: ائت النبي ﵌ فقل له: إن أبي يقرئك السلام، وإنه جعل لقومه مائة من الإبل على أن يسلموا فأسلموا، وقسم الإبل بينهم، وبدا له أن يرتجعها منهم، أفهو أحق بها أم هم؟ فإن قال لك: نعم أو لا، فقل له: إن أبي شيخ كبير وهو عريف الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العرافة بعده، فأتاه فقال: إن أبي يقرئك السلام، فقال: وعليك وعلى أبيك السلام، فقال: إن أبي جعل لقومه مائة من الإبل على أن يسلموا فأسلموا وحسن إسلامهم، ثم بدا له أن يرتجعها منهم، أفهو أحق بها أم هم؟ فقال: إن بدا له أن يسلمها لهم فليسلمها، وإن بدا له أن يرتجعها فهو أحق بها منهم، فإن هم أسلموا فلهم إسلامهم، وإن لم يسلموا قوتلوا على الإسلام، فقال: إن أبي شيخ كبير وهو عريف الماء، وإنه يسألك أن تجعل لي العرافة بعده، فقال: إن العرافة حق ولابد للناس من العرفاء، ولكن العرفاء في النار)]. أورد أبو داود هذا الحديث عن رجل غير معروف، لا هو ولا ابنه ولا ابن ابنه، وهو يتعلق بالعرافة كما ترجم له المصنف، وفي آخره قال: (إن العرافة حق) يعني: أن الحاجة إليها قائمة وموجودة، ولابد للناس منها. قوله: (وإن العرفاء في النار) معنى ذلك لو صح: إذا ما قاموا بالواجب عليهم أو انحرفوا في مهمتهم، فإن ذلك من أسباب دخولهم النار، لكن الحديث غير ثابت، وأما اتخاذ العرفاء، وأن الناس لابد لهم من عرفاء فهذا ثابت كما تقدم. قوله: [عن رجل عن أبيه عن جده: أنهم كانوا على منهل من المناهل] يعني: على ماء يستقون منه ويشربون. قوله: [فلما بلغهم الإسلام جعل صاحب الماء لقومه مائة من الإبل على أن يسلموا] يعني دفعها لهم ليسلموا فأسلموا، ثم بعد ذلك بعث ابنه إلى رسول الله ﷺ ، وقال له: إنني قد دفعت لهم هذا المقدار من الإبل على أن يسلموا، وإنني أردت أن أسترجعها، فهل أنا أحق بها أم هم؟ ثم إن أجابك فأخبره أن والدي شيخ كبير، وهو العريف على الماء، وأنه يسألك أن تجعل لي العرافة من بعده، فقال النبي ﷺ : (إن العرافة حق، ولابد للناس من العرفاء، والعرفاء في النار)، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث، وهو غير ثابت، ولو ثبت فإن المقصود من ذلك الذي يخون في ولايته، وفي مسئوليته، ويأتي بشيء على خلاف الحقيقة وعلى خلاف الواقع، فإن ذلك من أسباب دخوله النار. وما جاء في هذا الحديث من أنه قال: (إن أردت أن تسلمها لهم فأمضها، وإن أردت أن تسترجعها فأنت أحق بها) فيه دليل على أن الشيء الذي يعطى للإنسان على أمر واجب لا يستحقه؛ لأن هذا الشيء مطلوب منه ومتعين عليه، فهو لا يحتاج إلى أن يعطى شيء مقابله، مثل كون الإنسان يعطى مالاً على أن يصلي، فالصلاة واجبة ولا تحتاج إلى أجرة، وكذلك الدخول في الإسلام لازم ومتعين، وإذا دخلوا في الإسلام سلموا من النار، والمصلحة لهم والفائدة تعود عليهم، فالرسول ﷺ جعل الأمر إليه، إن أراد أن يسترجع استرجع، وإن أراد أن يترك ترك.

стр. 9817

تراجم رجال إسناد حديث (إن العرافة حق) قوله: [حدثنا مسدد]. مسدد بن مسرهد ثقة، أخرج له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. [حدثنا بشر بن المفضل]. بشر بن المفضل ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا غالب القطان]. غالب القطان وهو صدوق، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن رجل عن أبيه عن جده]. هذا الرجل مبهم، وأبوه كذلك، وجده كذلك.

стр. 9818

لابد من العريف الشيخ الألباني ﵀ صحح حديثاً بلفظ: (لابد من العريف، والعريف في النار) في صحيح الجامع، فلابد من عريف، وكونه في النار يحمل على ما إذا خان، ولم يؤد الواجب الذي أوجب الله عليه، وأما إذا قام بالواجب الذي أوجبه الله عليه، فذلك من أسباب سعادته وفلاحه ونجاته، وليس من أسباب دخوله النار.

стр. 9819

جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم ليسلموا في هذا الحديث اتفاق حصل على إعطائهم الإبل على أن يسلموا، وهذا له أن يرجع ما أعطاهم، وأما إذا أعطاهم ترغيباً لهم في الإسلام، وما قال: بشرط أن يسلموا؛ فلا بأس، وإعطاء المؤلفة قلوبهم ليس من هذا القبيل؛ لأنه يعطيهم من أجل أن يتألفهم ويستميلهم، وأما هذا فأعطاهم وكأنه ثمن للإسلام ومقابل الإسلام.

стр. 9820

اتخاذ الكاتب

стр. 9821

شرح أثر (السجل كاتب كان للنبي ﵊ قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في اتخاذ الكاتب. حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا نوح بن قيس عن يزيد بن كعب عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: (السجل كاتب كان للنبي ﵌]. أورد أبو داود هذه الترجمة وهي باب اتخاذ الكاتب، فالأمير والوالي لابد له من كاتب يتولى الكتابة له للجهات التي يريد، والنبي ﷺ كان له كتاب يكتبون له الوحي وغير الوحي مثل الرسائل التي كان يبعث بها إلى الملوك والرؤساء. أورد أبو داود أثراً عن ابن عباس قال: (السجل كاتب كان للنبي ﷺ أي: أن هذا اسم كاتب للنبي ﵊، والحديث غير صحيح، والنبي ﷺ لم يكن له كاتب اسمه السجل، وليس في الصحابة صحابي يقال له: السجل، فالحديث غير ثابت، ولكن اتخاذ الكاتب لابد منه، ويحتاج إليه الوالي.

стр. 9822

تراجم رجال إسناد أثر (السجل كاتب كان للنبي ﵊ قوله: [حدثنا قتيبة بن سعيد]. قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [حدثنا نوح بن قيس]. نوح بن قيس وهو ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن يزيد بن كعب]. يزيد بن كعب وهو مجهول، أخرج له أبو داود والنسائي. [عن عمرو بن مالك]. عمرو بن مالك وهو صدوق له أوهام، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد وأصحاب السنن. [عن أبي الجوزاء]. أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن ابن عباس]. عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي ﷺ .

стр. 9823

الأسئلة

стр. 9824

حال حديث (أفلحت يا قديم) السؤال حديث المقدام بن معد يكرب أن الرسول ﷺ ضرب على منكبه ثم قال له: (أفلحت يا قديم!)، ذكرتم أن التضعيف بسبب صالح بن يحيى بن المقدام، والشيخ الألباني ﵀ ذكر علة أخرى وهي: الانقطاع؟ الجواب قد أشرت إلى هذا، وذكرت أن ابن حبان قال: إنه في طبقة أتباع التابعين، وعلى هذا فيكون فيه انقطاع.

стр. 9825

تدليس الوليد بن مسلم السؤال حديث: (إذا أراد الله بالأمير خيراً) فيه الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية، وقد صرح بالتحديث عن شيخه ثم عنعن، قال: حدثنا زهير بن محمد عن عبد الرحمن بن القاسم، فلماذا صحح الحديث؟ الجواب الأصل عدم التدليس حتى يعرف، وليس كل إسناد فيه الوليد وفيه عنعنة من فوق شيخه يقدح فيه، فإن كثيراً من رواياته ثابتة ومحتج بها وفيها العنعنة فيما فوق شيخه.

стр. 9826

قضاء الدين من بيت المال السؤال نقل الشيخ عبد الله البسام حفظه الله عن الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه أنه قال: إذا مات أحد المسلمين وعليه دين فعلى ولي الأمر قضاؤه من بيت المال كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، الرجاء منكم التكرم بتوضيح هذا الكلام، وهل هو على إطلاقه سواءً كان له إرث أو ليس له إرث؟ الجواب الذي يبدو أنه ليس على إطلاقه، والمراد به الإنسان الذي ما عنده سداد، وأما من خلف مالاً فإن الدين مقدم على الوصية والميراث قال الله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢].

стр. 9827

شرح سنن أبي داود [٣٤٦] جاءت الشريعة بما فيه صلاح الدين والدنيا، ومن ذلك السياسة الشرعية لإصلاح الرعية، وجلب كل مصلحة لهم، ودرء كل مفسدة عنهم، وقد جاءت أحاديث كثيرة اعتمد عليها العلماء في بيان معالم السياسة الشرعية من الاستخلاف والبيعة وأرزاق العمال والسعاية على الصدقة ونحو ذلك.

стр. 9828

السعاية على الصدقة

стр. 9829

شرح حديث: (العامل على الصدقة بالحق كالغازي) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في السعاية على الصدقة. حدثنا محمد بن إبراهيم الأسباطي حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد ﵁ عن رافع بن خديج ﵁ أنه قال: (سمعت رسول الله ﵌ يقول: العامل على الصدقة بالحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته)]. يقول الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: باب في السعاية على الصدقة، الساعي على الصدقة هو العامل على الصدقة، فيكون من العاملين عليها الذين يذهبون إلى أصحاب المواشي أو إلى أصحاب الزروع فيأخذون الصدقة منهم، هذا يسمى سعاية على الصدقة، وقد جاء في القرآن الكريم ذكر مصارف الزكاة وأن منهم: ﴿الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠]، وكان النبي ﷺ يبعث العمال على الصدقة لأخذها وجبايتها، فهي من الأعمال التي جاء بها الإسلام، والعمال يذهبون إلى أصحاب المواشي على مياههم ويأخذون الصدقة منهم، ولا يكونون في جانب ويطلبون من أصحاب الأموال أن يسوقوا أغنامهم ومواشيهم إليهم، بل يذهبون لأخذها منهم على مياههم. وفي هذا العمل أجر مع الاحتساب والنية الطيبة، فإنه يعمل على إبراء ذمم أصحاب الأموال الذين تؤخذ منهم الزكاة ثم توصل إلى الفقراء الذين هم محتاجون إليها، ولا شك أن هذا عمل فيه مصلحة وفائدة، وفيه أجر عظيم لمن فعل ذلك محتسباً. أورد أبو داود حديث رافع بن خديج ﵁ أن النبي ﵊ قال: (العامل على الصدقة بحق كالغازي في سبيل الله حتى يرجع إلى بيته)؛ لأن العامل على الصدقة يخرج في مهمة، ويأتي الناس على مياههم، ويأخذ الزكوات منهم، وكذلك يذهب إلى أصحاب الزروع لخرصها ثم بعد ذلك لجبايتها، فهو كالغازي في سبيل الله حتى يرجع، ومعناه: أن له أجراً وثواباً، وكل منهما خرج من بيته ليؤدي هذه المهمة العظيمة، الغازي ليجاهد في سبيل الله، وهذا ليأخذ الأموال من الذين تجب، عليهم وهم أصحاب الأموال، ثم يعمل على إيصالها إلى من يستحقها، فالحديث يدل على فضل هذا العمل. وقوله: (العامل على الصدقة بالحق) يعني: يكون عمله وفقاً للشرع، وليس فيه هضم لحقوق الفقراء بأن يتسامح مع أصحاب الأموال، ولا أن يظلم أصحاب الأموال بأن يأخذ شيئاً فوق ما يجب عليهم، بل يأخذ الحق الواجب على أصحاب الأموال؛ ولهذا فإن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: (فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أجابوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم) يعني: لا تأخذ كرائم الأموال النفيسة العزيزة، فلا يأخذ خيار المال وإنما يأخذ من الوسط، ثم أخبر ﵊ أن أخذ كرائم الأموال ظلم، وأن من أخذت منه قد يدعو عليه، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب فقال: (واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). إذاً: قوله: (بالحق) يعني: أن يقوم بالواجب فلا يظلم الفقراء ولا يظلم الأغنياء، لا يظلم الأغنياء بأن يأخذ منهم أكثر مما هو واجب وفوق ما هو واجب، ولا يظلم الفقراء بأن يبخسهم حقهم فيأخذ لهم دون الواجب، وإنما يأخذ ما هو واجب فيبرئ ذمة الغني، ويوصل إلى الفقير حقه دون نقص.

стр. 9830

تراجم رجال إسناد حديث: (العامل على الصدقة بالحق كالغازي) قوله: [حدثنا محمد بن إبراهيم الأسباطي]. محمد بن إبراهيم الأسباطي صدوق، أخرج له أبو داود. [حدثنا عبد الرحيم بن سليمان]. عبد الرحيم بن سليمان ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن محمد بن إسحاق]. محمد بن إسحاق المدني صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن عاصم بن عمر بن قتادة]. عاصم بن عمر بن قتادة ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن محمود بن لبيد]. محمود بن لبيد صحابي صغير، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن. [عن رافع بن خديج]. رافع بن خديج ﵁ وهو صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

стр. 9831

شرح حديث: (لا يدخل الجنة صاحب مكس) قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي حدثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن شماسة عن عقبة بن عامر ﵁ أنه قال: (سمعت رسول الله ﵌ قال: لا يدخل الجنة صاحب مكس)]. أورد أبو داود حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة صاحب مكس)، وصاحب المكس فسر بأنه الذي يأخذ من سلع الناس ومن الأشياء التي يبيعونها، والمكس هو النقص؛ سمي بذلك لأنه ينقصهم ويأخذ منهم شيئاً لا يجب عليهم، فيكون ذلك مكساً أي: نقصاً في حقهم، وهذا ظلم لهم. وقيل: إن المقصود من ذلك: أنه يأخذ منهم زيادة على الزكاة، فيأخذ شيئاً غير واجب يختص به الساعي، وهذا ظلم، ولعل هذا هو وجه إيراد أبي داود لهذا الحديث في باب السعاية؛ لأن السعاية حق، وأخذ الأجرة على ذلك سائغ، وقد جاء في القرآن ما يدل عليه، وكذلك جاء في السنة ما يدل عليه، والمكس أن يأخذ العامل شيئاً غير الواجب لنفسه أو للدولة، وهذا ظلم وغير سائغ وغير جائز. ولعل إيراد الحديث في هذا الباب من أجل أن السعاية قد تكون بحق وقد تكون بباطل، فإذا كانت بحق فإن ذلك أخذ لما هو واجب، والذي عليه الواجب يكون أدى ما عليه، والساعي قام بما يجب عليه، فلم يظلم الأغنياء بأن يأخذ أكثر مما يجب عليهم، ولم يظلم الفقراء بأن يأخذ من الأغنياء شيئاً أقل مما هو واجب عليهم، ولا يأخذ شيئاً أكثر من ذلك، لا لنفسه ولا للدولة؛ لأنه يكون بذلك ظالماً لمن أخذ منهم. هذا الحديث ضعفه الألباني، ولعل ذلك من أجل محمد بن إسحاق، فإنه مدلس وقد عنعن.

стр. 9832

تراجم رجال إسناد حديث: (لا يدخل الجنة صاحب مكس) قوله: [حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي]. عبد الله بن محمد النفيلي ثقة، أخرج له البخاري وأصحاب السنن. [حدثنا محمد بن سلمة]. محمد بن سلمة الباهلي ثقة، أخرج له البخاري في جزء القراءة ومسلم وأصحاب السنن. [عن محمد بن إسحاق]. محمد بن إسحاق المدني وهو صدوق، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن. [عن يزيد بن أبي حبيب]. يزيد بن أبي حبيب المصري ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عبد الرحمن بن شماسة]. عبد الرحمن بن شماسة ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. [عن عقبة بن عامر]. عقبة بن عامر الجهني ﵁ صاحب رسول الله ﷺ ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

стр. 9833

تفسير ابن إسحاق لصاحب المكس قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا محمد بن عبد الله القطان عن ابن مغراء عن ابن إسحاق قال: الذي يعشر الناس يعني: صاحب المكس]. أورد المصنف هذا الأثر عن ابن إسحاق وفيه تفسيره للمكس، قال: الذي يعشر الناس أي: يأخذ العشر من أموالهم ظلماً بدون حق، هذا تفسير ابن إسحاق لصاحب المكس في قوله في الحديث المتقدم: (لا يدخل الجنة صاحب مكس). وهذا الأثر يقال له: مقطوع في علم المصطلح؛ لأن الإسناد الذي ينتهي إلى من دون الصحابي يقال له: مقطوع، وإذا كان ينتهي إلى الصحابي يقال له: موقوف، وإذا كان ينتهي إلى رسول الله ﷺ يقال له: مرفوع، والمقطوع من صفات المتون بخلاف المنقطع فإنه من صفات الأسانيد، يقال: إسناده منقطع إذا كان في رجال الإسناد سقوط راوٍ أو أكثر، وأما المقطوع فهو الإسناد الذي انتهى إلى من دون الصحابي.

стр. 9834

تراجم رجال إسناد تفسير ابن إسحاق لصاحب المكس قوله: [حدثنا محمد بن عبد الله القطان]. محمد بن عبد الله القطان مقبول، أخرج له أبو داود. [عن ابن مغراء]. هو عبد الرحمن بن مغراء وهو صدوق، أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن. [عن ابن إسحاق]. محمد بن إسحاق مر ذكره.

стр. 9835

الأسئلة

стр. 9836

وجه جعل باب السعاية في هذا الكتاب السؤال أليس حق باب السعاية على الصدقة أن يكون في كتاب الزكاة؟ الجواب في كتاب الزكاة ذكر المصنف السعاة، ولكن ذكر هذا هنا من أجل الولاية والإمارة؛ لأن الساعي يعتبر أميراً ووالياً، وقد ذكر السعاة في كتاب الزكاة من جهة ذهاب العمال وإرسال العمال لأخذ الزكاة، وأنهم يذهبون إليهم على مياههم، ولا يكونون في جانب ويسوقون الناس إليهم، أو يطلبون الناس أن يأتوا إليهم، بل هم يذهبون إلى الناس، فهذا الباب له علاقة بكتاب الزكاة، وله علاقة بكتاب الإمارة من جهة أن هذه ولاية من جملة الولايات.

стр. 9837

حكم أخذ المكس من الكفار السؤال الخطابي يقول: فأما العشر الذي يصالح عليه أهل العهد في تجاراتهم إذا اختلفوا إلى بلاد المسلمين فليس بمكس؟ الجواب نعم؛ لأن الحديث فيمن يأخذ العشر من أموال المسلمين، وأما أهل الكتاب والكفار إذا مروا بديار المسلمين وأخذ منهم شيء على ذلك؛ فلا بأس به، وليس خاصاً بأخذ العشر، ولكنه غالباً يؤخذ العشر، ولهذا قال ابن إسحاق: الذي يعشر الناس أي: يأخذ العشر منهم.

стр. 9838

حكم الضرائب والجمارك السؤال ما حكم الضرائب والجمارك؟ الجواب الضرائب هي نفس المكس، ولا يجوز للتاجر أن يكذب على أصحاب الضرائب، ولكنه إذا استعمل التورية فلا شك أن هذا سائغ، وأيضاً الجمارك مكس لا تجوز.

стр. 9839

الخليفة يستخلف

стр. 9840

شرح حديث: (لم يستخلف رسول الله) قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الخليفة يستخلف. حدثنا محمد بن داود بن سفيان وسلمة قالا: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال عمر: إني لا أستخلف فإن رسول الله ﵌ لم يستخلف، وإن أستخلف فإن أبا بكر ﵁ قد استخلف، قال: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله ﵌ وأبا بكر فعلمت أنه لا يعدل برسول الله ﵌ أحداً، وأنه غير مستخلف]. أورد أبو داود هذه الترجمة: باب الخليفة يستخلف، يعني: يختار خليفة يلي الأمر من بعده، وهذه طريقة صحيحة، فـ أبو بكر ﵁ استخلف عمر، وفي ذلك مصلحة، وهي قطع الأطماع والتطلع إلى تحصيل الولاية، حتى لا يكون هناك تنافس على الحصول عليها، وهي من الطرق الشرعية التي فعلها أبو بكر ﵁ وهو خليفة راشد، وقد قال ﵊: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ). فـ أبو بكر استخلف عمر، واختاره للخلافة من بعده، واعتبر ذلك من أعظم حسنات أبي بكر؛ لأنه اختار للناس رجلاً عظيماً حصل على يديه الخير الكثير، حيث فتحت الفتوحات، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية، وقضي على الدولتين العظميين في ذلك الزمان: دولة الفرس ودولة الروم، وأنفقت كنوز كسرى وقيصر ملكي الفرس والروم في سبيل الله، وذلك على يد الفاروق ﵁، وقد أخبر النبي ﷺ بأن كنوزهما ستنفق في سبيل الله، وقد تم ذلك في عهد الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وأمير المؤمنين عمر ﵁ لما طعن الطعنة التي نال بها الشهادة قيل له: ألا تستخلف يا أمير المؤمنين؟! يعني: تختار خليفة من بعدك، فقال: إن لم أستخلف فلم يستخلف رسول الله ﵊، وإن أستخلف فقد استخلف أبو بكر؛ لأنه اختاره للخلافة، قال ابن عمر: فعلمنا أنه حين ذكر رسول الله ﷺ أنه لا يعدل عما كان عليه رسول الله ﷺ ، ومعلوم أن الرسول ﵊ لم يستخلف بنص على أن الخليفة بعدي فلان، ولكن جاءت عنه نصوص واضحة جلية تدل على أن أبا بكر هو الأولى والأحق بالخلافة من بعده، ومن هذه النصوص أنه اختاره للصلاة بالناس في مرض موته، وروجع في ذلك وفي كل مرة يراجع فيها يقول: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ولهذا قال عمر ﵁ يوم السقيفة: رضيك رسول الله ﷺ لأمر ديننا أفلا نرتضيك لأمر دنيانا؟ وأوضح دليل يدل على أن أبا بكر هو الأحق بالأمر من بعد رسول الله ﵊ الحديث الذي في الصحيح: أن النبي ﵊ قال لـ عائشة: (ادعي لي أباك وأخاك لأكتب كتاباً؛ فإني أخشى أن يتمنى متمن أو يقول قائل)، ثم إنه ترك الكتابة ﵊ وقال: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر) يعني: لا حاجة للكتابة، فالذي أريده سيحصل، وسيتفق المسلمون على اختيار أبي بكر، وقد أبى الله إلا أبا بكر وأبى المسلمون إلا أبا بكر. إذاً: اختيار أبي بكر تم باتفاق الصحابة، وتحقق بذلك ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ من قوله: (يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر). وعمر ﵁ وأرضاه بعدما قال ما قال توسط فلم يترك الأمر نهائياً دون أن يكون له فيه رأي، ولم يعين شخصاً بعينه يكون خليفة من بعده كما فعل أبو بكر، فجعل الأمر في ستة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهم الذين توفي رسول الله ﵊ وهو عنهم راض، وهم من العشرة المبشرين بالجنة، وهم: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وقد بقي من العشرة المبشرين بالجنة في ذلك الوقت: سعيد بن زيد بن نفيل ابن عم عمر، ولكنه ما جعله معهم، وجعل الأمر في ستة سواه، وكان من بينهم سعد بن أبي وقاص ﵁، وقد كانت له قصة مع أهل الكوفة، حيث كان أميراً على الكوفة لـ عمر، وحصل بينه وبين بعض سفهاء أهل الكوفة شيء حتى صاروا يتكلمون فيه ويقدحون فيه ويذمونه مع أنه من أهل الجنة، فهو رجل يمشي على الأرض وهو من أهل الجنة ومع ذلك ما سلم من أذى السفهاء! فـ عمر ﵁ عزله لئلا يحصل من هؤلاء السفهاء شيء لا تحمد عاقبته في حقه، كأن يعتدي عليه أحد؛ لأنه بلغ بهم البغض ما بلغ، فرأى أن من المصلحة أن يعزله، ولكنه لما اختاره من الستة خشي أن يقول قائل: كيف يعزله عن الكوفة ويرشحه للخلافة؟ فقال ﵁: إن أصابت الإمارة سعد فذاك -يعني فهو أهل لها- وإن لم تصبه فليستعن به من أمر، فإنني لم أعزله من عجز ولا خيانة، والعجز والخيانة تسوغان العزل؛ لأن العاجز تنفلت الأمور من بين يديه وتصير الأمور فوضى، والإنسان الذي عنده قوة وخيانة يضع الأمور في غير مواضعها، فنوه بشأنه، وبين أن سبب عزله كان لخوف أن يلحق به ضرر، ولم يكن لأمر يرجع إلى سعد، فهو قوي أمين، وليس بعاجز ولا خائن، وهو أهل للإمارة، ولذلك اختاره من بين هؤلاء الستة، ثم إنهم اجتمعوا وانتهى الأمر إلى أن اختير عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فصار ثالث الخلفاء الراشدين الهاديين المهديين. والحاصل أن الخليفة له أن يستخلف، وهذه طريقة شرعية، والطرق الشرعية في الوصول إلى الولاية ثلاث: هذه واحدة منها. والثانية: اتفاق أهل الحل والعقد، ومثالها: بيعة أبي بكر، فإنها تمت باتفاق أهل الحل والعقد من كبار المهاجرين والأنصار. والطريقة الثالثة: التغلب والقهر يعني: كون الإنسان يصل إلى السلطة بالقوة والغلبة، كما حصل من انتقال السلطة من الأمويين إلى العباسيين، فإن تولي أبي العباس السفاح إنما كان بالقهر والغلبة، وانتزاع الملك من بني أمية، ومع ذلك اعتبر ذلك ولاية شرعية، والناس سمعوا له وأطاعوا. فهذه هي الطرق الثلاث الشرعية التي يكون بها الوصول إلى السلطة.
следующие страницы →