Полный текст (1 138 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
له ثم أثبتها ونفى ماعداها بما وإلا؛ أي: لم تكن حركته هذه وغزوته عن اهتمام وجمع واستعداد، وإنما هي خطرة عرضت له دعت أصحابه إلى الغزو فلبتها منهم القنا والنصول.
وقوله: الطويل
وَرُعْنَ بِنا قَلْبَ الفُراتِ كأنَّما ... تَخِرُّ عليه بالرِّجالِ سُيُولُ
قال: لما جعل الفرات مروعا، استعار له قلبا؛ لان الروع يكون في القلب.
فيقال: هذا تكميل للاستعارة وإتمام للصناعة، وإنما كنى بقلب الفرات عن وسط مائه ومعظمه، وإشارة مع ذلك إلى قطعه، وما بعده دليل عليه.
وقوله: الطويل
يطاردُ فيه مَوْجَهُ كلُّ سابحٍ ... سَوَاءٌ عليه غَمْرَةٌ ومَسِيلُ
قال: الموج كان يتجفل عن قوائم الخيل، وهي تتبعه، فجعل ذلك كالمطاردة. والغمرة: معظم الماء. والمعنى إن الخيل تسبح في الغمرة وتسير في الجبل.
وأقول: المطاردة هي المفاعلة؛ تكون من اثنين فصاعدا، فجعل المطاردة بين الخيل
стр. 1017
والموج، وجعل الموج كالخيل لأنها تشبه بها، وبالإبل ايضا، كقوله:
المنسرح
والطيرُ فوقَ الحَبَاب تَحْسبُهَا ... فُرْسَانَ بُلْق تَخُونها اللُّجُمُ
والموجُ مثلُ الفُحولِ مُزْبِدةٌ ... تَهْدِرُ فيها وما بها قَطَمُ
فذكر القوائم هاهنا ضعيف لأن ذلك إنما يكون في الماء الرقيق؛ ألا ترى إلى قوله فيما بعد: الطويل
تراهُ كأنَّ الماَء مَرَّ بِجِسْمهِ ... وأقْبَلَ رأسٌ وَحْدَهُ وتَلِيلُ
وهذا لا يكون معه مطاردة بالقوائم، وإنما المطاردة هنا إن الخيل قُدّامها موج وخلفها موج فكأنها تطرد وتُطرد، وقوله:
. . . . . . ... سَواءٌ عليه غَمْرَةٌ ومَسِيلُ
أي: سواء على هذا السابح، ويعني الفرس، وهو من صفات الخيل، جريه في غمرة من الماء، وهو معظمه، أو مسيل وهو المكان، أي: سواء عليه بحر وبر.
وقوله: الطويل
وأضْحَتْ بِحصْنِ الرَّانِ من الوَجَى ... وكلُّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَليلُ
قال: باتت الخيل رزاحة معيبة بذلك المكان بما أصابها في حوافرها، ثم اعتذر لها فقال: لم يلحقها ذلك لضعفها، ولكن الأمير كلفها من همته صعبا، فذلّت له وإن كانت قوية عزيزة.
стр. 1018
وأقول: إنه توهم قوله:
. . . . . . ... وكلُّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَليلُ
مثلا ضربه للخيل في أنها ذلت بعد عزة؛ أي: كلّت وتعبت فلا ينكر لها ذلك لأن كل عزيز ذليل للأمير وليس الأمر كذلك، وإنما قوله:
. . . . . . ... وكلُّ عَزيزٍ للأميرِ ذَليلُ
في موضع الحال من الخيل؛ يقول: أمست الخيل رازحة في حال ذل كل صعب
من ملوك الروم للأمير. وإنما أخبر برزوح خيله في حال ذل غيرها له.
وقوله: الطويل
فأوْرَدَهُمْ صَدْرَ الحصانِ وسَيْفَهُ ... فَتىً بأسُهُ مثلُ العَطَاءِ جَزِيلُ
قال: يعني انهم قُتلوا بحضرته وهو راكب؛ جعلهم واردين صدر فرسه حين احضروا بين يديه وهو راكب، وواردين سيفه حين قُتلوا.
وأقول: سبحان رب أبلى هذا الشعر، بل قائله، بهؤلاء الشراح يتلاعبون به كيف شاءوا تلعّب الصبيان ولا يدرون بما يجنون عليه! هذا الواحدي أصلحهم في المعاني! وانظر إلى تفسيره هذا وما فيه من الغلط والعمى عن القصد، والذهاب عن الصواب، وكأنه قد التزم أن لا يهتدي إلى إدراك معنى فيه أدنى إشكال! وليس أوردهم بمعنى جعلهم يردون سيفه، بل جعل صدر فرسه، وصدر سيفه، يردهم وهم له كالورد، كما يردُ الظمآن الماء؛ أي: دخل فيهم وخالطهم وحده إقداما ونجدة وجعلهم كالبحر في
стр. 1019
الكثرة، ويدل عليه قوله فيما بعد: الطويل
أغَرَّكُمُ طولُ الجيوشِ وعَرْضُهَا ... عَلِيّ شَرُوبٌ للجيوشِ أكُولُ
وليس في البيت ما يدل على انهم احضروا بين يديه، لا راكبا ولا راجلا!
وقوله: الطويل
أُعادَى على ما يُوجِبُ الحبَّ للفَتَى ... وأَهْدَأُ والأفكارُ فيَّ تَجُولُ
قال: أي: أعادي على فضلي وعلمي وتقدمي في الشعر، وذلك مما يوجب الحب لا العداوة، وأسكن أنا وأفكاري تجول فيّ ولا تسكن.
وأقول: يحتمل أن يكون قوله:
. . . . . . ... . . . . . . والأفكارُ فيَّ تَجُولُ
أي: أفكار الحساد تجول في السعاية بي وطلب أذاي لا أفكار نفسي، وهو أشبه باللفظ لأن الأفكار جمع والحساد جمع فيُجعل الجمع للجمع. وأسكن: يريد به ثباته
وحلمه، ولم يُرد السكون الذي هو ضد الحركة.
وقوله: الوافر
يُجَمِّشكَ الزَّمانُ هَوىً وَحُبّاً ... وقد يُؤذَى من المِقَةِ الحَبِيبُ
стр. 1020
قال: التجميش شبه المغازلة وهي الملاعبة بين الحبيبين؛ يقول: الذي أصابك تجميش من الزمان حبا لك، لأنك جماله وشرف أهله، فإن تأذيب به، فقد يكون من الأذى ما يكون من مقة.
وأقول: كأنه يقول: هذا الذي بك، ليس هو مرضا على الحقيقة، وإنما هو تجميش، وهو الملاعبة التي تقع بين المحب والمحبوب، على إنه قد يؤذي، بكثرة المقة له والشفقة عليه المحبوب، وكأن هذا المعنى الذي ذكره أبو الطيب لا يليق بمثل سيف الدولة أن يجعله بمنزلة المعشوق الذي ويداعب ويلاعب، ولم يبق بعد ذلك إلا أن يضاجع ويباضع، فهذه الصفات يُجل عنها ولا تحسن بمثله.
وقوله: الوافر
مَلِلْتَ مُقَامَ يومٍ ليس فيه ... طِعَانٌ صَادِقٌ وَدمٌ صَبِيبُ
قال: المقام بمعنى الإقامة.
يقول: أقمت يوما ولم تخرج إلى الغزو، ولم يكن لك فيه طعان ولا دم مصبوب فمللت ذلك؛ أي انك تعوّدت الطعان وسفك دم الأعداء فإذا أقمت يوما واحدا مللته.
وأقول: كأنه قد حظر على نفسه الإصابة في دقيق المعاني وجليلها! ولم يُرد هاهنا يوما واحدا! كيف ولم يكن مرضه ذلك المقدار، وإنما أراد يوما ما من الأيام؛ أي: أيُّ
стр. 1021
يوم لا يقع فيه طعان ودم صبيب فقد مللت مقامه. وهذا كما يقال: شنئت رؤية رجل ليس فيه شجاعة وسماحة. فلست تعني بذلك رجلا واحدا، بل أي رجل لم يكن بهذه الصفة فقد شنئته، وذلك يحتمل أن يكون قليلا أو كثيرا، فكذلك قوله: مقام يوم.
وقوله: المتقارب
عَوَاقِبُ هذا تَسُوءُ العدوَّ ... وتَثْبُتُ فيهِ وهَذا يَزولُ
قال: عاقبة العارض الذي أصابك تسوء العدو؛ لأنك تغزوهم وتثبت فيهم، لأنك لا تنفك عن غزوهم.
وأقول: يقول: عواقب هذا المرض غزوك العدو فهي تسوء العدو وتثبت فيه بشدة الأذى له والنكاية به، وهذا المرض يزول، فالضمير في تثبت راجع إلى العواقب عطفا على تسوء وضعيف أن يرجع إلى سيف الدولة، فإن كان أراد ذلك فغير قوي، كأنه يقول: أذى هذا المرض زائل وأذاك للعدو غير زائل.
وقوله: الطويل
عَرَضْتَ له دون الحياةِ وطَرْفِهِ ... وأبْصَرَ سيفَ اللَّه منك مُجَرَّدَا
стр. 1022
قال: أي لما رآك لم تسع عينه غيرك لعظمك في نفسه، وحُلت بينه وبين حياته فصار كالميت في بطلان حواسه إلا منك.
فيقال له: هذا قول ابن جني! وقد أجبت عنه وذكرت اتّباعك له في شرحه.
وقوله: الطويل
هو الجَدُّ حتى تَفْضُلَ العينُ أخْتَهَا ... وحتى يكونَ اليومُ لليوم سَيِّدا
قال: جعل العينين واليومين مثلا لكل متساويين يجد أحدهما ويحد الآخر؛ يقول: الجد يؤثر في كل شيء حتى العينين تجمعهما بنية ثم تصح إحداهما وتسقم الآخر، ويسود اليوم وكلاهما ضوء الشمس.
وأقول: إن قوله في العينين تصح إحداهما وتسقم الأخرى، بمعنى تعمى أو ترمد أو تحل بها آفة، غير صحيح، ولم يرد ذلك لأنه لا يصح به التمثيل، وكان يقال ذلك في اليدين أيضا بأن تُشل إحداهما وتسلم الاخرى، وإنما تفضل إحدى العينين أختها بأن تكون يمينا، ولعله امتنع من هذا القول نظرا إلى ديتهما وانهما سواء،
وليس المراد ذلك ولكن الفضل بين العينين بالإضافة إلى الإنسان وما هو معروف في الاستعمال. وكذلك القول في اليدين فمن ذلك قول النابغة: الوافر
ولو كَفِّي اليمينُ بَغَتْكَ خوناً ... لأفْرَدْتُ اليمينَ من الشّمالِ
وقول الآخر: الوافر
ترابُهُمُ وحَقِّ أبي تُرَابٍ ... أعزُّ عليَّ من عَيْني اليَمينِ
وهذا كثير أمثاله، مطرد استعماله.
стр. 1023
وقوله: الطويل
رأيتُكَ مَحْضَ الحِلْمِ في مَحْضِ قُدْرَةٍ ... ولو شئتَ كانَ الحِلم منكَ المُهنَّداَ
قال: المعنى ان حلمك عن الجهال حلم عن قدرة، ولو شئت لسللت عليهم السيف.
وأقول: هذا قول ابن جني وليس بشيء، وقد ذكرته في شرحه.
وقوله: الطويل
أتاك كأن الرأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُ ... وتَنْقَدُّ تحت الذُّعر منه المَفَاصِلُ
قال: أتاك هذا الرسول وبعضه يتبرأ من بعض، لإقدامه على المصير إليك هيبة لك، وهو قوله:
. . . . . . يكادُ الرأسُ يَجْحَدُ عُنْقَهُ ... . . . . . .
والمعنى: يجحد صحبة عنقه، وتتقطع مفاصله بالارتعاد.
وأقول: إن قوله: يتبرأ بعضه من بعض بضد ما أراد أبو الطيب لما ذكرته آخرا في شرح الكندي.
стр. 1024
وقوله: الوافر
فَمَسَّلهُمْ وبُسْطُهُمُ حَرِيرٌ ... وصَبَّحَهُمْ وبُسْطُهُمُ تُرابُ
قال: أتاهم مساء وهم يفترشون الحرير فبيتهم وقتلهم ليلا حتى جدّلوا على الأرض مقتولين مع الصباح.
وأقول: لم يقاتلوا حتى يُقتلوا، ويدل على ذلك قوله قبل: الوافر
وقاتلَ عن حرِيمهمُ وفَرُّوا ... نَدَى كَفَّيْكَ والنَّسَبُ القُرابُ
ولكن أراد بذلك: فمساهم وهم أغنياء وصبحهم فقراء، فكنى ببسط الحرير عن الغنى، وببسط التراب عن الفقر.
وقوله: إن صبحهم بمعنى بيّتهم وقتلهم ليلا خطأ لأن التصبيح غير التبييت، وإنما صبحهم: أغار عليهم صباحا؛ لأن الغارة تكون في ذلك الوقت، وذلك مشهور في فعلهم وقولهم.
وقوله: الطويل
وما ضَرَّهَا خَلْقٌ بغير مَخَالبٍ ... وقد خُلِقَتْ أسيافُهُ والقوائمُ
قال: يقول ما ضر الأحداث من النسور، يعني الفراخ، والقشاعم؛ وهي المسنة التي ضعفت عن طلب الرزق، وخص هذين النوعين من النسور لعجزهما عن طلب القوت؛ يقول: فليس يضرها أن لا مخالب لها قوية مفترسة، بعد أن خُلقت أسيافه فإنها تقوم بكفاية قوتها
وأقول: لم يرد بالقشاعم المسنة التي
стр. 1025
قد ضعفت عن طلب الرزق كما ذكر فيكون ثم قسم ثالث بين الفراخ والقشاعم يطلب الرزق لنفسه بكسره فذلك مستحيل، وإنما قسم النسور قسمين: صغير وكبير، وكلاهما ليس له مخلب يكسر به ويرتزق به كغيره من الجوارح كالعقاب وما أشبهه من الكواسر، فلا يضر النسور ذلك لان سيوفه تقوم مقام مخالبها فتستغني بها عنها بأكلها ما كسرته؛ أي: قتلته.
وقوله: الطويل
هل الحَدَثُ الحمراءُ تعرِفُ لونَهَا ... وتعلَمُ أيُّ السَّاقيينِ الغَمائِمُ
قال: قوله: الحمراء لأنها احمرت بدماء الروم، وذلك انهم غلبوا عليها فأتاهم سيف الدولة فقتلهم فيها حتى احمرت بدمائهم فقال المتنبي: هل تعرف الحدث
لونها؟ يعني إنه غيّر ما كان لونها بالدم، وهل تعلم أي الساقيين سقتها: الغمائم أم
стр. 1026
الجماجم؟ وحذف ذكر الجماجم اكتفاء بذكر الغمائم كما قال الهذلي: الطويل
عَصَيْتُ إليها القلبَ إنِّي لأَِمْرِهَا ... مُطِيعٌ فما أدري أرشدٌ طِلابُهَا
أي: أم غيٌّ.
وأقول: يحتمل أن يكون ذكر ساقيين سقياها وهما المطر والدم، وجعلهما غمائم لكثرتهما؛ ولذلك استفهم؛ لأنه أُلبس عليه ذلك منهما. وإنما قصد المبالغة في كثرة إراقة دماء الروم حتى جعلها موازية للمطر وجمعهما ولم يبينهما اعتمادا على تبيينهما وتقسيمهما في البيت الذي يليه وهو قوله: الطويل
سَقَتْهَا الغمامُ الغُرُّ قبل نزوله ... فلما دنا منها سَقَتْهَا الجَماجِمُ
وقوله: الطويل
وكانَ بها مثلُ الجنون فَأصْبَحَتْ ... ومن جِيَفِ القَتْلَى عليها تَمَائمُ
قال: جعل اضطراب الفتنة فيها جنونا لها، وذلك أن الروم كانوا يقصدونها ويحاربون أهلها فلا تزال الفتنة بها قائمة، فلما قتل سيف الدولة الروم وعلق القتلى على حيطانها سكنت الفتنة وسلم أهلها فجعل جثث القتلى كالتمائم عليها.
وأقول: لم يرد تعليق الجثث على حيطانها، ولكن إلقاءها على أرضها، لأن تعليق الجثث إنما يكون في الشي الخفي القليل، والشاعر قد وصف كثرة القتل والقتلى إلى أن
стр. 1027
بدّل لون أرضها بلون غيره لكثرة الدم، فلا حاجة إلى تعليق القتلى على حيطانها مع كثرة إلقائها على أرضها واشتهار ذلك فيها. فإن قيل: فالتمائم تكون معلقة على المجنون قيل: يكفي أن يقال: عليها.
وقوله: الطويل
وَقَفْتَ وما في الموتِ شَكٌّ لواقفٍ ... كأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدِى وهو نائمُ
ذكر في هذا البيت والذي بعده حكاية عن سيف الدولة وتشبيههما ببيتي امرئ
القيس: الطويل
كأنِّيَ لم أرْكَبْ جواداً لِلَذَّةٍ ... . . . . . .
والذي بعده، وما قيل من اخذ منهما ورد عنهما، ثم قال: ولا تطبيق بين صدر وعجز احسن من بيتي المتنبي لان قوله:
. . . . . . ... كأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدَى وهو نَائِمُ
هو معنى قوله:
وَقَفْتَ وما في الموتِ شَكٌّ لواقِفٍ ... . . . . . .
стр. 1028
فلا معدل لهذا العجز عن هذا المصدر؛ لأن النائم إذا أطبق جفنه أحاط بما تحته، فكأن الموت قد أظله من كل مكان كما يحدق الجفن بما تضمنه من جميع جهاته، وجعله نائما لسلامته من الهلاك؛ لأنه لم يبصره وغفل عنه بالنوم فسلم ولم يهلك.
وأقول: إن تفسيره لآخر البيت يناقض أوله: وما في الموت شك، أي: الموت متيقن، ثم جعل الموت، آخرا، نائما لم يبصره وغافلا عنه، فالموت حينئذ غير متيقن، وإنما أوقعه في ذلك ظنه أن نائم من النوم الذي يكون معه ذهاب العقل والعلم، وإنما أراد هاهنا بنائم صورة النائم في تغميض عينه وطبق جفنه. وإنما يقول: وقفت في وقت لا يشك فيه الموت لواقف؛ أي: الموت فيه متيقن، وضرب لذلك مثلا بقوله:
. . . . . . ... كأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدَى وهو نَائِمُ
أي: أحاط بك الردى وأطبق عليك؛ يصف شدة ذلك الوقت، وصعوبة ذلك المكان. فهذا هو المعنى لمن تأمله بنور البصيرة!
وقوله: الطويل
بِضَرْبٍ أتَى الهاماتِ والنَّصْرُ غائِبٌ ... وَصَارَ إلى اللَّبَّاتِ والنَّصْرُ قادمُ
ذكر فيه ما قال ابن جني وغيره، وليس بشيء! وقد بينت ما فيه هناك في الشرح
التبريزي.
стр. 1029
وقوله: الطويل
حَقَرْتَ الرُّدَيْنِيَّاتِ حتى طَرَحْتَهَا ... وحَتَّى كأنَّ السَّيْفَ للرُّمْحِ شَاتِمُ
قال: يقول: تركت القتال بالرماح وازدريتها؛ لأنها من سلاح الجبناء، وسلاح الشجعان السيف.
وأقول: قوله: لأنها من سلاح الجبناء ضعيف، ولو قال: كأنها لكان الصواب.
وقوله: الطويل
وإني لتَعْدُو بي عَطَاياكَ في الوَغَى ... فلا أنا مَذْمُومٌ ولا أنتَ نَادِمُ
قال: أي: امتطي في الغزو خيلك التي أركبتنيها ولست مذموما في أخذها لأني شاكر أياديك، ناشر ذكرك.
وأقول: أن تعليله بقوله: لأني شاكر لأياديك ناشر لذكرك ليس بشيء! وإنما يصف نفسه بأن الخيل التي يأخذها من سيف الدولة يقاتل عليها فلا يُذم بأنه يفر عليها، ولا يندم سيف الدولة لأنه وضع العطاء في غير موضعه. فإن أريد بالشكر هاهنا الفعل لا القول فصواب، لأن الشكر قد يكون بالفعل أيضا فيكون شكره له بما يفعله من نصره له بقتال أعدائه.
стр. 1030
وقوله: الطويل
وَلِمْ لا يَقِي الرَّحمنُ حَدَّيْكَ ما وَقَى ... وتَفْلِيقُهُ هامَ العِدَا بِكَ دائِمُ
قال: يقول: لم لا يحفظ الرحمن ما دام يحفظ.
وأقول: إنه توهم إن ما هاهنا ظرفية وليس كذلك، وإنما هي هاهنا بمعنى الذي، وذلك إنه لمّا قال: الطويل
هنيئاً لضَرْبِ الهَامِ. . . . . . ... . . . . . .
وما بعده: الطويل
. . . . ... . . . . . . أنَّكَ سالم
أخبر بسلامته فقال:
وَلِمْ لا يَقِي الرحمنُ حَدَّيْكَ ما وَقَى ... . . . . . .
أي: ما وقاهما؛ أي: لم لا يُسلمك، فحذف المفعول العائد إلى الذي تحقيقا، وللعلم به، كقوله تعالى: (أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً)؛ كأنه يقول: لم لا يُسلم منك الله الذي سلّم وأنت سيف، وهو يُفلق بك هام عداه دائما؛ أي: لا يكون ذلك إلا مع سلامتك.
стр. 1031
وقوله: الطويل
إذا زار سيفُ الدولةِ الرومَ غَازِياً ... كفَاهَا لِمامٌ لو كَفَاهُ لِمَامُ
قال: اللمام الزيارة القليلة.
يقول: إذا غزاهم كفاهم أدنى نزول منه بهم لو اكتفى هو بذلك، لكنه لا يكتفي حتى يبلغ أقصى بلادهم.
وأقول: لو قال: حتى يطيل الغزو والنزول في بلادهم، ويكثر القتل والسبي، لكان أولى، وهو ضد اللمام.
وقوله: الطويل
وما تنفَعُ الخَيْلُ الكرامُ ولا القَنَا ... إذا لم يكُنْ فَوْقَ الكرام كِرامُ
قال: يذكر ان النفع والقنا للرجال والفرسان لا للخيل، وان كرمها ليس بنافع إذا لم يكن فوقها رجال كرام في الحرب.
وأقول: إن قوله: إن النفع والقنا للرجال والفرسان لا للخيل عبارة ناقصة! وأي نفع أعظم من نفع الكرام من الخيل في الحرب! وإنما ذلك النفع لا يحصل إلا إذا كان فوقها فرسان كرام. فلو أسقط أول الكلام وقال: إن كرم الخيل لا ينفع إلا بكرم فرسانها لقصّر العبارة وأصاب الصواب!
стр. 1032
وقوله: الطويل
ومَنٌّ لفُرْسَانِ الثُّغُورِ عليهمُ ... بِتَبْلِيغِهِمْ ما لا يكادُ يُرامُ
قال: يعني أن فرسان الثغور كانوا شفعاء لهم إليك حتى تؤخر الحرب أياما، وذلك ما لا يكادون يقدرون على طلبه اليك، فلهم المنة عليهم إذ بلّغوهم ما كانوا لا يبلغونه بأنفسهم.
وأقول: هذا كلام من لم يصب فص المعنى، ولا وقع على مفصله! وليس هاهنا شفاعة لهم ولا تأخير منهم، وإنما يقول: إن هذا الصلح ذل للروم وغرام لهم، ومن فوقه لفرسان الثغور بكفهم عنهم، وهم قادرون عليهم، حين تأمرهم بالكف وقد سألوك واستجاروا بك.
وقوله: الطويل
وصُحْبَةَ قَوْمٍ يَذْبَحُونَ قَنِيصَهُمْ ... بِفَضْلاتِ ما قد كسَّروا في المَفَارِقِ
قال: يقول: تذكرت صحبة قوم صعاليك يذبحون ما يصيدون بما بقي من فضلات سيوفهم التي كسّروها في الرؤوس، وهذه إشارة إلى جودة ضربهم، وقوة سواعدهم.
стр. 1033
وأقول: لو قال: إشارة إلى هؤلاء القوم الذين صحبهم أولو جد يفضل كل جد، وأولو لعب يفضل كل لعب، وذلك لكسر سيوفهم في رؤوس أعدائهم، وذبحهم، بما بقي منها، صيدهم لكان أولى وأحسن. والتكسير هاهنا يريد به كثرة التثليم ولم يرد التحطيم لأنها لو كانت كذلك لم تصحبهم أو لم يكن في صحبتها طائل. ولعل الشيخ الواحدي أراد ذلك، فوصفهم بأنهم صعاليك لذبحهم القنيص بكسر السيوف وقطعها، وهذا ليس بشيء ولا يقوله محقق! لأن صحبة أولئك لا فخر فيها. ويدل على ما قلت إن التكسير صيغة التكثير والسيف لا يحتمله، ولا يصح فيه أكثر من مرة واحدة. وإنما بالغ في صفة التثليم إلى أن جعله كالتكسير، وهذا كقوله:
الطويل
. . . . . . كأنَّمَا ... مَارِبُهَا مما انْفَلَلْنَ مَضَارِبُ
وكقول البحتري: الطويل
وكنتَ متى تَجْمَعْ يَمِينَكَ يَهْتِكِ ال ... ضَّرِيبَةَ أو لا تُبْقِ للسَّيْفِ مَضْرِبَا
فالصحيح ما ذكرته، وإذا كان كذلك؛ فليسوا بصعاليك على الإطلاق، أو صعاليك ولا إلى هذا الحد الذي ذكره.
стр. 1034
وقوله: الطويل
وليلاً توسَّدْنا الثَّوِيَّةَ تَحْتَهُ ... كأنَّ ثَراهَا عَنْبَرٌ في المَرافِقِ
قال: الثوية: موضع بالقرب من الكوفة.
يقول: تذكرت ليلا اتخذنا فيه هذا المكان وسائد لنا؛ أي: نمنا عليه وكان طيب التراب، فكأن ترابها الذي تتربت به مرافقنا حين اتكأنا عليه عنبر فيها.
قال: وقال ابن جني: المرافق: جمع مرفقة، وهي الوسادة.
قال: ولم يرد بالمرافق ما ذكر، إنما أراد مرافق الأيدي لأن الصعلوك الفاتك لا وسادة له.
وقال العروضي فيما استدركه عليه: ألا ينظر أبو الفتح إلى قوله: توسدنا الثوية؛ وإنما يصف تصعلكه وتصعلك أصحابه وصبرهم على شدائد السفر، ففضلات المتكسر من السيوف مداهم، والأرض وسائدهم لأنه وضع رأسه على المرفق من يده، وإنما سميت الوسادة مرفقة لأن المرفق يوضع عليها، ولا يفتخر الصعلوك بوضع رأسه على الوسادة.
فيقال له: ألا ينظر العروضي إلى قول أبي الطيب: توسدنا الثوية، أي: اتخذناها وسادة ثم وصف ترابها بالطيب فقال:
. . . . . . ... كأنَّ ثَراهَا عَنْبَرٌ في المَرافِقِ
أي: في الوسائد التي اتخذناها من أرضها. فان كان ابن جني أراد ذلك فقد أصاب،
стр. 1035
ويكون موافقا للعروضي فيما ذكره من تصعلكه وتصعلك اصحابه؛ بل يزيد على ما أرداه من ذلك، ويجوز ان تكون المرافق هنا الأيدي، ويكون من قول الحادرة: الكامل
عَرَّسْتُهُ وَوِسَادُ رأسِيَ سَاعِدٌ ... خَاطي البَضيعِ عُرُوقُهُ لم تَدْسَعِ
وما ذكر من التصعلك بقطع السيوف وجعلها كالمدى فقد ذكرت ما فيه في البيت الذي قبله
وقوله: الطويل
بلادٌ إذا زَارَ الحِسَانَ بِغَيْرها ... حَصَى تُرْبِهَا ثَقَّبْنَهُ للمَخَانِقِ
قال: أي إذا حُمل حصى هذه البلاد إلى النساء الحسان بأرض غيره ثقبنه لحسنه ونفاسته. والحصى مرفوع بفعله.
وأقول: ويحتمل ان يكون الحصى فاعلا ومفعولا، وكذلك النساء بأن تكون مزورات له وزائرات لنفاسته.
وقوله: الطويل
سُهَادٌ لأجفانٍ وشَمْسٌ لنَاظِرٍ ... وسُقْمٌ لأبدانٍ ومِسْكٌ لناشِقِ
стр. 1036
قال: قال ابن جني: قد اجتمعت فيها الأضداد: فعاشقها لا ينام شوقا إليها، وإذا رآها كأنه يرى بها الشمس، وهي سقم لبدنه، ومسك عند شمه. وقد جعل البيت من صفة المليحة.
وقال العروضي: البيت من صفات القطربلي، والخمر تجمع هذه الصفات.
فيقال له: أن الأولى أن تكون من صفات المليحة لأنها مرفوعة، وصفاتها مرفوعة؛ هكذا جاءت الرواية.
والقطربلي منصوب، فلا يستقيم ان تكون هذه الصفات المرفوعة جارية عليه إلا
بإضمار مبتدأ.
هذا من جانب اللفظ والإعراب.
وأما من جانب المعنى فكذلك؛ وذلك إنه يقول: إن هذه المليحة تُسهر عاشقها مع إنها شمس بادية له غير محجوبة عنه، وذلك بخلاف المعتاد. وتُسقم بدنه مع إنها مسك إذا شمها، والرائحة الطيبة لا يحدث عنها سقم البدن وضعفه بل قوته بقوة قلبه وذلك منها بخلاف المعتاد أيضا.
стр. 1037
وقوله: الطويل
أتاهُمْ بها حَشْوَ العَجاجَةِ والقَنَا ... سَنَابِكُهَا تَحْشُو بطونَ الحَمَالِقِ
قال: يقول: أتاهم بالخيل وقد أحاطت بها الرماح والعجاج فهي حشو هاذين، وحوافرها تحشو العيون بما تثير من الغبار.
قال ابن جني: تحشو الجفون بالعجاجة.
وقال العروضي: أحسن من هذا وأبلغ؛ إن الخيل تطأ رؤوس القتلى فتحشو حمالقها بسنابكها كما قال: الطويل
. . . . . . ... وموطِئُهَا من كلِّ باغٍ مَلاغِمُهْ
فأما أن يرتفع الغبار فيدخل فلا كثير فخر في هذا.
وأقول: هذا الذي ذكره العروضي ليس بشيء ولا يشبه معنى هذا البيت، معنى البيت الذي أشار اليه، وما أعلم لم جعل الخيل تحشو حمالق القتلى بسنابكها إذا وطئت رؤوسها، دون أقدامها وآنفها وآذانها! وإنما يصف هذه الكتيبة بكثرة العجاج وتكاثفه إلى أن يحشو بطون الحمالق، وذلك يدل على كثرتها ويدل عليه قوله:
أتاهم بها حَشْوَ العَجاجةِ والقَنَا ... . . . . . .
وقوله فيما بعد: الطويل
ومَلْمُومَةٌ سَيْفيَّةٌ. . . . . . ... . . . . . .
стр. 1038
وقوله:
. . . . . . ... . . . . . . قَرِيبةُ بَيْنِ البِيضِ. . . . . .
وفي ذلك كثير فائدة كبير افتخار.
وقوله: الطويل
فهاجوكَ أهْدَى في الفَلا من نُجومِهِ ... وأبْدَى بيوتاً من أدَاحي النَّقَائِقِ
قال: حركوك بحربهم فكنت أهدي في الفلاة من النجم، واظهر بيوتا فيها من مواضع بيت النعام.
وأقول: إنه أراد بأبدى من البادية، أي بيوتك الزم للبدو من لزوم بيوت النعام له؛ يصفه بكثرة الغزو، وقلة مقامه في المدن. وإذا كان كذلك، فالبادية الأعراب الذين هاجوه دونه في ذلك.
وقوله: الطويل
تَعَوَّدَ أنْ لا تَقْضَمَ الحَبَّ خَيْلُهُ ... إذا الهامُ لم تَرْفَعْ جُنُوبَ العَلائِقِ
قال: يروى: جيوب وجنوب وترفع وترقع.
стр. 1039
قال: جنوب العلائق نواحيها، وجيوبها ما جيب من أعلاها؛ أي فُتح، وجيب المخلاة فمها، فعلى هذا يروى: لم ترقع جيوب ويكون المعنى: إذا الرؤوس لم تسد جيوب المخالي؛ يقول: تعودت خيله أن لا تقضم إلا من المخلاة لأنها أبدا تسافر. ويجوز أن يريد بالهام هام الأعداء وإنها، لكثرتها، اجتمعت حتى توضع عليها مخالي دوابه فترفعها إليها، وقد تعودت خيله في اعتلافها ذلك، وهذا قول ابن جني حكاه عن أبي الطيب.
وأقول: هذا تفسير ابن جني في ترفع بالفاء، ومن روى بالقاف أراد بالهام أيضا هام الأعداء وأراد أن مخاليها إذا جيبت؛ أي: قورت من طول الغزو، رقعت
برؤوس الأعداء؛ أي: سدت؛ أي: قد الفت ذلك فلا تنكره، وهذا أبلغ من الأول والبيت الذي بعده اقرب إلى تقوية هذا الوجه من الأول وهو قوله: الطويل
ولا تَرِدُ الغُدْرانَ إلاَّ وماؤُهَا ... من الدَّمِ كالرَّيحانِ تحت الشَّقائِقِ
وذلك لمخالطة الرؤوس لما يعلف كمخالطة الدم لما يشرب، ويضعف تفسيره بالهام هام الخيل ويؤيد هام القتلى.
وقوله: الوافر
وأفْرَحَتِ المَقاوِدُ ذفْرَيَيْهَا ... وصَعَّرَ خَدَّهَا هذا العِذَارُ
стр. 1040
قال: الصحيح رواية من يروي بالفاء - يعني في أفرحت - ومعناه: أثقلت؛ يقال: أفرحه الدين: إذا أثقله.
يقول: لمّا وضعت المقاود على العرب لتقودهم إلى طاعتك أثقلت مقاودك رؤوسهم لأنك ضبطتهم ومنعتهم عن التلصص والغارة، فصاروا كالدابة التي تُقاد بحكمة شديدة، وشكيمة ثقيلة.
ومن روى بالقاف جعلهم قرحا؛ أي: بالغت في رياضتهم حتى جعلتهم كالقرح في الذل والانقياد.
والصحيح هو الأول لأن الذفرى لا تختص بالذل والانقياد إلا على بعد.
فيقال له: الرواية بالقاف اكثر، ولم يرد بذلك ما ذكرته من إنه جعلهم قرحا، ولكن: أقرحت من القرح؛ أي: جعلت المقاود في ذفرييها قروحا بشدة ضبطها لها وأخذها منها، وهو مثل ضربه لسيف الدولة في إذلالهم، وذلك أشبه بالاستعارة وابلغ في المعنى.
وقوله: الوافر
وغَيَّرها التراسُلُ والتَّشَاكي ... وأعْجَبَهَا التَّلَبُّبُ والمُغَارُ
قال: أي: غيرها عن الطاعة، إنها كانت ترسل لك الرسل وتشكو ما يجري عليها
من سراياك.
فيقال له: الصحيح ما قال ابن جني، ويقوله كل بصير! أي: غيرها عن الطاعة إنها راسلت وتشاكت ما يجري عليها من سيف الدولة؛ أي: من إذلالها وضبطها ومنعها مما كانت معودة له من العيث في البلاد والفساد. وهذا أشبه بالحال واحسن، واصح في الاستعمال.
стр. 1041
وقوله: الوافر
وظَلَّ الطَّعْنُ في الخَيْلَيْنِ خَلْساً ... كأنَّ المَوتَ بينهما اخْتِصَارُ
قال: يقول: اختلسوا الطعن فأسرع فيهم الموت حتى كأنه وجد طريقا مختصرا إليهم.
وأقول: بيان ذلك أن الطعن الخلس هو السريع، فلما أسرعوا الطعن، وكان الموت مع الطعن، كان الموت أيضا سريعا لسرعة ما أوجبه؛ فسرعته اختصاره.
وقوله: الوافر
مَضَوْا مُتَسَابِقي الأعْضاءِ فيه ... لأرْؤسِهِمْ بأرجُلِهِمْ عِثَارُ
قال: يقول: هربوا والرجل تسابق الرأس، والرأس يسابق الرجل سراعا في الهرب وخوفا من القتل، فهذا معنى قوله:
. . . . . . مُتَسَابقي الأعضاء. . . . . . ... . . . . . .
وقوله:
. . . . . . ... لأرؤسِهِمْ بأرْجُلِهِمْ عِثَارُ
قال ابن جني: إذا ندر رأس أحدهم فتدحرج تعثر برجله أو رجل غيره.
قال: وهذا إبداع لان المعهود أن تعثر الرجل لا الرأس.
قال الواحدي: وأبين مما قاله وأجود أن يقال: بأرجلهم عثار لأجل رؤوسهم؛ أي: لأجل حفظها ينهزمون.
стр. 1042
وأقول: هذا الذي ذكره لا يقوله محصل، فضلا عن أن يستجده على الوجه الأول! والأظهر - فيما قال ابن جني - أن يكون رأس المقتول الذي طار رأسه يعثر برجل غيره؛ لأنه إذا ضرب الرأس فطار عن الجسد فبعيد أن يسبقه الجسد فيكون قدامه حتى يعثر به، فالعدو والحركة من الجسد بعد سقوط الرأس بعيد إلا ما يحكى عن هدبة ابن خشوم وتحريكه رجله بعد سقوط رأسه ثلاثا. وإنما الرأس إذا ندر عن جسد أحدهم تدحرج فعثر برجل آخر فكأنه يسابقها.
وقوله: الوافر
وكلِّ أصَمَّ يَعْسِلُ جانِبَاهُ ... على الكَعْبَيْنِ منه دَمٌ مُمَارُ
قال: أراد بالكعبين اللذين في عامله وهما يغيبان في المطعون؛ فلذلك وصفهما بأن عليهما دما، ويجوز أن يريد الكعب الأعلى والكعب الأسفل؛ لأن الطعن يقع بهما.
ويجوز أن يريد بالتثنية الجمع، وهو قول ابن جني.
وأقول: يجوز أن يريد بالكعبين الأعلى والأسفل، ولكن على غير ما ذكر لأن الطعن لا يكون بأسفل الرمح، وإنما خص الكعبين بالذكر؛ لأن الأعلى به يقع الطعن، والأسفل، لكثرة الطعن بالأعلى يكثر الدم حتى يصل إليه، فاستغنى بذلك عن ذكر ما بينهما لأن الدم لا يصل إليه إلا وقد وصل إلى جميع كعاب الرمح.
ويحتمل أن يريد بالكعبين نفوذ الأعلى بقوة الطعن ونفوذ الرمح إلى الكعب الأسفل.
стр. 1043
وقوله: الوافر
فكانوا الأُسْدَ ليس لها مَصَالٌ ... على طَيْرٍ وليسَ لهَا مَطارُ
قال: قال ابن جني: كانوا قبل ذلك اسدا، فلما غضبت عليهم وقصدتهم، ولم تكن لهم صولة على طير لضعفهم، ولم يقدروا أيضا على الطيران فأهلكتهم. وعلى هذا القول يكون البيت من صفة المنهزمين.
وقال العروضي: هذا من صفة خيل سيف الدولة؛ يقول: كانوا اسودا ولا عيب عليهم إذ لم يدركوا هؤلاء؛ لأن الأسد القوي لا يمكنه أن يصيد الطائر لأنه لا مطار للأسد. والمعنى أنهم أسرعوا في الهرب إسراع الطير في الطيران وهذا كالعذر لهم في التخلف عمن لم يلحقوهم من سرعان الهرّاب.
وأقول: الصحيح ما ذكرته في شرح ابن جني.
وقوله: الوافر
فهم حِزَقٌ على الخَابورِ صَرْعَى ... بهم من شُرْبِ غَيْرِهمُ خُمَارُ
стр. 1044
قال: الحزق: الجماعات؛ أي ظنوا أنهم المقصودون، فهربوا وتفرقوا في الهرب، فصاروا جماعات، فكان الذنب لغيرهم وتعب الهرب لحقهم.
وأقول: لم يرد بذلك تعب الهرب، وإنما ذلك لخوف الطلب، وقد بينه فيما بعده بقوله: الوافر
حِذَارَ فَتىً. . . . . . ... . . . . . .
وقد ذكرته في شرح ابن جني مبينا.
وقوله: الطويل
أيا رامياً يُصْمِي مَرامِهِ ... يُرَبِّي عداهُ ريشَهَا لِسهَامِهِ
قال: أي: أعداؤه يجمعون الأموال والعدد وهو يأخذها فيتقوى بها على قتالهم؛ فكأنهم يربون الريش لسهامه حيث يجمعون المال له. فالريش مثل لأموالهم والسهام مثل له.
وأقول: أن السهام هاهنا مثل لأصحابه وفرسانه، يصفهم بالنفوذ في أوامره، والمضاء في مقاصده، والأقدام في الحرب كقوله: الطويل
. . . . . . ... وأقْدَامُ بين الجَحْفَلينِ من النَّبْلِ
стр. 1045
وقوله: الطويل
أَسِيرُ إلى إقطاعِهِ في ثِيَابهِ ... عَلَى طِرْفِهِ مِنْ دَارِهِ بِحُسَامِهِ
قال: هذا تفصيل ما أجمله النابغة في قوله: الوافر
وما أغْفَلْتُ شُكْرَكَ فانْتَصِحْني ... وكيف ومن عطائِكَ جُلُّ مالي
وقد فصله النابغة أيضا في قوله: الطويل
وإنَّ تلاَدِي إنْ نَظَرْتُ وشِكَّتي ... ورُمْحي وما ضَمَّتْ إليَّ الأناملُ
حِبَاؤُكَ والعيسُ الهجانُ كأنها ... نعاجُ الملا تَرْدي عليها الرَّحَائلُ
وأقول: إن قول النابغة حسن، إلا أن قول أبي الطيب أخصر لفظا وأكثر معنى واصنع وانصع لأنه ذكر الخمسة الأشياء وعدى الفعل إليها بخمسة أحرف الجر من غير حشو حرف ولا زيادته. وهذا التركيب لم يتفق لأحد من الشعراء في هذا المدح الذي لم يمدح بمثله غير سيف الدولة من الكبراء.
وقوله: الطويل
ولا زالتِ الشَّمسُ التي في سمائِهِ ... مُطِالعَةَ الشَّمسِ التي في لِثامِهِ
стр. 1046
قال: قال ابن جني: أضاف السماء إليه، لإشرافها عليه كما قال الآخر: الطويل
إذا كوكَبُ الخَرْقاءِ لاحَ بسُحْرَةٍ ... سُهَيْلٌ أذاعتْ غَزْلَهَا في القَرائبِ
وأقول: هذا ليس بشيء! لأن السماء تشرف عليه وعلى غيره، فالسماء سماء كل أحد لعلوها عليه، وإنما أضافها إليه دون غيره واختصه بالذكر لشرفه كقوله تعالى: (مَن كَانَ عَدُوّاً وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) ومثله كثير. والبيت الذي انشده يصلح أن يكون استشهادا لما ذكرته. وجعل الشمس تطالع شمس لثامه - ويعني وجهه - لتكسب النور منه كقوله في موضع آخر: البسيط
تَكسَّبُ الشمسُ منكَ النورَ طالعةً ... كما تكَسَّبَ منها نُورَهَا القَمَرُ
وقوله: الخفيف
قاسَمَتْكَ المَنُونُ شَخْصَيْنِ جَوْراً ... جَعَلَ القَسْمَ نَفْسَهُ فيه عَدْلاَ
قال: المنون: المنية والدهر، ويجوز تذكيره وتأنيثه.
يقول: قاسمك الموت أو الزمان شخصين؛ يعني أختيه.
стр. 1047
وأقول: لم يستدل على أن المنون الدهر ولا على جواز تذكيره وتأنيثه، والذي يدل عليه قول أبي ذؤيب: الكامل
أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ ... والدَّهْرُ ليس بِمُعْتِبٍ من يَجْزَعُ
فقد روي: ريبها وريبة.
وقوله:
. . . . . . ... والدَّهْرُ ليسَ بمُعْتِبٍ من يَجْزَعُ
يدل على أن المنون الدهر؛ لأنه تفسير للاول، فالتذكير في قوله: وريبة راجع إلى الدهر، والتأنيث راجع إلى الأيام لأنها هي الدهر لقوله: الطويل
هل الدَّهْرُ إلاَّ ليلة ونهارها ... وإلاَّ طلوع الشمس ثم عيارها
. . . . . . صفة للمذكر والمؤنث، والمعنى على هذا التفسير في المنون واحد.
وقوله: الخفيف
قارَعَتْ رُمْحَكَ الرِّماحُ ولكن ... تَرَكَ الرَّامِحِينَ رُمْحُكَ عُزْلاَ
стр. 1048
قال: أي: غلبتهم حتى سلبت رماحهم فتركتهم عزلا لا سلاح معهم.
وأقول: القول الجيد، ما ذكرته في شرح أبي العلاء.
وقوله: الخفيف
وَقِسيٍّ رُمِيتَ عنها فَرَدَّتْ ... في قُلوبِ الرُّماةِ عنك النِّبَالاَ
قال: يقول: رب قسي لهم كانوا يرمونك عنها، فلما هربوا أخذت تلك القسي فقوتلُوا بها ورموا بالسهام عنك، والتقدير: فردت عنك النصال في قلوب الرماة الذين كانوا يرمونك.
وأقول: الأحسن أن يكون ضرب القسي والنبال مثلا للمكائد وما يصدر عنها من
الأذى؛ أي: أعدوا لك مكائد بالأذى فعادت إليهم.
وقوله: الخفيف
أخَذُوا الطُّرْقَ يقطعون بها الرُّسْ ... لَ فكانَ انقطاعُهَا إرسَالاَ
стр. 1049
قال: يقطعون بتلك الطرق عن النفاذ إلى سيف الدولة، لئلا يبلغه الخبر أنهم يقصدون الحدث فلما أبطأت الأخبار وتأخرت عن عادتها، تطلَّع سيف الدولة لما وراء ذلك فوقف على الأمر فكان الانقطاع كالإرسال.
قال: وهذا كقوله:
قَصَدوا هَدْم سُورها فَبَنَوْهُ ... . . . . . .
وأقول: لم يرد قطع الأخبار وإبطاءها وتأخرها عن عادتها بقوله:
. . . . . . ... . . . . . . فكانَ انقطاعُها إرسالا
وإنما هذا كما تقول: أردت بذلك الكلام حبس زيد فكان حبسه اطلاقه؛ أي: حبسه الذي أردته ولم يقع؛ أي: كان سببا له وذلك من حسن المجاز. وكذلك قوله: انقطاع الأخبار ارسالها؛ أي: لم يقدروا على قطعها وقتا من الأوقات لشدة تيقظ سيف الدولة ورعايته للأمور وضبطه وحفظه لها.
وهو كما قال:
قَصَدوا هَدْم سُورها فَبَنَوْهُ ... . . . . . .
كأنه قال: فكانوا سبب بنائه، فكذلك يقال في الأخبار، وهو أبلغ من قطعهم الأخبار بحفظهم الطرق وتطلع سيف الدولة وتنبيهه من ذات نفسه.
وقوله: الخفيف
أبصَرُوا الطَّعْنَ في القلوبِ دِرَاكاً ... قبلَ أن يُبْصِروا الرِّماحَ خَيَالاَ
стр. 1050
قال: فيه تقديم وتأخير؛ لأن المعنى ابصروا الطعن في القلوب دراكا خيالا قبل أن يبصروا الرماح؛ أي: لشدة خوفهم وتصورهم ما صنعت بهم قديما رأوا الطعن
متداركة متتابعة في قلوبهم تخيلا قبل أن يروا الرماح.
وأقول: ليس في الكلام تقديم ولا تأخير كما ذكر، ولكن الكلام جار على سننه! والمعنى أنهم لشدة خوفهم منك أبصروا طعنك في قلوبهم متدراكا قبل أن يبصروا رماحك خيالا؛ أي: قبل أن يتخيلوها على بعد، وهو مثل قوله: الوافر
يَرَى في النَّومِ رُمْحَكَ في كُلاَهُ ... ويَخْشَى أنْ يَراهُ في السُّهادِ
وقوله: الخفيف
وإذا حاوَلَتْ طِعَانَكَ خَيْلٌ ... أبْصَرَتْ أذْرُعَ القَنَا أَمْيَالاَ
قال: يقول: الأعداء إذا أرادوا طعانك رأوا اذرع القنا لطولها وسرعة وصولها إليهم أميالا.
وقال ابن جني: ذلك لشدة الرعب.
قال: وهو كقوله تعالى: (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ).
هذا كلامه.
стр. 1051
أمَّا شِدَّةُ الرُّعْبِ فلَهُ وَجْهٌ.
وأمَّا احتجاجُهُ بالآية فَخَطأ.
وأقول: لم يبين وجه الخطأ، وأرى أن قول ابن جني صواب؛ وذلك أن الخائف يرى البعيد قريبا، والصغير كبيرا، فما يمنعه أن يرى القصير طويلا؟ ولم يرد ابن جني أن الذراع مثليه على الحقيقة حتى يدخل عليه إنه جعل الذراع ميلا، والميل أذرع كثيرة، بل يريد أن الخائف يرى الشيء أكبر مما هو، ويرى القليل أكثر مما هو عليه، وسواء كان ذلك مثليه أو أمثاله وذلك على قدر الخوف.
وقوله: الخفيف
ووجوهاً أخافَهَا منكَ وَجْهٌ ... تركَتْ حُسْنَهَا له والجَمالاَ
قال: قوله: ووجوها عطف على الأيدي من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، لأنه
ليس يريد: وينفض وجوها والمعنى ويغير وجوها؛ أي يغير ألوانها ويصغرها ومعنى أخافها: أخاف أصحابها.
стр. 1052
فيقال له: فإن كان أخافها بمعنى أخاف أصحابها، واستعمال ذلك كثير كقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) وقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) وأشباه ذلك. فما المانع أن تُعطف ووجوها على أبديا من حيث اللفظ والمعنى، ولا يحتاج إلى تقدير فعل غير الأول عاملا في المعطوف، وذلك ظاهر لا خفاء فيه؟
وقوله: الخفيف
أقسَمُوا لا رأوكَ إلا بقَلْبٍ ... طَالما غَرَّتِ العُيونُ الرِّجالاَ
قال: قوله: إلا بقلب أي: إلا والقلب معهم؛ يريد: حلفوا ليحضرن عقولهم، وليعملن أفكارهم في ذلك.
قال: طالما غرت العيون الرجال، أي: كذبهم عنك كثيرا ما رأوه بعيونهم مما يوهمهم أنهم يقاومونك.
وأقول: إن هذا المثل في قوله:
. . . . . . ... طالما غَرَّتِ العُيونُ الرِّجالاَ
لم يرد به سيف الدولة وحده والروم كما ذكره من كثرة ما غرتهم أعينهم مما يوهمهم مقاومته، ولكن هذا مثل لكل أحد. يقول: هؤلاء الروم لحزمهم وجدهم وشدة بأسهم وأقدامهم، اقسموا لا رأوك إلا بقلوبهم دون أعينهم؛ فإن العيون قد تغر الرجال بأن تخطئ في إدراك المرئي بالزيادة والنقص في إدراك الصغير كبيرا؛ كالجسم الذي تراه في قعر الماء الصافي، وإدراك الكبير صغيرا كرؤية الكواكب والجبال على بعد.
стр. 1053
وقوله: الخفيف
أيُّ عَيْنٍ تأمَّلَتْكَ فَلاقَتْ ... كَ وطَرْفٍ رَنَا إليكَ فآلاَ
قال: هذا متناقض الظاهر لأنه ينكر أن تمسكه عين تديم إليه النظر في المصراع الأول، وفي الثاني ينكر أن يعود طرف رنا إليه ولم يشخص.
قال: والمعنى يحمل على عيون الأعداء والاولياء، فعين العدو لا تليقه؛ لأنه لا يديم النظر إليه هيبة له. وعين الولي تتحير فيه فتبقى شاخصة فلا تؤول إلى صاحبها. وهذا مما لم يتكلم فيه أحد.
فيقال له: قولك: هذا مما لم يقله أحد مسلّم، وليس لاقتك من لاق كما ذكرت، ولكن من لاقى لأنه في ذكر الحرب والقتال. يقول: أي عين تأملتك في الحرب فلاقتك ولا تهرب منك؟ أي: ذلك بعيد، وأي طرف رنا إليك فآل؛ أي رجع سالما ولم يذهب ويهلك؟ ويعني بالعين والطرف صاحبهما، وهذا استفهام بمعنى الإنكار والنفي.
وقوله: الخفيف
غَصَبَ الدهرَ والملوكَ عليها ... فَبنَاهَا في وَجْنَةِ الدهر خَالاَ
قال: يعني استنقذها من أيدي الدهر والملوك؛ يقال: غصبته على كذا: أي: قهرته
стр. 1054
عليه، وقوله:
. . . . . . ... . . . . . . في وَجْنَة الدهر خَالا
يجوز أن يريد به الشهرة، كشهرة الخال في الوجنة، ويجوز أن يريد ثبوتها ورسوخها فيكون كقول مزرد: الطويل
فمن أرْمِهِ منها بسَهْمٍ يَلُحْ بهِ ... كشامَةِ وَجْهٍ ليس للشَّامِ غَاسِلُ
وأقول: ويجوز أن يكون أراد حسّن الدهر بها، كما يحسّن الخد، وهو الأولى، ويدل عليه ما يعده من قوله: الخفيف
فهيَ تَمْشي مَشْيَ العَروسِ اخْتِيَالاً ... وتَثَنَّى على الزَّمانِ دَلالاَ
وقوله: الخفيف
وَظُباً تَعْرِفُ الحَرَامَ من الحِ ... لِّ فَقَدْ أفْنَتِ الدِّمَاَء حَلاَلاَ
قال: قال ابن جني: هذا مثل ضربه؛ أي سيوفه معودة للضرب؛ أي تعرف بالدربة الحلال من الحرام.
стр. 1055
وقال ابن فورجة: العادة والدربة ليستا مما يعرف به الحلال والحرام في الناس فكيف فيما لا يعقل! وإنما يعني أن سيف الدولة غاز للروم وهم كفار فلا يقتل إلا من حل دمه ونسب ذلك إلى سيوفه.
هذا كلامه.
وأظهر مما قاله أن يقال: إنما عنى بمعرفة الحلال والحرام أصحابها، فكأنه قال: وذوي ضبا يعرفون الحرام من الحلال، فلما حذف المضاف عاد الكلام إلى المضاف إليه.
وأقول: الأحسن من قال ابن فورجة: وأن يحمل الكلام على المجاز بجعل ذلك للسيوف دون أصحابها، لأن به تحصل الاستعارة، وتكمل الصناعة، وتختصر الألفاظ، وليس ذلك من باب: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) بلا مرية. ومثله قوله: الطويل
تَحَرَّجَ عن حَقْنِ الدِّماءِ كأنما ... يَرَى قتلَ نَفْسٍ تَرْكَ رأسٍ على جِسْمِ
فإنه صفة لسيف الممدوح، وهو صحيح، لا للممدوح.
وقوله: الكامل
يَقْمُصْنَ في مِثْلِ المُدَى من بَاردٍ ... يَذَرُ الفحولَ وهُنَّ كالخِصْيانِ
следующие страницы →