← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أمَّا شِدَّةُ الرُّعْبِ فلَهُ وَجْهٌ. وأمَّا احتجاجُهُ بالآية فَخَطأ. وأقول: لم يبين وجه الخطأ، وأرى أن قول ابن جني صواب؛ وذلك أن الخائف يرى البعيد قريبا، والصغير كبيرا، فما يمنعه أن يرى القصير طويلا؟ ولم يرد ابن جني أن الذراع مثليه على الحقيقة حتى يدخل عليه إنه جعل الذراع ميلا، والميل أذرع كثيرة، بل يريد أن الخائف يرى الشيء أكبر مما هو، ويرى القليل أكثر مما هو عليه، وسواء كان ذلك مثليه أو أمثاله وذلك على قدر الخوف. وقوله: الخفيف ووجوهاً أخافَهَا منكَ وَجْهٌ ... تركَتْ حُسْنَهَا له والجَمالاَ قال: قوله: ووجوها عطف على الأيدي من حيث اللفظ لا من حيث المعنى، لأنه ليس يريد: وينفض وجوها والمعنى ويغير وجوها؛ أي يغير ألوانها ويصغرها ومعنى أخافها: أخاف أصحابها.

стр. 1052

فيقال له: فإن كان أخافها بمعنى أخاف أصحابها، واستعمال ذلك كثير كقوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ) وقوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ) وأشباه ذلك. فما المانع أن تُعطف ووجوها على أبديا من حيث اللفظ والمعنى، ولا يحتاج إلى تقدير فعل غير الأول عاملا في المعطوف، وذلك ظاهر لا خفاء فيه؟ وقوله: الخفيف أقسَمُوا لا رأوكَ إلا بقَلْبٍ ... طَالما غَرَّتِ العُيونُ الرِّجالاَ قال: قوله: إلا بقلب أي: إلا والقلب معهم؛ يريد: حلفوا ليحضرن عقولهم، وليعملن أفكارهم في ذلك. قال: طالما غرت العيون الرجال، أي: كذبهم عنك كثيرا ما رأوه بعيونهم مما يوهمهم أنهم يقاومونك. وأقول: إن هذا المثل في قوله: . . . . . . ... طالما غَرَّتِ العُيونُ الرِّجالاَ لم يرد به سيف الدولة وحده والروم كما ذكره من كثرة ما غرتهم أعينهم مما يوهمهم مقاومته، ولكن هذا مثل لكل أحد. يقول: هؤلاء الروم لحزمهم وجدهم وشدة بأسهم وأقدامهم، اقسموا لا رأوك إلا بقلوبهم دون أعينهم؛ فإن العيون قد تغر الرجال بأن تخطئ في إدراك المرئي بالزيادة والنقص في إدراك الصغير كبيرا؛ كالجسم الذي تراه في قعر الماء الصافي، وإدراك الكبير صغيرا كرؤية الكواكب والجبال على بعد.

стр. 1053

وقوله: الخفيف أيُّ عَيْنٍ تأمَّلَتْكَ فَلاقَتْ ... كَ وطَرْفٍ رَنَا إليكَ فآلاَ قال: هذا متناقض الظاهر لأنه ينكر أن تمسكه عين تديم إليه النظر في المصراع الأول، وفي الثاني ينكر أن يعود طرف رنا إليه ولم يشخص. قال: والمعنى يحمل على عيون الأعداء والاولياء، فعين العدو لا تليقه؛ لأنه لا يديم النظر إليه هيبة له. وعين الولي تتحير فيه فتبقى شاخصة فلا تؤول إلى صاحبها. وهذا مما لم يتكلم فيه أحد. فيقال له: قولك: هذا مما لم يقله أحد مسلّم، وليس لاقتك من لاق كما ذكرت، ولكن من لاقى لأنه في ذكر الحرب والقتال. يقول: أي عين تأملتك في الحرب فلاقتك ولا تهرب منك؟ أي: ذلك بعيد، وأي طرف رنا إليك فآل؛ أي رجع سالما ولم يذهب ويهلك؟ ويعني بالعين والطرف صاحبهما، وهذا استفهام بمعنى الإنكار والنفي. وقوله: الخفيف غَصَبَ الدهرَ والملوكَ عليها ... فَبنَاهَا في وَجْنَةِ الدهر خَالاَ قال: يعني استنقذها من أيدي الدهر والملوك؛ يقال: غصبته على كذا: أي: قهرته

стр. 1054

عليه، وقوله: . . . . . . ... . . . . . . في وَجْنَة الدهر خَالا يجوز أن يريد به الشهرة، كشهرة الخال في الوجنة، ويجوز أن يريد ثبوتها ورسوخها فيكون كقول مزرد: الطويل فمن أرْمِهِ منها بسَهْمٍ يَلُحْ بهِ ... كشامَةِ وَجْهٍ ليس للشَّامِ غَاسِلُ وأقول: ويجوز أن يكون أراد حسّن الدهر بها، كما يحسّن الخد، وهو الأولى، ويدل عليه ما يعده من قوله: الخفيف فهيَ تَمْشي مَشْيَ العَروسِ اخْتِيَالاً ... وتَثَنَّى على الزَّمانِ دَلالاَ وقوله: الخفيف وَظُباً تَعْرِفُ الحَرَامَ من الحِ ... لِّ فَقَدْ أفْنَتِ الدِّمَاَء حَلاَلاَ قال: قال ابن جني: هذا مثل ضربه؛ أي سيوفه معودة للضرب؛ أي تعرف بالدربة الحلال من الحرام.

стр. 1055

وقال ابن فورجة: العادة والدربة ليستا مما يعرف به الحلال والحرام في الناس فكيف فيما لا يعقل! وإنما يعني أن سيف الدولة غاز للروم وهم كفار فلا يقتل إلا من حل دمه ونسب ذلك إلى سيوفه. هذا كلامه. وأظهر مما قاله أن يقال: إنما عنى بمعرفة الحلال والحرام أصحابها، فكأنه قال: وذوي ضبا يعرفون الحرام من الحلال، فلما حذف المضاف عاد الكلام إلى المضاف إليه. وأقول: الأحسن من قال ابن فورجة: وأن يحمل الكلام على المجاز بجعل ذلك للسيوف دون أصحابها، لأن به تحصل الاستعارة، وتكمل الصناعة، وتختصر الألفاظ، وليس ذلك من باب: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) بلا مرية. ومثله قوله: الطويل تَحَرَّجَ عن حَقْنِ الدِّماءِ كأنما ... يَرَى قتلَ نَفْسٍ تَرْكَ رأسٍ على جِسْمِ فإنه صفة لسيف الممدوح، وهو صحيح، لا للممدوح. وقوله: الكامل يَقْمُصْنَ في مِثْلِ المُدَى من بَاردٍ ... يَذَرُ الفحولَ وهُنَّ كالخِصْيانِ

стр. 1056

قال: يقول: هذه الخيل تثب في هذا النهر الذي هو كالمدى بضرب الريح اياه حتى صيرته طرائق كأنها مدى. وأقول: لم يرد بذلك شكل الماء؛ وإنما أراد حدته بشدة برده، فجعله كالمدى لمّا كان يقلص خصي الفحول فيجعلها كالخصيان. وقوله: الكامل يَغْشَاهُمُ مَطرُ السَّحابِ مُفَصَّلاً ... بِمُثَقَّفٍ ومُهَنَّدٍ وسِنَانِ قال: يعني أن وقع السلاح بهم، كوقع المطر يأتي دفعة دفعة، وأراد بالسحاب الجيش وبالمطر الوقعات التي تقع بهم من هذه الأسلحة التي ذكرها، وهي تقع بهم مفصلة لأنهم يضربون تارة بالرماح وتارة بالسيوف. وأقول: الأظهر؛ إن القتال كان في يوم مطر، وجعل قطر السحاب يهمي عليهم بمنزلة العقد، وهو مفصل بما ذكره من رمح وسيف وسنان كما يفصل العقد من الدر بغيره من الجوهر، وهذا من أحسن التشبيه وأغرب البديع. وقوله: الكامل رفَعَتْ بك العُرْبُ العِمَادَ وصَيَّرَتْ ... قِمَمَ الملوكِ مَوَاقِدَ النِّيرانِ

стр. 1057

أي: قاتلوا الملوك وأوقدوا على رؤوسهم نار الحرب. وأقول: لم يرد نار الحرب، وإنما أراد نار الحطب؛ أي: جعلت رؤوس الملوك أثافي القدور، موضع الأثافي من الحجارة؛ يصف عز العرب به وقهرهم وغلبهم من سواهم من الملوك حتى فعلوا بهم ذلك. وقوله: البسيط ولَّى صوارِمَهُ إكْذَابَ قولِهِمُ ... فهنَّ ألسِنَةٌ أفواهُهَا القِمَمُ قال: ولى سيف الدولة سيوفه أن تكذبهم فيما قالوا من الصبر على القتال، فكذبتهم بقطع رؤوسهم، وجعلها كالألسنة تعبر عن تكذيبهم، وأمّا جعلها ألسنة جعل رؤوسهم كالأفواه لأنها تتحرك في تلك الرؤوس. وأقول: إن كان أراد الرؤوس تبريتها عن الأجسام فلا يحسن التشبيه بأن تجعل أفواها للسيوف التي هي كالألسنة. وإن كان أراد بالقطع الشق فيها والتفليق منها فذلك أحسن، لأن بذلك تصير كالأفواه وهي فيها كالألسن، فلا يصلح التمثيل وتكمل الاستعارة وتتحرك، كما ذكر في تلك الرؤوس، إلا على هذا التقدير، وهذا موضع لا يتنبه له إلا من نزع إلى هذه الصناعة بعرق وضرب فيها بقدح.

стр. 1058

وقوله: البسيط والنَّقْعُ يأخُذُ حَرَّاناً وبُقْعَتَها ... والشَّمسُ تُسْفِرُ أحْيَاناً وتَلْتَثِمُ قال: حران على بعد من سروج؛ يعني أن الغبار وصل إليها لعظم الحرب. وأقول: إنه توهم بالبيت الذي قبله، وهو قوله: البسيط فَلَمْ تُتِمَّ سَرُوجٌ فَتْحَ ناظِرِهَا ... إلاَّ وجيشُكَ في جَفْنَيْهِ مُزْدَحِمُ إنه كان قتال على سروج، وإن النقع لقوته واشتداده يصل منها إلى حران وبقعتها، وليس الأمر كذلك، بل حران وسروج من بلاد سيف الدولة متوسطة في مملكته، فليس النقع لقتال في تلك البلاد، وإنما ذلك صفة لكثرة جيشه في دخوله إلى بلاد الروم، وممره بحران وغيرها من بلاده، ولهذا قال بعده: سُحْبٌ تَمُرُّ بِحصْنِ اللرَّان ممسِكَةً ... وما بهَا البُخْلُ لولا أنَّها نِقَمُ فجعل هذا الجيش، لكثرته، يتوالى كالسحب، وتلك السحب على حصن الران وغيره من بلاده ممسكة لأنها نقم لا نعم وديم، لئلا يؤذيها ويهلكها. والشيخ الواحدي لا شك إنه غر من هذه البلاد لبعده عنها، فكان ينبغي - إذ لم يحققها - أن لا يفسرها ولا يتعرض لذكرها! وقوله: البسيط وجَاوَزوا أرْسَنَاياً مُعْصِمينَ به ... وكيفَ يَعْصِمُهُمْ ما ليس يَنْعَصِمُ

стр. 1059

قال: يقول: قطعوا هذا النهر ممسكين بقطعه ليعصمهم عنك، وكيف يعصمهم ما ليس ينعصم منك لأنك تقطعه وتركبه بالسفن وراءهم. فيقال له: لا حاجة به، في قطع أرسناس، إلى السفن مع وجود الخيل، ألا ترى إلى قوله قبل هذه القصيدة: الكامل حتى عَبَرْنَ بأرْسَنَاسَ سوابحاً ... . . . . . . وما بعده؟! فما بعد بذلك عهد ولا طال عليه طول، وإلى ما بعده ببيت من قوله، يعني ارسناس: البسيط ضربْتَهُ بصدور الخيل. . . . . . ... . . . . . . والذي يليه: البسيط تَجَفَّلَ الموجُ عن لَبَّاتِ خيلِهمُ ... . . . . . . فإن ذلك قريب منك غير بعيد عنك! وقوله: البسيط وفي أكُفِّهِمُ النَّارُ التي عُبِدَتْ ... قبلَ المَجُوس إلى ذَا اليومِ تَضْطَرِمُ

стр. 1060

قال: يعني السيوف التي كانت مطاعة في كل وقت قبل إن عبدت المجوس النار، وهي نار تضطرم إلى هذا اليوم؛ أي تتوقد وتبرق. وأقول: إنه جعل سيوفه وفضلّها على نار المجوس؛ بأن جعلها قبلها وبعدها في قوله: . . . . . . ... قبلَ المَجُوس إلى ذَا اليوم تَضْطَرِمُ وذلك أن نار فارس انطفأت عند مولد النبي ﷺ كما جاء في الحديث، وهذه النار التي هي السيوف لم تنطفئ بل تضطرم إلى اليوم. وقوله: البسيط وقد تَمَنَّوا غداةَ الدَّرب في لَجَبٍ ... أنْ يُبصروكَ فلمَّا أبْصروكَ عَموا ذكر عن ابن جني في تفسير عموا وجهين: أحدهما: هلكوا وزالت أبصارهم. والثاني: عموا عن الرأي والرشد. قال: وكلاهما ليس بالوجه، وذكر وجها من عنده، وهو: أنهم أرادوا ان يبصروك فلما أبصروك غضت هيبتك أبصارهم وعيونهم فكأنهم عموا.

стр. 1061

وأقول: إن هذا الوجه لا يزيد على الوجه الثاني من شرح ابن جني، وفيه وجه رابع قد ذكرته قبل. وقوله: البسيط تَرُدُّ عنه قَنَا الفُرْسَانِ سَابغةٌ ... صَوْبُ الأسِنَّةِ في أثْنائِها دِيَمُ قال: أي تمنع الرماح من النفوذ فيه درع سابغة، قد تلطخت بالدماء التي تسيل من الأسنة عليها. وأقول: إنه لم يفهم معنى هذه الاستعارة، ولم يرد بصوب الأسنة الدم، وإنما يصف كثرة سقوط الأسنة على درعه فجعل ذلك كالديم في الكثرة. وقوله: البسيط أُجِلُّ قَدْرَكِ أن تُسْمَيْ مُؤَبَّنَةً ... ومن يَصِفْكِ فَقَدْ سَمَّاكِ للعَرَبِ

стр. 1062

قال: مؤبنة: مرثية، من التأبين وهو مدح الميت، أي: أنت أجل من أن تعرفي باسمك، بل وصفك يعرفك بما فيك من المحاسن والمحامد التي ليست في غيرك. وأقول: رواية ابن جني: مؤبنة من التأبين، وروى غيره: مؤنثة وذلك إنه لما قال مبتدئا: البسيط يا أختَ خيْرِ أخٍ يا بنتَ خير أبٍ ... . . . . . . أغناه أن يقول: يا خولة لأنه أجلها عن التسمية بالتأنيث إذ هو دون التذكير، فوصفها بصفات تغني عن التسمية وتقوم مقامها في التعريف بإضافتها إلى خير أخ وخير أب، لأن عنده إذا قيل ذلك عرف أنهما سيف الدولة وأبوه لاشتهارهما بالفضل على الناس. وانتصب مؤنثة بأنها مفعول ثان. ومن قال مؤبنة نصبها على الحال؛ أي: أجل قدرك في حال التأبين وإنما أصفك بصفات تقوم مقام الاسم. وقوله: الخفيف كلَّمَا صَبَّحَتْ دِيَارَ عَدُوٍّ ... قالَ تلكَ الغُيُوثُ هذي السُّيُولُ قال: أي كلما أتت متوالية صباحا للغارة دار عدو، قال العدو: تلك التي رأينا قبل كانت بالإضافة إلى هؤلاء غيوثا عند الإضافة إلى السيول؛ يريد كثرة مواليه.

стр. 1063

وقال ابن جني: هذا مثل: عنى بالغيوث سيف الدولة، وبالسيول مواليه، وذلك إن السيل عن الغيث يكون، كذلك مواليه، به قدروا وغزوا. وأقول: المعنى ما قال ابن جني، ويحتمل أن تكون السيول النعم التي ذكرها قبل؛ تحيي مواليه، وتقتل أعاديه لكثرتها. وقد ذكرت فيه وجها آخر في شرح التبريزي. وقوله: الطويل بِعَزْمٍ يَسِيرُ الجِسْمُ في السَّرجِ راكباً ... به ويَسِيرُ القلبُ في الجسْمِ مَاشِيَا قال: يقول: سرنا بعزم قوي كان الجسم، وهو مقيم في السرج، يسبق السرج، وكان القلب، وهو مقيم في الجسم، يسبق الجسم. وأقول: هذا الذي قاله ليس بشيء! والوجه ما ذكرته في شرح الكندي آخرا. وقوله: الطويل نَجُوزُ عليها المُحْسِنينَ إلى الذي ... نَرَى عندهم إحسَانَهُ والأيَادِيَا

стр. 1064

قال: أي نتخطى على هذه الخيل المحسنين؛ يعني سيف الدولة وعشيرته، إلى الذي يحسن إليهم وينعم عليهم وإنه فوقهم؛ يعني الأسود. وأقول: لم يرد بقوله: نَجُوزُ عليها المُحْسِنينَ. . . . . . ... . . . . . . سيف الدولة وعشيرته، لأن أولئك خلاهم وراءه، وهم البياض والمآقي. وإنما عنى بالمحسنين من عداهم ممن جاوزه بعدهم في ولايته من دمشق إلى مصر. وقوله: البسيط ليتَ الحوادثَ باعَتْني الذي أخَذَتْ ... منِّي بِحِلْمِي الذي أعْطَتْ وتَجْريبي قال: يقول: الحوادث أخذت مني الشباب، وأعطتني الحلم والتجربة، فليتها باعت ما أخذت مني بما أعطت. قال: وهذا من قول ابن جبلة: الكامل وأرَى اللَّياليَ ما طَوَتْ من قُوَّتي ... أدَّتْهُ في عَقْلي وفي إفْهَامي فيقال له: إلا أن فيه زيادة وهو إنه تمنى أن يباع ما أخذ منه، وهو الشباب، بالذي

стр. 1065

أعطيه وهو الحلم والتجربة. وذلك أن حال الشبيبة قد يجد فيه مثل ما أعطيه، ولا يجد في حال الشيب مثل ما اخذ منه، وجعل ذلك توطئة لما اعتزمه من مدح كافور بأنه شاب، وإن عنده ما عند الإنسان من الحلم والتجريب، وهذا من لطيف البديع، ودقيق التوليد والتفريع وحسن التخلص. وقوله: البسيط يَحُطُّ كلَّ طَويلِ الرُّمْحِ حَامِلُهُ ... عن سَرْجِ كلِّ طَويلِ البَاعِ يَعْبُوبِ قال: يقول: حامل خاتمه ينزل الفارس الطويل الرمح من سرج الفرس، وذلك أن الفرس إذا رأى خاتمه سجد له فنزل عن فرسه. وأقول: يحتمل أن يكون حامله فاعلا ومفعولا، والأحسن أن يكون مفعولا صفة أو بدلا من كل طويل الرمح، والفاعل في البيت الأول: البسيط . . . . . . طينُ خَاتَمِهِ ... . . . . . . وذلك إنه إذا رآه حطه عن سرجه هيبة له وخوفا منه، ونفاذا لأمره وانساط قدرته من غير واسطة؛ لأن حامله أن حطه - أعني: كل طويل الرمح - برؤيته إياه فهو

стр. 1066

الأول، وإن حطه بجذبه وإكراهه على النزول فليس بشيء، لأن الأول اسهل وابلغ، وجعل حامله مفعولا بدلا من كل تأكيد لطويل الرمح إنه حامله، واحتراز من ان يكون غير حامله، فحطه مع ذلك أبلغ. وقوله: البسيط ولا يَرُوعُ بمَغْدورٍ به أَحَداً ... ولا يُفَزِّعُ مَوْفُوراً بِمَنْكُوبِ قال: أي لا يغدر بأحد من أصحابه ليروع به غيره، ولا ينكب أحدا بظلم وأخذ مال ليفزع به موفورا، وهو الذي لم يؤخذ ماله أي إنه حسن السيرة. وأقول: لم يكن كافور عند أبي الطيب ولا عند غيره بهذه الصفة، وإنما مدحه بذلك ليلزمه به خوفا على نفسه وماله منه، كما بالغ في مديح عضد الدولة بحفظ الطرق وأمن السبل بقوله: الوافر أُرُوضُ النَّاسِ من تُرْبٍ وخَوْفٍ ... وأرْضٍ أبي شُجاعٍ في أمَانِ وما بعده في ذلك، وهي خمسة أبيات١، والصحيح إنها اربعة، وذلك حذق منه وفطانة به ليؤكده عنده، ويزيده محافظة عليه، وكل ذلك خوفا على نفسه، وإشفاقا على ماله، لما رأى من خشونة تلك البلاد، ووعورة تلك الجبال، ومع ذلك فلم ينج حذر من قدر، والذي خاف منه وقع فيه!

стр. 1067

وقوله: البسيط فُتْنَ المَهَالِكَ حتَّى قالَ قائِلُهَا ... ماذا لَقِينَا من الجُرْدِ السَّراحِيبِ قال: قال ابن جني: أي ضجت المفاوز من سرعة خيلي ونجاتها وقوتها، وعلى ما قال: المهالك: المفاوز. والمعنى أن خيله قطعت المفاوز حتى لو كان بها قائل لقال: ماذا لقينا من هذه الخيل، وتذليلها إيانا بالوطء، وقطعها البعد في سرعة، ونجاتها من غوائل الطرق. وقال ابن فورجة: المهالك إذا أطلقت لم يفهم منها المفاوز، وإنما يفهم الأمور المهلكة، يعني أن هذه الخيل لم يعلق بها شيء من الهلاك، حتى تعجبت المهالك من نجاتها بسلامة منها. هذا كلامه. وآخر البيت يدل على ما قال ابن جني. وأقول: أما قول ابن فورجة: إن المهالك إذا أطلقت لم يفهم منها المفاوز فغير صواب، وذلك لأن المهلكة المفازة، وقد استشهد عليها ببيت معروف وهو قول الخنساء: البسيط ورُفْقَةٌ حَارَ هاديها بمَهْلَكَةٍ ... كأنَّ ظُلْمَتَهَا في اللُّجَّةِ القَارُ ولا خلاف أن الفلاة تسمى مهلكة فجمعها على مهالك وكذلك سميت الفلاة مفازة تفاؤلا بالسلامة والظفر، واشتياقا من التطير بذكر الهلاك، لأن أصلها

стр. 1068

مهلكة. فما ذكره ابن جني وجه حسن، وما ذكره ابن فورجة مثله في الجودة. وأما قول الواحدي: أن آخر البيت يدل على ما قال ابن جني؛ يعني: ولا يدل على ما قال ابن فورجة، فغير سديد لأن قوله: . . . . . . ... مَاذَا لَقِينَا من الجُرْدِ السَّرَاحيبِ يجوز أن يستعار هذا القول للمفاوز، كما ذكر، ويجوز أن يستعار للأمور المهلكة؛ كأنها تقول للخيل: ماذا لقينا منها بتنجيتها من أردنا إهلاكه، وتسليمها من حاولنا إتلافه؛ لأن القول منهما استعارة ومجاز لا حقيقة. وقوله: الطويل أبَى خُلُقُ الدُّنْيَا حَبيباَ تُدِيمُهُ ... فما طَلَبي منها حَبِيباً تَرُدُّهُ قال: تديمه: من فعل الدنيا، وكذلك ترده؛ أي: تدفعه. ويجوز أن يريد: ترده إلى الوصل. فيقال له: الوجه الثاني من الوجهين اللذين ذكرتهما هو الصحيح الجائز، والأول لا يجوز لأن ذلك لا يطلب، والبيت الذي بعده يدل على ما قلت، وهو قوله: الطويل وأسْرَعُ مَفْعُولٍ فَعَلْتَ تَغَيُّراً ... تَكَلُّفُ شِيْءٍ في طباعِكَ ضِدُّهُ يقول: إن الدنيا من طباعها التفرقة بين الأحباء فكيف أروم منها رد الحبيب؛ أي وصله والاجتماع به، وهو ضد طباعها. فترده بمعنى تدفعه لا معنى له.

стр. 1069

وقوله: الطويل ووعدُكَ فِعْلٌ قبل وَعْدٍ لأنه ... نَظِيرُ فَعَالِ الصَّادق القَوْلِ وَعْدُهُ كان كافور وعد أبا الطيب وحلف له ليبلغنه جميع ما في نفسه، لمّا أنشده القصيدة المهموزة يهنئه بالدار، وكان في نفس أبي الطيب الولاية، والارتفاع عن درجة الشعر لكثرة فضله، وعزة نفسه وانفه لمّا أسن وكبر عن قيامه قيام المنشد المستعطي تارة والمستعطف أخرى، وكان لا يطمع بذلك من سيف الدولة ولا يخرجه عن كونه شاعرا. فهذا من بعض أسباب فراقه له، ولم يفارقه من قلة عطاء، لأن اقطاعه له كان كثيرا؛ فهذا مقطعا قرية اسمها بصف، مغلها، كما ذكر، عشرة آلاف دينار، وهذا سوى الإطلاق والخلع التي كانت تصير إليه في كل عام، فحمله البطر والكبر والأنفة من الشعر، على أن فارقه وأوقع في نفسه إنه يصير إلى كافور، وهو أسود خصي، يتلهى به ويخدعه ليوليه بعض الولايات فيتقوى بها فربما غلبه على ما في يده، أو أقام على طاعته فزاد ماله، وارتفع شانه، وعلت منزلته، ورأى سيف الدولة إنه قد زاد عما كان عليه عنده، وارتفع عما كان يسومه منه. فاقتضى كافورا بهذا البيت والأبيات التي بعده، وسامه أن يجربه ببعض أعماله، ويختبره ببعض أشغاله، ليعلم موقعه من حسن التدبير وجودة السياسة، فانعكس عليه قياسه، وانتفض رأيه مما لقي من هوان كافور له بقيامه بين يديه، وتوكيله عليه، وقلة اهتمامه به وكثرة غفلته عنه، أضعاف إكرام سيف الدولة له، وقربه منه! وهذه الأبيات، بل القصيدة من جيد الشعر وحر الكلام.

стр. 1070

وقوله: الطويل فَأحسن وَجْهٍ في الوَرَى وَجْهُ مُحْسِنٍ ... وأيْمَنُ كفٍّ فيهُمُ كفُّ مُنْعِمِ قال: هذا البيت يوري عن هجائه بقبح الصورة، وإنه لا منقبة له يمدح بها غير إنه أن أحسن الإعطاء فوجهه أحسن الوجوه بالإحسان، ويده أيمن الأيدي بالإنعام، وكذلك البيت الذي بعده. وأقول: ليس في هذا البيت ولا الذي بعده تورية عن هجائه بقبح صورته وإنه لا منقبة له يمدحلها، ولا ما يدل على ذلك، ولكن إن كان فيه تعريض له بالعطاء، وتحريض عليه فربما؛ كأنه يقول: لا يشينك سوادك إن كنت محسنا كما ان غيرك لا يزينه بياضه إن كان مسيئا، بل أحسن الوجوه وجه محسن. وقوله: الطويل وما عَدِمَ اللاَّقوكَ بأساً وشِدَّةً ... ولكنَّ من لاقَوْا أشَدُّ وأنْجَبُ

стр. 1071

قال: يقول: لم يعدم هؤلاء الذين لقوك محاربين شجاعة وشدة إقدام، أي كانوا شجعاء اشداء، ولكن أصحابك كانوا أشد منهم وأنجب، وهو كقول زفر بن الحارث: الطويل سَقَيْنَاهُمُ كأساً سَقَوْنَا بِمِثْلِهَا ... ولكنَّهم كانوا على المَوْتِ أصْبَرَا وأقول: إن قوله: ولكن أصحابك كانوا أشد منهم وأنجب ليس بشيء! ولو قال: ولكنك أنت كنت أشد منهم وأنجب، ورد الفعل إليه لكان هو الوجه، وقوله: الطويل ثَنَاهُمْ. . . . . . ... . . . . . . فيما بعد، يدل على ما قلت، ويكون أصحابه في ذلك تبعا له، فلا تجعل لهم دونه. وقوله: الخفيف كلَّمَا أنْبَتَ الزَّمَانُ قَنَاةً ... رَكَّبَ المَرْءُ في القَنَاةِ سِنَابَا

стр. 1072

قال: يقول: إذا انتدب الزمان للإساءة بما جبل عليه صارت عداوة المعادي مددا لقصده فجعل القناة مثلا لما في طبع الزمان، وجعل السنان مثلا للعداوة. وأقول: هذه العبارة غير مرضية، والجيد لو قال: جعل الدهر، بما عرف من غدره بأبنائه، إذا انبت قناة فكأنما أنبتها لأذاهم ولم يقنع أحدنا منه بذلك الأذى حتى زاده بأن ركّب في تلك القناة سنابا، وذلك مثل لعداوة بعضنا بعضا، وهذا البيت تفسير لما قبله من قوله: الخفيف وكأنَّا لم نَرْضَ فِينَا بِرَيْبِ ال ... دَّهْرِ حتَّى أعَانَهُ من أعَانَا وهو من قول الآخر: الطويل أعَانَ عليَّ الدَّهْرَ إذ حَكَّ بَرْكَهُ ... كَفَى الدَّهْرُ لو وكَّلْتَهُ بي كافِيَا وقوله: الخفيف غَيْرَ أنَّ الفَتَى يُلاقِي المَنَايَا ... كَالِحاتٍ ولا يُلاقِي الهَوَانَا قال: يعني إن الحر أحب إليه الموت من أن يلقى ذلا وهوانا. وأقول: إنه هوّن مراد النفوس فيما قبل وحقّره في جنب التعادي والتفاني فيه، ثم استثنى منه ما أفضى تركه إلى هوان، فإن لقاء الموت كالحا دون لقائه.

стр. 1073

وقوله: الوافر زمَلَّنِيَ الفِراشُ وكانَ جَنْبي ... يمَلُّ لِقَاَءهُ في كُلِّ عامِ قال: يعني إن مرضه قد طال حتى مله الفراش، وكان هو يمل الفراش، وإن لاقى جنبه في العام مرة واحدة لأنه أبدا كان يكون في السفر. وأقول: قوله: مرة واحدة ليس بشيء! لأنه لا دليل في الكلام عليه، والمعنى ذكرته في شرح الكندي. وقوله: الوافر إذا ما فَارقَتْني غَسَّلَتَنْي ... كأنَّا عاكِفَانِ على حَرَامِ قال: يريد إنه يعرق عند فراقها فكأنها تغسله لعكوفهما على ما يوجب الغسل، وإنما خص الحرام لحاجته إلى القافية وإلا فالاجتماع على الحرام كالاجتماع على الحلال في وجوب الغسل. وأقول: ليس ذلك لحاجته إلى القافية، وإنما ذلك لمعنى لم يتنبه له، وهو إنه لمّا قال: الوافر وزَائِرَتي كأنَّ بها حَياءً ... فليسَ تَزُورُ إلاَّ في الظَّلامِ أخبر إنها غريبة منه؛ أي: معشوقة له وليست بزوج ولا سرية، فعكوفهما على جماع لا يكون إلا من حرام!

стр. 1074

وقوله: الوافر كأنَّ الصُّبْحَ يَطْرُدُهَا فَتَجْري ... مَدَامِعُهَا بأربْعَةٍ سِجَامِ قال: يعني إنها تفارقه عند الصبح فكأن الصبح يطؤدها، وكأنها تكره فراقه فتبكي بأربعة آماق؛ يريد كثرة الرخصاء، والدمع يجري من المؤقين فإذا غلب وكثر جرى من اللحاظ أيضا فأراد بالأربعة: لحاضين ومؤقين. ولك يعرف ابن جني هذا فقال: أراد الغروب وهي مجاري الدمع، والغروب لا تنحصر بأربعة ذات سجام فحذف المضاف. فيقال له: أما قولك: الدمع يجري من المؤقين فصحيح. وأما قولك: إذا كثر حري من اللحاظ فليس بمعروف، والصحيح ما قال ابن جني وذلك ان لكل عين غربين، فلذلك قال: بأربعة سجام؛ قالت فاطمة الخثعمية: الكامل يا عَيْنُ بَكِّي عند كلِّ صَبَاحِ ... جُودي بأربعةٍ على الجِرَّاحِ تريد العينين.

стр. 1075

وقوله: الطويل لياليَ عند البِيضِ فَوْدايَ فِتْنَةٌ ... وفَخْرٌ وذاكَ الفَخرُ عِنْدِيَ عَابُ قال: تمنيت ذاك ليالي كان رأسي فتنة عند النساء لحسن شعري وسواده، وكن يفتخرن بوصلي وذاك الفخر عيب عندي لأني أعف عنهن، وازهد في وصالهن. وأقول: إن قوله: وكن يفتخرن بوصلي ليس بشيء! وإنما يريد: يفتتن بشعري لحسنه ويرينه فخرا لي لشرفه عندهن بسواده وطوله، وأنا أراه عابا لأنه علامة ومظنة للصبا وذلك يدعو إلى اللهو والجهل، وأنا حينئذ أريد الجد في الأمور، وحسن الذكر، وعلو القدر، وأرى الفخر في ذلك لا في سواه. فقوله: يفتخرن بوصلي لا يدل عليه اللفظ، ولا هو حسن في المعنى لأن النساء لا يفتخرن بذلك. وقوله: الطويل وعن ذَمَلانِ العِيسِ إنْ سَامَحَتْ به ... وإلاَّ فَفِي أكوارِهِنَّ عُقَابُ قال: يقول: أنا غني عن سير الإبل، أن سامحت بالسير سرت عليها وإلا فأنا كالعقاب الذي لا حاجة به أن يُحمل.

стр. 1076

وأقول: هذا الذي ذكره هو قول ابن جني وغيره، وليس بشيء! والمعنى ما ذكرته في شرحه. وقوله: الطويل وغَيْرُ فُؤَادي للغَوَاني رَمِيَّةٌ ... وغَيْرُ بَنَاني للزُّجاجِ رِكَابُ قال في تفسير عجز البيت: بناني لا تصير مركبا للزجاج؛ أي: لا احمل كأس الخمر بيدي. وروى ابن جني: للرخاخ بالخاء معجمة، وقال في تفسير البيت: أي لست ممن يصبو إلى الغواني واللهو بالشطرنج. وقال ابن فورجة: البنان ركاب للقدح، وأما الرخ فالبنان راكبة له في حال حمله. وأيضا فإنها كلمة أعجمية لم تستعملها العرب القدماء الفصحاء. وأيضا فإن التنزه عن شرب الخمر أليق بالتنزه عن الغزل من التنزه عن لعب الشطرنج. فيقال لهما: يجوز أن يكون البنان ركابا للرخ وان كانت فوقه لأنها حاملته ويكون مثل قول بعضهم ملغزا في نعل: المنسرح وَجْرَةٍ أشْتَكي إذا نَقِبَتْ ... تَحْمِلُني ماشِياً وأحْمِلُهَا فاعْجَبْ لها في المَسِيرِ يَعْمَلَةً ... تُعْمِلُني فَوْقَهَا وأُعْمِلُهَا وأما قوله: لم تستعمل هذه اللفظة العرب فيقال له: لاشك أن هذه الآلة كانت

стр. 1077

موجودة مستعملة في زمانهم، لعب بها جماعة من الصحابه، وهم عرب، وكانوا يسمونها بهذه الأسماء المعروفة في قطعها. على إنه يقال: لعل العرب إنما لم تستعمل هذه اللفظة أو الألفاظ لأنها لم تلعب بهذه الآلة وتتعاطاها فتحتاج إلى تسميتها والتعبير عنها، وذلك لا يخرجها من الوجود، ولا يمنع من تسمية هذه الآلة الكثيرة الاستعمال والمعاطاة بأسماء تحصل بها الإبانة والفائدة فتقر على ما وضعها واضعها وإن كان أعجميا، وتكون من جنس الأسماء التي أفقت موافقة الأعجمية فيها العربية نحو يعقوب وإسحاق وما أشبههما. وأما قوله: التنزه عن شرب الخمر أولى من التنزه عن لعب الشطرنج، فيقال له: هو كما قلت إلا أن ابن جني اعتبر قافية البيت الذي يليه وهو قوله: الطويل . . . . . . ... وليسَ لنا إلاَّ بِهنَّ لِعَابُ فرأى أن استعمال لفظ اللعب أكثر وأولى بالشطرنج من اللعب بالأقداح فلذلك اختار الرخاخ، بالخاء، على الزجاج، بالجيم. وقوله: الطويل وأوسَعُ ما تَلْقَاهُ صَدْراً وخَلْفَهُ ... رِمَاءٌ وطَعْنٌ والأمامَ ضِرَابُ قال: قال ابن جني: يقول: أوسع ما يكون صدرا إذا تقدّم في أول الكتيبة يضرب بالسيف وأصحابه من ورائه ما بين طاعن ورام.

стр. 1078

قال ابن فورجة: جعل ابن جني الرماء والطعن من أصحاب الممدوح، ولا يكون هناك كثير مدح؛ لأن كل أحد إذا كان خلفه من يرمي ويطعن من أصحابه؛ فصدره واسع وقلبه مطمئن. وإنما أراد: خلفه رماء وأمامه طعن من أعدائه، وإنما المعنى: فإذا كان في مضيق من الحرب قد أحاط به العدو من كل جانب، لم يضجر، ولم يعد ذلك لضيق صدره. فيقال له: الذي قاله ابن جني صحيح، والذي اعترضه ابن فورجة ليس بشيء، وذلك أن الرماء والطعن إذا كان خلفه من أصحابه في أعدائه، فلا بد أن يكون بعض أعدائه خلفه أيضا، فهو أمامهم متقدم يضرب بالسيف من هو قدامه وهم متأخرون عنه يطاعنون ويرامون. ولم يرد أبو الطيب ولا ابن جني إنه متقدم وأصحابه يتبعونه من ورائه محامين ومدافعين عنه؛ هذا لا طائل فيه وإنما في هذا الكلام تفضيل الممدوح بإفراط تقدمه على أصحابه ضاربا بالسيف وتأخرهم عنه مطاعنين ومرامين، وإشارة إلى قول زهير، وإن انحط عنه: البسيط يَطْعَنُهُمْ في الوَرَى إذا اطَّعَنُوا ... ضارَبَ حتى إذا ما ضَارَبُوا اعْتَنَقَا وأما قوله: وخلفه رماء وأماه طعن فليس ذلك في الكلام، ولا يكون هذا مثل قوله: مجزوء الكامل

стр. 1079

يا ليتَ زَوْجَكِ قد غَدَا ... متَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحَا لأن الكلام تام على ما ذكر فلا حاجة به إلى التقدير كحاجة ذلك، ولا يجوز ذلك مع الإلباس. وقوله: الطويل أرَى لي بِقُرْبي منكَ عَيْناً قَرِيرَةً ... وإنْ كانَ قُرْباً بالبِعَادِ يُشَابُ قال: يقول: عيني قريرة بالقرب منك لحصول مرادي، وإن كان هذا القرب مستويا بالبعاد عن الوطن والأحبة. وأقول: لم يرد ما فسره، من إنه مشوب بالبعاد عن الوطن والأحبة، ولكنه مشوب بالبعاد عما وعده إياه وأطمعه به من الإقطاع والولاية، وهو قوله: الطويل إذا لم تُنِطْ بي ضَيْعَةً أو ولايةً ... فجودُكَ يَكْسُوني وشُغْلُكَ يَسْلُبُ والبيت الذي بعده يدل على ما قلته وهو قوله: الطويل وهَلْ نَافِعِي أنْ تُرْفَعَ الحُجْبُ بَيْنَنَا ... ودونَ الذي أمَّلْتُ منكَ حِجَابُ أي: لا ينفعني قربي منك أن ترفع الحجب بيني وبينك ودون أملى منك حجاب. وأمله منه هي الولاية المشئومة عليه التي لو قدرت له لما قنع فيها بالمتنبي دون التأله!!

стр. 1080

وقوله: البسيط جَازَ الأُلَى مَلَكَتْ كفَّاك قَدْرَهُمُ ... فَعُرِّفُوا بك أن الكَلْبَ فَوْقَهُمُ قال: يقول: هؤلاء الذين تملكهم تجاوزوا قدرهم بالبطر والطغيان فملكت عليهم تحقيرا لهم، ووضعا من قدرهم حين ملكهم كلب. وأقول: يحتمل ان يقال: هؤلاء الذين ملكتهم جازوا قدرهم في الفخر والعلو على الناس، فعُرفوا، أي: بُين لهم بانتمائهم اليك، وبملكك لهم، أن الكلب فوقهم، أي: يعلوهم ويفضلهم، وأن يقال: فبُين لهم إن الذي يملكهم كلب في الخسة والدناءة واللُّؤم، فهذا معنى قوله: الكلب فوقهم. وقوله: فملكت عليهم تحقيرا لهم ووضعا من قدرهم - وهو تفسير: فعُرفوا بك - ليس بشيء! لأنه يدل على أن بطرهم وفخرهم كان قبل تمليكه لهم، وليس كذلك، بل إنما كان منهم بتمليكه لهم فأرادوا به الارتفاع، فحصل لهم الاتضاع فالوجه الصحيح ما فسرته. وقوله: البسيط ما أقْدَرَ اللهَ أنْ يُخْزي خَلِيقَتَهُ ... ولا يُصَدِّقَ قَوْماً في الذي زَعَمُوا

стр. 1081

قال: يقول: الله تعالى قادر على إخزاء الخليقة؛ بأن يملك عليهم اسما ساقطا من غير أن يصدق المُلحدة الذين يقولون بقدم الدهر؛ يشير إلى أن تأمير مثله إخزاء الزمان، والله تعالى فعل ذلك؛ عقوبة لهم، وليس كما تقول الملحدة. وأقول: يحتمل أن يكون أراد بالخليقة اختراع الكذب، ويخزي: يبعد، من قولهم: أخزاه الله؛ يقول: الله - سبحانه - قادر على أن يبعد ولايته المكذوبة، ولا يصدق قوما في قولهم: إنما ثم صانع للعالم، ولو كان ثم صانع لما ولاَّه، أو لما أدام ولايته. وهذا كأن فيه معنى الدعاء عليه كقول الآخر: البسيط ما أقْدَرَ الله أنْ يُدْني على شَحَطٍ ... من دَارُهُ الحَزْنُ مِمَّنْ دَارُهُ صُولُ وقوله: الوافر تَشَابَهَتِ البَهَائمُ والعِبِدَّى ... عَلَيْنَا والمَوالي والصَّمِيمُ قال: العبدى: العبيد. يقول: عم الجهل الناس كلهم؛ الذين هم عبيد الله حتى أشبهوا البهائم في الجهل، وملك المملوكون، فالتبس الصميم، وهو الصريح النسب الخالص، يعني: الأحرار بالموالي وهو الذين كانوا عبيدا ارقاء، وذلك أن نفاذ الأمر يترجم عن علو القدر،

стр. 1082

والإمارة إذا صارت إلى اللئام التبسوا على هذا الأصل بالكرام؛ يعني أن التمليك إنما استحقه الكرام فإذا صار إلى اللئام ظنوا كراما. وأقول: لم يرد بالعبدى جمع الناس الذين هم عبيد الله إنما يريد العبيد الذين هم مماليك. يقول: إن الناس قد تغيرت وفسدت؛ حتى تشابهت العبيد وهم ممن يفهم، بالبهائم التي لا يفهم؛ أي: تساووا في الجهل وعدم الفهم والتحصيل، وتشابهت الموالي وهم المعتقون بالصريحي الأنساب في اللؤم والدناءة. وما ذكره من أن نفاذ الأمر يترجم عن علو القدر. . . . . . إلى آخره غير مرضي. وقوله: الوافر وما أدْري إذا دَاءٌ حَدِيثٌ ... أصَابَ النَّاسَ أمْ دَاءٌ قَدِيمُ؟ قال: يقول: هذا الذي أصاب الناس من تمليك العبيد واللئام عليهم حدث الآن أم هو قديم؟ فيقال له: لم يرد تمليك العبيد واللئام، ولم يجر لذلك ذكر، ولا اشتمل عليه لفظ، وإنما يشير إلى تشابه الأجناس التي ذكرها، والتباسها عليه فقال: وما أدري، وهو يدري، وإنما تجاهل لتأكيد الندم بحصول الاشتباه بينها وهو مثل قول زهير: الوافر وما أدْري وسوفَ إخَالُ أدْري ... أقومٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ

стр. 1083

وقوله: الوافر ولمَّا أنْ هَجَوْتُ رأيتُ عِيّاً ... مَقَالي لابْنِ آوَى يَالَئِيمُ قال: يقول: لما هجوته، وهو ظاهر اللؤم؛ كان نسبتي إياه إلى اللؤم عيا، لأن التكلم بما لا يحتاج فيه إلى بيان عي، ومن قال لابن آوى، وهو من أخس السباع: يا لئيم كان متكلفا. وأقول: قوله: إن التكلم بما لا يحتاج فيه إلى بيان عي حسن، وذلك كمن قال للشمس: هي مضيئة، أو للنار: هي حارة فإن وصفهما بذلك، مع بيانه، بمنزلة العي والخرس إذ لا فائدة فيه للسامع؛ لأنه يعلم ذلك ضرورة. وقوله: ومن قال لابن آوى، وهو من أخس السباع: يا لئيم كان متكلفا ليس بشيء! لأن الأخس هو الأحقر، ولعل في السباع ما هو أحقر منه. ولو قال: وهو من ألأم السباع، للؤم اصله؛ لأنه لا يعرف له أب، وذلك إشارة إلى قول الشاعر: الطويل وما خبرُهُ إلاَّ كآوَى يُرَى ابنُهُ ... ولم يُرَ آوَى في الحُزونِ ولا السَّهْلِ لأصاب المعنى وأحسن العبارة. وقوله: البسيط لا يَقْبِضُ المَوْتُ نَفْساً من نُفُوسِهِمُ ... إلاَّ وفي يَدِهِ من نَتْنِهَا عُودُ

стр. 1084

قال: يقول: لا يباشر الموت بيده قبض أرواحهم؛ تقززا واستقذارا لهم. وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى قد ذكرته أولا وآخرا. وقوله: البسيط العَبْدُ ليسَ لِحُرٍّ صَالحٍ بأخٍ ... لَوَ إنه في ثيابِ الحُرِّ مَوْبودُ قال: يقول: العبد لا يؤاخي الحر لما بينهما من التباعد في الأخلاق، وإن ولد العبد في ملك الحر، وهذا إغراء لابن سيده به! يعني أن الأسود وإن أظهر له الود؛ فليس له بمصاف مخلص. وأقول: يقول لا ينبغي لحر صالح، أن يتخذ عبدا صديقا وأخا ولو ولد في ثيابه؛ أي: نشأ معه وهو طفل على سنه؛ لأن العبد لا تلائم طباعه طباع الحر للؤم أصله. وليس هذا، كما قال، إغراء لابن سيده به، ولكن هذا تبيين لكل أحد، وإشارة من أبي الطيب بذلك إلى نفسه في ترك الاغترار بكافور والركون إلى قوله.

стр. 1085

وقوله: إنَّ امرأً أمَةٌ حُبْلَى تُدَبِّرُهُ ... لَمُسْتَضَامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفْؤودُ قال: جعل الأسود أمة لعدم آلة الرجال، وجعله حبلى لعظم بطنه، وكذا خلقه الخصيان، وهذا تعريض بابن سيده؛ يقول: الذي صار تدبيره إلى من هذه صفته فهو مظلوم مصاب العقل. وأقول: قوله: . . . . . . ... لَمُسْتَضَامٌ سَخِينُ العَيْنِ مَفْؤودُ أي: مستذل، حزين، مصاب الفؤاد. وفسر ابن جني، وتبعه الواحدي، مفؤود ذاهب العقل. قال: كأنه أصيب فؤاده بسهم أو غيره، يقال: فادت الظبي: أفاده؛ إذا أصبت فؤاده. وإصابة فؤاده لا يعبر بها عن ذهاب عقله، ولا يصح هذا إلا على أن يجعل الفؤاد القلب العقل لقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) أي: عقل، هكذا فسر. وليس المعنى في هذا البيت تعريض بابن سيده، ولكن تعريض بنفسه، وإزراء بها في مقامه عنده، ممتثلا أمره، قابلا حكمه، متدبرا رأيه، لا يفارقه فيأبى الضيم، ويأنف من الذل، ولهذا قال فيما بعد: البسيط وَيْلمِّهَا خُطَّةً وَيْلُمِّ قابِلِهَا ... لِمِثْلِهَا خُلِقَ المَهْرِيَّةُ القُودُ

стр. 1086

أي: لمثل هذه الخطة والحالة الصعبة، خُلقت الإبل الكرام؛ يعني: للنجاء عليها، ومفارقة الذل بها، وهذا دليل على ما قلته، وأنه أراد بالضمير في تدبره نفسه لا ابن سيده. ولو نظر الواحدي إلى البيت الثاني وما بعده وتدبره، لم يفسر الأول على ما فسره. وما رأيته، مع حذقه، يتفقد هذه المواضع التي هي أصل التفسير، ليأمن التناقض والاختلاف، بل وقع في كثير منها. وقوله: الطويل لَقَدْ كنتُ الغَدْرَ عن تُوسِ طَيِّىءٍ ... فلا تَعْذُلاني رُبَّ صِدْقٍ مُكَذَّبِ قال: يقول: كنت أقول أن طيئا لا تغدر، ولم تكن آباؤهم غدارين فلا تعذلاني إن غدر هذا لأنه ليس من الأصل الذي يدعي من طيئ. وقوله: . . . . . . ... . . . . . . ربَّ صِدْقٍ مُكَذَّبِ أي: رب صدق يكذبه الناس، يعني: كنت صادقا في نفي الغدر عن طيئ، وإن كذبني الناس لأجل وردان بادعائه إنه من طيئ، ويريد إنه صادق أن وردان ليس من طيئ. ولم يعرف ابن جني هذا فقال: رجع عن نفي الغدر عنهم، وليس في البيت ما يدل على رجوعه عن نفي الغدر.

стр. 1087

فيقال: بل الصحيح إنه ليس في البيت ما يدل على أن وردان ليس من طيئ والذي ذكرته خبط وتخليط، والذي ذكره ابن جني ظاهر، وذلك إنه اقسم لصاحبيه فقال: والله لقد كنت أنفي الغدر عن القدماء من طيئ فلا تعذلاني على ذلك بما ظهر من غدر وردان؛ فأني فيما قلت صادق، والصدق قد يكذب في بعض الأحيان؛ يعني أن القدماء منهم أهل وفاء إلا هذا حدث فيهم؛ يعني وردان فإنه غدَّار. وقوله: المتقارب ألاَ كُلُّ مَاشِيَةِ الخَيْزَلَى ... فَدا كلِّ مَاشِيَةِ الهَيْدَبى وكلِّ نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍ ... خَنُوفٍ ومَا بِيَ حُسْنُ المِشَى قال في تفسير البيت الأول: يقول: فدت كل امرأة تمشي الخيزلي كل ناقة تمشي الهيدبى، وذلك وهم لأن الهيدبى من مشى الخيل، قال امرؤ القيس: الطويل على كُلِّ مَقْصُوصِ الذُّنابَى مُعَاوِدٍ ... بَرِيدَ السُّرَى في اللَّيلِ من خَيْلِ بَرْبَرْا إذا رُعْتَهُ من جانِبَيْهِ كِلَيْهِمَا ... مَشَى الهَيْدبَى في دَفِّهِ ثم فَرْفَرا

стр. 1088

وقال في تفسير البيت الثاني: يقول: لا أحب مشية النساء؛ وما بي إلى ذلك ميل، وإنما أحب كل ناقة خفيفة المشي. وأقول: لو أن المعنى على ما ذكر من إنه لا يحب مشى النساء، ويحب مشي الجمال لقال في البيت الثالث: لأنهن ولم يقل ولكنهن. والمعنى إنه لما قال: ألا كُلُّ ماشِيَةِ الخَيْزَلَى ... . . . . . . ويعني بذلك النساء: . . . . . . ... فِدَا كُلِّ مَاشِيَةِ الهَيْدَبَى ويعني بذلك الخيل، وفدى كل نجاة بجاوية خنوف، وهي الناقة التي ترمي بيديها إلى وحشيها، والخناف: ضرب من مشي الإبل، قال الأعشى: الطويل أجَدَّتْ بِرِجْلَيْها نجاءً وَراجَعَتْ ... يَداهَا خِنَافاً لَيِّناً غيرَ أحْرَدَا وهو يرى أن مشي الخيل عنده ومشي الإبل أحسن من مشى النساء لجده في الأمور وطلبه للمعالي وتركه للهو والغزل، قال: . . . . ... . . . . . . ومَا بِيَ حُسْنُ المِشَى أي: ما قصدي ومرادي حسن المشى وتفضيلي للخيل عليهن في ذلك، ولكن لما هو أحسن وأفضل من ذلك وهو ما استدركه من قوله: المتقارب ولكِنَّهُنَّ حِبَالُ الحياة ... وكَيْدُ العُداةِ ومَيْطُ الأذَى وقد وهو في اعتقاده أن الهيدبى من مشي الإبل، وذلك لما رآه قد عطف قوله:

стр. 1089

وكل نَجَاةٍ بُجَاوِيَّةٍ ... . . . . . . وهي من صفات الإبل، على قوله: . . . . . . ... . . . . . . ماشِيَةِ الهَيْدَبَى توهم إنه عطف لتأكيد الوصف للإبل وذلك خطأ لما ذكرته. وقوله: المتقارب وشِعْرٍ مَدَحْتُ به الكَرْكدَنْ ... نَ بين القَرِيضِ وبين الرُّقَى قال: يقول: هو شعر من وجه ورقية من وجه، لأني كنت أرقبه لأخذ ماله. وأقول: الجيد لو قال: لأسلم منه، كذات السموم التي ترقى خوفا من أذاها. وقوله: المتقارب فما كانَ ذلك مَدْحاً لَهُ ... ولكنَّهُ كانَ هَجْوَ الوَرَى قال: يقول: لم يكن ذلك الشعر مدحا له، ولكنه كان في الحقيقة هجوا للخلق كلهم حيث أحوجوني إلى مدحه. وقال ابن جني: إذا كانت طباعه تنافي طباع الناس كلهم سفالا ثم مدح فذلك

стр. 1090

هجوهم لأن فيه إرغامهم، ومدحا لما ينافي طباعهم. فيقال له: هذا ليس بشيء! والقول غير قولك وقول ابن جني، وهو ما ذكرته في شرح الكندي. وقوله: البسيط وإنْ تَكُنْ مُحْكماتُ الشُّكْلِ تَمْنَعُني ... ظُهورَ جَرْيٍ فلي فيهنَّ تَصْهَالُ قال: يقول: إن لم تكن عندي مكافأة بالفعل؛ فعندي مكافأة بالقول. والمعنى: إن لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور؛ فإني أمدحك إلى أوان، ذلك كما أن الجواد إذا شكل عن الحركة صهل شوقا إليها. وكان فاتك يسر خلاف الأسود، وينطوي على بغضه ومعاداته، وكان أبو الطيب يحبه ويميل إليه ولكن ليس يمكنه إظهار ذلك خوفا من الأسود. وأقول: الجيد أن يقال: إنه يقول: إن لم أقدر على مهاداتك ومجازاتك بالبذل والعطاء، لعلو قدرك، وعظم شأنك، وضيق مالي عن ذلك، فجعل نفسه جوادا،
следующие страницы →