Полный текст (1 138 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
قال: وقوله:
. . . . . . . . . لَخِلْتُ الأكْمَ مُوغَرَةَ الصُّدُورِ
يحتمل أمين: أحدهما: أنه يريد أن الأكم تنبو به فلا يستقر فيها، ولا تطمئن به فكأنه ذلك لعداوة بينهما.
والآخر، وهو الوجه: أن يكون أراد شدة ما يقاسي فيها من الحر والبرد، وأنها
موغرة الصدور من شدة حرارتها، ويؤكد هذا قوله في هذه القطعة أيضا: (الوافر)
. . . . . . . . . وأَنْصِبُ حُرَّ وَجْهي للهَجِيرِ
وذكر الواحدي عن ابن فورجة تزييف الوجهين؛ بأن قال: لم يرد أن يستقر في الأكم فتنبو به وبئس ما يختار لداره ومقامه، وكيف خص الأكم بشدة الحر، والمكان الضاحي للشمس أولى بالحر؟ وللأكم ظل فهي أبرد من المكان الذي لا ظل فيه.
ثم إنه ذكر وجها ثالثا ليس يحسن كالوجهين الأولين يذكر في شرح الواحدي.
وأقول: إنما خص الأكم، ويريد بها الجبال، وجعلها موغرة الصدور لحسدها له حيث يفضلها في العلو والثبات والرصانة، وقوله: كل شيء أطلق وأراد التخصيص أي: كل شيء حسن عال غال، كقوله - تعالى: (وأوتيت من كل شيء).
стр. 107
وقوله: (الوافر)
ولو كُنْتَ امْرءاً يُهْجَى هَجَوْنا ... ولكِنْ ضَاقَ فِتْرٌ عن مَسِيرِ
قال: أي لست ممن يستحق الهجاء.
وأقول: هذه عبارة ناقصة، والمعنى: أنت أقل من أن تهجى، كما أن الفتر أضيق من أن يسار فيه؛ كأنه يقول: ليس لك (عرض)، وإنما يهجى من له عرض.
وقوله: (الطويل)
ذَرِ النَّفْسَ تأخُذْ وُسْعَهَا قبلَ بَيْنِهَا ... فمُفْتَرِقٌ جَارانِ دَرُهُمَا عُمْرُ
(قال: أي: إنما النفس مجاورة لهذا الجسم مدة العمر، ثم يفترقان إذا فني العمر.)
وأقول: فسر عجز البيت، وعجز أن يفسر صدره وهو: دع نفسك تأخذ ما تطيق مما تريد من لذة أو مال أو حرب؛ فإنها غير باقية مع الحسد.
стр. 108
وقوله: (الطويل)
إذَا الفَضْلُ لم يرفَعْكَ عن شُكْرِ نَاقِصٍ ... عَلَى هِبَةٍ فالفَضْلُ فِيمَن له الشُّكْرُ
قال: أي: إذا اضطرتك الحال وشدة الزمان إلى شكر الأصاغر من الناس على ما تتبلغ به إلى إمكان الفرصة، فالفضل فيك ولك، لا للممدوح المشكور.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء!
وقال الواحدي: قال أبو الفضل العروضي: يقول أبي الطيب: الفضل فيمن له الشكر، ويقول أبو الفتح: الفضل فيك ولك فيغير اللفظ ويفسد المعنى، وإنما أوقعه في ذلك أنه توهم قوله، فالفضل فيمن له الشكر أنه الشاكر، وإنما هو المشكور. والذي أراد أبو الطيب أن الفضل إذا لم يرفعك عن شكرك الناقص على هبة، فالناقص هو الفاضل؛ يشير إلى الترفع عن هبة الناقص لئلا يلتزم شكره.
وقوله: (الطويل)
وكَمْ من جِبَالِ جُبْتُ تَشْهَدُ أنَّني ال ... جِبَالُ وبَحْرٍ شَاهِدٍ أَنَّي البَحْرُ
لم يفسر البيت لظهوره.
إلا أن قوله: أنني البحر يسبق إلى الوهم أنه في الجود، ولم يكن أبو الطيب
стр. 109
ليدعي ذلك، ولا يدعى له، وإنما أراد: في العلم.
وأقول: لو كان (قال):
وكم من جِبَالٍ جُبْتُ تَشْهَدُ أنَّني ... أخُوهَا. . . . . . . . .
لكان (أقل كلفة، وأوقع تشبيها،) وأحسن من الإدماج في البيت، وتشبيه الواحد بالجمع. ولكنه لما قال:
. . . . . . . . . . . . . وبَحْرٍ شَاهدٍ أنَّني البَحْرُ
أراد أن يكون الأول مثل الآخر في ازدواج اللفظ فأوقعه في ذلك، والتكلف ظاهر فيه مع سوء التشبيه.
وقوله: (الطويل)
وخَرْقٍ مكانُ العِيسِ منهُ مَكَانُنَا ... مِنَ العِيسِ فيه واسِطُ الكُورِ والظَّهْرُ
قال: ومعنى البيت: أن هذه الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق، وهو المتسع من الأرض، ليست تذهب فيه ولا تجيء، وذلك لسعته، فكأنها ليست تبرح منه كما قال آخر في صفة خرق: (الرجز)
يُمْسِي به القَوْمُ بِحَيْثُ أَصبْحَوا
стр. 110
أي: فكما أنا نحن في ظهور هذه الإبل، فكذلك هي، كأن لها من أرض هذه الخرق كورا وظهرا، فقد أقامت به لا تبرحه.
وأقول: هذا كلام من لم يشم رائحة هذا المعنى فضلا عن أن يذوقه! وهو ما قاله الواحدي، ويقوله كل من له أدنى تأمل!: أنه توسط هذا الخرق راكبا ظهر البعير في جوزه، فمكانه من ظهر البعير من الخرق. والمعنى: نحن في وسط ظهور الإبل والإبل في وسط الخرق، ولم يتعرض في هذا البيت لوقوفها ولا لبراحها، ثم ذكر سيرها في البيت الثاني.
وقوله: (الطويل)
ولا يَنْفَعُ الإمكانُ لولا سَخَاؤه ... وهَلْ نَافِعٌ لولا الأكُفُّ القَنَا السُّمْرُ
قال: يقول: لولا سخاؤه لما انتفع الناس بإمكانه؛ لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا ينفع، كما أن القنا لو لم تحفزها الأكف لم تقتل.
وأقول: الصحيح؛ أن الانتفاع راجع إلى الممدوح لا إلى الناس. يقول: لولا سخاؤه لما انتفع بكثرة ماله، وضرب مثلا للثراء والسخاء بالقنا السمر والأكف، فالثراء لا ينتفع (به) لولا السخاء، كما أن القنا السمر لا ينتفع به لولا الأكف.
стр. 111
وقوله: (الطويل)
كأَنَّكَ بَرْدُ المَاءِ لا عَيْشَ دَونَهُ ... ولو كُنْتَ بَرْدَ لم يكُنِ العِشْرُ
قال: يقول: لو كان برد الماء مثلك لما وردت الإبل العشر؛ أي: كانت تتجاوز مدة
العشر لغنائها بعذوبتك وبردك.
وأقول: إنه فهم المعنى مقلوبا!
والمعنى: أنه شبهه ببرد الماء؛ لأنه لا حياة دونه ولا صبر عنه. ثم قال: ولو كنت برد الماء حقيقة لم يكن العشر؛ أي: لم تصبر الإبل عنك مدة العشر كالصبر عن الماء لأن النفع بك والحاجة إليك أمس من الماء، فجعله أفضل من الماء يصبر عنه، وهو لا يصبر عنه.
وقوله: (الكامل)
أَنتَ الوَحِيدُ إذَا ارْتَكبتَ طريقةً ... فَمَنِ الرَّديفُ وقد رَكِبْتَ غَضَنْفرا
стр. 112
قال: يقول: قد ركبت من خلائقك وطرائقك (أمرا) لا يتبعك فيه أحد مخافة الفضيحة لتقصيره عن مداك وتأخره عن مغزاك.
وأقول: الأحسن في هذا تفسير الشيخ أبي الحسن الواحدي: قال: يقول: أنت فرد الطريقة في كل أمر تقصده، لا يقدر أحد أن يقتدي بك في طريقتك، كراكب الأسد لا يقدر أحد أن يكون رديفا له، وعلى هذا القول: الغضنفر مركوب. ويجوز أن يكون (راكبا بأن يكون) حالا لممدوح: يقول: لا يقدر أحد أن يكون رديفا لك وأنت غضنفر.
وقوله: (الكامل)
أَرَأَيْتَ هِمَّةَ نَاقتي في نَاقَةٍ ... نَقَلَتْ يداً سُرُحاً وخُفا مُجْمَرَا
لم يذكر ابن جني معنى هذا البيت ولا الذي بعده، وهو معنى لطيف، واشتغل بذكر الغريب من المجمر والرمث وطول فيهما بتكثير الاستشهاد.
قال الواحدي: أخبر عن علو همة ناقته إذ قصدته، وذلك إخبار عن علو همة نفسه بأنها تركت دخان الرمث الذي توقده الأعراب؛ أي: تركت الأعراب وأتت قوما
стр. 113
وقودهم العنبر. وهذا مثل قول البحتري: (الكامل)
نَزَلُوا بأرضِ الزَّعفَرانِ وجَانَبُوا ... أرْضاً تَرُبُّ الشَّيحَ والقَيْصُومَا
وقوله: (الكامل)
وتَرَى الفَضِيلةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةً ... الشّمْسَ تُشْرِقُ والسَّحَابَ كنَهْوَرَا
стр. 114
قال: وروي: لا ترد، أي: وترى الفضيلة فيك مشرقة واضحة غير مشكوك فيها؛ كما ترى الشمس إذا اشرقت، والسحاب إذا كان متكاثفا عظيما.
وقوله: لا ترد أي: مقبولة غير مردودة. ونصب الشمس والسحاب بفعل مضمر؛ كأنه قال: ترى، برؤية فضائلك، الشمس والسحاب، ونصب فضيلة على الحال.
وخبط تخبيطا كثيرا يرغب عن ايراده!
(وأقول): وإنما أوقع في هذا التفسير أبا الفتح، تصحيف الضم من الفتح! ولولاه لما احتاج إلى هذا الخبط الشديد، والتعسف لتقدير الإعراب البعيد! ونصب فضيلة ب ترد مفعولة، فاعلها الضمير فيها، والشمس والسحاب بدلا من الفضيلة.
والمعنى ما قاله غير أن جني، أي: الفضيلة لا ترد ضدها من الفضائل على ما عهد في المتضادين. ثم فسر ذلك فقال: ترى الشمس مشرقة كنهورا؛ أي: في حال واحدة يريك هذا الممدوح هذين المتضادين؛ إذ وجهه كالشمس (إشراقا)، ونائله كالسحاب إغداقا، ومع (ذلك) لا يتنافيان في حاله كالضدين.
قال الواحدي: وقد أوضح ابن الرومي هذا المعنى حيث يقول: (الكامل)
يُلْقَى مُغِيماً مُشْمِساً في حَالهٍ ... هَطِلَ الإغَامَةِ نَيَّر الإشْمَاسِ
стр. 115
قال: وتبعه البحتري فقال: (الطويل)
وأبيضُ وَضَّاحٌ إذَا ما تَغَيَّمَتْ ... يَداه تَجَلّى وَجْهُهُ فتَقَشَّعَا
وأقول: إن تسبيه وجهه بالشمس، لا ينبغي أن يكون من أصل الخلقة؛ لأن ذلك ليس بفضيلة للممدوح، وقد قال أبو الطيب:
وتَرَى الفَضِيلَةَ لا تُرُدُّ فَضِيلةً ... . . . . . . . . .
فأثبت له فضيلتين لا ترد إحداهما الأخرى، وينبغي أن يراد بالشمس ما في وجهه من البشر (والطلاقة)، والتهلل والبشاشة، عند العطاء؛ وذلك أن الإنسان إذا أعطى ناله، والأول بمنزلة الروح، فربما تعير وجهه، وهذا الممدوح قد جمع بين كثرة البشر فشبه (وجهه) بالشمس (مشرقة)، وبين كثرة العطاء فشبه جوده بالسحاب كثيرا عزيرا فجمع بين هاتين الفضيلتين ولم ترد إحداهما الأخرى.
وقوله: (الخفيف)
سَلَّهُ الرَّكْضُ بعد وَهْنٍ بِنَجْدٍ ... فَتَصدَّى للغَيْثِ أَهْلُ الحِجَازِ
стр. 116
قال: أي: ظنوا لمعانه ضوء برق فتعرضوا للغيث.
قال: قال - يعني المتنبي: وإنما خصصت أهل الحجاز لأن فيهم طمعا. ولم أسمع هذا منه، فإن يكن على ما حكي، وإلا فالذي قاده إليه القافية كقول الراجز: (الرجز)
رَعَيْتُهَا أكْرَمَ عُودٍ عُودَا
الصَّلَّ والصَّفْصَلَّ واليَعضِيدا
والخَاز بازِ السَّنِمَ المجُودَا
بحيثُ يَدْعو عَامِرٌ مَسْعُودا
ولم يرد رجلين على الحقيقة، اسم أحدهما عامر واسم الآخر مسعود، ولو كانت القافية نونية لجاز أن يقول:
بحيث يَدْعو عَامِرٌ سَعْدَانَا
وكذلك لو كانت ميمية لجاز أن يقول:
بحيث يَدعُو عَامِرٌ تَمِيمَا
وأقول: إنه قد منع أن يكون ثم وجها ثالثا يحمل عليه قوله: أهل الحجاز، وفر مما لا معنى له إلى مثله؛ لأن تلك اللفظة - كما قال: - لا معنى لها، وإنما قاده إليها
стр. 117
القافية. والمعنى بتلك اللفظة، اظهر من أن يخفى على من له أدنى نظر، وذلك الحجاز بلاد شديدة الحر؛ قليلة المطر، مجاورة لنجد؛ فلما سل الركض السيف بليل أومض فظن أهل الحجاز أنه برق، والبرق مظنة الغيث، فتصدوا له.
وقوله: (الخفيف)
تَقْضَمُ الجَمْرَ والحَدِيدَ الأعادي ... دونَهُ قَضْمَ سُكَّرِ الأَهْوَازِ
قال: أي تقضمها حنقا عليه، وقصورا عنه كقول الأعشى: (الطويل)
فَعَضَّ جديدَ الأَرْضِ إن كُنتَ سَاخِطا ... بِفيكَ وأَحْجارَ الكُلابِ الرَّواهِصَا
وأقول: إنما خص الجمر والحديد بالذكر دون غيرهما؛ لأنه جعل أعداءه، من خوفه، بمنزلة النعام تأكل الجمر والحديد، والنعام يوصف بذلك، كقوله: (الخفيف)
إنَّما مُرَّةُ بنُ عَوْفِ بن سَعْدٍ ... جَمَراتُ لا تَشْهِيهَا النَّعامُ
ويوصف بالخوف والذعر كقول يزيد بن قفافة: (الطويل)
كأَنَّ بصَحراءِ المُريط نعامَةً ... تبادِرُهَا جِنْحَ الظَّلامِ نَعَائِمُ
أعَارَتْكَ رِجْليْهَا وهَافِيَ لُبَّهَا ... وقد جُرَّدَتْ بِيضُ السيوف صَوَارِمُ
стр. 118
وقوله: (البسيط)
إنْ تَرْمِني نَكَباتُ الدَّهْرِ عن عُوضٍُ ... تَرْمِ امرءاً غَيْرَ رِعْديد ولا نَكِسِ
قال: النكس: الساقط الفسل من الرجال. وأصله أن السهم يرمي به فينكسر فينكس؛ أي: يجعل رأسه أسفله.
وقال الواحدي: لم اسمع بالنكس بمعنى النكس إلا في هذا البيت.
وأقول: إن لم يسمع النكس - بفتح النون - فينبغي أن يكون بكسرها، ويكون أصله: نكس بسكون الكاف، فنقلت الكسرة التي على اللام إلى العين وحمل الوصل على الوقف كقوله: (مشطور السريع)
بِبَازِلٍ وَجْنَاءَ أو عَيْهَلَّ. . . . . . . . .
ويكون مثل قوله: (الرجز)
стр. 119
علَّمَنا إخوانُنَا بَنُو عِجِلْ
شُرْبَ النَّبِيذِ واصْطِفَاقاً بالرَّجِلْ
وقوله: (الكامل)
هذي بَرَزْتِ لنَا فَهِجْتِ رَسِيسَا ... ثم انْصَرَفْتِ وما شَفَيْتِ نَسيسَا
قال: هذي: أي: يا هذي؛ ناداها وحذف حرف النداء ضرورة؛ لأن هذي تصلح أن تكون وصفا لأي، ألا تراك تقول: يا أيتهاذي، كما يقال: يا أيها الرجل. فلما كان كذلك كرهوا حذف أي ويا جميعا. قال: وذلك يجوز في ضرورة الشعر كقوله: (الرجز)
جارَيَ لا تَسْتَنْكِر] عّذِيري
أراد: يا جارية.
و (أقول): قال أبو العلاء: هذي موضوعة موضع المصدر، وإشارة إلى البرزة
стр. 120
الواحدة، كأنه يقول: هذه البرزة برزت لنا، كأنه يستحسن تلك البرزة، وأنشد: (الرجز)
يا إبلي إما سَلِمْتِ هّذي
فَاسْتَوسِقي لصَارِمٍ هَذَّاذِ
وطَارقٍ في الدَّجْنِ والرَّذَاذِ
يريد: هذه الكرة.
وهذا التأويل يخرج قول أبي الطيب من الضرورة في الشعر إلى الجائز في الكلام.
وقوله: (الكامل)
إنْ كُنْتِ ظَاعِنَةً فإنَّ مدامِعي ... تَكْفِي مَزَادَكُمُ وتُروي العِيسَا
قال: وهذا نقيض قوله: (البسيط)
ولا سَقَيْتُ الثَّرَى، والمُزْنُ مُخْلِفُهُ، ... دَمْعاً يُنَشَّعُهُ من لَوْعةٍ نَفَسِي
لأن هناك، ذكر أن نفسه ينشف دموعه فيذهب به، وهاهنا ذكر أن مدامعه تكفي المزاد وهذا يدل على كثرتها. وما عدمت هذا الشعراء، ألا ترى أنهم ذهبوا (٣٧/أ)
стр. 121
من قول زهير: (البسيط)
قِفْ بالدَّيَارِ التي لم يَعْفُها القِدَمُ ... بَلَى وغَيَّرها الأرْوَاحُ والدَّيَمُ
إلى أنه رد على نفسه.
وكذلك قول امرئ القيس: (الطويل)
فَتُوضِحَ قالمقراةِ لم يَعْفُ رَسْمُهَا ... لِمَا نَسَجتْهَا من جَنُوبٍ وشَمْأَلِ
ثم قال:
. . . . . . . . . فَهَلْ عند رسْمٍ دارسٍ من مُعَوَّلِ
وأقول: إن ابن جني طبعه تكثير الكلام، وغرضه تكبير الكتاب، فما يبالي بعد ذلك أخطأ أم أصاب!
والجواب عن ذلك سأذكره فيما بعد، فإنه قد نقل عنه، وأخذ منه، وأعجب به غيره ممن هو في الفطانة مثله!
стр. 122
وقوله: (السريع)
وإنما يُظهِرُ تَحْكيِمَهُ ... لِيُحْكِمَ الإفْسَادَ في حِسَّهِ
قال، يقول: إذا اعتقد تحكيم العبد على نفسه، ورضي به في الظاهر كما رضي به في الباطن؛ فقد حقق عند الناس فساد حسه لقبح اختياره.
وأقول: ليس في كلام أبي الطيب ما يدل على الرضا لا ظاهرا ولا باطنا، وإنما يقول: إن من حكم عبدا لئيما جاهلا عليه يتصرف به تصرف المالك، وأظهر
تحكيمه للناس؛ فقد بالغ في إفساد حسه. هذا فيمن روى: ليحكم، ومن روى: ليظهر، وهو الأظهر، فيقول: من أظهر تحكيم العبد على نفسه مثلي، فقد أظهر فساد عقله للناس! وفي هذا توبيخ لنفسه، وزراية على فعله بقصده كافورا وانقطاعه إليه، وما بعده يدل عليه.
وقوله: (السريع)
فلا تُرَجَّ الخَيْرَ عند امْرئٍ ... مَرَّتْ يَدُ النَّحَّاس في رَأسَهِ
стр. 123
قال: وهمز عين الفعل من رأسه لأن القافية غير مردفة كما قال: (الطويل)
يقولُ ليَ الحَدَّادُ وهو يَقُودني ... إلى السَّجنِ: لا تَجْزَعْ فما بك من بَأسِ
ألا تراه يقول في هذه القصيدة: (الطويل)
. . . . . . . . . ويتركُ عُذري وهو أَضْوَا من الشَّمْسِ
فجعل همزة بأس بازاء ميم شمس.
وأقول: إنما فعل ذلك لأن عين رأس أصلها الهمز فأتى بها على الأصل، وإذا كانت كذلك فهي موازية موازنة لجميع الحروف الصحاح، الميم وغيرها، وإنما الكلام فيها إذا خرجت عن أصلها فجاءت في قصيدة مردفة ردفا كقول الحطيئة: (البسيط)
أزْمَعْتُ يأساً مُرِيحاً من نَوالِكُمُ ... ولن تَرَى طارداً للحُرَّ كاليَاسِ
من قوله: (البسيط)
واللهِ ما مَعْشَرٌ لأَمُوا امْرَءا جُنُباً ... في آلِ لأْيِ بن شَمَّاسٍ بأْكَياسِ
فحينئذ يقال: إنما ترك الهمز هاهنا، وهو أصل، لأجل الردف، إذ القصيدة مردفة. فالشيء إنما يعلل إذا خرج عن أصله، وإنما الشيخ جار على طريقته المألوفة، وشنشنته المعروفة، في كثرة الكلام بالتمويه والإيهام!
стр. 124
وقوله: (الوافر)
فَما خَاشيكَ للتَّكذِيبِ رَاجٍ ... ولا رَاجيكَ للتَّخْييبِ خَاشي
قال: ليس يرجو من يخشاك أن يلقى من يكذبه ويخطئه في خوفك، لأن الناس مجمعون على خوفك.
ومعنى راج: خائف، كقوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا)، وقال الشاعر:. (الطويل)
إذَا لَسِعَتْهُ النَّحْلُ لم يرْجُ لَسْعَهَا ... وخَالَفَهَا في بَيْتِ نُوبٍ عَوامِلِ
وأقول: إن الذي ذكره في هذا البيت من جنس كلامه قبله في إيهامه، ونفخه وجفخه، باطلاعه على غريب اللغة، واستخراجه منها ما يخفى على غيره في راج أنه بمعنى خائف، واستشهاده على ذلك بالآية والبيت. وليس راج إلا من الرجاء، وهو الطمع، وصنعة البيت بتركيبه وترتيبه يدل عليه، وهو قلب صدره على عجزه!
والمعنى أن خاشيك في الحرب لا يرجو التكذيب من نفسه أو من غيره، وراجيك في الجود لا يخشى التخييب؛ لأنه واثق منك بالعطاء وبلوغ الرجاء.
стр. 125
وقوله: (الوافر)
بُلِيتُ بهِمْ بَلاَء الوَرْدِ يَلْقَى ... أُنُوفاً هُنَّ أوْلَى بالخِشَاشِ
قال: أي: تأذيت بلقاء غيرك من الرؤساء، ولم يليقوا بي، كما لا يليق الورد بأنوف الإبل.
وأقول: إنه يريد ببليت بهم أي: اضطررت إليهم، وامتحنت بهم، وهم لئام صعاب جهال لا يلائمونني ولا يليقون بي، فتأذيت بهم كالورد الذي يقرب من أنوف الإبل لتشمه (وهي لا تفهمه) فيتأذى بها، وهي بتقريب الخشاش إليها أولى ليذلها ويقودها.
وقوله: (الكامل)
فَعَلَتْ بِنَا فِعْلَ السَّماءِ بأرْضِهِ ... خِلَعُ الأَميرِ وحَقَّهُ لم نَقْضِهِ
أقول: إنه لم يذكر معناه، فكأنه استغنى عن ذكره بذكر مثله وهو قوله: (طويل)
فَبُورِكْتَ من غَيْثٍ كأنَّ جُلُودَنَا ... به تُنْبِتُ الدَّيبَاجَ والوشيَ والعَصْبَا
قال في هذا: جعله كالغيث، وجلودهم كالأرض التي تنبت إذا أصابها (٣٨ب)
وأقول: إنه يحتمل البيتان معنى آخر، وهو أن الغيث إذا أصاب الأرض أنبتت
стр. 126
أنواعا من الزهر، وألوانا مختلفة، فجعل الخلع في اختلاف ألوانها بمنزلة الزهر في اختلاف ألوانه، وهذا أجود من المعنى الأول.
وقوله: (الكامل)
وإذا وَكَلْتَ إلى كَريمٍ رأيَهُ ... في الجُودِ بَانَ مَذيقُهُ من مَحْضِهِ
فأقول: لم يذكر معنى هذا البيت أيضا وهو مثل قوله: (الطويل)
وللنَّفْسِ أَخْلاقٌ تَدُلُّ على الفَتَى ... أكانَ سَخَاءً ما أَتَى أم تَسَاخِيَا
كأنه جعل الكرم المحض الذي هو بطبعه ومن تلقاء نفسه، والمذيق الذي هو باقتضاء أو بشافع، وهذا معنى كثير مطروق. وهو ينظر إلى قول امرئ القيس: (الطويل)
على هَيْكَلٍ يُعطِيكَ قَبْلَ سُؤالِه ... أفَانِينَ جَرْيٍ غْيرَ كَزَّ ولا وَانِ
وقوله: (الطويل)
مَضى اللَّيْلُ والفَضْلُ الذي لك يَمْضِي ... ورؤيتكَ أَحْلى في العُيونِ من الغُمْضِ
على أنَّني طُوَّقْتُ منكَ بنعمةٍ ... شَهيدٌ بها بَعْضِي لغَيْري على بَعْضِي
стр. 127
قال: أمدحك وأثني عليك على ما طوقتنيه من نعمك؛ أي: أفعل هذا الفعل لها، فحذف أول الكلام للدلالة عليه.
وإن شئت كان تقديره: مضى الليل على هذه الحال؛ أي: على أنني ملتبس بنعمتك.
وإن شئت كان المعنى: على أنني طوقت بنعمتك، أهدي إليك سلاما وتحية. ألا
تراه يقول بعد هذا البيت: (الطويل)
سَلام الذي فوقَ السَّموات عَرْشُهُ. . . . . . . . .
وأقول: الأجود في هذا أن يكون على بمعنى اللام كقول الراعي: (الوافر)
رَعَتْهُ أشْهُراً وخَلاَ عَلَيْهَا ... فطَارَ النَّيُّ فيهَا واستغَارَا
ويكون هذا تعليلا لما قبله من قوله:
. . . والفَضْلُ الذي لك يَمْضي. . . . . . . . .
(أي: لتطويقك إياي)
وقد أنكر بعضهم قوله: لغيري وقال: إنه حشو رديء لا يحتاج إليه.
والصحيح، أنه يحتاج إليه لتصحيح المعنى أو لتكميله، وذلك أن الشهيد لابد أن يكون لشيء وعلى شيء، فلغيري هو الذي له الشهادة، وهو الممدوح، وبه يتم المعنى.
стр. 128
وقوله: (البسيط)
ولو رآهُ حَوارِ يُّهُمُ لبَنَوْا ... على مَحَبَّتِه الشَّرْعَ الذي شَرَعُوا
(قال:) الحواريون: أصحاب عيسى ﵇. وإنما أضافهم إليهم؛ لما بينهم من التناسب بلزومهم شرعهم، واتباعهم ملتهم عندهم.
وأقول: إن هذه عبارة سيئة!
ولو قال: لادعائهم ملتهم وانتسابهم إلى شرعتهم، لكان أولى وأسلم.
وقوله: (البسيط)
وَجَدْتُمُوهُمْ نياماً في دِمَائِكُمُ ... كأنَّ قَتْلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا
стр. 129
قال: حدثني أبو الطيب قال: لما هزم سيف الدولة الدمستق، وقتل أصحابه جاء المسلمون إلى القتلى يتخللونهم، ينظرون من كان به رمق قتلوه.
قال: وكانوا يقولون لهم: رميس رميس، ليوهموهم أنهم من الروم، فإذا تحرك
أحدهم اجهزوا عليه، فبينا هم كذلك، أكب المشركون عليهم لاشتغال سيف الدولة فلذلك قال:
وَجَدتُموهُمْ نِياماً في دِمائِكُمُ. . . . . . . . .
أي: في دماء قتلاكم، وكأن قتلاهم قد فجعوهم فهم قعود بينهم يتوجعون لهم.
وأقول: تأمل - هداك الله - هذه الخرافة المتناقضة التي ينقض آخرها أولها! وذلك أن هؤلاء المسلمين الذين كانوا يجهزون على من وجدوا به رمقا من جرحى الكفار لا يستحقون أن يسلموا إليهم، وقد قال أبو الطيب: (البسيط)
قُلْ للدُّمُسْتُقِ: إنَّ المُسلمين لكُمْ ... خَانُوا الأميرَ فَجَازَاهُمْ بما صَنَعُوا
لأن إجهازهم على الكفار ليس بخيانة، وإنما الخيانة بما ذكره بعد من قوله:
وجدتُموهُمْ نياماً في دمَائِكُمُ ... كأنَّ قتلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا
أي: من قصورهم في القتال، وفتورهم في الطلب جعلهم نياما وليسوا نياما على الحقيقة.
وقوله: في دمائكم أي: في طلب دمائكم، لا كما ذكروا من التلطخ بدماء القتلى للنوم بينهم خوفا من الروم. وهذه الحكايات التي تؤخذ من ظاهر الألفاظ لا يعتد بها السباق من الشعراء، ولا يغتر بها الحذاق من الأدباء، وأبو الفتح فيهم ليس بعريق النسب ولا بغزير النشب!
стр. 130
وقوله: (البسيط)
لا تَحْسِبُوا من أَسَرْتُمْ كانَ ذَا رَمَقٍ ... فَلَيْسَ تأكُلُ إلاَّ المَيَّتَ الضَّبُعُ
(قال:) أي: إنما أسرتموهم وهم ضعاف مغترون.
وأقول: إن تفسيره هذا، الأولى أن يكون أراد بالضبع (- كناية عن الروم لضعفهم واغترارهم -) لا بمن تأكله الضبع؛ وذلك أن الضبع تغتر (وتوصف بالاغترار) كقول أمير المؤمنين ﵇: والله لا أكون كالضبع تنام على طول اللدم
حتى يصل إليها طالبها، ويختلها راصدها. (جعل الروم بمنزلة الضبع في الضعف من بين السباع، والاغترار بأن الذي أسروه به شجاعة وله غناء، وليس كذلك بل هم كالم (سلمين) (؟) والروم في أخ (ذهم) (؟) كالضبع)
وقد أخذ على أبي الطيب قوله:
. . . . . . . . . وليسَ تأكُلُ إلاَّ المَيَّتَ الضَّبُعُ
стр. 131
وقيل: إنها تأكل الميت وغير الميت، وإنها أخبث الوحوش؛ تدخل على الغنم فتخنق عشرا حتى تأكل واحدة، وقد استفاض ذلك من أخبارها وكثر في أشعارها، وقال الراجز: (الرجز)
سَلَّطْ على أُولئِكَ الأَغْنَامِ
سَمَيْدَعاً مُعَاوِدَ الإقْدَام
أو جَيْأرً ظَلَّتْ بذَاتِ الهَامِ
تَلُفُّهَا مُدْ لَمَّسَ الظَّلامِ
لَفَّ العَجُوزِ قَرَدَ القُمَامِ
وإنما أراد أبو الطيب الميت من الناس، دون غيرهم فأطلق، وذلك المهور في أشعارهم، كقول الشنفري: (الطويل)
إذا احتَمَلَتْ رأسي وفي الرأس أكْثَري ... وغودِرَ عند الملتقَى ثَمَّ سَائري
وقول متمم: (الكامل)
يا لَهْفَ من عَرْفَاَء ذاتِ فَلِيلةٍ ... جاَءتْ إليَّ على ثَلاثٍ تَخْمَعُ
وغيرهما. وغيرها من السباع يأكل الحي والميت (والناس)، كالأسد والنمر والذئب.
стр. 132
وقوله: (البسيط)
رَضِيتَ منهم بَأنْ زُرْتَ الوَغَى فَرأَوْا ... وأنْ قَرَعْتَ حَبِيكَ البِيضِ فَاسْتَمَعُوا
قال: يعرض بأضداده من الشعراء وغيرهم، أي: أنا أضرب معك بالسيف وهم متخلفون عنك.
وأقول: هذا على رواية رضيت بالفتح، وزرت وقرعت بالفتح، ويكون الضمير في منهم عائدا على دني.
والجيد أن يكون الضمير راجعا إلى الملوك، ويكون رضيت بالضم، (وكذلك زرت وقرعت) ويعني نفسه. أي: رضيت من الملوك - أي: من عطاء الملوك - ويعني به سيف الدولة، أن زرت الوغى، فرأى فيها قتالي، واستمع ضربي حبيك البيض. وفي هذا تقريع لسيف الدولة وتوبيخ له وعتب عليه. وهذا التفسير يشهد له بالصحة ما قبله وما بعده.
وأما من روى فتح الضمائر الثلاثة فليس تحته معنى طائل.
وقوله: (الطويل)
أَبَحْرٌ يَضُرُّ المُعْتفِينَ وطَعْمُهُ ... زُعَاقٌ كبَحْرٍ لا يَضُرُّ وينْفَعُ
стр. 133
قال: فيه قبح لأن المشهور عندهم أن ينسب الممدوح إلى المنفعة لأوليائه، والمضرة لأعدائه؛ ألا ترى إلى قول الآخر: (الطويل)
ولكِنْ فَتَى الفِتْيَانِ من رَاحَ واغتَدَى ... لِضَرَّ عَدُوَّ أو لنَفْعِ صَدِيقِ
وقال الآخر: (الرجز)
كَفَّاك كَفٌّ ما تُلِيقُ درهما
جوداً وأُخْرى تُقْطِرُ السَّيفَ دَمَا
فيقال له: ليس في هذا قبح، وإنما فيه مبالغة، وقد جاء هذا المعنى لغيره قبله وكأنه مأخوذ منه وهو: (الكامل)
عند المُلوكِ مَضَرَّةٌ ومنافِعٌ ... وأرَى البرامِكَ لا تَضُرُّ وتَنْفَعُ
وبيت المتنبي أسلم من هذا؛ وذلك أنه لما جعله كالبحر في جوده وسعة كرمه،
وهذه صفة حسنة، نفى عنه ما يكره منه، وهو الملوحة، وما يؤذي ويضر؛ كالغرق وغيره، وهذه مبالغة في المدح، ونهاية في الحذق.
стр. 134
وقوله: (الطويل)
ألاَ أيُّهَا القَيْلُ المُقِيمُ بِمَنْبِجٍ ... وهمَّتُهُ فَوْقَ السَّمَاكَيْنِ تُوضِعُ
قال: القيل: دون الملك.
وأقول: بل القيل الملك نفسه، وكذلك قال ابن السكيت: والقيل: الملك من ملوك حمير.
وقال ابن فارس: أقوال حمير ملوكها.
وقد وافق ابن حماد ابن جني فقال في القيل مثل قوله، وهو مأخوذ منه. وكأن ابن جني أخذ ذلك من الاشتقاق من قولهم: فلان يتقبل أباه، أي: يتبعه، فجعله، فجعله يتبع الملك بمنزلة الردف للملك. والاشتقاق صحيح؛ إلا أنه من أن الثاني يتبع الأول. ومنه أيضا تبايعه اليمن، لأنه في معناه. ولم يذكر ما قال ابن جني، الخليل ولا ابن دريد.
وقوله: (الكامل)
وَمَا وَجَدْتُّمْ في الصَّراةِ مُلوُحَةً ... مِمَّا أُرَقْرِقُ في الفُراتِ دُمُوعي
стр. 135
قال: وذلك أن دمع الفرح حلو ودمع الحزن ملح.
وأقول: إن هذا شيء لم يرد في الاستعمال، ولم يعلم بالاختبار. وقد ذكرت ما فيه في شرح التبريزي.
وقوله: (الكامل)
ما زلتُ أَحْذَرُ من وداعِكَ جَاهداً ... حَتَّى اغْتَدَى على التَّوديعِ
قال: هذا قريب من قوله: (الكامل)
أَسَفي على أَسَفي الذي دَلَّهْتِنِي ... عن عِلْمِهِ فَبِهِ عَليَّ خَفَاءُ
وأقول: لو قال: من البيت الذي بعده لكان أقرب وهو: (الكامل)
وَشَكِيَّتي فَقْدُ السَّقَام لأنَّه ... قَدْ كانَ لَّما كانَ لي أَعْضَاءُ
стр. 136
وقوله: (الوافر)
مُلِثَّ القَطْرِ أَعْطِشْهَا رُبُوعا ... وإلاَّ فاسْقِهَا السَّمَّ النَّقِيعا
أُسَائِلُها عن المُتَدَيَّرِيها ... فَلاَ تَدْرِي ولا تُذْرِي دُمُوعا
قال: دعا عليها لأنها لم تجبه ولم تبك على أهلها الماضين عنها.
وقال غيره: بلى! قد اجابته لو سمع، وبكت عليهم لو فهم، كما فهم غيره كلام الربوع، وبكاءها على أهلها، ولكنه سلك مسلك الجفاء، وما لا يطرب من النسيب.
وأقول: إن معنى قول هذا الآخذ على أبي الطيب أن الديار تجيب وتبكي (يعني): بلسان الحال؛ كقول أمير المؤمنين ﵇: ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية، والربوع الخالية، لقالت: ذهبوا في الأرض ضلالا، وذهبتم في أعقابهم جهالا.
وقوله: (الوافر)
وليس مُؤدَّباً إلاَّ بِسَيْفٍ ... كَفَى الصَمْصَامةُ التَّعَبَ القَطِيعَا
стр. 137
قال: أي أغنى السيف السوط عن التعب؛ فقد أقم سيفه في التأديب مقام سوطه.
وقد قيل: إنه وصفه على هذا التفسير بالخرق، واستواء الذنوب صغيرها وكبيرها، وهذا ذم لا مدح.
وأقول: كأنه يقول: هذا الممدوح أمير كبير عظيم الشأن لا يؤدب (٤٣: أ) بالسوط فعل الشرطي، وإنما يؤدب بالسيف من يستحق القتل فيرتدع من دونه وهو من استحق الجلد فلا يتعب السوط؛ أي: لا يؤدب به.
وقوله: (الوافر)
عَلِيٌّ قَاتِلُ البَطَلِ المُفَدَّى ... ومُبْدِلُهُ من الزَّرَد النَّجِيعا
قال: أي: يقتل قرنه، ويسلبه درعه، ويلبسه الدم.
وأقول: أحسن من هذا التفسير، أن لا يلبسه درعه كقول (أمير المؤمنين ﵇ ويعني عمرو بن عبد ود: (الكامل)
وعَفَفْتُ عن أثوابهِ ولَوَ أنَّني ... كنْتُ المُقَطَّرَ بَزَّنِي أَثوابِي
وقول) أبي تمام: (البسيط)
إنَّ الأُسُودَ - أسودَ الغَابٍ - هِمَّتُهَا ... يَوْمَ الكَريهِة في المَسْلوبِ لا السَّلَبٍ
ولكن يهتكُ الدرعَ عليه بالضرب، ويبدله منها الدم.
стр. 138
وقوله: (الوافر)
قد اسْتَقْصَيْتَ في سَلْبِ الأعَادي ... فَرُدَّ لهم من السَّلَبِ الهُجُوعَا
قال: أي سلبت أعاديك كل شيء حتى النوم، فلاد عليهم الهجوع.
فيقال له: ولم يرد عليهم سلب النوم، وهو أضر الأسلاب لهم، وهم اعداؤه؟ وإنما المعنى ما ذكرته في شرح الواحدي.
وقال في قوله: (الوافر)
فلا عَزَلٌ وأنتَ بلا سِلاحٍ ... لَحاظُكَ ما تكونُ به مَنِيعا
العزل: مصدر الأعزل؛ وهو الذي لا سلاح معه، وجمع اعزل: عزل وقالوا: عزل وأعزل ومعازيل، وأنشد أبياتا استشهادا على ذلك.
فيقال له: معازيل ليس بجمع أعزل، وإنما هو جمع معزال؛ قال الأعشى: (الخفيف)
تُذْهِل الشيخَ عن بينه وتَلوي ... بسُوَامِ المِعْزَابة المِعْزَالِ
стр. 139
وقال: (الكامل)
وإذَا هَلكتُ فلا تُرِيدي عَاجِزاً ... غُساً ولا بَرَماً ولا مِعْزَالاَ
وقوله: (الكامل)
رُدَّي الوِصَالَ سقَى طُلُولَكِ عَارِضٌ ... لو كانَ وَصْلُكِ مثلَهُ ما أَقْشَعَا
قال: وكان الأليق بمثل هذا في صناعة الشعر، أن يقول: لو كان وصلك مثله ما هجرت، ولكن الضرورة حملته على هذا وهو جائز.
وأقول: ليس في هذا ضرورة، ولكن إتقان صناعة، وإحكام صياغة، كما ذكرته في شرح التبريزي.
стр. 140
قوله: (الكامل)
ترَكَ الصَّنَائعَ كالقَواطِع باترا ... - تٍ، والمَعَالي كالعَوالي شُرَّعَا
(قال): أي: جعل الصنائع مشرقة والمعالي مشرفة.
وقال غيره: ليس غرضه في قوله: كالقواطع وكالعوالي الإشراق والإشراف، وقد كان يجد ما هو أشد إشراقا من هذه وإشرافا، وإنما أراد أنها شهرها على أعدائه فغلبهم بها.
وأقول: ويكون على هذا التفسير ينظر إلى قوله: (الخفيف)
ولَهُ في جَماجِم المَالِ ضَرْبٌ ... وَقْعُهُ في جَماجِمِ الأبْطَالِ
стр. 141
وقوله: (الكامل)
مُتَبَسَّماً لعُفَاتِهِ عن وَاضِحٍ ... تُعْشِي لوَامِعُهُ البرُوقَ اللُّمَّعَا
قال: الواضح: ثغرة.
وتعشي: تذهب بنور إبصارها؛ استعار لها العشا، وأحسبه نقله من قول القحيف: (الكامل)
مُتَسَربْلينَ سَوابِغاً مَاذِيَّةً ... تُعْشِي القَوانِسُ فوقَهَا الأبصَارا
وأقول: إن هذا المعنى، وهو إعشاء الأبصار، قد جاء كثيرا في القرآن والشعر، فلا معنى لتخصيصه بأخذه من القحيف، وإنما المعنى فيه الإغراق والمبالغة بجعل البروق، التي من شأن لوامعها أن تعشي الأبصار، معشية بلوامع ثغره، وهذا من
المقلوب كقوله: (المجتث)
ما مَسَّكِ الطَّيبُ إلاَّ ... أهْدَيْتِ للطَّيبِ طِيبَا
وأمثاله.
وقوله: (الكامل)
الكاتِبَ اللَّبِقَ الخَطِيبَ الواهِبَ النَّدُسَ الْ ... لبِيبَ الهِبْرِزِيَّ المِصْقَعَا
стр. 142
قال لبيق ولبق بمعنى.
وأقول: إنه ذكرهما بمعنى واحد، واستشهد على أحدهما، وهو لبق، بأبيات للعرب، وبأبيات في حكاية عن امرأة من المحدثين. وكأنه استشهد على صحة هذه اللفظة، وأنها منقولة عنهم مقولة، ولم يستشهد على لبيق، وهي أقل من لبق، والاستشهاد عنه على ذلك! يقول عبد يغوث: (الطويل)
وكنتُ إذَا ما الخيل شَمَّصَها القَنَا ... لَبِيقاً بِتَصرِيفِ العِنَانِ بَنَانِيَا
وقوله: (الكامل)
إنْ كانَ لا يَسْعَى لجُودٍ ماجِدٌ ... إلاَّ كَذَا فالغَيْثُ أبْخَلُ من سَعَى
قال: أي: لما لم يصح سعي ماجد لجود حتى يفعل مثل فعلك، وجب أن يكون الغيث أبخل الساعين لبعد ما بينك وبينه، ووقوعه دونك. فإن قيل: فلم جعل الغيث إذا قصر عن جوده أبخل الساعين، وهلا كان كأحدهم؟ فإنما جاء هذا على المبالغة كما تقول: فالغيث لم يمرر بشيء من الجود.
وأقول: إن جاء على المبالغة ولكن ليس على ما قال، وإنما من المعلوم
стр. 143
أن الغيث أجود الساعين، فإذا أراد أن يسعى الممدوح صار أبخل الساعين، وذلك أن من بخل حاتما كان بخله أفحش من بخل غيره، وهذا ظاهر مسلم لا خلف فيه.
وقوله: (الكامل)
النَّوْمُ بعد أبي شُجَاعٍ نافِرٌ ... والليلُ مُعْيٍ والكواكِبُ ظُلَّعُ
(قال:) ضرب هذا مثلا؛ أي: لو كان الليل والكواكب مما يؤثر فيه حزن لأثر فيها موته.
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يصف كثرة سهره وطول ليله لحزنه، فجعله كالبعير المعيي، والكواكب فيه كالأبل الظالعة. وكأنه من قول سويد بن أبي كاهل: (الرمل)
يَسْحَبُ اللَّيلُ نجوماً ظُلَّعاً ... فَتَوَالِيها بَطِيئاتُ التَّبَعْ
وهو من قول امرئ القيس: (الطويل)
فقلتُ له لمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ ... وأردَفَ أعجازاً ونَاَء بكلكلِ
стр. 144
وقوله: (الكامل)
أيْدٍ مُقَطَّعَةٌ حَوَاليْ رأسِهِ ... وَقَفاً يَصيحُ بها أَلا مَنْ يَصْفَعُ!
قال: الصفع (ليس) من كلام العرب، وقد أولعت به العامة فقالوا: صفعته، أصفعه، ورجل صفعان؛ كأنه دخيل مولد لا أعرف له في اللغة العربية أصلا.
وأقول: قد ذكره الخليل! قال: يقال صفعت فلانا أصفعه صفعا؛ إذا ضربت بجمع كفك قفاه، ورجل مصفعاني: يفعل ذلك به.
وأما استشهاده على حوالي بقوله: (الطويل)
فلو كنتَ مَوْلى العِزَّ أو في ظِلالِه ... ظَلَمْتَ ولكِنْ لا يَدَي لك في الظلم
وأنه لجرير، فليس له إنما هو الفرزدق يخاطب به عمر بن لجأ، وكان قد رفده بأبيات يهجو بها جريرا ففطن أنها للفرزدق. والقصة مشهورة ذكرها الصولي في أول
стр. 145
شرح ديوان أبي نواس. وقبل هذا البيت: (الطويل)
ما أنتَ إنْ قَرْما تَمِيمٍ تخاطَرا ... أخَا التَّيْمِ إلا كاوَشيظة في العَظْم
فيقال: إن جريرا قال: ما انصفني الفرزدق في شيء إلا في هذا! يعني قوله: قرما تميم.
وقوله: (الكامل)
فاليومَ قَرَّ لكُلَّ وَحْشٍ نَافرٍ ... دَمُهُ وكانَ كأنَّهُ يَتَطَلَّعُ
قال: أي: كأنه يهم بالظهور والخروج من غير أن يظهر ويخرج خوفا وجزعا. ونحو هذا أن الحمار إذا أروح الأسد واشتد فزعه قصده وطلبه دهشا وتحيرا. وأنشد أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي لحبيب بن خالد: (الوافر)
سِلاحُ مُجَرَّبِ شَاكٍ إذ مَا ... نفوسُ القَوْمِ هَمَّتْ باطَّلاعِ
أي: من الخوف كما قال الآخر: (الطويل)
وخَفَّضْتُ من نَفْس وَقُورٍ كَريمةٍ ... إذا جَعَلتْ نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ
следующие страницы →