Полный текст (1 138 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
وقوله: (الكامل)
مُتَبَسَّماً لعُفَاتِهِ عن وَاضِحٍ ... تُعْشِي لوَامِعُهُ البرُوقَ اللُّمَّعَا
قال: الواضح: ثغرة.
وتعشي: تذهب بنور إبصارها؛ استعار لها العشا، وأحسبه نقله من قول القحيف: (الكامل)
مُتَسَربْلينَ سَوابِغاً مَاذِيَّةً ... تُعْشِي القَوانِسُ فوقَهَا الأبصَارا
وأقول: إن هذا المعنى، وهو إعشاء الأبصار، قد جاء كثيرا في القرآن والشعر، فلا معنى لتخصيصه بأخذه من القحيف، وإنما المعنى فيه الإغراق والمبالغة بجعل البروق، التي من شأن لوامعها أن تعشي الأبصار، معشية بلوامع ثغره، وهذا من
المقلوب كقوله: (المجتث)
ما مَسَّكِ الطَّيبُ إلاَّ ... أهْدَيْتِ للطَّيبِ طِيبَا
وأمثاله.
وقوله: (الكامل)
الكاتِبَ اللَّبِقَ الخَطِيبَ الواهِبَ النَّدُسَ الْ ... لبِيبَ الهِبْرِزِيَّ المِصْقَعَا
стр. 142
قال لبيق ولبق بمعنى.
وأقول: إنه ذكرهما بمعنى واحد، واستشهد على أحدهما، وهو لبق، بأبيات للعرب، وبأبيات في حكاية عن امرأة من المحدثين. وكأنه استشهد على صحة هذه اللفظة، وأنها منقولة عنهم مقولة، ولم يستشهد على لبيق، وهي أقل من لبق، والاستشهاد عنه على ذلك! يقول عبد يغوث: (الطويل)
وكنتُ إذَا ما الخيل شَمَّصَها القَنَا ... لَبِيقاً بِتَصرِيفِ العِنَانِ بَنَانِيَا
وقوله: (الكامل)
إنْ كانَ لا يَسْعَى لجُودٍ ماجِدٌ ... إلاَّ كَذَا فالغَيْثُ أبْخَلُ من سَعَى
قال: أي: لما لم يصح سعي ماجد لجود حتى يفعل مثل فعلك، وجب أن يكون الغيث أبخل الساعين لبعد ما بينك وبينه، ووقوعه دونك. فإن قيل: فلم جعل الغيث إذا قصر عن جوده أبخل الساعين، وهلا كان كأحدهم؟ فإنما جاء هذا على المبالغة كما تقول: فالغيث لم يمرر بشيء من الجود.
وأقول: إن جاء على المبالغة ولكن ليس على ما قال، وإنما من المعلوم
стр. 143
أن الغيث أجود الساعين، فإذا أراد أن يسعى الممدوح صار أبخل الساعين، وذلك أن من بخل حاتما كان بخله أفحش من بخل غيره، وهذا ظاهر مسلم لا خلف فيه.
وقوله: (الكامل)
النَّوْمُ بعد أبي شُجَاعٍ نافِرٌ ... والليلُ مُعْيٍ والكواكِبُ ظُلَّعُ
(قال:) ضرب هذا مثلا؛ أي: لو كان الليل والكواكب مما يؤثر فيه حزن لأثر فيها موته.
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يصف كثرة سهره وطول ليله لحزنه، فجعله كالبعير المعيي، والكواكب فيه كالأبل الظالعة. وكأنه من قول سويد بن أبي كاهل: (الرمل)
يَسْحَبُ اللَّيلُ نجوماً ظُلَّعاً ... فَتَوَالِيها بَطِيئاتُ التَّبَعْ
وهو من قول امرئ القيس: (الطويل)
فقلتُ له لمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ ... وأردَفَ أعجازاً ونَاَء بكلكلِ
стр. 144
وقوله: (الكامل)
أيْدٍ مُقَطَّعَةٌ حَوَاليْ رأسِهِ ... وَقَفاً يَصيحُ بها أَلا مَنْ يَصْفَعُ!
قال: الصفع (ليس) من كلام العرب، وقد أولعت به العامة فقالوا: صفعته، أصفعه، ورجل صفعان؛ كأنه دخيل مولد لا أعرف له في اللغة العربية أصلا.
وأقول: قد ذكره الخليل! قال: يقال صفعت فلانا أصفعه صفعا؛ إذا ضربت بجمع كفك قفاه، ورجل مصفعاني: يفعل ذلك به.
وأما استشهاده على حوالي بقوله: (الطويل)
فلو كنتَ مَوْلى العِزَّ أو في ظِلالِه ... ظَلَمْتَ ولكِنْ لا يَدَي لك في الظلم
وأنه لجرير، فليس له إنما هو الفرزدق يخاطب به عمر بن لجأ، وكان قد رفده بأبيات يهجو بها جريرا ففطن أنها للفرزدق. والقصة مشهورة ذكرها الصولي في أول
стр. 145
شرح ديوان أبي نواس. وقبل هذا البيت: (الطويل)
ما أنتَ إنْ قَرْما تَمِيمٍ تخاطَرا ... أخَا التَّيْمِ إلا كاوَشيظة في العَظْم
فيقال: إن جريرا قال: ما انصفني الفرزدق في شيء إلا في هذا! يعني قوله: قرما تميم.
وقوله: (الكامل)
فاليومَ قَرَّ لكُلَّ وَحْشٍ نَافرٍ ... دَمُهُ وكانَ كأنَّهُ يَتَطَلَّعُ
قال: أي: كأنه يهم بالظهور والخروج من غير أن يظهر ويخرج خوفا وجزعا. ونحو هذا أن الحمار إذا أروح الأسد واشتد فزعه قصده وطلبه دهشا وتحيرا. وأنشد أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي لحبيب بن خالد: (الوافر)
سِلاحُ مُجَرَّبِ شَاكٍ إذ مَا ... نفوسُ القَوْمِ هَمَّتْ باطَّلاعِ
أي: من الخوف كما قال الآخر: (الطويل)
وخَفَّضْتُ من نَفْس وَقُورٍ كَريمةٍ ... إذا جَعَلتْ نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ
стр. 146
وأقول: كأنه أنشد هذين البيتين على أن النفس الدم، وجعلهما مثل الأول ولم يرد بالنفس هاهنا الدم وإنما أراد الروح، وهي مما يوصف حال الخوف بالتطلع؛ قال عمرو بن معدي كرب: (الطويل)
وجاشَتْ إليَّ النفسُ أولَ مَرَّةٍ ... ورُدَّتْ مَكْروهِها فاسْتَقرَّتِ
وكذلك القلوب كقوله تعالى: (وبلغت القلوب الحناجر). فالدم لا يتطلع؛ وإنما الدم عند الخوف يغور، والنفس تفور. ويحتمل أن يكون أبو الطيب جعل الدم النفس التي هي الروح أو بمنزلتها توسعا ومجازا، فقر دم الوحش بموته أمنا، وكان يتطلع إلى الخروج خوفا؛ يصفه بكثرة الصيد. ويكون بيت أبي الطيب من بيت عمرو المذكور. وأما ضربه لذلك مثلا بالحمار فليس بينهما مقاربة.
وقوله: (الكامل)
وتصَالَحتْ ثَمَرُ السَّياطِ وخَيْلُهُ ... وأَوَتْ إليها سُوقُها والأذْرُعُ
قال: ثمر السياط: أطرافها، وهذه استعارة حسنة لأنه كان يديم ضربه إياها إما لقصد
стр. 147
عدو، وإما لإدمان طرد، وإما لإغاثة مستصرخ، قال سلامة بن جندل: (البسيط)
كُنَّا إذَا ما أتَانَا طَارِقٌ فَزِعٌ ... كان الصُّراخُ له قَرْعَ الظَّنَابيبِ
أي: قرعها بالسياط لمعونته.
وأقول: ليس في هذا مما يستشهد به على ضرب الخيل؛ لأن قرع الظنابيب مثل يضرب للعزم على الأمر والجد فيه؛ يقال: قرع لذلك الأمر ظنوبه، وضرب جروته، وشد له حزيمه. وهذا البيت (- أعني بيت أبي الطيب -) ينظر إلى قول أبي صخر الهذلي (الطويل)
عَجِبتُ لِسَعي الدَّهْرِ بيني وبينَها ... فلمَّا انْقَضى ما بَينَنَا سَكَنَ الدَّهْرُ
ومثله قول بعض شعراء العصر: (المتقارب)
وبَعْدَكِ ضَنَّتْ غداةَ الطَّرا ... دِ أيدي الجِيادِ بما تُسْألُ
وزُرْقِ اللَّهاذِمِ أضْحَتْ لَقّى ... وبِيضُ الصَّوارِمِ لا تُحْمَلُ
وأما تشبيهه:
стр. 148
. . . وأوَتْ إليها سُوقُها والأذْرُعُ
بقول أبي النجم: (الرجز)
يَأْوِي إلى مُلْطٍ (له) وكَلْكَلِ
فليس بينهما مشابهة. وذلك أن قوله: وأوت إليها سوقها معناه أنها كأنها (كانت) سلبتها، أو أخذت منها، أو غلبت عليها، فرجعت إليها بقرارها من كثرة الطراد وإدمان القتال. ومعنى بيت أبي النجم: إن (هذا الجمل) يعتمد على اعظائه ويستأند إليها لشدته وقوته.
وقوله: (المنسرح)
أَهْوِنْ بطُولِ الثَّواءِ والتَّلَفِ ... والسَّجنِ يا أبا دُلَفِ
غيرَ اختيارٍ قَبِلْتُ بِرَّكَ بي ... والجُوعُ يُرْضِي الأسودَ بالجِيَفِ
قال: أبو دلف هذا صديق له، بره ولاطفه، وهو في سجن الوالي الذي كتب إليه:
(المتقارب)
أيَا خَدَّدَ اللَّهُ وَرْدَ الخُدودِ. . . . . . . . .
стр. 149
فيقال: إذا كان أبو دلف صديقه، وقد بره ولاطفه وأحسن إليه، فكيف يحسن به أن يهجوه؟ ولو أنه غير صديق ولا ذو معرفة وقد أحسن إليه لما ساغ له أن لا يشكره فضلا عن أن يكون صديقه ويهجوه! وإنما هذا غير صديق؛ لعله أراد بحبائه إياه إذلاله فقال له ذلك، وأراد بالبر العطاء.
وقوله: (الطويل)
نَفُورٌ عَرَتْها نَفْرَةٌ فَتَجاذَبَتْ ... سَوَالِفها والحَلْيُ والخَضْرُ والرَّدْفُ
قال: هذا مثل قوله: (الوافر)
إذا ماسَتْ رأيتَ لها ارتجاجا ... له - لولا سَواعِدُهَا - نَزُوعَا
وأقول: الأقرب أن يكون مثل قوله: (المنسرح)
يَجْذِبُهَا تحت خَصْرِهَا عَجُزٌ ... كأنَّهُ مِنْ فِراقِها وَجِلُ
стр. 150
وقوله: (الطويل)
وخَبَّلَ منها مِرْطُهَا فكأنَّها ... تَثَنَّى لنا خُوطٌ ولا حَظَنَا خِشْفُ
قال: المرط: الثوب والقميص ونحوه، وأنشد الطوسي عن ابن الأعرابي: (الطويل)
تَسَاهَمَ ثَوْباهَا ففي الدَّرْعِ رأدَةٌ ... وفي المِرْطِ لفَّاوانِ رِدْفُهما عَبْلُ
وأقول: المرط في قول الخليل: كساء من خز أو كتان. وفي قول ابن دريد: ملحفة يؤتزر بها. والبيت الذي أنشده يدل على ذلك من قوله:
. . . . . . . . . وفي المِرْطِ لفَّاوانِ. . .
لأنه يريد: فخذان لفاوان، والفخذ يكون في المئزر وما أشبهه، وإنما قال في البيت: ثوباها ثم فسر (أحد القسمين) بالمرط (فلأن) ذلك مجاز لأنهما كلاهما يلبس ويستر الجيد.
стр. 151
وقوله: (الطويل)
يُفَدُّونَهُ حتى كأنَّ دِمَاَءهُمْ ... لجَاري هَوَهُ في عُرُوقِهِمُ تَقْفُو
قال: أي: كأن محبة الناس له أشد تقدما عند أنفسهم واختصاصا بهم من دمائهم.
وأقول: إن هذا مثل قوله: (الطويل)
جَرَى حُبُّهَا مَجْرى دَمي في مَفَاصِلي. . . . . . . . .
وفيه زيادة بجعله الدماء التي بها الحياة تقفو هواه وهو متقدم عليها.
وقوله: (الطويل)
تَفَكُّرُهُ عِلْمٌ ومَنْطِقُهُ حُكْمٌ ... وباطِنُهُ دِينٌ وظاهرُهُ ظَرْفُ
قال: هذه القصيدة من الضرب الأول من الطويل. وعروض الطويل مقبوضة على مفاعلن إلا أن يصرع البيت فيكون ضربه مفاعيلن أو فعولن فيتبع العروض الضرب، وليس هذا البيت مصرعا، وقد جاء بعروضه على مفاعيلن وهو تخليط
стр. 152
منه. وأقرب ما يصرف إليه هذا أن يقال: إنه رد مفاعلن إلى أصلها وهو مفاعيلن لضرورة الشعر كما أن للشاعر إظهار التضعيف وإلحاق المعتل بالصحيح، وقصر الممدود، وصرف ما لا ينصرف ردا إلى الأصل فكذلك هاهنا. وذكر أن العرب خلطت فعولن بمفاعلن وأنشد: (الطويل)
لَعَمْري لقَدْ بَرَّ الضَّبابَ بَنُوهُ ... وبَعْضُ البَنينَ حُمَّةٌ وسُعَالُ
وقول النابغة: (الطويل)
جزى الله عَبْساً عَبْسَ آل بَغِيضٍ ... جَزََء الكِلابِ العَوِيَاتِ وقد فَعَلْ
إلا أن مفاعيلن أقبح لأنها لم تأت عن العرب.
وأقول: إن هذا مشبه بالمصرع، وذلك أن المصرع ما غيرت عروضه حملا على ضربه وزنا وتقفية، وهذه محمولة على الضرب وزنا لا تقفية، فأشبهه من أحد الوجهين، وقد جاء مثل هذا للعرب؛ منه قول الربيه بن زياد: (الكامل)
أفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَلِكِ بن زُهَيْرٍ ... ترجو النَّسَاءُ عَواقِبَ الأَطْهَارِ
فقوله: نزهيرن: فهلاتن مقطوع من متفاعلن والقطع إنما يكون في الضرب ولا يكون في العروض إلا حملا على الضرب في التصريع، ومنه قول الحارث بن حلزة: (الخفيف)
стр. 153
أسَدٌ في اللَّقَاءِ ذو أشْبَالٍ ... ورَبَيعٌ إنْ شَنَّعَتْ غَبْراءُ
فقوله: أشبال (مفعولن) مشعث من فاعلاتن، والتشعيث إنما يكون في الضرب، ولا يكون في العروض إى حملا على الضرب أو ما يجوز في الضرب. فهذا امثل مما ذكره أبو الفتح، وهو وما شبه به شاذ، والشاذ الأولى اجتنابه.
وقوله: (الوافر)
وخَصْرٌ تَثْبُتُ الأبصارُ فيه ... كأنَّ عليه من حَدَقٍ نِطاقا
قال: تثبت فيه: أي تؤثر فيه لنعمته وبضاضته. وهذا نحو من قول الآخر: (الطويل)
ومَرَّ بَقَلْبي خَاطِراً فَجَرَحْتُهُ ... ولم أَرَ شَيْئاً قَطُّ يجرَحُهُ الفِطْرُ
وأقول: إنه فسر صدر البيت بما فسر، وليس بشيء!؛ والصحيح ما ذكرته في تفسير الواحدي. وقد جاء هذا المعنى في شعر السري أظهر، وهو قوله: (الطويل)
أحَاطَتْ عيونُ العَاشقين بخَصْرِهِ ... فَهُنَّ له دون النَّطاقِ نِطَاقُ
стр. 154
وفي قول بعض شعراء هذا العصر أخضر، وهو قوله من أبيات: (الوافر)
وأَحْوَرُ بَابِليُّ الطَّرْفِ أَحْوىَ ... إلى ألْحَاظِهِ تُعْزَى المُدامُ
تَثَنَّى فالعيونُ له نِطَاقٌ ... وغَنَّى فالقُلوبُ له نِظَامُ
وقوله: (الوافر)
فلا تَسْتَكرَنَّ له ابتِسَاماً ... إذَا فَهِنَ المَكَرُّ دَماً وضَاقا
قال: فهق: اتسع. وقال: (الطويل)
وإنَّا وإيَّاهَا لكالهَائِم الذي ... رأَى الماَء يجري من جَداوِلَ تَفْهَقُ
ومنه قول رسول الله ﷺ : (إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون).
ويقال أيضا: انفهق المكان أي: اتسع، وركي فيهق: أي: واسعة. أي: إذا كثر الدم واتسع فضاق المكر به - وهو موضع الحرب، وهو من قول الأعشى: (الرمل)
والْتَقَى القَوْمُ بِضَرْبٍ صَادِقٍ ... مَلأ القَاعَ نَجِيعا فَطَفَحْ
стр. 155
فيقال: ينبغي إذا كانت الفظة الواحدة محتملة معنيين أو معاني، واستعملت في مكان، أن يتأمل ذاك المكان وتحمل على ما يليق به فتختص به. وفهق؛ هذه اللفظة؛ قد استعملت بمعنى الاتساع ومعنى الامتلاء؛ قال الخليل: انفهقت العين: امتلأت بالماء.
وقال الأعشى: (الطويل)
نَفَى الذَّمَّ عن آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ ... كجَابِيةِ السَّيحِ العِراقَي تَفْهَقُ
والبيت الذي أنشده والحديث يحتملان هذا المعنى. فلا يليق بهذه اللفظة من قول أبي الطيب إلا أن تكون بمعنى الامتلاء؛ لأن ضيق المكر إنما حصل بالامتلاء من الدم، فالاتساع يضاد الضيق. ولو أراد بيفهق الاتساع لقال:
. . . . . . . . . إذا رَحُبَ المكَرُّ دَما وضَاقَا
ولو قال ذلك حسن (حسن الأول).
وقوله: (الوافر)
ولكِنَّا نُداعِبُ منه قَرْما ... تَراجَعَتِ القُرومُ له حِقَاقَا
стр. 156
قد أخذ على أبي الطيب في هذا البيت فقيل: كان ينبغي لما ذكر المداعبة أن يبدل قرما بلفظة غيرها؛ فإن القرم بعيد من المجاعبة، أو يبدل نداعب بكلمة تليق بالقرم.
وقال: هذا موضع يدق على أكبر نقاد الشعر.
وأقول: إنه يقول: إن الاستعارة ينبغي أن تكون مناسبة لما استعار له، والمداعبة، وهي الممازحة، لا يحسن أن تستعار للقرم، وإنما تحسن بالرجال، فلو أنه قال: نلاطف أو نلاين لكان مناسبا. ولو وضع موضع قرما ملكا فقال:
ولكنَّا نُداعِبُ منه مَلْكاً ... صَفَا خُلُقَاً ورَقَّ لنا وَرَاقَا
لكان أيضا مناسبا. ولكن أبا الطيب جاز على طبعه في الجفاء، فليس من شأنه خلق الرقة والصفاء!
وقوله: (الوافر)
فأبْلِغ حَاسِدِيَّ عَلَيْكَ أَنَّي ... كَبَا بَرْقٌ يحَاوِلُ بي لَحَاقَا
وهَلْ تُغْني الرَّسَائلُ في عَدُوًّ ... إذا ما لم يَكُنَّ ظُباً رِقَاقَا
قال: إن قيل: كيف استجاز أن يجعل الممدوح رسولا مبلغا عنه، وهذا قبيح، قيل: إنما حسن له ذلك قوله:
стр. 157
حَاسِديَّ عليك. . . ... . . . . . . . . .
فالكاف في: عليك حسنت الصنعة.
ولعمري أن لو قال: فأبلغ حاسدي على غيرك؛ لكان قد هجن المديح، ولكنه أحسن التخلص بالكاف.
وقال الوحيد رادا عليه: ما أغنت الكاف في هذا شيئا؛ بل من شأنها أن تزيد! وذلك أن الملوك يجلون عن الخطاب بالكاف.
وأما قوله: لو قال: فأبلغ حاسدي على غيرك؛ لكان قد هجن المديح فإنه لو قال ذلك لعد من المجانين!
وأما قوله:
فأبِلغْ حاسِديَّ عليك. . . . . . . . . . . .
فإنه يعد به جافيا جفاء الأعراب، أو سيئ الآداب! لأن الملوك لا يستقبلون بهذا!
وأقول: وفيه أيضا زيادة وهي: أن هؤلاء الذين أمر سيف الدولة بإبلاغ رسالته إليهم، وأنه قد فاتهم في الفضائل فلا يمكن أن يلحقوا به، إذ كان البرق يكبو، دونه، هم أصحابه وجلساؤه وندماؤه. ثم لم يرض ولم يقنع من سيف الدولة بإبلاغ رسالته إليهم إلا بضرب أعناقهم! وفي هذا الإدلال والتحكم غاية الجهل والتهور. وبقوله هذا وأمثاله في أشعاره، وإكثاره، حتى لا تكاد قصيدة تخلو من
стр. 158
تعريضه بهم وتنقصه لهم، حتى أنه في أول لقائه له ومدحه إياه بدأ بهم فقال: (الطويل)
غَضِبْتُ له لَّما رأيتُ صِفَاتِهِ ... بلاَ واصِفِ والشَّعْرُ تَهْذي طَمَاطِمُهْ
ما أحوجهم وألجأهم إلى السعي به، والتتبع له يتوقعون سقطاته، ويترقبون هفواته، إلى أن أضحوه من ظل نعمته، وأقصوه عن منزل كرامته، فكان كما قال صالح بن عبد القدوس: (السريع)
ما تَفْعلُ الأعْداءُ في جاهِلٍ ... ما يَفعل الجاهِلُ في نفسِهِ
وقوله: (الطويل)
لِعَيْنَيْك مَا يَلْقَى الفُؤَادُ وما لَقِي ... ولَلحُبَّ ما لَمْ يَبْقَ مِنَّي وما بَقي
قال: أي دنفي لعينيك فهما سقامي، وجسمي لحبك فهو يذيبه.
وأقول: هذه العبارة قاصرة عن هذا المعنى الطائل. والجيد أن يقال: لعينيك؛ أي: لعشق عينيك ما يلقى الفؤاد من العذاب بهجرك وبعدك وما لقي، وبحبك
стр. 159
ما لم يبق من جسمي؛ يعني: شدة النخول؛ وما بقي: يريد أن العشق أفنى بعضي وسيفي كلي؛ كأنه يقول: سهل عذاب قلبي في عشق عينيك، وسهل سقام جسمي وذهابه في حبك!
وقوله: (الطويل)
وأشْنَبَ مَعْسُولِ الثَّنياتِ واضحٍ ... سَتَرتُ فمي عنه فقَبَّلَ مَفْرقي
قال: يعني بالأشنب ثغرا.
وقال الواحدي: يعني حبيبا.
وأقول: الأحسن ما قال ابن جني، وذلك أنه قال فيما بعد:
وأَجْيَادِ غزلان. . . . . . . . .
فعطف الجيد على الثغر، عضوا على عضو، احسن مناسبة من عطف الأجياد على الحبيب.
وقوله: (الطويل)
كَسَائِلِهِ من يَسْألُ الغَيْثَ قَطرَةً ... كَعَاذِلِهِ من قَالَ للفَلكِ ارْفُقِ
стр. 160
قال: أي: فكما أن القطرة لا تؤثر في الغيث؛ فكذلك سائله لا يؤثر في ماله وجوده.
وقال الواحدي: قال العروضي: هذا الذي قاله أبو الفتح، على خلاف العادة في المدح؛ لأن العرب تمدح بالإعطاء من القليل والمواساة مع الحاجة إليه قال الله تعالى (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وقال الشاعر: (الوافر)
وَلَمْ يَكُ أكْثَرَ الفتَيانِ مالا ... ولكن كانَ أرْحَبَهُمْ ذِراعَا
وأقول: يحتمل هذا البيت معنيين:
أحدهما: أن سائله الشيء الكثير بمنزلة من يسأل الغيث قطرة؛ أي: ما يسأله حقير في جنب جوده.
والثاني: أن سائله لجهله، كمن يسأل الغيث قطرة؛ أي: ينبغي له أن لا يسأله؛ فإنه يجود بالكثير من غير سؤال كالغيث، وكذلك عاذله، في جهله، كمن يقول للفلك: ارفق، فسائله وعاذله جاهلان!
стр. 161
وقوله: (الطويل)
إذا شَاَء أنْ يَلْهُو بِلحْيَةِ أَحْمَقٍ ... أراهُ غُبَاري ثم قالَ لَهُ: الحَقِ
قال: هذا أشد مبالغة من قول أبي نواس: (البسيط)
إذَا العِتَاقُ جَرَتْ يوم الرَّهانِ بَدَا ... قَبْلَ السَّوابقِ يَحْثُو في نَواصِيهَا
فهذا يدل على قرب ما بينه وبينها لمجاورته إياها، وهذا قال: غباري فدل على بعد ما بينهما.
وقال الوحيد: وهب الله للشيخ العافية - ليس هذا ذلك، ولا بين المعنيين قرب. ولو كان كما يظن لكان (فرس) بيت أبي نواس أسبق؛ لأن فرس ذاك الممثل به جرى مع العتاق فبرز عليها، وخرج منها يحثو في نواصيها، وهذا معنى مستوفى. والمتنبي قال:
. . . . . . . . . أرَاهُ غُبَاري ثم قالَ له: ألْحَقِ
ولو كان كودنا أو حمارا لفات اللاحق لأن الغبار يرى من بعد، وقد ظلم سيف الدولة من كلفة هذا على تفسير صاحب الكتاب، لأنه أراه إياه وقد جرى فراسخ ثم قال له: الحق، فهذا ظلم، فإن لم يلحق فلا عار عليه لأنه لم يضم معه، ولم يرسلا
стр. 162
معا، وإنما أراه غباره على البعد، فليس للفائت فخر، ولا على الطالب، إن لم يلحق عيب؛ بل هو فرس مطموع في لحاقه على البعد.
وأقول: إما تمثيل بيت أبي الطيب ببيت أبي نواس فليس بينهما مماثلة. والذي ذكره الوحيد على ابن جني في هذا متوجه، والمعنى الذي أراد المتنبي: أن سيف الدولة قد ثبت عنده أني جواد لا يجارى، وسابق لا يبارى، لمن ضمني وإياه طلق، (وجمعني وإياه شأو)، فإذا أراد أن يلهو بأحمق أراه غباري، والغبار يرى من بعد، ثم قال له: الحق ولحاق الفائت إنما يكون للجواد بما دونه، فأما الكودن فإنه لا يمكنه لحاق المرسل معه، فكيف يكون مع الفائت الجواد! فأمره بذلك له هزء به وسخري منه.
وقوله: (الطويل)
وإطراقُ طَرْفِ العَيْنِ ليسَ بنافِعِ ... إذا كانَ طَرْفُ القَبْبِ ليس بمُطرِقِ
قال: الإطراق أن يرمي ببصره إلى الأرض.
قال: (الطويل)
وَمَا كنْتُ أخْشَى أنْ تكونَ مَنِيَّتي ... بِكَفَّ سَبَنْتَى أَزْرقِ العَيْنِ مُطْرِقِ
стр. 163
(وأقول:) والرواية:
وما كنتُ أخْشَى أنْ تكونَ وفَاتُهُ. . . . . . . . .
والشعر للشماخ يرثي عمر بن الخطاب ﵀.
وقوله: (الطويل)
تّذَكَّرْتُ ما بينَ العُذَيبِ وبَارِقِ ... مَجَرَّ عَوَالِينَا ومَجْرى السَّوَابقِ
قال: يعني بالعذيب: العذيبة، وهي في طريق مكة. قالوا في قول كثير: (الطويل)
خَلِيلَي إنْ أمُّ الحكيم تَحَمَّلتْ ... وأخْلَتْ بَخيْمَاتِ العُذَيب ظِلاَلَهَا
أراد العذيبة، فحذف الهاء ضرورة.
وقيل له: أما كثير فيجوز أن يكون أراد العذيبة لأنه حجازي، وأما المتنبي فالعذيب بظاهر الكوفة، وهي بلده. أيضا، ما بين العذيب وبارق يدل على
стр. 164
ذلك. ولو أراد العذيبة لكان بينهما مسافة بعيدة طويلة لا يذكر مثلها هذا الذكر، فإنما يقال: بين كذا وكذا إذا تقارب.
وأقول: إنما فسر العذيب بالعذيبة ليورد ما أورده من الترخيم في غير النداء، ومقصوده تطويل الشرح وتكثير الكلام ليري إحاطته بذلك واطلاعه عليه!
وقال في قوله:
. . . . . . . . . مَجَرَّ عَوالينا ومُجْرَى السَّوابِقِ
معنى الكلام: تذكرت مجر عوالينا ومجرى السوابق ما بين العذيب وبارق. فحمل إعرابه على هذا لا يمكن لئلا تقدم صلة (المصدر) عليه، ولكن تحمله على أن
تجعل ما بين العذيب مفعول تذكرت وتجعل مجر عوالينا ومجرى السوابق بدلا منه على أن يكون بدل الاشتمال؛ كأنه أراد: مجر عوالينا فيه، حذف: فيه للعلم بها كقولك: تذكرت أيامنا الخالية: صحتنا وشبيبتنا وأكلنا وشربنا، أي: صحتنا فيها.
وأقول: ويحتمل أن تكون ما زائدة وتكون: مجر عوالينا مفعولا لا على أنه بدل؛ أي: تذكرت بين العذيب وبارق ذلك. وهذا الوجه أوجه من قول ابن جني.
стр. 165
وقوله: (الطويل)
وصُحْبَةَ قَوْمٍ يَذْبَحونَ قَنِيصَهُمْ ... بفَضْلاتِ ما قَدْ كَسَّرُوا في المَفَارقِ
قال: أي يَذْبَحون قنيصهم ببقايا سيوفهم التي كسروها في هام أعدائهم؛ يصفهم بالفتك والتغرب والجرأة.
وأقول: إن كان (أراد) بالتكسير الانفصال والانقطاع؛ يعمي: كسر السيوف فليس بشيء! لما ذكرته في شرح الواحدي.
وقوله: (الطويل)
بلادٌ إذَا زَارَ الحِسَانَ بِغَيْرها ... حَصَى تُرْبهَا ثَقَّبْنَهُ للمَخَانِقِ
قال: أي إذا حمل حصاها من هذه الأرض إلى النساء الحسان بأرض غيرها ثقبنه لمخانقهن لحسنه ونفاسته. والحصى مرفوع بفعله.
وأقول: ويجوز أن يكون منصوبا بأنه مفعول، ويكون مزورا لنفاسته، وهو أبلغ من الأول.
стр. 166
وقوله: (الطويل)
وأَغْيَدُ يَهْوى نَفْسَُ كلُّ عَاقِلٍ ... عَفيفٍ، ويَهْوَى جِسْمَهُ كلُّ فاسِقِ
وأقول: إن المتنبي كان يبالغ في كلامه وشعره وزيه في التبادي والتعارب. والعرب لا ترى الغلام مظنة لما يراد به من الفسق وجعله بمنزلة المرأة، فلا
معنى لوصف هذا الغلام العواد المغني بحسن الجسم ووصف الفاسق بهواه لينال منه مناه.
وقوله: (الطويل)
أَلمْ يَحْذَروا أَيْدي الذي يَمْسَخُ العِدا ... ويَجْعَلُ أَيْدي الأُسْدِ أَيْدي الخَرانِقِ
قال: يد الخرانق قصيرة، أي: يذل العزيز إذا عاداه، ويقبضه عما انبسطت له يداه، وقد لاذ في هذا بقول أبي تمام: (الكامل)
لَوْ أنَّ أَيْدِيَهُمْ طِوالٌ قَصَّرَتْ ... عنه، فكيفَ تكون وهي قِصَارُ!
فيقال له: نعم! يد الخرانق قصيرة، كما ذكر، ولكنه لم يرد بها هاهنا القصر (الذي هو ضد الطول) ولكنه أراد الضعف وذلك أنه قابل بها أيدي الأسد التي إنما يراد بها الشدة لا طول الخلق.
стр. 167
وقوله: (الكامل)
أَبِنَي أَبينَا نَحْنُ أَهْلُ مَنَازِلٍ ... أَبَداً غُرَابُ البَيْنِ فِينَا يَنْعِقُ
قال: عنى بغراب البين داعي الموت، فنقل لفظ الغزل إلى الوعظ، وهذا من عاداته وحسن تصرفه.
فيقال له: ليس نقل الغزل بذكر الموت وفناء الأكاسرة، وهلاك الجبابرة، من حسن التصرف وجوده الصناعة. وذلك أن الغزل إنما ابتدئ به ليبسط النفس ويسر القلب بذكر محاسن امرأة، أو وصف كأس شراب، وما أشبه ذلك مما يرتاح به الممدوح ويصغي إليه، ثم يتخلص منه إلى مديحة، بوصف خصاله، والثناء على خلاله، فيهتاج للعطاء، ويهش للكرم، فيحصل المقصود. ولو قال: إنه يضاد جوده التصرف وحسن التلطف لكان أولى.
وقوله: (مجزوء الرجز)
أيَّ مَحَلًّ أرْتَقي ... أيَّ عَظيمٍ أَتَّقي
стр. 168
الأبيات الثلاثة.
قال: هذا غلو نستعيذ بالله منه!
وقال غيره: هذا كلام ما خرج من راس صحيح!
وقلت: إن من الشعراء من يقع منه في حال شبيبته، أو في حال غضبه، أو سكره (أشعار) يرغب العاقل المستبصر عن إثباتها له، وروايتها عنه، فيسقطها عند إفاقته وتأمله، ولا يكاد يذكرها بعد ذلك. وهذا المتنبي كان يقرأ عليه ديوان شعره إلى حين هلاكه ولا يسقط شيئا منه مما يقدح في دينه وعقله، ويثلم في فضله ومروءته، ولا يغيره. هذا مع أنه لا يشتمل على لفظ بديع ولا معنى غريب.
وقوله: (الطويل)
وقد صارت الأجْفَانُ قُرْحاً من البُكا ... وصارَ بَهاراً في الخُدودِ الشَّقَائِقُ
قد ذكرنا في خطبة كتابه هذا مل فيه، وما قال وقيل له، فلا فائدة في إعادته.
وقوله: (الطويل)
وهَزٌّ أَطَارَ النَّوْمَ حتى كأَنَّني ... من السُّكْرِ في الغَرَزَيْنِ ثَوْبٌ شُبَارِقُ
قال: يعني: هز السير، وأراد بالسكر سكر النعاس.
стр. 169
وقال الوحيد: قال: أطار النوم، ثم وصف سكر النعاس به، ولم يكن موضع: أطار النوم، ب كان ينبغي أن يكون: أطار السهر حتى كأنني بهذه الصفة، فإذا أطار النوم لم يكن ما وصفه من السكر.
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى الذي أراده (أبو) الطيب أن الراكب قد ينام على ظهر راحلته في حال سيره وسراه، فيستريح وتقوى أعضاؤه بذلك في حال انتباهه؛ وهذا هز شديد، وسير مقلق لا يمكن معه النوم لشدته، فقد أطار النوم (الذي ينتفع به) وأرخى سكر النعاس - وهو أوائل النوم - الأعضاء إلى أن صار كالثوب المشبرق، لضعف مفاصله واسترخائها.
وقوله: (الطويل)
شَدَوْا بابن إسحاقَ الحُسَينِ فَصَافَحَتْ ... ذَفَاريُهَا كِيْرانُهَا والنَّمارِقُ
قال مستشهدا على الكيران: وليست من الغريب الذي يحتاج إلى استشهاد، وإنما مقصوده ذكر هذا البيت لما فيه من المعنى وهو: (الكامل)
قَوْمٌ إذَا تَرَكَ الكِرامُ مَحَلَّهُمْ ... قَلَبُوا الثَّيابَ وأَرْدَفُوا الكِيرانَا
وقال في تفسيره: هؤلاء لصوص أخذوا في مضلة من الأرض، فكانوا إذا ضلوا
стр. 170
قلبوا ثيابهم؛ يقولون: ستنقلب حالنا هذه إلى حال أخرى.
وقال غيره: الرواية في هذا البيت الشاهد غير ما رواه وهي:
قومٌ إذَا اشْتَبَهَ الخُروقُ عليهِمُ ... قَلَبُوا الثَّيَابَ. . . . . .
وأي معنى في البيت لذكر الكرام ونزولهم في محلهم وهم في فلاة ضلالا؟
وأقول: كأن هذا البيت - أعني بيت أبي الطيب - من قول أبي نواس: (الكامل)
فإذَا قَصَرْتَ لها الزَّمَامَ سَمَا ... فَوْقَ المَقَادِمِ مِلْطَمٌ حُرُّ
وقوله: (الطويل)
غذا الهُنْدُوانِيَّاتِ بالهَامِ والطُّلَى ... فَهُنَّ مَدَارِيهَا وهُنَّ المَخانقُ
قال: غذاها، أي: تعهد هامها كما يغذى الصبي، فصارت سيوفه للهام كالمداري وفي الأعناق كالمخانق؛ أي: قد صاحبت سيوفه الهام والأعناق كما صاحبتها المداري والمخانق.
وأقول: لا يحسن هاهنا ذكر المصاحبة بين الهام والأعناق والسيوف؛ لأنها لا تبقى معها حتى تصاحبها، ولكن لما كانت تحل في الرؤوس والأعناق جعلها لها مداري ومخانق لأن تينك محلهما.
стр. 171
وقوله: (المتقارب)
وَجَدْتُ المُدامَةَ غَلاَّبَةً ... تُهَيَّجُ للمَرْءِ أَشْوَاقَهُ
تُسِيءُ من المَرْءِ تأدِيبَهُ ... ولكن تُحَسَّنُ أخلاقَهُ
قد أخذ على أبي الطيب هذا، ولم يذكر ابن جني فيه شيئا، فقيل: من ساء أدبه فهو بعيد من حسن الخلق بل في نهاية سوئه.
وقوله: (المتقارب)
وأَنْفَسُ ما للفَتَى لُبُّهُ ... وذو اللُّبِ يَكْرَهُ إنْفَاقَهُ
стр. 172
وقيل في هذا: إن العقلاء احتالوا لراحة النفس في إنفاق العقل (باللهو) وقتا ما لأنه ثقيل عليها وهو كالحابس لها، فعلى هذا لا يكره إنفاقه على الإطلاق، (وقد قال أبو تمام: (البسيط)
كانَتْ لنا ملعَباً نلهُو بزُحْرُفِهِ ... وقد يُنَفسُ من جِدَّ الفَتَى اللَّعِبُ)
وقوله: (البسيط)
لَوْ أَنَّ فَيْضَ يَدَيْهِ مَاءُ غَادِيَةٍ ... عَزَّ القَطَا في الفَيَافي مَوْضِعُ اليَبسِ
قال: استشهاد على الفيافي - قال ذو الرمة: (الطويل)
تَرَى بينَ مَجْرى نِسْعَتَيْهِ وَثِيلهِ ... هَواءً كَفَيْفَاةٍ بَدَا أَهْلُهَا قَفْرِ
стр. 173
وأقول: إن هذا البيت للحطيئة من أبيات أولها: (الطويل)
إذَا قلتُ إنَّي آيبٌ أَهْلَ قَفْرَةٍ ... وَضَعْتُ بِهَا عَنْهُ الوِليَّةَ بالقَصْرِ
وقوله: (الرجز)
أَرُدُهُ منه بِكَالسُّوذَانِقِ
стр. 174
قال: الهاء في تروده يعود على النبت، أراد: أرود فيه، فحذف حرف الجر كما قال الآخر: (الرجز)
في سَاعةٍ يُحَبُّهَا الطَّعَامُ
أي: يحب فيها
وأقول: لا حاجة إلى تقدير حذف الجر وإضماره، بل: أروده: أطلبه وأنظره.
يقال: بعثنا رائدا يرود لنا الكلأ؛ أي: ينظر ويطلب. فالفعل على هذا متعد في هذا الموضع بنفسه، غير محتاج إلى إضمار جار، وقوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا بال أحدكم فليرتد لبوله أي: ليطلب مكانا لينا.
وقوله: (الرجز)
رَحْبِ اللَّبانِ نَائِهِ الطَّرائقِ
قال: النائه: العالي الشريف؛ يقال: ناه الشيء ينوه إذا علا، ونهت به ونوهته إذا أشدت به، ومنه قيل للنواحة نواهة لرفعها صوتها. والطرائق: جمع طريق وطريفة؛
стр. 175
يعني: الخلق؛ أي: هو مرتفع الأخلاق شريفها لعتقه وكرمه.
وقال الواحدي: قال ابن فورجة: الرواية: نابه، من التنبه، يقال: أمر نابه، إذا كان عظيما جليلا، وقد أتى النابه للبحتري قال:
. . . . . . . . . . . . ويَنْحُو نَحْوهَا النَّابِهُ الغَمْرُ
وأراد بالطرائق: طرائق اللحم على متنه وكفله.
وأقول: الصحيح: نابه؛ بالياء؛ بنقطتين من تحتها، وهو المرتفع كما قال ابن جني. ولكن الطرائق (ليست) كما قال من أنه أراد الخلق، ولكن كما قال ابن فورجة، وذلك أنه في صفة خلقه لم يصل بعد إلى صفة خلقه، فأراد أن جلد لبانه رخو مستفل، وطرائق لحمه مرتفعة، فكلاهما محمود وفيه حسن صناعة بالطباق.
وقوله: (الرجز)
مُحَجَّلٍ نَهْدٍ كُمَيْتٍ زَاهِقِ
قال: الزاهق: السمين، وأنشد قول زهير: (البسيط)
. . . . . . . . . منَها الشَّنون ومنها الزَّاهِقُ الزَّهِمُ
стр. 176
ثم فسره فقال: الشنون: اليابس، لأنه مشبه بالشن؛ وهو القربة اليابسة، الخلق؛
والزاهق أكثر طرقا من الزهم.
فيقال له: من أين قلت ذلك وكلاهما السمين؟ وهل ذلك إلا تحكم ودعوى بغير بينه، ورجم ظن بغير تحقيق؟ ولو قال قائل: إنه بالضد لم تجد له مدفعا، والظاهر أنه تكرير للتأكيد، وقد جاء ذلك كثيرا.
وقوله: (الرجز)
كأنَّما الجِلْدُ لِعُرْي النَّاهِقِ
مُنْحَدِرٌ عن سِيَتَيْ جُلاَهقِ
قال: الناهق: عظم مجرى دمع الفرس؛ شبه رقة جلده وصلابته على خده بسيتي قوس البندق.
وأقول: هذه عبارة غير مرضية! إنما أراد رقة الخد (وملاسته) وخلوه من اللحم، وذلك من علامات العنق.
قوله: (الرجز)
وزَادَ في السَّاقِ على النَّقَانِقِ
стр. 177
قال: النقانق: جمع نقنق، وهو ذكر النعام، وساقه دقيقة صلبة.
هكذا رأيتها في هذه النسخة التي نقلت منها!
قال: وذلك مستحب في الخيل.
وأقول: الصواب أن يقول: غليظه صلبة. وقد قيل في قول امرئ القيس: (الطويل)
له أيْطَلاَ ظَبْيٍ وسَاقَا نَعَامةٍ. . . . . . . . .
إنما قال: ساقا نعامة لأن النعامة قصيرة الساقين صلبتهما غليظة ظمياء ليست برهلة.
وقوله: (الرجز)
أَيْ كَبْتَ كلَّ حَاسِدٍ مُنَافِقِ
قال: الكبت: القهر والإذلال؛ كأنه يخاطب ممدوحا.
فيقال: إن كان أراد بالممدوح الفرس، الذي ذكره واصفا له، فصواب. وإن أراد بالممدوح (إنسانا) فليس كذلك، ويدل على ذلك قوله: أنت لنا أي: ملكنا وكلنا ملك لله تعالى.
стр. 178
وقوله: (البسيط)
تَسْتَغْرقُ الكَفُّ فَوْدَيْهِ ومَنْكِبةُ ... وتَكْتَسِي منه ريحَ الجَوْرَبِ العَرِقِ
قال: يصفه بالدمامة وخبث العرض.
وأقول: أراد بالدمامة صغر الخلق لأنه لما قال:
تَستْغرق الكَفُّ فَوْدَيْهِ ومَنْكِبَهُ. . . . . . . . .
توهم أن ذلك معا في وقت واحد بفعل واحد، وذلك لا يلزم؛ لأن الواو لا توجب ذلك، بل تستغرق الكف الفودين في وقت، والمنكب في وقت آخر. ويريد باستغراق الكف لتلك المواضع بسطها لصفعه.
стр. 179
وقوله: (الخفيف)
ولَسِرْنَا ولو وَصَلْنَا عليها ... مِثْلَ أنَفاسِنَا على الأرْمَاقِ
قال: الأرماق: جمع رمق، وهو بقية النفس؛ أي: لو صلنا إليك وهي تحملنا على مشقة، وقد بلغنا أواخر أنفسنا.
فيقال له: ليس هذا الموضع من شأنك باستنباط معناه واستخراج غامضه! هذا أراه تشبيهين بمشبيهين: شبه أجسامهم بالأنفاس (للضعف) ولشدة النحول، وإبلهم تحتها، بالأرماق لشدة الضمر والقفول. وله مثل هذا وهو قوله: (الطويل)
بَرتَنْي السُّرَى بَرْيَ المُدَى فَرَدَدْنَني ... أخَفَّ عَلَى المَرْكُوبِ من نَفَسي جِرْمي
وقوله: (الخفيف)
كاثَرَتْ نائِلَ الأميرِ مِنَ المَا ... لِ بما نَوَّلَتْ من الإيرَاقِ
стр. 180
قال: الإيراق: مصدر أورق إيراقا. يقال: أورق الصائد إيراقا، إذا لم يصد. قرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى لجرير: (البسيط)
إذَا كَحَلْنَ عُيُونا غيرَ مُؤرِقَةٍ ... رَيَّشْنَ نَبْلاً لأَصْحابِ الصَّبا صُيُدَا
وأقول: إنما جعل الإيراق من أورق. . . إذا لم يصد لأنه رباعي نحو: أوعد إيعادا وأكرم إكراما. ولم يجعله من أرق، وهو عدم النوم، لأنه ثلاثي لا يكون على ذلك. بل يقال: أرق أرقا. فيقال: أيها النحوي التصرفي! ليس هذا من أرق، ولا مصدره إفعال، وإنما هو من: آرق: فاعل ومصدره فعال، يقال: آرق يوارق إراقا كما يقال: قاتل يقاتل قتالا. وقيل: إيراق كما قيل: قيتال؛ أبدلت الياء من حرف التضعيف طلبا للتخفيف. (أو يكون معدى بالهمزة: أأرق على وزن أفعل أفعل فمصدره إفعال كما يقال: ألم زيد وآلمه عمرو إيلاما، كذلك أرق وآرقه إيراقا)
وقوله: (الخفيف)
يَا بَني الحَارث بن لقمانَ لا تَعْ ... دَمْكُمُ في الوَغَى مُتُونُ العِتَاقِ
قال: ما أحسن ما دعا لهم! ونكت في البيت نكتا حسنا بقوله: في الوغى، وهو - لعمري - حشو لأنهم ملوك فإنما يركبون الخيل إذا طلبوا عدوا أو أثروا طردا، ولو
следующие страницы →