← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ثم فسره فقال: الشنون: اليابس، لأنه مشبه بالشن؛ وهو القربة اليابسة، الخلق؛ والزاهق أكثر طرقا من الزهم. فيقال له: من أين قلت ذلك وكلاهما السمين؟ وهل ذلك إلا تحكم ودعوى بغير بينه، ورجم ظن بغير تحقيق؟ ولو قال قائل: إنه بالضد لم تجد له مدفعا، والظاهر أنه تكرير للتأكيد، وقد جاء ذلك كثيرا. وقوله: (الرجز) كأنَّما الجِلْدُ لِعُرْي النَّاهِقِ مُنْحَدِرٌ عن سِيَتَيْ جُلاَهقِ قال: الناهق: عظم مجرى دمع الفرس؛ شبه رقة جلده وصلابته على خده بسيتي قوس البندق. وأقول: هذه عبارة غير مرضية! إنما أراد رقة الخد (وملاسته) وخلوه من اللحم، وذلك من علامات العنق. قوله: (الرجز) وزَادَ في السَّاقِ على النَّقَانِقِ

стр. 177

قال: النقانق: جمع نقنق، وهو ذكر النعام، وساقه دقيقة صلبة. هكذا رأيتها في هذه النسخة التي نقلت منها! قال: وذلك مستحب في الخيل. وأقول: الصواب أن يقول: غليظه صلبة. وقد قيل في قول امرئ القيس: (الطويل) له أيْطَلاَ ظَبْيٍ وسَاقَا نَعَامةٍ. . . . . . . . . إنما قال: ساقا نعامة لأن النعامة قصيرة الساقين صلبتهما غليظة ظمياء ليست برهلة. وقوله: (الرجز) أَيْ كَبْتَ كلَّ حَاسِدٍ مُنَافِقِ قال: الكبت: القهر والإذلال؛ كأنه يخاطب ممدوحا. فيقال: إن كان أراد بالممدوح الفرس، الذي ذكره واصفا له، فصواب. وإن أراد بالممدوح (إنسانا) فليس كذلك، ويدل على ذلك قوله: أنت لنا أي: ملكنا وكلنا ملك لله تعالى.

стр. 178

وقوله: (البسيط) تَسْتَغْرقُ الكَفُّ فَوْدَيْهِ ومَنْكِبةُ ... وتَكْتَسِي منه ريحَ الجَوْرَبِ العَرِقِ قال: يصفه بالدمامة وخبث العرض. وأقول: أراد بالدمامة صغر الخلق لأنه لما قال: تَستْغرق الكَفُّ فَوْدَيْهِ ومَنْكِبَهُ. . . . . . . . . توهم أن ذلك معا في وقت واحد بفعل واحد، وذلك لا يلزم؛ لأن الواو لا توجب ذلك، بل تستغرق الكف الفودين في وقت، والمنكب في وقت آخر. ويريد باستغراق الكف لتلك المواضع بسطها لصفعه.

стр. 179

وقوله: (الخفيف) ولَسِرْنَا ولو وَصَلْنَا عليها ... مِثْلَ أنَفاسِنَا على الأرْمَاقِ قال: الأرماق: جمع رمق، وهو بقية النفس؛ أي: لو صلنا إليك وهي تحملنا على مشقة، وقد بلغنا أواخر أنفسنا. فيقال له: ليس هذا الموضع من شأنك باستنباط معناه واستخراج غامضه! هذا أراه تشبيهين بمشبيهين: شبه أجسامهم بالأنفاس (للضعف) ولشدة النحول، وإبلهم تحتها، بالأرماق لشدة الضمر والقفول. وله مثل هذا وهو قوله: (الطويل) بَرتَنْي السُّرَى بَرْيَ المُدَى فَرَدَدْنَني ... أخَفَّ عَلَى المَرْكُوبِ من نَفَسي جِرْمي وقوله: (الخفيف) كاثَرَتْ نائِلَ الأميرِ مِنَ المَا ... لِ بما نَوَّلَتْ من الإيرَاقِ

стр. 180

قال: الإيراق: مصدر أورق إيراقا. يقال: أورق الصائد إيراقا، إذا لم يصد. قرأت على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى لجرير: (البسيط) إذَا كَحَلْنَ عُيُونا غيرَ مُؤرِقَةٍ ... رَيَّشْنَ نَبْلاً لأَصْحابِ الصَّبا صُيُدَا وأقول: إنما جعل الإيراق من أورق. . . إذا لم يصد لأنه رباعي نحو: أوعد إيعادا وأكرم إكراما. ولم يجعله من أرق، وهو عدم النوم، لأنه ثلاثي لا يكون على ذلك. بل يقال: أرق أرقا. فيقال: أيها النحوي التصرفي! ليس هذا من أرق، ولا مصدره إفعال، وإنما هو من: آرق: فاعل ومصدره فعال، يقال: آرق يوارق إراقا كما يقال: قاتل يقاتل قتالا. وقيل: إيراق كما قيل: قيتال؛ أبدلت الياء من حرف التضعيف طلبا للتخفيف. (أو يكون معدى بالهمزة: أأرق على وزن أفعل أفعل فمصدره إفعال كما يقال: ألم زيد وآلمه عمرو إيلاما، كذلك أرق وآرقه إيراقا) وقوله: (الخفيف) يَا بَني الحَارث بن لقمانَ لا تَعْ ... دَمْكُمُ في الوَغَى مُتُونُ العِتَاقِ قال: ما أحسن ما دعا لهم! ونكت في البيت نكتا حسنا بقوله: في الوغى، وهو - لعمري - حشو لأنهم ملوك فإنما يركبون الخيل إذا طلبوا عدوا أو أثروا طردا، ولو

стр. 181

لم يقل: في الوغى لكان قد دعا لهم أن لا يفارقوا متونها في كل وقت وهذا من أفعال الرواض لا الملوك! لأنهم يحتاجون إلى تدبير الملك، واستخلاص الرأي، وهذا إنما يليق به الخلوة والاستقرار. وقد قيل على ذلك: إنه لو لم يقل في الوغى إنه أيضا دعاء لهم بأن لا يزالوا ممن يركبها، والغرض معروف، والمعنى ظاهر لا يلبس بغيرهم من الرواض وأشباههم. واستشهد - (أعني ابن جني) - على قوله بأن الركوب إنما يكون في وقت القتال بأبيات ثم قال: وأما قول عنترة: (الكامل) تُمْسِي وتُصْبِحُ فَوْقَ ظَهْرِ حَشِيَّةٍ ... وأبيتُ فَوْقَ سَراةِ أدهَمَ مُلْجَمِ فهذا مما توصف به الصعاليك لا الملوك. قال: وقوله: وأبيت ليلا، وأظل نهارا، وإذا كان يبيت على فرسه فهو بأن يكون عليه نهارا أحرى. كأنه يقول: إن أمري يضاد من تلك عليه؛ لأنها تمسي وتصبح في التنعم، وأنا أمسي وأصبح في الشقاء. وأقول: لا يلزم إذا قال: . . . . . . . . . وأبيتُ فَوْقَ سَراةِ أَدْهَمَ. . .

стр. 182

أن يظل أيضا فوقه، بل يحتمل أن يظل نهاره مرتقبا كامنا طلبا للغارة، ويمسي ليلة ساريا لئلا ينكشف، فيصابح الغارة صباحا كعادتهم الجارية على ذلك ويدل عليه قول لبيد: (الكامل) فَعَلَوْتُ مُرْتَقِباً على مَرْهوبةٍ ... حَرجٍ على أعلاْمِهِنَّ قَتامُهَا حتى إذا ألْقَتْ يَداً في كافرٍ ... وأجنَّ عَوْراتِ الثُغورِ ظَلامُهَا أسْهَلْتُ وانْتَصَبَتْ مجِذْعِ مُنِيفَةٍ ... جَرْدَاَء يَحْصَرُ دُونَها جُرَّامُهَا (ومثله قول أبي الطيب: (الطويل) ويومٍ كلَيْلِ العَاشِقين كَمَنْتُهُ ... أرَاقِبُ فيه الشَّمْسَ أيانَ تَغْرُبُ) وقوله: (الخفيف) جَاعِلٍ دِرْعَهُ مَنِيَّتَهُ إنْ ... لم يَكُنْ دونَهَا من العارِ واقي قال: أي ينضم في منيته كما ينضم في درعه. وأقول: هذا ليس بشيء يمال إليه أو يعرج عليه! وإنما أراد أن هذا الممدوح إذا اتقى غيره المنية بالعار، من نحو الهرب أو الاستسلام، أتقى هو العار بالمنية - (أي: يقتل ولا يلحقه عار) - فجعلها له كالدرع، وهذا من المقلوب الذي يستعمله كثيرا ويجيده؛

стр. 183

ومنه قوله: (الخفيف) وإذَا أشْفَقَ الفَوارسُ من وَقْ ... عِ القَنَا أشْفَقُوا من الإشفْاقِ وقوله: (الخفيف) لو تَنَكَّرْتَ في المَكَرَّ لقَومٍ ... حَلَفُوا أنَّك ابنُهُ بالطَّلاَقِ قال: في المكر - وإن كان أيضا حشوا - فإنه شبهه به في المكان الذي يتيقن فيه الفضل والشجاعة، فذكر أشرف المواضع فجعل أشبهه به فيه لا في غيره مما ليس له شهرته، وهذا النكت الحسن كثير في شعر البحتري. فيقال له: هذا - لعمري - نكت (حسن) كما قلت، ولكن لم نتبين ما هو، ولا لم خص الشكر بالمكر دون غيره؟! وقد بينته في شرح التبريزي. وقوله: (الخفيف) كَيْفَ يَقْوَى بِكَفَّكَ الزَّنْدُ والآ ... فَاقُ فيها كالكَفَّ في الآفاقِ

стр. 184

قال: وهذا مثل قول مروان بن أبي حفصة: (الطويل) فَيَا قَبْرَ مَعْنٍ كَيْفَ وَارَيْتَ جُودَهُ ... وَقدْ كان منه البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا فيقال له: ليس هذا لمروان وإنما هو للحسين بن مطير؛ ذكره أبو تمام من كتاب (الحماسة) في باب المراثي من قطعة مشهورة أولها: (الطويل) ألِمَّا عَلى مَعْنٍ. . . . . . . . . . . . . وقوله: (الخفيف) والأَسَى قبل فُرْقَةِ النفس عَجْزٌ ... والأسَى لا يَكونُ بعد الفِراقِ قال: مصراعه الأول احتجاج على من شح بنفسه، ومصراعه الآخر احتجاج له؛

стр. 185

أي: هو - لعمري - وإن كان كذا - فإن مفارقة الروح تبطل العجز غيره، وهي النهاية في الخوف والحذر. فيقال له: ليس المصراع الآخر احتجاجا عليه مثل الأول. يقول: الحزن على النفس قبل فرقتها عجز، أي: ينبغي للإنسان أن لا يحزن على الشيء قبل فقده، والحزن بعد فراق النفس لا يكون، لأن الحزن إنما يكون للحي، فإذا ذهبت النفس فلا حياة، فلا حزن! وقوله: (الخفيف) شَاعِرُ المَجْدِ خِدْنُهُ شَاعِرُ اللَّفْ ... ظِ كلانَا رَبُّ المَعَاني الدَّقَاقِ قال: وهذا البيت كأنه تفسير الذي قبله وقد سبق إليه البحتري؛ يقول (الكامل) غَرُبَتْ خَلائِقُهُ وأَغْرَبَ شاعِرٌ ... (فيه) فأحَسَنَ مُغْرِبٌ في مُغْرِبِ وأقول: هكذا رأيته في هذه النسخة أنه للبحتري، والصحيح أنه لأبي تمام من قصيدة يمدح بها عمر بن طوق أولها: (الكامل) أَحْسِنْ بأيَّامِ العَقيقِ وأَطْيِبِ. . . . . . . . .

стр. 186

وقوله: (المنسرح) كُنْ لًجَّةً أيُّها السَّمَاحُ فقد ... آمنهُ سَيْفُهُ من الغَرَقِ قال: أي: سيفه له جنة من كل عدو ناطقا كان أو غير ناطق. وأقول: هذا يقال له فيه: دعوه فإنه يهجر! والمعنى: وصفه له بكثرة العطاء والشجاعة، فقال: كُنْ لُجَّةً أيها السَّماحُ. . . . . . . . . . . . أي: كن كثيرا؛ فإنك لا تقدر على إغراقه. أي: لا يخشى عليه منك فقر وإجحاف لأن سيفه قد آمنه من ذلك، وذلك بما يجدد له من أخذ مال أعدائه بإغارته عليهم وقتله لهم. وقوله: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 187

وقوله: (الوافر) إذا التَّودِيعُ أَعْرَضَ قالَ قَلْبي ... عليكَ الصَّمْتَ لا صَاحَبْتَ فَاكَا! (قال:) أي: قال لي قلبي: لا تمدح أحدا بعده. وأقول: إن قوله في هذا: لا تمدح أحدا تفسير لا يقوله أحد، وهل يشكل هذا على من له أدنى تبصر، وأيسر تفكر وقد قال: إذا التَّوديعُ أَعْرَضَ. . . . . . . . . . . . أن قلبه يأمره بالصمت عن ذكر الوداع الذي هو مقدمة الفراق، وقوله: . . . . . . . . . . . . لا صَاحَبْتَ فَاكَا دعاء عليه نطق به. أولا يرى إلى البيت الذي بعده وهو قوله: (الوافر) ولولاَ أن أكْثَرَ ما تَمَنَّى ... مُعَاوَدَة لقُلْتُ ولا مُنَاكَا كأنه وقع بينه قلبه خصام ومنازعة، فدعا عليه قلبه بأن قال: لا صحبت فاك إن ذكرت الوداع! وقال هو لقلبه: ولولا أن أكثر مناك المعاودة إلى عضد الدولة لقلت: وأنت، لا صاحبت مناك! فإنما قلبه أمر قلبه له بالصمت عن ذكر الوداع لا عن مدح غيره!

стр. 188

وقوله: (الوافر) أَذَمَّتْ مَكُرُمَاتُ أبي شُجَاعٍ ... لِعَيْني من نَوَايَ على أُولاكَا قال: أي منعت مكرماته عيني أن تجري منهما دموع كاذبة، أو أختار البعد والمقام دونه لأني لا أعطى عنه الصبر لما فعلت بي. فيقال له: هذا ليس لعشك فادرجي! والمعنى - أيها الشيخ - بضد ما ذكرته! فليتأمل في شرح الواحدي! وقوله: (الوافر) فلا غِيضَتْ بحَارُكَ يا جَمُوماً ... عَلَى عَلَلِ الغَرائِبِ والدَّخَالِ قال: الدخال: أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا على الماء ثانية لقلة الماء، وقال لبيد - وهو من أبيات الكتاب -: (الوافر)

стр. 189

فأرْسَلَهَا العِراكَ ولم يَذُدْهَا ... ولم يُشْفِقْ على نَغَصِ الدَّخَالِ ثم قال: وهذا البيت - يعني بيت المتنبي - أبلغ في ذكر العطاء والسعة من قول الكميت: (المتقارب) أناسٌ إذا وَرَدَتْ بَحْرَهُمْ ... صَوَادي الغَرائِبِ لم تُضْرَبِ لأنه لم يصرح بالجموم مع الورود، والمتنبي صرح به وذكر أيضا الدخال وأنه يجم أوقات القلة، فزاد فيه وصار أحق به لما ذكرت لك. فيقال له: ليس ذكر الدخال بزيادة في المعنى بل نقص! وذلك لما فسره من أنه دخول بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا لقلة الماء، فهذا نقص لقوله: فَلا غِيضَتْ بِحَارُكَ يا جَمُوماً. . . . . . . . . لأن البحر هو الماء الكثير فلا ترده الإبل دخالا بل جملة مرة واحدة لكثرته. وأما بيت الكميت فإنه صحيح المعنى، حسن اللفظ، منصب في قالب الاسترسال بالطبع. وقوله: (المتقارب) ولَّما نَشِفْنَ لَقِينَ السَّيَاطَ ... بِمِثْلِ صَفَا البَلَدِ المَاحِلِ

стр. 190

قال: أي: لما نشفن من العرق وضربن بالسياط وقعت في مفاصلها على مثل صفا البلد الماحل. والصفا: الصخر، والماحل: الذي لا مطر فيه؛ فليس على صفاه نبت بل أقرع فهو أصلب له. وهذا كقول الآخر: (الطويل) وأَحْمَرَ كالدَّينارِ أمَّا سَماؤهُ ... فَرَيَّا وأمَّا أَرْضُهُ فَمَحُولُ فيقال له: أما تفسيرك البيت فحسن، وأما تمثيلك له بقول الآخر فليس بحسن؛ وذلك أنه قال: . . . . . . . . . أما سَمَاؤهُ ... فَرَيَّا. . . . . . يعني أهلاه؛ كفله وظهره وما والاهما، والري ضد المحل، وقوله: . . . . . . . . . . . . وأمَّا أَرْضُهُ فَمَحُولُ يعني قوائمه، فكنى بالري عن السمن وكثرة اللحم، وبالمحل عن التجرد من اللحم. وإنما بيت أبي الطيب أقرب إلى التمثيل بقول علقمة: (البسيط) . . . . . . . . . جلذيَّةٌ كَاَتَانِ الضَّحْلِ عُلْكَومُ وقوله: (المتقارب) وما بينَ كَاذَتَيِ المُسْتَغيرِ ... كما بينَ كَاذَتَيِ البَائلِ قال: المستغير: الذي يطلب الغارة، قد (اتسعت) فروجهن لشدة العدو.

стр. 191

فيقال له: بل اتسعت فروجهن لجودة الخلق، وذلك أنه يستحب سعة ما بين أيديهن وارجلهن فإن الضيق عيب. وقد قال زهير: (البسيط) . . . . . . . . . ر فَحجٌ فيَها ولا صحَكُ وقوله: (المتقارب) فَلُقَّينَ كُلَّ رُدَيْنِةٍ ... ومَصبْوحَةٍ لَبَنَ الشَّائِلِ قال: سألت أبا الطيب وقت القراءة عليه عن هذا فقلت: إن الشائل لا لبن لها، وإنما التي بها بقية من لبنها هي التي يقال لها الشائلة - بالهاء. قال: أردت الهاء فحذفتها! فيقال له: حذف الحرف الفارق بين الضدين ضعيف. قال: وسألته عن غرضه في لبن الشائلة فقال: إن الناقة إذا شالت شال لبنها، فحذف ومرؤ، ونجع في شاربيه، فلم يسقوه إلا كرائم خيلهم، والأمر على ما ذكر، وبذلك وردت أشعارهم. فيقال له: أما كونه خفيفا مريئا (فيحتاج) إلى استشهاد عليه. وأما كونه لذيذا طيبا، فالمعروف بذلك ألبان الحديثات النتاج؛ قال أبو ذؤيب: (الطويل)

стр. 192

وإنَّ حَدِيثاً منكِ لو تَبْذُلينَهُ ... جَنَى النَّحْلِ في أليْانِ عُوذٍ مَطَافِلِ مَطَافِيلَ أبْكَارٍ حَديثٍ نِتَاجُهَا ... تُشَابُ بِمَاءٍ مثلِ مَاءِ المَفَاصِلِ فاللذيذُ السائغ أنجع وأنفع من غيره. وإنما ألبان الشول تقل وتعز فلا تسقى إلا كرائم الخيل. قال: (الطويل) جَزَاني بِلالي ذو الخِمَرِ وصُنعُهُ ... إذَا بَاتَ أطواءٌ بنيَّ الأصاغِرُ أخادِعُهُمْ عنه لِيُغْبَقَ دونَهُمْ ... وأَعْلَمُ أنَّي بعدَ ذاك مُغَاوِرُ وأما روايته عنه فكروايته عنه غيرها مما يشهد المعنى أو العرف بخلافه. وقوله: (المتقارب) بِضَرْبٍ يَعُمُّهُمُ جَائِرٍ ... له فِيهمُ قِسْمَةُ العَادِلِ قال: هذا الضرب، وإن كان لإفراطه جورا، فإن قسمته في الحقيقة عدل؛ لأن قتل مثله وقربه إلى الله وهذا مثل قول أبي تمام: (الكامل) أنْ لَسْتَ نعمَ الجَارُ للسُّنَنِ الأُلَى ... إلاَّ إذَا ما كُنْتَ بئْسَ الجَارُ

стр. 193

فيقال له: إن لك أن لا تصيب، وعليك أن تخطئ إلا نادرا! وهذا الذي قلته لا يقوله أقل محصل وأدنى متأمل! والمعنى ما ذكرته في شرح أبي العلاء. وقوله: (المتقارب) فَظَلَّ يُخَضَّبُ منها اللَّحى ... فَتًى لا يُعيدُ على نَاصِلِ قال: الناصل: المضروب بالنصل، وهو فاعل بمعنى مفعول. أراد إذا ضرب إنسانا بسيفه لم يبق ما يحتاج له إلى إعادة الضربة كما قال طرفة: (الطويل) حًسَامٌ إذَا ما قُمتُ مُنْتَصِراً به ... كَفَى العَوْدَ منه البَدْءُ ليسَ بِمُعْضَدِ فيقال له: أما ناصل بمعنى منصول فليس بشيء! وهذا تعسف وتكلف لا يحتاج إليه، بل الناصل ها هنا من نصول الخضاب؛ يقول: إذا ضرب خصمه ضربة فخضبه بدمه لم يبق، فينصل الخضاب فيحتاج إلى ضربة أخرى إعادته، وهو كما ذكر من قول طرفة، وقد زاد عليه زيادة حسنة يتبينها أولو المعرفة! وقوله: (المتقارب) فإنَّ الحُسامَ الخَضِيبَ الذي ... قُتِلْتُمْ به في يدِ القَاتِلِ

стр. 194

قال: الخضيب: الذي من شأنه أن يخضب، وهذا مثل قول الآخر - أخبرنا به ابن مقسم عن ثعلب -: (الوافر) كَذَبْتُمْ - والذي رَفَع المعالي ... ولَّما يَخْضِبِ الأسَلَ الخَضِيبُ وأقول: إنه يحيد عن الظاهر الحسن إلى الجافي البعيد الغريب لبيت نادر يقع إليه، فيعول في المهم عليه! وأسهل من هذا يكون الخضيب بمعنى المخضوب، إلا أنه لما ظفر بذلك البيت استشهادا على قوله، ترك المألوف المعروف ميلا إلى الإغراب، وتركا للصواب، ولم يذكر هذا الوجه وهو باد لفظه للفهم سافر، واف معناه في الصحة وافر! وقوله: (المتقارب) يَقُدُّ عِدَاهَا بلا ضَارِبٍ ... ويَسْرِي إليهم بلا حَامِلٍ أي: ليس هو من الحقيقة سيفا فيحتاج إلى ضارب وحامل، وإنما هو سيف الدولة. وأقول: الجيد أن يقال: إن سيف الدولة سيف لا كالسيوف؛ لأن السيوف تحتاج إلى ضارب وحامل، وهذا بخلافها. وفيه إشارة إلى عدم مساعد، وفقد معاضد لقوله قبله: (المتقارب)

стр. 195

أمَا للخلافَة من مُشْفِقٍ ... على سَيْفِ دَوْلَتِها القَاصِلِ وقوله: (البسيط) يَعُودُ من كُلَّ فَتْحٍ غيرَ مُفْتَخِرٍ ... وقد أغَذَّ إليه غَيْرَ مُحْتَفِلِ قال: أغذ: جد في السير، فإن قيل: كيف يكون مغذا غير محتفل؟ فإنما يعني أنه غير محتفل عند نفسه وإن كان محتفلا عند غيره؛ لأن كبير الأشياء عند سواه صغير عنده. فيقال له: ليس بين إغذاذ السير وترك الاحتفال تناقض أو تضاد؛ لأن ذلك إسراع إلى فتح الأمصار، وقتل الأعداء بغير احتشاد، وذلك ممكن، وهو مثل قوله: (الطويل) وما هي إلاَّ خَطْرَةٌ خَطَرَتْ له ... بحَرَّان لَبَّتْهَا قَنا ونُصُولُ وقوله: (المتقارب) ومثلُ الذي دُسْتَهُ حَافِياً ... يُؤثَّرُ في قَدَمِ النَّاعِلِ

стр. 196

وقوله: (الطويل) بِمَوْلودِهِمْ صَمْتُ اللَّسَانِ كَغَيرهِ ... ولكِنَّ في أَعْطَافِهِ مَنْطِقَ الفَضْلِ قال: الصمت والصمات مصدر صمت، وأنشد لبعض الأعراب يذكر إبلا: (الرجز) ما أنْ رأيتُ من مُغَنَّيَاتِ ذَوَاتِ آذانِ وجُمْجُمَاتِ أصْبَرَ منهُنَّ على الصُّمَاتِ قالوا: غناؤها: صريفها بأنيابها. وقل أبو زيد: يغنين بالحداء، وأنشد: (الرجز) فَغَنَّها وهي لك الفِدَاءُ إنَّ غِنَاءَ الإبلِ الحُدادُ وقال بعضهم: غناؤهن: أطيط رحالهن. وأقول: ينبغي أن تكون الرواية على ما ذكر. ولم تتبين له بكسر العين من

стр. 197

مغنيات وفتحها - اسم فاعل أو اسم مفعول - فإذا كان اسم فاعل فقد جعلها تغني مع أنها لا تتكلم، يعني بالصريف، وذلك عجيب منه. ومنه قول المثقب: (الوافر) وتسمَعُ للذُّبابِ إذا تَغَنَّى ... كَتَغْريدِ الحَمَامِ على الوُكُونِ قال الأصمعي: الذباب هاهنا: حد نابها إذا صرفت. وإذا كانت اسم مفعول فقد جعلها صابرة لا تأوه وتوجع كما يفعل ذلك الي يسمع الغناء؛ أي: لا ترغو في حال السير للكلال والإعياء كما قال الأعشى: (المتقارب) كَتُوم الرُّغاءِ إذَا هَجَّرَتْ ... وكانَتْ بَقِيَّةَ ذَوْدٍ كُتُمْ وذلك أيضا غريب. وقوله: (الطويل) بَدَا وَلَهُ وَعْدُ السَّحابةِ بالرَّوَى ... وصضدَّ وفينَا غُلَّةُ البَلَدِ المَحْلِ وأنشد استشهادا على الروي بقول عمرو بن قعاس المرادي: (الوافر) وماءٍ ليسَ من غُدُرٍ رَوَاءِ ... ولا مَاءِ السَّماءِ قد اسْتَقَيْتُ قال: يعني أنه رشف ريق امرأة. فيقال: هذا إن دلت عليه قرينة، وإلا فالمراد بذلك الماء ماء الكرش الذي يفتظ بعقر الإبل عند عدم الماء، فيخرج فيعتصر ويشرب كقوله: (الطويل)

стр. 198

توخَّى بها مَجْرى سُهَيل ودونَهُ ... من الشَّامِ أعلامٌ تطولُ وتَقْصُرُ فلمَّا رأى أنَّ النَّطافَ تعذَّرَتْ ... رَأى أنَّ ذَا الكلْبينِ لا يَعَذَّرُ وقول الآخر: (الطويل) ويَهْمَاَء يَسْتَافُ الدَّليلُ تُرابَهَا ... وليسَ بها اليَمَانيَّ خَالِفُ أي: مستق. وقوله: (البسيط) ما بَالُ كُلَّ فُؤَادٍ في عَشِيرتها ... بها الذي بي وما بي غَيْرُ مُنْتَقِلِ قال: أي: جميعنا ثابت المحبة لها غير منتقل الهوى عنها. وقال غيره آخذا على أبي الطيب: كان ينبغي ان يكون: ما بال العشاق تنتقل، وما بي غير منتقل. وكلاهما لم يصب الصواب! والمعنى: إنه كان ينبغي أن ينتقل ما بي من الهوى وأسلو إذ كان كل واحد من

стр. 199

عشيرتها عاشقا كعشقي، فيكونون، حينئذ، أشد غيره عليها، وحماية من دونها، وحفظا لها، فأياس منها فأسلو عنها. وقوله: (البسيط) وما الفِرَارُ إلى الأجْبَال من أسدٍ ... تُمْسِي النَّعَام به في مَعقْقِلِ الوعَلِ قال: أي: قد أخرج النعام عن البر إلى الاعتصام برؤوس الجبال. وقيل له: أنت أضل من الضب عن حجره! فأين يذهب بك! شبه خيله بالنعام لسرعتها. ومعناه: تمسي به الخيل المشبهة للنعام سرعة، في معقل الوعل؛ يعني رأس الجبل. يقول: أين الفرار إلى الأجبال ممن هذه حاله؟ وأقول: قد روي: تمسي بالشين المعجمة والسين، وقد ذكرت ما معناهما في شرح الواحدي. وقوله: (البسيط) وكُلَّمَا حَلَمَتْ عَذْرَاءُ عندهُمُ ... فإنَّما حَلَمَتْ بالسبَّيِ والجَمَل

стр. 200

قال: أي: لخوفها ذلك، واستماعها إياه. وقد أخذ على أبي الطيب قوله: عذراء وتخصيصها بذلك دون غيرها، إذ كان من طريق الخوف، وهو قد عم القوم كما ذكر. وقيل: إن غير العذراء أولى لأنها أعلم بالأمور، وأثبت قلبا، وأكثر تجارب. وأقول: إنما خص العذراء، وهي البكر، لأنها أشفق على نفسها من غيرها، لأنها تخاف أن تفتض بالسبي فليزم العار عشيرتها وأهل دينها. وقوله: (الطويل) إذَا كانَ شَمُّ الرَّوح أَدْنَى إليكم ... فلا بَرِحَتْني رَوْضَةٌ وقَبُولُ قد ذكرت في شرح الواحدي قوله، وما قيل فيه، وبينت الوجه الذي أراده الشاعر ولم يبينه سواي أحد!

стр. 201

وقوله: (الطويل) وأضْحَتْ بحصْنِ الرَّانِ رَزْحَى من الوَجَى ... وكلُّ عَزيزٍ للأمير ذَلِيلُ قال: وقوله: . . . . . . . . . وكلُّ عَزيزٍ للأميرِ ذَليلُ اعتذار لها؛ أي: لم يلحقها ذلك لضعفها؛ ولكن كلفها من همة صعبا. وأقول: هذا ليس بشيء! وقوله: . . . . . . . . . وكُلَّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَليلُ ليس فيه إشارة إلى الخيل واعتذار لها بأنها لم يلحقها ذلك لضعفها وكلالها، بل أخبار عن علو هم سيف الدولة وشدة عزمه بما كلفها من شدة السير، وطول الغزو، إلى أن كلت في حال ذل له به كل عزيز. وقوله: (الطويل)

стр. 202

أتَاكَ كأنَّ الرأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُ ... وتَنْقَدُّ تحْتَ الذُّعْرِ منه المَفَاصِلُ قال: أي: يتبرأ بعضه من بعض لإقدامه على المصير إليك هيبة لك. وأقول: هذا التفسير بضد المعنى؛ ولو قال في موضع يتبرأ بعضه من بعض: يتداخل بعضه في بعض لأصاب؛ لأن الخائف كذلك يفعل؛ يتجمع ويتضاءل، والآمن يتظاهر ويتطاول. وقوله: (الطويل) كَريمٌ إذَا اسْتُوهِبْتَ مَا أَنْتَ راكِبٌ ... وقد لَقِحَتْ حَرْبٌ فإنكَ نَازِلُ قال: وهو كقوله: (الوافر) ولو يَمَّمْتَهُمْ في الحَشْرِ تَجْدو ... لأعْطَوْكَ الذي صَلَّوا وصَامُوا وأقول: ويحتمل أن يكون هذا من قول أبي تمام: (الطويل) أخا الحَرْبِ! كَمْ أَلْقَحْتَها وهي حَائِلٌ ... وأَخَّرْتَهَا عن وَقْتِها وهي مَاخِصُ فيكون قوله: . . . إذَا استُوهِبْتَ ما أنتَ راكِبٌ. . . . . . . . . من الجد في القتال، وقد لحقت الحرب، أي: في أوائلها وعند اتصالها فإنك نازل؛ أي: تارك لها كرما وحياء وإبقاء. ويكون هذا البيت مثل شطر بيت أبي تمام

стр. 203

إلا أن أبا الطيب كان إذا أخذ معنى زاد عليه ولم ينقص منه، والجيد حمله على التفسير الأول. وقوله: (الطويل) إذَا الجُودِ أعْطِ النَّاسَ ما أنتَ مالِكٌ ... ولا تُعْطِيَنَّ الناسَ ما أنَا قائِلُ قال: أي: لا تعط الناس أشعاري فيفسدوها بأخذ معانيها. وقيل فيه معنى آخر: وهو أنه خوفه بارتحاله عنه إلى غيره؛ يقول: لا تعاملني معاملة أرحل بسببها فيحصل مدحي لغيرك، كأنك أنت أعطيته إياه! وقوله: (الخفيف) خِطْبةٌ لِلحِمامِ ليس لها رَدْ ... دُ وإنْ كانَتِ المُسَمَّةَ ثُكْلاَ قال: يقول: الموت يجري مجرى الخطبة من الحمام للميت، وإن كان الناس يسمونه ثكلا. وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما قال: خِطْبَةٌ لِلخَمامِ ليسَ لهَرَدْ ... دٌ. . . . . .

стр. 204

أشار إلى هذه الميتة بأنها شريفة، وأن ليس لها كفؤ فيكون منه خطبة لها، فلو كان الخاطب (لها) غير الموت لرد. وكأن هذا ينظر إلى بيت مهلهل: (المنسرح) أنْكَحَها فَقْدُها الأرَاقِمَ في ... جَنْبٍ وكانَ الحِبَاءُ من أدَمِ لَو بأبانَيْنِ جاَء يَخْطُبُها ... ضُرَّج ما أنفُ خَاطبٍ بَدَمٍ والذي يَدُلُّ على صِحَّة هذَا التفسير البيت الذي يليه وهو قوله: (الخفيف) وإذَا لم تَجِدْ من النَّاسِ كفؤاً ... ذاتُ خِدْرٍ أَرَادَتِ المَوتَ المَوتَ بَعْلا وقوله: (الخفيف) شِيَمُ الغَانِيات فِيهَا فَلاَ أَدْ ... رِي لذا أنَّثَ اسْمَها الناسُ أَمْ لاَ قال: إنما سميت الدنيا لأنها الدار الدانية، وليست الآخرة المتوقعة، فأظهر تجاهلا ب ذا لما فيه عذوبة اللفظ وصنعة الشعر، وهذا كقول زهير: (الوافر) وما أدْرِي وَسَوْفَ إخالُ أَدْرِي ... أَقَوْمٌ آلُ حِصْنِ أم نِسَاءُ أي: أرجال أم نساء هم، وهو يدري أنهم رجال، ولكن تعامى عن هذا؛ لأن فيه ضربا من الهزء. وأقول: ليس التشكك والتجاهل في بيت المتنبي لأجل عذوبة اللفظ وصنعة الشعر،

стр. 205

ولكن للتقريب بين الدنيا وبين النساء في الأخلاق وتقلبها وأنها لا تدوم على حال، وذلك (في التقريب) مثل قول ذي الرمة: (الطويل) أَيا ظَبْيَةَ الوَعْسَاءِ بين جُلاَجِل ... وبين النَّقَا أنتِ أَمْ أُمُّ سَالمِ وكذلك القول في بيت زهير، وفيه زيادة ما ذكره من التهكم بهم والسخري منهم. وقوله: (الخفيف) فأتَتْهُمْ خَوضرقَ الأرْضِ ما تَحْ ... مِلُ إلاَّ والأبْطاَلاَ قال: أي: تخرق الأرض بحوافرها؛ يعني خيل سف الدولة، وهذا نحو قوله: (الوافر) إذَا وَطئَتْ بأيْدِيها صُخُوراً ... بَقينَ لِوَطءِ أرْجُلِها رِمَالاَ وقوله: (الرجز) يَتْرُكُ في حِجَارةِ الأبَارقِ آثارَ قَلْع الحَلْي في المَناطِقِ

стр. 206

وقول أبي النجم: (الرجز) يُغَادرُ الصَّمْدَ كظَهْرِ الأجْزَلِ فيقال له: لم يرد شدة التأثير بالحوافز كما زعمت، وإنما يريد قطع الأرض بسرعة، كقوله تعالى: (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا). وقوله: (الخفيف) أَقْلَقَتْهُ بَنِيَّةٌ بَيْنَ أُذْنَيْ ... - هِ وبَانٍ بَغَى السَّماَء فَنَالاَ قال: يعني قلعة الحدث، وذكر مؤخر رأسه لأن أبلغ في هجائه. فيقال له: لم يرد مؤخر رأسه ولا هجاءه بذلك، وقوله: بين أذنيه، أراد: جملة رأسه، وهذا كما يقال: يعجبني ما بين شفتيها، يعني: ثغرها، وما بين جفنيها، يعني: طرفها. والمعنى: أن هذه البنية كأنها، لثقلها عليه، حامل لها فوق رأسه، البيت الذي بعده يدل على ما قلته وهو: (الخفيف) كُلَّمَا رَامَ حَطَّهَا اتَّسَعَ البَنْ ... يُ فَغَطَّى جَبِيْنَهُ والقَذَالاَ

стр. 207

وقوله: (الخفيف) أخَذُوا الطُّرْقَ يَقْطَعُون بها الرُّسْ ... لَ فكانَ انقِطَاعٌها إرْسَالاَ قال: أي: لما أبطأت الأخبار، وخالفت العادة، تطلعوا إلى ما وراء ذلك؛ فوقعوا على الخبر، فعادوا به إلى سيف الدولة. وقال الواحدي: تطلع سيف الدولة. (وأقول:) وكلاهما أخطأ المعنى وهو ما ذكرت في شرح الواحدي. وقوله: (الخفيف) تَحْمِلُ الرَّيحُ بينَهُمْ شَعَرَ الهَا ... مِ وتُذْرِي عليهمُ الأَوْصَالاَ قال: أي لم يبعد العهد بمن قتلته، فشعورهم وأوصالهم هناك موجودة بعد. فيقال له: لا تطير الريح الشعور عن الرؤوس، وتذري الأوصال من العظام إلا لكثرة بلى، وطول عهد بالحياة، ولكن ليس بطول أفنى رسوم الأجسام، وأعدم ما يدل عليه

стр. 208

من الآثار، وقوله (قبله): (الخفيف) نَزَلُوا في مَنازلٍ عَرَفُوها ... يَنْدبونَ الأعْمامَ والأخْوَالاَ يمكن أن تكون (المعرفة) للحضور فيها قبل، وللمشاهدة لها مع الأعمام والأخوال، وتقدم ذلك إلى أن صاروا كما ذكر من البلى، وأن لا يكون بالحضور، والمشاهدة للقتال، لأنه أفنى ذلك الجمع، بل بما سمعوه من أخبارهم، واستدلوا عليه من آثارهم. وقوله: (الخفيف) ما يَشُكُّ اللّضعِينُ في أَخْذِكَ الجَيْ ... شَ فَهَلْ يَبْعَثُ الجُيوشَ نَوَالاَ قد أخذ على أبي الطيب لفظة النوال هاهنا، وقيل: إن النوال العطية، فكان ينبغي أن يضع موضع النوال الجزية، أو الرشوة وما أشبههما مما يقرب به إليه. وأقول: إنه ذكر النوال على وجه الهزء به السخري منه. وقوله: (الخفيف ( غَصَبَ الدَّهْرَ والملوكَ عليها ... فَبَنَاها في وَجْنَةِ خَالاَ

стр. 209

قال: ما علمت شيئا قيل في بنية أنشئت مراغمة مثل هذا في الحسن! على أن مزردا قد قال: (الطويل) فمَنْ أرْمِهِ مِنْها بِسَهْمٍ يَلُحْ بِهِ ... كشَامَةِ وَجْهِ، ليسَ للشَّامِ غاسِلُ وما أحسن استعارته في قوله: . . . . . . . . . . . . في وَجْنَةٍ الدَّهْرِ خَالاَ ونصب خالا على أنه حال. وقد قيل في هذا ما معناه: إنه لا يخلو من أن يكون بنى في وجنة الدهر مع غصبه إياه ما يزينه أو يشينه. فإن كان ما يزينه، فبعيد مع الغضب، وإن كان ما يشينه فهذا هجو، مع أنه كرر لفظ الدهر، ولو وضع في صدر البيت غير الدهر لحسن اللفظ. وأقول: (قوله:

стр. 210

غَصَبَ الدَّهْرَ والملوكَ. . . . . . . . . . . . لا يريد أنهم كانوا مستحقين لها فأخذها منهم ظلما، ولكن يريد أنه غلبهم عليها، وهو ملك، وهم ملوك، إلا أنه كان أقدر. وأما قوله: الدهر فإنها استعارة، لأنه كان بين كثرة غير مالكها، ثم ملكها وبناها. فلا يبعد على هذا أن تكون زينة الدهر؛ لأنها صارت ملكا له). وأما تكرار لفظ الدهر فإنه وضع المظهر موضع المضمر، وهو كثير، منه قوله: (الخفيف) لا أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شيءٌ ... نَغَّص الموتُ ذا الغِنَى والفَقِيَرا أو أظهر لتعظيم الدهر والموت وتفخيمهما. وقوله: (الخفيف) في خَميس من الأُسُود بَئيس ... يَفْتَرسْنَ النُّفُوسَ والأَمْوالاَ

стр. 211

قال: سمي الخميس خميسا، أي: يخمس ما وجده، أي: يأخذه. وأقول: هذا غير معروف. لم يجيء في اللغة خمسة بمعنى أخذه، إنما يقال: خمست القوم إذا أخذت خمس أموالهم. والذي قيل: إنه إنما سمي خميسا لبلوغه خمسة آلاف. وقيل: إنما خميسا لعظمه في أنه خمس فرق: المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساق، (على أن أبا نواس قال: (الطويل) لِنَخْمِسَ مالَ اللهِ من كلَّ فاجِرٍ ... وذي بِطْنَةٍ للطَّيَّبَاتِ أكْولِ فهذا مما يشهد لقوله إلا أنهم لم يستشهدوا به). وقوله: (الخفيف) وظُباً تَعْرِفُ الحَرامَ من الحِلَّ فَقَدْ أَفْنَتِ النُّفُوسَ حَلالاَ قال: هذا مثل ضربه؛ أي: سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف الحلال من الحرام. وأقول: هذه استعارة ومجاز لكثرة قتله الأعداء. يقول: ظباه لا تقتل إلا من يستحق القتل، وأراد بذلك سيف الدولة، وقد استقصيت ما في هذا البيت في شرح الواحدي فيتأمل هناك.

стр. 212

وقوله: (الخفيف) إنْ تَرَيْني أَدُمْتُ بعد بَيَاضٍ ... فَحميدٌ من القَناةِ الذُّبُولُ قال: أي: إن كانت الأسفار لوحت وجهي فليس بعيب في، وإن كان عيبا في غيري، بل هو وصف في كما أن الذبول، وإن كان مذموما في غير القناة، فإنه محمود فيها لأنه يؤذن بقوتها كما قال أبو تمام: (الكامل) لأنَتْ مَهَزَّتُهُ فَعَزَّ وإنَّما ... يَشْتَدُّ بَأْسُ الرُّمْحِ حينَ يَلِينُ وأما قوله: بعد بياض فلا معترض به بل هو مشدد للمعنى لأنه لم يبال تغير لونه وشحوبه وسهومه، وإن كان غيره من الناس يستوحش لذلك ويشفق منه، فإنه هو يحمده من نفسه، ولو كان لم مدح نفسه لقلة الحفل بتغير لونه، وإنما لأجل أن بياضه استحال فلم يعبأ به (بل) ارتاح له ما بجح هذا وفخر به. فأما قول من يجهل وليس من أهل هذه الصناعة هلا قال. . . . . . . . . . فَحَمِيدٌ من القَنَاةِ السَّوادُ

стр. 213

أو نحو ذلك من الألوان ليتطابق أو البيت وآخره، فليس في وزن من يلتفت إليه؛ لأن صناعة الشعر تؤذن بخرسه وبكمه؛ لأن الشاعر إذا وافق بين الشيئين وجمعهما من حيث اجتمعا؛ فقول من قال: هلا جمع بينهما من الوجه الآخر جهل منه، ولو كان الشيئان لا يتشابهان حتى يتضارعا من جميع الوجوه لما أمكن أن يوجد تحت الفلك شيئان متشابهان، لأنهما لا يخلوان أن يكونا جوهرين أو عرضين. ثم أبطل أن يكون التشابه لكونهما جوهرين باختلاف محليهما، وأن يكونا عرضين لجواز عدم أحدهما مع بقاء الآخر. فيقال له: هذه سفسطة! والسؤال ها هنا حسن متوجه لم يجب عنه إلا بالسب والتنقص، والسب لا تقام به الحجة، والشتم لا تدفع به الشبهة. والجواب عنه في قوله: إن. . . أدمت ثم قال: . . . . . . . . . فَحَميدٌ من القَنَاةِ الذُّبولُ ولم يقل: الأدمة، ليتطابق صدر البيت وعجزه، أن الذبول يكون معه تغير اللون إلى الأدمة فأقامه مقامها لأنه مصاحب لها ويدل عليها، ومثل هذا كثير؛ منه قوله: (الطويل) ولو ضَرَّ مَرْءاً قَبلهُ ما يَسُرُّهُ ... لأثَّرَ فيهِ بأسُهُ والتكرُّمُ فأقَامَ لأَثَّرَ مقام لأضَرَّ بهِ لأنه في معناه وقد جعل نفسه، هاهنا، القناة مجازا، (مثلا)، كأنه قال: فحميد مني الذبول، أي: الأدمة.

стр. 214

وأما قوله: إن الأدمة بعد البياض، وإن كانت مكروهة من غيري، فإني أسر بها وأجذل؛ لأني اكسبها من طلب المعالي كما أن الذبول، وإن كان مذموما في غير القناة فإنه محمود فيها. فلو وضع موضع أسر بها فإنها حميدة في كما أن الذبول حميد في القناة فحذف حميدة أولا استغناء عنها بحميد آخرا لدلالته عليها لأصاب المعنى، وأطاب المجنى. ومثله: إن تبسم زيد، فحميد من السحاب البرق؛ كأنه قال: فحميد منه التبسم كما أنه حميد من السحاب البرق. فعلى هذا التفسير لا يكون زيد السحاب، ولا أبو الطيب القناة، بل يكون ذلك مثلا لهما، وعلى التفسير الأول: هما هما. وقوله: (الخفيف) نَحْنُ أَدْى وقد سَأَلْنَا بنَجْدٍ ... أَطَويلٌ طَريقُهُ أمْ يَطُولُ قال: أطويل هو في الحقيقة، أم يطوله الشوق إلى المقصود؟ وهذا البيت يؤكد عندك أنه أراده في قوله: (الخفيف) شِيَمُ الغَانِيَاتِ فيها فَمَا أَدْ ... رِي لذَا أنَّثَ اسْمَهَا الناسُ أم لا وهذا كنحو قول زهير: (الوافر) وما أَدْرِي وسوفَ إخَالُ أَدْري ... أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ؟

стр. 215

ألا تراه يقول بهد هذا: (الخفيف) وكَثِيرٌ من السُّؤالِ اشْتِيَاقٌ ... وكَثيرٌ من رَدَّهِ تَعْلِيلُ فهذه طريقة للشعراء؛ يظهرون التجاهل بالشيء وإن كانوا يعرفونه، وهذا من نحو قول أبي تمام: (الكامل) ومكَارِماً عُتُقَ النَّجَارِ تَليدةً ... إنْ كانَ هَضْبُ عَمَايَتَيْنِ تَلِيدا ألا تراه أدخل الكلام شرطا، فأوقع في لفظه شكا؟ لأن أحدا لا يجهل أن هضب عمايتين قديم تليد غير معروف الأول. ومن خاص كلام العرب، ونظر إلى تصرفها، ومذاهبها، وإشاراتها، أجاز ما منع غيره، ومنع ما يجيزه. أولا ترى إلى قول بشر: (الوافر) أُسَائِلُ صَاحَبَيَّ وقد أَرَاني ... بَصسِراً بالظَّعَائنِ حيثُ سَارُوا وله أشباه كثيرة. وأقول: هذا التمثيل غير صحيح! أما بيت أبي الطيب فتفسيره البيت الذي يليه؛ يقول: نسأل عن طريق نجد ونحن أعلم به، وإنما نفعل ذلك لأن من السؤال اشتياقا؛ أي: لشوقنا نفعل ذلك؛ ولأن من رد السؤال تعليلا؛ أي: لنتعلل به، فليس ذلك لتجاهل. وأما بيت أبي الطيب الذي مثله به وهو قوله: شِيَمُ الغَانِيات فيها. . . . . . . . .
следующие страницы →