Полный текст (1 138 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قال: سمي الخميس خميسا، أي: يخمس ما وجده، أي: يأخذه.
وأقول: هذا غير معروف. لم يجيء في اللغة خمسة بمعنى أخذه، إنما يقال: خمست القوم إذا أخذت خمس أموالهم.
والذي قيل: إنه إنما سمي خميسا لبلوغه خمسة آلاف.
وقيل: إنما خميسا لعظمه في أنه خمس فرق: المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساق، (على أن أبا نواس قال: (الطويل)
لِنَخْمِسَ مالَ اللهِ من كلَّ فاجِرٍ ... وذي بِطْنَةٍ للطَّيَّبَاتِ أكْولِ
فهذا مما يشهد لقوله إلا أنهم لم يستشهدوا به).
وقوله: (الخفيف)
وظُباً تَعْرِفُ الحَرامَ من الحِلَّ فَقَدْ أَفْنَتِ النُّفُوسَ حَلالاَ
قال: هذا مثل ضربه؛ أي: سيوفه معودة للضرب، فكأنها تعرف الحلال من الحرام.
وأقول: هذه استعارة ومجاز لكثرة قتله الأعداء. يقول: ظباه لا تقتل إلا من يستحق القتل، وأراد بذلك سيف الدولة، وقد استقصيت ما في هذا البيت في شرح الواحدي فيتأمل هناك.
стр. 212
وقوله: (الخفيف)
إنْ تَرَيْني أَدُمْتُ بعد بَيَاضٍ ... فَحميدٌ من القَناةِ الذُّبُولُ
قال: أي: إن كانت الأسفار لوحت وجهي فليس بعيب في، وإن كان عيبا في
غيري، بل هو وصف في كما أن الذبول، وإن كان مذموما في غير القناة، فإنه محمود فيها لأنه يؤذن بقوتها كما قال أبو تمام: (الكامل)
لأنَتْ مَهَزَّتُهُ فَعَزَّ وإنَّما ... يَشْتَدُّ بَأْسُ الرُّمْحِ حينَ يَلِينُ
وأما قوله: بعد بياض فلا معترض به بل هو مشدد للمعنى لأنه لم يبال تغير لونه وشحوبه وسهومه، وإن كان غيره من الناس يستوحش لذلك ويشفق منه، فإنه هو يحمده من نفسه، ولو كان لم مدح نفسه لقلة الحفل بتغير لونه، وإنما لأجل أن بياضه استحال فلم يعبأ به (بل) ارتاح له ما بجح هذا وفخر به. فأما قول من يجهل وليس من أهل هذه الصناعة هلا قال.
. . . . . . . . . فَحَمِيدٌ من القَنَاةِ السَّوادُ
стр. 213
أو نحو ذلك من الألوان ليتطابق أو البيت وآخره، فليس في وزن من يلتفت إليه؛ لأن صناعة الشعر تؤذن بخرسه وبكمه؛ لأن الشاعر إذا وافق بين الشيئين وجمعهما من حيث اجتمعا؛ فقول من قال: هلا جمع بينهما من الوجه الآخر جهل منه، ولو كان الشيئان لا يتشابهان حتى يتضارعا من جميع الوجوه لما أمكن أن يوجد تحت الفلك شيئان متشابهان، لأنهما لا يخلوان أن يكونا جوهرين أو عرضين. ثم أبطل أن يكون التشابه لكونهما جوهرين باختلاف محليهما، وأن يكونا عرضين لجواز عدم أحدهما مع بقاء الآخر.
فيقال له: هذه سفسطة! والسؤال ها هنا حسن متوجه لم يجب عنه إلا بالسب والتنقص، والسب لا تقام به الحجة، والشتم لا تدفع به الشبهة.
والجواب عنه في قوله: إن. . . أدمت ثم قال:
. . . . . . . . . فَحَميدٌ من القَنَاةِ الذُّبولُ
ولم يقل: الأدمة، ليتطابق صدر البيت وعجزه، أن الذبول يكون معه تغير اللون إلى الأدمة فأقامه مقامها لأنه مصاحب لها ويدل عليها، ومثل هذا كثير؛ منه قوله:
(الطويل)
ولو ضَرَّ مَرْءاً قَبلهُ ما يَسُرُّهُ ... لأثَّرَ فيهِ بأسُهُ والتكرُّمُ
فأقَامَ لأَثَّرَ مقام لأضَرَّ بهِ لأنه في معناه وقد جعل نفسه، هاهنا، القناة مجازا، (مثلا)، كأنه قال: فحميد مني الذبول، أي: الأدمة.
стр. 214
وأما قوله: إن الأدمة بعد البياض، وإن كانت مكروهة من غيري، فإني أسر بها وأجذل؛ لأني اكسبها من طلب المعالي كما أن الذبول، وإن كان مذموما في غير القناة فإنه محمود فيها. فلو وضع موضع أسر بها فإنها حميدة في كما أن الذبول حميد في القناة فحذف حميدة أولا استغناء عنها بحميد آخرا لدلالته عليها لأصاب المعنى، وأطاب المجنى.
ومثله: إن تبسم زيد، فحميد من السحاب البرق؛ كأنه قال: فحميد منه التبسم كما أنه حميد من السحاب البرق. فعلى هذا التفسير لا يكون زيد السحاب، ولا أبو الطيب القناة، بل يكون ذلك مثلا لهما، وعلى التفسير الأول: هما هما.
وقوله: (الخفيف)
نَحْنُ أَدْى وقد سَأَلْنَا بنَجْدٍ ... أَطَويلٌ طَريقُهُ أمْ يَطُولُ
قال: أطويل هو في الحقيقة، أم يطوله الشوق إلى المقصود؟ وهذا البيت يؤكد عندك أنه أراده في قوله: (الخفيف)
شِيَمُ الغَانِيَاتِ فيها فَمَا أَدْ ... رِي لذَا أنَّثَ اسْمَهَا الناسُ أم لا
وهذا كنحو قول زهير: (الوافر)
وما أَدْرِي وسوفَ إخَالُ أَدْري ... أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِسَاءُ؟
стр. 215
ألا تراه يقول بهد هذا: (الخفيف)
وكَثِيرٌ من السُّؤالِ اشْتِيَاقٌ ... وكَثيرٌ من رَدَّهِ تَعْلِيلُ
فهذه طريقة للشعراء؛ يظهرون التجاهل بالشيء وإن كانوا يعرفونه، وهذا من نحو
قول أبي تمام: (الكامل)
ومكَارِماً عُتُقَ النَّجَارِ تَليدةً ... إنْ كانَ هَضْبُ عَمَايَتَيْنِ تَلِيدا
ألا تراه أدخل الكلام شرطا، فأوقع في لفظه شكا؟ لأن أحدا لا يجهل أن هضب عمايتين قديم تليد غير معروف الأول. ومن خاص كلام العرب، ونظر إلى تصرفها، ومذاهبها، وإشاراتها، أجاز ما منع غيره، ومنع ما يجيزه. أولا ترى إلى قول بشر: (الوافر)
أُسَائِلُ صَاحَبَيَّ وقد أَرَاني ... بَصسِراً بالظَّعَائنِ حيثُ سَارُوا
وله أشباه كثيرة.
وأقول: هذا التمثيل غير صحيح! أما بيت أبي الطيب فتفسيره البيت الذي يليه؛ يقول: نسأل عن طريق نجد ونحن أعلم به، وإنما نفعل ذلك لأن من السؤال اشتياقا؛ أي: لشوقنا نفعل ذلك؛ ولأن من رد السؤال تعليلا؛ أي: لنتعلل به، فليس ذلك لتجاهل.
وأما بيت أبي الطيب الذي مثله به وهو قوله:
شِيَمُ الغَانِيات فيها. . . . . . . . .
стр. 216
وقول زهير:
ومَا أَدْرِي. . . . . . . . . . . . . . .
فلا خلاف أنهما تجاهل وتشكك ليقرب أحد الشيئين من الآخر، إذ أراد هجوهما فقرب الدنيا من الغانيات لتغيرها وتنقلها، وقرب آل حصن من النساء لعجزهم وضعفهم.
وأما بيت أبي تمام وهو قوله:
ومَكَارِماً عُتُقَ النَّجَار. . . . . . . . . . . .
فليس من قول زهير في شيء، وأنه أراد به التشكك والتجاهل، بل أراد التحقيق
والإثبات بقياس مركب من مقدمتين:
الأولى شرطية وهي قوله: إن كان هضب عمايتين قديما.
والأخرى: حملية محذوفة وهي أن هضب عمايتين قديم.
فنتج من هاتين المقدمتين أن مكارم الممدوح قديمة، وهذا تحقيق - كما ترى - لا تشكيك.
وأما بيت لشر وهو قوله:
أسائِلُ صَاحَبَيَّ. . . . . . . . . . . . . . .
فلم يرد التجاهل، وإنما سألهما عن الظعائن، وهو عالم بهن، تعللا (بهن) واشتياقا إليهن، كقول أبي الطيب: (الخفيف)
وكثيرٌ من السُّؤال اشْتِيَاقٌ. . . . . . . . .
стр. 217
أو حبا لذكرهن، ولهجا بالحديث عنهن؛ كقول أبي الشيص: (الكامل)
. . . . . . . . . حُباً لذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ
وقول أبي نواس: (الطويل)
ألا سَقَّنِي خَمْراً وقُلْ لي هي الخَمْرُ. . . . . . . . .
وقوله: (الخفيف)
وإذا العَذْلُ في النَّدَى زار سَمْعاً ... فَفِداهُ العَذُولُ والمَعُّولُ
قال: أي: المعذول الذي يدخل العذل سمعه لا غيره ممن يرد العذل.
فقيل له، على هذا التفسير: فينبغي للمتنبي أن يقيد هذا في لفظ البيت ليأمن نقصان العبارة واللبس بنقصان المعنى.
وأقول: إن قوله: لا غيره ممن يرد العذل ليس بشيء! وإنما يريد: إذا زار العذل سمع إنسان؛ أي: استمعه ولم يصم عنه، إذ استماعه منقصة ولوم، ففداه العذول
стр. 218
لأنه لا يسمع منه، والمعذول لأنه ليس كهو في استماع العذل. وهذا المعنى
مطروق، كثير؛ منه قول بعض بني حميد: (المتقارب)
أَصَمًّ عن الكَلِمِ المُحْفِظاتِ ... وأحْلُمُ والحِلْمُ بي أشْبَهُ
وضده قول قعنب: (البسيط)
صُمٌّ إذَا سَمِعوا حَيْراً ذُكِرْتُ به ... وإنْ ذُكِرْتُ بِشَرًّ عندَهُمْ أَذِنُوا
وقوله: (الخفيف)
أنت - طُولَ الحَيَاةِ - للرَّومِ غَارٍ ... فَمَتَى الوَعْدُ أنْ يكونَ القُفولُ
لم يقل ابن جني في هذا البيت شيئا.
وقال غيره: إذا جعله طول الحياة غازيا فلا قفول له إلا بالموت. فقوله: فمتى الوعد هاهنا ليس بحسن.
وأقول: لو قال:
أنْتَ غَارِ للرُّوم في كل وَقْتٍ ... سَائرٌ والمسِيرُ منكَ قُفُولُ
لحسن اللفظ وسلم المعنى.
стр. 219
وقوله: (الطويل)
مُحِبَّي قَيَامي ما لذلكمُ النَّصْلِ ... بَريئاً من الجَرْحَى سَليماً من القَتْلِ
قال: معناه: يا من يحب مقامي وتركي الأسفار والمطالب، كيف أقيم ولم أجرح بمنصلي أعدائي ولم اقتلهم؟!
قال الوحيد: ليس هذا أراد الرجل، ولو أراده لقال، بدل قيامي، مقامي والوزن واحد، ولكن قيامي هاهنا من قمت بالأمر ولذلك سمي القائم المنظر. يقول: يا من يحب نهوضي بالأمر، ما لكم لا تخرجون معي وتساعدونني حتى نجرح أعداءنا ونقتلهم؟
وقوله: (البسيط)
هَا فانْظُري أوْ فَطُنَّي بي تَرَيْ حُرَقاً ... من لَمْ يذُقْ منها فَقَدْ وَأَلاَ
قال: أي: إن لم تريني أهلا أن تنظري إلي ففكري في تري من أمري كيت وكيت.
стр. 220
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما يقول: تنبهي فانظري - من النظر الذي هو طلب الرؤية - أو فظني - من الظن الذي هو اليقين كقول دريد: (الطويل)
فقلت لهم: ظُنُّوا بأَلْفيْ مُدَجَّجٍ. . . . . . . . .
أي: أيقنوا.
وتري: يحتمل أن يكون من رؤية العين، ويكون جواب فانظري: أي: فانظري تري.
و (أن) يكون أيضا، جواب فظني.
ويحتمل أن يكون من رؤية القلب، ويكون أيضا، جوابا لهما.
يقول: تري حرقا عظيمة؛ (يعني: حرقه)؛ من لم يذق اليسير منها فقد نجا، والذي ذاق اليسير لم ينج، فكيف بمن ذاق العظيم منها؟! وهذه مبالغة عظيمة كما ترى.
وقوله: (البسيط)
كَمْ مَهْمَه قَذَفٍ قَلْبُ الدَّليلِ به ... قَلْبُ المُحِبَّ قَضَاني بعد ما مَطَلاَ
قال: يريد شدة رعب سالكه.
стр. 221
وأقول: قد أخذ على أبي الطيب قوله:
. . . . . . . . . قلبُ المُحِبَّ. . . . . .
وقيل: كان ينبغي أن يقول: إذا كان على رقبة من واش، أو اتقاء من غائر ونحو ذلك.
وأقول: هذا غير لازم، بل قلب المحب قلق على الإطلاق، فلا يحتاج إلى التقييد، وقوله:
. . . . . . . . . . . . قَضَاني بعد ما مَطَلاض
من قول أبي نواس: (البسيط)
من للجذاع إذا المَيْدَانُ ما طَلَها ... بشَأوِ الغَايَاتِ قَد قَرَحَا
وهما من قول كثير: (الطويل)
قَضَى كلُّ ذي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيمَهُ ... وعَزَّهُ مَمْطولٌ مُعَنَّى غَرِيمُها
وقوله: (الكامل)
أَحْبَبْتُ برَّكَ إذْ أَرَدْتُ رَحِيلاَ ... فَوَجَدْتُ أكثرَ ما وَجَدْتُ قليلا
ورأَيْتُ أنك في المَكَارِم رَاغبٌ ... صَبٌّ إليها بُكْرَةً وأصيلا
فَجَعَلْتُ ما تُهْدي إِليَّ هَدَّيةً ... منَّي إليكَ وظَرْفَها التَّأمِيلا
بِرٌّ يَخِفُّ على يَديكَ قَبُولُهُ ... ويكونُ مَحْملُهُ عَليَّ ثَقِيلا
стр. 222
قال: هذا البيت يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون أهدى إليه شيئا كان أهداه إليه صديقه الممدوح؛ فيكون هذا استعمالا لما ركبه ابن الرومي في قوله: (الخفيف)
أيُّ شيءٍ أُهْدي إليك وفي وَجْ ... هِكَ من كُلَّ ما تُهُوديَ مَعْنَى
منك يا جّنَّةَ النَّعِيمِ الهَدايَا ... أفَأُزْجِي إليْكَ ما مِنْكَ يُجْنَى
إلا أن المتنبي أخبر أنه أهدي إليه ذلك الشيء بعينه، وابن الرومي قال: كيف أهدي إليك ما من عادة مثله أن يهدى منك، فبينهما فصل لطيف، فهذا أحد المعنيين.
والمعنى الآخر أن يكون أراد أني جعلت ما من عادتك أن تهديه إلي وتزودنيه وقت فراقك هدية مني إليك؛ أي: أسألك أن لا تتكلفه لي.
والقول الأول أشد اتساقا وأظهر، والقول الثاني أقوى وألطف.
وأقول: انظروا - هداكم الله - إلى إرسال عنانه في الضلال، وإقامته لصور المحال، وذكره لهذين الوجهين القبيحين اللذين لم يصدرا إلا عن قبح فهم، وخبط
في ظلم الشك ورجم. وما العجب من تفسيره هذا وحده بل العجب من الجماعة الذين جاءوا بعده يقتصون في ذلك أثره، ويسلكون سبيله!
стр. 223
والمعنى أني أحببت برك إذ أردت الرحيل عنك، يخاطب الممدوح، فوجدت أكثر ما وجدت من المال، ومما يحسن أن يهدى قليلا بالإضافة إلى ما يصلح وما يكون على قدرك. ورأيت رغبتك في المكارم، فجعلت الذي تهديه إلي هدية مني إليك لأنك ترى وتعتد الذي تعطيه كأنك تعطاه، وهذا من قول زهير: (الطويل)
. . . . . . . . . كأنك تُعْطِيِهِ الذي أنت سائِلُهْ
وقد بَسَطتُهُ في مَوْضِعٍ آخر من هذا الكتاب بسطا تاما، وذكرت ما جاء من قوله مثلا له.
وقوله: (الطويل)
فَما وَرَدَتْ رُوحَ امْرِئ رُوحُهُ له ... ولا صَدَرَتْ عن بَاخِلٍ وهو بَاخِلُ
قال: إذا وَرَدَت السُّيوفُ رُوحَ امرئ، كانت أملك بها منه وصار، إن كان باخلا، كأنه غير باخل؛ لأنها ق نالت منه ما بغت.
وأقول: معنى قوله:
فما وَرَدَتْ رُوحَ اْمرِئ روحُهُ له. . . . . . . . .
أي: إن السيوف إذا وردت روح امرئ غلبت عليها؛ أي: أخذتها. وقوله:
стр. 224
. . . ولا صَدَرتْ عن بَاخِلٍ وهو بَاخِلُ
أي: لأنها تخرجه عن صفة البخل بخروجه عن صفة الحياة والموت، لأنه إنما يوصف بالبخل من يوصف بالحياة فصفة الحياة مصححة لصفة البخل، فإذا مات خرج عن الصفتين.
وقوله: (الطويل)
رأيتَ ابنَ أمَّ المَوْتِ لو أن بأسه ... فَشَا بَيْنَ أهْل الأرْضِ لا نَقَطَعَ النَّسْلُ
قال: أي: لأن الناس كان يفتل بعضهم بعضا.
وأقول: هذا ليس بشيء! وإنما أراد المبالغة في وصف شجاعته. يقول: هو يخفي من بأسه بقيا على الناس من خوفه، لئلا ينقطع النسل (بإفشائه) وانقطاعه، إما بأن يكون بإسقاط قواهم عن الجماع لشدة الخوف، وإما بإهلاكهم، وهو أبلغ من الأول.
وقوله: (الخفيف)
وله في جَماجِمِ المالِ ضَرْبٌ ... وقعُهُ في جَماجِمِ الأَبْطَالِ
стр. 225
قال: أي يهب المال فيقتدر بذلك على رؤوس الأبطال.
فيقال له: هذه عبارة غير مرضية، والمعنى ما ذكرته في شرح الواحدي.
وقوله: (الرجز)
فحَلَّ كَلاَّبي وَثَاقَ الأحْبُلِ
قال: وثاق، جمع وثيق، مثل: طويل وطوال. فأما الوثاق فمصدر، وقد تكسر الواو.
فيقال له: الكلب المعلم لا يحتاج إلى الأحبل الوثيقة، ويكفيه حبل واحد، فلا يكون وثاق الأحبل جمعا، كما زعمت، ولا مصدرا؛ لأنه في معنى الجمع لإضافته إليه؛ بل الوثاق، ما يشد به كالعقال والزمام؛ واحد (لا جمع) وإضافة إلى الأحبل.
فإن قال: فقد قال فيما بعد: (الرجز)
عن أشْدَقٍ مُسَوْجَرٍ مُسَلْسَلِ
стр. 226
وهذا يدل على صعوبة الكلب فيقال: يكفي مع السلسلة والساجور - وهو عصا تجعل في عنق الكلب - حبل واحد فلا حاجة إلى الزيادة على ذلك.
وقوله: (الرجز)
آثارُهَا أمثَالُهَا في الجَنْدَلِ
قال: هذا من إغراقاته التي ذكرت؛ لأنه لم يوصف كلب قط بمثل هذا من ثقل
الوطء، وإنما جاء هذا عنهم في آثار الخيل والإبل، قال أبو النجم: (الرجز)
يُغادرُ الصَّمْدَ كظَهْرِ الأجْزَلِ
(فيقال له: لم يرد ثقل الوطء كما ذكرت، بل خشونة القوائم. وقولك: وإنما جاء هذا (عنهم) في آثار الخيل والإبل غير صحيح، بل إنما جاء صفة لحوافرهن وخفافهن بالصلابة لا بثقل الوطء). وليس من الإغراقات وصفه بثقل الوطء، بل بالسرعة والخفة حتى إنه يوصف بالطيران كقول أبي نواس: (الرجز)
يَكادُ عندَ ثَمَلِ المِرَاحِ ... يَطِيرُ في الجَّو بلا جَنَاحِ
стр. 227
وإذا وصف بذلك، لم يكن له أثر في الأرض البتة، كقوله في صفة براثنه: (الرجز)
ينشطُ أُذْنَيْهِ بهنَّ نَشْطَا
فَمَا يَقَعْنَ إِلاَّ فَرْطَا
أي: إلا بعد حين. يقول: كأنه يطير كقول كعب: (البسيط)
. . . . . . . . . وقعُهُنَّ الأرْضَ تَحْلِيلُ
وقوله: (الرجز)
ذِي ذَنَبٍ أجْرَدَ غَيْرِ أَعْزَلِ
يَخُطُّ في الأَرْضِ حِسَابَ الجُمَّلِ
كأَنَّهُ من جِسمِهِ بِمَعْزِلِ
قال: هو من سرعته وحدته يكاد يترك جسمه ويتميز عنه، وقد لاذ فيه بقول ذي الرمة إلا أنه تجاوزه: (البسيط)
لا يَذْخَرانِ من الإيغَالِ باقيةً ... حتى تكادَ تَفَرَّى عنهُما الأهُبُ
стр. 228
وقول أبي نواس: (الرجز)
تراهُ في الحُضْرِ إذا هَاهَا بِهِ
يَكَادُ أنْ يَخْرُجَ من إهابِهِ
فهذا ذكر الجلد، وهو ذكر جميع الجسم.
فيقال له: ليس الضمير في قوله كأنه راجعا إلى الكلب حتى تفسره هذا التفسير، وتقرنه بذلك النظير، وإنما الضمير راجع إلى الذنب، والذي يدل عليه ما قبله وما بعده، وإنما أنت في كثرة الكلام وقلة الصواب كقولهم في المثل: أسمع جعجعة ولا أرى طحنا.
وقد غلط، أيضا، في البيت الذي يليه وهو قوله: (الرجز)
لو كانَ يُبْلي لسَّوْطَ تَحْرِيكٌ بَلِي
فجعله صفة للكلب ففسره بقوله: أي: هو كالسوط في الصلابة والجذل فلا يؤثر في السوط التحريك. وإنما هو صفة للذنب.
وقوله: (المنسرح)
كأنَّما قَدُّهَا إذَا انْفَتَلَت ... سَكْرانُ من خَمْرِ طَرْفِها ثَمِلُ
стр. 229
قال: أي: يتثنى قدها كأنه نشوان لأنه نظر إلى طرفها فسكر.
وأقول: قوله: لأنه نظر إلى طرفها فسطر كلام واهن القوى، واهي العرا، وإنما ينبغي أن يقال: وصفها بشيئين؛ بحسن القد، وحسن الطرف، فجعل قدها، لتثنيه، كأنه ثمل، وطرفها، لإزالته العقل، كأن فيه خمرا شرب (منه) قدها فمال سكرا، وهذا مذهب غريب، وطريق عجيب، أرى أن يكون من صناعة البديع، وينضم إلى التكميل وذلك أنه كمل الوصف بأن جعل المشبه والمشبه به كليهما منها. أو يزاد في صنعة البديع ويسمى التوشيع. وهذا مثل قوله في خلعة خلعها عليه سيف الدولة: (الكامل)
فكأنَّ صِحَّةَ نَسْجِهَا من لَفْظِهِ ... وكأنَّ حُسْنَ نَقَائِها من عِرضِهِ
وقد جاء مثل هذا لبعض أهل العصر في بعضه: (الكامل)
حَسُنَتْ لنا أخْلاَقُهُ فكأنَّهَا ... من ذِكْرِهِ في النَّاسِ أو أشْعَارِهِ
وقوله: (المنسرح)
يَجْذِبُهَا تَحْتَ خَصْرْهَا عَجُزٌ ... كأنَّه من فِراقِهَا وَجِلُ
قال: وهذا البيت نسيب الأول، ولقد أحسن فيهما وعذب لفظه. يقول: كأن عجزها وجل من فراقها، فهو متساقط متحرك قد ذهبت منته وتماسكه.
стр. 230
وأقول: هذه عبارة واهية قد ذهبت منتها وتماسكها!
ومعنى قوله:
. . . . . . . . . كأنَّهُ من فِراقِهَا وَجِلُ
قيل فيه: إن العجز لما كان مرتجا مضطربا شبه بإنسان عاشق لها خائف من فراقها فهو يضطرب لذلك؛ يريد ارتجاجه.
والذي عندي في هذا، أن الوجل العجز نفسه على وجه المجاز والاستعارة. وذلك أنه لما كان خصرها (خفيفا) دقيقا نحيلا، وعجزها ثقيلا نبيلا، وهو يجذبها إذا أرادت القيام، فكأنه خاف أن ينفصل منها فوجل لذلك فاضطرب بارتجاجه.
وقوله: (المنسرح)
جَرْدَاَء مِلءْ الحِزَامِ مُجْفَرَةٍ ... تَكونُ مِثْلَيْ عَسِيِبهَا الخُصَلُ
قد أخذ على أبي الطيب قوله:
. . . مِلءِ الحِزَامِ مُجْفَرةٍ. . . . . . . . .
وقيل: مجفرة في معنى: ملء الحزام، فالصفتان شيء واحد فلو اجتزأ بإحداهما وجاء بصفة تخالف الأخرى لكان أحسن له.
стр. 231
وأقول: لو قال:
. . . مِلءْ الحزَامِ ضامرةً. . . . . . . . .
نصبا على الحال، أي: في حال ضمرها ودقتها تكون ملء الحزام، لزاد المعنى
زيادة ظاهرة حسنة.
وقوله: ملء الحزام من قول أبي نواس: (الكامل)
. . . . . . . . . مِلْءِ الحَبَالِ كأنَّهَا قَصْرُ
وقوله: (الوافر)
وكان مَسيرُ عِيسهِمُ ذَميلاً ... وسَيْرُ الدَّمعِ إثرَهُمُ انهِمَالا
قال: أي سبقت دموعي عيسهم وجاوزت حدها.
وأقول: لم يرد أبو الطيب أن عيسهم سارت وسارت دموعي تسابقها في السير فسبقتها، ولو أراد ذلك لكان - لعمري - معنى سائغا بالغا، ولعله أراده! والظاهر أنه
стр. 232
وصف عيسهم بالجد في السير، ووصف نفسه بالجد في البكاء، وأن جده في ذلك أكثر من جدهم. وجعل صفة الانهمال في الانحدار أوفى من صفة الذميل في السير.
وقوله: (الوافر)
وضفَّرْنَ الغَدَائِرَ لا لِحُسْنٍ ... ولكِنْ خِفْنَ في الشَّعَرِ الضَّلالاَ
قال: الغدائر: الذوائب. قال امرؤ القيس: (الطويل)
. . . . . . . . . تَضِلّ العِقَاصُ في مُثَنى ومُرْسَلِ
فجعل أن العقاص تضل في الشعر، وهذا جعلهن يضللن فيه، فزاد على ذكر العقاص.
وقيل: هو المدرى.
وأقول: إن الضلال يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون الضلال الغيبة من قوله تعالى: (أئذا ضللنا في الأرض) أي: غبنا.
والآخر: أن يكون ضد الهداية، وهو الحيرة.
والبيت يحتمل المعنيين، فإن أريد به الغيبة عني به الكثرة؛ يريد: فخفن أن يغبن في
стр. 233
شعورهن لكثرتها. ولو أريد به الحيرة عني به شدة السواد وتشبيهه باليل؛ يريد: فخفن أن يحرن فيه لشدة سواده. وبيت امرئ القيس فيه الوجهان كالأول، (والغيبة فيه أولى.)
وقوله: (الوافر)
سِنَانٌ في قَنَاةِ بني مَعَدًّ ... بَني أَسَد إذا دَعَوُا النَّزَالاَ
قال: بني أسد منصوب لأنه منادى مضاف، ومعناه: أن قول بني معد إذا نازلوا الأعداء: يا بني أسد يقوم في الغناء والدفع مقام سنان مركب في قناتهم؛ لأنهم إذا دعوهم أغنوا عنهم.
(وأقول:) قال الواحدي: هذا تكلف وتمحل كلام من لم يعرف وجه المعنى! والمتنبي يقول: الممدوح سنان في قناة العرب الذين هم بنو معد، ثم خصص فأبدل من بني اسد، فكأنه قال: سنان في قناة بني أسد عند الحرب إذ أسد من ولد معد؛ فلهذا جاز إبدالهم من بني معد لاشتمالهم عليهم.
стр. 234
وقوله: (الكامل)
يَعْلَمْنَ ذاكَ ومَا عَلِمْتِ وإِنَّما ... أولاكُمَا يِبُكى عليه العَاقِلُ
قال: أي: منازل الحزن بقلبي تعلم ما يمر بها من ألم الهوى، وانتن تجهلن ذلك.
وأقول: هذا القول ليس بشيء!
والمعنى: أن منازل الهوى في الفؤاد، اللاتي هن منازل لمنازل الأحبة يعلمن ما تجهله منازلهن من أن لهن في الفؤاد منازل، وأنهن مقفرات من الأحبة، و (أن) منازل الفؤاد منهن أواهل.
(وقوله: ذاك إشارة إلى المنازل في البيت قبله وهذا تفسيره)
وقوله: (الكامل)
لو لَمْ يَخَفْ لَجَبَ الوُفُودِ حَوالَهُ ... لسَرَى إليه قَطَا الفَلاةِ النَّاهِلُ
стр. 235
قال: يراه القطا ماء معينا فيهم بوروده، ويشفقن من لجب وفوده.
(وأقول:) وقال الواحدي: إنه لعموم نفعه تهم الطير بالوفود عليه لتنفع غلتها، ليس أنه ماء يشرب، أو تراه الطير ماء كما ذكر (الشيخان).
وقوله: (الكامل)
يَدْري بما بكَ قبلَ تُظْهِرُهُ له ... من ذِهْنِهِ ويجيبُ قَبْلَ تُسَائِلُ
قد قيل في هذا البيت إن صدره فيه لين وضعف وعجزه رديء فاسد، وذلك أن المجيب قبل السؤال منسوب إلى الخفة والعجلة.
ويقال أيضا: إن الجواب لا يكون إلا بعد السؤال، فقوله:
. . . . . . . . . ويجيبُ قبلَ تُسَائِلُ
خطأ، وإنما ينبغي أن يقول: ويخبرك بأمرك قبل تسائله. وكأنه أقام يجيب مقام يخبر وهو ضعيف. وقد كرر هذا المعنى في مواضع من شعره، هذا أضعفها، منها
стр. 236
قوله: (الطويل)
ذَكيٌّ تَظَنَّيهِ عَيْنِهِ ... يَرَى قلبُهُ في يَوْمِهِ ما تَرَى غَدَا
وقوله: (الكامل)
مُسْتَنْبَطٌ من عِلْمِهِ ما في غَدٍ ... فكأنَّ ما سيكونُ فيهِ دوَّنَا
وهذا معنى متداول بين الشعراء، وأظن أن السابق إليه أوس في قوله: (المنسرح)
الأَلَمعِيُّ الذي يَظُنُّ لك الظَّ ... نَّ كأنْ رَأَىَ وقد سَمِعَا
وقوله: (الكامل)
لو طَابَ مَوْلِدُ كلَّ حيًّ مثلَهُ ... وَلَدَ النَّسَاءُ ومالهُنَّ قَوابِلُ
قال: أي: لم يحتجن إلى من يشارفهن ويشاهد المستور من أحوالهن وقت الولادة.
وقد قيل في هذا البيت: هذا كلام فحواه أن طيب المولد هو سهولة الولادة، وكم
من سهل الولادة بطيب المولد، فلا يتعلق العجز بمعنى الصدر.
فيقال لقائل ذلك: فما تعني أنت بطيب المولد؟ فإن قال: الكرم والنجابة وحسن الأخلاق وطيب الأعراق، حسن أن يضاف إلى ذلك أيضا سهولة الولادة، وطهارة الوالدة والولد والمكان، وترك الاستعداد إلى ما تحتاج إليه القوابل في أمر النسوان كما
стр. 237
يُحكى عن فاطمة بنت أسد - رحمها الله - حين أخذها الطلق أن أبا طالب أعلم النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - بأمرها فأدخلها الكعبة فولدت فيها عليا ﵇ ولم تر دما!
وقوله: (الكامل)
وإذَا أتَتْكَ مَذَمَّتي من نَاقِصٍ ... فَهْيَ الشَّهَادَةُ لي بأني فَاضِلُ
قد أخذ على أبي طيب في هذا البيت بأن الناقص يذم الفاضل وغير الفاضل لسوء فهمه وقلة تمييزه، فإذا ذمه فلا يدل على أنه فاضل.
(وأقول:) وهذا ليس بشيء! وذلك أن الناقص إنما يذم الفاضل لفضله حسدا له عليه، لنقصه، فالناقص لا يذمه لأنه لا يحسده، أو للمناسبة التي بينهما - وهذا المعنى من قول أبي تمام: (الطويل)
стр. 238
لقد آسَفَ الأعداَء مَجْدُ ابن يوسُفٍ ... وَذو النَّقْصِ في الدُّنيا بذي الفَضْلِ مولِعُ
أو كلاهما من قول مروان بن أبي حفصة: (الكامل)
ما ضَرَّني حَسَدُ اللئامِ وَلَمْ يَزَلْ ... ذو الفَضْلِ يَحْسِدُهُ ذوو التَّقْصيرِ
وقوله: (الكامل)
مَنْ لي بِفَهْمِ أُهَيْلِ عَصْرٍ يَدَّعي ... أنْ يَحْسُبَ الهِنديَّ فيهم باقِلُ
(أقول:) قد ذكرت في غيره من الشروح ما ذكر من اخذه عليه في هذا، والجواب عنه، لأن غيره أخذه منه.
وقوله: (الطويل)
وإسْحَاقُ مَأمُونٌ على مَنْ أَهَانَهُ ... ولكِنْ تَسَلَّى بالبكاءِ قَلِيلاَ
قال: يأمنه من أهانه لسقوط نفسه. ولو قال ها هنا: تجمل بالبكاء لكان أشبه.
وقيل له: ليس في البكاء هنا جمال، إنما هو ضعف ووهن، ولكن تسلى
стр. 239
أوقع كما قال الرجل.
وأقول: إنما قال: تسلى بالبكاء وذلك أنه إذا أهين حزن، وكئب، واهتم لذلك، فالأبي ذو الأنفة والنفس العزيزة يكون تسلية من ذلك بالانتقام ممن قصد هوانه. والدنيء الذليل الضعيف يكون تسليه بالبكاء يستروح به كالنساء، ليس لهن تسل بغيره، فهو مأمون على من أهانه.
وقوله: (المنسرح)
أنَا مَنْ بَعْضُهُ يَفُوق أبا البَا ... حِثِ، والنَّجْلُ بَعْضُ من نَجَلَهْ
قال: معناه: أنا أفوق أبا من يبحث عني، إلا أن صنعة الشعر قادته إلى هذا النظم وليس لضرورة.
فيقال له: ليس فيه ضرورة - كما تقول - ولكن فيه زيادة لا تعلمها! وهي في قوله:
. . . . . . . . . . . . والنَّجْلُ بعضُ من نَجَلَه
يقول: أنا بعض أبي، والباحث بعض أبيه، فبعض أبي - وهو أنا - يفوق كل الباحث وهو أبوه! وهذه قضية عقلية من مقدمتين ونتيجة:
فالمقدمة الأولى: أن الكل أفضل من البعض.
والثانية: أن الإنسان بعض أبيه.
стр. 240
والنتيجة: أنه إذا فضل شيء الكل وجب أن يفضل البعض.
فعلى هذا إذا فضلت أبا الباحث وجب أن أفضل الباحث لأنه بعضه، ووجب أن يفضله ويفضل أباه أبي لأنني أنا فضلتهما وأنا بعضه، فما ظنك بالكل!
وقوله: (البسيط)
إِذَا العِدَا نَشِبَتْ فيهم مَخَالِبُهُ ... لم يَجْتَمِعْ لَهُمُ حِلْمٌ ورِئبَالُ
قال: كأن في هذا البيت ضربا من الاعتذار لعدوه الملقبه بالمجنون مع الهزء به؛ لأنه يرى من إقدامه وتعجرفه في الحرب، ورميه بنفسه في المهالك، وما يبعده عن الحلم عنده فلذلك لقبه مجنونا.
فيقال له: بل في هذا البيت ضرب من الاعتذار إلى عدوه لفتكه بهم، وقتله لهم، وترك إبقائه عليهم، وعدم حلمه عنهم بجعله أسدا، والأسد ليس عنده ذلك، فهذا عذر له إليهم، لا عذر لهم إليه.
وفيه أيضا إشارة إلى تلقيبه بالمجنون؛ لكونه على صفات الأسد الذي ليس له عند الفرس، تثبت ولا تأمل ولا إبقاء.
стр. 241
وقوله: (الطويل)
فَوَلَّتْ تُرِيغُ الغَيْثَ والغَيْثَ خَلَّفَنْ ... وتَطلُبُ ما قَدْ كان في اليدِ بالرَّجْلِ
قال: لو ظفرت بالكوفة، وما قصدت له لوصلت إلى منازل الغيث باليد.
فيقال له ولغيره ممن فسر هذا البيت: أطلت الحز ولم تصب المفصل! فدع ما قلت لغوا، وخذه من المآخذ على الواحدي عفوا!
وقوله: (الكامل)
لو أنَّ فَنَّا خُسْرَ صَبَّحَكُمْ ... وَبَرَزْتِ وَحْدِك عاقَهُ الغَزَلُ
стр. 242
قال: ما أحسن ما كنى عن الانهزام بقوله:
. . . . . . . . . . . . عاقَهُ الغَزَلُ
فيقال له: أطو ثوب هذا البيت على غره، فلست بأبي عذره، وأطلع من مأخذ (ي) على التبريزي على غامض سره!
وقوله: (الرجز)
لَوْ جَذَبَ الزَّرَّادُ من أّذْيَالي
مُخَيَّراً لي صَنْعَتَيْ سِرْبَالِ
ما سُمْتُهُ سَرْدَ سِوَى سِرْوَالِ
قال: لو عرض علي الزراد صنعتين من الدروع مخيرا لي بينهما لما طلبت منه إلا أن يصنع لي سراويل من حديد تحصن بها عورتي، ولا أبالي بعد ذلك بانحسار سائر جسدي. وهذا، في أنه أراد تحصين بعض جسده دون بعض، يشبه ما يحكى في الخبر من أن درع أمير المؤمنين ﵇ كانت صدرا بلا ظهر، لأنه لم يول قط،
стр. 243
إلا أنه أخفى الأخذ بنقله التحصين من عضو إلى عضو آخر، وهذا من عاداته. ولفظ المتنبي أشد مبالغة من لفظ الخبر؛ إلا أن الخبر حق وهذه دعوى منه.
فيقال له وللمتنبي: ما الحاجة إلى هذه السراويل من حديد؟ إن كانت لأجل التحصين من الفحشاء فالتحصن بدرع العفاف بغني عنها وأوفى منها، وإن كان لحفظ العورة وسترها من الانكشاف، وعورة الرجل دبره، فلا يول الدبر ولا يحتج إلى ستر العورة خوف الانكشاف، وليفعل كفعل علي - عليه أفضل الصلاة والسلام - ما لا فائدة فيه ولا عائدة له.
وقوله: (الرجز)
وُلِدْنَ تَحْتَ أَثْقَلِ الأَحَمَالِ
قال: يعني بأثقل الأحمال: الجبال.
وقيل له: (كيف) تكون الجبال فتولد تحتها، وهي بالضد من ذلك تولد في أعاليها؟ وإنما أراد بأثقل الأحمال: القرون، وهي وإن لم تكن في حال الولادة موجودة؛ فإنها ستوجد فيما بعد لا محالة، فكأنها موجودة، والبيت الذي بعده:
قَدْ مَنَعَتْهُنَّ مِنَ التَّفَالي
يدل على أنها القرون.
стр. 244
وقوله: (الرجز)
لهَا لِحى سُودٌ بلا سِبالِ
قال: أراد بسبال أسبلة، فوضع الواحد موضع الجمع كما قال الشماخ: (الطويل)
أَتَتْنِي سُلَيْمٌ قَضُّهَا بِقضِيضِهَا ... تُمَسَّحُ بالبَقِيع سِبَالَهَا
فيقال له: بل السبال جمع سبلة، مثل أكمة وإكام، وهو ما انسبل من شعر الشارب في اللحية.
هذا قول ابن دريد. وقال: إن السبال طرف اللحية، وهو الذي قصده ابن جني؛ واحد في موضع الجمع، والأول أولى؛ لأنه جمع على الحقيقة.
وقوله: (الرجز)
وقد بَلَغْتَ غايةَ الآمَال
стр. 245
فَلَمْ تَدَعْ مَنها سِوى المُحالِ
في لا مَكانٍ عِنْدَ لا مَحالِ
قال: أرجو له - عفا الله عنه - أن لا يكون أراد بهذا القول، الغمز على أهل التوحيد، أن ما لم يحوه مكان، ولم يصر إليه مثال فهو محال. وهذا محال لأن الله تقدست أسماؤه، وجل ثناؤه لا يحويه مكان، ولا يُدرَك وهو حق الحق.
فيقال له: قوله:
وقد بَلَغْتَ غَايَةَ الآمالِ
يعني: من أفعالك وأمور دنياك، ينفي عنه ذلك التوهم الفاسد، وذلك أن هذه الأشياء ما لم تكن منها في مكان وله مثال يمثله الخاطر أو يراه الناظر، فهو محال لا محالة. فعلى هذا لا يكون قد أراد ما توهمه من أنه غمز على أهل التوحيد في إثبات ذات الباري على هذه الصفة، لأنه - سبحانه - ليس مما يبلغ
بالآمال ويدرك بالأفعال.
وقوله: (الطويل)
وفَاؤكُمَا كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمهْ ... بأنْ تُسْعِدا والدَّمْعُ أَشْفَاهُ سَاجُمهْ
стр. 246
قال: معنى البيت: كنت أبكي الربع وحده، فصرت أبكي وفاءكما معه.
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: أنه يخاطب صاحبيه؛ يقول: وفاؤكما بأن تسعدا بالدمع كالربع؛ أي: ينبغي أن يكون الإسعاد بالبكاء علي وفق الربع في حال أشجاه للمحب (طاسمه)، وفي حال أشفى الدمع للمحب ساجمه. وكأن في هذا إشارة إلى أن صاحبيه لم يفيا له بالإسعاد، وأنهما قصرا معه في البكاء فلهذا قال، فيما بعد: (الطويل)
وقَدْ يَتَزَيَّا بالهَوَى غَيْرُ أَهْلِهِ ... ويَسْتَصْحِبُ الإنسَانُ من لا يُلائِمُهُ
يقول: هذان الصاحبان اللذان سمتهما الإسعاد بالبكاء، متصنعين بالهوى متكلفين له، غير ملائمين لي ولا موافقين لطباعي، فهذا المعنى الذي يقتضيه اللفظ وتدل عليه القرائن ويتبين به الإعراب.
وقوله: (الطويل)
بَلِيتُ بِلَى الأطْلاَلِ إنْ لم أقف بها ... وقُوفَ شَحيحٍ ضَاعَ في التُّرْبِ خَاتِمُهُ
قال: وقد ذهبوا إلى نقصان هذا البيت؛ فإن وقوف الشحيح على طلب خاتمه ليس مما يتناهى في ضرب المثل به. وأجاب عنه بأن هذا شبيه بقوله تعالى: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) ثم قال: وليت شعري! هل يبلغ من ضوء الكوة التي فيها مصباح إلى أن تفيء بنور الله؟! ولكن العرب كما تبالغ في وصف الشيء، وتتجاوز
стр. 247
الحد، فقد تقصد أيضا وتستعمل المقاربة، واستشهد على بيت أبي الطيب في إضلال الخاتم والحيرة بسببه بقول الراجز:
فَهُنَّ حَيْرَى كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ
فيقال له: ليس فيما ذكرت من الآية اقتصار ومقاربة، بل إغراق ومبالغة! وذلك أن المشكاة، وإن كانت في اللغة الكوة التي فيها مصباح، كما ذكرت، فالمراد بها هنا فاطمة الزهراء ﵍ لما ذكره المفسرون ونقله المحدثون، منهم أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن المغازلي الواسطي يرفعه إلى الحسن ﵇ وهي من رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهو السراج المنير لقوله تعالى: (وسراجا منيرا) والسراج هاهنا المراد به الشمس لقوله تعالى: (و (جعل) الشمس سراجا). فلا نور أضوأ من هذا النور، فضرب الله مثلا لنوره في الهداية والبيان (بهذه المشكاة): التي هي فاطمة، والمصباح الحسن والحسين، و (الزجاجة كأنها كوكب دري) قال: كانت فاطمة ﵍ كوكبا دريا من نساء العالمين:
(يوقد من شجرة مباركة): إبراهيم ﵇.
(لا شرقية ولا غربية): لا يهودية ولا نصرانية.
(يكاد زيتها يضيء): قال: يكاد العلم ينطق منها.
стр. 248
(ولو لم تمسه نار نور على نور): قال: منها إمام بعد إمام.
(يهدي الله لنوره من يشاء): قال: يهدي الله لولايتها من يشاء.
وأما البيت الذي استشهد به على ضياع الخاتم والحيرة بسببه، فقد حرفه وبدله، أو نسيه وجهله، لأن الشيخ أبا العلاء أنشده في تفسيره للديوان.
إِذَا قَطَعْنَ عَلَماً بَدَا عَلَمْ
يَبْحَثْنَ بَحْثاً كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ
حَتَّى يُوَافِينَ بنَا إلى حَكَمْ
وقد ذكرت تفسيره في المآخذ عليه.
وقوله: (الطويل)
قِفي تَغْرَمِ الأولَى من اللَّحظِ مُهْجَتي ... بثانَيةٍ، والمُتلِفُ الشَّيَْ غارِمِهْ
стр. 249
قال: سألته في وقت القراءة عليه، قلت: الأولى هي الفاعلة؟ قال: نعم. يريد أنه نظر إليها نظرة فأقلقت النظرة مهجته، فأراد أن يلحظها لحظة أخرى لترجع إليه نفسه فجعل الأولى، في الحقيقة، كأنها هي الغارمة لأنها كانت سبب التلف.
فيقال له: فما يؤمنه أن تكون النظرة الثانية مالأولى، فلا يحصل الغرم بالإحياء بل يتضاعف تلف الحوباء!
والجواب: أن النظرة الأولى هي في وقت الفراق، وظنه أنه للقلى والملال، فإذا وقفت عليه، فالنظرة الثانية للإحسان إليه؛ لأن التوقف يوجب التعطف، فلهذا جعل النظرة الأولى مميتة، والثانية محيية.
وقوله: (الطويل)
سَقَاكِ وَحيَّانَا بِكِ اللهُ إنَّما ... عَلَى العِيسِ نَوْرٌ والخُدورُ كَمَائِمُهْ
قال: قوله:
سَقَاكِ وحَيَّانَا بِكِ اللَّهُ. . .
كلام في غاية العذوبة وحسن الطريقة، فأخذه السري بن احمد وأنشدني لنفسه في قصيدة يمدح بها أبا الفوارس بن فهد: (المنسرح)
حَيَا بهِ اللهُ عاشِقِيْهِ فَقَدْ ... أَصْبَحَ رَيْحَانة لِمَن عَشِقَا
стр. 250
فيقال له: هذا استحسان للكلام
كما زعمت، فهلا استحسنت المعنى بشرحك له وإبدائك عنه؟ فإنه أحسن من اللفظ؛ وهو أنه لما جعل هؤلاء النساء نورا، دعا لهن بالسقيا؛ لأن الماء نضرة النور، ودعا لنفسه بأن يحيا بهن؛ لأن ذلك من شأن النوار والأزهار.
وقوله: (الطويل)
إذَا ظَفِرَتْ منكِ العُيونُ بِنَظْرَةٍ ... أثابَ بِها مُعْيِي المطيّ ورازِمُهُ
قال - بعد تفسير غريبه -: والمعنى أن الإبل الرازمة إذا نظرت إليك عاشت
أنفسها، فكيف بنا نحن؟!
وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى ما ذكرته آخرا في مآخذ شرح الكندي.
وقوله: (الطويل)
وتكملَةُ العَيْشِ الصَّبَا وعَقيبُهُ ... وغائبُ لَوْنِ العَارِضَيْنِ وقَادِمُهْ
قال: قال المتنبي: أردت بعقيبه الشيب.
وأقل: هذا غير صحيح بل تكملة العيش هو الصبا أولا، ثم ما يعقبه من بلوغ الأشد حين يكون يافعا مترعرعا، ثم غائب لون العارضين وهو لون البشرة
следующие страницы →