← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قال: معنى البيت: كنت أبكي الربع وحده، فصرت أبكي وفاءكما معه. وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى: أنه يخاطب صاحبيه؛ يقول: وفاؤكما بأن تسعدا بالدمع كالربع؛ أي: ينبغي أن يكون الإسعاد بالبكاء علي وفق الربع في حال أشجاه للمحب (طاسمه)، وفي حال أشفى الدمع للمحب ساجمه. وكأن في هذا إشارة إلى أن صاحبيه لم يفيا له بالإسعاد، وأنهما قصرا معه في البكاء فلهذا قال، فيما بعد: (الطويل) وقَدْ يَتَزَيَّا بالهَوَى غَيْرُ أَهْلِهِ ... ويَسْتَصْحِبُ الإنسَانُ من لا يُلائِمُهُ يقول: هذان الصاحبان اللذان سمتهما الإسعاد بالبكاء، متصنعين بالهوى متكلفين له، غير ملائمين لي ولا موافقين لطباعي، فهذا المعنى الذي يقتضيه اللفظ وتدل عليه القرائن ويتبين به الإعراب. وقوله: (الطويل) بَلِيتُ بِلَى الأطْلاَلِ إنْ لم أقف بها ... وقُوفَ شَحيحٍ ضَاعَ في التُّرْبِ خَاتِمُهُ قال: وقد ذهبوا إلى نقصان هذا البيت؛ فإن وقوف الشحيح على طلب خاتمه ليس مما يتناهى في ضرب المثل به. وأجاب عنه بأن هذا شبيه بقوله تعالى: (مثل نوره كمشكاة فيها مصباح) ثم قال: وليت شعري! هل يبلغ من ضوء الكوة التي فيها مصباح إلى أن تفيء بنور الله؟! ولكن العرب كما تبالغ في وصف الشيء، وتتجاوز

стр. 247

الحد، فقد تقصد أيضا وتستعمل المقاربة، واستشهد على بيت أبي الطيب في إضلال الخاتم والحيرة بسببه بقول الراجز: فَهُنَّ حَيْرَى كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ فيقال له: ليس فيما ذكرت من الآية اقتصار ومقاربة، بل إغراق ومبالغة! وذلك أن المشكاة، وإن كانت في اللغة الكوة التي فيها مصباح، كما ذكرت، فالمراد بها هنا فاطمة الزهراء ﵍ لما ذكره المفسرون ونقله المحدثون، منهم أبو الحسن علي بن محمد المعروف بابن المغازلي الواسطي يرفعه إلى الحسن ﵇ وهي من رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهو السراج المنير لقوله تعالى: (وسراجا منيرا) والسراج هاهنا المراد به الشمس لقوله تعالى: (و (جعل) الشمس سراجا). فلا نور أضوأ من هذا النور، فضرب الله مثلا لنوره في الهداية والبيان (بهذه المشكاة): التي هي فاطمة، والمصباح الحسن والحسين، و (الزجاجة كأنها كوكب دري) قال: كانت فاطمة ﵍ كوكبا دريا من نساء العالمين: (يوقد من شجرة مباركة): إبراهيم ﵇. (لا شرقية ولا غربية): لا يهودية ولا نصرانية. (يكاد زيتها يضيء): قال: يكاد العلم ينطق منها.

стр. 248

(ولو لم تمسه نار نور على نور): قال: منها إمام بعد إمام. (يهدي الله لنوره من يشاء): قال: يهدي الله لولايتها من يشاء. وأما البيت الذي استشهد به على ضياع الخاتم والحيرة بسببه، فقد حرفه وبدله، أو نسيه وجهله، لأن الشيخ أبا العلاء أنشده في تفسيره للديوان. إِذَا قَطَعْنَ عَلَماً بَدَا عَلَمْ يَبْحَثْنَ بَحْثاً كمُضِلاَّتِ الخَدَمْ حَتَّى يُوَافِينَ بنَا إلى حَكَمْ وقد ذكرت تفسيره في المآخذ عليه. وقوله: (الطويل) قِفي تَغْرَمِ الأولَى من اللَّحظِ مُهْجَتي ... بثانَيةٍ، والمُتلِفُ الشَّيَْ غارِمِهْ

стр. 249

قال: سألته في وقت القراءة عليه، قلت: الأولى هي الفاعلة؟ قال: نعم. يريد أنه نظر إليها نظرة فأقلقت النظرة مهجته، فأراد أن يلحظها لحظة أخرى لترجع إليه نفسه فجعل الأولى، في الحقيقة، كأنها هي الغارمة لأنها كانت سبب التلف. فيقال له: فما يؤمنه أن تكون النظرة الثانية مالأولى، فلا يحصل الغرم بالإحياء بل يتضاعف تلف الحوباء! والجواب: أن النظرة الأولى هي في وقت الفراق، وظنه أنه للقلى والملال، فإذا وقفت عليه، فالنظرة الثانية للإحسان إليه؛ لأن التوقف يوجب التعطف، فلهذا جعل النظرة الأولى مميتة، والثانية محيية. وقوله: (الطويل) سَقَاكِ وَحيَّانَا بِكِ اللهُ إنَّما ... عَلَى العِيسِ نَوْرٌ والخُدورُ كَمَائِمُهْ قال: قوله: سَقَاكِ وحَيَّانَا بِكِ اللَّهُ. . . كلام في غاية العذوبة وحسن الطريقة، فأخذه السري بن احمد وأنشدني لنفسه في قصيدة يمدح بها أبا الفوارس بن فهد: (المنسرح) حَيَا بهِ اللهُ عاشِقِيْهِ فَقَدْ ... أَصْبَحَ رَيْحَانة لِمَن عَشِقَا

стр. 250

فيقال له: هذا استحسان للكلام كما زعمت، فهلا استحسنت المعنى بشرحك له وإبدائك عنه؟ فإنه أحسن من اللفظ؛ وهو أنه لما جعل هؤلاء النساء نورا، دعا لهن بالسقيا؛ لأن الماء نضرة النور، ودعا لنفسه بأن يحيا بهن؛ لأن ذلك من شأن النوار والأزهار. وقوله: (الطويل) إذَا ظَفِرَتْ منكِ العُيونُ بِنَظْرَةٍ ... أثابَ بِها مُعْيِي المطيّ ورازِمُهُ قال - بعد تفسير غريبه -: والمعنى أن الإبل الرازمة إذا نظرت إليك عاشت أنفسها، فكيف بنا نحن؟! وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى ما ذكرته آخرا في مآخذ شرح الكندي. وقوله: (الطويل) وتكملَةُ العَيْشِ الصَّبَا وعَقيبُهُ ... وغائبُ لَوْنِ العَارِضَيْنِ وقَادِمُهْ قال: قال المتنبي: أردت بعقيبه الشيب. وأقل: هذا غير صحيح بل تكملة العيش هو الصبا أولا، ثم ما يعقبه من بلوغ الأشد حين يكون يافعا مترعرعا، ثم غائب لون العارضين وهو لون البشرة

стр. 251

(قبل) أن يغيب بسواد الشعر بياضه، ثم قادمه وهو الشعر الأسود. فالشيب والهرم ليسا من تكملة العيش وتمامه، بل من نقصه. ويجوز أن يكون غائب لون العارضين وقادمه شيئا واحدا وهو الشعر الأسود فيقال: غائب: لأنه لم يبد؛ يعني في حال كونه أمرد، وقادم: بظهوره في حال كونه ملتحيا. وقوله: (الطويل) لقَدْ مَلَّ ضَوْءُ الصُّبْحِ ممَّا تُغِيرُهُ ... ومَلَّ سَوادُ اللَّيْل ممَّا تُزَاحِمُهْ قال: أراد: تغير فيه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بنفسه، وأنشد: (الرجز) في سَاعَةٍ يُحَبُّهَا الطَّعَامُ وأقول: إن تغيره هاهنا من الغيرة لا من الغارة، ولا يحمل على الضرورة؛ يعني تغيره بكون الحديد يصحبك طالعا معك في حروبك.

стр. 252

وقوله: (الخفيف) نَحْنُ مَنْ ضَايَقَ الزَّمَانُ له فِي ... كَ وخَانَتْهُ قُرْبَكَ الأيَّامُ قال: قال لي - يعني المتنبي -: أردت ضايقه، فزدت اللام. واستشهد ابن جني على ذلك بقوله تعالى: (ردف لكم) وبأبيات قليلة. وأقول: لو قال: نحن من ضايقته فيك لياليه، أو قال: فيك الليالي وأفاتته قربك الأيام، أو: وحمته دنوك، أو: ورمته ببعدك لكان أحسن. وهذا فيه مقابلة الأيام بالليالي، وهي صناعة وحسن براعة! وقوله: (البسيط) بأيَّ لَفْظٍ يَقٌولٌ الشَّعْرَ زِعْنِفَةٌ ... يَجُوزُ عندكَ لا عُرْبٌ ولا عجمُ قال: قوله: لا عرب ولا عجم أي: ليست لهم فصاحة العرب، ولا تسليم العجم الفصاحة للعرب، فليسوا شيئا.

стр. 253

فيقال له: بل هذا التفسير ليس شيئا! ومعنى قوله: لا عرب ولا عجم إنما أراد بنفيهم عن ذلك تحقيرهم ودناءتهم بجهل أنسابهم، وأنهم غير معروفين فهم بمنزلة الأدعياء والعبيد. وقوله: (الطويل) وقد حَاكَمُوهَا والمَنايَا حَوَاكِمٌ ... فَمَا مَاتَ مَظْلُومٌ ولا عاش ظالِمُ قال: أي لما ظلموا، وعتوا بقصدهم هدمها، أهلكهم سيف الدولة، وسلم أصحابه. وأقول: قوله: وسلم أصحابه ليس بشيء! ولو قال: وسلمت هي؛ يعني الحدث، لكان صوابا، وذلك أن المحاكمة كانت بينهم وبين الحدث، وهم ظالموها بقصدهم هدمها، وليس لهم ذلك وهي مظلمومة بذلك؛ فما مات مظلوم: يعني الحدث، ولا عاش ظالم: يعني الروم. وقوله: (الطويل) بِضَرْبٍ أَتَى الهَامَاتِ والنَّصْرُ غائِبٌ ... وصَارَ إلى اللَّباتِ والنَّصْرُ قَادِمُ

стр. 254

قال: يقول: إذا ضربت عدوك فحصل سيفك في رأسه، لم تعتد ذلك نصرا ولا ظفرا، فإذا فلق السيف رأسه، فصار إلى لبته، فحينئذ يكون ذلك عندك ظفرا ولا يرضيك ما دونه. وأقول: إن هذا البيت فيه معنى شريف لم يطلع عليه أحد من شراح الديوان، وقد خبطوا فيه خبطا كثيرا، والصحيح ما ذكرته في شرح التبريزي. وقوله: (الطويل) حَقَرْتَ الرُّدَيْنياتِ حَتَّى طَرَحْتَهَا ... وحَتَّى كَنَّ السَّيْفَ للُّرْمحِ شَاتِمُ قال: أي: كأن السيف يعيب الرمح ويزوي به، فلم يلتفت إلى الرمح؛ لأن صاحب السيف أبلغ ما يطلب النجاح به. وأقول: قوله: . . . . . . . . . كأنَّ السيفَ للرُّمْحِ شَاتِمُ أي: لما كان السيف أشد غناء في الحرب من الرمح، وأكثر مضايقة، وحامله أشجع من حامل الرمح، كان كأنه شاتمه، وشتمه له أن يقول (بلسان الحال): يا جبان! أنت لا تنال من عدو حاملك إلا على بعد، ولست مثلي في القرب والفعال!

стр. 255

وقوله: (الطويل) تَدوسُ بك الخَيْلُ الوكُورَ عَلَى الذُّرَا ... وقد كَثْرَتْ حَوْلَ الوُكورِ المَطَاعِمُ قال: يقول: إذا اخذوا عليك دربا، صعدت إليهم إلى رؤوس الجبال، فقتلتهم هناك، فلذلك تكثر المطاعم حوا الوكور. وأقول: إن قوله: إذا أخذوا عليك دربا ليس بشيء، وإنما يقول: إذا تحصنوا منك بالجبال، لم تحتم على خيلك، وإن كانوا في أعلاها عند وكور العقبان، فقتلتهم هناك وصاروا طعاما لهن، وقرى عند بيوتهن. وقوله: (الكامل) وذراعُ كُلَّ أبي فُلاَنٍ كُنْيَةً ... حَالَتْ فَصَاحِبُهَا أبو الأيْتَامِ قال: يسأل عن هذا فيقال: إن الاسم الذي يقع بعد كل إذا كان واحدا في معنى جمع فلا يكون إلا نكرة، نحو قولك: كل رجل في الدار، فلست تعني به رجلا واحدا. ولا يجوز أن تقول: ضربت كل عبد الله، وأنت تريد ما تريد برجل، فكيف جاز له أن يقول كل أبي فلان وهو يعني جماعة هذه أحوالهم، وفلان معرفة فيكون

стр. 256

أبي معرفة لإضافته إليه؟ والجواب أنه اضطر إلى (ترك) الفصل بينه وبينه؛ كأنه قال: إن لفلان؛ أي: كل إنسان يقال له أبو فلان، كما يقال: (رب) واحد أمه لقيته، ورب عبد بطنه ضربت، فافهمه! فيقال له: الدخل الذي ذكرته وارد، والجواب عنه غير شاف كاف؛ لأن ما ذكرته من رب واحد أمه وعبد بطنه يسمع ولا يقاس عليه. والجيد أن يقال: إن أبا فلان هاهنا، كناية عن كل شجاع معروف، وذلك أن الفارس منهم، كان إذا طعن قرنه طعنة قال: خذها وأنا أبو فلان، ومنه قول أبي نواس: (الطويل) وللفَضْلُ أمْضَى مُقدماً من ضُبَارمٍ ... إذا لبِسَ الدَّرْعَ الحَصِينَةَ واكتَنَى فهذا نكرة معنى، وإن كان معرفة لفظا، فلذلك جاز إضافة كل إليه واحدا في معنى الجمع. وقوله: (البسيط) وقد تَمَنَّوا غداةَ لدَّرْبِ في لَجِبٍ ... أنْ يُبْصِرُوكَ فلمَّا أبْصَرُوكَ عَمُوا قال: أي: هلكوا فزالت أبصارهم، ويكون عموا، أي: تحيروا لما نظروا إليك فلم يملكوا أبصارهم.

стр. 257

وأقول: هذا ليس بشيء! والمعنى؛ أنهم تمنوا لقاءك ليهزموك ويغنموك، فانعكس التمني عليهم، فهزمتهم وغنمتهم وهو معنى قوله: . . . . . . . . . فلما أبْصَرُوكَ عَمُوا ضربه مثلا، وليس هناك عمى، على الحقيقة، ولا زوال أبصار. وقوله: (الكامل) كُفِّي أَراني - وَيْكِ لَوْمَكِ - ألوَمَا ... هَمٌّ أقامَ على الفُؤادِ أنْجَمَا قال: يقول: أراني هذا الهم لومك إياي أحق بأن يلام مني. وقيل له: على قولك هذا يكون أفعل مبنياً على المفعول لا الفاعل، فاللوم من الملوم لا من اللائم، وهذا قليل شاذ. وأقول: قد جاء عنهم: هو ألوم منه، مخالفا للكثير المقيس عليه، ولم يصل إلى معنى اختصاص أفعل ببنائه من الفاعل دون المفعول. والذي عندي فيه أن أفعل صفة مبالغة في مدح أو ذم وإذا كان كذلك، فلا يكون إلا من الفاعل، لأن الرجل إنما يحمد أو يذم على ما يفعل، لا على ما يفعل به. وما جاء عنهم مبنيا من المفعول نحو: أزهى من ديك، وأشغل من ذات النحيين، وهم بشأنه أعنى، ففي

стр. 258

ذلك (المعنى) إضافة الفعل إلى الفاعل، ألا ترى أن الزهو من فعله (وإن كان قد حمل عليه) والشغل من فعلها، والعناية من فعلهم (فزهي وشغلت ليس كضرب وقتلت مما ذكر فاعله ولكن بني على المفعول المتروك فاعله تشبيها ببنائه على الفاعل). فلذلك جاز أن يبنى من المفعول في اللفظ، والمعنى للفاعل، ولهذا حسن الذم على الزهو والشغل، والحمد على العناية بالشأن. وكذلك قولهم هو أحمد منه وأرجى؛ كأنه بجوده فعل الحمد والرجاء. وألوم من قول المتنبي (مبني) من الفاعل لا من المفعول؛ كأنه أراد لوم لائم، على المبالغة، كما قالوا: شعر شاعر، وشغل شاغل، ثم بناه على أفعل للزيادة في المبالغة. وقوله: (الكامل) وإذَا سَحَابةُ صَدَّ حِبًّ أَبْرقَتْ ... تَرَكَتْ حَلاوةَ كُلَّ حُبًّ عَلْقَمَا قد أخذ على أبي الطيب استعارة السحابة هاهنا، وقيل: إنها غير مناسبة. وأقول: لو قال: وإذَا مَرَارةُ صَدَّ حِبًّ أَشْرَقَتْ. . . . . . . . . لكان أشبه بالمناسبة وأقرب إلى الصناعة.

стр. 259

وقوله: (الكامل) يا وَجْهَ دَاهَيَةَ الذي لو لاكِ ما ... أكَلَ الضَّنَى جَسَدي ورَضَّ الأَعْظُمَا قال: داهية: اسم لتي شبب بها. وقيل: إن داهية اسم غير مليح في التغزل. وقد ذكرت في شرح الواحدي ما قيل في هذا الاسم، وما هو الأولى. وقوله: (البسيط) وكُلَّمَا نُطِحَتْ تحتَ العَجَاج به ... أُسْدُ الكَتَائِبِ رامَتْهُ ولم يَرِمِ قال: رامته: أي: زالت عنه ولم يزل هو، وأراد: رامت عنه، فحذف حرف الجر وأوصل الفعل بنفسه، قال الأعشى: (المتقارب) أَبَانَا! فلا رِمْتَ مِنْ عِنْدنَا ... فإنَّا بخَيْرٍ إذَا لم تَرِمْ

стр. 260

أي: لا برحت! وقد استعمله أبو نواس بغير الجر؛ قال: (الطويل) فما رِمَتُهُ حَتَّى أَتَى دونَ ما حَوَتْ ... يَمينِيَ حتى رِيْطَتي وحِذَائي فيقال له ولأبي الطيب: إن رمت: لم تستعملها العرب إلا في النفي فقالوا: لم يرم، وما رمت، ولم يقولوا: أرام، ولا: يريم. وأقول: إنما كان ذلك كذلك، لأنه مشبه بقولهم: ما فتئ وما برح وما زال، وهذه المنفيات بمعنى الإيجاب، ألا ترى أن حرف الاستثناء لا يدخل عليها، كما لا يدخل على كان واخواتها، مما ليس منفيا، فلا يقال: ما فتئ إلا قائما، كما لا يقال: كان إلا قائما. وإذا كان كذلك، فلا يجوز حذف حرف النفي منها، لاختلال ذلك المعنى. وقوله: (الوافر) ذَكْرتَ جَسِيمَ ما طَلَبي وأنَّا ... نُخَاطِرُ فيه بالمُهَجِ الجِسَامِ قال: أراد: جسيم طلبي فزاد ما توكيدا. وإنما جعل ما زائدة ها هنا ولم يجعلها بمعنى الذي لأن طلبي لا يكون بانفراده صلة. فيقال له: لم لا تكون بمعنى الذي ويكون الجزء الأول من الصلة محذوفا مقدرا؟ أي: الذي هو طلبي، كقوله تعالى: (تماما على الذي أحسن) أي: الذي هو أحسن، وذلك جائز.

стр. 261

وقوله: (الطويل) طِوالُ الرُّدَيْنِيَّاتِ يقْصِفُهَا دَمِي ... وبِيضُ السُرْيجيَّاتِ يَقْطَعُها لَحْمِي قال: هذا فوق قول القائل: (الطويل) فلا تُوعِدَنَّا بالقِتَالِ سَفَاهَةً ... فقد نَحِلَتْ فينَا الأسِنَّةُ والنُّبْلُ وأقول: كأنه عنى بقوله: نحلت فينا أي: بكثرة طعنها لنا ورميها إيانا. وقال غيره: نحلت فينا: أي بكثرة استعمالنا لها بالطعن في غيرها، والرمي لعدونا، فعلى هذا لا يصح التمثيل بالبيت، ويصح على المعنى الأول؛ (أي: قد ألفناها وأنسنا بها). وقوله: (الطويل) إِذَا بَيَّتَ الأعْدَاَء كانَ استماعُهُمْ ... صَرِيرَ العَوَالي قَبْلَ قَعْقَعَةِ اللُّجْمِ

стр. 262

قال: يبادر إلى أخذ الرمح، فإن لحق إسراج فرسه فذاك، وإلا ركبه عرياً. وقال الواحدي: هذا هذيان المبرسم والنائم، وكلام من لم يعرف المعنى،! يقول: إذا لاقاهم ليلاً أخفى تدبيره ومكره، وتحفّظ من أن يُفطن به، فيأخذهم على غفلة حتى يسمعوا صرير رماحه بين ضلوعهم قبل أن يسمعوا أصوات اللجم. وأقول: قوله: إذا لاقاهم ليلاً عبارة ضعيفة، ولو قال: إذا أطرقهم أو غشيهم ليلاً، أو دهمهم ليلاً، على غرة، لكان أحسن، لأن هذا هو البيات، فأما الملاقاة فهي المواجهة والمقابلة، وتلك لا تكون عندها الغفلة والغرة. وقوله: (الطويل) لِهُ رَحْمَةٌ تُحيي العِظامَ وَغَضْبَةٌ ... بِها فَضْلَةٌ في الجُرْمِ عَنْ صاحِبِ الجُرْمِ قال: يقول إذا غضب على مجرم لأجل جرم جناه تجاوزت غضبته قدر المجرم، فكانت أعظم منه، فإما احتقره فلم يجازه، وإما جازاه فجاوز قدر جرمه فأهلكه.

стр. 263

وأقول: هذا ليس بشيء؛ لأن تجاوزه قدر جرمه ظلم، ولا يمدح بفعل الظلم. والجيد ما قال الواحدي. يقول: له غضبة فيها فضل عن صاحب الجرم؛ يعني أنه يهلك بغضبه المجرم، ويفني ذلك الجرم الذي جناه، حتى لا يجني أحد تلك الجناية، ولا يأتي بذلك الجرم خوفاً من غضبته. وقوله: أحَقُّ عَافٍ بَدَمعِكَ الهِمَمُ ... أحْدَثُ َشيءٍ عَهداً بِهَا القِدَمُ قال: العافي هنا: الطالب والقاصد. وأقول: العافي: الدارس والداثر. يقول: لا تبك على الدارس من دار كما جرت العادة بالبكاء على رسوم ديار الأحباب الذين رحلوا، وأبك على الهمم؛ فإنها قد درست؛ فهي أحق بدمعك من الديار.

стр. 264

وقوله: مِلْتُ إلى من يكَادُ بينكُمَا ... إن كُنتُمَا السَّائلَينِ يَنقَسِمُ قال: خاطب صاحبه مخاطبة الأثنين؛ لأن من عادة الشعراء، أن يخاطبوا الاثنين نحو قول عبيد: يَا خلِيلَيَّ اربَعَا واستَخبِرا المنزلَ ... الدارسَ من أهلِ الحِلاَلِ وأنشد استشهادا على ذلك خمسة أبيات أولها: يا خليلي، ثم قال: ولما كانت هذه عادة لهم جارية، ومذهبا مألوفا، جاز أن يخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، ويؤكد هذا عندك قول الشاعر: فإنْ تَزجُراني يا ابن عَفَّانَ انزَجِرْ ... وإنْ تَترُكاني أحمِ لَحماً مُوَضَّعَا (وهذا التفسير على من روى: (ملت)، بفتح التاء والرواية المشهورة: (ملت) بتاء مضمونة). فيقال له: أما مخاطبة الواحد خطاب الاثنين، فقد جاء عنهم كثيرا. من ذلك قول امرئ القيس: قفَا نَبكِ من ذِكرَى حَبيبٍ وَمَنزِلِ. . . . . . . . . .

стр. 265

وقوله تعالى: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) وأشباه ذلك. ولكن أبا الطيب لم يخاطب الواحد مخاطبة الاثنين، (وذلك) لأجل الانقسام الذي ذكره، لأن الانقسام لا يكون من دون أثنين، وأبو الفتح مقصوده تكثير الكلام، وتكبير الكتاب، فسواء عنده، بعد ذلك، أخطأ المعنى أم أصاب!. وقوله: سَلامٌ، فولا الخَوفُ والبُخلُ عِندَهُ ... لقُلتُ: أبو حَفصٍ علينَا المُسلِّمُ قال: أي: قال لي سلام، فلولا خوفي من مفارقته ومعاتبته على نومي، ولولا بخله لأنه لا حقيقة لزيارته لقلت: السلام من أبي حفص؛ يعني الممدوح إجلالا لخيال حبيبه. وأقول: هذا ليس بشيء!. وقوله: لولا خوفي خطأ أن يجعله من الشاعر؛ إنما هو من خيال الحبيب لقوله:

стр. 266

. . لولا الخَوفُ والبخل عنده. . . . . . وذلك أن هاتين الخلتين محمودتان في النساء مذمومتان في الرجال، فولاهما لقلت: أبو حفص، يعني الممدوح، هو المسلم علينا لا خيال الحبيب. والمعنى أن الممدوح بمنزلة الحبيب عنده لولا ما استثناه من الخوف والبخل. وقوله: يَجِلُّ عن التَّشبيه، لا الكفَ لُجَّةٌ ... ولا هُوَ ضرغَامٌ ولا الرَّأيُ مِخدَمُ ولا جُرحُهُ يُوسَى ولا غَورُهُ يُرَى ... ولا حَدُّه يَنبُو ولا يَتَئَلَّمُ قال: سبحان الله! ما احسن ما عطف (لا) في هذا البيت، وما أغرب الصنعة فيه، وذلك أن قوله: (ولا الكف لجة) معناه: أن فيها ما في اللجة وزيادة عليها. وكذلك قال في (ضرغام) و (الرأي). وأما قوله (ولا جرحه يوسى) فليس معناه أنه يوسى وزيادة على الأسو، وكذلك قال: في (غوره) و (حده) فهو في البيت الأول مثبت في المعنى ما نفاه في اللفظ، ومتجاوز به في الوصف. وهو في البيت الثاني ناف في اللفظ والمعنى جميعا. فيقال له: إنك سبحت الله متعجبا من حسن العطف والإغراب في الصنع بما ذكرته من الإثبات والنفي في معنى البيتين ولفظهما، وليس فيهما إغراب ولا عجب ولا إعجاب، ومع ذلك فلم تبين من أين وقع الاختلاف في المعنى مع الاتفاق في النفي!.

стр. 267

وبيانه: أما البيت الأول فهو أنه لما كان من عادة الكف أن تشبه بالجة، والشجاع أن يشبه بالضرغام، والرأي أن يشبه بالسيف، وأراد أن يمدح الممدوح بالكرم والشجاعة ومضاء الرأي فضله على هذه مماثلتها. وتفضيل الشيء عن الشيء، إنما يكون بإثبات ما فيه والزيادة عليه. فلذلك كان اللفظ في الأول نفيا، والمعنى إثباتا، ودخل النفي على تقدير التشبيه. وأما البيت الثاني، وهو قوله: (ولا جرحه يوسى) فهو نفي في المعنى وفي اللفظ فلم يدخل النفي على تقدير التشبيه. وذلك أنه دخل في الأول على تقدير: (كفه لجة) وذلك تشبيهٌ وفضيلةٌ على الجملة. وفي الثاني دخل على (جرحه يوسى) وليس ذلك تشبيهاً ولا فضيلةً، بل نقصاً على الإطلاق! فلهذا اتفق البيتان في النفي واختلفا في المعنى. وقوله: وَلَنْ يُبْرَمَ الأمرُ الذي هو حَالِلٌ ... وَلَنْ يُحْلَلَ الأَمْرُ الذي هو مُبْرِمُ قال: أظهر التضعيف ضرورةً، ومثله قول الآخر: تَشْكُو الوَجَى من أَظْلَلٍ وأَظْلَلِ

стр. 268

يريد: الأظل. وقول قعنب: مَهلاً أعاذلَ قد جَرَّبتِ من خُلُقي ... إنِّي أَجُودُ لأقوَامٍ وإن ضِنَنُوا فيقال له: ليس في هذا ضرورة لأنه كان يمكنه أن يقول: وَلَنْ يُبرَمَ الأَمرُ الذي هو نَاقِضٌ ... ولَنْ يُنقَضَ الأمرُ الذي هو مُبرِمُ فيخرج من الضرورة ويأتي بالطباق الصحيح، وذلك أن النقض يضاد الإبرام، والحل إنما يضاد العقد، ولكنه يحب أن يأتي بما يقع فيه الكلام، الإبهام بمعرفة جواز ذلك والإعلام، وركوب الضرورة لذلك مقصد فاسد، وسنن عن الصواب حائد، وابن جني يعجبه ذلك غاية الإعجاب، ليجول في ميدان الإغراب!. وقوله: وأغرَبُ من عَنقَاَء في الطَّيرِ شَكلُهُ ... وأعوَزُ من مُستَرفدٍ منه يُحرَمُ قال: الوجه أن يقول: أشد إعوازا ولكنه جاء على حذف الزيادة. فيقال له: فقد يمكنه أن يقول: . . . . . . . . ... وأَعجَبُ من مُستَرفِدٍ منهُ يُحرَمُ وهذا أشبه بالصناعة، وأكثر في الكلام.

стр. 269

وقوله: إلى اليَومِ مَا حَطَّ الفِدَاءُ سُروجَهُ ... مُذُ الغَزوُ سَارٍ مُسرِجُ الخَيلِ مُلجِمُ قال: أي: هو سار مذ الغزو، والغزو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف والتقدير: مذ الغزو كائن. فيقال: أحسنت - يا نحوي عصره - يجعلك فيج ملة مستقلة بنفسها من مبتدأ وخبر تقدير مبتدأ وخبر محذوفين! وما الحاجة إلى تقدير (كائن) مع (الغزو) وهو مع (سار)؟ ولم لم تجعل (سار) خبرا عن (الغزو) فيكون من باب: ليل نائم ونهار صائم؛ أي: ينام فيه، ويصام، كقوله: . . . . . . . . . ... ونِمتِ وما لَيلُ المَطِيِّ بنَائِمِ ولكنك لم تتنبه لهذا المجاز البليغ وتهتد له، وحملت الكلام على الحقيقة في صفة الممدوح بهذا التقدير البعيد، فوقعت في الخطأ الشديد!. وقوله: صُفوفاً لِلَيثٍ في لُيُوثٍ حُصُونُهُمْ ... مُتُونُ المَذَاكي والوَشيجُ المُقَوَّمُ

стр. 270

قال: أي: برزت له صفوفا لأن (عاتق) هنا في معنى جماعة كما تقول: كم من رجل جاءني، فالرجل، هاهنا، جماعة. ويجوز أن تكون الصفوف هي الكتائب. وأقول: لا يجوز أن تكون (صفوفا) حالا من الضمير في (برزت) الراجع إلى (عاتق) وأن يكون (عاتق) بمعنى الجنس لأنه لا معنى لذلك ولا فائدة فيه، وإنما (هو) حال من الضمير في (تساير) الراجع إلى (كتيبةٍ) وهي في معنى الجنس؛ أي: (مصطفين لليث في ليوث)؛ يعني: الممدوح وأصحابه ليس لهم حصون غير ظهور خيلهم ورماحهم، وتلك حصون الشجعان. والعرب بخلاف الروم، فإنهم حصونهم (الجبال) والقلاع، وتلك حصون الجبناء الأذلاء. وقوله: كُلُّ حِلْمٍ أتَى بغيرِ اقتدارٍ ... حُجَّةٌ لاجئٌ إليها اللَّئَامُ قال: إنما يحسن الحلم مع القدوة، فأما من لا قدرة له؛ فاعتصامه بالحلم حجة للؤمه.

стр. 271

وأقول: قوله: (فأما من لا قدرة له. . .،) إلى آخره، ليس بشيء! وإنما هذا ضد قول الشاعر: إنَّ من الحِلمِ ذُلاً أنتَ عَارِفُهُ ... والحِلمُ عن قُدرَةٍ ضَربٌ من الكَرَمِ فإذا كان الحلم عن قدرة من الكرم، كان الحلم عن غير قدرة من اللؤم. وقيل: كان ينبغي أن يقول: . . . . . . . . . . ... حُجَّةٌ لاجئٌ إليها الضِّعَافُ لأن الذي يحلم عن غير قدرة، لا يسمى بذلك لئيما بل ضعيفا، والشاهد له على ذلك البيت المستشهد به. وقوله: حَسَنٌ في عُيونِ أعدائهِ أَقبَحُ ... من ضَيفهِ رأتهُ السَّوَامُ قال: هذا مما يسأل عنه فيقال: كيف يكون حسنا في عيون أعدائه؟ وهل هذا إلا هجاء؟ ألا ترى إلى قول الراجز: لَمَّا رَأتنِي سَقَطَتْ أبصَارُهَا أي: غضتها عني حسدا. وأقول: قد تقدم في خطبة الكتاب ما قال فيه وقيل عليه.

стр. 272

وقوله: لَيلُهَا صُبحُهَا من النَّار، والإصبَاحُ ... لَيلٌ من الدُّخَانِ تِمَامُ قال: كل ليل طال من مرض أو هم فهو تمامٌ. وأكثر ما جاء في هذا ليل التمام بالألف واللام. وأقول: ليل التمام: أربعون ليلة؛ عشرون قبل الميلاد، وعشرون بعد الميلاد، فهذا حقيقة ليل التمام. والذي ذكره إنما يستعمل مجازاً. قال النابغة: يُؤَرَّق من لَيْلِ التِّمام سَلِيمُهَا ... لِحَلْي النِّسَاءِ في يَدَيْهِ قَعَاقِعُ وقوله: أنَا لاَئمي إنْ كنتُ وَقُتَ اللَّوائِمِ ... عَلِمْتُ بما بي بين تلك الَمعَالِمِ قال: هذا كقولك: أنا مثلك إن فعلت كذا وكذا. ونظيره قوله أيضًا:

стр. 273

عُيونُ رَواحِلي إنْ حِرْتُ عَيْني ... وكلُّ بُغَامِ راَزِحَةٍ بُغَامي وأقول: إن هذا الكلام دعاء على نفسه، أخرجه مخرج القسم، كقوله الآخر: إنْ كانَ ما بُلِّغْتَ عَنِّي فَلا مَنِي ... صَديقي وشُلَّتْ من يَدَيَّ الأَنَامِلُ فليس كما قال في هذا البيت وبيته الآخر الذي هو نظيره. وقوله: وذِي لَجَبٍ لا ذو الجَنَاحِ أمامَهُ ... بِنَاجٍ ولا الوَحشُ المُثَارُ بِسَالِمِ قال: يقول: الجيش يصيد الوحش، والعقبان فوقه تسايره فتخطف الطير أمامه. وأقول: بل الجيش هو الصائد للجنسين جميعا من الوحش والطير، والعقبان مرتفعة فوقه، صيدها جثث القتلى لا الطير ولا الوحش. هذا هو الصواب. وقوله: يا أُختَ مُعتَنِقِ الفَوارسِ في الوَغَى ... لأخُوكِ ثَمَّ أرَقُّ منكِ وأَرحَمُ

стр. 274

قال: يرميه بأخته وبالابنة! وثم: إشارة إلى المكان الذي تخلى فيه للحالة المكروهة. وأقول: بل يصفه بضد ذلك من العفة والرجولية والشجاعة. وثم: إشارة إلى الحالة المحمودة، وهي الوغى، واعتناقه الفوارس فيها. وقد إنقلب فهمه في هذا البيت، ففسره بضد ما أراد الشاعر من أوله إلى آخره. (ويدل على ما قلت قوله بعد ذلك:) يَرنُو إليكِ معَ العَفافِ وعنَدهُ ... أنَّ المجوسَ تُصِيبُ فيما تَحكُمُ وقوله: ومن العَداوةِ ما يَنَالُكَ نَفعُهُ ... ومن الصَّدَاقَةِ ما يَضُرُّ ويُؤلِمُ قال: أي عداوة الساقط تدل على مباينة طبعه فتنفع، ومودته تدل على مناسبته فتضر. وأقول: أن عداوة الساقط سقوط همة، وذلك مضرة لذوي الأقدار والرتب العالية (لا نفع كما ذكر) ويدل عليه قول الشاعر: نَبيلُ العَدوِّ والصَّديقِ وإنَّمَا ... يُعَادي الفَتَى أكفاؤهُ ويُصَالِحُهْ وبيت أبي الطيب من قول الحكماء: إياك ومصادقة الأحمق؛ فربما أراد أن ينفعك فضرك!.

стр. 275

وقوله: سَجِيَّةُ نَفسٍ لا تَزَالُ مُلِيحَةً ... من الضَّيمِ مَرمِياً بها كُلُّ مَخرَمِ قال: مليحة: مشفقة من أن تضام. قال: يُلحِنَ من ذي زَجَلٍ شِرواطِ أي: يشفقن. وأقول: قد قيل لأبي الطيب: أن (مليحة من الضيم) تقصير لأن الإشفاق ضعف، وأجود منه: أبية على الضيم. وقوله: وأحلُمُ عن خِلِّي وأعلَمُ أَنَّنِي ... مَتَى أجزِهِ حلماً على الجَهلِ يَندَمِ قال: أي: إذا جازيته بالحلم ندم، فكيف أن آخذته وقابلت أفعاله؟.

стр. 276

وأقول: أن قوله: (أن آخذته وقابلت أفعاله) فيه سوء فهم ونقص علم، وذلك أن معناه: فكيف أن آخذته على أفعاله، وقابلته بسيئاته؛ فأنه يكون حينئذ أندم، وليس المراد ذلك، ولا للمقابلة هاهنا معنى، ولا هي مفهوم الخطاب، وإنما يراد بالحلم عن جهل الصديق رجوع إلى صداقته، واستبقاء لمودته، لأنه إذا حلم عن جهله ندم على ما فرط منه من قبح القول أو قبح الفعل فأستحيى، واستدرك ما فات، وعاد إلى ما حاد عنه. وقوله: عيونُ رَوَاحلي إنْ حِرتُ عَيني ... وكلُّ بُغامِ رِازِحَةُ بُغَامي قال: وسألته عن معنى هذا البيت فقال: معناه: أن حارت عيني، فعيون رواحلي عيني، وبغامهن بغامي؛ أي: أن حرت فأنا بهيمة مثلهن، كما تقول: أن فعلت كذا وكذا فأنت حمار!. فيقال له: وما آمنك أن يقال لك وأنت في هذا التفسير كذلك! وإنما هذا دعاء على نفسه بمعنى القسم كقول مالك بن الحارث: بَقَّيتُ وَفرِي وانحَرفتُ عن العُلاَ ... ولقيتُ أضيافِيْ بَوجهِ عَبوسِ

стр. 277

وقوله: وإنَّ مَنِيَّتَهُ عنده ... لكالخمرِ سُقِّيَهُ كَرمُهُ فذاكَ الذي عَبَّهُ ماؤهُ ... وذَاكَ الذي ذاقَهُ طَعمُهُ قال: وهذا البيت يفسر ما قبله، وذلك أن الماء مشروب لا شارب، والطعم مذوق لا ذائق. فكأن الزمان قد أتى من موت فاتك بما فيه نقض العادة تعظيما لأمره. وأقول: ليس في هذا نقض للعادة، والضمير (المستتر) في (عبه) ضمير الفاعل راجع إلى فاتك، والضمير البارز، وهو الهاء، ضمير المفعول، راجع إلى (الذي) وهو (ماؤه) و (طعمه). وأني لأعجب من إنقلاب فهم هذا الرجل بتفسيره المعاني على ضد ما هي عليه، وجعله الماء والطعم يعب ويذوق فاتكا ولا يكون هو الفاعل لذلك!. وقوله: هَوِّنْ عَلَى بَصَرٍ ما شَقَّ مَنظَرُهُ ... فإنَّما يَقظاتُ العَينِ كالحُلُمِ

стр. 278

قال: يقال: شق بصر الميت شقوقا، وذلك قبل الموت. ومعنى البيت: هون على بصرك شقوقه ومقاساة النزع والحشرجة للموت، فأن الحياة، كالحلم، تبقى قليلا ثم تزول. وأقول: أنه قد روي: (منظره) بالضم والفتح. فإذا كان بالضم كان: (شق منظره) من المشقة؛ أي: هون على بصرك الشيء الشاق عليه منظره فأنه لا بقاء له، ويزول كما يزول الحلم. ومن يروي: (منظره) بالفتح: (فشق منظره) من: شققت الشيء بمعنى فتحته؛ أي: هون على بصرك الشيء الذي يشق منظره لرؤيته في اليقظة فأنه لا حقيقة له ولا بقاء كالأحلام، والمنظر على هذا، موضع النظر و (ما) في الوجهين بمعنى (الذي)، ويجوز أن تكون للنفي؛ أي: هون على بصر لم يشق منظره؛ يريد: عدم الإدراك والعمى. وقوله: ضُرِبْنَ إلينا بالسِّياطِ جهالةً ... فلمَّا تَعارفنَا ضُرِبْنَ بِهَا عَنَّا قال: كانت خيل الروم قد رأت عسكر سيف الدولة، فظنتهم روما فأقبلوا نحوهم مسترسلين، فلما تحققوا ذاك ولوا هاربين.

стр. 279

وأقول: لم يرد بقوله: (جهالة) ما ذكره من التباس الفريقين، (ولا جهالة ببأسنا وإقدامنا)؛ وإنما أراد (جهالة) بكثرتهم وقلتنا، وظنهم أن يغنمونا أو يربحونا، فكان كما قال في البيت الذي قبله: وخَيلٍ حَشَوناها الأسِنَّة. . . . . . . . . . . . . وهذه قطعة من عسكر سيف الدولة، رأتها كتيبة من عسكر الروم، فأقبلوا نحوها طامعين ثم ولوا عنها هاربين. وقوله: والماءُ بينَ عَجاجَتينِ مُخلِّصٌ ... يَتَفَرَّقَانِ بهِ وَيَلتَقِيَانِ قال: أي: عجاجة المسلمين وعجاجة الروم. يقول: ربما حجز الماء بين العجاجتين، وربما جازتاه فالتقتا. وأقول: بل العجاجتان للمسلمين لما ذكرته في شرح التبريزي.

стр. 280

وقوله: يَتَقَيُّلُونَ ظلالَ كُلِّ مُطَهَّم ... أَجَلِ الظَّليمِ ورِبْقَةِ السِّرْحَانِ قال: يقول: يتتبعون آباءهم سباقين إلى المجد والشرف؛ كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم فقد هلك، وإذا رأى الذئب؛ كان كأنه مشدود بحبل في عنقه. والعرب إذا مدحت رجلاً شبهته بالفرس السابق، كقول النابغة: إلاَّ لِمثْلِكَ أَوْ مَنْ أنتَ سَابِقُهُ ... سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَولى على الأَمَدِ ونحو ذلك، وهو كثير جداً، وإنما استعار هنا لفظ (الظلال) لأن ظل كل شيء ملازمه وعلى سمته، فيريد بذلك احتذاءهم طرق آبائهم وسلوك مذاهبهم من غير تبديل ولا تعريج، كما قال: (شنشنة أعرفها من أخزم). وأقول: هذا التفسير ليس بشيء! وإنما قال قبل: متصعلكين. . . . . . . . . . . . أي: يفعلون في غزوهم فعل الصعاليك، ثم قال: يتقيلون ظلال كل مطهم. . . . . . . . . . . .

стр. 281

من القائلة، كأنهم في الظهيرة يقيلون في ظلال خيلهم، كما تفعل الفرسان المتغربة. ثم وصف الخيل، وهو وصف ومدح لهم، لأنهم يستجيدون الخيل. فقال: (كل مطهم) أي: حسن الخلق، (أجل الظليم): (أي: يصاد الظليم) عليه ولا ينجو، و (ربقة السرحان) مثله، وهو كما قال امرؤ القيس: . . . . . . . . . قَيْدِ الأوابد َهيكَلِ وقوله: يَغشَاهُمُ مَطَرُ السَّماءِ مُفَصَّلٌ ... بمُهَنَّدٍ ومُثقَّفٍ وسِنَانِ قال: يعني بالسحاب الجيش، شبهه به لكثافته كما قال الراجز: كأنَّهُمْ لما بَدوا من عَرعَرِ مُستَلئمينَ لاَبِسِي السَّنَوَّرِ نَوءُ سَحَابٍ صَيِّفٍ كَنَهورِ فيقال له: بل السحاب هنا السحاب بعينه!.

стр. 282

يقول: ينزل عليهم قطره والسيوف والرماح والأسنة متواصلا متتابعا كالعقد المفصل، وهذه استعارة حسنة رائقة. وقوله: وَجَرَى على الوَرَقِ النَّجيعُ القَاني ... فكأنَّهُ النَّارَنجُ في الأغصَانِ (قال): القانيء: الأحمر، وأبدل الهمزة مضطرا وأجراها مجرى اللام. ألا ترى جعل الياء وصلا كما جعلها عبد الرحمن بن حسان لما اضطر فقال: وكُنتَ أذَلَّ من وَتَدٍ بِقَاعٍ ... يُشَجِّجُ رأسهُ بالفهِرِ وَاجِي فيقال له: ليس في القاني، هاهنا، والواجي اضطرار! وذلك أنه وقف على الهمزة فسكنت وما قبلها مكسور، فقلبها ياء كما قلبت في: ذيب وبير، وقد قريء بهما، وذلك قلب تخفيف لا إضطرار، فكذلك هي في (قاني) و (واجي) قافيتين لطروء السكون فيهما بوجوب الوقف عليهما. وقوله: أنسَابُ فَخرِهِمُ إليك وإنَّما ... أنسَابُ أصلِهِمُ إلى عَدنانِ

стр. 283

قال: بمثل هذا الثناء الشريف فليمدح الملوك والأجلاء!. فيقال: هو كما تقول، ولكنه من قول ابن الرومي: قالوا: أبو الصَّقرِ من شيبانَ، قلت لهم: ... كَلاَّ - لَعَمري - ولكن منه شَيبَانُ وَكَمْ أبٍ قد عَلاَ بأبنٍ ذُرَا شَرَفٍ ... كما عَلاَ بِرَسُولِ الله عدنانُ! وقوله: كتَمتُ حُبَّكِ حَتَّى منكِ تكرِمَةً ... ثُمَّ استَوَى إسرَارِي وإعلاَنِي كأنه زَادَ حَتَّى فاضَ عن جَسَدي ... فَصَار سُقمي به في جِسمِ كِتمَانِي قال: كأنه، أي: كأن الكتمان، فأضمره وأن لم يجر له ذكر، لأنه لما قال: (كتمت) دل على الكتمان. وما علمت أحدا ذكر انستار سقمه وأن الكتمان أخفاه غير هذا الرجل.

стр. 284

وأقول: لهم يفهم الشيخ المعنى، ولا ألم بشيء منه، ولا قاربه. ولم يتبين له الضمير في (كأنه) إلى (أي) شيء هو راجع، ولا الضمير في زاد، ولا الضمير في به وكل ذلك راجع إلى حبك. يقول: كتمت حبك من كل أحد، حتى منك، تكرمة له أو لك، وهذا أبلغ ما يكون من الكتمان. ثم بعد ذلك الكتمان الشديد ظهر، فاستوى فيك الإسرار والإعلان. أي: لم يبق إسرار. وبين ما سبب ظهور الحب؟ فقال: (كأنه)، أي: كأن الحب زاد في حتى فاض عن جسدي لكثرته، وجعله بمنزلة الجسم السائل، الذي هو الماء، استعارة فصار سقمي به، أي: بالحب الذي كان يسقمني كتمانه، وذلك سقم شديد في جسم الكتمان، فأضمحل وفني إلى أن صار مثل الإعلان. واختصاره: كتمت حبك إلى أن زاد، وغلبني فبان وزال الكتمان. وابن جني في تفسير المعاني دون حال أبي العلاء؛ لأن أبا العلاء، في الأكثر، إذا لم يفهم المعنى أعاد اللفظ، وابن جني لا يعيد اللفظ ولا يفهم المعنى!!. وقوله: فَطِنَ الفؤادُ لما أتَيتُ على النَّوَى ... وَلِما تَرَكتُ مَخَافَةً أَنْ تَفطُنَا

стр. 285

قال: أي: قد عرفت مني ما كان من شكرك والثناء عليك في حال غيبتك، ولم أتعرض لضد ذلك لئلا ينمي إليك. أي: فلو لم أتركه إلا لهذا لتركته، وكان وشيء به إليه، وكأنه مع هذا، أعترف بتقصير منه، ألا تراه يقول: أضحى فراقُكَ لي عليهِ عُقُوبةً ... ليسَ الذي لَيسَ الذي قاسَيتُ منه هَيِّنَا وأقول: أن تفسير قوله: . . . . . . . ولما تَركتُ مخافةً أنْ تَفطُنَا بقوله: (ولم أتعرض لضد ذلك) أي: لضد الشكر لك والثناء عليك، يعني: من السب والشتم، كلام في غاية القبح! وهل يحسن بأحد أن يقول لمن احسن إليه وأنعم عليه: إنني ما تركت سبك وشتمك إلا مخافة أن تفطن! ومفهوم الخطاب أنك لو لم تفطن بما أقول في غيبتك لشتمتك وسببتك! والجيد أن يفسر (ما أتيت) و (ما تركت) بأن يقال: ما أتيت من الأفعال الحميدة، وما تركت من الأفعال التي تضادها، فلأنك بصحة ذهنك، وجودة حدسك، تعلم ما غاب عنك منها. والصحيح أنه لم يعترف بتقصير، والضمير في (عليه) لا يعود على ذنب وقع منه أو خطأ إقترفه، وإنما يعود على (فراقك) وذلك أنه ترك المسير معه فرأى كأن ذلك ذنب اجترمه فقال: أضحى فراقك لي عليه. . . . . أي على فراقك، وجعل ذلك لعظمه عليه، وشدة أذاه له بمنزلة العقاب والقصاص، ولهذا قال: . . . . . . . . ليس الذي قَاسيتُ منه هَيِّنَا أي: من فراقك.
следующие страницы →