Полный текст (1 138 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
من القائلة، كأنهم في الظهيرة يقيلون في ظلال خيلهم، كما تفعل الفرسان المتغربة. ثم وصف الخيل، وهو وصف ومدح لهم، لأنهم يستجيدون الخيل. فقال: (كل مطهم) أي: حسن الخلق، (أجل الظليم): (أي: يصاد الظليم) عليه ولا ينجو،
و (ربقة السرحان) مثله، وهو كما قال امرؤ القيس:
. . . . . . . . . قَيْدِ الأوابد َهيكَلِ
وقوله:
يَغشَاهُمُ مَطَرُ السَّماءِ مُفَصَّلٌ ... بمُهَنَّدٍ ومُثقَّفٍ وسِنَانِ
قال: يعني بالسحاب الجيش، شبهه به لكثافته كما قال الراجز:
كأنَّهُمْ لما بَدوا من عَرعَرِ
مُستَلئمينَ لاَبِسِي السَّنَوَّرِ
نَوءُ سَحَابٍ صَيِّفٍ كَنَهورِ
فيقال له: بل السحاب هنا السحاب بعينه!.
стр. 282
يقول: ينزل عليهم قطره والسيوف والرماح والأسنة متواصلا متتابعا كالعقد المفصل، وهذه استعارة حسنة رائقة.
وقوله:
وَجَرَى على الوَرَقِ النَّجيعُ القَاني ... فكأنَّهُ النَّارَنجُ في الأغصَانِ
(قال): القانيء: الأحمر، وأبدل الهمزة مضطرا وأجراها مجرى اللام. ألا ترى جعل الياء وصلا كما جعلها عبد الرحمن بن حسان لما اضطر فقال:
وكُنتَ أذَلَّ من وَتَدٍ بِقَاعٍ ... يُشَجِّجُ رأسهُ بالفهِرِ وَاجِي
فيقال له: ليس في القاني، هاهنا، والواجي اضطرار! وذلك أنه وقف على الهمزة فسكنت وما قبلها مكسور، فقلبها ياء كما قلبت في: ذيب وبير، وقد قريء بهما، وذلك قلب تخفيف لا إضطرار، فكذلك هي في (قاني) و (واجي) قافيتين لطروء السكون فيهما بوجوب الوقف عليهما.
وقوله:
أنسَابُ فَخرِهِمُ إليك وإنَّما ... أنسَابُ أصلِهِمُ إلى عَدنانِ
стр. 283
قال: بمثل هذا الثناء الشريف فليمدح الملوك والأجلاء!.
فيقال: هو كما تقول، ولكنه من قول ابن الرومي:
قالوا: أبو الصَّقرِ من شيبانَ، قلت لهم: ... كَلاَّ - لَعَمري - ولكن منه شَيبَانُ
وَكَمْ أبٍ قد عَلاَ بأبنٍ ذُرَا شَرَفٍ ... كما عَلاَ بِرَسُولِ الله عدنانُ!
وقوله:
كتَمتُ حُبَّكِ حَتَّى منكِ تكرِمَةً ... ثُمَّ استَوَى إسرَارِي وإعلاَنِي
كأنه زَادَ حَتَّى فاضَ عن جَسَدي ... فَصَار سُقمي به في جِسمِ كِتمَانِي
قال: كأنه، أي: كأن الكتمان، فأضمره وأن لم يجر له ذكر، لأنه لما قال: (كتمت) دل على الكتمان. وما علمت أحدا ذكر انستار سقمه وأن الكتمان أخفاه غير هذا الرجل.
стр. 284
وأقول: لهم يفهم الشيخ المعنى، ولا ألم بشيء منه، ولا قاربه. ولم يتبين له الضمير في (كأنه) إلى (أي) شيء هو راجع، ولا الضمير في زاد، ولا الضمير في به وكل ذلك راجع إلى حبك.
يقول: كتمت حبك من كل أحد، حتى منك، تكرمة له أو لك، وهذا أبلغ ما يكون من الكتمان. ثم بعد ذلك الكتمان الشديد ظهر، فاستوى فيك الإسرار والإعلان. أي: لم يبق إسرار. وبين ما سبب ظهور الحب؟ فقال: (كأنه)، أي: كأن الحب زاد في حتى فاض عن جسدي لكثرته، وجعله بمنزلة الجسم السائل، الذي هو الماء، استعارة فصار سقمي به، أي: بالحب الذي كان يسقمني كتمانه، وذلك سقم شديد في جسم الكتمان، فأضمحل وفني إلى أن صار مثل الإعلان. واختصاره: كتمت حبك إلى أن زاد، وغلبني فبان وزال الكتمان.
وابن جني في تفسير المعاني دون حال أبي العلاء؛ لأن أبا العلاء، في الأكثر، إذا لم يفهم المعنى أعاد اللفظ، وابن جني لا يعيد اللفظ ولا يفهم المعنى!!.
وقوله:
فَطِنَ الفؤادُ لما أتَيتُ على النَّوَى ... وَلِما تَرَكتُ مَخَافَةً أَنْ تَفطُنَا
стр. 285
قال: أي: قد عرفت مني ما كان من شكرك والثناء عليك في حال غيبتك، ولم أتعرض لضد ذلك لئلا ينمي إليك. أي: فلو لم أتركه إلا لهذا لتركته، وكان وشيء به إليه، وكأنه مع هذا، أعترف بتقصير منه، ألا تراه يقول:
أضحى فراقُكَ لي عليهِ عُقُوبةً ... ليسَ الذي لَيسَ الذي قاسَيتُ منه هَيِّنَا
وأقول: أن تفسير قوله:
. . . . . . . ولما تَركتُ مخافةً أنْ تَفطُنَا
بقوله: (ولم أتعرض لضد ذلك) أي: لضد الشكر لك والثناء عليك، يعني: من السب والشتم، كلام في غاية القبح! وهل يحسن بأحد أن يقول لمن احسن إليه وأنعم عليه: إنني ما تركت سبك وشتمك إلا مخافة أن تفطن! ومفهوم الخطاب أنك لو لم تفطن بما أقول في غيبتك لشتمتك وسببتك! والجيد أن يفسر (ما أتيت) و (ما تركت) بأن يقال: ما أتيت من الأفعال الحميدة، وما تركت من الأفعال التي تضادها، فلأنك بصحة ذهنك، وجودة حدسك، تعلم ما غاب عنك منها. والصحيح أنه لم يعترف بتقصير، والضمير في (عليه) لا يعود على ذنب وقع منه أو خطأ إقترفه، وإنما يعود على (فراقك) وذلك أنه ترك المسير معه فرأى كأن ذلك ذنب اجترمه فقال:
أضحى فراقك لي عليه. . . . .
أي على فراقك، وجعل ذلك لعظمه عليه، وشدة أذاه له بمنزلة العقاب والقصاص، ولهذا قال:
. . . . . . . . ليس الذي قَاسيتُ منه هَيِّنَا
أي: من فراقك.
стр. 286
وقوله:
ألقَى الكِرامُ الأولى بَادُوا مكارِمَهُمْ ... على الخَصِيبِيِّ عند الفَرضِ والسُّننِ
فَهُنَّ في الحَجرِ منه كُلَّما عَرَضَتْ ... لهُ اليَتَامَى بَدَا بالمَجدِ والمِنَنِ
قال: المكارم بيده وتحت تصرفه، يستعملها في أي وقت شاء، وكيف شاء.
فيقال له: هل يحسن به أن يستعملها وهي في الحجر منه، من جملة اليتامى مقدمة عليها مبدوءا بها قبلها أن هذه لعبارة سخيفة من غفل سخيف!!.
وقوله:
قد شَرَّفَ الله أرضاً أنتَ سَاكِنُهَا ... وشَرَّفَ الناسَ إذ سَوَّاكَ إنسَاناً
قال: ما أعجبني قوله: (سواك) لأنه لا يليق بشرف ألفاظه، ولو قال: (أنشاك) أو نحو ذلك لكان أليق بالحال.
فيقال له: (سواك) أشرف من (أنشاك) وأليق من جانب اللفظ والمعنى:
стр. 287
أما اللفظ: فلأنها لفظة القرآن، وكلام الله أفصح الكلام (كقوله تعالى: (ثم سواك رجلا).
وأما من جانب المعنى: فإن (سواك) فيها ما في (أنشاك) وزيادة، وهو أن (سواك) بمعنى: أنشاك كاملا غير ناقص. هذا مع أن (سواك) ليس فيها ما في (أنشاك) من الضرورة، وهو قلب الهمزة ألفا من غير علة موجبة.
وهذا مبلغ نقده لجوهر الشعر، وإجلاله لقدر لفظ الذكر!!.
وقوله:
جَزَى عَرَباً أمسَتْ بِبلبيِسَ ربُّهَا ... بشمَعَاتِهَا تَقررَ بذاكَ عُيُونُهَا
قال: بلبيس بأعلى الشام دون مصر، وقد ذكرها أبو نواس في شعره فقال:
حَالَ بِلبِيسُ دُونَنَا فكفرُ شَمسَا ... فَدَاراتُ حارِثِ الجَولانِ
فيقال له: إذا لم تحقق البلاد بعيان أو سماع، فكيف تخبر عنها وتحدها فتقع في
الخطأ، وتنسب إلى الجهل وكثرة الكلام، بجعل بلبيس من الشام؟!. وبيت أبي نواس لا يدل على ذلك فلا وجه إنشاده، فإن كنت أردت تعريفه به فهو أعرف منه!.
стр. 288
وقوله:
غَدَونَا تَنفُضُ الأغصانُ فيه ... على أعرافِهَا مثلَ الجُمَانِ
قال: يريد ما يقع عليها من خلل الأغصان من ضوء الشمس.
وأقول: بل يريد ما يقع من طل الأغصان وشبه ذلك بالجمان؛ وهو حب يعمل من الفضة على شكل الدر، فشبه الطل المتناثر على أعراف الخيل به، والذي ذكره من ضوء الشمس الذي يقع من خلل الشجر هو تفسير البيت الذي يليه - (إلا أنه شبهه بالدنانير لصفرته وجعلها تفر، لأنه لا يمكن إمساكه) - وهو قوله:
وَألقَى الشَّرقُ منها في ثِيَابي ... دنانيراً تَفِرُّ من البَنَانِ
وقوله:
فإنَّ النَّاسَ والدُّنيا طَريقٌ ... إلى مَنْ ما لَهُ في النَّاسِ ثَاني
стр. 289
قال: هذا كقوله أيضا لكافور:
ولكنَّهُ طالَ الطَّريقُ ولم أزَلْ ... أُفَتِّشُ عن هذا الكلامِ ويُنهَبُ
وأقول: أنه لم يتبين وجه المشابهة بينهما وهو خفي جدا، وبيانه: أنه اعتذر إليه من مديحه غيره بقوله في البيت الذي قبله:
وَتَعذُلُني فيك القَوافِي وهِمَّتي ... كأني بِمَدحٍ غَيرِ مَدحِكَ مُذنِبُ
ثم قال:
ولكنَّهُ طالَ الطَّريقُ. . . . .
أي: اضطررت لبعد الطريق إلى أن أتوصل إليك بمدح غيرك، وأنت المقصود بالمدح. ومع ذلك، فإني لم أزل (أفتش عن هذا الكلام)، أي: يطلب مني جعله
بمنزلة الدر المنتقى، أو البز المختار، والأعلاق النفيسة التي يتزين بها، و (ينهب): أي: يتسابق إليه للرغبة فيه ليدخر ويقتنى. وفي هذا إعلام له أنه مطلوب من غيره، مرغوب فيما عدنه. ولو تمثل لقوله في عضد الدولة بقوله في سيف الدولة:
كُلَّمَا رَحَّبَتْ بنا الرَّوضُ قلنا: ... حَلَبٌ قَصدُنَا وأنتِ السَّبيلُ
والبيت الذي بعده لكان أشبه به وأقرب منه.
стр. 290
وقوله:
دَعَتهُ بِمَفزَعِ الأعضَاء منها ... لِيَومِ الحَربِ بِكرٍ أو عَوَانِ
رواية ابن جني: (بموضع الأعضاء).
قال: أي: دعته السيوف بمقابضها، والرماح بأعقابها؛ لأنها مواضع الأعضاء منها، وحيث يمسك المحارب والطاعن. ويحتمل أن يكون أراد: دعته الدولة بمواضع الأعضاء من السيوف والرماح. ومعنى (دعته): اجتذبته وأمالته.
وقال الواحدي: قال ابن فورجة: هذا مسخ للشعر لا شرح له. وما قال الشاعر إلا (بمفزع الأعضاء) يعني: دعته الدولة عضدا، والعضد مفزع الأعضاء؛ كأنه شرح قوله:
بِعضدِ الدَّولة إمتَنَعَتْ وَعزَّتْ. . . . . . . .
وهو على ما قال، يريد أن الدولة سمته عضدها، وهي مفزع الأعضاء؛ لأن الأعضاء عند الحرب تفزع إلى العضد، والعضد هي المدافعة عنها المحامية لسائر الأعضاء.
وأقول: وهو ما قال الواحدي إلا أنهم لم يبينوا ما معنى قوله: (دعته) وهو أنها
стр. 291
نادته فقالت: يا عضدي؛ أي: يا حافظي وكالئي، والناصر لي، والمدافع عني؛ فهذا معنى دعائها له.
وقوله:
أعلَى قَنَاةِ الحُسَين أوسَطُهَا ... فيه وأعلَى الكَمِيِّ رِجلاَهُ
قال: (فيه) أي: في هذا المأرق، وسألته عن معنى هذا البيت فقال: هو مثل البيت الآخر:
ولَرُبَّما أطَرَ القناةَ بفارسٍ ... وَثَنَى فَقَوَّمَهَا بآخَرَ منهُمُ
أي: قد انثنت القناة لما طعن بها فارسا، فصار أوسطها أعلاها، وأعلى الكمي رجلاه. وقال شيخنا أبو اليمن الكندي: يردي: أن الرمح ينفذ في الكمي فيناطر، حتى يصير أوسطه أعلاه، والكمي منكس (فيه) كقول امرئ القيس:
. . . . . . أرجُلُهُمْ كالخَشَبِ المآئِلِ
стр. 292
وأقول: الأحسن أن يكون (أعلى القناة أوسطها) بالكسر لا بالانثناء، وأعلى الكمي رجلاه بالانقلاب على رأسه عن سرجه، وهذا أقرب إلى الحقيقة وأمثل في الطريقة.
وقوله:
تُنشِدُ أثوَابَنا مدائِحَهُ ... بِألسُنٍ ما لَهُنَّ أفوَاهُ
قال: أي: تقعقع لجدتها. ولهذا فسر البيت الذي يليه، وهو قوله:
إذَا مَرَرنْا على الأصَمِّ بها ... أغنَتهُ عن مِسمَعَيهِ عَينَاهُ
بقوله: أي: يراها الأصم فيستغني عن صورتها وهو مما يجانس الأول.
(وأقول): هذا تفسير يقعقع، يجهل ذاكره، وينادي بعمى قلبه! وإنما يقول: إذا رأى الناس ثيابنا التي هي خلع أبي العشائر، وتفردها بالحسن والشرف، علموا أنها من عطائه، فهي بلسان الحال تنشر ثناءه وتنشد مدائحه، وهذا من قول نصيب:
فَعَاجُوا فَأثنَوا بالذي أنتَ أهلُهُ ... ولو سَكَتُوا أَثنَتْ عليك الحَقَائِبُ
وقوله:
قَالُوا: ألم تَكنِهِ؟ فقلت لهم: ... ذلك عِيٌّ إذا وَصَفنَاهُ
стр. 293
قال: في هذا البيت اختلال من جانب الإعراب، وذلك أنه لم يكن أبا العشائر في هذه القطعة، فأنكر قوم عليه ترك الكناية فإذا قال: (ألم تكنه) فدخول همزة الاستفهام على النفي تقرير يوجب أنه كناه كقوله تعالى: (ليس الله بكاف عبده) وقول جرير:
ألَستُمْ خَيرَ من رَكِبَ المَطَايَا. . . . . . . . .
أي: الأمر كذلك. ودخولها على الإثبات نفي كقوله تعالى: (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) أي: ليس الأمر كذلك. فعلى هذا قوله:
قالوا: ألم تكنه. . . . .
تقرير لكنايته إياه، وهم أنكروا عليه تركها؛ فكان خطأ لذلك.
وأقول: لعل هذه الحكاية موضوعة، وهي إنكار ترك كنايته، ولعل ابن جني توهم قوله:
قالوا: ألم تكنه. . . . .
أنه من الكناية التي هي: أبو فلان، أو قصد ذلك ليورد عليه ما أورد، ولم يرد أبو الطيب بقوله: (ألم تكنه) أبا العشائر؛ وإنما أراد الكناية التي هي الإضمار، أي: لم تذكر أسمه، فيكون معنى قوله:
قالوا: ألم تكنه. . . .
التقرير، أي: قد كنيته، أي: أضمرته، ولم تبين أسمه الذي هو أبو العشائر، وذلك إنكار عليه، فقال في جواب قولهم:
. . . . . . . . . ذلك عِيٌّ إذَا وَصَفنَاهُ
стр. 294
أي: إذا وصفناه وأظهرناه وسميناه، كانت هذه بلاغة، وهي عي على الحقيقة؛ لأن الوصف، والإظهار، والتبيين؛ إنما يكون عند البأس غيره به، وهو كما قال في
البيت الذي يليه:
لا يَتَوَفَّى أبو العَشَائرِ مِنْ ... لَبسِ مَعَاني الوَرَى بِمعنَاهُ
فهذا الذي أراده أبو الطيب؛ وهو استفهام بمعنى التقرير والإيجاب كما ذكر ابن جني، إلا أنه ما قصده، والزمه عليه ما الزمه. ويدل على (ما) قلته قولهم: نحن العرب أقرى الناس للضيف. ولم يحتاجوا أن يرفعوا (العرب) تأكيدا ل (نحن) أو خبرا عنه، ليتميزوا به من غيرهم، أو يخبروا عنه أنهم أقرى الناس، بل ألما قالوا: (نحن) علم من هم؟ وأنهم العرب، ونصبوا على المدح والاختصاص، حتى كأن الكلام قد تم بقولهم: (نحن)، ولو قالوا: نحن أقرى الناس، ولم يذكروا (العرب) لعرفوا، وإنما يذكر التأكيد والوصف والإظهار عند الالباس بالمشاركة، وكذلك قول الراجز:
نَحنُ بني ضَبَّةَ أصحابَ الجَملْ
وقول الآخر:
إنا بني نَهشَلٍ لا نَدَّعِي لأبٍ ... عنهُ ولا هو بالأبنَاءِ يَشرِينَا
وأن ما دعا ابن جني أن حمل قوله: (ألم تكنه) أنه من الكنية بأبي فلان، أنه ذكر في هذه الأبيات الحسين ولم يذكر أبا العشائر، وهو أشهر من الحسين. والذي حملني على
стр. 295
أن جعلت (ألم تكنه) من الكناية التي هي الإضمار أنه أضمر أسمه من أول الأبيات إلى آخرها، من قوله:
. . . . . . . . . . ما لَمْ يروك. . . . . . . . . .
ولم أحفل بذكر الحسين؛ لأنه ليس باسم له، وإنما أسمه كنيته، وهو أبو العشائر، والحسين موضوع عليه مستعار له. فيصبح إذا قول المتنبي على هذا الاعتلال ولا يحمل على الاختلال.
وقوله:
تَبُلُّ خَدَّيَّ كلما ابتسَمَتْ ... من مَطَرٍ بَرقُهُ ثَنَايَاهَا
قال: وقد دل في هذه الأبيات على أنها كانت متكئة عليه، وعلى غاية القرب منه، يصيب خديه شيء من ريقها!.
فيقال له: هذا أبرد تفسير، وأغث معنى بأن جعل بصاقها ينزل على وجهه، ويسيل على خديه ولحيته!! والمعنى ما ذكرته مستقصى في شرح التبريزي.
стр. 296
وقوله:
في بَلَد تُضرَبُ الحِجَالُ به ... على حِسَانٍ وَلَسنَ أشبَاهَا
قال: أي: كل واحدة منهن منفردة من الحسن، بما لا يشاركها فيه غيرها. ويجوز أن يكون (لسن أشباها) أي: قد صارت هذي المشبب بها سببا لإختلافهن؛ لأنها لا نظير لها فيهن كقوله أيضا:
الناسُ ما لَمْ يَرَوكَ أشَبَاهُ. . . . .
وأقول: هذا التفسير قد تلقاه عنه جميع من شرح هذا الديوان بعده، وليس بشيء! والمعنى: أنه شبه هؤلاء النساء بالظباء، فقال: لقيننا في بلد تضرب الحجال فيه على ظباء حسان - يعني النساء - ولسن أشباها؛ لأنهن بخلاف الظباء؛ لأن الظباء لا تضرب عليهن (الحجال) وهن متشابهات. ودل على ذلك قوله بعده:
كلُّ مَهَاةٍ تَقُولُ مُقلَتُهَا. . . . . .
وقوله:
يُعجِبُها قَتلُهَا الكثمَاةَ ولا ... يُنظِرُهَا الدَّهرُ بَعدَ قَتلاَهَا
стр. 297
قال: يقول: يعجب الخيل أن تقتل الكماة، كما يعجب فرسانها. ألا تراه يقول في موضع آخر:
تَحمَى السُّيوفُ عَلى أعدائِهِ مَعَهُ ... كأنَّهُنَّ بَنُوهُ أو عَشَائِرُهُ
فإذا جاز أن يوصف السيف بأنه يحمى مع صاحبه، فالحيوان الذي يعرف كثيرا
من أغراض صاحبه - لأنه مؤدب معلم - أحرى بذلك.
فيقال له: هذا الذي ذكرته استعارة، والاستعارات لها مواضع تحسن فيها وتقبح، وهو جائز على وجه المجاز، وقد يقع المجاز في بعض المواضع أحسن من الحقيقة، ولكن الحقيقة، وهي أصحاب الخيل هاهنا، أولى من الخيل، فالضمير في: (يعجبها) في اللفظ راجع إلى الخيل، وهو في المعنى لأصحابها؛ يصفهم بالشجاعة والجرأة على القتل وسفك الدماء؛ يقول: يعجبها أن تقتل الكماة ولا تنظر بعدهم بل تموت في أثرهم.
وقوله:
هو النَّفيسُ الذي مواهِبُهَ ... أنفَسُ أمَوالِهِ وأسنَاهَا
قال: هذا تقصير في مدح ملك أن يقال له: هو النفيس.
فيقال له: ولم كان ذلك تقصيرا، والنفيس: هو الشيء الفاخر المرغوب فيه، المضنون
стр. 298
به؟ يقال: نفس الشيء نفاسة، إذا كان كذلك. على أنه وإن كان فيه تقصير، فقد طوله حسن الترديد، وهو قوله:
. . . . . . . . . . أنفَسُ أموالِهِ وأسنَاهَا
فحسن لذلك.
وقوله:
النَّاسُ كالعَابدِين آلِهَةً ... وعَبدُهُ كالُوَحِّدِ اللاَّها
قال: أي: عبده مقبل بالطاعة عليه، مفوض بالرجاء إليه، لا يلتفت إلى من سواه لإغنائه عنه. وعبد غيره، يطلب من هذا تارة، ويرجو هذا أخرى.
وأقول: هذا ليس بشي!.
والمعنى أن الناس من غير عبيده في ضلال، وعبده في هداية.
وقوله:
إذا كنتَ تَرضَى أن تعيش بِذِلَّةٍ ... فلا تَستَعِدَّنَّ الحُسَامَ اليَمانِيَا
стр. 299
قال: أستعمل النفي في موضع الاستفهام، في قول ربيعة بن مقروم:
فَدَعَوا: نَزَالِ، فكنتُ أوَّلَ نَازِلٍ ... وعَلامَ أركَبُهُ إذا لَمْ أنزِلِ؟
قال: ومثل هذا الاستفهام قول الآخر:
فَلِمْ طَالَ حضملِي جَفنَهُ وجَفِيرَهُ ... إذَا أنا لم أطعَنْ إذا الخَيلُ كَرَّتِ
فيقال له: أقلب تصب! وذلك (أن) ربيعة استعمل الاستفهام في موضع النفي؛ لأن قوله:
. . . . . . . . . . . ... وعَلامَ أركَبُهُ إذَا لَمْ أنزِلِ؟
بمعنى: لا ركوب أنتفع به إذا لم انزل، وكذلك التقدير في بيت الآخر، فبيت أبي الطيب محمول على الحقيقة لأنه نفي، وبيت ربيعة محمول على المجاز، لأنه استفهام في موضع النفي، فالأولى أن يحمل المجاز على الحقيقة، ولا تحمل الحقيقة على المجاز.
стр. 300
وقوله:
إذَا الجودُ لم يُرزَقْ خلاصاً من الأذَى ... فلا المَجدُ مَكسُوباً ولا المالُ بَاقِيَا
قال: شبه (لا) بليس فنصب الخبر، قال سعد بن قيس:
مَنْ صَدَّ عن نِيرانِهَا ... فأنا ابن قَيسٍ لا بَراحُ
فيقال له: نعم، هي مشبهة بليس إذا وليتها النكرة، وهاهنا وليتها المعرفة، وإنما حملت - هاهنا - (لا) على (ما) في دخولها على المعرفة لنفي الحال كما حملت عليها في نفي الماضي المقرب من الحال في قوله تعالى: (فلا صدق ولا صلى).
وقوله:
بِعَزمٍ يَسِيرُ الجسمُ في السَّرجِ راكباً ... به وَيَسيرُ القَلبُ في الجسمِ ماشِيَا
стр. 301
قال: أي: لقوة العزم ما يكاد القلب يتحرك من موضعه، ولو تحرك في الحقيقة
لمات صاحبه، وقد أتى نحو هذا أبو تمام في قوله:
مَشَتْ قلوبُ أُنَاسٍ في صُدُورِهمُ ... لمَّا رأوكَ تَمَشَّى نَحوَهُمْ قُدُمَا
وطريق أبي تام أسلم؛ لأنه ذكر تحرك القلب في موضع الشدة والمهلكة، ألا ترى إلى قولهم: قد انخلع قلبه فمات! أي: فارق موضعه، فلهذا كانت أسلم.
فيقال له: ما كان أغناك عن التعرض لشرح معاني الشعر، وأنت فيها بهذه المنزلة، وأحوج هذا الديوان إلى غيرك! ولو كان تصرفك في المال، كتصرفك في المعاني، لكان ينبغي أن يحجر فيه عليك، ويؤخذ به على يديك! ولقد أخطأت سبيل هذا المعنى وتجاوزت طريقه، فأنت في واد وهو في واد، وهو قوله:
بِعَزمٍ يَسِيرُ الجِسمُ. . . . . . . . . . . . .
أي: بعزم شديد يسير القلب به تعبا في الجسم، وأن كان الجسم مستريحا بركوبه في السرج، فكنى عن تعب القلب بمشيه في الجسم لكثرة قلقه واضطرابه وكنى عن راحة الجسم بركوبه في السرج لكونه مستقرا فيه، مستقلا محمولا.
فهذه آخر المآخذ على الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني الذي قويت عليه يد الطاقة، ووصلت إليه يد المنة.
الحمد لله حق حمده، وصلواته على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، أئمة الدين، وأصحابه المنتجبين الأكرمين.
стр. 302
سمع مني - بقراءتي - مآخذي على الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني، المولى الشيخ العلامة الفاضل الكامل البارع شرف الدين أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم بن الحسين الإربلي أدام الله سعادته وإسعاده. وأجزت له أن يرويه عني، ويقرأه لمن شاء حيث شاء.
وكتب أحمد بن علي بن معقل الأزدي ثم المهلبي لثلاث بقين من رجب سنة ست وثلاثين وست مائة، حامدا لله على نعمه ومصليا على محمد وآله.
стр. 303
الجزء الثاني
المآخذ على شرح أبي العلاء المعري
الموسوم باللاّمع العزيزي
стр. 304
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه مآخذ على الشّيخ أبي العلاء المعرّي في شرحه ديوان أبي الطّيب المتنبي، المعروف باللاّمع العزيزي:
فمن ذلك في قوله: (الكامل)
أنساعها ممغوطة وخفافها ... منكوحة وطريقها عذراء
جعل الطريق عذراء، والعذراء هي التي جرت العادة بأن تنكح، وهي هاهنا ناكحة لأنّها التي أدمت الخفاف.
فيقال: العذراء من النّساء التي لم تفتضّ، فجعل هذه الطريق التي لم تسلك، بمنزلة المرأة التي لم تفتضّ، وجعل ناقته مفتضّة منكوحة، بملاقاة حصى المعزاء والظّرّان التي هي في الطّريق كقول لبيد: (من البسيط)
стр. 305
بجسرة تنجل الظّرّان ناجية ... إذا توقّد في الدّيمومة الظّرر
والمعنى، إنه يصف نفسه بكثرة سيره في الفلوات الموحشة، التي لم يسلكها أحد قبله، وتلك من شيم اللّيالي.
وقال في قوله: (الكامل)
جمد القطار ولو رأته كما رأى ... بهتت فلم تتبجّس الأنواء
الأجود أن تكون الأنواء فاعلة رأته، ويجوز أن يكون العامل فيها الفعل المتأخّر وهو تتبجّس، والأول مذهب الكوفيّين، والثاني مذهب البصريين.
وأقول: بل الأجود أن تكون الأنواء فاعلة تتبجّس لأنّها تليها، وكلا الفعلين متوجّه إليها. ويجوز أن تكون الأنواء مرتفعة ببهتت مفعولا لم يسمّ فاعله.
وقال في قوله: (الوافر)
وتنكر موتهم وأنا سهيل ... طلعت بموت أولاد الزّناء
إثبات الألف في أنا هو عند بعض النّاس ضرورة، لأن هذه الألف لا تثبت إلاّ في
стр. 306
الوقف.
وكان محمد بن يزيد يتشدّد في ذلك، ولا يجيزه وقد جاء في مواضع كثيرة، من ذلك قول الأعشى: (المتقارب)
فكيف أنا وانتحالي القوا ... في بعد المشيب كفى ذاك عارا
وقول حميد بن بحدل: (الوافر)
أنا زين العشيرة فاعرفوني ... حميد قد تذرّيت السّناما
وأقول: قول الشّيخ: إثبات الألف عند بعض النّاس ضرورة أن كان يريد ببعضهم الآخر، إثباتها من غير ضرورة فصواب، وإن كان يريد أن إثباتها لا يجوز، لا في الكلام ولا في الشّعر، فذلك خطأ على خطأ، وذلك إنها قد جاءت في القرآن في قوله تعالى: (لكنا الله هو ربي) بحذف الهمزة من أنا والإدغام وإثبات الألف، وهي قراءة ابن عامر. وفي قوله تعالى: (أنا أحيي) بإثبات الألف من أنا فكيف لا يجوز المبّرد إثباتها في الشعر، وهو موضع ضرورة، وقد جاءت فيما لا ضرورة فيه؟
стр. 307
وقال في قوله: (المتقارب)
وكلّ نجاة بجاويّة ... خنوف وما بي حسن المشي
قال: البجاويّة منسوبة إلى البجاة، ويقال: إنه اسم جيل من النّاس.
وقيل: بل البجاة البلد، ولهم نجب موصوفة. ويجب أن يكون قوله: بجاوية منسوبة
إلى على غير قياس، لأنه لو حمل على لفظ البجاة لقيل بجوي.
وأقول: أن الجوهريّ ذكر أن البجاوية تنسب إلى بجاء، قال: وبجاء اسم قبيلة، والبجاويات من النّوق تنسب إليها، فعلى هذا تكون منسوبة على قياس.
وقال في قوله: (المتقارب)
وأمست تخبّرنا بالنّقا ... ب وادي المياه ووادي القرى
النّقاب: من قولهم: ورد الماء نقابا، أي: لم يشعر حتى هجم عليه. وقد بالغ في صفة النّجائب، وأخبر إنها تعلم الرّكبان بمكان المياه، فهي أعلم بها منهم.
стр. 308
وأقول: الرواية الكثيرة: تخيّرنا بالياء منقوطة باثنتين من تحتها. والمعنى أن الإبل أوصلتنا إلى النّقاب، وفيه طريقان، إحداهما إلى وادي المياه، والأخرى إلى وادي القرى، فأيّا شئنا سلكنا، وكلاهما يؤدي إلى المقصود ويحصّل الغرض في السيّر.
(والنّقاب: يحتمل أن يكون جمع نقب.)
وقال في قوله: (المتقارب)
وقلنا لها أين أرض العراق ... فقالت، ونحن بتربان، ها
تربان: موضع، وذكره يتردّد في الشعر، قال النّابغة: (البسيط)
أو ذو وشوم بحوضى بات منصلتا ... يقرو الدّكادك من تربان والأكما
стр. 309
وأقول: ليس هذا البيت كما أنشده، ولا فيه ذكر تربان، وهو مركّب من نصفي بيتين للنّابغة، الأول منهما من قوله: (البسيط)
أو ذو وشوم بحوضي بات منكرسا ... في ليلة من جمادى أخضلت ديما
والآخر منهما من قوله: (البسيط)
حتّى غدا مثل نصل السيّف منصلتا ... يقرو الدكادك من نيّان والأكما
وقال في قوله: (المتقارب)
وجابت بسيطة جوب الرّدا ... ء بين النّعام وبين المها
المها: بقر الوحش، سميّن بذلك لبياض ظهورهنّ، ويصفون الأشياء البيض بمها، والمها: البلّور، ويقال للأسنان مها، قال المسيّب (بن علس): (الكامل)
ومها يرفّ كأنّه إذ ذقته ... عانيّة شجّت بماء يراع
ويجعلون الشّمس مهاة، قال الشاعر: (الطويل)
وبيضاء لم تطبع ولم تدر ما الحيا ... ترى أعين الفتيان من دونها خزر
стр. 310
قال أبو الصلّت الثّقفي: (الخفيف)
ثم يجلو الظلام ربّ قدير ... بمهاة لها ضياء ونور
فيقال: أن العرب وضعت أسماء لمسميّات، وكأنّها في أصل وضعها للتّشبيه، فقالوا لبقرة الوحش مهاة، لبياضها، وقالوا للمرأة مهاة، على وجه التّشبيه لا على إنه اسم لها كالمهاة للبقر. وكذلك يقال في بيت المسيّب:
ومها يرف. . . . . . . . .
يعني الثّغر، إنه شبّهه بالمها، لبياضه وصفائه.
وكذلك إذا جعلته درا فقال: رأيت درا، أو أعجبني درّ، ولم يذكر الموصوف، ولا في الكلام ما يدلّ عليه، كما تقول: هذا ثغر، وأعجبني ثغر، لم يجز إلاّ على التّشبيه.
وكذلك يقال في بيت أبي الصلّت، إنه شبّه الشّمس لبياضها وصفائها بالمهاة، فجعلها مهاة على طريق المجاز والإغراق، لا أن تكون المهاة من أسمائها، كما أن من
стр. 311
أسمائها الجونة. وهذه الطريقة في المجاز واسعة كثيرة في أشعارهم، ويراد بها التّشبيه، من ذلك قول امرئ القيس: (الطويل)
كأنّي بفتخاء الجناحين لقوة ... على عجل منّي أطأطئ شملالي
فجعل فرسه عقابا على وجه التّشبيه.
ومثله قول أبي الطّيب: (البسيط)
وفي اكفّهم النّار التي عبدت ... قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
جعل السيوف نارا، وإنما تشبّه بالنار. وقال في قوله: (المتقارب)
ولاح لها صور والصّباح ... ولاح الشّغور لها والضّحى
ذكر عن أبي الفتح ابن جنّي، إنه قال كلاما معناه: صور لا يعرف في المواضع وإنما المعروف صورى. وإنما أخذه أبو الفتح من الكتب الموضوعة في المقصور والممدود، وإنما أراد المتنبي: صوار فألقى حركة الهمزة على الواو وحذفها.
وقد
стр. 312
ذكر الفرزدق هذه المواضع في شعره فقال: (الطويل)
فما جبرت إلاّ على عنت بها ... قوائمها إذ عقّرمت يوم صوأر
هذا وأقول: أما قول ابن جني. أن صور لم يعرف في المواضع، فمحتمل أن يكون الاسم صور لهذا الموضع ولم ينقل، كما إنه يكون بعض أسماء النّاس، لم ينقل لكثرة المواضع وكثرة النّاس.
وأما الوجه الذي ذكره الشيخ أبو العلاء فظاهر محتمل.
وصور من غير حذف الهمزة شاذّ، لتحرّك الواو وانفتاح ما قبلها، ولم تقلب ألفا، والشذوذ كثير في الأعلام، نحو محبب وموظب. وصوأر: فوعل، ولا يكون فعأل ولا فعلل، لأن زيادة الواو فيه أولى من زيادة الهمزة، وإذا ثبت (ذلك) فلا يكون فعلل، لأن الواو مع ثلاثة أصول لا تكون إلاّ زائدة.
وقال في قوله: (المتقارب)
فيا لك ليلا على أعكش ... أحمّ البلاد خفيّ الصّوى
وردنا الرّهيمة في جوزه ... وباقيه أكثر مما مضى
قد اختلف في الضّمير في جوزه فقيل: هو راجع إلى أعكش المكان، أي:
стр. 313
وردنا الماء الذي هو الرّهيمة في جوز اعكش. ولا يجعل الضمير اللّيل، لئلاّ يتناقض، لقوله:
. . . . . . . وباقيه أكثر مما مضى
فلا يكون الورود في جوزه إذ لم يحصل التّساوي الذي يقتضيه الوسط.
وقال الشّيخ أبو العلاء: وبعض من لا علم له بالعربية، يسأل عن هذا البيت، ويظنّ إنه مستحيل، لأنه يحسب إنه لمّل ذكر الجوز، وجب أن تكون القسمة عادلة في النّصفين فيذهب إلى أن قوله:
. . . . . . . . . وباقيه أكثر ممّا مضى
نقض الكلام المتقدّم، وليس الأمر كذلك، ولكنه جعل ثلث اللّيل الثّاني كالوسط، وهو الجوز، ثم قال:
. . . . . . . . . وباقيه أكثر مما مضى
كأنه ورد والثلث الثاني قد مضى منه ربعه، وبقي ثلاثة أرباعه أو أكثر، وهذا بيّن واضح. والهاء في باقيه يجوز أن ترجع إلى الجوز، وإلى اللّيل.
وأقول: الأولى أن يقال في هذا: أن مقاربة الشيء تستعمل بمعنى الوصول إليه، والحلول فيه كقوله تعالى: (وإن منكم إلاّ واردها)، جعل مقاربة جهنّم
стр. 314
والإشراف عليها ورودها،
(منها قولهم في التّأكيد: جاء الجيش اجمع، وجاءت القبيلة احترازا من أن يكون بقيت منها بقيّة). فيكون، على قوله، في جوزه الضمير راجعا إلى اللّيل في البيت الذي قبله، ويكون الورود قريبا من جوز الليل (أو بقيت منه بفيّة فكأنه في جوزه، وصحّ أن يقول:)
. . . . . . . . . وباقيه أكثر مما مضى
على هذا التّفسير، ولا يكون نقضا للأول. وإنما أوقع الشيخ في هذا التّقدير، جعل الضّمير في ماضيه راجعا إلى جوزه، والصحيح الذي يصحّ به المعنى، إنه راجع إلى اللّيل كما تقدّم.
وقال في قوله: (المتقارب)
فلمّا أنخنا ركزنا الرّما ... ح فوق مكارمنا والعلا
أي: أسندناها إلى شيء، كما جرت العادة، وكأنه ذهب بهذا القول إلى انهم لم يكن معهم شيء تركز إليه الرّماح، لأنها يعتمد بها المكان العالي، فركزوها فوق مكارمهم، لأنّها رفيعة عالية.
وأقول: ليس الرّكز الإسناد، ولكن الرّكز القيام في الأرض، والإسناد القيام إلى شيء على الأرض. فقوله: أي أسندناها إلى شيء كما جرت العادة وكذلك قوله: كأنه ذهب في هذا القول، إلى أنهم لم يكن معهم شيء يركزون إليه الرماح ليس
стр. 315
بشيء! والجيّد أن يقال في قوله:
. . . . . . ركزنا الرّماح ... فوق مكارمنا. . . . . .
أي لم نركزها فوق الأرض، كما جرت به العادة، بل فوق مكارمنا وعلانا الرّفيعة العالية، يريد بذلك الإغراب في المعنى، والمبالغة كعادته الجبارية.
وقال في قوله: (المتقارب)
بها نبطيّ من أهل السّواد ... يدرّس انساب أهل الفلا
يعرّض بالوزير أبي الفضل بن الفرات، لأنه لم يحظ عنده بطائل.
ويقال: أن القصيدة الرّائية التي في ابن العميد: (الكامل)
. . . . . . وأيّ خلق كبّرا
كانت فيه، وكان قد نظمها على قوله: (الكامل)
لأيّ كف بشّرت ... بابن الفرات
وبناها على قوله: جعفرا
стр. 316
وأقول: هذه القصيدة الرائية، فيها مواضع، تدلّ على أن اصل وضعها في ابن العميد منها قوله: (الكامل)
أرجان أيّتها الجياد. . . . . . . . . . . .
ومنها قوله، يصفه بأنه من العلماء الفلاسفة: (الكامل)
من مبلغ الأعراب أنّي بعدها ... شاهدت رسطاليس والاسكندرا
وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملّكا متبديّا متحضّرا
كما وصفه في القصيدة الدّالية بأنه من الفلاسفة، في قوله: (الخفيف)
عربيّ لسانه، فلسفيّ ... رأيه، فارسيّة أعياده
ومنها قوله: (الكامل)
تركت دخان الرّمث في أوطانه ... طلبا لقوم يوقدون العنبرا
وذلك أن الرمث مرعى من مراعي الإبل، وقد يستعمل وقودا، ولد دخان أسود إلى الغبرة، يقال: بعير أورق كدخان الرّمث، والإبل ومراعيها تختصّ بالعرب التي تركت ناقة أبي الطّيب بلادهم، ومصر من بلاد العرب، فالذين يوقدون العنبر هم الفرس في بلادهم.
стр. 317
وقال في قوله: (المتقارب)
وشعر مدحت به الكركد ... نّ بين القريض وبين الرّقى
الكركدنّ: لفظة ليست بالعربية، وليس لها اصل في كلامهم، وقد كثرت الأحاديث عن الكركدنّ. والذي ذكر ابن الأعرابي، إنه دابّة أصغر من الفيل، له قرن واحد، وزعم إنه يسمى الهرميس وأنشد: (الرجز)
بالموت ما عيّرت يا لميس
قد يهلك الأرقم والفاعوس
والأسد المذرّع الحؤوس
والفيل لا يبقى ولا الهرميس
وقول أبي الطّيب:
. . . . . . . بين القريض وبين الرّقى
كأنه ممزوج منهما، أي: أردت خديعته به.
стр. 318
وأقول: إنما شبّهه بالكركدّن، لعظمه بالسّمن وثقله، لقوله في قوله: (البسيط)
عيد بأيّة حال عدت يا عيد ... . . . . . . . . .
أن امرءا أمه حبلى تدبّره ... لمستضام سخين العين مفؤود
وقول الشيخ في قوله:
. . . . . . . . . بين القريض وبين الرّقى
أي: أردت خديعته به ليس بشيء!
ولو قال: أردت السلامة منه به، لأنّ ذلك فعل الرّقى، لكان أولى.
وقال في قوله: (الوافر)
أسامرّيّ ضحكة كلّ راء ... فطنت وأنت أغبى الأغبياء
سامرّاء اسم محدث سمّي بشيء فغيّرته العامّة، لأن الذي سمّاها جعلها: سر من رأى، فثقل ذلك على السن العوامّ، فغّيروه إلى ما هو عكسه، وانشدوا لعبد الله بن سعيد الأموي، وكان من أهل العلم: (الوافر)
لعمري ما سررت بسرّ من را ... ولكنّي عدمت بها السّرورا!
стр. 319
وقال بعض المحدثين: (مخلّع البسيط)
ما سرّ من را بسرّ من را ... بل هي سوء لما رآها
ومن العجائب أن البحتري سمّاها سامرّاء، على مذهب العامّة ولم يتهيّب)
الخليفة، قال: (الكامل)
أخليت منه البذّ وهو قراره ... ونصبته علما بسامرّاء
فيقال: أن الذي ابتدأ هذه المدينة واختطّها المعتصم، لكثرة الجند ببغداد، وتعسّفهم على العوامّ، وإنما سمّاها: سرّ من رأى. ولعلّ هذا الاسم غيّره عن وضعه من
جاء بعده من الخلفاء، لكونه لم تعجبه هذه المدينة، ولم توافق غرضه فسمّاها بضدّ اسمها سامرّا وحذف الهمزة من ساء كما حذفت الأخرى من رأى وأدغم النون في الرّاء فقال: مرّا. ولم يكن ذلك من فعل العوامّ.
وأما تعجّبه من البحتري، في إنشاده البيت الذي قافيته سامرّاء ولم يتهيّب في إنشاده الخليفة، فظنّ منه أن الشعر مديح في الخليفة، وهو في أبي سعيد الثّغري، ولو إنه في الخليفة فلعلّه هو الذي غيّر هذه اللفظة فلا يتهيّبه.
وقال في قوله: (الطويل)
سبقنا إلى الدّنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب
стр. 320
يريد أن أهل الأرض المتقدّمين، لو كانوا باقين لم يكن المتأخرون خلقوا. وهذه مأخوذ من قول بعض الحكماء لبعض الملوك لمّا قال: ما أطيب الملك لو دام! فقال لو دام لم يصل إليك!
فيقال له: لم قلت: لو أن أهل الأرض المتقدّمين باقون، لم يكن المتأخرون خلقوا؟ وما أنكرت أن يعمّر المتقدمون، ويخلق المتأخرون، ويكونوا معهم مجتمعين، فإن ذلك غير مستحيل كما أن تعمير نوح ألف سنة، لم يمنع من خلق من خلق بعده. ومعنى قول الحكيم: لو دام الملك لم يصل إليك يريد: أن العادة الجارية في الدّنيا بتغيير الأحوال وزوال الملوك والملك كما قال ابن الزّيّات: (البسيط)
لا تجعلنّ، رويدا، إنها دول ... دنيا تنقّل من قوم إلى قوم
فلو دام الملوك، ولم تتغيّر الأحوال، لدام الملك لمن تقدّمك، ولم يصل إليك.
ومعنى بيت أبي الطّيب: أي: لو عاش أهل الدنيا، ولم يموتوا، لأدّت بهم الكثرة إلى الازدحام فيها، للامتلاء والامتناع من الحركة بالمجيء والذّهاب. وفي هذا تعزية لسيف الدولة، بكثرة من مات من الأمم الخالية، وتسلية له عن مملوكه يماك المعزّى به.
وقال في قوله: (الطويل)
ولا فضل فيها للشّجاعة والنّدى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب
следующие страницы →