Полный текст (1 138 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وأقول: هذه القصيدة الرائية، فيها مواضع، تدلّ على أن اصل وضعها في ابن العميد منها قوله: (الكامل)
أرجان أيّتها الجياد. . . . . . . . . . . .
ومنها قوله، يصفه بأنه من العلماء الفلاسفة: (الكامل)
من مبلغ الأعراب أنّي بعدها ... شاهدت رسطاليس والاسكندرا
وسمعت بطليموس دارس كتبه ... متملّكا متبديّا متحضّرا
كما وصفه في القصيدة الدّالية بأنه من الفلاسفة، في قوله: (الخفيف)
عربيّ لسانه، فلسفيّ ... رأيه، فارسيّة أعياده
ومنها قوله: (الكامل)
تركت دخان الرّمث في أوطانه ... طلبا لقوم يوقدون العنبرا
وذلك أن الرمث مرعى من مراعي الإبل، وقد يستعمل وقودا، ولد دخان أسود إلى الغبرة، يقال: بعير أورق كدخان الرّمث، والإبل ومراعيها تختصّ بالعرب التي تركت ناقة أبي الطّيب بلادهم، ومصر من بلاد العرب، فالذين يوقدون العنبر هم الفرس في بلادهم.
стр. 317
وقال في قوله: (المتقارب)
وشعر مدحت به الكركد ... نّ بين القريض وبين الرّقى
الكركدنّ: لفظة ليست بالعربية، وليس لها اصل في كلامهم، وقد كثرت الأحاديث عن الكركدنّ. والذي ذكر ابن الأعرابي، إنه دابّة أصغر من الفيل، له قرن واحد، وزعم إنه يسمى الهرميس وأنشد: (الرجز)
بالموت ما عيّرت يا لميس
قد يهلك الأرقم والفاعوس
والأسد المذرّع الحؤوس
والفيل لا يبقى ولا الهرميس
وقول أبي الطّيب:
. . . . . . . بين القريض وبين الرّقى
كأنه ممزوج منهما، أي: أردت خديعته به.
стр. 318
وأقول: إنما شبّهه بالكركدّن، لعظمه بالسّمن وثقله، لقوله في قوله: (البسيط)
عيد بأيّة حال عدت يا عيد ... . . . . . . . . .
أن امرءا أمه حبلى تدبّره ... لمستضام سخين العين مفؤود
وقول الشيخ في قوله:
. . . . . . . . . بين القريض وبين الرّقى
أي: أردت خديعته به ليس بشيء!
ولو قال: أردت السلامة منه به، لأنّ ذلك فعل الرّقى، لكان أولى.
وقال في قوله: (الوافر)
أسامرّيّ ضحكة كلّ راء ... فطنت وأنت أغبى الأغبياء
سامرّاء اسم محدث سمّي بشيء فغيّرته العامّة، لأن الذي سمّاها جعلها: سر من رأى، فثقل ذلك على السن العوامّ، فغّيروه إلى ما هو عكسه، وانشدوا لعبد الله بن سعيد الأموي، وكان من أهل العلم: (الوافر)
لعمري ما سررت بسرّ من را ... ولكنّي عدمت بها السّرورا!
стр. 319
وقال بعض المحدثين: (مخلّع البسيط)
ما سرّ من را بسرّ من را ... بل هي سوء لما رآها
ومن العجائب أن البحتري سمّاها سامرّاء، على مذهب العامّة ولم يتهيّب)
الخليفة، قال: (الكامل)
أخليت منه البذّ وهو قراره ... ونصبته علما بسامرّاء
فيقال: أن الذي ابتدأ هذه المدينة واختطّها المعتصم، لكثرة الجند ببغداد، وتعسّفهم على العوامّ، وإنما سمّاها: سرّ من رأى. ولعلّ هذا الاسم غيّره عن وضعه من
جاء بعده من الخلفاء، لكونه لم تعجبه هذه المدينة، ولم توافق غرضه فسمّاها بضدّ اسمها سامرّا وحذف الهمزة من ساء كما حذفت الأخرى من رأى وأدغم النون في الرّاء فقال: مرّا. ولم يكن ذلك من فعل العوامّ.
وأما تعجّبه من البحتري، في إنشاده البيت الذي قافيته سامرّاء ولم يتهيّب في إنشاده الخليفة، فظنّ منه أن الشعر مديح في الخليفة، وهو في أبي سعيد الثّغري، ولو إنه في الخليفة فلعلّه هو الذي غيّر هذه اللفظة فلا يتهيّبه.
وقال في قوله: (الطويل)
سبقنا إلى الدّنيا فلو عاش أهلها ... منعنا بها من جيئة وذهوب
стр. 320
يريد أن أهل الأرض المتقدّمين، لو كانوا باقين لم يكن المتأخرون خلقوا. وهذه مأخوذ من قول بعض الحكماء لبعض الملوك لمّا قال: ما أطيب الملك لو دام! فقال لو دام لم يصل إليك!
فيقال له: لم قلت: لو أن أهل الأرض المتقدّمين باقون، لم يكن المتأخرون خلقوا؟ وما أنكرت أن يعمّر المتقدمون، ويخلق المتأخرون، ويكونوا معهم مجتمعين، فإن ذلك غير مستحيل كما أن تعمير نوح ألف سنة، لم يمنع من خلق من خلق بعده. ومعنى قول الحكيم: لو دام الملك لم يصل إليك يريد: أن العادة الجارية في الدّنيا بتغيير الأحوال وزوال الملوك والملك كما قال ابن الزّيّات: (البسيط)
لا تجعلنّ، رويدا، إنها دول ... دنيا تنقّل من قوم إلى قوم
فلو دام الملوك، ولم تتغيّر الأحوال، لدام الملك لمن تقدّمك، ولم يصل إليك.
ومعنى بيت أبي الطّيب: أي: لو عاش أهل الدنيا، ولم يموتوا، لأدّت بهم الكثرة إلى الازدحام فيها، للامتلاء والامتناع من الحركة بالمجيء والذّهاب. وفي هذا تعزية لسيف الدولة، بكثرة من مات من الأمم الخالية، وتسلية له عن مملوكه يماك المعزّى به.
وقال في قوله: (الطويل)
ولا فضل فيها للشّجاعة والنّدى ... وصبر الفتى لولا لقاء شعوب
стр. 321
ادعاء أبي الطّيب أن الدنيا، لا فضل فيها للشجاعة، والنّدى، وصبر الفتى، لولا الموت. غير صحيح، لأن الناس لو كانوا مخلّدين، لم تنقص فضيلة الجود وغيره من الأشياء المحمودة.
فيقال للشّيخ: لا لبس في أن الشّجاع، لو تقدّم في الحرب، واقدم على الطّعن والضرّب، وهو على يقين من السّلامة، لم يكن له فضل في ذلك، لأنه قد وثق بالحياة، فلا يضرّه إلقاء نفسه للمهالك. فكان الناس يتساوون، فلم يكن لأحدهم مزيّة على الآخر. وكذلك يقال في الجواد، وإنه إذا تيقّن البقاء، ووثق بالسّلامة، لم يكن له فضل في العطاء، لأنه قادر على إخلافه بالإغارة على الأموال ولا يقتل، ورده بالتّجارة في البرّ والبحر، ولا يهلك، ولا يغرق. فهذا يبين لك إنما يحمد الإقدام، ويحسن السّماح، عند تجويز الهلاك. ولولا ذلك لم يكونا كذلك.
وقال في قوله: (الطويل)
فتى الخيل قد بلّ النّجيع نحورها ... تطاعن في ضنك المقام عصيب
قوله: فتى الخيل كلام فيه حذف، وإنما يريد: فتى الخيل الذي يفضل الفتيان، كما تقول: فلان رجل بني فلان، أي: هو أفضل رجل فيهم. وقد يجوز أن يكون فيهم
стр. 322
جماعة يقع عليهم هذا الاسم،
ومنه قول الهذليّ: (الطويل)
لعمر أبي لطّير المربّة بالضّحى ... على خالد أن قد وقعن على لحم
أي: لحم رجل عظيم الشأن!
ومنه حديث يروى عن رجل من اليهود رأى عليّا ﵇ يشتري جهازا لامرأة، فقال له: بمن تزوّجت؟ فقال: بفاطمة بنت محمد ﵉، فقال
اليهوديّ: لقد تزوّجت بامرأة! أي: ذات شرف عظيم، وقد علم أن هذا الاسم يقع على النساء.
وأقول: إذا قيل: زيد فتى الخيل، فالمراد: فتى فرسان الخيل، فليس في الكلام حذف غير المضاف وهو فرسان لدلالة على الحال عليه، وبما ذكره من إنها تطاعن، وهذا يفيد حذف المضاف. فلا فرق أن يقال في الإفادة: زيد فتى الفتيان، أو فتى الفرسان، وليس هذا كما مثّله في الشّعر: وقعن على لحم ولا بقوله في الحديث: لقد تزوّجت بامرأة لأن هذا الخبر لا يفيد كإفادة الاوّل، والتقدير: وقعن على لحم أيّ لحم، أي: عظيم جدا، ويراد به صاحبه. وكذلك قوله: بامرأة أي: بامرأة جدّ امرأة، أي: شريفة جدا، وعلى ذلك قوله: (البسيط)
أن امرءا غرّة منكنّ واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
أي: لمغرور جدّ مغرور، أو لمغرور جدا.
стр. 323
وقول الآخر: (الطويل)
لئن كان يهدى برد أنيابها العلا ... لأفقر مني أنّني لفقير
أي: لفقير جد فقير، أو: لفقير جدا.
وقال في قوله: (الطويل)
وكيف التذاذي بالأصائل والضّحى ... إذا لم تعد ذاك النّسيم الذي هبّا
يقال: أصيل وآصال. قال الهذليّ: (الطويل)
لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل
وأقول: ليس أصائل جمع أصيل، بل أصائل: جمع آصال، وآصال جمع أصل، واحدا فردا، كقولهم جمل وأجمال وجمائل. قال ذو الرّمّة: (الطويل)
وقرّبن بالزّرق الجمائل بعدما. . . . . . . . .
стр. 324
وقال في قوله: (الطويل)
ومن واهب جزلا ومن زاجر هلا ... ومن هاتك درعا ومن ناثر قصبا
هلا: من زجر الخيل، أن شئت نونّت وان شئت لم تنوّن، وقد أخرجوه من زجر الخيل فاستعملوه في الآدميين، قالت ليلى الاخيلية: (الطويل)
أعيّرتني داء بأمّك مثله ... وأيّ حصان لا يقال له: هلا
فيقال: ما أخرجوه من زجر الخيل وهي تقول:
. . . . . . . . . وأيّ حصان لا يقال له: هلا
وإنما ذكرته استعارة، وضربته مثلا للذّكران من الآدميين، وهو على أصله ولفظه في الخيل.
وقال في قوله: (البسيط)
ولا تصبك اللّيالي أن أيديها ... إذا ضربن كسرن النّبع بالغرب
стр. 325
النّبع: شجر يوصف بالصّلابة، من أشجار الجبال. والغرب: شجر ينبت على الأنهار، ليس له قوة. والعرب إذا وصفوا الحّيزين المقتتلين بالشّدة قالوا: النّبع بالنّبع يقرع، ولذلك قال زفر بن الحارث: (الطويل)
فلمّا قرعنا النّبع بالنّبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسّرا
ويروى: عيدانهم، ولم يكن ثم نبع يقرع بعضه ببعض، وإنما وصف الفريقين بالشّدة والصّلابة.
وأقول: إنما قال:
فلمّا قرعنا النّبع بالنّبع. . . . . . . . . . . . . . .
لأنّ زفر بن الحارث من كلاب، وكلاب من مضر بن معدّ، وتغلب من ربيعة بن معد، فالفريقان بعضهم من بعض لكونهم من ولد معد بن عدنان، وقوله فيما قبل يدلّ على ذلك وهو: (الطويل)
وكنا حسبنا كلّ بيضاء شحمة ... عشيّة لاقينا جذام وحميرا
أي: حسبنا تغلب ضعفاء كجذام وحمير، وهما من ولد يعرب بن قحطان، فأنّا لما
стр. 326
لقيناهما وجدناهما من الضّعف بمنزلة الشّحمة
وهذا المثل السائر: ما كلّ سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة فلمّا لقينا بني تغلب وجدناهم بضدّ ذلك من القوة والشّدة، ولم يكونوا كجذام وحمير شحمة، فقرع القنا (النّبع) بعضه ببعض كناية عن (قتال) القبليتين كلاب وتغلب، انهم بعض من بعض!
وقال في قوله: (البسيط)
تعثّرت به في الأفواه ألسنها ... والبرد في الطّرق والأقلام في الكتب
يريد أن هذا الخبر (نبا) عظيم، لا تجترئ الأفواه على النّطق به، فهذا قد يجوز أن يكون صحيحا، لأن الإنسان ربّما هاب الشيء لعظمه في نفسه. وكذلك الكاتب الذي يكتب بالخبر الشّنيع، ربّما تعثر قلمه فيه هيبة للأمر، وإنما التّعثر من الكاتب، وأمّا ادّعاؤه التّعثّر للبرد، فكذب لا محالة، لأن البريد لا يشعر بالخبر. وقد ذكر أبو الطّيب في مكان آخر، ما يدلّ على أن حامل الكتاب الذي لا يشعر ما فيه، غير شاق عليه حمله فكيف بالدابّة التي لا يحكم عليها بالعقل؟! فمن ذلك قوله لعضد الدولة: (السريع)
حاشاك أن تضعف عن حمل ما ... تحمّل السّائر في كتبه
стр. 327
فيقال له: ليس تعثّر البرد بحمل الخبر الذي هو نعيّ حقيقة، بل مجازا مبالغة وإغراقا. وهذا، في كلامهم أكثر من أن يحصى، فمن ذلك قول الشّماخ: (الطويل)
ابعد قتيل بالمدينة أظلمت ... له الأرض تهتزّ العضاه بأسؤق
وقول الآخر: (الطويل)
أيا شجر الخابور مالك مورقا؟ ... كأنّك لم تحزن على ابن طريف
وقول المتنبي: (الطويل)
إذا ظفرت منك العيون (بنظرة) ... أثاب بها معيي المطيّ ورازمه
على أن الشّيخ قد قال في تفسير قوله: (الكامل)
طربت مراكبنا فخلنا إنها ... لولا حياء عاقها رقصت بنا
والمراكب جمع مركب، وهو الذي يوضع على ظهر الدّابة، ويجوز أن تسمّى الدابة مركبا، وكون المركب في معنى السّرج أبلغ في هذا الموضع، لأنّ الدابة حيوان، فهي أقرب إلى الرقص من الذي يركب فيه.
فهو كما ترى قد جعل الجماد الذي هو خشب، يرقص لفرحه. فهلاّ أجاز في الحيوان، الذي هو بريد، أن يعثر لحزنه. وكلاهما استعارة ومجاز.
стр. 328
وقد قال: إنما التّعثّر في الأقلام من الكاتب، فلم لا جعل التعثّر في البريد من الرّاكب لكآبته وحزنه فهو لا يهتدي الطريق، فيسلك الحزن، والوعر ضلالا، فيتعثّر فرسه فكأنّه هو المتعثّر؟
وقوله: أن حامل الكتاب الذي لا يشعر ما فيه، غير شاقّ عليه خطأ، لأن مثل هذا الرّزء العظيم بهذه المرأة العظيمة، التي هي أخت سيف الدولة، لا يقال: إنه لا يشتهر موتها، فيحمل البريد بذلك كتابا لا يعلم ما فيه، فلا يشقّ عليه!
وقال في قوله: (البسيط)
حللتم من ملوك الناس كلّهم ... محلّ سمر القنا من سائر القصب
سائر، عند البصريين، مأخوذ من سؤر الشيء (وهو بقيّته، يرون إنه يجب أن يقدّم قبل هذه الكلمة بعض الشيء) الذي هي مضافة إليه فيقال: لقيت الرّجل دون سائر بني أبيه، لأنّ الرّجل بعضهم، وكذلك قول الشّاعر: (الطويل)
وما حسن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر عاذر
لا يحسن أن يقال: لقيت اليوم سائر الناس، لأنه لم يتقدّم شيء تجعل سائر بقيّة له. وعلى هذا النّهج أكثر كلام العرب، ومنه قول الهذلي: (الطويل)
стр. 329
وغيّر ماء المرد فاها فلونه ... كلون النّؤور وهي إدماء سارها
أي: سائرها، وحسن ذلك لأنه قال:
وغيّر ماء المرد فاها. . . . . . . . . . . .
ففوها: شيء قد تقدّم بكون ما بعده سؤرا له.
وقال قوم: سائر مأخوذ من سار يسير، وقولهم: لقيت سائر القوم، أي: الجماعة التي يسير فيها هذا الاسم وينتشر، وممّا جاء على هذا الوجه قول الرّاجز: (الرجز)
لو أن من يؤجر بالجمام ... يقوم يوم وردها مقامي
إذا أضلّ سائر الأحلام
أي: كلّها.
وبيت أبي الطيب، على مذهب البصريين، يضعف، لأن القنا، ليس من القصب في الحقيقة. فكأنه قال: لقيت عنترة العبسيّ، دون سائر بني كلاب. وعنترة ليس منهم، والبيت على الوجه الآخر، لا كلام فيه.
فيقال له: بل القنا من القصب على الحقيقة، وهو نوع منه صلب اصلب من غيره، وهو من القصب في النّبات بمنزلة البخت من الإبل، والجواميس من البقر، في الحيوان، وإذا كان كذلك فبيت أبي الطّيب يصحّ على مذهب من جعل سائر من سار يسير وتنزل منزلة قول القائل: لقيت مسلمة المرواني دون سائر بني أمية.
стр. 330
وقال في قوله: (البسيط)
تخالف النّاس حتّى لا اتفاق لهم ... إلاّ على شجب والخلف في الشّجب
فقيل تخلص نفس المرء سالمة ... وقيل: تشرك جسم المرء في العطب
الملحدون يزعمون أن النفس تهلك كما يهلك الجسم. وقد روي عن أفلاطون
وارسطاطاليس في ذلك أقوال، فيذكرون أن أحدهما كما يقول ببقاء النّفس الخيّرة بعد خروجها من الجسد. وأمّا الآخر فكان يقول ببقاء النفس المحمودة والمذمومة. ومن يذهب إلى هذا الوجه، يزعم إنها تكون ملتذّة بما فعلته من الخير في الدنّيا الفانية.
وأقول: ليس الملحدون مختصّين بالقول بهلاك النّفس بهلاك الجسم بل من المسلمين الموحّدين المعتقدين للبعث والنشور من يقول بذلك. وهو كلّ من يرى أن الرّوح عرض، يفتقر إلى ضرب من البنية مخصوص، وذلك أن العرض لا يقوم بنفسه، فإذا فني ما يقوم به، فني بفنائه.
وقال في قوله: (المتقارب)
أتاهم بأوسع من أرضهم ... طوال السّبيب قصار العسب
وحّد السّبيب هاهنا ضرورة، لأنه كان ينبغي أن يقول: طوال السّبائب.
стр. 331
فيقال: ليس إقامة الواحد مقام الجمع ضرورة، ولكن توسّعا، وقد جاء ذلك كثيرا على غير وجه الضرورة، كقوله: (الوافر)
كلوا في بعض بطنكم تعفّوا ... فأنّ رمانكم زمن خميص
وقول الآخر: (الطويل)
بها جيف الحسرى فأمّا عظامها ... فبيض وأمّا جلدها فصليب
وكذلك يقال في إقامة الجمع مقام الواحد في قوله: (الطويل)
فشيّب أيام الفراق مفارقي ... وأنشزن نفسي فوق حيث تكون
وقولهم: بعير ذو عثانين.
وأشباه ذلك.
وقال في قوله: (الوافر)
وقد لبست دماؤهم عليهم ... حدادا لم تشقّ لها جيوبا
стр. 332
الحداد: الثوب الذي يلبسه الحزين، وجعل الطّير لوقوعها على هؤلاء القتلى، وأكلها لحومهم، قد اختضبت بدمائهم، فكأنّها لابسة حدادا لم تشقّ جيوبه، لأن الدّم قد عمّ جميع شخوصها، فليس منها شيء بالظاهر، وذلك ضدّ ما يجب إذ كانت مسرورة بقتلهم، والحداد إنما يلبسه الحزين.
وأقول: أن أبا الطّيب اغرب في هذه الاستعارة إغراب حذاقة في صناعة، وذلك إنه لمّا قال: (الوافر)
وما سكني سوى قتل الأعادي ... فهل من زوة تشفي الكروبا
قال: (الوافر)
تظلّ الطير منها في حديث ... تردّ به الصّراصر والنّعيبا
فاستعار للطّير حديثا، للمناسبة التي بينه وبين الزيارة. ثم قال: تردّ به أي: بالحديث، الصّراصر، وهي أصوات الجوارح، والنعيب، وهو صوت الغربان، وأصواتها مستعملة في النّوح وذلك كثير. وجعل تلك الزيارة ليست كغيرها من زيارات الفرح والسّرور. ولمّا وصف الطّير بالنّوح، وهو من علامة الحزين، أردفه بما يجانسه من لبسها ثياب الحداد، وهو أيضاً من شعار الحزن في قوله:
وقد لبست دماؤهم عليهم ... حدادا. . . . . .
ثم نبّه على أن ذلك الشّعار والزّيّ ليس بحزن، على الحقيقة، بقوله:
стр. 333
. . . . . . لم تشقّ لها جيوبا
كعادة الحزين، لأن من شأنه أن يشقّ جيبه على من يفقده من أحبابه، والمفقود هاهنا ليس من أحباب الطّير بل من أعدائها، لأن الطّير من أصحاب الممدوح، واتباعه، وعياله. فكأنها مبدية، بالنّوح ولبس الحداد، الحزن في الظاهر، وإن كانت مسرورة في الباطن.
وقال في قوله: (الوافر)
كأنّ نجومه حلي عليه ... وقد حذيت قوائمه الجبوبا
الجبوب: الأرض.
والمعنى أن الليل قد عمّ الأرض فكأنّها حذاء لقوائمه.
وأقول: إنما قال:
وقد حذيت قوائمه الجبوبا
إشارة إلى طول اللّيل بتثّبته، وتثّبطه عن الزّوال والانقضاء، لا لأنه عمّ الأرض ولكنّه جعل الأرض حذاء للّيل، وهو حذاء ثقيل لا تكاد تنقله رجله، فكأنه أمسكها عن السير والانتقال. ولهذا قال فيما قبل: (الوافر)
أعزمي طال هذا اللّيل. . . . . . . . . . . .
стр. 334
وقال في قوله: (الوافر)
فشم في القبّة الملك المرجّى ... فأمسك بعد ما عزم انسكابا
أكثر ما يستعمل عزمت وعزم مع حرف الخفض، أو مع أن والفعل، فيقولون: عزمت على الارتحال، وإن ارتحل. إلاّ أن ذلك جائز، لأن العزم القطع والإمضاء.
وأقول: إنه ظنّ أن قوله انسكابا من قوله: عزم انسكابا: مفعول به، فتأوّل عزم بمعنى قطع ليعديّه، وليس كذلك،. وإنما هو مفعول له، أو مصدر في معنى الحال، لأنّ عزم غير متعدّ، لقول الله تعالى: (فإذا عزمت فتوكّل على الله) وقول الشّاعر: (الوافر)
عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسوّد من يسود
وورد البيت شاهدا في اغلب كتب النحو دون عزو.
стр. 335
وقال في قوله: (البسيط)
وكلّما لقي الدينار صاحبه ... في ملكه افترقا من قبل يصطحبا
جمع بين ضرورتين في قوله: يصطحبا: حذف أن وأعمالها، وذلك مفقود في الشّعر الفصيح.
فيقال له: ليس في هذا، إلا ضرورة واحدة، وهو إنه أعطى المحذوف المقدّر حكم الثابت فنصب بأن محذوفة مقدّرة، كما ينصب بها ثابتة، وذلك كأعمال حرف الجر محذوفا مقدّرا في القسم، وبعد حرف العطف.
وقوله: وذلك مفقود في الشّعر الفصيح.
فيقال له: قد جاء ذلك (في) قول طرفة:
ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى. . . . . . . . .
فيمن رواه بنصب أحضر، فهل عندك ذلك من الشّعر الفصيح؟
وقال في قوله: (الطويل)
أغالب فيك الشّوق والشّوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
стр. 336
يريد: والشّوق أغلب منّي، أي: أني لا أطيقه. وذهب أبو الفتح ابن جنّي، إلى أن أغلب هاهنا من قولهم: أسد أغلب، أي غليظ العنق، يصف الشّوق بالشّدّة، ويزعم إنه يغالبه، وهو كاللّيث الأغلب. وهذا المعنى، قريب من الأول، إلا أن الذي ذهب إليه أبو الفتح لا يكون إقرارا من أبي الطّيب بأنه مغلوب، وهذا أشبه بمذهبه. والوجه الأول فيه إقرار للشّوق بالغلبة. وقد أنكر بعض الناس قول أبي الفتح، وليس بمنكر.
فيقال للشّيخ: إذا تأملت تركيب البيت في صدره وعجزه، تحقّقت أن قول ابن جنّي في أن أغلب بمعنى أسد أغلب، ضيف جدا، وإن الجيّد القول الأول، أي أغلب مني، كما أن أعجب أراد به من الوصل، فكلا أفعل في الصّدر العجز للتّفضيل. وهذا الذي توجبه الصّناعة، ويقتضيه التركيب.
وقوله: إلا أن الذي ذهب إليه أبو الفتح لا يكون إقرارا من أبي الطّيب إنه مغلوب،
وهذا أشبه بمذهبه ليس بشيء! لأن هذا غزل، وهذا متغزّل، وليس بحماسة. والأشبه بمذهبه المبالغة في شعره، والمبالغة في التّفسير الأول، وهو أن الشّوق أغلب مني، والوصل أعجب من الهجر، أي: لا يتّعجب من الهجر أن وقع لكثرته (ولطوله) بل يتّعجب من الوصل أن وقع لقلّته.
стр. 337
وقال في قوله: (الطويل)
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب
إذا لم تنط بي ضيعة تقطعني إياها، فجودك يكسوني، وشغلك عنّي يسلبني.
وأقول: الأجود أن لا يكون المصدر معدى بعن، ولكن معدى باللاّم، أي: وشغلك لي يحسبني ويمنعني من التّصرف بنفسي، فأنفق ما تعطيني إياه وذلك يسلبني. ويدل على ذلك الرواية بفتح الشّين: وشغلك.
وقال في قوله: (الطويل)
وعن ذملان العيس أن سامحت به ... وإلاّ ففي أكوارهنّ عقاب
الكلام يستغني عن قوله:
стр. 338
وعن ذملان العيس. . . . . . . . . . . .
ثم ابتدأ كلاما فقال: أن سامحت العيس بذملانها ركبتها، وإلا تسامح، ففي أكوارهنّ عقاب، أي: أنا اقدر، من السيّر والتّصرف في الأسفار، على ما لا تقدر عليه العقبان.
وأقول: الكلام لا يستغني عن قوله:
وعن ذملان العيس. . . . . . . . . . . .
ولا يتمّ إلا به، وهو معطوف على البيت الذي قبله، متعلّق به، وهو قوله: (الطويل)
غنيّ عن الأوطان لا يستفزّني ... إلى بلد سافرت عنه إياب
وهذا (الذي) ذكر الشّيخ ليس بشيء! ولا الذي (ذكره) غيره في هذا البيت من شرّاح الديوان!
وأقول: أن قوله: وإلاّ شرط لقوله:
غنيّ عن الأوطان. . . . . . . . . . . .
وعن مسامحة العيس بالذّملان. (والتقدير:) وإلاّ اغن عنها، لما يعرض لي من سوء المقام، عند من أنا مقيم عنده، واحتجت إليهما، فأني صبور على سير الابل، تشيط، خفيف، كأنّي في أكوارها عقاب.
стр. 339
وقال في قوله: (الطويل)
فديناك أهدى النّاس سهما إلى قلب ... . . . . . . . . .
ومن خلقت عيناك بين جفونه ... أصاب الحدور السّهل في المرتقى الصّعب
الحدور: كلّ مكان ينحدر فيه، وهو اسهل عندهم من الصّعود، لأن الصّعود شاقّة، قال الهذليّ: (الوافر)
وأنّ سيادة الأقوام فأعلم ... لها صعداء مطلبها طويل
وكلام أبي الطّيب مؤدّ هذا المعنى، كأنه قال: أصاب الحدور السّهل في الصّعود.
وأقول: انظر إلى هذا التّفسير وقوله المعنى: أي: أصاب الحدور السّهل في الصّعود!
وهكذا قال أبو الطّيب، إلا إنه وضع موضع المرتقى الصّعب الصّعود، فغيّر العبارة ونقصها، ولم يذكر المعنى الذي أراده الشّاعر. والمعنى: إنه لمّا وصف، أولا، هذا المتغزّل به بقوله:
فديناك أهدى النّاس سهما إلى قلب ... . . . . . . . . .
стр. 340
وعنى بذلك طرفه، أراد المبالغة بقوله:
ومن خلقت عيناك بين جفونه. . . . . . . . .
فأن الأشياء الصّعبة سهلة عليه، وتطيعه وتنقاد اليه، لما هو عليه من الحسن، بهذه الصّفات المذكورة التي تفرّد بها، وملك القلوب بها، ويعني بذلك المخاطب.
وقال في قوله: (الطويل)
فأضحت كأنّ السّور من فوق بدؤه ... إلى الأرض قد شقّ الكواكب والتّربا
المعنى إنه وصف بناء هذا الموضع بالعلوّ وإنه قد تناهى بانيه فكأنّ أعلاه في السّماء وأسفله قد شقّ الأرض.
وأقول: كأنّه لم سيفهم المعنى، وهو إنه قد تناهى في وصفه، فجعل البناء الذي من شانه أن يبني من اسفل إلى فوق بالعكس، فجعله، لعلوّه، كأن بدأه من فوق إلى أسفل، قد شقّ الكواكب أولا، فهي له كالأساس، ووصل إلى التّرب فشقّه، فكأنّ أبا الطّيب عكس قول السّموأل: (الطويل)
رسا أصله تحت الثّرى، وسماؤه ... إلى النّجم فرع لا يرام طويل
стр. 341
وقال في قوله: (الطويل)
أهذا جزاء الصّدق إن كنت صادقا ... وهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا
هذا بيت فيه عتب شديد على سيف الدولة. يقول: أهذا الفعل الذي فعلت بي، من الإبعاد والإخافة، جزاء مدحي؟ فإن كنت صادقا، فما يجب أن تجازيني بقبيح، وإن (كنت) كاذبا، فإكرامي يجب أكثر مما يجب على الصّدق، لأني تقولّت لك من المكارم ما ليس فيك!
فيقال: هذا الذي ذكره في تفسير كاذبا لا يسوغ أن يقابل به بعض العوامّ، فكيف بعض الملوك، لما فيه من قبح الخطاب، وسوء الأدب!! وقد ذكرت ما فيه في شرح ابن جنّي.
وقال في قوله: (الوافر)
وما بك غير حبّك أن تراها ... وعثيرها لأرجلها جنيب
стр. 342
(مجلّحة) لها أرض الأعادي ... وللسّمر المناخر والجنوب
يقول: ما بك داء، إلا أن ترى الخيل، والغبار طائر من تحت أرجلها، وهو يتبعها، كأنه جنيب لها.
وأقول: هذا التّفسير ظاهر، كما ذكره الشّاعر. والمعنى معه غير سائر ولأن مرض المحبّ إنما يكون من تمنّع حبوبه بهجره، وبعده وعدم وصاله. وسيف الدولة داؤه، كما ذكر أبو الطّيب، رؤية الخيل مثيرة للغبار، كريهة الوجوه، لها أرض الأعادي، وللسّمر مناخرها وجنوبها. وعلى هذا لا يخلو سيف الدولة من أن يكون قادرا عليه، أو عاجز عنه، فإن كان الأول، فالوصل حاصل، فما وجه المرض؟ وإن كان الثاني فهو هجو لسيف الدولة، بكونه لا يقدر عليه. إلا أن يكون ذلك وقت مهادنة، فبذلك يصحّ المعنى، وإلا فلا وجه لصحّته، لكنّ قول أبي الطّيب: (الوافر)
فقرّطها الأعّنة راجعات ... فأنّ بعيد ما طلبت قريب
يدلّ على أن ليس ثمّ مهادنة ومعاهدة، وقد يكون مرض العشق مع الوصال، خوفا من الانفصال.
стр. 343
وقال في قوله: (الوافر)
إذا داء هفا بقراط عنه ... فلم يوجد لصاحبه ضريب؟
الناس يختلفون في إنشاد هذا البيت، واصحّ ما يقال:
إذا داء. . . . . . . . . . . . . . .؟
أي: أهذا داء؟ وتكون الألف للتقرير، والاستفهام الخالص، كأنه لمّا ذكر داء سيف الدولة، وإنه حبّ الحرب، وشوقه إليها، قال: أهذا الدّاء داء، لم يعرفه بقراط.
فأمّا من روى:
إذا داء. . . . . . . . . . . . . . .
فلا وجه لروايته، على إنه يؤدي معنى انفراد سيف الدولة بهذا الدّاء، إذا جعلت الفاء جوابا لاذا.
وأقول: قد ذكر في ذلك ثلاثة اوجه:
إذا داء. . . . . . . . . . . . . . .؟
بفتح الهمزة على الاستفهام.
وبفتحها أيضاً على النّداء، وذا بمعنى صاحب.
وبكسرها، وإذا ظرف.
وكلّ يؤدي معنى انفراد سيف الدولة بهذا الدّاء الذي هو نفسه الصّحة وعي الفضيلة.
стр. 344
وقال في قوله: (الوافر)
بغيرك راعيا عبث الذّئاب ... وغيرك صارما ثلم الضّراب
يجوز أن يكون نصب راعيا وصارما على التمييز وعلى الحال.
وأقول: الجيّد أن يكون راعيا وصارما نصبا على الحال، لا على التّمييز، لتقدّمهما على العامل فيهما. وأجاز ذينك المازنيّ والمبرّد، ولم يجز سيبويه، والخليل على ذلك، إلا في الحال وأنشد على صحة ذلك: (الطويل)
أتهجر سلمى للفراق حبيبها ... وما كان نفسا بالفراق تطيب
ودفعت رواية نفسا، وقيل إنما هي نفسي. ولو صحّت رواية نفسا في البيت لم يكن حجّة في الكلام، لأن الشّعر ضرورة لإقامة الوزن، وليس كذلك في النثر.
وقال في قوله: (الوافر)
وتملك أنفس الثّقلين طرّا ... فكيف تحوز أنفسها كلاب
стр. 345
الثّقلان: يراد بهما الإنس والجنّ، ولو تؤول انهما العرب والعجم، لكان ذلك وجها، لأن الجنّ لا يظهرون للأنس. وأمّا الثّقلان اللذان في الحديث، فتفسيرهما معهما،
وهو قوله ﷺ : تركت فيكم الثّقلين، كتاب الله، وعترتي، أهل بيتي وإنما ذلك مأخوذ من ثقل الرّجل الذي يحتاج إلى حمله ومراعاته فكأنّ كتاب الله وعترته ثقلا النّبي ﷺ اللذان يجريان مجرى متاعه.
فيقال له: قول أبي الطّيب
وتملك انفس الثّقلين. . . . . . . . . . . .
ليس المراد بهما إلا الإنس والجنّ، وإن كانت الجنّ لا تظهر كما ذكر. وأراد بذلك المبالغة والاغراق، وهو مستعمل، كثير في المنظوم والمنثور من الكلام، فلا وجه للعدول عنه إلى غيره. وتفسير الثّقلين بالعرب والعجم، لا يجوز، لأن ذلك لم يستعمل، ولم ينقل عنهم، ولم يسمع منهم. ولا يجوز أن يقاس على قول النبي ﷺ خلّقت فيكم الثّقلين، كتاب الله وعترتي، أهل بيتي لأن ذلك نقل عنه ﷺ وهو سيد العرب، وافصح الفصحاء، وصاحب الشّريعة.
وقال في قوله: (المتقارب)
وما قلت للبدر أنت اللّجين ... ولا قلت للشمس أنت الذّهب
стр. 346
يقول: أنى تناهيت في مديحك، فلم أجعلك، وأنت بدر فضّة، ولم أقل لك، وأنت شمس، إنك ذهب، لأن الذّهب والفضّة يستهلكان، والشّمس والقمر ليسا كذلك.
وأقول: تعليله بقوله: لأن الذّهب والفضّة يستلكان، والشمس والقمر ليسا كذلك ليس بشيء! ولو قال: لأن الذّهب والفضّة ليسا في القدر والشّرف، بمنزله الشّمس والقمر لكان صوابا. ولو قال: لم أنقصك من المدح، فأعطيك دون ما تستحق، لكان أولى.
وقال في قوله: (المتقارب)
ومن ركب الثّور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه والغبب
يقال: غبب الثور وغبغبه.
والأظلاف تستعمل للبقر والغنم، وقد جاءت مستعملة للنّاس، قال الشّاعر: (الطويل)
سأمنعها وسوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقّق
стр. 347
وأقول: لم يذكر الشّيخ معنى هذا البيت، (ولعله) استرذله، وذلك كأنه يشير بالثّور، إلى كافور، وبالجواد إلى سيف الدولة. فلفظه ركب معهما غير سائغة. وإن كنى بذلك عن حاله معهما في الضّعة بعد الشّرف، فذلك سائغ حسن.
وقال في قوله: (المتقارب)
مبارك الاسم أغرّ اللّقب ... كريم الجرشي شريف النّسب
يعنى بالجرشي النّفس، قال الأسديّ: (الطويل)
بكى جزعا من أن يموت وأجهشت ... إليه الجرشّي وارمعلّ خنينها
الخنين هاهنا الانف، وجعله أغرّ اللقب، لأن لقبه سيف الدولة، والسّيف يوصف بالبياض.
وأقول: أن الشّيخ ذكر معنى قوله: أغرّ اللقب، ولم يذكر معنى مبارك الاسم. وكان الأولى أن يذكره، ويبدأ به، وهو عليّ مشتقّ من العلّو، والعلو مبارك، لاسيّما وهو اسم علي بن أبي طالب ﵇ واسمه مشتقّ من اسم الباري ﵎ للحديث: أنّي خلقته، وشققت له اسما من اسمي، فأنا العليّ الأعلى، وهو عليّ.
стр. 348
وقوله: الخنين هاهنا الأنف، غير صحيح، بل الخنين: مصدر خنّ يخنّ خنينا، وهو صوت يخرج من الأنف عند البكاء، قال الشّاعر: (الطويل)
وقلت لعبد الله إذ خنّ باكيا ... تعزّ وماء العين منهمر يجري
قال ابن دريد: والخّنّة أشدّ من الغنّة.
وارمعلّ خنينها: ارتفع بكاؤها.
وقال في قوله: (الكامل)
يا حبّذا المتحمّلون وحبّذا ... وادلثمت به الغزالة كاعبا
وقد سميّت الشمس الغزالة، وهي في هذا البيت الشمس بعينها، وانشد قول ذي الرمة: (الوافر)
стр. 349
وأشرقت الغزالة رأس حوضي ... أراقبهم فما أغني قبالا
وأقول: لا خلاف، أن الغزالة من أسماء الشّمس. وبيت ذي الرّمّة، يقضي بقوله: أشرقت على ذلك، لأن الإشراق من صفاتها المختصّة بها، ولكن الأحسن، أن تكون الغزالة في بيت أبي الطّيب الظّبية لذكر الوادي، وحسن الاستعارة بذكر المناسبة والمصاحبة التي بينهما، ولأنه أقرب وأشبه بذكر اللّثم، ووصفها بالكاعب.
وقال في قوله: (الكامل)
وحبيت من خوص الرّكاب بأسود ... من دارش فغدوت امشي راكبا
جعل حظيّ من خوص الركاب، هذا الحذاء الذي أمشي به. وقد كرّر هذا المعنى في قوله: (المنسرح)
لا ناقتي تقبل الرّديف ولا ... بالسّوط يوم الرّهان اجهدها
وقد سبق الناس إلى هذا المعنى، ومنه قول القائل: (الطويل)
. . . . . . . . . إليك امتطينا الحضرميّ الملسّنا
فيقال: بل السّابق إلى هذا المعنى، أبو نواس في قوله: (الطويل)
إليك أبا العبّاس من بين من مشى ... عليها امتطينا الحضرميّ الملسّنا
стр. 350
وقد جاء هذا، لبعض شعراء العصر، في أبيات منها قوله: (الكامل)
والدهر من أفعاه لم ... يسلم سلامة فائش
نهشته نهش الحارث ال ... ملك الهمام الرائش
وجذيمة الوضّاح أر ... دته بجذم الرّاهش
وثوى النّجاشيّ الملي ... ك البرّ بين أحابش
فأقنع من الدّهم الجيا ... د بأدهم من دارش
وقال في قوله: (الكامل)
خذ من ثناي عليك ما اسطيعه ... لا تلزمنيّ في الثّناء الواجبا
كان ابن سعد، راوية أبي الطّيب، يحكي عه حكاية، معناها إنه قال: ليس في شعري قصر ممدود، إلا في هذا الموضع - يعني قوله:
خذ من ثناي. . . . . . . . . . . . . . .
وإنما كان يذكر ذلك لأنه كان يحكى، إنه رأى القصيدة الكافيّة التي في عضد الدولة بخطّ أبي الفتح ابن جني وقد ضبط قوله: (الوافر)
. . . . . . . . . وقد فارقت دارك واصطفاكا
وقد كسر الطاء كأنه أراد: واصطفاءك. وليس هذا بحجّة على ابن جني، لأن أبا الطّيب
стр. 351
يجوز أن يكون قصر الممدود، بعد أن قال ذلك القول.
والثناء أكثر ما يستعمل في الخير، وحكى ابن الأعرابي إنه يستعمل في الشرّ وأنشد: (الكامل)
أثني عليّ بما علمت فأنّني ... أثني عليك بمثل ريح الجورب
فيقال: لا شكّ في قصر ثناي عليك، لأن الوزن يشهد به، ولا مصرف له إلى سواه. وأمّا قصر اصطفاكا فقد روي بفتح الطاء فعلا ماضيا، (فلا ضرورة. ومحتمل أن يكون ابن جني اخطأ بكسر الطاء، وذلك من بعض تغييراته في القصائد التي نظمها في ابن العميد، وعضد الدولة، لأنه لم وكن في صحبته. وقتل
أبو الطّيب، ولم يجتمع به بعد ذلك، فيقرأها عليه. أو يكون أبو الطّيب، اخبر بذلك قبل هذه القصيدة الكافيّة، وهي آخر ما نظم وما سمع منه.
وأما قوله: إن الثّناء أكثر ما يستعمل في الخير، وقد يستعمل في الشرّ، ورواية ذلك عن ابن الأعرابي، واستشهاده بالبيت الذي عجزه:
. . . . . . . . . أثني عليك بمثل ريح الجورب
فلا حجّة فيه، لأنه هزء بها وسخريّ منها، والصّحيح: أن الثّاء لا يستعمل إلا في القول الجميل، والخير دون الشرّ.
وقال في قوله: (البسيط)
وتغبط الأرض منها حيث حلّ به ... وتحسد الخيل منها أيها ركبا
стр. 352
غبطت الرّجل: إذا أردت أن يكون لك مثل ماله، ولا يكون غرضك في زوال نعمته.
وحسدته: إذا أردت أن تنال مثل نعمته، وان يزيلها الله عنه.
وفي بعض الحديث: إنه قيل له: هل يضرّ الغبط؟ فقال: كما يضرّ العضاه الخبط أي: أن العضاه لا تحسّ بخبط الورق، كأنه سهّل أمره.
وأقول: قوله: سهّل أمر الغبط لأن العضاه لا تحسّ بالخبط ليس بشيء! لأن غير العضاه من الشّجر مثلها في إنها لا تحسّ. وإنما يريد أن العضاه شجر يأكل المال ورقه، فالضرر له خبطه ونثر ورقه، ويقال له: الخبط. فهذا يدلّ على (أنّ) الغبط ضرب من الحسد، أو يستعمل في موضع الحسد توسّعا.
وأقول: لم يذكر الشّيخ لم خصّ الأرض بالغبط، والخيل بالحسد، وذلك أن التّنافر والتّزاحم والتّقاتل يقع بين الحيوان في كثير من الأشياء التي يقع الاشتراك فيها، فيوجب التحاسد، وهو أن أحدها أخذه والاستيلاء عليه دون الآخر، وليس كذلك الجماد، كالأرض، فخصّها بالغبط دون الحسد، وخصّ الخيل التي هي من الحيوان
بالحسد.
стр. 353
وقول أبي الطّيب من قول أبي نواس: (الكامل)
تتحاسد الامصار وجهك بينها ... فكأنّهنّ بحيث كنت ضرائر
إلا إنه قصّر عن المثل الذي ضربه أبو نواس، بذكر الضّرائر اللواتي يقع بينهنّ الحسد.
وقال في قوله: (البسيط)
بحر عجائبه لم تبق في سمر ... ولا عجائب بحر بعدها عجبا
السّمر: ظلّ القمر.
ومن كلامهم: لا أكلّمك السّمر والقمر! أي: طول الدّهر.
وقيل للقوم يتحدّثون في ظلّ القمر: سمّار، وقد سمروا يسمرون. ثم كثر ذلك حتى سمّي الحديث باللّيل سمرا، وان لم يكن في القمر.
ويقولون: كنّا في السّامر، أي في الرّهط الذين يتحدّثون في ذلك الوقت، وجعل ابن أحمر السّمر وقتا فقال: (الكامل)
من دونهم أن جئتهم سمرا ... عزف القيان ومجلس غمر
وأقول: كأنّ الشّيخ جعل جلّ مقصوده في هذا الدّيوان شرح كلمة حوشيّة، أو
стр. 354
نادرة غريبة، فقلّما يتعرّض فيه لذكر معنى مشكل، أو ينبّه فيه على صناعة بديعة!
ومعنى هذا البيت، إنه جعل الممدوح بحرا يفضل كلّ بحر، بعجائب ما يأتي منه وما يسمع عنه من أحاديث المكارم، وصفات الجود، وإنما قال: عجائب بحر لأن البحر عجائبه كثيرة غريبة، وكقولهم: كالبحر: حدّث عنه بلا حرج! وكذلك السّمر، لأنه يقع فيه بين القوم، يتحدثون أحاديث عجيبة، وروايات غريبة، فكأن هذا الممدوح لم يترك، بما يسمع عنه، ولما اشتهر به، ومن عجيبة تسمع عن بحر
أو تذكر في سمر.
وقوله: وجعل ابن أحمر السّمر وقتا في قوله: أن جئتهم سمرا، فأنه محتمل أن يكون سمرا مفعولا له، أو مصدرا على تقدير قوله: اسمر سمرا، أو مصدر في موضع الحال، أي: سامرا.
وقال في قوله: (البسيط)
مبرقعي خيلهم بالبيض متّخذي ... هام الكماة على أرماحهم عذبا
يريد انهم يمدّون أيديهم بالسيوف للضّرب، فتصير أمام وجوه (الخيل)، فكأنّها لها براقع.
ويمكن أن يريد، انهم يضربون أعداءهم بالسّيوف فيمنعونهم من النّظر إلى وجوه خيلهم.
стр. 355
وأقول: هذه عبارة واهية! لا سيّما قوله: يمنعونهم من النظر إلى وجوه خيلهم، وليست براقع الخيل لتمنع من النّظر إلى وجوهها، وإنما جعلت من الحديد لتمنع وجوه الخيل، وتقيها من السّلاح، لا لتمنع من النظر إليها كبراقع النّساء من الثياب، وإنما أراد بقوله:
مبرقعي خيلهم بالبيض. . . . . . . . . . . .
أي: بضرب البيض (يمنع من الوصول إليها)، كقوله في مكان آخر: (الوافر)
لقوه حاسرا في درع ضرب. . . . . . . . .
فجعل الضّرب تارة برقعا، وتارة درعا، تدقيقا في الصّناعة واستعارة ومجازا.
وقال في قوله: (المتقارب)
تغيب الشّواهق في جيشه ... وتبدو صغارا إذا لم تغب
следующие страницы →