Полный текст (1 138 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
يجوز أن يكون قصر الممدود، بعد أن قال ذلك القول.
والثناء أكثر ما يستعمل في الخير، وحكى ابن الأعرابي إنه يستعمل في الشرّ وأنشد: (الكامل)
أثني عليّ بما علمت فأنّني ... أثني عليك بمثل ريح الجورب
فيقال: لا شكّ في قصر ثناي عليك، لأن الوزن يشهد به، ولا مصرف له إلى سواه. وأمّا قصر اصطفاكا فقد روي بفتح الطاء فعلا ماضيا، (فلا ضرورة. ومحتمل أن يكون ابن جني اخطأ بكسر الطاء، وذلك من بعض تغييراته في القصائد التي نظمها في ابن العميد، وعضد الدولة، لأنه لم وكن في صحبته. وقتل
أبو الطّيب، ولم يجتمع به بعد ذلك، فيقرأها عليه. أو يكون أبو الطّيب، اخبر بذلك قبل هذه القصيدة الكافيّة، وهي آخر ما نظم وما سمع منه.
وأما قوله: إن الثّناء أكثر ما يستعمل في الخير، وقد يستعمل في الشرّ، ورواية ذلك عن ابن الأعرابي، واستشهاده بالبيت الذي عجزه:
. . . . . . . . . أثني عليك بمثل ريح الجورب
فلا حجّة فيه، لأنه هزء بها وسخريّ منها، والصّحيح: أن الثّاء لا يستعمل إلا في القول الجميل، والخير دون الشرّ.
وقال في قوله: (البسيط)
وتغبط الأرض منها حيث حلّ به ... وتحسد الخيل منها أيها ركبا
стр. 352
غبطت الرّجل: إذا أردت أن يكون لك مثل ماله، ولا يكون غرضك في زوال نعمته.
وحسدته: إذا أردت أن تنال مثل نعمته، وان يزيلها الله عنه.
وفي بعض الحديث: إنه قيل له: هل يضرّ الغبط؟ فقال: كما يضرّ العضاه الخبط أي: أن العضاه لا تحسّ بخبط الورق، كأنه سهّل أمره.
وأقول: قوله: سهّل أمر الغبط لأن العضاه لا تحسّ بالخبط ليس بشيء! لأن غير العضاه من الشّجر مثلها في إنها لا تحسّ. وإنما يريد أن العضاه شجر يأكل المال ورقه، فالضرر له خبطه ونثر ورقه، ويقال له: الخبط. فهذا يدلّ على (أنّ) الغبط ضرب من الحسد، أو يستعمل في موضع الحسد توسّعا.
وأقول: لم يذكر الشّيخ لم خصّ الأرض بالغبط، والخيل بالحسد، وذلك أن التّنافر والتّزاحم والتّقاتل يقع بين الحيوان في كثير من الأشياء التي يقع الاشتراك فيها، فيوجب التحاسد، وهو أن أحدها أخذه والاستيلاء عليه دون الآخر، وليس كذلك الجماد، كالأرض، فخصّها بالغبط دون الحسد، وخصّ الخيل التي هي من الحيوان
بالحسد.
стр. 353
وقول أبي الطّيب من قول أبي نواس: (الكامل)
تتحاسد الامصار وجهك بينها ... فكأنّهنّ بحيث كنت ضرائر
إلا إنه قصّر عن المثل الذي ضربه أبو نواس، بذكر الضّرائر اللواتي يقع بينهنّ الحسد.
وقال في قوله: (البسيط)
بحر عجائبه لم تبق في سمر ... ولا عجائب بحر بعدها عجبا
السّمر: ظلّ القمر.
ومن كلامهم: لا أكلّمك السّمر والقمر! أي: طول الدّهر.
وقيل للقوم يتحدّثون في ظلّ القمر: سمّار، وقد سمروا يسمرون. ثم كثر ذلك حتى سمّي الحديث باللّيل سمرا، وان لم يكن في القمر.
ويقولون: كنّا في السّامر، أي في الرّهط الذين يتحدّثون في ذلك الوقت، وجعل ابن أحمر السّمر وقتا فقال: (الكامل)
من دونهم أن جئتهم سمرا ... عزف القيان ومجلس غمر
وأقول: كأنّ الشّيخ جعل جلّ مقصوده في هذا الدّيوان شرح كلمة حوشيّة، أو
стр. 354
نادرة غريبة، فقلّما يتعرّض فيه لذكر معنى مشكل، أو ينبّه فيه على صناعة بديعة!
ومعنى هذا البيت، إنه جعل الممدوح بحرا يفضل كلّ بحر، بعجائب ما يأتي منه وما يسمع عنه من أحاديث المكارم، وصفات الجود، وإنما قال: عجائب بحر لأن البحر عجائبه كثيرة غريبة، وكقولهم: كالبحر: حدّث عنه بلا حرج! وكذلك السّمر، لأنه يقع فيه بين القوم، يتحدثون أحاديث عجيبة، وروايات غريبة، فكأن هذا الممدوح لم يترك، بما يسمع عنه، ولما اشتهر به، ومن عجيبة تسمع عن بحر
أو تذكر في سمر.
وقوله: وجعل ابن أحمر السّمر وقتا في قوله: أن جئتهم سمرا، فأنه محتمل أن يكون سمرا مفعولا له، أو مصدرا على تقدير قوله: اسمر سمرا، أو مصدر في موضع الحال، أي: سامرا.
وقال في قوله: (البسيط)
مبرقعي خيلهم بالبيض متّخذي ... هام الكماة على أرماحهم عذبا
يريد انهم يمدّون أيديهم بالسيوف للضّرب، فتصير أمام وجوه (الخيل)، فكأنّها لها براقع.
ويمكن أن يريد، انهم يضربون أعداءهم بالسّيوف فيمنعونهم من النّظر إلى وجوه خيلهم.
стр. 355
وأقول: هذه عبارة واهية! لا سيّما قوله: يمنعونهم من النظر إلى وجوه خيلهم، وليست براقع الخيل لتمنع من النّظر إلى وجوهها، وإنما جعلت من الحديد لتمنع وجوه الخيل، وتقيها من السّلاح، لا لتمنع من النظر إليها كبراقع النّساء من الثياب، وإنما أراد بقوله:
مبرقعي خيلهم بالبيض. . . . . . . . . . . .
أي: بضرب البيض (يمنع من الوصول إليها)، كقوله في مكان آخر: (الوافر)
لقوه حاسرا في درع ضرب. . . . . . . . .
فجعل الضّرب تارة برقعا، وتارة درعا، تدقيقا في الصّناعة واستعارة ومجازا.
وقال في قوله: (المتقارب)
تغيب الشّواهق في جيشه ... وتبدو صغارا إذا لم تغب
стр. 356
يقال للجبال الطّوال شواهق، مأخوذة من قولهم: شهق الإنسان إذا أخرج نفسه متعاليا، كأنّ الجبل شهق في الهواء.
فيقال: هذا الذي ذكره الشّيخ ضدّ المرويّ في الشّهيق، وهو ضدّ الزّفير، لأنّ الشّهيق ردّ النّفس، والزّفير إخراج النّفس. وكان الصواب أن يقال في الجبل الشّاهق، إنه مأخوذ من قولهم: شهق الرّجل إذا حبس نفسه فأرتفع صدره لذلك، كقول الشاعر: (المنسرح)
خيط على زفرة فتمّ ولم ... يرجع إلى دقّة ولا هضم
وهذا البيت، يصحّح أن الزّفير إخراج النّفس، فلمّا خيط عليه، ومنع من اراحته، انتفج جنبه، فصار مجفرا ضليعا.
وقال ابن دريد: الشّهيق ترديد البكاء. فيقال، على هذا، أن الباكي إذا ردّد بكاءه ارتفع صوته، وامتدّ نشيجه فيكون مشتقّا من ذلك
وقال في قوله: (المنسرح)
يا ذا المعالي ومعدن الأدب ... سيّدنا وابن سيّد العرب
الأدب الذي كانت تعرفه العرب، هو ما يحسن من الأخلاق، وفعل المكارم، مثل
стр. 357
ترك السّفه، وبذل الموجود، وحسن اللّقاء،
قال الغنويّ: (البسيط)
لا يمنع الناس منّي ما أردت ولا ... أعطيهم ما أرادوا حسن ذا أدبا
كأنه أنكر على نفسه أن يعطيه الناس ولا يعطيهم. واصطلح الناس، بعد الإسلام بمدة طويلة، على أن يسمّوا العالم بالشّعر والنّحو وعلوم العرب أديبا، وسمّوا هذه العلوم الأدب، وذلك كلام مولّد لأن هذه العلوم حدثت في الإسلام.
وأقول: لا شكّ أن أصل الأدب ما قال الشّيخ، وإنه نقل إلى العلوم التي ذكرها، ولكنّ هذا النقل لم يكن في الإسلام، كما ذكر، بعد مدة طويلة، بل في صدر الإسلام وزمن الفصاحة، من المعتبرين في البلاغة، كما أن اصل الفقه العلم، وهو يطلق على أشياء كثيرة، ثم وضع على علم الشريعة، واختصّ به دون غيره من
العلوم، وذلك الوضع والنقل أيضاً في صدر الإسلام من الفصحاء البلغاء المتقدمين المعتبرين في زمن الفصاحة، المأخوذ بقولهم، والمستشهد بلغتهم وكلامهم نثرا ونظما (في أوان البلاغة)، ولا يقال انهم مولّدون، فكذلك العلماء الذين كانوا في زمانهم، الواضعون اسم الأدب على العربية والشّعر، والواضعون اسم الفقه على علم الشّريعة، لا يقال: انهم مولّدون ولا أن (ما) أخذ عنهم من الأوضاع مولّد غير معتدّ به.
стр. 358
وقال في قوله: (البسيط)
مرّت بنا بين تربيها فقلت لها ... من اين جانس هذا الشّادن العربا
شبّهها بالشّادن من الوحش، وهو ولد البقرة، والظّبية إذا قوي واشتدّ. يقال، شادن وشادل فتبدل اللام من النّون. ويقال: وحشية مشدن إذا شدن ولدها، قال الرّاجز: (الرجز)
يا دار عفراء ودار البخدن ... فيك المها من مطفل ومشدن
البخدن: يقال: العظيمة السّاقين والاعضاد، والصحيح إنه اسم امرأة.
وأقول: إنما رجّح الشّيخ أن تكون البخدن اسما علما لا صفة، فجعل الدّار لامرأتين لا لواحدة لقوله: (الرجز)
فيك المها من مطفل ومشدن
والمها: جمع. ويجوز أن تكون البخدن صفة، فتكون الدار لواحدة، وان كان فيها نساء (جماعة) على معنى الحلّة أو القرية ونحو ذلك.
стр. 359
وقال في قوله: (البسيط)
فاستضحكت ثم قالت كالمغيث يرى ... ليث الشّرى وهو من عجل إذا انتسبا
الشّرى: الشّجر الملتفّ، وقيل: اشراء الحرم: نواحيه أو طرقه، وشرى الفرات: ما يقرب منه، قال القطاميّ: (الكامل)
لعن الكواعب بعد يوم لقينني ... بشرى الفرات وليلة بالجوسق
وأقول: الشّرى: مكان أو شجر تعرف به وتضاف إليه الأسد (لزيادة شدّتها) كقولهم: ذئب الغضا، وتيس الحلّب، وأفعى الحماط، ومثله: أسد بيشة، وأسد خفّان، وأسد خفيّة، قال: (الطويل)
أسود شرى لاقت أسود خفيّة. . . . . . . . .
стр. 360
وقال في قوله: (الطويل)
إليك فأنّي لست ممن إذا اتّقى ... عضاض الأفاعي نام فوق العقارب
المعنى أنني لست ممن إذا اتّقى الأمور الكبار، صبر على ما هو دونها.
وأقول: ينبغي أن يفسّر هذا البيت، على ما قبله من قوله: (الطويل)
تخوّفني دون الذي أمرت به ... ولم تدر أن العار شرّ العواقب
أي: تخوّفني السّير الذي عاقبته الهلاك، وتأمرني بالمقام على الضّيم الذي يعقب العار، وعندها أن المقام على الضّيم اسهل من تخوّف الهلاك بالسّير، ولم تعلم أن عاقبة الضّيم شرّ من عاقبة السّير المفضي إلى الهلاك، وإنّ العار شرّ العواقب، فضرب عندها وفي رأيها للهلاك مثلا بالأفاعي لعظمها، وللضّيم مثلا بالعقارب وهو عنده بخلاف ذلك فقال: إليك: أي: تنحّي عنّي فلست ممن إذا خاف عضاض الأفاعي، وهو الهلاك، على رأيك، نام على العقارب، وهو الضّيم الذي دون الأول، على رأيك، بل اترك كلا الأمرين. فهذا البيت مرتّب على ما قبله في التفسير، كما ترى. ولم أعلم من شرّاح الديوان (من) ذكره على هذا الوجه.
стр. 361
وقال في قوله: (الوافر)
وترتع دون نبت الأرض فينا ... فما فارقتها إلاّ جديبا
لما جعل الخطوب مطايا، زعم إنها لا تذلّ لراكبها. وفي هذا مدح لنفسه، لأنه ادّعى ركوبها، وانّ ذلك لا يبغيه أحد، وجعلها ترتع في ركبانها دون النّبت.
وأقول: ليس في هذا مدح لنفسه، ولكن فيه أخبار برقّة حاله، وإعوازه ما يركبه ومخاطرته بنفسه في ركوب المهالك إلى الممدوح، ليلزمه قضاء حقّ قصده، كقول الأعشى: (المتقارب)
إلى المرء قيس أطيل السّرى ... وآخذ من كل حيّ عصم
وقول علقمة: (الطويل)
إليك أبيت اللّعن كان وجيفها ... بمشتبهات هولهنّ مهيب
وقال في قوله: (البسيط)
جيرانها وهم شرّ الجوار لها ... وصحبها وهم شرّ الأصاحيب
стр. 362
قوله:
. . . . . . شرّ الجوار لها. . . . . . . . .
أي: شرّ أصحاب الجوار، لأنه لا يقال: قوم جوار إلاّ على حذف (المضاف) أو يكون أراد: جوارهم شرّ الجوار.
وأصاحيب: جمع جمع الجمع كأنه في الأصل صاحب، ثم قيل: صحب، ثم قيل أصحاب. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في قوله: (المتقارب)
أرى مرهفا مدهش الصّيقلين ... وبابة كلّ غلام عتا
стр. 363
الصّيقلون: جمع صيقل، وأكثر ما يستعمل الصّياقل، قال خفاف بن ندبة: (الوافر)
جلاها الصّيقلون فأخلصوها ... خفافا كلّها يتقي بأثر
وأقول: أن قوله: وأكثر ما يستعمل الصّياقل، ثم ينشد بيت خفاف، وليس فيه دليل على ذلك، ليس بشيء! وقد كان ينبغي أن ينشد قول جعفر بن علبة: (الطويل)
إذا ما ابتدرنا مأزقا فرجت لنا ... بأيماننا بيض جلتها الصّياقل
وقال في قوله: (الكامل)
لا سرت من إبل لو أنّي فوقها ... لمحت حرارة مدمعيّ سماتها
وحملت ما حمّلت من هذي المها ... وحملت ما حمّلت من حسراتها
стр. 364
يقول: لو أنى فوقك يا إبل، لحملت اللّواتي عليك من النساء المشبهات المها، وكان ذلك هينا عليّ:
. . . . . . . . . وحملت ما حمّلت من حسراتها
أي: كنت أتولى حملها دونك، فيلحقك لذلك حسرات، فتحملين ما أنا حامل من الحسرات الموجبها هذه المتحملات.
وأقول: قوله: لو أني فوقك راكبا لحملت اللواتي عليك غير سائغ حسن! كيف يكون حمله لهنّ، وهو راكب الحملين، وهنّ في هوادجهنّ، فيفرّق ما بينهنّ وبين الإبل؟ فجعل للإبل حسرات بذلك غيرة منه، فيكون حاملا وهو محمول، وهذا معنى على ما ترى من الغثاثة، وكأنه ينظر إلى قوله: (الكامل)
ويغيرني جذب الزّمام لقلبها ... فمها إليك كطالب تقبيلا
وقال في قوله: (الكامل)
العارفين بها كما عرفتهم ... والراكبين جدودهم أمّاتها
لو أن هذا الكلام منثور، لكان الواجب أن يقال: والراكب جدودهم، على التّوحيد، لأن اسم الفاعل إذا تقدّم جرى مجرى الفعل، فيقال: مررت بالرّاكب الخيل جدوده وجدودهم، فإذا ثنّيت أو جمعت فهو على قول من قال: قمن النساء وأكلوني البراغيث وقامتا أختاك.
стр. 365
فيقال له: هذا القول، جائز مستعمل في القرآن الكريم والشّعر الفصيح، نحو: (وأسرّوا النّجوى الذين ظلموا) و: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . يعصرن السّليط أقاربه
وسواء في ذلك، المنثور وغيره، فأن قال: الواو في أسرّوا، والنون في يعصرن، حرفان موطئان، أن الفاعل جمع، أو إنّهما اسمان، والذين ظلموا وأقاربه بدل منهما، قيل له: في الراكبين كذلك، أي: الذين ركبوا جدودهم، فيكون عائد الذين الضمّير في ركبوا، لا الضّمير في جدودهم وهذا بيّن مذكور.
وقال في قوله: (الكامل)
تكبو وراءك يا ابن أحمد قرّح ... ليست قوائمهن من آلاتها
الهاء في آلاتها راجعة على وراء لأنها مؤنّثة وكذلك قدّام وأمام.
وأقول: محتمل أن يكون الضّمير في آلاتها راجعا إلى قرّح، لأن قوائمها هي التي تعمل بهال الجري بمنزلة الآلة التي يعمل بها، أي: لا تطاوعها في اللحاق بك، وإضافة الآلة إلى الخيل، التي هي حيوان، أقرب من إضافتها إلى وراء، وهو المكان، جماد.
стр. 366
وقال في قوله: (الوافر)
فدتك الخيل وهي مسوّمات ... وبيض الهند وهي مجرّدات
مسوّمات إذا وصفت بها الخيل، احتملت وجهين:
إنها عليها سمة، والسّمة: العلامة.
والآخر، وهو المراد في هذا الموضع: إنها المرسلات في الغارة، من قولهم: خلّه وسومه، أي: وذهابه حيث شاء.
فيقال: المسوّمة من السّوم لا من السّمة، وهي العلامة، لأن السّمة اصلها وسمة، والوسم غير السّوم. والصّحيح إنها مشنقّة من السّومة، وهي العلامة، ذكرها الزّجّاج وابن فارس. أو من السّائمة، أي: الراعية، وأسميت: أرعيت.
وقال في قوله: (الوافر)
رضينا والدّمستق غير راض ... بما فعل القواضب والوشيج
стр. 367
الدّمستق: كلمة رومية معرّبة، لا تعرف في شعر فصيح.
فيقال له: وكثير من الأعجميّ الرّومي وغيره، لم يستعمل في كلام العرب، وإذ لم يستعمل في كلامهم، فجائز أن يستعمله الشّعراء المحدثون، لحاجتهم إلى الإخبار عنه، وإلا أدى إلى عدم الكلام، أو عدم الإفهام. وقد استعمل أبو الطّيب أسماء غير تلك، من أسماء الروم (والأرمن) نحو: قسطنطين ولاون لأنه احتاج إلى ذكرهم فأخبر عنهم. وسواء كان الاسم الأعجمي علمّا على وزان العربيّ نحو: يعقوب وإسحاق، أو على غير وزانه كإبراهيم وإسماعيل فأنّه لا ينصرف. وكذلك يقال في الأسماء الأعلام من البلاد التي استعملها أبو الطّيب نحو: سمنين وهنزيط ومرعش وسميساط ونحو ذلك، لعلها غير مستعملة في أشعار العرب. وكثير من الأسماء العربية لم تستعمل في أشعار العرب، وجائز استعمالها للأخبار والبيان.
وقال في قوله: (الطويل)
وعن ذملان العيس ما سامحت به ... وإلاّ ففي أكوارهنّ عقاب
الكلام يستغني عن قوله:
وعن ذملان العيس. . . . . . . . . . . .
стр. 368
ثم ابتدأ كلاما فقال: أن سامحت العيس بذملانها ركبتها، وإلا تسامح، ففي أكوارهنّ عقاب، أي: أنا أقدر من السّير والتّصرّف في الأسفار، على ما لا يقدر عليه العقبان.
وأقول: الكلام لا يستغني عن قوله:
وعن ذملان العيس. . . . . . . . . . . .
لأنه معطوف على ما قبله وهو قوله:
غنيّ عن الأوطان لا يستفزّني ... إلى بلد سافرت عنه إياب
وقد ذكرت ما في هذا في مواضع، وبيّنته بيانا شافيا لم أسبق إليه.
وقال في قوله: (السريع)
آخر ما الملك معزّى به ... هذا الذي اثّر في قلبه
جعل التنوين في معزّى به بمنزلة الحروف الصّحاح، لأنه موازن للاّم في قلبه. ولو وقع في موضعه اسم لا ينصرف مثل: حبلى وسكرى لجاز صرفه على الضرورة.
وأقول: هذا الذي (ذكره) الشيخ من تنوين معزّى به في هذه القافية، وجعله من الحروف الصّحاح، احترازا من أن لو جاء في موضع معزّى به: يعزّى به لكان الألف من الحروف المعتلّة ردفا، والقافية في قوله: قلبه غير مردفة فيكون ذلك
стр. 369
سنادا، فبتنوين معزّى خرج به من هذا العيب.
وقوله: ولو وقع موضعه اسم مؤنث لا ينصرف، مثل حبلى وسكرى لجاز صرفه على الضرورة احترازا أيضاً من أن الألف لو بقيت صورتها لكانت ردافا، والقافية غير مردفة. فإذا صرفت حبلى، وسكرى، خرجت بالتنوين من أن يكون ردفا، فكان بذلك معزّى به مع قلبه قافية مجرّدة. ولو جاء مع قلبه: ذابه ونحوه لم يعتدّ بهذه الألف ردفا، لأنها من كلمة ليس اتصال حرف الجرّ (بما) بعدها كاتصال يعزّى به لأن الباء لتعدية الفعل، فهي كالجزء منه، كالهمزة والتّضعيف، وكذلك إذا وقعت الألف في إذا ونحوه موقع ألف التأسيس، لم يعتدّ بها. كقول العجّاج: (الرجز)
فهنّ يعكفن به إذا حجا ... عكف النّبيط يلعبون الفنزجا
وقول عنترة: (الكامل)
. . . . . . . . . والنّاذرين إذا لم القهما دمي
في قوله: (الكامل)
هل غادر الشّعراء من متردّم. . . . . . . . . . . .
стр. 370
وقال في قوله: (الطويل)
لنا ملك لا يطعم النوم همّه ... ممات لحيّ أو حياة لمّيت
استعمل أبو الطّيب في هذه الأبيات، ضدّ ما استعمله كثير من الشّعراء في لزوم الحرف الذي قبل التاء فقال: ميّت ثم قال فرّت ثم دولتي. وأكثر الشعراء على هذا، لا يلزمون ما قبل التاء. وقد لزم ما قبل التاء كثيّر في قوله: (الطويل)
خليليّ هذا ربع عزّة فأعقلا ... قلوصيكما ثم انزلا حيث حلّت
وهي اللاّم. وقال عمرو بن معدي كرب: (الطويل)
(و) لمّا رأيت الخيل زورا كأنّها ... جداول زرع أرسلت فأسبطرّت
فلزم الرّاء. وكذلك قال الضّبّيّ: (الكامل)
حلّت تماضر غربة فاحتلّت. . . . . . . . .
стр. 371
فلزم اللاّم.
وأقول: لزوم ما قبل التاء فيما ذكره، ونحوه، غير لازم، لأن التاء هي حرف الرّوي ولا يكون اللام، ولا الرّاء، لأن التاء ليست بحرف وصل، وإنما حروف الوصل الألف، والياء، والواو والهاء. وقد لزم بعض الشّعراء ما قبل الكاف في نحو: المسالك والمآلك وحالك وذلك وهي اللام. ولزم بعضهم الرّاء في نحو: المبارك والمعارك وفارك وبارك كما لزموا ما قبل التاء. والكاف هي حرف الرّوي وليست بوصل، وإنما شبهوا التاء والكاف بحروف الوصل، فالتزموا ما قبلهما لمشاركتهما لهنّ في إنهما ضمائر مثلهنّ. وقصيدة كثيّر قد جاء فيها بيت لم يلزم فيه اللام وهو: (الطويل)
. . . . . . . . . وجنّ اللواتي قلن: عزّة جنّت
(كأنه منبهة، على أن ما قبل التاء غير لازم)
ومنهم من روى: جلّت أي كبرت.
وجاء في أبيات عمرو قوله: (الطويل)
وفرّقت بين الحذمرين بطعنة ... إذا أطّلقت فيها النّساء أرنّت
стр. 372
فجاء بالنّون مع الرّاء، كما جاءت مع اللام في جنّت
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال في قوله: (الوافر)
فليت هوى الأحبة كان عدلا ... فحمّل كل قلب ما أطاقا
أصل العدل إنه مصدر: عدل عدلا، ثم وصف به الواحد والاثنان والجمع، قال زهير: (الطويل)
متى يشتجر قوم يقل سرواتهم ... هم بيننا فهي رضى وهم عدل
(وهذا يحتمل على حذف مضاف كأنه قال: ذوو عدل.)
ومن هذا الباب: رجل ضيف، ويقال للجميع، وفي الكتاب العزيز: (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين) فجاء بالضّيف موحّدّا، ثم جاء بالنّعت على
стр. 373
الجميع،
يعني: المكرمين.
قال: والقياس يوجب أن يقال: امرأة ضيف، إلا أن الشّاعر قال: (الطويل)
لقي ولدته أمّه وهي ضيفة ... فجاءت بيتن للضّيافة أرشما
فيقال: الأحسن في المصدر، إذا وقع موقع الصفة، أن لا يقدّر فيه حذف المضاف، لأن الحذف على خلاف الأصل. فإذا قيل: رجل عدل، أو صوم أو فطر، فكأنّما جعل الأول كأنه الثاني، على وجه المبالغة، كأنّ الرّجل خلق من عدل أو صوم، ومن ذلك قول الخنساء: (البسيط)
. . . . . . . . . . . . فإنّما هي إقبال وإدبار
ويجوز أن يقع المصدر موقع الصّفة توسّعا ومجازا، وقد جاء ذلك في الحال في قولهم: قتلته صبرا، وجاء ركضا. كما وقعت الصفة موقع الحال في قولهم: قم قائما: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . ولا خارجا من فيّ زور كلام
وأمّا قول الشاعر: وهي ضيفة فأنث المصدر، فإنّما ذلك لأجرائه مجرى الصفة الجارية على الفعل، في نحو قائمة وقاعدة.
стр. 374
وقال في قوله: (الوافر)
تركنا من وراء العيس نجدا ... ونكّبنا السّماوة والعراقا
يقال: أسمى الحمار الوحشيّ بأنه، إذا أتى بهنّ السّماوة، قال الأخطل: (البسيط)
كأنّها لاحق الاقراب في لقح ... أسمى بهنّ وغرّته الاناصيل
فيقال له: أسمى: بمنزلة اعرق واشأم وانجد، إذا أتى تلك الأماكن. فلا يختصّ أسمى بالحمار الوحشيّ دون غيره. وكذلك ما أتى من نحو ذلك، مثل اتهم وايمن إلا غار إذا أتى الغور فأنه بغير الهمزة، وبيت الأعشى يروى: (الطويل)
. . . . . . . . . غار لعمري في البلاد وانجدا
بالخرم في النّصف الثاني. ومنهم من روى: أغار قياسا على أخواته.
стр. 375
وقال في قوله: (الوافر)
ولو تبّعت ما طرحت قناه ... لكفّك عن رذايانا وعاقا
لم يبالغ أبو الطّيب في هذا البيت، لأنه جعل الوحش يتبع الجيش، ليأكل من رذاياه، والرّذايا: جمع رذيّة، وهي الناقة التي حسرها السّير، ولم يقل كما قال الحكميّ: (المديد)
تتأيّا الطّير غدوته ... ثقة بالشّبع من جزره
فيقال له: لم يرد هاهنا، أن الوحش تتبع الجيش كما ذكر، وانشد قول الأفوه:
(الرمل)
وترى الطّير على آثارنا ... رأي عين ثقة أن ستمار
وقول النابغة: (الطويل)
إذا ما غزا بالجيش حلّق فوقه ... عصائب طير تهتدي بعصائب
ولكن أراد الجماعة المترافقين اليه، الوافدين عليه، طلبا لمعروفه وعطائه. ويدلّ على ذلك قوله قبل هذا البيت: (الوافر)
أباح الوحش يا وحش الأعادي ... فلم تتعرّضين له الرّفاقا
أي: قد أباح الوحش أعاديه بقتله لهم في معارك الحرب، فلم تتعرّضين الرفاق إليه في الطريق، وهم أولياؤه ومحبّوه؟ فقد كان في أعدائه غناء لك عن أوليائه.
стр. 376
وقال في قوله: (الوافر)
فلا تستنكرنّ له ابتساما ... إذا فهق المكرّ دما وضاقا
إذا روي بكسر الرّاء تستنكرنّ، فهو خطاب لمؤنث، مبنيّ على قوله: سلي. . . . وفتح الراء جائز على خروجه إلى خطاب المذكّر، لأنّ البيتين متباعدان، وذلك كثير في الشعر وغيره.
وفهق: امتلأ، يقال: فهق الحوض بالماء، إذا امتلأ، وكذلك الجفنة بالطعام. قال الأعشى: (الطويل)
تروح على آل المحلّق جفنة ... كجابية السّيح العراقيّ تفهق
وأقول: الرواية الصّحيحة التي قرأتها: بفتح الرّاء من: تستنكرنّ للمخاطب، ولم أسمع الرواية بالكسر. وإنما كان الفتح هو الصّحيح، لأن المخاطب هو الذي يشهد المكرّ وابتسامه فيه، شجاعة وإقداما، لا المرأة المقدّم ذكرها.
وأمّا استشهاده على: فهق بقول الأعشى:
تروح على آل المحلّق. . . . . . . . . . . .
فالرواية الصّحيحة:
стр. 377
نفى الذّمّ عن آل المحلّق. . . . . . . . . . . .
قال: ويروى: الشّيخ، والسيح، فالشّيخ: أحد الشيوخ، والسيح: الماء الجاري على الأرض، ولم يفسّر معناهما.
والذي ذكر فيهما إنه إذا روي: الشّيخ، بالشّين والخاء، فالمراد به أن الشيخ العراقيّ معتاد لكثرة الماء آلف لها، فإذا سافر اتأق جابيته، وهي مزداته، من الماء، إبقاء على نفسه، واحترازا من الهلاك بالعطش، وليس كذلك الإعرابي والبدويّ، لصبرهما عن الماء الذي لم يعتادا كثرته.
وإذا روي: السّيح، بالسّين والحاء، فالمراد به الفرات أو دجلة. والجابية: الحوض، أضافها إلى إحداهما.
وقال في قوله: (الوافر)
تبيت رماحه فوق الهوادي ... وقد ضرب العجاج لها رواقا
استعار الرّواق هاهنا للغبار، لأنهم يركزون الرّماح إلى رواق البيت. والهاء في لها يجوز أن تعود على الرّماح وعلى الهوادي.
وأقول: الرّواق بيت كالفسطاط، يحمل على سطاع واحد في وسطه، وهو العمود، فعلى هذا جعل العجاج في ارتفاعه، وتكاتفه، بمنزلة الرّواق، والرّماح تحمله كالعمد، ولم يرد الرّكز والإسناد إلى رواق البيت، والهاء في لها على هذا التفسير، وهو الصّحيح، تعود على الرّماح دون الهوادي.
стр. 378
ويجوز أن يقال:
. . . . . . . . . وقد ضرب العجاج لها رواقا
بنصب العجاج مفعولا، والفاعل الضمير في ضرب عائد على سيف الدولة، وهذا الوجه أقوى من الأول.
وقال في قوله: (الوافر)
تعجّبت المدام وقد حساها ... فلم يكسر وجاد فما أفاقا
يقول: هذا الممدوح، لا تكسره الخمر، لأنّ عقله لم يرتفع عند ذلك. وهو، مع إنه لا يلحقه من الرّاح، كأنه إذا جاد أخو سكر لا يفيق، لأنهم يصفون أنسهم ببذل أموالهم، في حال الانتشاء، قال عنترة: (الكامل)
فإذا سكرت فأنّني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم
وهم يقرّون بتغيّر العقل عند الشّراب، قال المنخّل اليشكريّ: (الكامل)
فإذا شربت فأنّني ... ربّ الخورنق والسّدير
وإذا صحوت فأنّني ... ربّ الشّويهة والبعير
стр. 379
وأقول: المعنى: أن العادة جارية بأنّ الخمر تسكر من شربها، وإنه يفيق منها، وإنّ سيف الدولة، بخلاف ذلك، لا تسكره الخمر، وإنما يسكره الجود، فلا يفيق منه. وقول الشّيخ: وهم يقرّون بتغيّر العقل عند الشّراب واستدلّ بأبيات المنخّل على ذلك وليس فيها دليل، لأن قوله:
فإذا شربت فأنّني ... ربّ الخورنق والسّدير
يريد أن الرّاح تحدث له عظمة في نفسه، وارتياحا وخيلاء، فيظنّ إنه الملك الذي هو النعمان بن المنذر، ويريد بذلك مدحا لها. وكذلك قول حسّان: (الوافر)
ونشربها فتجعلنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللقاء
وهم لا يقصدون بذلك تغيّر العقل، وهم يمدحونها ويتمدّحون بذلك. وإنما يريدون، أن الرّاح تفيد مكارم الأخلاق، وتبعث عليها، ألا ترى إلى قول الشّاعر: (الطويل)
أراحت من الهمّ الدّخيل وشجّعت ... جنانا وسنّت للبخيل التّكرّما
وقال في قوله: (الوافر)
وحاشا لارتياحك أن يبارى ... وللكرم الذي لك أن يباقى
وقد يخفضون بحاشا، ويقال أن الخفض فيها على تقدير اللام. ويقولون: فعلوا كذا وكذا حاشاي، فيجيئون بالياء، والقياس يوجب أن يقولوا: حاشاني كما
стр. 380
يقال: راعاني،
وأنشد الفرّاء: (الكامل)
في عصبة عبدوا الصّليب تخشّعا ... حاشاي أني مسلم معذور
فيقال: هذا الذي ذكره، إنما هو على مذهب الكوفيين، ومذهب أبي العبّاس المبرّد، في أن حاشا فعل، وهو حرف جرّ عند سيبويه ومن تابعه من البصريين. وإذا كان حرفا، فلا يحتاج إلى نون الوقاية، فقولهم: حاشاي، يدلّ على إنه حرف كما يقال: إليّ وعليّ.
وقال في قوله: (الطويل)
وأحلو الهوى ما شكّ في الوصل ربّه ... وفي الهجر فهو الدّهر يرجو ويتّقي
ادّعى أبو الطّيب أن أحلى (الهوى) ما شكّ في الوصل ربّه، وفي الهجر. وليست هذه الصّفة صفة حلو، بل هذا الذي يجب أن يوصف بالمرارة، وإنما حلاوة الهوى، أن يكون سالما من الفراق والهجر، وقد وصف ذلك الشّعراء، قال: (الطويل)
стр. 381
إذ النّاس ناس والأحبّة جيرة ... جميع وإذ كلّ الزّمان ربيع
وأقول: أن أبا الطّيب فيما نحاه إلى قولهم: كلّ ممنوع حلو، وقول الشّاعر: (الكامل)
واراه يحلو في تمنّعه ... والشيء محلول إذا منعا
وإلى قول الآخر، وفيه بعض الإشارة: (الطويل)
إذا لم يكن في الحبّ هجر ولا نوى ... فأين حلاوات الرّسائل والكتب
وإذا كان الأمر كذلك، فلا شكّ أن هوى الممنوع أحلى من هوى المبذول، والشّيء
إذا امتنع كانت الرّغبة فيه أكثر، والباعث إليه أقوى، وإنّ الرّجاء والخوف، والشّكّ فيهما إنما يكون عند الامتناع. فصحّ على هذا التقدير، قول أبي الطّيب، ولم يكن المعنى الذي ذكره بعكس ما أراده.
وقول الشّيخ: إنما حلاوة الهوى، أن يكون سالما من الفراق والهجر.
فيقال: بل أحلاه ما لم يستعمل منهما! لأنّ تزّعم ذلك، يزيد فيه ولا ينقص منه، والزيادة فيه إنما تكون للإرادة له، والإرادة إنما تكون لاستلذاذه لا لكراهته. وهذا معنى غريب عجيب، لم يسبق إليه أبو الطّيب، ولم أسبق أنا إلى تفسيره!
стр. 382
وقال في قوله: (الطويل)
أدرن عيونا حائرات كأنّها ... مركّبة أحداقها فوق زئبق
أراد، أنهم يبكون والدّمع يجول في العيون، كأنه زئبق، فشبّه به الدّمع، لأنهم إذا وصفوا الماء بالصّفاء قالوا: كأنه دموع. أراد أن نظرهم لا يثبت لكثرة البكاء.
وأقول: أن الشّيخ خبط في تفسير هذا البيت خبط مثله في قوله: والدّمع يجول في العيون كأنه زئبق، ولم يقصد هاهنا الدّمع فيشبّه بالزئبق، أو يشبّه به الماء لصفائه، على أن الدّمع يكون فوق الاحداق، ولا تكون الأحداق فوقه.
وقوله: إن نظرهم لا يستقرّ لكثرة البكاء خطأ، فإنّما ذلك لكثرة الحيرة لقوله:
أدرن عيونا حائرات. . . . . . . . . . . . . . . . . .
والتشبيه إنما هو للعيون دون الدّمع للحيرة بالفراق، جعلها كأنّ أحداقها مركّبة فوق زئبق، والزئبق لا يستقرّ ما وضع عليه (فلا يستقرّ النّظر).
стр. 383
وقال في قوله (الطويل)
ضروب بأطراف السّيوف بنانه ... لعوب بأطراف الكلام المشقّق
الكلام المشقّق: يجوز أن يريد به الذي اشتقّ بعضه من بعض، فيكون ذلك مدحا للكلام، وصفة للممدوح بأن ما صعب لديه هيّن، فهو كالذي يلعب به. ويحتمل أن
يكون المشقق: الذي كأنّه مكّسر، من قولك: شققت العود وغيره. ويكون هذا الكلام لما ينظمه الشّعراء في مدحه، لأنّ ذمّه لهم قد تكررّ مثل قوله: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . والشّعر تهذي طماطمه
وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء!
وإنما يريد بالمشقّق المنصّف: الذي تساوى شقّاه، أي: نصفاه، وشقّ الشّيء: نصفه، يعني بذلك الشّعر، ويريد بأطرافه قوافيه. يريد أن الشّعر سهل عليه، فهو يتلعّب به بغير كلفة مرتجلا، وكأنه لمّا قال:
ضروب بأطراف السّيوف بنانه. . . . . . . . .
أراد: لعوب بأطراف الكلام المشقق لسانه، لدلالة بنانه عليه.
стр. 384
وقال في قوله: (الطويل)
وليلا توسّدنا الثّويّة تحته ... كأنّ ثراها عنبر في المرافق
قوله:
. . . . . . . . . كأنّ ثراها عنبر في المرافق
يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مدحا للأرض، يريد إنها طيبة كأنّ ثراها عنبر.
والآخر: أن يكون وصف نفسه وأصحابه بأنهم معيون، فهم، لإيثارهم النزول والرّاحة، كأنّ ثرى الأرض عندهم عنبر، وإن كان الأمر على سوى ذلك.
وقد تمنّت
стр. 385
الشّعراء مباشرة تراب الأرض التي ينزل بها من يحبّون، قال الشّاعر: (الوافر)
وددت وابرق العيشوم أنا ... تكون معا جميعا في رداء
أباشره وقد نديت رباه ... فألصق صحّة منه بدائي
وقال آخر: (الطويل)
يقرّ بعيني أن أرى من مكانه ... ذرا عقدات الأبرق المتقاود
وإن أراد الماء الذي وردت به ... سليمى إذا ما خفّ من كلّ وارد
وألصق أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان ممزوجا بسمّ الأساود
стр. 386
فيقال له: الأحسن الوجه الأول. وذلك أن أبا الطّيب وصف تراب ذلك المكان بالطّيب، ووصف الحصى التي فيه بالحسن، حتى جعلها بمنزلة الدرّ يثقب في المخانق. وما ذكره من وصف نفسه وأصحابه بأنهم معيون، ولإيثارهم النّزول والرّاحة، يرون أن تراب الأرض عنبر، وإن كان بخلاف ذلك فغير سائغ. (بل لو جعل ذلك من محبّة تلك الأرض وطيبها عنده، لأن أبا الطّيب كان من الكوفة، وهذه المواضع التي ذكرها منها، لكان أولى من أن يجعل ذلك من الإعياء. كيف وقد وصف نفسه وأصحابه بالفروسية والشّجاعة، وذلك ينافي الإعياء لأنه دليل الضّعف). . .؟ قول الشّاعر: (الطويل)
لله ليل في زرود رقدته ... على خوف آساد ضجيع غزال
كأنّ حصى المعزاء تحت أضالعي ... يحثّ عن الجنبون زفّ رئال
وقال في قوله: (الطويل)
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق
هذا البيت، قد ضعف بالتّصريع ضعفا بينا، وهو كالمنقطع من معنى ما قبله. ولم تجر عادة أبي الطّيب بالتّصريع في غير الأوائل.
وأقول: ليس التّصريع مما يضعف الشّعر، وفيه قافيتان ملتزمتان، بل يقويه! فيكون
стр. 387
البيت الواحد كالبيتين، لا سيّما هذا البيت، وقد ذكر في المصراعين مثلين سائرين.
وقوله: وهو كالمنقطع مما قبله ليس الأمر كذلك، بل لمّا ذكر بلده، وهو الكوفة، والعذيب وبارق من أرضها، وإنه كان يجرّ فيه الرّماح ويجري السّوابق، وصحبه
القوم الذين ذكرهم، وقوله: (الطويل)
سقتني بها القطر بّليّ مليحة. . . . . . . . .
ووصف الأغيد بما وصفه من الحسن ومن الأدب والظّرف.
قال: (الطويل)
وما الحسن في وجه الفتى. . .
البيت. . . . . .
ثم أتبعه بقوله
وما بلد الإنسان. . .
أراد أن بلده كان موافقا بما ذكره من قبل وعددّه، فليس بالمنقطع مما قبله بل متّصل أحسن اتصال.
وقوله: ولم تجر عادة أبي الطّيب بالتّصريع في غير الأوائل.
فيقال له: بلى قد جاءه في قصيدته الدّالية التي يمدح بها عضد الدولة وهي: (المسرح)
أزائر يا خيال أم عائد. . . . . . . . . . . .
стр. 388
قوله: (المنسرح)
يا طفلة الكف عبلة السّاعد ... على البعير المقلّد الواخد
وفيها: (المنسرح)
حكيت يا ليل فرعها الوارد ... فاحك نواها لجفني السّاهد
وفيها: (المنسرح)
يا عضدا ربّه له العاضد ... وسائرا يبعث القطا الهاجد
وهذا التصريع، كما ترى، في قصيدة واحدة!
وقال في قوله: (الطويل)
وجائزة دعوى المحبّة والهوى ... وإن كان لا يخفي كلام المنافق
المراد: أن (عادة) بني آدم أن يظهروا المودّة، وفي
стр. 389
النفوس غيرها، إلا أن ذلك جائز، لأن العادة جرت به. وادّعى أن كلام المنافق غير خاف، وإنما يظهر نفاقه في بعض الأوقات، وربّ منافق الغرّ، وحسب إنه الصديق المخلص!
وأقول: انظروا إلى كلام هذا الشّيخ وقوله: أن عادة بني آدم أن يظهروا المودة، وفي النّفوس غيرها ودخول الأنبياء والأئمة والصّالحين في ذلك، وهو النّفاق بعينه، ثم أردفه بقوله: إلا أن ذلك جائز، لأن العادة جرت به أي: جائز منهم النفاق، وعلله بجريان عادة النّفاق منهم، وهذا القول جهل بل كفر محض!
وقوله: وادّعى أن كلام المنافق ليس بخاف، وإنما يظهر نفاقه في بعض الأوقات.
فيقال له: بل يظهر نفاقه في أكثر الأوقات (بإمارات تتبيّن) فيه، وقرائن تدلّ عليه، فأطلق بأنّ كلام المنافق لا يخفى مجازا، لما يظهر في أكثر الأوقات. وهذه المآخذ التي أخذها على أبي الطّيب في هذا البيت كان الصواب أن لا تردّ عليه لظهور فسادها، وضعف اعتمادها.
وقال في قوله: (الطويل)
أرادوا عليّا بالذي يعجز الورى ... ويوسع قتل الجحفل المتضايق
الجحفل: الجيش العظيم، وقد اتّسعوا في هذه حتى وصفوا الرّجل بالجحفل، أي إنه يقوم مقام الجيش، قال اوس: (الطويل)
عبيد ذوي المال الكثير يرونه ... وان كان عبدا سيّد الأمر جحفلا
فيقال: اصل هذه اللفظة، التي هي الجحفل، إنه صفة، وهو العظيم، ثم وصف بها الجيش العظيم فقيل: جيش جحفل، أي: عظيم، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصّفة
стр. 390
مقامه، كما حذف موصوف الأبطح والأجرع، وهو المكان.
فإذا كان (هذا) أصل هذه اللفظة، فقد جرت على الرّجل صفة له، لا على وجه
الاتّساع والمجاز، بل على وجه التّحقيق، فإذا قيل: رجل جحفل فهو على الأصل، أي: رجل عظيم، ولم يرد به إنه قائم مقام الجيش كما ذكر.
وقال في قوله: (الطويل)
توهّمها الأعراب سورة مترف ... تذكّره البيداء ظلّ السّرادق
السّرادق: ما حول الفسطاط، وليس بعربيّ، ومن أبيات المعاني: (الطويل)
ولمّا ركبنا صعبها وذلولها ... إلى أن توارت تحت ظلّ السّرادق
رمتنا بفلذ من سرارة قلبها ... فطفنا به من بين حاس وذائق
توارت: يعني الشّمس، وذكروا أن السّرادق هاهنا الغبار، والهاء في صعبها وذلولها راجعة على أرض سلكوها. وعن بالفلذ شيئا قليلا من ماء،
следующие страницы →