← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فيقال له: الأحسن الوجه الأول. وذلك أن أبا الطّيب وصف تراب ذلك المكان بالطّيب، ووصف الحصى التي فيه بالحسن، حتى جعلها بمنزلة الدرّ يثقب في المخانق. وما ذكره من وصف نفسه وأصحابه بأنهم معيون، ولإيثارهم النّزول والرّاحة، يرون أن تراب الأرض عنبر، وإن كان بخلاف ذلك فغير سائغ. (بل لو جعل ذلك من محبّة تلك الأرض وطيبها عنده، لأن أبا الطّيب كان من الكوفة، وهذه المواضع التي ذكرها منها، لكان أولى من أن يجعل ذلك من الإعياء. كيف وقد وصف نفسه وأصحابه بالفروسية والشّجاعة، وذلك ينافي الإعياء لأنه دليل الضّعف). . .؟ قول الشّاعر: (الطويل) لله ليل في زرود رقدته ... على خوف آساد ضجيع غزال كأنّ حصى المعزاء تحت أضالعي ... يحثّ عن الجنبون زفّ رئال وقال في قوله: (الطويل) وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق هذا البيت، قد ضعف بالتّصريع ضعفا بينا، وهو كالمنقطع من معنى ما قبله. ولم تجر عادة أبي الطّيب بالتّصريع في غير الأوائل. وأقول: ليس التّصريع مما يضعف الشّعر، وفيه قافيتان ملتزمتان، بل يقويه! فيكون

стр. 387

البيت الواحد كالبيتين، لا سيّما هذا البيت، وقد ذكر في المصراعين مثلين سائرين. وقوله: وهو كالمنقطع مما قبله ليس الأمر كذلك، بل لمّا ذكر بلده، وهو الكوفة، والعذيب وبارق من أرضها، وإنه كان يجرّ فيه الرّماح ويجري السّوابق، وصحبه القوم الذين ذكرهم، وقوله: (الطويل) سقتني بها القطر بّليّ مليحة. . . . . . . . . ووصف الأغيد بما وصفه من الحسن ومن الأدب والظّرف. قال: (الطويل) وما الحسن في وجه الفتى. . . البيت. . . . . . ثم أتبعه بقوله وما بلد الإنسان. . . أراد أن بلده كان موافقا بما ذكره من قبل وعددّه، فليس بالمنقطع مما قبله بل متّصل أحسن اتصال. وقوله: ولم تجر عادة أبي الطّيب بالتّصريع في غير الأوائل. فيقال له: بلى قد جاءه في قصيدته الدّالية التي يمدح بها عضد الدولة وهي: (المسرح) أزائر يا خيال أم عائد. . . . . . . . . . . .

стр. 388

قوله: (المنسرح) يا طفلة الكف عبلة السّاعد ... على البعير المقلّد الواخد وفيها: (المنسرح) حكيت يا ليل فرعها الوارد ... فاحك نواها لجفني السّاهد وفيها: (المنسرح) يا عضدا ربّه له العاضد ... وسائرا يبعث القطا الهاجد وهذا التصريع، كما ترى، في قصيدة واحدة! وقال في قوله: (الطويل) وجائزة دعوى المحبّة والهوى ... وإن كان لا يخفي كلام المنافق المراد: أن (عادة) بني آدم أن يظهروا المودّة، وفي

стр. 389

النفوس غيرها، إلا أن ذلك جائز، لأن العادة جرت به. وادّعى أن كلام المنافق غير خاف، وإنما يظهر نفاقه في بعض الأوقات، وربّ منافق الغرّ، وحسب إنه الصديق المخلص! وأقول: انظروا إلى كلام هذا الشّيخ وقوله: أن عادة بني آدم أن يظهروا المودة، وفي النّفوس غيرها ودخول الأنبياء والأئمة والصّالحين في ذلك، وهو النّفاق بعينه، ثم أردفه بقوله: إلا أن ذلك جائز، لأن العادة جرت به أي: جائز منهم النفاق، وعلله بجريان عادة النّفاق منهم، وهذا القول جهل بل كفر محض! وقوله: وادّعى أن كلام المنافق ليس بخاف، وإنما يظهر نفاقه في بعض الأوقات. فيقال له: بل يظهر نفاقه في أكثر الأوقات (بإمارات تتبيّن) فيه، وقرائن تدلّ عليه، فأطلق بأنّ كلام المنافق لا يخفى مجازا، لما يظهر في أكثر الأوقات. وهذه المآخذ التي أخذها على أبي الطّيب في هذا البيت كان الصواب أن لا تردّ عليه لظهور فسادها، وضعف اعتمادها. وقال في قوله: (الطويل) أرادوا عليّا بالذي يعجز الورى ... ويوسع قتل الجحفل المتضايق الجحفل: الجيش العظيم، وقد اتّسعوا في هذه حتى وصفوا الرّجل بالجحفل، أي إنه يقوم مقام الجيش، قال اوس: (الطويل) عبيد ذوي المال الكثير يرونه ... وان كان عبدا سيّد الأمر جحفلا فيقال: اصل هذه اللفظة، التي هي الجحفل، إنه صفة، وهو العظيم، ثم وصف بها الجيش العظيم فقيل: جيش جحفل، أي: عظيم، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصّفة

стр. 390

مقامه، كما حذف موصوف الأبطح والأجرع، وهو المكان. فإذا كان (هذا) أصل هذه اللفظة، فقد جرت على الرّجل صفة له، لا على وجه الاتّساع والمجاز، بل على وجه التّحقيق، فإذا قيل: رجل جحفل فهو على الأصل، أي: رجل عظيم، ولم يرد به إنه قائم مقام الجيش كما ذكر. وقال في قوله: (الطويل) توهّمها الأعراب سورة مترف ... تذكّره البيداء ظلّ السّرادق السّرادق: ما حول الفسطاط، وليس بعربيّ، ومن أبيات المعاني: (الطويل) ولمّا ركبنا صعبها وذلولها ... إلى أن توارت تحت ظلّ السّرادق رمتنا بفلذ من سرارة قلبها ... فطفنا به من بين حاس وذائق توارت: يعني الشّمس، وذكروا أن السّرادق هاهنا الغبار، والهاء في صعبها وذلولها راجعة على أرض سلكوها. وعن بالفلذ شيئا قليلا من ماء،

стр. 391

والسّرارة: اكرم موضع في الوادي، فطافوا بهذا الماء القليل، فمنهم من حسا حسوة، ومنهم من لم يصل إلى الحسوة، فذاقه باللّسان. وأقول: الصواب، أن السّرادق هنا الليل، وهو ما تدلّى من ظلامه. وقوله: فمنهم من حسا منه حسوة، ومنهم من لم يصل إلى الحسوة، فذاقه باللّسان ليس بشيء! والصواب: أن هذا الماء قليل آجن، فمن القوم من ذاقه فلم يشربه لأجونيّته، ومنهم من جهده العطش فحسا منه القليل للضرورة، قال الأعشى: (الطويل) وأصفر كالحنّاء داو جمامه ... متى ما يذقه ماتح القوم يبصق أي: فهو يبصق. وقال في قوله: (الطويل) فهاجوك أهدى في الفلا من نجومه ... وأبدى بيوتا من أداحي النّقانق هاجوك: حملوك على أن طردتهم، فوجدوك أهدى في الفلا من النّجوم، لأن الذين يسيرون باللّيل يهتدون بالنجم في المفاوز البعيدة، قال الرّاجز: (الرجز)

стр. 392

قلت له والجدي تحت الفرقد ... إنك أن لم تزجها بالفدفد لا ترد الأمواه إلاّ من غد وقال الآخر: (الرجز) لوّح خلّيك الأداوى والنّجم ... وطول تخويد المطيّ والسّعم أراد انهم يهتدون بالنّجم، فقد غيّر جسومهم السّعم، وهو ضرب من سير الإبل. وأقول: قوله: هاجوك: أي حملوك ليس كذلك، ولكن: هاجوك بمعنى: بعثوك وأثاروك ومنه: هيّجت الشّرّ، أي: أثرته. وقوله في قول الرّاجز: لوّح خلّيك الأداوى (والنّجم) أراد أنهم يهتدون بالنّجم كان يحسن بالشّيخ أن يفسّر قوله: . . . . . . الاداوى والنّجم فيجمع ما بينهما وما معنى ذلك، فقد روى أبو حاتم عن الأصمعي، وقد قيل لأعرابيّ: ما لوّح جسمك؟ فقال: الأداوى والنّجم! يريد إنه كثير الأسفار فهو يراعي أداوته وكم فيها من الماء، ويراعي النّجم من خوف الهلاك، وأنشد: (المتقارب)

стр. 393

له نظرتان فمرفوعة ... وأخرى تراقب ما في السّقاء وفسّر الاشنانداني مرفوعة أي: ينظر إلى السّماء مرّة يدعو ربّه أن يسلّمه، وينظر إلى سقائه مرّة. ثم قال: ومثله: (الرجز) لوّح خلّيك الأداوى والنّجم ولم يرد الراجز بقوله مرفوعة، إلا نظره إلى النّجم، خوف الهلاك. وقال في قوله: (الطويل) واصبر عن أمواهه من ضبابه ... وآلف منها مقلة للودائق الودائق: جمع وديقة، وهي: حين تدنو الشّمس من الأرض، يقال: ودق الشيء من الشيء إذا دنا، قال ذو الرّمّة: (البسيط) كانت إذا ودقت أمثالهنّ لها ... فبعضهنّ عن الآلاف منشعب ويجوز أن يكون المطر يسمّى ودقا، لأن قطره يدنو من الأرض، لأن الاشتقاق يدلّ على ذلك. فيقال له: تفسيرك الوديقة بقولك: حين تدنو الشّمس من الأرض يناقض، في المعنى وفي الرّواية، ما قيل فيها: أما المعنى، فأنه يراد بها الهاجرة وشدّة الحرّ، والشمس إذا دنت من الأرض قلّ حرّها،

стр. 394

وانكسر حميها. وأمّا الرواية فقول ابن دريد: وناهيك الوديقة: دومان الشّمس في كبد السّماء في الهاجرة. وأما تفسيره ودقت في بيت ذي الرّمّة بمعنى دنت، فالأولى أن يكون بمعنى أنست وألفت. قال ابن فارس: يقال: ودقت به ودقا: إذا أنست به. وقوله: ويجوز أن يكون المطر سمّي ودقا، لأن قطره يدنو من الأرض، لأن الاشتقاق يدلّ على ذلك فليس بشيء! لأن ذلك يقتضي أن يكون الثّلج والبرد سمّي ودقا، لأنه يدنو من الأرض، ولم يقل ذلك أحد! والأقرب أن يكون الودق مشتقا من الأنس، أي: أنس بما يحتفل من المطر بعد، لأن ابن دريد قال: الودق: الذي يخرج من خلل (السحاب) قبل محتفل المطر. وقال في قوله: (الطويل) فما حرموا بالرّكض خيلك راحة ... ولكن كفاها البرّ قطع الشّواهق يقال: جبل شاهق: أي مرتفع في السّماء، ومنه شهق الإنسان لأنه نفس متعال.

стр. 395

فيقال له: قد تقدّم من قبل، ما قيل في الجبل الشاهق. وقولك: مشتق من الشّهيق، وهو ارتفاع النّفس، فأنه ليس بصواب، لأنّ الشّهيق هو ردّ النّفس، وبين التأويل فيه على ما يوافق المعنى فأغنى عن ذكره هنا. وقال في قوله: (الطويل) ألم يحذروا مسخ الذي يمسخ العدا ... ويجعل أيدي الأسد أيدي الخرانق سكّن هذه الياء مرتين في بيت واحد، قال الرّاجز: (الرجز) كأنّ أيديهن بالقاع القرق ... أيدي جوار يتعاطين الورق يريد، أن هؤلاء الجواري، بنات قوم أغنياء، فهنّ يلعبن بالفضّة وأيديهنّ مخضّبات. وأقول: الذي ذكره ليس بشيء! لأنّ قوله: أيدي جوار مخضّبات، ليس في الشعر دليل عليه، وإنما يريد أن أيدي هذه الإبل، تطير الحصى بشدّة في حال السّير، فيصلّ باصطكاكه، كأيدي جوار يتعاطين الدّراهم فيسمع لها صليل، وهذا من

стр. 396

قول امرئ القيس: (الطويل) كأن صليل المرو حين تطيره ... صليل زيوف ينتقدن بعبقرا وقصّر الرّاجز عن قول امرئ القيس زيوف، لأن الزيوف يخالطها النّحاس فتصوّت بخلاف الفضّة الخالصة. وقال في قوله: (الطويل) ولا ترد الغدران إلاّ وماؤها ... من الدّمّ كالرّيحان تحت الشّقائق الماء يوصف بالسّواد، ومن أسمائه: سويد، وبالزّرقة، وإنما يوصف بالخضرة ماء البحر فيقال: الأخضر. والناس يخصّون بالرّيحان ضربا من النّبت، وهو معروف. وأمّا أهل العلم فيجيزون أن يقع الريحان على كلّ نبت طيّب الرائحة. وينبغي أن يحمل بيت أبي الطّيب، على إنه أراد بالريحان أزهارا بيضا، تشابه الماء في بعض الأحوال. وقد يجوز أن يقال للورد الأبيض ريحان. وأقول: قوله: الماء يوصف بالسّواد. . . وبالزّرقة، وإنما يوصف بالخضرة ماء البحر يريد أن ماء غير البحر لا يوصف بالخضرة، لأن لفظة إنما تفيد إثبات الشّيء المذكور ونفي ما عداه، تقول: إنما له عندي درهم، فتثبت الدرهم، وتنفي ما سواه، فهي بمنزلة: ما وإلاّ في قولك: ما له عندي إلا درهم، وهذا يقتضي أن لا يوصف بالخضرة إلا ماء البحر فيكون، على هذا، قول ربيعة بن مقروم: (المتقارب) طوامي خضرا كلون السّماء ... يزين الدّراريّ فيها النّجوما

стр. 397

خطأ، وذلك خطأ من قائله. وقوله: والناس يخصّون بالرّيحان ضربا من النّبت، وهو معروف. فيقال له: هذا (الذي) هو معروف هو الذي شبّه به أبو الطّيب الماء الذي كان صافيا في الغدران بالرّيحان، وعلاه الدّم، فكان فوقه كالشّقائق، لا الذي يجيزه أهل العلم من وقوعه على كل نبت، وتخصيصك له بالزّهر الأبيض وأن يكون الورد. وقال في قوله: (الطويل) تصيب المجانيق العظام بكفّه ... دقائق قد أعيدت قسيّ البنادق عند قوم أن ميم منجنيق أصلية، وانّ نونها زائدة، يدلّ على زيادتها حذفها في الجمع، والقياس لا يمنع من أن تكون الميم زائدة، لأنك إذا حذفت النون، رجع الأصل إلى مجنق، والميم كثيرة الزّيادة في مفعل حتى أوجب ذلك أن يحكم عليها بالزّيادة كما يحكم على همزة أفعل. وقد روى بعضهم كلام العرب: كانت بيننا حروب عون فقيء فيها العيون، نجنق تارة ونرشق أخرى. ووصف الشاعر الممدوح بأنه لطيف، يصيب بحجر المنجنيق للطف رأيه، ما لا تصيبه البندقة التي تخرج من قوس البندق.

стр. 398

فيقال له: إذا ثبت زيادة النّون بسقوطها في الجمع، لم يجز أن يحكم بزيادة الميم، لأن الزّيادتين، لا تكون في شيء من الأسماء أولا، إلا في الأسماء الجارية أفعالها. وما روي من يجنق وجنقونا كقولهم: لآّل لبائع اللؤلؤ، ففي: جنقونا بعض حروف منجنيق وليس منه، وكذلك لآّل فيه بعض حروف لؤلؤ. وقوله: ووصف الشّاعر الممدوح بلطف الحيلة، وإنه يصيب بحجر المنجنيق بلطف رأيه ما لا تصيبه البندقة. فيقال له: ليست تلك لطافة، وإنما تلك كثافة! والمعنى غير ذلك. وهو إنه يردي أن الممدوح يصيب الأشياء ويأخذها بالمظاهرة، والمغالبة، لقوته واقتداره، إذا أخذها غيره بالمخاتلة والمسارقة، وضرب لذلك مثلا بالمجانيق وقسيّ البنادق. والبيت الذي قبله يدلّ على هذا التفسير وهو: (الطويل) ولم أر منه غير مخاتل ... وأسرى إلى الأعداء غير مسارق وقال في قوله: (الخفيف) لو تنكّرت في المكرّ لقوم ... حلفوا أنّك ابنه بالطّلاق يقول: لو تنكّرت في المكرّ، لئلاّ يعرفك من جرت عادته بعرفانك، لحلفوا انك ابن المكرّ، لا ابن أبيك المشهور. وإنما حملهم على ذلك أنهم يجدونك فيه سالما. فكأنّه

стр. 399

أب لك، مشفق عليك، من أن يصيبك جرح من سيف، أو رمح. وإن حمل على أنهم يريدون إنه ابن أبيه لشبه به، فهو محتمل. فيقال: الوجه الأول ليس بشيء! والوجه الثاني، هو الذي أراده الشّاعر، ويدل عليه ما قبله وهو: (الخفيف) يا ابن (من) كلّما بدوت بدا لي ... غائب الشّخص حاضر الأخلاق فالضّمير في قوله: ابنه راجع إلى أبيه لا إلى المكرّ. وقوله: لو تنكرت في المكرّ. . . . . . . . . . . . . . . لم يبيّن لم خصّ المكرّ بذلك، وهو: لما يظهر فيه من شجاعته، وإقدامه، وشدّة قتاله. فيحلف على انك ابنه، لما علم من شجاعة أبيك، واشتهر من إقدامه إنه لا يفعل ذلك الفعل إلا من هو منه. وفي هذا أحسن مدح له ولأبيه. وقال في قوله: (الخفيف) ألف هذا الهواء أوقع في الأن ... فس أن الحمام مرّ المذاق هذا البيت، والذي بعده، يفضلان كتابا من كتب الفلاسفة، لأنّهما متناهيان في الصّدق، وحسن النّظام. ولو لم يقل شاعر سواهما، لكان له فيهما جمال وشرف.

стр. 400

وقال في قوله - وهو البيت الثاني منهما: (الخفيف) والأسى قبل فرقة الرّوح عجز ... والأسى لا يكون بعد الفراق يقول: ينبغي للإنسان أن يسهّل أمور العاجلة على نفسه، فإذا كان حيا فما ينبغي أن يحزن لعلمه أن فراق نفسه يكون، لأنه لم يكن بعد فإذا فارقته نفسه، فقد أمن من الأسى، ورجع إلى حال العدم وفراق الحسّ. وأقول: أن الشّيخ لم يذكر لم جاء بهذا المثل، ولا ما بين البيتين، والبيت الذي قبلهما، من الاتّصال والتناسب. والذي يقال في هذا أن قوله: (الخفيف) قلّ نفع الحديد فيك فلا يل ... قاك إلاّ من سيفه من نفاق أي: لما اشتهر من شجاعتك، وعلم من أرائك الأقران، وإنّ كلّ من لاقاك، مقاتلا مقتول، قلا يلقاك إلا من يقاتلك، ويدفعك عن نفسه بسيفه من نفاق أو رمح من خضوع، خوفا من الموت، وذلك أن ألف الهواء لذيذ، به تدوم الحياة. فالنفس تعلم، أن الموت الذي يضادّ الحياة، طعمه يضادّ طعمها، فهو مرّ مذاقه، وكان ينبغي لهذا الجبان (إن) لا يحزن، لأنّ حزن المرء على الشيء يكون بعد فقده لا قبله. ونفس الإنسان لا يتصور فيها ذلك، لأن حزنه عليها قبل فراقها، عجز وجهل، وبعد فراقها لا يكون حزن، فعلى هذا، ينبغي للجبان أن لا يجبن فيذلّ ويخضع.

стр. 401

وقال في قوله: (المنسرح) فقلت أن الفتى شجاعته ... تريه في الشّحّ صورة الفرق قال: الفتى هاهنا، يعني أبو العشائر. وذلك أبلغ من أن يكون الفتى شائعا في الفتيان، لأنه إذا شاع فيهم، كان أبو العشائر كواحد منهم، وإذا خصّ بالفتوّة، فهو مميّز من كلّ الفتيان. ووصفه بالشّجاعة، وادّعى أن شجاعته توهمه إنه يفرق من الشّحّ، فتريه الشّجاعة صورة الفرق، فكأنه يقبل تلك الصورة. فيقال للشيخ: الألف واللاّم في الفتى للجنس، وضربه مثلا فقال: أن الفتى، وهو الكامل الأخلاق، تريه شجاعته (انه) إذا بخل فقد جبن، فلا يبخل كما لا يجبن، ولا معنى لقوله: يقبل تلك الصورة. وهذا المعنى قد جاءه في شطر بيت من قوله: (البسيط) هو الشّجاع يعدّ البخل من جبن ... هو الجواد يعدّ الجبن من البخل

стр. 402

وقال في قوله: (المنسرح) بضرب هام الكماة تمّ له ... كسب الذي يكسبون بالملق يريد: إنه على ما يلحق بالأعداء، محبوب كأنه يتملّقهم، أي: يلّين لهم الكلام. وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى، أن أبا العشائر تمّ له كسب الأموال من أعدائه، بضرب رؤوسهم وقتلهم، مثل كسب الذين يكسبون من غيرهم بالتّلطّف، أي: بكسب المال بالبأس، والقوّة والعزّ، كما يكسب غيره بالسّؤال، والضّعف والذلّ. وقال في قوله: (المنسرح) كن لجّة أيّها السّماح فقد ... آمنه سيفه من الغرق يقول: كن، أيها السّماح، كلّجة البحر، فسيف هذا الممدوح يؤمنّه من أن يغرق، فأدّعى أن سيفه يؤمنّه من كل الحوادث، وهذا إفراط بيّن المبالغة، وتجاوز الحدّ. وأقول: هذا قول أبي العلاء، وهو شاعر، فما قولك في غيره من شرّاح الديوان؟! وأبو الطّيب لم يدّع أن سيفه يؤمنّه من كلّ الحوادث. وإنما قال: كن لجّة أيّها السّماح. . . . . . . . . . . . أي: كثيرا مثل لجّة البحر، فأن سيفه يؤمنه من الغرق، من قولهم: فلان

стр. 403

غرق في العطاء، إذا (أكثر منه) فأذهب ماله، أي: سيفه يؤمنّه من الإقلال، بقتل أعدائه، وأخذ أموالهم. فجعل سيفه بمنزلة السّفينة التي تحمله بما يكسبه مؤمنا (له) من الغرق. وقال في قوله: (الرجز) ذو غرّة في وجهه كالشّارق ... كأنّها من جسمه في بارق باق على البوغاء والشّقائق يقول: لون هذا الفرس كلون بارق، فكأنه قد تخلّف على الأرض. فيقال له: ليس قوله: باق من صفة البارق، ولا البرق، وإنما هو من صفة الفرس. يريد، إنه قويّ ثابت صبور على البوغاء وهو التراب الرقيق، والشّقائق: الرّمل في الأرض الغليظة، والابردين: الغداة والعشيّ، والهجير الماحق: هو الشّديد أي: لم ينقص ذلك من قوّته.

стр. 404

وقال في قوله: (الرجز) والابردين والهجير الماحق زعم، أن البارق الذي شبّه به الفرس، طال مكثه في الأرض، وليس ذلك من عادة البارق، فهو باق على الابردين، والهجير الماحق، أي: الشّديد. فيقال: هذا مبنيّ على قوله في باق إنه من صفة البارق، والصّحيح إنه من صفة الفرس، لما ذكرته. وقال في قوله: (الرجز) يترك في حجارة الأبارق آثار قلع الحلي في المناطق مشيا فأن يعد فكالخنادق يقول: آثاره إذا مشى، في حجارة الأبارق، كآثار قلع الحلي في المناطق، وإذا عدا كان الذي يغادره من الأثر كالخنادق. ثم وصف الخنادق فقال: لو وردت غبّ مطر

стр. 405

فملأها ماء لأحسبت، فملأها ماء لأحسبت، أي: حفت خوامس الايانق التي يرد خمسا، وهي توصف بكثرة الشّرب، وقد بالغ هذا القائل في صفة ما تغادره من الآثار حوافر فرسه. والذي يوصف به الحافر، إنه وأب ليس بالواسع ولا الضّيق. وإنما ينبغي للمبالغ في صفة الفرس بالخفّة، أن يدّعى لحوافره إنها لا تقع على الأرض من خفّته، إذ كانوا يشّبهون الفرس بالبازي، والصّقر، وغيرهما من الطّيور. وأقول: إنه لم يصفه هاهنا بالخفّة، وإنما وصفه بقوّة القوائم، وصلابة الحوافر، وشدة تأثيرها في الأرض. وقد ذكرت ما في البيت في شرح ابن جنّي، فلينظر هناك. وقال في قوله: (الرجز) بذّ المذاكي وهو في العقائق العقائق: جمع عقيقة وهو الشّعر الذي يخرج على المولود. والمعنى، أن أمه سبقت الخيل، وهو في بطنها، وذلك لغزارة جريها، لأنها إذا سبقت وهي حامل، فكيف بها إذا كانت مضمّرة؟ وهذا مثل قول الآخر في وصف فرس: (الرجز) قد سبق الجياد وهو رابض فكيف لا يسبق هو راكض!

стр. 406

أي: رابض في بطن أمّه. وأقول: هذا وهم من الشّيخ، في قول أبي الطّيب، إنه سبق الخيل وهو في بطن أمه، بل في حال خرجه من بطن أمّه في عقيقته، لأنّ العقيقة الشّعر الذي يخرج على الولد، كما ذكر، وبالغ أبو الطّيب في ذلك، إذ جعله سبق المسّان من الخيل، في حال لم يكن فيها فلوا، ولا جذعا، ولا حوليا، بل في حال الولادة وهذه مبالغة. وابلغ منها البيت الذي استشهد به، وهو سبقه في بطن أمه، وذلك إذا حقّق، لم يكن السّبق له، وإنما السّبق لأمّه التي جرت به فسبق. وقوله: (البسيط) ربّ نجيع بسيف الدولة انسفكا ... وربّ قافية غاظت به ملكا

стр. 407

قال: لم يزاحف أبو الطّيب زحافا تنكره الغريزة، إلا في هذا الموضع! ولا ريب إنه قاله على البديهة، ولو أن لي حكما في البيت لجعلت لوّله: كم من نجيع. . . . . . . . . . . . لأنّ ربّ تدلّ على القلّة، وإنما يجب أن يصف كثرة سفك دماء الأعداء. ويحسّن ذلك أن ربّ جاءت في النّصف الثاني، وهي ضدّ كم. وأقول: أن قوله: لم يزاحف زحافا تنكره الغريزة، إلا في هذا الموضع إنما كان ذلك لأنّ مستفعلنّ جاء مطويّا فثقل واضطرب بحذف رابعه السّاكن، واجتماع ثلاثة متحركات، ولو خبن فجاء على مفاعلن لم تنكره الغريزة، لأنه صار على وتدين مجموعين اتّزنا. وقد جاء ذلك كثيرا في شعره كقوله: (البسيط) أظبية الوحش لولا ظبية الأنس ... لما غدوت بجدّ في الهوى تعس فجاء الخبن في الجزء الأول والجزء الخامس، ولم يتبيّن فيه النّقص، إلا إنه حسّن من زحافه - أعني: ربّ نجيع - إنه جاء هاهنا أولا لم يتقدّمه أجزاء خالفها، فأشبه الخرم الواقع في أول حرف من أول جزء في البيت. وأمّا وضعه كم موضع ربّ، وقوله أن كم للكثرة وربّ للقلة، وإنه يجب أن يصفه بكثرة سفكه دماء الأعداء، فيقال: أن ربّ قد تستعمل أيضاً للكثرة، وقد جاء ذلك في نحو قول الأعشى: (الخفيف) ربّ رفد هرقته ذلك اليو ... م وأسرى من معشر أقتال

стр. 408

وقول سويد بن أبي كاهل: (الرمل) ربّ من أنضجت غيظا قلبه ... قد تمنّى لي موتا لم يطع وذلك، أن قوله موضع مدح وفخر، فلا يراد به القلّة، وقد ذكر ذلك علماء العربية. وقوله: ويحسّن ذلك، أن ربّ جاءت في النصف الثاني وهي ضد كم. فكأنه أراد تحسين الطباق بين القلّة والكثرة. فيقال: هذا، وان كان تحسينا في اللفظ، فأنه تقبيح في المعنى، لأن ربّ تتمخّض فيه للقلّة فيلزم على ذلك، أن يصفه بقلة غيظه للملوك، وهو يخالف المقصود. والصواب إبقاء البيت على ما هو عليه، واحتمال إنكار الغريزة للوزن، لتعريف صحّة المعنى. وإذا تأمّل هذا التّغيير، علم فوق بين ما صار إليه ممّا كان عليه. على أن الواحديّ روى عن الشّيخ في تغيير ابن جنّي قول أبي الطّيب: (البسيط) . . . . . . . . . وشرّف الناس إذ سوّاك إنسانا بقوله: أنشأك إنه (قال): لا يمكن أن يغيّر من شعره كلمة بأحسن منها. فكيف رجع عن هذا القول؟! وقوله: (البسيط) من يعرف الشمس لا ينكر مطالعها ... أو يبصر الخيل لا يستكرم الرّمكا

стр. 409

قال: والرمكة لم تجيء في الشعر، إلا أن تكون شاذّة، لأنها إذا جاءت في حشو البيت، اجتمعت فيها أربعة أحرف متحركة، وذلك مستثقل. وأقول: أن تعليله شذوذها بأنها جاءت على أربعة أحرف متحركة، يقتضي شذوذ كلّ ما جاء على وزنها، من نحو: الحركة، والعجلة، والكلمة، والشّجرة، وما أشبه ذلك. ويقال له: فإذا استثقل ذلك حشوا فلم يشذّ في آخر البيت وقد زالت العلّة بسكون الرّابع؟ وقوله: (المتقارب) كأنّك سيفك لا ما ملك ... ت يبقى لديك ولا ما ملك قال: وصفه بالجود ووصف سيفه بالمضاء، وذلك إنه شّبهه بسيفه، فسيفه لا يبقي ما لديه بالضّرب، بل يفصله، وهو لا يبقي ما لديه من المال، بل يفرقه فجعل ما يملك سيف الدولة من العطّية، بمنزلة ما يملكه سيفه من الضّريبة، كلاهما ماض في فعله لا يليق شيئا.

стр. 410

وقوله: (البسيط) ولو نقصت كما قد زدت من كرم ... على الورى لرأوني مثل قاليكا قال: لو نقصت نقصا، مثل زيادتك في كرمك، لرآني الناس مثل مبغضك. وأقول: هكذا قول أبي الطّيب! فكأنه فسّر قوله، بقوله! والمعنى: أنك في أقصى الزّيادة من كرمك على النّاس، وشانيك في أقصى النّقص، فأضاف النقص إلى نفسه، وهو يريد نقص مبغضه، أي: لو أني ممّن ينقص كزيادتك، لكنت في نهاية النّقص، كما انك في نهاية الزيادة (في الكرم) وقوله: (الوافر) أتتركني وعين الشمس نعلي ... فتقطع مشيتي فيها الشّراكا

стр. 411

قال: هذا كما تقول: أتكرمني هذه الكرامة وأفارقك؟ أي: أن ذلك لا يجب، ولا يحسن، لأنك قد رفعتني حتى جعلت عين الشّمس نعلي، فأمشي فيها مشيا يقطع الشّراك، أي: لا ينبغي أن افعل ذلك. وأقول: أن هذا ضربه مثلا، أي: قد أحللتني محلّة رفيعة، فأنا لا اعرف حفظها، ولا احسن التمتّع بها. فجعل الشمس بمنزلة النّعل الحسنة، التي ينبغي للابسها أن يرفق بها، لئلاّ ينقطع شراكها فتسقط من رجله، وفي هذا غضّ من نفسه وتحقير لها، أي: لست من أهل هذه المنزلة، ولا ممّن يعرف قدر هذه النعمة فيحافظ عليها، وهذا من جليل الأمثال ودقيق المعاني. وقوله: (الوافر) ولولا أن أكثر ما تمنّى ... معاودة لقلت: ولا مناكا قال: إنما يريد مناه التي تخطر بقلبه، لا الأماني التي تبلغ، لأنه يجّل عليه أن يتمنّى شيئا لم يكن بعد، لأن الأماني ربّما تعلّل بها أخو الهمّ. ومن ذلك قول القائل: (البسيط) إذا تمنّيت بتّ الليل مغتبطا ... أن المنى رأس أموال المفاليس (وأقول:) انظر إلى هذا التفسير، وتفريقه بين المنى والأماني، وهذا كلام من لم يشمّ رائحة المعنى الذي أراده أبو الطّيب.

стр. 412

وأقول: أن هذا البيت مرتّب على البيت الذي قبله، وهو قوله: (الوافر) إذا التّوديع أعرض قال قلبي ... عليك الصّمت لا صاحبت فاكا يقول: أن قلبي، لكراهية الفراق، يأمرني بالصّمت عند الوداع، فيدعو عليّ إذا عزمت عليه فيقول: لا صاحبت فاك أن نطقت به، فقال: ولولا أن أكثر مناه العود إلى عضد الدولة، لقلت: وأنت لا صاحبت مناك. وقوله: . . . . . . أكثر ما تمنّى ... معاودة. . . . . . . . . يدل على إنه تمنّى الإقامة في الأهل والأوطان، وتمنّى العود إلى الممدوح، إلا أن تمنّيه العود أكثر، فلم يقدر أن يقول (له: وأنت) لا صاحبت مناك، لأنّ أكثر مناه العود إلى عضد الدّولة، فهذا هو المعنى لا سواه. وقوله: (الوافر) قد استشفيت من داء بداء ... وأقتل ما أعلّك ما شفاك قال: يقول لقلبه: قد استشفيت من داء، وهو فراق هذه الحضرة، بداء، وهو الوداع، واقتل ما أعلك، الذي يشفيك فيما تظنّ، وهو وداعك. وأقول: لم يفهم المعنى!

стр. 413

ومعنى قوله: قد استشفيت من داء بداء. . . . . . . . . أي: من فراق اهلك بفراق عضد الدولة، وهو أعظم منه، وهذا مثل قوله: (البسيط) . . . . . . . . . كالمستغيث من الرّمضاء بالنار وضدّ قوله: (البسيط) . . . . . . . . . أنا الغريق فما خوفي من البلل وقوله: (الوافر) وكنت أعيب عذلا في سماح ... فها أنا في السّماح له عذول قال: المعنى أني كنت أعيب عذلا في السّماح، فلمّا دام هذا المطر عذلته في الدّوام، لأنه قد منعنا من السّير. وهذا اللفظ على أن سيف الدولة أراد المسير، فسأله الشاعر أن يثبّت.

стр. 414

وأقول: هذا التّفسير، فيه تناقض، وذلك انه، كما ذكر، سأله التثبّت، وكما قال: رويدك وتأيّ وجودك بالمقام. فكيف يعذل السّحاب على الدوام، وقد حصل له به ما أراد من التثبّت والمقام؟ فذكر الدّوام ليس بشيء، وإنما عذله بسبب الكثرة، وان كانت لا تمنع سيف الدولة من السّفر كما قال: (الوافر) وما أخشى نبوّك عن طريق ... وسيف الدّولة الماضي الصّقيل وكذلك البيت الذي يليه. على أن السّماح إنما يكون من السّحاب بالكثرة، لا بالدّوام، فأنّ إنسانا لو أعطى إنسانا في عام، كلّ يوم فلسا، لم يعدّ ذلك سماحا، ولو أعطاه ألف دينار، في ساعة لعدّ ذلك سماحا. وقوله: (المتقارب) فلمّا نشفن لقين السّياط ... بمثل صفا البلد الماحل قال: يقول: أن عرف الخيل ابيض، فلمّا يبس على ظهورها، لقين السّياط بمثل صفا البلد الماحل، أي إنها مبيضّة بالعرق، فكأنّ السّياط منها بأرض بيضاء لم يصبها مطر.

стр. 415

(وأقول:) انظر إلى هذا التفسير الذي لم يقله بصير! وأين هو عن تشبيه أكفالها بالصّخر في البلد المحل؟ فهو اصلب له، وهذه شنشنة لهم معروفة، وطريقة مألوفة، كقول علقمة: (البسيط) . . . . . . . . . جلذيّة كأتان الضّحل علكوم وأشباه ذلك. فالتشبيه إنما وقع من جانب الصّلابة لا من جانب اللون (على أن الصّخر يختلف لونه باختلاف الأرض، فلا يختصّ بلون البياض دون غيره). وقوله: (المتقارب) وما بين كاذتي المستغير ... كما بين كاذتي البائل قال: شبّه العرق ونزوله، بنزول البول. وقد ذهب بعض من فسّر هذا البيت (إلى) أن الفرس إذا أعيا تباعد ما بين فخذيه، فكأنّه فرجهما ليبول، والأول أشبه. وأقول: لم يرد الشّاعر ذلك، وإنما وصفه بتباعد ما بين الرّجلين، فأنّ تقاربهما صكك كما قال زهير: (البسيط)

стр. 416

. . . . لا فحج فيها ولا صكك فجعل تباعد ما بين فخذيه، كتباعد البائل للمبالغة. وقوله: (المتقارب) بضرب يعمهّم جائر ... له فيهم قسمة العادل قال: وصف الضّرب بالجور، أي: إنه يسرف، فيكون كمن يجوز. وقوله: . . . . . . . . . . . . فيهم قسمة العادل أي: يقدّ الرّجل، فيجعله كالذي قسم جسمه، وهذا كما يروى عن علي ﵇ إنه كان إذا اعتلى قدّ، وإذا اعترض قطّ. وأقول: مثل هذا قوله في وصف السّيف وهبه له ابن العميد: (الخفيف) يقسم الفارس المدجّج لا يس ... لم من شفرتيه إلاّ بداده وقوله: (المتقارب) فظلّ يخضّب منها اللّحى ... فتى لا يعيد على النّاصل

стр. 417

قال: يخضّب لحاهم بالدّم، كما يخضّب الشّيب بالحنّاء والكتم، الاّ أن عادة من يخضب شيبه إذا نصل أن يعيد الخضاب، وهذا الخاضب لا يفعل ذلك. وأقول: إنه لم يتبيّن لِمَ لم يفعل ذلك؟ وذلك أن ضرباته إبكار، لا تثنّى، كما يحكى عن ضربات عليّ ﵇ فهو إذا ضرب القرن فخضّبه بالدماء، كانت تلك الضّربة قاضية لا يسلم منها (فينصل الخضاب)، فيحتاج إلى أن يضربه ثانية ليعيد الخضاب. وقوله: (البسيط) أعلى الممالك ما يبنى على الأسل ... والطّعن عند محبّيهنّ كالقبل قال: قال: الطّعن عند محبّيهنّ لأنه جعل الطّعن جمع طعنة، والأشبه أن يكون مصدر طعن، فلو إنه في غير الشّعر، لكان الوجه أن يقول: والطّعن عند محبّيه. وأقول: أن الضمير في محبّيهنّ راجع إلى الممالك، لا إلى الطّعن، فجعل الممالك بمنزلة المعشوقات، والطّعن بمنزلة القبل، أي: الطعن طّيب سهل، في جنب وصل الممالك، فإذا كان الضّمير كذلك، فليترك الشّعر شعرا، ولا يغيّر، ويغيّر له الضّمير.

стр. 418

وقوله: (البسيط) هو الشّجاع يعدّ البخل من جبن ... هو الجواد يعدّ الجبن من بخل قال: وصفه بالشّجاعة، وزعم إنه يرى البخل جبنا من قلّة المال، فهو يتركه لأنه شجاع، يرى البخل جبنا، ويعدّ الجبن من بخل، أي إنه إذا جبن، فقد بخل بنفسه على الحمام. وأقول: أن قوله: جبنا من قلّة المال أي: خوفا لأجل قلّة المال، لأنه يقال: فعلته من أجلك، أي: لأجلك. وفي تفسيره هذا، قصور عبارة عن هذا المعنى الطائل، واللّفظ الهائل، وهو أن الشّجاع إذا اقدم في الحرب، ولم يقدم على إنفاق ماله خوفا من الفقر، فقد بخل، وذلك البخل يعدّ جبنا، لأنه لو كان شجاعا، وقد جاد بنفسه، جاد بماله، فالضّنّ به جبن. وكذلك الجواد إذا جاد بماله ولم يجد بنفسه خوفا من القتل، فقد جبن، وذلك الجبن يعدّ بخلا، لأنه أو كان جوادا، وقد جاد بماله، جاد بنفسه فالضّنّ بها بخل. والمعنى: إنه وصف الممدوح بصفتين كاملتين اجتمعتا فيه، فجعله شجاعا لا يبخل، وجوادا لا يجبن، لأن هاتين الصّفتين قد تفترق، كما يحكى عن ابن الزّبير إنه كان شجاعا بخيلا، وعن جماعة من بني اميّة، وبني العبّاس، انهم كانوا سمحاء جبناء. وأقول: إنه اتّفق لأبي الطّيب في هذا البيت، من جودة الصّنعة بتركيب الألفاظ وتقليبها، وتهذيب المعنى وتكميله ما لم يتّفق لغيره.

стр. 419

وقوله: (الكامل) أنّي لأبغض طيف من أحببته ... إذ كان يهجرنا زمان وصاله قال: قال في أول القصيدة: (الكامل) لا الحلم جاد به ولا بمثاله. . . . . . . . . . . . فزعم أن الحلم، لا يصل إلى أن يريه الخيال. ثم ذكر بعد ذلك، إنه يبغض طيف من احبّه، وهذا يشبه أقوال الشّعراء (الشيء) ثم رجوعهم عنه، وهو الذي يسمّى الاكذاب، ومنه قول زهير: (البسيط) قف بالدّيار التي لم يعفها القدم ... بلى وغيّرها الأرواح والدّيم وأقول: من أين زعم أن هذا رجوع عن الشّيء، وإكذاب له؟ ولعلّه أراد بقوله: فزعم أن الحلم لا يصل إلى أن يريه الخيال إنه وصل إلى الخيال هو بنفسه، وذلك بتذكّره له، وتفكّره فيه، ولا يكون ذلك إلا عن قصد وإرادة ومحبّة، ثم اكذب ذلك بقوله: إني لأبغض طيف من أحببته. . . . . . . . . فهذا الذي تبينته من تقرير مأخذه (أو يكون أنكر على الحلم كونه لم يجد له به أو بمثاله، حيث نفى ذلك عنه، وذلك لحبّه اياه، فلما جاد بمثاله وهو طيف قال: أني لأبغض)

стр. 420

والجواب عنه، أن التقدير الذي قدّره من قوله: فزعم أن الحلم لا يصل إلى أن يريه الخيال، وإنه هو الذي وصل إليه غير صحيح. والتقدير الصّحيح في قوله: لا الحلم جاد به ولا بمثاله. . . . . . . . . أي: لو لم اذكر وداع المحبوب والزّيال وأتخيّله، لم يجد الحلم بالخيال، فالعاشق لم يقصد خيال المحبوب، ولكنه لما تذكّر المحبوب في حال اليقظة، رآه في حال النّوم. فرؤيا الخيال إنما وقعت عرضا واتّفاقا، لا تعمدّا واشتياقا. فإذا صحّ ذلك فسد قوله: إنه رجوع عن الأول، واكذاب له. وقوله: (المتقارب) فلم لا تلوم الذي لامها ... وما فصّ خاتمه يذبل قال: هذه مبالغة عظيمة، لأنه جعل الذي يجترئ على لوم هذه الخيمة، يجب أن يكون فصّ خاتمه مثل هذا الجبل المستعظم. وكيف يلومها وهو حقير؟! إنما شخصه كشخص غيره من النّاس. وأقول: غير هذه العبارة أحسن منها! والمعنى: أن هذه الخيمة مستحيل أن تعلو وتشمل من يشمل الدّهر، كما إنه مستحيل أن يكون فصّ خاتم إنسان هذا الجبل العظيم الذي هو يذبل فالخيمة حقيرة بالإضافة

стр. 421

إلى سيف الدولة، كما أن الإنسان حقير بالإضافة إلى هذا الجبل، أن يجعله فصّ خاتمه، فينبغي إذا لامها على ترك العلّو على سيف الدولة، أن تلومه على ترك التّختّم بخاتم فصّه يذبل! فهذا كأنّه ذكره على طريق المجادلة، لا على ما ذكره. والضمير في تلوم من قوله: فلم لا تلوم. . . . . . . . . . . . يحتمل أن يعود إلى المخاطب، ويحتمل أن يعود إلى الخيمة، على وجه المقابلة، وهو الأحسن، ليكون الجدال بينها وبين لائمها، وهو اقرب في الاستعارة. وقوله: (المتقارب) جعلتك بالقلب لي عدّة ... لأنك باليد لا تجعل ذكر فيه وجهين: أحدهما لا معرّج عليه. والآخر أصاب فيه، إلا إنه زاد فيه زيادة نقصته. وهو قوله: أي جعلتك عدّتي بقلبي، لأنك أجلّ من أن تجعل باليد. والزيادة قوله: لأنّها إنما تتصرّف فيما صغر من الاشياء، والقلب يتّسع في الضمير حتى إنه يضمر ما لا يدرك. وأقول: هذا ليس بشيء!

стр. 422

والمعنى، إنه جعل سيف الدولة سيفا لا كالسّيوف، لأن السّيوف يعتدّ بها في الأيدي، وسيف الدولة يعتدّ به في القلب، يعني: بإخلاص الولاء والمحبة، فلا معنى لسعة القلب ولا ضيقه! وقوله: (المتقارب) أنلت عبادك ما أمّلت ... أنالك دهرك ما تأمل قال الشيخ: تأمل من آخر القصيدة - يعني هذا البيت - لا يجوز ترك همزه، لأنه يصير سنادا، وكذلك همزة مأسل من قول امرئ القيس: (الطويل) . . . . . . . . . وجارتها أمّ الرّباب بمأسل وأقول: إنه أراد بترك همزة الإبدال ألفا محضة، لا مخفّفة، لأن المخفّفة عندهم كالمحقّقة، ويدلّ على ذلك قول امرئ القيس: (الطويل) أرى أمّ عمرو دمعها قد تحدّرا ... بكاء على عمرو فما كان اصبرا إذا قلت: هذا صاحب قد الفته ... وقرّت به العينان بدّلت آخرا

стр. 423

فأراد المخففة فكأنه قال: أأخرا ولو أراد الإبدال لكان ذلك سنادا كما قال، فعلى هذا يجوز تخفيف همزة مأسل وتأمل لا إبدالها، وهو المقصود من كلامه بعدم الجواز. وقوله: (البسيط) أجاب دمعي وما الدّاعي سوى طلل ... دعا فلبّاه قبل الرّكب والإبل قال: يريد أن دمعه سبق أن يقف به الرّكب. وأقول: هذا ليس بشيء! بل شجا الركب والإبل بمرورهم به، أو وقوفهم عليه، فكأنه دعا دموعهم فسبق دمعه الرّكب والإبل، لفرط غرامه، وزيادة شوقه. فأمّا وصف الرّكب بالوجد والبكاء فظاهر، وأمّا وصف الإبل بذلك فمستعمل كقول متمّم: (الطويل) فما وجد أظآر ثلاث روائم ... رأين مجرا من حوار ومصرعا إذا شارف منهنّ قامت فرّجعت ... حنينا فأبكى شجوها الركب اجمعا وكذلك الخيل كقول عنترة: (الكامل) وأزورّ من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليّ بعبرة وتحمحم

стр. 424

وقول أبي الطّيب: (الطويل) مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي، وهل تشجو الجياد المعاهد وقوله: (البسيط) ما بال كلّ فؤاد في عشيرتها ... به الذي وما بي غير منتقل قال: أجود ما يقال في هذا المعنى، أن يجعل الذي يجده من الشّوق، كأنه شخص، والشّخص إذا حصل في مكان شغله، ولم يشغل غيره، فإذا اعتقد ذلك صحّ إنكاره، لثبات وجده، لأنه في أماكن كثيرة، والشخص لا يشغل مكانين. (قلت): وكان ينبغي أن يقول هاهنا: والشخص ينتقل، وهذا لا ينتقل. قال: وأما العرض، فلا يشغل مكانا، فإذا كان في قلب واحد، جاز أن يكون في قلوب عالم كثير. وأقول: هذا الذي ذكره، في غاية التكلّف، ونهاية التّعسّف! والمعنى: (أقرب من ذلك وهو) إنه استفهم متعجبا: كيف فؤاد (كلّ) رجل في عشيرتها به من حبّها مثل الذي به؟ وان ذلك يدعو إلى حفظها، ومنعها، وعدم

стр. 425

الوصول إليها، ويوقع اليأس من وصلها، ومع ذلك (فأنه) لا يسلوها، ولا ينتقل ما به من هواها. وقوله: (الوافر) شديد البعد من شرب الشّمول ... ترنج الهند أو طلع النّخيل قال: قدّم الخبر في قوله: شديد البعد، ولو جعل النصف الآخر مكان الأول لكان حسنا، وكلا الوجهين سائغ. وأقول: أن تفسيره هذا محمول على ظاهر الكلام من غير تقدير، وليس له معنى صحيح، أو كأنّ الشيخ وقف على ما ذكر ابن جنّي فيه، أو وقف عليه فارتضى قوله، وهو غير مرضيّ، والصحيح، أن تقدير الكلام: أنت شديد البعد من شرب الشّمول فحذف المبتدأ ثم قال: ترنج الهند، أو طلع النّخيل، ما تصنع به، فحذف الخبر لأن قرينة الحال تدلّ عليهما وتقود إليهما.
следующие страницы →