Полный текст (1 138 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
إلى سيف الدولة، كما أن الإنسان حقير بالإضافة إلى هذا الجبل، أن يجعله فصّ خاتمه، فينبغي إذا لامها على ترك العلّو على سيف الدولة، أن تلومه على ترك التّختّم بخاتم فصّه يذبل!
فهذا كأنّه ذكره على طريق المجادلة، لا على ما ذكره. والضمير في تلوم من قوله:
فلم لا تلوم. . . . . . . . . . . .
يحتمل أن يعود إلى المخاطب، ويحتمل أن يعود إلى الخيمة، على وجه المقابلة، وهو الأحسن، ليكون الجدال بينها وبين لائمها، وهو اقرب في الاستعارة.
وقوله: (المتقارب)
جعلتك بالقلب لي عدّة ... لأنك باليد لا تجعل
ذكر فيه وجهين: أحدهما لا معرّج عليه.
والآخر أصاب فيه، إلا إنه زاد فيه زيادة نقصته. وهو قوله: أي جعلتك عدّتي بقلبي، لأنك أجلّ من أن تجعل باليد.
والزيادة قوله: لأنّها إنما تتصرّف فيما صغر من الاشياء، والقلب يتّسع في
الضمير حتى إنه يضمر ما لا يدرك.
وأقول: هذا ليس بشيء!
стр. 422
والمعنى، إنه جعل سيف الدولة سيفا لا كالسّيوف، لأن السّيوف يعتدّ بها في الأيدي، وسيف الدولة يعتدّ به في القلب، يعني: بإخلاص الولاء والمحبة، فلا معنى لسعة القلب ولا ضيقه!
وقوله: (المتقارب)
أنلت عبادك ما أمّلت ... أنالك دهرك ما تأمل
قال الشيخ: تأمل من آخر القصيدة - يعني هذا البيت - لا يجوز ترك همزه، لأنه يصير سنادا، وكذلك همزة مأسل من قول امرئ القيس: (الطويل)
. . . . . . . . . وجارتها أمّ الرّباب بمأسل
وأقول: إنه أراد بترك همزة الإبدال ألفا محضة، لا مخفّفة، لأن المخفّفة عندهم كالمحقّقة، ويدلّ على ذلك قول امرئ القيس: (الطويل)
أرى أمّ عمرو دمعها قد تحدّرا ... بكاء على عمرو فما كان اصبرا
إذا قلت: هذا صاحب قد الفته ... وقرّت به العينان بدّلت آخرا
стр. 423
فأراد المخففة فكأنه قال: أأخرا ولو أراد الإبدال لكان ذلك سنادا كما قال، فعلى هذا يجوز تخفيف همزة مأسل وتأمل لا إبدالها، وهو المقصود من كلامه بعدم الجواز.
وقوله: (البسيط)
أجاب دمعي وما الدّاعي سوى طلل ... دعا فلبّاه قبل الرّكب والإبل
قال: يريد أن دمعه سبق أن يقف به الرّكب.
وأقول: هذا ليس بشيء! بل شجا الركب والإبل بمرورهم به، أو وقوفهم عليه، فكأنه دعا دموعهم فسبق دمعه الرّكب والإبل، لفرط غرامه، وزيادة شوقه. فأمّا
وصف الرّكب بالوجد والبكاء فظاهر، وأمّا وصف الإبل بذلك فمستعمل كقول متمّم: (الطويل)
فما وجد أظآر ثلاث روائم ... رأين مجرا من حوار ومصرعا
إذا شارف منهنّ قامت فرّجعت ... حنينا فأبكى شجوها الركب اجمعا
وكذلك الخيل كقول عنترة: (الكامل)
وأزورّ من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليّ بعبرة وتحمحم
стр. 424
وقول أبي الطّيب: (الطويل)
مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي، وهل تشجو الجياد المعاهد
وقوله: (البسيط)
ما بال كلّ فؤاد في عشيرتها ... به الذي وما بي غير منتقل
قال: أجود ما يقال في هذا المعنى، أن يجعل الذي يجده من الشّوق، كأنه شخص، والشّخص إذا حصل في مكان شغله، ولم يشغل غيره، فإذا اعتقد ذلك صحّ إنكاره، لثبات وجده، لأنه في أماكن كثيرة، والشخص لا يشغل مكانين.
(قلت): وكان ينبغي أن يقول هاهنا: والشخص ينتقل، وهذا لا ينتقل.
قال: وأما العرض، فلا يشغل مكانا، فإذا كان في قلب واحد، جاز أن يكون في قلوب عالم كثير.
وأقول: هذا الذي ذكره، في غاية التكلّف، ونهاية التّعسّف!
والمعنى: (أقرب من ذلك وهو) إنه استفهم متعجبا: كيف فؤاد (كلّ) رجل في عشيرتها به من حبّها مثل الذي به؟ وان ذلك يدعو إلى حفظها، ومنعها، وعدم
стр. 425
الوصول إليها،
ويوقع اليأس من وصلها، ومع ذلك (فأنه) لا يسلوها، ولا ينتقل ما به من هواها.
وقوله: (الوافر)
شديد البعد من شرب الشّمول ... ترنج الهند أو طلع النّخيل
قال: قدّم الخبر في قوله: شديد البعد، ولو جعل النصف الآخر مكان الأول لكان حسنا، وكلا الوجهين سائغ.
وأقول: أن تفسيره هذا محمول على ظاهر الكلام من غير تقدير، وليس له معنى صحيح، أو كأنّ الشيخ وقف على ما ذكر ابن جنّي فيه، أو وقف عليه فارتضى قوله، وهو غير مرضيّ، والصحيح، أن تقدير الكلام: أنت شديد البعد من شرب الشّمول فحذف المبتدأ ثم قال: ترنج الهند، أو طلع النّخيل، ما تصنع به، فحذف الخبر لأن قرينة الحال تدلّ عليهما وتقود إليهما.
стр. 426
وقوله: (الطويل)
ويوما كأنّ الحسن فيه علامة ... بعثت بها والشمس منك رسول
قال: هذا معنى لطيف. أراد أن الحسن في هذا اليوم، كأنّه علامة بعثت بها هذه المذكورة إليه، وإنّ الغبار ثار وستر الشمس، فكأنها رسول من حبيب مستخف.
وأقول: أن قوله أن الغبار ثار فستر الشمس ينفي حسن ذلك اليوم، ومع ذلك، فليس في الكلام دليل عليه. والصحيح ما قاله الواحديّ، إنه استحسن اليوم لما كان قبله من استشباعه الليل، وأضاف حسنة إلى الحبيبة، يقول: كأنك بعثت الشمس رسولا، وحسن اليوم منك علامة، لأنه حسن بالشمس، فكأن الشمس جاءت بحسنه، وكأنّ الحبيبة بعثت ذلك الحسن.
وقوله: (الطويل)
إذا الطّعن لم تدخلك فيه شجاعة ... هي الطّعن لم يدخلك فيه عذول
قال: يقول: إذا لم تكن فيك شجاعة تدخلك في الطّعن، أي: تحملك على أن تطاعن فتصيب وتصاب لم يدخلك فيه من يعذلك.
стр. 427
وأقول: أن الجماعة لم يفرّقوا بين الطّعنين في قوله: إذا الطّعن، وقوله: هي الطّعن
وهل الطعن الأول هو الثاني أو غيره؟ وأرى أن بينهما فرقا، وان التكرار لزيادة معنى، وهو أن الأول مصدر، والثاني اسم جنس، جمع طعنة، أي: إذا لم يدخلك في صفة طعن الأبطال شجاعة هي الطعن، أي فعل الطّعن، لم يدخلك فيه كلام من يعذلك! أي: إذا لم يكن للإنسان باعث من نفسه وفعله الجميل على الذّكر الجميل، لم يبعثه كلام من خارج.
وقوله: (الطويل)
وكلّ أنابيب القنا مدد له ... وما ينكت الفرسان إلاّ العوامل
قال: أراد أن العرب كلّها مدد لسيف الدولة، وإنه كعامل القناة، وما ينكت الفرسان إلا عوامل الرّماح.
стр. 428
وأقول: أن كان توهّم أن الضّمير في له عائد على سيف الدولة، فليس كذلك، ولكنه عائد على القنا. والمعنى: أن أنابيب القنا، وإن تساوت في كونها مددا لها في طعن الفرسان، إلا أن الأنبوب الأعلى، وهو العامل، هو الذي ينطت الابطال، أي: يكبّها ويلقيها، فضرب ذلك مثلا لأصحاب سيف الدولة (وله)، يقول: هم، وان كانوا مددا له، (فهو أعلاهم وأشرفهم)، فليس لهم غناء، ولا تأثير في الحرب إلا به، وهذا ينظر إلى قوله: (المتقارب)
أمام الكتيبة تزهى به ... مكان السّنان من العامل
وقوله: (الخفيف)
قارعت رمحك الرّماح ولكن ... ترك الرّامحين رمحك عزلا
قال: يقول: قارعت الرماح رمحك، فترك الرامحين عزلا، أي: لا سلاح معهم.
وأقول: إنه لم يزد على قول أبي الطّيب، إلا بتفسيره العزل، وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير!
والمعنى: وصف سيف الدّولة بحذقه في الطّعن. يقول: أن الرماح قارعت رمحه
(ولكن) لم تغن شيئا، لأنه بطلّها وعطلّها، فصار الرّامح بمنزلة الأعزل. ويحتمل معنى
стр. 429
غير وصفه بالحذق، وهو وصفهم بالخوف.
وهذا، كأنه مثل ضربه لمفاخرة غيره له من الملوك، يقول: قابلوا مفخرك بمفاخرهم، فتركتهم كأن لا مفخر لهم. وينظر إلى قوله: (الكامل)
أكلت مفاخرك المفاخر وانثنت ... عن شأوهنّ مطيّ وصفي ظلّعا
وقوله: (الخفيف)
ما لنا كلّنا جو يا رسول ... أنا أهوى وقلبك المتبول
قال: الاجود، أن ترفع كلّنا على الابتداء، ويكون: جو خبره. وكان بعض النّاس يخفض كلّنا ويجعله تأكيدا للضّمير في لنا، وهذا وجه رديء، لأنه يوجب نصب جو على الحال فيقال: ما لنا كلّنا جويّا، فأن لم يفعل ذلك فهو ضرورة.
وأقول: أن تأكيد لنا بكلّنا يوجب أن يكون الحال جمعا، فيقال: ما لنا كلّنا جوين، لأنك إنما أفردت جو خبرا لمّا جعلت كلّنا مبتدأ، فحملت الخبر على لفظها لأنه مفرد، فأمّا إذا أكدت به ضمير الجمع، تمحّص في الجمع، لأنه صار من تمامه وأشبه أجمعين فكأنك قلت: وما لنا أجمعين جوين. فلا يجوز جويا كما لا يجوز: ما للزيدين قائما، ومثل هذا مسألة الإيضاح: أنتم كلكم بينكم درهم. قال: إذا جعلت كلاّ تأكيد أنتم كأنك قلت: أنتم بينكم درهم، وانتم
стр. 430
كلكم بينهم درهم، إذا جعلت كلاّ مبتدأ، لأنه اسم موضوع للغيبة، كأنك قلت: أنتم غلمانكم بينهم درهم.
وقوله: (الخفيف)
وسوى الرّوم خلف ظهرك روم ... فعلى أيّ جانبيك تميل
قال: يقول: أعداؤك كثير، وليس الروم أعداؤك دون غيرهم، فلأيّهم تقاتل؟!
وأقول: إنه أشار بذلك إلى بمن مصر والعراق، وجعلهم وراءه، لأنه مستقبل الشمال لغزو الرّوم، فهما عن منكبيه (غربا وشرقا، ويمينا وشمالا)، فقال: على
أي جانبيك تميل، أي: تميل عن غزو الرّوم، إلى غزوهم.
وقوله: (المنسرح)
أنا ابن من بعضه يفوق أبا ال ... باحث والنّجل بعض من نجله
قال: المعنى: أنا من بعضه يفوق أبا الباحث الذي يبحث عن نسبي وأصلي، وبعضي يفوق أباه وأنا بعض أبي.
стр. 431
وأقول: أن قوله: وبعضي يفوق أباه خطأ - وهكذا رأيته في النسخة المنقول منها، والصواب: بعض أبي. يقول: إذا كنت أنا افضل أبا الباحث عن نسبي وأنا بعض أبي، لزم ضرورة أن أكون أفضل من الباحث، لأنه بعض ابيه، وقد فضلته، فكيف أبي الذي أنا بعضه؟
وقوله: (المنسرح)
قد هذّبت فهمه الفقاهة لي ... وهذّبت شعري الفصاحة له
لم يذكر معنى البيت، وإنما ذكر (لغة) الفقاهة، قال: وهي العلم، ويروى عن العرب أنهم يقولون: فحل فقيه، أي: عالم.
وأقول: معناه، أن فطانته هذّبت فهمه لي، أي: للإحسان إليّ، والإنعام عليّ، وفصاحتي هذّبت شعري له، أي: للثّناء عليه وإهداء المديح إليه.
وقوله: (المنسرح)
فصرت كالسّيف حامدا يده ... ما يحمد السّيف كلّ من حمله
قال: المعنى أن يد الممدوح يد شجاع، وأنا سيف ماض، فهي تحمدني، وأنا احمدها.
стр. 432
وأقول: لم يصب المعنى، ولا في الكلام ما يدلّ على أن اليد تحمده. والمعنى أن السّيف بلا يد الممدوح في الحرب بالضّرب فوجدها تعطيه حقّه فحمدها على ذلك، وأنا ايضا، مثل السّيف، بلوتها في الجود فوجدتها تعطيه حقّه، فحمدتها على ذلك.
وقوله: (الكامل)
لك يا منازل في الفؤاد منازل ... أقفرت أنت وهنّ منك أواهل
يعلمن ذاك وما علمت وإنما ... أولاكما يبكي عليه العاقل
قال: يعلمن ذاك: أي: منازلك التي في الفؤاد، يعلمن بحالك وحالهنّ، فهنّ أواهل بذكرك، وأنت مقفرة من ذكر أهلك، ولست تذكرين منازلك التي في الفؤاد، وأولاكما بأن يبكي عليه، العاقل، أي: منازلك في الفؤاد.
وأقول: أن قوله:
يعلمن ذاك. . . . . . . . . . . .
إشارة إلى قوله:
. . . . . . . . . أقفرت أنت وهنّ منك أواهل
أي: المنازل التي في الفؤاد، تعلم إنها آهلة، من منازل الأحباب المقفرة، وهي لا
стр. 433
تعلم ذلك، فالأولى أن يبكى على المنزل العاقل، لا الجاهل، فهذا هو المعني، وما ذكره فمخلّط ومخبّط!
وقوله: (الكامل)
لو طاب مولد كلّ حيّ مثله ... ولد النّساء وما لهن قوابل
قال: هذا الكلام يؤدّي إلى أن الممدوح ادّعى له الشاعر، إنه لما ولد لم يحتج إلى قابلة.
فأقول: هذا الكلام لم يؤدّ إلى ذلك، بل يؤدّي إلى إنه لمّا ولد وجد، من تيسير أمره وطيب مولده وطهارته ما دلّ قابلته، وغيرها، على أن النّساء لو ولدن كمولده، لم يحتجن إلى قوابل.
وقوله: (الكامل)
من لي بفهم أهيل عصر يدّعي ... أن يحسب الهنديّ فيهم باقل
قال: قد عاب بعض النّاس أبا الطّيب، لما جعل باقلا ينسب إلى حساب الهند، لأنه لا يوصف بذلك وإنما يوصف بالعيّ، وقد ذكرت ذلك الشعراء - وانشد أبياتا لحميد الأرقط الرّاجز يصف ضيفا، وكان مغرى بهجاء الضّيفان،
منها موضع
стр. 434
الاستشهاد: (الطويل)
أتانا وما داناه سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل
فما زال عنه اللقم حتى كأنّه ... من العيّ لمّا أن تكلم باقل
وأقول: لا خلاف أن باقلا كان يوصف بالعيّ، وإنما أبو الطّيب أشار إليه في قضية مشهورة، تدلّ على العيّ بعدم العبارة، وعلى سوء الحساب بسوء الإشارة. وذلك إنه لما أشار بأصابعه العشر، وقد سئل عن ثمن الظّبي فساب، والأصابع آلة الحساب، كان كالحاسب! فكان ينبغي له أن يشير إلى السّائل بالثّمن اشارته، فلمّا لم يفعل جمع بين ترك العبارة وسوء الإشارة.
وقوله: (المنسرح)
يقلبهم وجه كل سابحة ... أربعها قبل طرفها تصل
قال: هذا إسراف في المبالغة يخرج إلى الكذب الذي لا يجوز أن يكون مثله، ومع هذا، فأن القوائم إذا وصلت قبل الطّرف فقد وصف النّظر بالضّعف.
وأقول: أن تفضيله قوائمها في السّرعة على طرفها، لا يدلّ على ضعفه، لأن حدّة طرف الجواد معلومة، كقول أبي داؤد: (الهزج)
стр. 435
حديد الطرّف والمنكب والعرقوب والقلب
وكذلك إذا فضّلت على البرق في السّرعة، لا يدلّ على ضعف البرق، وإنما يقصد بذلك المبالغة في الصّفة، لا نقص المفضّل عليه.
وقوله: (المنسرح)
قصدت من شرقها ومغربها ... حتى اشتكتك الركاب والسّبل
قال: في هذا البيت مبالغتان:
إحداهما: يجوز أن يكون مثلها، وهي ادّعاؤه، أن الرّكاب تشتكي الممدوح، من كثرة ما تركب اليه، فهذا يجوز مثله، لأنها إذا صارت انضاء، وأخذ منها السّير، فكأنها تشتكيه.
والأخرى: ادّعاؤه أن السّبل تشتكيه، أي: الطّرق، فهذا ما لا يمكن أن يكون.
فيقال له: اشتكاء الإبل والطّرق مجاز، فلا يمكن أن يكون، فإذا جوّزت ذلك في الإبل، لكثرة ما تركب وينضيها السّير، فلم لا يجوز مثل ذلك في الطّرق لكثرة ما تسلك ويؤثّر فيها السّير!؟
وقوله: (المنسرح)
لم تبق إلا قليل عافية ... قد وفدت تجتديكها العلل
стр. 436
قال: يقول: وهبت مالك وغيره، حتى كأنك قد وهبت أكثر صحتك، فلم تبق إلا عافية قليلة، قد وردت تسألك، أن تهبها لها العلل.
وأقول: أن الشّيخ قد اخذ عليه مآخذ في مواضع غير سائغة! ولم يقل في هذا الموضع شيئا. وأرى أن مخاطبته للممدوح بقوله:
لم تبق إلا قليل عافية. . . . . . . . .
أي: لم تبق من صحّتك، وسلامتك، إلا شيئا يسيرا. وإنّ العلل قد وفدت عليك تأخذها منك، من التّطيّر له بالموت، والبشارة له بالهلاك. وهل يسوغ لعاقل أن يقول لمريض: ما بقي فيك إلا عافية يسيرة، قد جاءت العلل لأخذها منك! وقوله:
لم تبق إلا يسير عافية. . . . . . . . .
يدلّ على إنه وهب أكثر العافية، فترى على من جاد بها؟ ولم أبقى هذا اليسير وجعله جدوى للعلل؟ وكلّ (هذا) تكلّف للاغراب، وتعمّق في المعاني، وضدّ قوله: (المنسرح)
أبلغ ما يطلب النجاح به ال ... طّبع وعند التّعمّق الزّلل
وقوله: (الوافر)
بقائي شاء ليس هم ارتحالا ... وحسن الصّبر زمّوا لا الجمالا
стр. 437
قال: بقائي شاء، أي: أراد أن يرتحل عني، وهم لم يشاءوا الرّحيل، وهذه دعوى، لأنهم قد شاءوا الرحيل لا محالة، وادّعى أنهم زمّوا حسن الصّبر. . . ولم يزمّوا الإبل، وتلك دعوى ليست بالصّحيحة، لأن أصحاب الإبل، إذا ارتحلوا فلا بدّ من الأزمّة.
وأقول: أعجب من الشّيخ! كيف ينكر على أبي الطّيب مثل هذا، مع اطّلاعه على أشعار العرب، وكلامها، وما فيه من الإغراق في المبالغة، والتّوسع في الاستعارة، وهذا كما يقال: ما مات كعب، ولكن ماتت السّماحة، وما زال قسّ، ولكن زالت الفصاحة، وإن كان كعب قد وقع فيه الموت، وقسّ منه الزوال، ومنه قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) وقول عبده بن الطّيب: (الطويل)
وما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنّه بنيان قوم تهدّما
وقوله: (الوافر)
وحجّبت النّوى الظّبيات عنّي ... فساعدت البراقع والحجالا
ذكر الشيخ القافية: الجلالا جمع جلّ وفسّره: ما جلّل به الهودج، وغيره: الحجالا، وهي المشهورة.
وقال: يقال: برقع وبرقع وبرقوع واستشهد
стр. 438
على برقوع بقول الشّاعر: (الطويل)
وخدّ كبرقوع الفتاة ملمّع ... وروقين لمّا يعدوا أن تقشّرا
وقال: يجوز أن يكون زاد الواو في برقع ضرورة، لإقامة الوزن، ولو لم يجيء بالواو لكان في البيت زحاف، وهذا الضّرب من الزّحاف يتساوى في حذف حرف ساكن، ويكون في بعض الأبيات احسن منه في غيره، ويجب أن يكون ذلك لأجل
حروف الكلمة، فإذا حذفت الواو من برقوع في البيت المتقدّم ذكره، نفر منه الطّبع أكثر من نفاره من قول امرئ القيس: (الطويل)
إذا قامتا تضوّع المسك منهما ... نسيم الصّبا جاءت بريّا القرنفل
ولم يذكر الشّيخ ما ذلك؟!
وأقول: إنما كان بيت امرئ القيس، زحافه أسوغ من الأول، لأجل حرف المدّ ثالثا، لما فيه من الاستطالة باللّين، فكأنه خلف المحذوف بما فيه من المدّ، لأنه: متاتضو: مفاعلن. ويدلّ على ذلك، لزوم الرّدف في كل بحر سقط من أتم بنائه حرف متحرك أو زنته. وأما الأول فثالثه الرّاء: كبرقعل: مفاعلن لا مدّ فيه، ففضله من هذا الوجه.
стр. 439
وقوله: (الوافر)
وضفّرن الغدائر لا لحسن ... ولكن خفن في الشّعر الضّلالا
قال: وصفهنّ بكثرة الشّعر، وأنّهنّ ضفّرن الغدائر، لا ليحسنّ بذلك، (بل) خفن أن يضللن في الشّعر، أي: يغبن، من قوله تعالى: (أئذا ضللنا في الأرض) أي غبنا، وهذه مبالغة في الصّفة، إذا صحّت للمرأة كانت عيبا. وقد وصفت الشعراء الشّعر بالكثرة، ولكنها لم تفرط في ذلك مثل هذا الإفراط.
وأقول: أن أبا الطّيب لم يرد الكثرة، وإنما أراد اللون. وكذلك أن الشعراء إذا شبّهت الشّعر، شبّهته بالظلام للونه، لا لكثرته، وقد قال المنبجيّ: (الكامل)
فالوجه مثل الصّبح مبيضّ ... والشّعر مثل الليل مسودّ
وقال بكر بن النّطّاح: (الكامل)
فكأنها فيه نهار مشرق ... وكأنه ليل عليها مظلم
وقال أبو الطّيب: (الطويل)
بفرع يعيد الليل والصّبح نيّر ... ووجه يعيد الصّبح والليل مظلم
стр. 440
وأشباه ذلك. فإذا صحّ ذلك، فإنما ضفّرن غدائرهنّ خيفة الضّلال، في ليل شعورهنّ، لا للكثرة، وإنما غرّه الظرفية بذكر في والظرف (إنما هو) الليل من الشّعر على وجه الاستعارة لا الشّعر.
وقوله: (الوافر)
يكون أحقّ إثناء عليه ... على الدنيا وأهليها محالا
قال: يقول: كلّ ما يوصف به من الكرم والأفعال الجميلة، يكون حقا، وإذا وصف به أهل الدنيا، كان محالا، فإذا قيل: كريم، فالقائل صادق محقّق، وإذا قيل لغيره: كريم، فالقائل كذاب محيل، أي: أتى بالمحال، وكذلك إذا أثنى عليه بالشّجاعة والحلم وغيرهما.
وأقول: لم يزد في الشّرح على ما ذكر أبو الطيب في النظم، إلا كثرة كلام! والمعنى، المبالغة في المكارم والفضائل، يقول: أن الممدوح وحده قد كمل كمالا استحق به من الثّناء ما لو يثنى به على الدنيا وأهليها، مع كثرة من فيها، لكان محالا، لأنه لا مناسبة ولا مقاربة بينه وبينهم في ذلك، فهو للمتناهي في المكارم يثنى عليه بما حقّه يكون محالا، لو أثني عليه، ويدل على المبالغة في ذلك البيت الذي بعده.
стр. 441
وقوله: (الوافر)
ويا ابن الضاربين بكلّ عضب ... من العرب، الأسافل والقلالا
قال: القلال: جمع قلّة، وهي أعلى الرأس، وجعلهم يضربون الأسافل، لأنهم إذا ضربوا الفارس في قلّة رأسه، نزل السّيف أسفل جسده.
وأقول: أن الشّيخ لم يتنبّه على هذا المعنى اللطيف، ولا غيره من شرّاح الديوان، وهو إنه جعل هذا الممدوح، لفرط إقدامه وشجاعته، يضرب بسيفه العرب للقتل ما تضربه بسيوفها من الإبل للعقر، وهي الأسافل والأعالي، ولهذا، خصّ العرب
بذلك دون غيرهم من الناس.
وقوله: (الوافر)
جواب مسائلي: أله نظير ... ولا لك في سؤالك لا، ألا، لا
التقدير في هذا البيت: جواب مسائلي: اله نظير؟ لا. ولا لك في سؤالك أيها السّائل نظير، لجهلك بالممدوح. وقوله ألا لا تأكيد في النّفي يحتمل أن يكون للمسئول عنه على الانفراد، ويحتمل أن يكون للسائل، وأن يكون لهما جميعا.
стр. 442
وقال الشّيخ أبو العلاء: واسهل من هذا، أن يصرف إلى معنى آخر. وذلك انهم يقولون: ما بفلان من الضّلال والألال، فيجعلون الألال كالأتباع، وتابع الشيء كائن في معناه، أو قريبا منه.
وقدّر بذلك تقديرين بعيدين غير سائغين.
وأقول: أن الاتباع استعماله (يكون) مع المتبوع، فانفراده منه، وانقطاعه عنه بعيد. فإذا كان كذلك، فهذا الوجه الذي ذكر إنه الأسهل الأقرب، هو الأبعد الأصعب!
وقوله: (الكامل)
تشكو روادفك المطيّة فوقها ... شكوى التي وجدت هواك دخيلا
قال: يقول: تشكو المطية حملك، كأنها تشكو دخيلا في قلبها من حبّك.
وأقول: هذا التفسير، على أن المطية الموصوفة، المحذوفة، التابعة، هي في المعنى، الأولى، وهو كما تقول: لقي الرجل الذي تعهده عمرا لقاء المسرور به، أي: الرّجل المسرور به، ولا يعني بالرّجل الثاني غير الأول.
ويحتمل وجها آخر، وهو أن يكون الضمير في وجدت عائدا إلى النّفس، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله تعالى: (كل من عليها) وقوله:
стр. 443
على مثلها. . . . . .
ويعني الشّاعر بذلك نفسه، لأنه العاشق. وقوله: (الكامل)
حدق يذمّ من القواتل غيرها ... بدر بن عمّار بن إسماعيلا
قال: زعم، أن الممدوح يذمّ، أي: يعطي الذّمة من كلّ القواتل، الاّ من هذه العيون. فقد أفرط في صفة العيون بتمكّنها من القتل إلا إنه جعل الممدوح لا يستطيع أن يمنعهنّ من القتل.
فيقال له: أن الممدوح يذمّ من القواتل التي هي السّهام، والرّماح، والسّيوف، وما يمكن الشجاع أن يذمّ منه. فأمّا العيون القواتل، فأنه لا يمكنه أن يذمّ منهنّ، ويمنعهنّ من القتل. فليس على الشّاعر في (وصفه) بذلك إنكار، ولا على الممدوح (عار)، إلا أن يمنعهنّ من القتل بأحد شيئين، بمعنى قول أبي نواس: (الطويل)
سأشكو إلى الفضل بن يحيى بن خالد ... هواها لعلّ الفضل يجمع بيننا
أو بمعنى قوله: (البسيط)
علّ الأمير يرى ذلّي فيشفع لي ... إلى (التي) تركتني في الهوى مثلا
стр. 444
وقوله: (الكامل)
محك إذا مطل الغريم بدينه ... جعل الحسام بما أراد كفيلا
قال: يقول: هذا الرّجل، إذا مطل الغريم بدينه، جعل الحسام كفيله بقضاء الدّين، وإنما يعني بالغريم، من جنى جناية يجب أن يعاقب عليها، فجعل تأديب الجانين كالدّين للممدوح، يتقاضاه بالسّيف كفلاء لم بما يريد.
وأقول: أن المحك، هو الخصم المتمادي في اللّجاج، والغريم هنا، هو خصمه، أي: قرنه، والدّين هو مهجته. يقول: إذا مطل غريمه، أي: خصمه، بدينه، أي: بمهجته، ومانع ودافع لشجاعته، جعل سيفه كفيلا بمراده، وهو أخذ روحه، لأنّ هذا الدّين، وهو الروح، لا يقتضي إلا بهذا الكفيل، وهو السّيف. فهذا التفسير أبلغ وأولى من جعل الغريم الجاني، وأحواله مختلفة في الجناية، وتأديبه بالسيف. ولعله
لا يستحقّ ذلك، ولأنه مناسب لما قبله من قوله: (الكامل)
الفارج الكرب العظام بمثلها. . . . . . . . .
وقوله: (الكامل)
أعدى الزّمان سخاؤه فسخا به ... ولقد يكون به الزّمان بخيلا
стр. 445
قال: ادّعى أن الممدوح أعدى بسخائه الزّمان، فسخا به على البشر، وإنما حمله على السّخاء إنه أعداه، ولولا ذلك لكان بخيلا به.
وأقول: أن هذا التّفسير يقتضي النهاية في الإغراق، وذلك أن الشيء المعدي لغيره لا بد أن يكون موجودا معه، وقريبا منه. وهذا لمّا أعدى الزمان بالسّخاء فسخا به على البشر كان معدوما، لأنه لا يكون له جود وهو موجود. فهذا في الإغراق والاحالة، أكثر من قول أبي نواس: (الكامل)
وأخفت أهل الشّرك حتى إنه ... لتخافك النّطف التي لن تخلق
وقوله: (الكامل)
حتى الذي في الرّحم لم يك نطفة ... لفؤاده في جوفه خفقان
(وفيه معنى اقرب من هذا قد ذكرته).
وقوله: (الكامل)
ومحلّ قائمه يسيل مواهبا ... لو كنّ سيلا ما وجدن مسيلا
قال: زعم أن ما يسيل من كفّ هذا الرّجل، لو كان سيلا لم يصب موضعا يسيل فيه.
стр. 446
و (أقول): هذا هو لفظ البيت، وهذا التّفسير، يحتاج إلى بيان، وذلك أن فيه أخبارا عن كثرة عطائه بتفضيل يده على السّحب، لأن ما ترسله السّحب من مائها يجد مسيلا. ولو كان ما تجود به يد الممدوح من المال ماء، لم يجد مسيلا لكثرته، كأنه يريد أن الدنيا تصير به بحرا.
وقوله: (الكامل)
رقّت مضاربه فهنّ كأنما ... يبدين من عشق الرّقاب نحولا
قال: أي: رقّت مضارب هذا السّيف، كأنهنّ يعشقن الرقاب، فكأنّ العشق انحلهنّ.
فيقال له ولأبي الطّيب: ولم ينحلن من عشق (الرّقاب)، والنحول إنما يكون بسبب الهجر ومنع الوصال؟ أفكذلك مضارب سيفه في هجر الرّقاب لها، ومنع الوصال منها، وفي ذلك فساد المعنى؟! والجواب عنهما أن يقال: أن النحول يمكن الوصل والتلاف، خوفا من الهجر والفراق، وفي ذلك صلاح المعنى.
وقوله: (الكامل)
لو كان ما تعطيهم من قبل أن ... تعطيهم لم يعرفوا التأميلا
стр. 447
قال: يقول لو انك تقدّمت أعطيتك من قبل أن تعطيهم، لما جرت الآمال في قلوبهم، لأن العطايا كانت تأتيهم بغير أمل.
وأقول: أن قوله: أن العطايا كانت تأتيهم من غير أمل ليس بشيء. والصحيح، أن الأمل للشيء، إنما يكون عند الحاجة إليه، فلو كان تقدّم عطاؤك في الناس، لأغناهم بكثرته، فغنوا بع عن التأميل، فلم يعرفوه.
(أو) يقول: أن عطاءك يسبق الأمل، فالأمل إنما عرف بسبب عطاء غيرك، لتأخّره عن المحتاج إليه، فلو كان عطاؤك تقدّم، لم يعرف أحد الأمل لغنائه عنه.
وقوله: (الكامل)
مطرت سحاب يديك ريّ جوانحي ... وحملت شكرك، واصطناعك حاملي
قال: أي أن شكرك عظيم ثقيل، وقد حملته، واصطناعك قد حملني مع شكرك، فدلّ ذلك على أن اصطناعك يزيد في القوة عليّ، لأنه حملني وحمل شكرك.
стр. 448
وأقول: لم يرد القوّة، وانّ اصطناعه زاد عليه بها، وإنما هذا أخبار من الشّاعر، عن حالتين اجتمعتا له، من كونه حاملا محمولا، فيهما، كلتيهما، ثناء على
الممدوح، أي: أنا حامل للشّكر، محمول بالإحسان. والواو في قوله: واصطناعك حاملي واو الحال، فقد اجتمع في حالة إنه حامل محمول، وفي هذا إغراب في المعنى، وإتقان للصناعة.
وقوله: (الكامل)
فمتى أقوم بشكر ما حمّلته ... والقول فيك علوّ قدر القائل
قال: يقول: متى أقوم بشكر ما أوليت من الجميل وإذا شكرتك، فإنّما أرفع قدري بذلك.
وأقول: هكذا قال أبو الطّيب، وتفسيره غير ذلك!
والمعنى: إنه قد علم واستقرّ أن شكر المنعم جزاء انعامه، وإنما كان جزاء لما فيه له من حسن الذكر، وعلوّ القدر، فكأنّ المنعم عليه جازى، بقوله الجميل، فعل المنعم بالجميل، فكسبه فخرا بشكره، ومجدا بذكره. وهذا الممدوح، قد كمل كمالا ارتفع به عن شكر من يزيده فيه، فالشّاكر له والذّاكر لا يرفع من قدره،
وإنما يرفع من قدر نفسه
стр. 449
لكونه تشرّف (بمدحه) وجوده كما قال: (الوافر)
وقبض نواله شرف وفخر ... وقبض نوال بعض القوم ذام
وقوله: (الكامل)
سفك الدّماء بجوده لا بأسه ... كرما لأنّ الطّير بعض عياله
قال: اراد، إنه قتل الناس وغرضه أن تأكلهم الطّيور، وحمله على ذلك الجود. والمعنى يحتمل ذلك، وابلغ منه في صفة الممدوح، أن يدّعي له أن ينحر ويذبح، ليأكل الطير ما يجده من اللحم فكأنه سفك الدّماء بجوده.
وأقول: المعنى الجيّد الجليل هو الاول، وإنما حقّره، بتحقير العبارة، ليحسّن (الثاني) وهو غير حسن بالإضافة إلى الأول. والمعنى أن الممدوح سفك دماء الأعداء بجوده للطير، لأنها بعض عياله، أي أن عياله أجناس، من الناس والطّير
والوحش، ولم يفعل ذلك لبأسه على الأعداء، لأن البأس والقتال إنما يكون بمن يهتّم به ممن يخاف منه
стр. 450
من عدوّ مماثل أو خصم مصاول،
والممدوح أجلّ من ذلك، وإنما يقتلهم ويسفك دماءهم جودا على بعض عياله وهو الطّير. ومثل هذا المعنى قوله فيه أيضا: (الرمل)
ما به قتل أعاديه ولكن ... يتّقي إخلاف ما ترجو الذّئاب
فهذا المعنى مبتكر، وذلك مطروق، فهو أبلغ منه وأمثل.
وقوله: (السريع)
قد أتت الحاجة مقضّية ... وعفت في الجلسة تطويلها
قال: وزنها من السّريع، وقافيتها من المتدارك، وهي، على قول الخليل، من الطّاء (في تطويلها) إلى آخر البيت.
وأقول: أن حدّه القافية من الطاء إلى آخر البيت خطأ، لأن القافية، على رأي الخليل، من آخر إلى أول ساكن يليه، مع حركة ما قبله أو متحركة، فيكون، على هذا، من آخر البيت، إلى حركة الواو، أو الواو. ولعلّه توهّم أن الرّدف الواو، فجعل الطّاء قبلها أول القافية، وذلك وهم.
وقد رأيت بعض الحذّاق في القوافي
стр. 451
سبق إلى ذهنه من غير تأمل أن الياء من قول أبي نواس: (الطويل)
أجارة بيتينا أبوك غيور. . . . . . . . .
هي الرّدف، وليس كذلك، إنما هو الواو. والشيخ لا يشكل عليه مثل هذا، إلا أني رأيته في نسخة بخطّ كاتبه.
وقوله: (الرجز)
له إذا أدبر لحظ المقبل
قال: بعض الكلاب إذا عدا التفت في عدوه، وقد ذكر ذلك الحكميّ، في صفة
الكلب فقال: (الرجز)
لفت المشير موهنا بناره
وأقول: إنما وصفه بالتيقّظ وحدّة النّظر فبالغ فقال: إذا أدبر ما وراءه، كما يدرك ما قدّامه، وفسّر ذلك بقوله: (الرجز)
يعدو إذا احزن عدو المسهل
стр. 452
أي: يتساوى لحظه في سرعة إدراك الشّيء في حالة إدباره وإقباله، ويتساوى عدوه في السّرعة في حال أحزانه وإسهاله، أي: لا يمنعه الإدبار من إجادة النّظر، ولا يمنعه الأحزان من إجادة العدو، وأمّا قول أبي نواس: (الرجز)
لفت المشير موهنا بناره
واللّفت: هو اللّيّ، فإنما يصفه بسرعة الانثناء والتّعطّف خلف الصّيد، لا الالتفات في العدو.
وقوله: (الرجز)
لا يأتلي في ترك أن لا يأتلي
قال: أي لا يقصّر في ترك ألا يقصّر
وأقول: إنه مقصّر، لأنّ النّفي إثبات، ولم يذكر هاهنا زيادة لا، لأن بذلك يصحّ المعنى، فيصير: لا يقصّر في ترك أن يقصّر، وترك التّقصير جدّ.
وقوله: (الخفيف)
وله في جماجم المال ضرب ... وقعه في جماجم الأبطال
فهم لاتّقائه الدّهر في يو ... م نزال وليس يوم نزال
стр. 453
قال: يقول: يهب المال فتعلم الأبطال أنهم إذا اجروا إلى خطأ، أو تعدّوا على ضعيف، كان قادرا على معاقبتهم، وكفّ أيديهم، بالقوم الذين يعطيهم ماله، فالأبطال معه طول زمنهم في نزال، وان لم يكن ثمّ حرب ولا منازلة.
وأقول: هذا الذي ذكره اصلح مما ذكره ابن جنّي والواحديّ، وارى فيه وجها غير الوجوه المذكورة، وهو إنه وصف الممدوح بكثرة العطاء، فاستعار للمال جماجم ليقابل بها جماجم الأبطال، وجعل كثرة تفريقه له ضربا فيها، وذلك يوقع هيبة في قلوب الرجال، فكأنه وقع في جماجم الأبطال.
وقوله: (الخفيف)
رجل طينه من العنبر الور ... د وطين العباد من صلصال
فبقّيات طينه لاقت الما ... ء فصارت عذوبة في الزّلال
قال: زعم أن بقايا طينه لاقت الماء فصارت عذوبة فيه، والطيب ليس للعذوبة، وكان تشبيهه بغير ذلك أحسن في هذا الموضع، فلو قال: لاقى زهر الربيع أو نحو ذلك لكان أشبه من عذوبة الماء.
وأقول: أن الطّيب يكون في الرائحة وفي الطّعم، فوصف طينه الذي جبل منه بالطّيب في الرائحة، فجعله لن العنبر، ووصفه مع ذلك بالطّيب في الطّعم، فجعله يطيب الماء عذوبة، لأن التّرب ما يكون ملحا، ومنه ما يكون مرّا، ومنه ما يكون حلوّا طيبا، والمياه إنما يكون طعمها طعم الأرض التي تكون فيها، لمجاورتها واكتسابها
стр. 454
منها، فعلى هذا التّفسير قوله: لاقت الماء، أحسن من قوله: لاقت الزّهر، وقد روي: طينه وطيبه وكلاهما يؤدي ذلك المعنى، ويراد بطيبه، على هذا التّفسير، طيب الطعم، لا طيب الرائحة، لئلا يتوجّه عليه ما ذكره الشيخ.
وقوله: (الطويل)
تحقّر عندي همّتي كلّ مطلب ... ويقصر في عيني المدى المتطاول
وما زلت طودا لا تزول مناكبي ... إلى أن بدت للضّيم فيّ زلازل
لم يذكر الشيخ أبو العلاء، ما في هذا المكان من التّباين، وهو وصف همتّه بالعظم، وانّ المدى المتطاول يقصر في عينه، وإنه طود لا يزول، وذلك يمنعه
من أن يضام أقلّ ضيم، فكيف جعل للضّيم ولازب بدت في هذا الطّود الذي لا يزول؟ ومن المجترئ على هذا الخطر العظيم، والمتعرّض لهذا الخطب الجسيم؟ وهذا تباين بيّن. وقد قال الشيخ الكنديّ: نزل من سماء تعاظمه إلى قعر الاعتراف بحلول الضّيم به سريعا.
وقوله: (البسيط)
تدري القناة إذا اهتزّت براحته ... أن الشّقيّ بها خيل وأبطال
стр. 455
قال: ادّعى للقناة الدراية بما يفعله الفارس الذي هي معه، وهذا مدح للقناة وليس للفارس فيه فضيلة، ولكنه من المبالغة التي تستحسنها الشعراء.
وأقول: بل مدح للفارس لا للقناة! وفيه له أوفى فضيلة (لأنها آلة في يده (!) وذلك إنه جعل القناة كأنها تدري، لما عودّته والفته في صحبته من إنها إذا هزّها اعملها (بالطّعن) في صدور الخيل وصدور الأبطال.
وقوله: (البسيط)
لا يعرف الرّزء في مال وفي ولد ... إلا إذا حفز الأضياف ترحال
قال: المعنى، أن هذا الممدوح يعدّ رحيل الضيّف رزئه، وهذه مبالغة تخرج إلى غير الحقّ لأن رحيل الضّيف منفعة له، إذا كان مسافرا، وإنما يعبر بالمضيف كالمجتاز، واجتيازه أن لا يثبّت عن طريقه، فزعم أن هذا المذكور، لا يعرف الرّزء في المال والولد إلا إذا الضّيف حفزه الرّحيل.
стр. 456
وأقول: أن قوله هذا فيه عيب لقول أبي الطيب وتخطئه له، وهو كما قال: (الوافر)
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم
وقوله: إن هذا، مبالغة تخرج إلى غير الحقّ، لأن رحيل الضّيف منفعة له.
فيقال: إنما كانت هذه المبالغة غير حقّ لو إنه أمسك الضّيف وأجبره على المقام،
ومنعه من الرّحيل الذي له فيه منفعة، وبه مصلحة كما ذكر، وأبو الطيب لم يتعرّض لشيء من ذلك، وإنما أخبر وبالغ أن هذا الممدوح إذا نزل به ضيف ورحل عنه حزن عليه، فكأنّه رزئ من ماله أو ولده، لأنه يسرّ بمقامه عنده، كثيرا كان المقام أو قليلا، مجتازا كان الضّيف أو متمهّلا.
وقوله: (البسيط)
يروعهم منه دهر صرفه أبدا ... مجاهر، وصروف الدّهر تغتال
قال: جعل الممدوح دهرا يغول الأعداء جهارا. وصروف الدّهر تغتال، أي: تجيئهم هم لا يعلمون، وهذا يطرقهم وهم يعلمون.
وأقول: هذا قول أبي الطيب بعينه! ما فسّره بل كرّره! وتفسير هذا البيت هو تعليله، وهو أن يقال: إنما يجاهر الأعداء ولا يختالهم لعظم شجاعته، وفرط إقدامه، وكثرة
стр. 457
اقتداره عليهم وقلّة احتفاله بهم،
وهذا مثل قوله: (الطويل)
ولم أر أرمى منك غير مخاتل ... وأسرى إلى الأعداء غير مسارق
وفيه تفضيل له على الدّهر، كأنه يقول: هذا الممدوح دهر في أذى الأعداء، لا كالدّهر لأن هذا مجاهر وذلك مخاتل.
وقوله: (البسيط)
وإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كلّ ماشية بالرّجل شملال
لم يذكر معنى البيت، وإنما ذكر لغة شملال وهي الحسنة المشي، السريعة السّير، والمعنى إنه ضرب مثلا لما ذكره في البيت الأول، من اختلاف أحوال النّاس في الجود، وإنهم يتفاوتون به في الزّيادة والنّقص، كاختلاف أحوال الإبل في السّرعة والبطء، والقوّة والضّعف، كأنه يقول: هذه طبائع يتفاضل الناس فيها كتفاضل الإبل، فلا يقدر الإنسان على ما يقدر عليه الآخر.
стр. 458
وقوله: (الكامل)
يشتاق من يده إلى سبل ... شوقا إليه ينبت الأسل
قال: يقول يشتاق من يده إلى مطر ينبت الأسل - أي: الرّماح - شوقا إليه لأنه يطعن به الأعداء.
وأقول: الصحيح، أن الضمير في إليه عائد على السّبل، وأراد بذلك المبالغة.
يقول: أن الممدوح يشتاق من يده إلى جود ينبت القنا شوقا إليه، فما ظّنك بالنّاس في الاشتياق! والأسل لمّا كان نبتا جعله يشتاق من يده مطرا، فالأيدي، وان كانت محلّ الرّماح، فليس فيها ما في يد الممدوح من المطر. فقوله: إنما تنبت الرماح شوقا إليه لأنه يطعن به الأعداء، وجعل طعنه الأعداء سببا لنبتها وشوقها إليه غير صحيح، لأن غيره أيضاً يطعن بها الأعداء، وإنما شوق الأسل إلى ما في يده من السّبل، والطّعن في قول من علّل شوقها بالطعن.
стр. 459
وقوله: (الكامل)
وإذا القلوب أبت حكومته ... رضيت بحكم السيوف القلل
قال: يقول: إذا أبت قلوب الأعداء ما يحكم به، رضيت القلل أن يصيبها سيوفه.
فيقال له: ما زدت في الشّرح على ما ذكر أبو الطيب في النظم! وكأنّ الشيخ قد التزم في (كل) مكان من شعر أبي الطيب، دق ّمعناه، أن يفسّره بإعادة لفظه! وهذا يتساوى فيه الأبله والفطن!
ويقال له ولأبي الطّيب: ولم كانت الرؤوس ترضى بحكم السّيوف إذا أبت القلوب حكومة الممدوح، والرّضا عبارة عن الإيثار والاختيار والمحبّة، وهي لا تختار وتؤثر أن تفلّق وتقطّع! والجواب عنهما بقول أحدهما: (الوافر)
رضوا بك كالرّضا بالشّيب قسرا ... وقد وخط النّواصي والفروعا
وأقول: أن الرؤوس كأنها لمّا لم تمتنع على السّيوف وأجابت بقطعها وتفليقها،
أشبهت الراضي بانقياده وإجابته، فقيل: رضيت وإن لم يكن ثمّ رضا، فهذا أبلغ ما يفسّر به هذا البيت.
وقد ذكر الشّيخ الكنديّ، أن مصافحة السيوف للرؤوس رضا منها بحكمها، وهو كناية عن قطعها، ويقرب مما فسّرته.
стр. 460
وقوله: (الرجز)
لو جذب الزّرّاد من أذيالي
مخيّرا لي صنعتي سربال
ما سمته سرد سوى سذوال
قال: يقول: لو أن الزّرّاد خيّرني فقال: ما تريد أن اصنع لك من اللباس؟ لم اسمه شيئا، سوى سروال من زرد، لأن لي درعا ومغفرا.
وقال ابن جني: لما طلبت منه أن يصنع لي سوى سراويل من حديد تحصّن عورتي.
فالشيخ أبو العلاء أراد: ليكمل عنده بالسروال لباس الحديد، وابن جني أراد وصفه بالعفّة، والأجود قول ابن جنّي إذا وضع موضع: أحصّن عورتي: أحصّن فرجي كقوله تعالى: (الّتي أحصنت فرجها)، وقول أبي الطيب،
ومنه البيت
следующие страницы →