Полный текст (1 138 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وأقول: أن قوله هذا فيه عيب لقول أبي الطيب وتخطئه له، وهو كما قال: (الوافر)
وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السّقيم
وقوله: إن هذا، مبالغة تخرج إلى غير الحقّ، لأن رحيل الضّيف منفعة له.
فيقال: إنما كانت هذه المبالغة غير حقّ لو إنه أمسك الضّيف وأجبره على المقام،
ومنعه من الرّحيل الذي له فيه منفعة، وبه مصلحة كما ذكر، وأبو الطيب لم يتعرّض لشيء من ذلك، وإنما أخبر وبالغ أن هذا الممدوح إذا نزل به ضيف ورحل عنه حزن عليه، فكأنّه رزئ من ماله أو ولده، لأنه يسرّ بمقامه عنده، كثيرا كان المقام أو قليلا، مجتازا كان الضّيف أو متمهّلا.
وقوله: (البسيط)
يروعهم منه دهر صرفه أبدا ... مجاهر، وصروف الدّهر تغتال
قال: جعل الممدوح دهرا يغول الأعداء جهارا. وصروف الدّهر تغتال، أي: تجيئهم هم لا يعلمون، وهذا يطرقهم وهم يعلمون.
وأقول: هذا قول أبي الطيب بعينه! ما فسّره بل كرّره! وتفسير هذا البيت هو تعليله، وهو أن يقال: إنما يجاهر الأعداء ولا يختالهم لعظم شجاعته، وفرط إقدامه، وكثرة
стр. 457
اقتداره عليهم وقلّة احتفاله بهم،
وهذا مثل قوله: (الطويل)
ولم أر أرمى منك غير مخاتل ... وأسرى إلى الأعداء غير مسارق
وفيه تفضيل له على الدّهر، كأنه يقول: هذا الممدوح دهر في أذى الأعداء، لا كالدّهر لأن هذا مجاهر وذلك مخاتل.
وقوله: (البسيط)
وإنما يبلغ الإنسان طاقته ... ما كلّ ماشية بالرّجل شملال
لم يذكر معنى البيت، وإنما ذكر لغة شملال وهي الحسنة المشي، السريعة السّير، والمعنى إنه ضرب مثلا لما ذكره في البيت الأول، من اختلاف أحوال النّاس في الجود، وإنهم يتفاوتون به في الزّيادة والنّقص، كاختلاف أحوال الإبل في السّرعة والبطء، والقوّة والضّعف، كأنه يقول: هذه طبائع يتفاضل الناس فيها كتفاضل الإبل، فلا يقدر الإنسان على ما يقدر عليه الآخر.
стр. 458
وقوله: (الكامل)
يشتاق من يده إلى سبل ... شوقا إليه ينبت الأسل
قال: يقول يشتاق من يده إلى مطر ينبت الأسل - أي: الرّماح - شوقا إليه لأنه يطعن به الأعداء.
وأقول: الصحيح، أن الضمير في إليه عائد على السّبل، وأراد بذلك المبالغة.
يقول: أن الممدوح يشتاق من يده إلى جود ينبت القنا شوقا إليه، فما ظّنك بالنّاس في الاشتياق! والأسل لمّا كان نبتا جعله يشتاق من يده مطرا، فالأيدي، وان كانت محلّ الرّماح، فليس فيها ما في يد الممدوح من المطر. فقوله: إنما تنبت الرماح شوقا إليه لأنه يطعن به الأعداء، وجعل طعنه الأعداء سببا لنبتها وشوقها إليه غير صحيح، لأن غيره أيضاً يطعن بها الأعداء، وإنما شوق الأسل إلى ما في يده من السّبل، والطّعن في قول من علّل شوقها بالطعن.
стр. 459
وقوله: (الكامل)
وإذا القلوب أبت حكومته ... رضيت بحكم السيوف القلل
قال: يقول: إذا أبت قلوب الأعداء ما يحكم به، رضيت القلل أن يصيبها سيوفه.
فيقال له: ما زدت في الشّرح على ما ذكر أبو الطيب في النظم! وكأنّ الشيخ قد التزم في (كل) مكان من شعر أبي الطيب، دق ّمعناه، أن يفسّره بإعادة لفظه! وهذا يتساوى فيه الأبله والفطن!
ويقال له ولأبي الطّيب: ولم كانت الرؤوس ترضى بحكم السّيوف إذا أبت القلوب حكومة الممدوح، والرّضا عبارة عن الإيثار والاختيار والمحبّة، وهي لا تختار وتؤثر أن تفلّق وتقطّع! والجواب عنهما بقول أحدهما: (الوافر)
رضوا بك كالرّضا بالشّيب قسرا ... وقد وخط النّواصي والفروعا
وأقول: أن الرؤوس كأنها لمّا لم تمتنع على السّيوف وأجابت بقطعها وتفليقها،
أشبهت الراضي بانقياده وإجابته، فقيل: رضيت وإن لم يكن ثمّ رضا، فهذا أبلغ ما يفسّر به هذا البيت.
وقد ذكر الشّيخ الكنديّ، أن مصافحة السيوف للرؤوس رضا منها بحكمها، وهو كناية عن قطعها، ويقرب مما فسّرته.
стр. 460
وقوله: (الرجز)
لو جذب الزّرّاد من أذيالي
مخيّرا لي صنعتي سربال
ما سمته سرد سوى سذوال
قال: يقول: لو أن الزّرّاد خيّرني فقال: ما تريد أن اصنع لك من اللباس؟ لم اسمه شيئا، سوى سروال من زرد، لأن لي درعا ومغفرا.
وقال ابن جني: لما طلبت منه أن يصنع لي سوى سراويل من حديد تحصّن عورتي.
فالشيخ أبو العلاء أراد: ليكمل عنده بالسروال لباس الحديد، وابن جني أراد وصفه بالعفّة، والأجود قول ابن جنّي إذا وضع موضع: أحصّن عورتي: أحصّن فرجي كقوله تعالى: (الّتي أحصنت فرجها)، وقول أبي الطيب،
ومنه البيت
стр. 461
الأول: (الطويل)
ولا عفّة في سيفه وسنانه ... ولكنّها في الكفّ والفرج والفم
وقوله: (الطويل)
وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه
قال: شبّه وفاء صاحبيه بالرّبع أشجى ما يكون إذا درس، وكأنه لامهما على إنهما لم يسعداه.
و (أقول): هذا ليس بشيء يعوّل عليه ولا يمال إليه! والتقدير الصّحيح إنه خاطب
صاحبيه فقال: وفاؤكما بأن تسعدا بالدّمع كالرّبع، أي: ينبغي أن يكون مثل الرّبع، أي: على قدر حال الرّبع، فالرّبع أشجاه طاسمه، والدّمع أشفاه للمحب ساجمه، فالتشبيه وقع بين الوفاء بالدّمع وبين الرّبع من جانب الكثرة، وهذا، كما يقال: إعطاؤك المال كالحمد، فالحمد أفخره أكثره، والعطاء أفضله أجزله. فعلى هذا، لا يكون التّشبيه وقع بين الوفاء والرّبع من جانب الدّروس، كما ذكر، لأنه لا يساعده عليه آخر البيت، وذلك إنه إذا قال: وفاؤكما بأن تسعدا بالدّمع كالرّبع أشجاه طاسمه، فما يصنع بقوله:
والدّمع أشفاه ساجمه؟
стр. 462
وقوله: (الطويل)
بليت بلى الأطلال أن لم اقف بها ... وقوف شحيح ضاع في التّرب خاتمه
قال: وصفه نفسه بطول الوقوف، وشبّه وقوفه بوقوف شحيح ضاع في التّرب خاتمه، فهو يطلبه، وينظر إلى الأرض لعلّه يظهر له. وقد جاء نحو من هذا في وصف الإبل، قال الرّاجز: (الرجز)
إذا قطعن علما بدا علم
يبحثن بحثا كمضلاّت الخد
حتّى يوافين بنا إلى حكم
وأقول: إنه يصف نفسه بذلك، مع ظهور الحزن والكآبة، كفعل الشّحيح إذا ضاع خاتمه في التّرب، وقد بيّن ذلك بقوله فيما بعده:
стр. 463
كئيبا توقّاني العواذل. . . . . . . . . . . .
وأمّا قول الشّيخ: وقد جاء نحو من هذا في وصف الإبل فلم يرد التّشبيه بين الإبل في سيرها وبين وقوف أبي الطيب في الرّسوم، لأن الراجز وصف الإبل بسرعة السّير، وإنها تبحث التّرب بأيديها كما تبحثه النّساء اللواتي أضللن خدمهنّ - أي: خلاخيلهنّ - كقول الفرزدق: (البسيط)
تنفي يداها الحصى في كلّ هاجرة ... نفي الدراهيم تنقاد الصّياريف
وأبو الطّيب يصف نفسه بطول الوقوف، وإنما المناسبة وقعت بينهما من جانب أن أبا الطّيب أضل خاتمه وأولئك اضللن خلاخيلهنّ.
وقوله: (الخفيف)
أين أزمعت أيّهذا الهمام ... نحن نبت الرّبى وأنت الغمام
قال: قوله: نحن نبت الرّبى إنما جاء بالرّبى لإقامة الوزن، ولو أمكنه أن يقول: نحن النّبت وأنت الغمام لكان ذلك أعمّ. ويجوز أن يقال: إنما خصّ الرّبى لأن النّبت عليها احسن منه في الوهد، وقد أبان الطّائيّ عن هذا فقال: (الخفيف)
غير أن الرّبى إلى سبل الأن ... واء أدنى والحظّ حظّ الوهاد
وأقول: إنه لم يتنبّه للمعنى في التّفسير الأول الذي نسبه فيه إلى الضرورة
стр. 464
ولا للتفسير الثاني الذي أراد به تصحيح الأول.
والمعنى، إنه ليس لنا نفع إلا بك، ولا حياة إلا منك، لأنك غمام، ونحن نبت الرّبى، ونبت الرّبى ليس له شرب إلا من الغمام بخلاف نبت الوهاد، فأنه يشرب من الغمام وغيرها. والبيت الذي أنشده لأبي تمّام تبيينا لهذا المعنى، ليس بينه وبينه مناسبة، إلا باللفظ لأن معناه أن الرّبى قريبة من السّبل، (والوهاد) بعيدة، فكان ينبغي أن يكون القريب أكثر حظّا من البعيد، لكنّ الوهاد بخلاف ذلك، فأنها أكثر حظا بما يصير إليها ويستقرّ فيها من الغيث.
وقوله: (الخفيف)
ليت أنا إذا ارتحلت لك الخي ... ل وأنا إذا نزلت الخيام
قال: تمنّى أن يكون غير مفارق له في المسير والمقام، وقد عاب بعض الناس هذا القول على أبي الطّيب، وقالوا: الخيام تكون متعالية على من فيها، ولذلك قال: (الوافر)
لقد نسبوا الخيام إلى علاء. . . . . . . . . . . .
البيت والذي يليه.
وحجة المتنبي في هذا واضحة، لأن الخيمة إنما هي خادمة لمن يحلّ فيها، تصدّ عنه الشمس، وغيرها من المؤذيات.
стр. 465
وأقول: إنه لمّا تمنّى ذلك، لأن الخيل لا تبلغ من الرّفق بالممدوح، والخيام من الوقاية له، ما يبلغه الناس إذا كانوا بمكانهما، لأن الإنسان يعقل ذلك فيفعله على ما يوافق المصلحة وتقتضيه أغراض المخدوم، بخلاف الخيل والخيام، فأنها حيوان وجماد لا يتأتّى منها ذلك. فهذا التّفسير ليس عليه دخل لعلوّ الخيام عليه، على إنه لا يلزم، إذا شبّه شيء بشيء، أو مثّل به، أو يساويه من كلّ وجه، حتى إذا تمنّى أن يكون من الخيام أو من الثّياب أو من الدّروع ليقيه الأذى بنفسه لزم أن يكون اشرف منه، لأنه قد علاه وقاه، هذا لا يقوله محصّل، وهذا مأخذ من في عين قلبه أخذ!!
وقوله: (الكامل)
وإذا انتضاك على العدا في معرك ... هلكوا وضاقت كفّه بالقائم
قال: يقول: شأنك عظيم، فإذا انتضاك الخليفة لأمر لم تسع كفّه قائمك فيذرك تفعل الأشياء وأنت بها منفرد.
وأقول: إنما أراد أن سيف الدولة إذا انتضاه الخليفة على العدا أهلكهم لمضائه، وضاقت كفّه به، لأنه أعظم من أن يحمله وتضرب به يده، إنما تحمله وتضرب به يد الله، ويكون:
. . . . . . . . . . . . . . . ضاقت كفّه بالقائم
كقوله: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . وفي يد جبّار السّماوات قائمه
стр. 466
وقوله: (الطويل)
فجاز له حتّى على الشّمس حكمه ... وبان له حتى على البدر ميسم
(قال): هذه مبالغة، وكأنها استحسنها الشّعراء، وكان يجب على الممدوح أن ينكرها، لأنه مخلوق يوصف بصفة الخالق - تعالى الله عن قول المبطلين - فجاز له حكمه على الشّمس، وبان له ميسم على البدر.
وأقول: أن هذا تشنيع على المادح والممدوح في غير موضعه، من غير تأمل للّفظ وتدبّر للمعنى. وجملة البيت ومعناه، وصفه بالشّجاعة والحسن، فجعل له حكما على الشّمس في الحرب بأضعافها وتغطيتها بالعجاج، وجعل له ميسما ظاهرا على البدر بنور وجهه، وحسن بشره. ولأبي الطّيب في مديح سيف الدولة وغيره من الإغراق ما يزيد على هذا، ثم لم ينكره!
وقوله: (الطويل)
فهنّ مع الغزلان في الواد كمّن ... وهنّ مع النّيان في الماء عوّم
стр. 467
قال: كثر الوادي في كلامهم، حتى حذفوا منه الياء، والأجود إثباتها مع الألف واللام كما قال سحيم: (الطويل)
ألا أيّها الوادي الذي ضمّ سيله ... إلينا نوى الحسناء حيّيت واديا
وأمّا قولهم: (الرجز)
إنك لو ذقت الكشي بالأكباد
لما تركت الضّبّ يعدو بالواد
فإنّما حذفوا الياء للقافية.
وأقول: الأجود حذفها في بيت أبي الطيب، وان لم تكن في قافية، لأجل الموازنة بين الواو والماء والغزلان والنّينان وكمّن وعوّم. وقد جاء حذفها في القرآن في الفاصلة مقوله تعالى: (وثمود الذين جابوا الصّخر بالواد)، وفي غير الفاصلة
كقوله: (إذ ناداه ربّه بالواد المقدّس طوى). وفي قول الشّاعر (في غير القافية) (السريع)
. . . . . . . . . وما ... قرقر قمر الواد بالشّاهق
стр. 468
وقوله: (الطويل)
ضلالا لهذي الرّيح ماذا تريده ... وهديا لهذا السّيل ماذا يؤمّم
قال: دعا على الرّيح فقال: ضلّت ضلالا لقولهم: هو يباري الريح جودا، إذا وصفوه بالكرم، أي: إنها أن هبّت تباريك فقد ضلّت. وقال: هديا لهذا السّيل: كأنه دعاء له بالاهتداء، أي: أقول له: هداه الله! ماذا يؤمّم؟ أي: ماذا يقصد؟
وأقول: إنه علّل دعاءه على الرّيح بما ذكره من قولهم: فلان يباري الرّيح جودا، كقول أمية بن أبي الصّلت: (الوافر)
يباري الرّيح مكرمة وجودا ... إذا ما الكلب أجحره الشّتاء
ولم يعلّل دعاءه للسّيل، وذلك أن السّيل جاءه تاليا له، متعلّما منه، فكان بمنزلة الصّاحب المداري، والرّيح بمنزلة المقاتل المباري.
стр. 469
وقوله: (البسيط)
رجلاه في الرّكض رجل واليدان يد ... وفعله ما تريد الكفّ والقدم
قال: قوله:
. . . . . . . . . . . . ما تريد الكفّ والقدم
هو جواد مؤدّب، فإذا قصّر عنانه قصّر في الجري، وإذا أرخي له العنان بذل ما يريده الرّاكب من الجري. وكذلك أن حرّك عليه الفارس قدمه ليمتري حضره، فأنه يسمح له بما يرضيه.
وأقول: هذا وجه حسن، ويحتمل وجها آخر، وهو أن الكفّ والقدم تريدان الراحة بترك الضّرب له بالسّوط، والرّكل بالرّجل، أي: لا يحوج إلى ذلك، بل يعطي
الجري عفوا من غير اقتضاء بذينك.
وقوله: (البسيط)
ومرهف سرت بين الموجتين به ... حتى ضربت وموج الموت يلتطم
стр. 470
قال: جعل نفسه سائرا بين الموجتين، أي بين القرنين، يخاف منهما الموت، واستعار للموت موجا، إنما هو للبحر وما جرى مجراه من المياه الكثيرة، كالفرات وغيره من الأنهار.
وأقول: لم يعن بالموجتين القرنين، وإنما عنى بهما الكتيبتين، وقوله:
. . . . . . . . . . . . وموج البيت يلتطم
أي: في حال هيج للقتال وشدّته.
وقوله: (الطويل)
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جيف القتلى عليها تمائم
قال: ادّعى أن الحدث كان بها مثل الجنون، ويجوز أن يكون اهلها، فأمّا الحدث فمعلوم إنها لا تحسّ بخير ولا شرّ.
стр. 471
فيقال له: لم يرد بذلك إلا الحدث نفسها، وان كانت لا تحسّ بخير ولا شرّ، على وجه الاستعارة والمجاز، لا الحقيقة.
يقول: أن الحدث كانت من خوفها الروم، بمنزلة المجنون، أي: قلقة مذعورة، فلمّا قتلوا، كانت جثثهم عليها بمنزلة التّمائم، فقرّت وسكنت، كما يقرّ المجنون ويهدأ إذا علقت عليه التّمائم.
وقوله: (الطويل)
وقفت وما في الموت شكّ لواقف ... كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم
قال: يقول: وقفت في وقت، من وقف فقد أيقن بموته، فكأنّك في جفن الرّدى، وهو نائم لا يحسّ بك.
وأقول: أن هذه الزيادة التي هي قوله: لا يحسّ بك لا أرى لها وجها من الصّواب يحمل عليه، ويوجّه إليه. والمعنى: وصف الحالة التي كان فيها من الحرب بالشدّة، وإن الواقف لا يشكّ في الموت، وإنّ سيف الدولة قد أحاط به الموت من كلّ جانب وأطبق (عليه)، وإنه في تلك (الحالة) التي تتغيّر فيها الوجوه، وتعبس خوفا من الموت، وتنهزم الأبطال كلمى، وجهه وضّاح وثغره باسم!
стр. 472
وقوله: (الطويل)
أينكر ريح اللّيث حتى يذوقه ... وقد عرفت ريح اللّيوث البهائم
قال: يقول: ألم يشمّ هذا الدّمستق رائحة اللّيث، فيعلم إنه أن وقف فرسه، فقلّة فطنته تمنعه من أن يهرب حتى يذوقه الليث، فعند ذلك يفرّ، والبهائم إذا وجدت رائحة الأسد فرّت منه.
وأقول: إنه توهّم الضّمير في قوله: يذوقه راجع إلى اللّيث، وليس كذلك، لأنه لو ذاقه الليث، لم يمكنه الفرار، وإنما هو راجع إلى الدّمستق، وضرب له مثلا مع سيف الدولة بالليث والبهائم، يقول: أن أمر سيف الدولة مع الشّجاعة والنّجدة وإهلاكه لمن يقاومه ظاهر لا شكّ فيه، فكان يكفيك من ملاقاته ما تسمع من أخباره فتبعد عنه فتسلم، ولا تدنو منه فيهلكك، فأنت في ذلك أسوأ حالا من البهائم، لأنّها تشمّ رائحة الأسد فتفرّ منه فتسلم، وأنت لا يكفيك الشمّ دون الذّوق فتهلك.
وقوله: (الطويل)
وقد فجعته بابنه وابن صهره ... وبالصّهر حملات الأمير الغواشم
قال: أشبه الاشياء، أن تكون الفاجعة (له) الخيل، لتقدّم ذكرها.
стр. 473
وأقول: هذا خطأ، لأن الضّمير الذي في فجعته إذا جعله راجعا إلى الخيل التي تقدّم ذكرها لم تبق حملات متعلّقة بشيء، فحملات هاهنا فاعل فجعته لا الخيل،
وقد تبعه التبريزيّ في هذا الموضع، فنقل لفظه ولم يتدّبر معناه، فلزمه من ذلك ما لزمه.
وقوله: (الطويل)
مضى يشكر الأصحاب في فوته الظّبا ... لما شغلتها هامهم والمعاصم
ويفهم صوت المشرفيّة فيهم ... على أن أصوات السّيوف أعاجم
قال: ادّعى الشّاعر، إنه يفهم صوتها على بعد، وهو نحو من قول مهلهل: (الوافر)
ولولا الرّيح أسمع أهل فلج ... صليل البيض تقرع بالذّكور
وأقول: ليس في كلامه ما يدلّ على إنه يسمع صوتها على بعد، وذلك أن (قوله:) ويفهم معطوف على قوله مضى يشكر فيشكر في موسع الحال، والتّقدير: فرّ شاكرا الأصحاب وفهما صوت المشرفيّة، وهذا يدلّ على القرب لا البعد، لأنه إنما شكرهم في حال شغلهم السّيوف عنه، وهو معهم في الجيش، قريبا منهم، ولو
стр. 474
كان بعيدا لما شكرهم على ذلك،
وفي حال فهمه صوت السّيوف إنها قواض بشدة أصواتها لقوّة الضّرب، وهذا مثل قوله:
نواطق مخبرات في جماجمهم. . . . . . . . .
فإذا ثبت هذا، لم يصحّ تمثيل هذا البيت ببيت مهلهل لأنه يضادّه.
وقوله: (الطويل)
على كلّ طيّار إليها برجله ... إذا وقعت في مسمعيه الغماغم
قال: قد سبقت العرب إلى تشبيه الفرس بالطّائر، وانشد قول الرّاجز:
فيقال له: تشبيه الفرس بالطّائر مشهور، غير محتاج إلى الاستشهاد عليه بالرّجز دون القصيد. والعرب وان سبقت بهذا التّشبيه، فقد سبق أبو الطّيب بحسن
الاستعارة وحلاوة اللفظ وجزالته بقوله:
. . . . . . طيّار إليها برجله. . . . . . . . . . . .
وهذا البيت من الأبيات السّيارة المختارة، فلا ينقصه سبق غيره إلى معناه.
стр. 475
وقوله: (الطويل)
حذارا لمعروري الجياد فجاءة ... إلى الطّعن قبلا ما لهنّ حزام
قال: بالغ في مدحه مبالغة وجب أن ينزّهه (معها) عن اعريراء الجياد، إذ كان ذلك، لا مفخر فيه لمثله.
فيقال: هذه المبالغة، وهي سرعة إجابة داعي الوغى إلى الطّعن، لا تكمل إلا بهذه الصفة. ولم قلت: أن هذه الصفة لا مفخر فيها، حتى تنزّهه عنها؟! وسيف الدولة عربيّ، وتلك من عادات العرب عند سرعة إجابة الدّاعي. وقد قال ابن هرمة في عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك: (المتقارب)
إذا قيل أي فتى يرتجى ... لمعترّ فهر ومحتاجا
ومن يعجل الخيل يوم الوغى ... بألجامها قبل إسراجها
أشارت نساء بني مالك ... إليك به من قبل إزواجها
стр. 476
وقد أنشد الشيخ هذا الشّعر في هذا الموضع، فكيف ناقض؟ وكيف ساغ لابن هرمة أن يمدح ابن خليفة بذلك، ولا يسوغ لأبي الطّيب أن يمدح ابن حمدان بمثله؟!
(قوله: (الطويل)
فإن كنت لا تعطي الذّمام طواعة ... فعوذ الأعادي بالكريم ذمام)
قال: يقول: أن كنت لا تعطيهم ذمامك، وأنت مقيم، فكأنك قد أعطيتهم ايّاه، لأنّ العوذ بالكريم ذمام.
وأتّبعه التبريزي في ذلك التّفسير، حذو النّعل بالنّعل!
وأقول: أن قوله: وأنت مقيم، فكأنّك قد أعطيتهم إياه ليس بشيء! لأنه تفسير البيت
بما ليس فيه. والمعنى: إن كنت لا تعطي الرّوم الذّمام، أي: الصّلح طوعا من نفسك، ونفسك تأبى ذلك ولا تريده، فقد عاذوا بك، وأنت كريم، وعوذ الأعادي بالكريم ذمام، فقد وجب لهم الذّمام.
وقوله: (الطويل)
ويجعل ما خوّلته من عطائه ... جزاء لما خوّلته من كلامه
стр. 477
قال: ادّعى أن الممدوح خوّله الكلام الذي يمدحه به، فلمّا مدحه بالكلام الذي وهبه له، جازاه عنه بأن خوّله نوالا من غير الكلام.
وأقول: ينبغي أن يزاد على هذا فيقال: مفهوم هذا البيت: أني أمدح سيف الدولة بكلام فصيح، ملكته من كلامه، ويجعل ما ملكته من عطائه جزاء عليه، وذلك على خلاف العادة، لأن الجزاء للشّاعر إنما يكون على ما يأتي من كلام نفسه لا كلام غيره، وقد لطف هذا المعنى، وهو من قول أبي تمّام: (المنسرح)
. . . . . . . . . نأخذ من ماله ومن ادبه
وقوله: (البسيط)
لو كلّت الخيل حتّى لا تحمّله ... تحمّلته إلى أعدائه الهمم
قال: يقول: لو أن الخيل كلّت حتى لم تستطع حمله إلى الاعداء، لحملته إليهم الهمم، وليس هذا المعنى مستحيلا استحالة غيره، لأن كثيرا من النّاس يقصد عدوّه وليس بالرّاكب، كانت جماعة من العرب تغير على أرجلها، كالشّنفرى وتأبّط شرّا والسّليك ابن السّلكة.
وأقول: أن قوله وليس هذا المعنى مستحيلا كاستحالة غيره غير صحيح
стр. 478
لأن قصد الإنسان عدوّه راجلا، غير مستحيل على الإطلاق، فكيف يقول: مستحيلا كاستحالة غيره ويمثّل بالشّنفري وأمثاله؟ ولم يرد بقوله: تحمّلته. . . الهمم سيره غير راكب، كما ذكر، ولكنه وصف الممدوح بكثرة سيره إلى الأعداء.
وقال: لو قدّر أن الخيل تكلّ من طول السّير وكثرة الغزو، حتى لا تحمّله، حملته همّته لقوّتها ومضائها، فأنّها لا تضعف ولا تكلّ، فجعل الهمم، وهي خواطر وأعراض تخطر وتعرض في قلبه تحمله على ما يحاول من ذلك بمنزلة الأجسام التي تحمله من الخيل توسّعا ومجازا. وهذا إفراط في المجاز، وهو غير بعيد عن الجواز.
وقوله: (البسيط)
ولم تتمّ سروج فتح ناظرها ... إلا وجيشك في جفنيه مزدحم
قال: إنما يصف الممدوح بأنه أنجدهم إنجادا سريعا.
فيقال له: ليس في هذا إنجاد لأحد تقدّم هذا الجيش حتى ينجده، وإنما يصفه بسرعة سيره إلى العدوّ، ومروره في بلاده اليه، بما ذكره من قوله: (البسيط)
والنّقع يأخذ حرّانا. . . . . . . . . . . .
وقوله: (البسيط)
سحب تمرّ بحصن الرّان. . . . . . . . . . . .
стр. 479
وقوله: (البسيط)
جيش كأنك في ارض تطاوله ... فالأرض لا أمم والجيش لا أمم
قال: يقول: كأنّك في ارض تطاوله وهي واسعة جدا، وعدد الجيش كثير، فكلاهما غير أمم، والأمم: الشّيء بين الشّيئين، يقال: دار بني فلان أمم، أي: بين القريب والبعيد.
فيقال له: لو أن الأمم كما فسّرت، لم يصحّ معنى البيت، لأنك إذا نفيت أن يكون الشيء بين القريب والبعيد، لم تنف القرب ولا البعد، بل نفيت حالة ثالثة بينهما، فإذا كان كذلك احتمل أن يكون الجيش قريبا، وكذلك الأرض، فلا يكونان واسعين، بعيدي الطّرفين، (وذلك بضدّ المعنى الذي أراده). والصّحيح، أن الأمم
القريب، هاهنا، وعليه يصح المعنى، يقول: الأرض لا قريبة بل بعيدة ما بين الطّرفين، والجيش كذلك.
وقوله: (البسيط)
إذا مضى علم منها بدا علم ... وإن مضى علم منه بدا علم
стр. 480
قال: ولو قال:
. . . . . . . . . وإن مضى عالم بدا منه علم
لكان أحسن في حكم الشّعر ولعلّ أبا الطّيب كذلك قال، لأنّ تكرير العلم في البيت كثر.
وقوله في صفة الجيش: وإن بدا عالم منه يقلّل من كثرة العلم ويدلّ على كثرة الجيش.
أقول: أن كثرة لفظ علم لكثرة الفائدة وحسن الصّناعة، والعلمان وإن اتّفقا في اللّفظ، فقد اختلفا في المعنى، فكأنّه يقول: إذا مضى جبل من الأرض، بدا لواء من الجيش، وإن مضى لواء من الجيش، بدا جبل من الأرض. فهذا احسن ما يكون من المعنى واللفظ. فلا يحسن أن يقال: وإن مضى عالم من الجيش لأنه لا يقابل النصف الأول في اللفظ فينحلّ تركيب البيت، وتسقط قوتّه. فالصواب إلقاء هذا التّغيير، وإبقاء علم على ما فيه من التّكثير!
وقوله: (البسيط)
وأصبحت بقرى هنزيط جائلة ... ترعى الظّبا في خصيب نبته اللّمم
стр. 481
قال: قوله: ترعى الظّبا في ترعى ضمير يعود إلى الخيل، ويعني بالخصيب الشّعر.
وأقول: إنه يحتمل أن يكون الظّبا فاعله ومفعوله، فإذا كانت فاعله فليس في ترعى ضمير، وان كانت مفعوله (وهو الأحسن)، ففيه، كما ذكر، ضمير يعود
على الخيل، فتكون الخيل راعية والظّبا مرعيّة، ترعى في خصيب، أي: (في) مرعى خصيب، يعني الهام، نبت ذلك المرعى اللّمم، أي الشّعر الذي ألمّ بالمنكب فعلى هذا تفسيره الخصيب بالشّعر خطأ.
وقوله: (البسيط)
وفي أكفّهم النّار التي عبدت ... قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
قال: يعني بالنار السّيوف، لأنها معروفة قبل أن تعبد المجوس النار. وجعلها معبودة لأنها تهاب، ويغلب بها على الممالك، ويذلّ بها الأعزاء، فكأنها أرباب معبودة، وإنما يعني أصحاب السّيوف، فجعل الخبر عنها، وذلك كثير، يسمّون الشّيء باسم ما قاربه ويصفونه بصفته.
(وأقول:) وهذا الذي ذكره ليس بشيء! والمعنى: إنه جعل السّيوف نارا لتوقّدها وبريقها، وفضّلها على نار المجوس، بتقدّمها عليها في العبادة، وتأخّرها عنها بالاضطرام، وذلك أن نار المجوس خمدت، وهذه إلى اليوم تضطرم. وقوله: عبدت أي: ذلّ لها،
стр. 482
من قولهم: طريق معبّد، أي مذلّل، وقوله: (الطويل)
. . . . . . . . . وأفردت إفراد البعير المعبّد
وقوله: (البسيط)
نتاج رأيك في وقت على عجل ... كلفظ حرف وعاه سامع فهم
قال: يقول: إذا افتقر إلى رأيك، جاء موفّقا مصيبا مع عجلة، كلفظ الحرف الذي يسمعه فهم، فإذا سئل عنه أجاب من غير تلّبث.
فيقال: لا حاجة إلى سؤاله، بل إذا سمعه فهمه! والمعنى، أن هذه السّفن التي أمر بها سف الدولة، فجعل بهال النّفع العظيم، لم يفكر فيها، ويتروّ لها، بل رأى ذلك على عجل وسرعة كسرعة إدراك سامع فهم حرفا، فإنه لا يحتاج (في) فهمه إلى رويّة ونظر.
وقوله: (البسيط)
وقد تمنّوا غداة الدّرب في لجب ... أن يبصروك فلمّا أبصروك عموا
стр. 483
قال: يقول: تمنّوا لقاءك، وقالوا: أن نظرنا إليه، بلغنا منه ما نريد، وحلفوا على ذلك بمفرق ملكهم. فلمّا أبصروك، عجزوا عنك، فكأنّهم عموا عن قصدك. وفي هذا المعنى شبه من قول جميل: (الطويل)
فليت رجالا فيك قد تذروا دمي ... وهمّوا بقتلي يا بثين لقوني
إذا ما رأوني طالعا من ثنيّة ... يقولون من هذا وقد عرفوني
وأقول: لم يرد ذلك المعنى، وإنما أراد أنهم تمنّوا أن ينظروا إليك ليحصل (لهم) ما أملوا من الظّفر بك فينتفعوا به، فانعكس عليهم ذلك، فكأنّ رؤياهم لك عمى.
وقوله: (البسيط)
لا يأمل النّفس الأقصى لمهجته ... فيسرق النّفس الأدنى ويغتنم
قال: يقول: قد أيقن بالموت، فهو لا يأمل النّفس الأقصى لمهجته، فقد جعل يغتنم الأنفاس ويكرّرها.
وأقول: إنما قال:
لا يأمل النّفس الأقصى. . . . . . . . . . . .
لأنه هارب، خائف، مكدود، مطلوب، والنّفس الأقصى، إنما يكون عند الراحة والطّمأنينة. وأمّا المزعج، الخائف، المطلوب، فأنه لا يقدر على ذلك، فلا يأمله.
стр. 484
وقوله:
. . . . . . . . . فيسرق النّفس الأدنى ويغتنم
أي: من خوفه، لا يستنشق الهواء استنشاقا ظاهرا طويلا، بل يسرقه سرقة، ويغتنم ذلك، إذ فاته النّفس الأقصى الذي تكون معه الطّمأنينة والرّاحة.
وقوله: (الوافر)
سمعتك منشدا بيتي زياد ... نشيدا مثل منشده كريما
فما أنكرت موضعه ولكن ... غبطت بذاك أعظمه الرّميما
قال: سمع أبو الطّيب سيف الدّولة ينشد بيتي زياد الذّبياني، واسم النّابغة زياد، وهما: (الطويل)
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
تخيّرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كلّ التجارب
ولم يذكر معنى بيتي أبي الطّيب، وهو من الطف المعاني وأحسنها، يقول: لما سمعتك منشدا بيتي النابغة لم أنكر موضعه من الإجادة، وإنما غبطت أعظمه الرميم، أي: أحببت أن تكون عظامي كعظامه، أي: أن أكون ميتا مثله، لأتشرّف بنشيدك شعري، كما تشرّف بنشيدك شعره. وهذا في غاية الحسن، والتّلطف، والتّقرّب، إلى قلب سيف الدولة، والثّناء عليه.
стр. 485
ويقال: أن أبا دلف العجليّ، استنشد أبا تمّام مرثيّته في محمد بن حميد الطّوسي وهي: (الطويل)
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر
فقال: وددت أن كنت متّ ورثيتني بمثل هذا الشّعر، فأنّه ما مات من قيل فيه مثله! فقال أبو تمّام: بل يقي الله الأمير ويجعلني فداءه!
وقوله: (الطويل)
وقفنا كأنّا كلّ وجد قلوبنا ... تمكّن من أذوادنا في القوائم
قال: يقول: كأنّ وجد قلوبنا تمكّن مطايانا، فهي لا تقدر على البراح.
وأقول: لم يأت في هذا البيت بغير إعادة ألفاظه، كعادته الجارية!
وقوله: (فهي) لا تقدر على البراح. والمعنى أن وجد قلوبنا بتلك الدّيار، يقفها فيها، ويحسبها عليها، تذكّرا لمن حلّها من الأحباب، فنقف ابلنا فيها لذلك، فكأنّ
وجد قلوبنا في قوائم أذوادنا، أي: حال الإبل في طول الوقوف كحالنا.
стр. 486
وقوله: (الطويل)
ودسنا بأخفاف المطيّ ترابها ... فلا زلت استشفي بلثم المناسم
قال: يقول: دسنا بأخفاف المطيّ تراب هذه المعالم، فأنا أستشفي الله - سبحانه - بأن الثم مناسم هذه المطيّ، أرجو البرء، والخلاص، مما أنا فيه.
(أقول:) وهذا ما ذكرت، من أن البيت إذا كان فيه أدنى إشكال، أعاد لفظه، أو خبّط معناه! والمعنى، أن المعهود المعروف من العاشق، أن يستشفي من داء حبه بوصل أحبابه. والشاعر قد جعل نفسه تستشفي، أي: تطلب الشفاء بلثم طرف خفّ البعير الذي وطئ تراب ديار أحبابه. وفي هذا كناية عن قوّة وجد العاشق، وشدة امتناع المحبوب وبعده.
وقوله: (الطويل)
تمرّ عليه الشمس وهي ضعيفة ... تطالعه من بين ريش القشاعم
قال: يعني أن الجيش قد ارتفع غباره، فالشّمس لا تصل إليه، إلا أن تدخل من بين ريش الطّير التي تتبعه، لتصيب من لحم القتلى.
стр. 487
وأقول: هذا ليس بشيء! لأن غبار الجيش إذا ارتفع حجب الشمس، فكيف تدخل من بين ريش الطّير؟ وهو توهّم أن ضعف الشّمس بكثرة الغبار، وليس كذلك، إنما هو بكثرة الطّير، وبينها فرج تدخل الشّمس إلى الجيش منها.
وقوله: (الخفيف)
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميّت إيلام
قال: يقول: من يهن فالهوان عليه سهل. مثال ذلك أن الرّجل يهون عليه أن يستخدم في عمل التّراب، ثم ذكر أن الميت قد فارق الحياة وصار أهون الأشياء، فهو لا يحسّ بالجرح.
(وأقول:) تأمّل هذا اللفظ والتفسير، الذي لم يسقط به على الخبير! والمعنى، أن الرّجل المهين الذي ذهبت أنفته، لا يتأثّر بالهوان، كالميت الذي ذهبت حياته، فهو لا يتأثّر بالجرح.
وقوله: (الخفيف)
حسن في عيون أعدائه أق ... بح من ضيفه رأته السّوام
стр. 488
قال: يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون وصفه بالحسن، وهو في عيون أعدائه اقبح من ضيفه في عيون سوامه، لأنه ينحرها له.
والآخر: أن أعداءه يرونه حسن الصورة، قبيح الفعل، فهم في هذا الوجه يرونه حسنا قبيحا، وفي الوجه الأول يرونه قبيحا لا غير.
وأقول: لم يعلّل رؤية أعدائه له قبيحا، وعلّل رؤية سوامه ضيفه قبيحا، وهي إنه يعقرها، فكان ينبغي أن يقول: وكذلك أعداؤه، لأنه يقتلها، فهي بمنزلة سوامه في (كثرة) اقتداره عليها، (وقلة) احتفاله بها. ومثّل الوجه الأول من المعنيين بقوله: (الطويل)
فما شعروا حتى رأوها مغيرة ... قباحا وأمّا خلقها فجميل
وكان نبغي أن يمثّل به الوجه الثاني، الذي قد اجتمع فيه الحسن والقبح، كما اجتمع في الخيل قبح الفعل بالإغارة عليهم، وحسن الخلق.
وقوله: (الخفيف)
وعوار لوامع دينها الح ... لّ ولكنّ زيّها الإحرام
قال: قوله: دينها الحلّ: أي لا تقتل إلا من يحلّ قتله.
стр. 489
(وأقول): وكذلك قال الكندي.
وأقول: هذا التّفسير غير صحيح، بل المراد بالحلّ إراقة الدّماء على الإطلاق، من
غير اعتبار من يحلّ قتله أو يحرم، لأن ذلك يعلم من وجه آخر. فجعل السّيف بمنزلة المحلّ في سفك الدّماء من البدن، وغيرها بمنزلة المحرم، في كونها عارية من أغمادها.
وقوله: (الخفيف)
ليلها صبحها من النّار والإص ... باح ليل من الدّخان تمام
قال: قوله:
ليلها صبحها من النار. . . . . . . . . . . . . . .
يعني أنهم يوقدون النيران بالليل لقرى الضّيفان، فاللّيل قد صار كأنه صبح لزوال الظلام.
وقوله:
. . . . . . والإص ... باح ليل من الدّخان تمام
يحتمل وجهين:
أحدهما: انهم يوقدون النّار بالنّهار، إلا إنه يخفى ضوءها، لأن قراهم لا ينقطع في ليل ولا نهار، فدّخان النّار يستر ضياء الشّمس.
стр. 490
والآخر: انهم يغيرون في النّهار ويحاربون، فيزول نور النّهار لأجل الغبار، وقد جعل أبو الطّيب الغبار دخانا بقوله: (الطويل)
وما كان إلاّ النار في كب موضع ... يثير غبارا في مكان دخان
وأقول: الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما في قوله:
. . . . . . والإص ... باح ليل من الدخان
صحيح، والثاني فاسد، لجعله الغبار دخانا. واستشهاده على ذلك بقول أبي الطّيب لا يسوغ له، وذلك أن أبا الطّيب لما وصف شبيبا بأنه نار، لكثرة غاراته، استعار له ما يشبه الدّخان في ارتفاعه وإظلامه، وهو الغبار، فلا يجوز أن يجعل الدخان
غبارا من غير قرينة تدلّ عليه، ولا الغبار دخانا، والشّاعر إنما وصف الممدوحين بالسّماح والإطعام ليلا ونهارا، فجعل نارهم لقوّتها وعظمها، تعيد الليل نهارا، وجعل دخان نارهم، لكثرته وارتفاعه، يعيد النّهار ليلا، ولم يتعرّض في هذا البيت لذكر حرب ولا غبار.
وقوله: (الخفيف)
ونفوس إذا انبرت لقتال ... نفدت قبل ينفد الإعدام
قال: زعم أن نفوسهم لا تفرق من الموت، وإنها إذا انبرت لقتال أنفدتها الحرب وإقدامها لم ينفد.
стр. 491
وأقول: هذا من جملة تفسير معنى البيت، بإعادة لفظه!
والمعنى: أن الإقدام يصاحبهم، فلا يفنى قبل فناء نفوسهم، فيكونون في وقت جبناء، بل تفنى نفوسهم قبل فناء الإقدام، وان كان ذلك مستحيلا، وإنما ذكره مبالغة في بقاء إقدامهم.
وقوله: (الخفيف)
فارس يشتري برازك للفخ ... ر بقتل معجّل لا يلام
قال: يقول: برازك فخر عظيم يفتخر به مبارزك، فالذي يشتري بالقتل لا يلام على ما صنع، لأنه بنى له مجدا باقيا.
وأقول: يدلّ على ذلك، ما روي عن أخت عمرو بن عبد ودّ، لما قتله عليّ ﵇ إنها سألت عمّن قتله، فقيل لها: عليّ بن أبي طالب، فقالت: كفؤ كريم، لا رقأت عيني إن بكت عليك بعد اليوم! ثم أنشأت تقول: (البسيط)
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لكنت أبكي عليه آخر الأبد
لكنّ قالته من لا يعاب به ... من كان يدعى قديما بيضة البلد
стр. 492
وقوله: (الخفيف)
قد لعمري أقصرت عنك وللوف ... د ازدحام وللعطايا ازدحام
خفت أن صرت في يمينك لن يأ ... خذني في عطائك الأقوام
قال: هذا معنى، لم يعلم أن أبا الطّيب سبق إليه، لأنه احتجّ لتأخّره عنه بأنّ طلاّب الأعطية يزدحمون لديه، فخشي أن يؤخذ في الهبات، وهذه مبالغة لم يأت بمثلها سواه.
فيقال له: هذه مبالغة حسنة، إلا أنك ما فهمت معناها! ولم خاف أبو الطّيب ذلك الممدوح ولم يخفه غيره؟
والمعنى: إنني لمحبتي وطاعتي لك، ومعرفتي واختصاصي بك، بمنزلة مالك وملكك، ومالك تفرّقه يمينك، فخشيت أن يأخذني الأقوام في عطائك فأفارقك. وفي هذا نظر إلى قوله: (المنسرح)
تسرّ طرباته كرائمه ... ثم تزيل السّرور عقباها
من كلّ موهوبة مولولة ... قاطعة زيرها ومثناها
стр. 493
وقوله: (الخفيف)
هابك اللّيل والنّهار فلو تن ... هاهما لم تجر بك الأيّام
قال: يرحم الله أبا الطّيب! لقد اجتهد في قيل الباطل، ورضي على ذلك بعطاء زهيد! ولو أن هذا البيت في صفة الله - عزّ سلطانه - لجاز أن ينال بذلك رضوانه!!
وأقول: أن الشّيخ أبا العلاء يطالب أبا الطّيب في تحقيق الالفاظ، وحملها على الصحة والصدق، وهو أكثر الشّعراء إغراقا، وأشدّهم إيغالا في الاستعارة والمجاز الذي يخرج إلى المحال، مطالبة أبي ذرّ، وهو في ذلك الأخيذ الصّبحان، وقد قيل: أحسن الشّعر أكذبه، وأمّا إغراقه في هذا البيت وقوله:
هابك الليل والنّهار. . . . . . . . . . . .
فله وجه من الاستعارة، يحمل عليه من ردّه الليل بالنّيران، أو بلمع الحديد نهارا، ومن ردّه النّهار بدخان النّار للقرى، أو بعجاج الخيل في الحرب ليلا، وهذه استعارة مشهورة، ولمّا وصفهما بالهيبة، والهيبة من صفات من يعقل، وصفه بالنّهي لهما، ووصفهما بامتثال ترك المنهيّ عنه، فهذا ابلغ ما يحتجّ به له.
وقوله: (المنسرح)
فلا تلمها على تواقعها ... أطربها إن رأتك مبتسما
стр. 494
قال: هذا البيت مناقض للبيت الأول، لأنه وصفها بأن لا تشاء ولا نحسّ بألم يعني قوله: (المنسرح)
ما نقلت في مشيئة قدما ... ولا اشتكت من دوارها ألما
ثم جعلها في البيت الآخر، تطرب من ابتسام الممدوح.
وأقول: وجه التّناقض عنده، إنه لمّا وصفها بعدم المشيئة، وعدم الاشتكاء للألم، جعلها على اصلها جمادا، فكيف يصفها، مع ذلك، بالتواقع للإطراب، وذلك من صفات الحيّ العاقل؟ والجواب: أن هذه (إنمّا) جعلها بمنزلة الحيّ، فعدم المشيئة والتّشكّي للألم لا يدلّ على الجماديّة فيلزم ما رتّبه عليه، لأن كثيرا من الأحياء يفعل بغير مشيئة، مكرها، ولا يشتكي ألما لكثرة تعب، لكونه قويا صابرا، فلا يلزم أبا الطّيب ما الزمه من كونه مناقضا بالكذب والمحال.
وقوله: (المنسرح)
ويطعن الخيل كلّ نافذة ... ليس لها من وحائها ألم
قال: لم توصف الطّعنة قطّ بوحاء أسرع من هذا الوصف! لأنه زعم أن الطّعين
стр. 495
لا يحسّ بألم الطّعنة، لأنّها تقتله قبل أن يصل إليه الألم.
وقد قال الأول في صفة السّيف: (الوافر)
ترى ضرباته أبدا خطايا ... إلى أن يستبان له قتيل
وأقول: لم يرد بقوله:
. . . . . . . . . ليس لها (من وحائها) ألم
إنها تزهق النفس وتقتل قبل الإحساس بالألم، لأن ضربة على أم الدماغ تفعل ذلك، فليس فيه كثير فائدة! وإنما أراد إنها ليس لها ألم مع بقاء النّفس وفي وقت يقع فيه الإحساس، لا يحسّ بها من سرعتها، كأنّ المطعون بها ما طعن. وهذا إنما يكون في أول الحال، ثم يتبيّن الألم بعد ذلك. وكأن أبا الطّيب نقل معنى البيت، الذي أنشده في مضاء السّيف بالضّرب، إلى مضاء الرّمح وسرعته بالطّعن، فكلاهما لا يتبيّن، في أول الحال، للرائي وللمطعون.
وقوله: (الوافر)
فؤاد ما تسلّيه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام
следующие страницы →