Полный текст (1 138 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وأقول: هذا من جملة تفسير معنى البيت، بإعادة لفظه!
والمعنى: أن الإقدام يصاحبهم، فلا يفنى قبل فناء نفوسهم، فيكونون في وقت جبناء، بل تفنى نفوسهم قبل فناء الإقدام، وان كان ذلك مستحيلا، وإنما ذكره مبالغة في بقاء إقدامهم.
وقوله: (الخفيف)
فارس يشتري برازك للفخ ... ر بقتل معجّل لا يلام
قال: يقول: برازك فخر عظيم يفتخر به مبارزك، فالذي يشتري بالقتل لا يلام على ما صنع، لأنه بنى له مجدا باقيا.
وأقول: يدلّ على ذلك، ما روي عن أخت عمرو بن عبد ودّ، لما قتله عليّ ﵇ إنها سألت عمّن قتله، فقيل لها: عليّ بن أبي طالب، فقالت: كفؤ كريم، لا رقأت عيني إن بكت عليك بعد اليوم! ثم أنشأت تقول: (البسيط)
لو كان قاتل عمرو غير قاتله ... لكنت أبكي عليه آخر الأبد
لكنّ قالته من لا يعاب به ... من كان يدعى قديما بيضة البلد
стр. 492
وقوله: (الخفيف)
قد لعمري أقصرت عنك وللوف ... د ازدحام وللعطايا ازدحام
خفت أن صرت في يمينك لن يأ ... خذني في عطائك الأقوام
قال: هذا معنى، لم يعلم أن أبا الطّيب سبق إليه، لأنه احتجّ لتأخّره عنه بأنّ طلاّب الأعطية يزدحمون لديه، فخشي أن يؤخذ في الهبات، وهذه مبالغة لم يأت بمثلها سواه.
فيقال له: هذه مبالغة حسنة، إلا أنك ما فهمت معناها! ولم خاف أبو الطّيب ذلك الممدوح ولم يخفه غيره؟
والمعنى: إنني لمحبتي وطاعتي لك، ومعرفتي واختصاصي بك، بمنزلة مالك وملكك، ومالك تفرّقه يمينك، فخشيت أن يأخذني الأقوام في عطائك فأفارقك. وفي هذا نظر إلى قوله: (المنسرح)
تسرّ طرباته كرائمه ... ثم تزيل السّرور عقباها
من كلّ موهوبة مولولة ... قاطعة زيرها ومثناها
стр. 493
وقوله: (الخفيف)
هابك اللّيل والنّهار فلو تن ... هاهما لم تجر بك الأيّام
قال: يرحم الله أبا الطّيب! لقد اجتهد في قيل الباطل، ورضي على ذلك بعطاء زهيد! ولو أن هذا البيت في صفة الله - عزّ سلطانه - لجاز أن ينال بذلك رضوانه!!
وأقول: أن الشّيخ أبا العلاء يطالب أبا الطّيب في تحقيق الالفاظ، وحملها على الصحة والصدق، وهو أكثر الشّعراء إغراقا، وأشدّهم إيغالا في الاستعارة والمجاز الذي يخرج إلى المحال، مطالبة أبي ذرّ، وهو في ذلك الأخيذ الصّبحان، وقد قيل: أحسن الشّعر أكذبه، وأمّا إغراقه في هذا البيت وقوله:
هابك الليل والنّهار. . . . . . . . . . . .
فله وجه من الاستعارة، يحمل عليه من ردّه الليل بالنّيران، أو بلمع الحديد نهارا، ومن ردّه النّهار بدخان النّار للقرى، أو بعجاج الخيل في الحرب ليلا، وهذه استعارة مشهورة، ولمّا وصفهما بالهيبة، والهيبة من صفات من يعقل، وصفه بالنّهي لهما، ووصفهما بامتثال ترك المنهيّ عنه، فهذا ابلغ ما يحتجّ به له.
وقوله: (المنسرح)
فلا تلمها على تواقعها ... أطربها إن رأتك مبتسما
стр. 494
قال: هذا البيت مناقض للبيت الأول، لأنه وصفها بأن لا تشاء ولا نحسّ بألم يعني قوله: (المنسرح)
ما نقلت في مشيئة قدما ... ولا اشتكت من دوارها ألما
ثم جعلها في البيت الآخر، تطرب من ابتسام الممدوح.
وأقول: وجه التّناقض عنده، إنه لمّا وصفها بعدم المشيئة، وعدم الاشتكاء للألم، جعلها على اصلها جمادا، فكيف يصفها، مع ذلك، بالتواقع للإطراب، وذلك من صفات الحيّ العاقل؟ والجواب: أن هذه (إنمّا) جعلها بمنزلة الحيّ، فعدم المشيئة والتّشكّي للألم لا يدلّ على الجماديّة فيلزم ما رتّبه عليه، لأن كثيرا من الأحياء يفعل بغير مشيئة، مكرها، ولا يشتكي ألما لكثرة تعب، لكونه قويا صابرا، فلا يلزم أبا الطّيب ما الزمه من كونه مناقضا بالكذب والمحال.
وقوله: (المنسرح)
ويطعن الخيل كلّ نافذة ... ليس لها من وحائها ألم
قال: لم توصف الطّعنة قطّ بوحاء أسرع من هذا الوصف! لأنه زعم أن الطّعين
стр. 495
لا يحسّ بألم الطّعنة، لأنّها تقتله قبل أن يصل إليه الألم.
وقد قال الأول في صفة السّيف: (الوافر)
ترى ضرباته أبدا خطايا ... إلى أن يستبان له قتيل
وأقول: لم يرد بقوله:
. . . . . . . . . ليس لها (من وحائها) ألم
إنها تزهق النفس وتقتل قبل الإحساس بالألم، لأن ضربة على أم الدماغ تفعل ذلك، فليس فيه كثير فائدة! وإنما أراد إنها ليس لها ألم مع بقاء النّفس وفي وقت يقع فيه الإحساس، لا يحسّ بها من سرعتها، كأنّ المطعون بها ما طعن. وهذا إنما يكون في أول الحال، ثم يتبيّن الألم بعد ذلك. وكأن أبا الطّيب نقل معنى البيت، الذي أنشده في مضاء السّيف بالضّرب، إلى مضاء الرّمح وسرعته بالطّعن، فكلاهما لا يتبيّن، في أول الحال، للرائي وللمطعون.
وقوله: (الوافر)
فؤاد ما تسلّيه المدام ... وعمر مثل ما تهب اللئام
стр. 496
قال: قوله: فؤاد خبر كلام محذوف، أو يكون مبتدأ محذوف الخبر، ويجوز أن يعني نفسه، ويحتمل أن يعني كلّ من له فؤاد، فإذا عنى نفسه قال: لي فؤاد أو فؤاد بين جنبيّ أو نحو ذلك. وإذا عنى كلّ فؤاد من النّاس، فالمعنى لكلّ فؤاد، أو: لكلّ إنسان، والعموم في هذا حسن من الخصوص، لأن أعمار أهل هذا العصر إذا قيست إلى القدم بطول الآباء، فأنها كالشّيء الحقير المتناهي في القصر.
(وأقول:) انظر إلى هذا التقسيم السّقيم!
وأقول: إنه لم يرد العموم بذكر الفؤاد والعمر، وإنما أراد الخصوص بهما - وهو يعني نفسه - أي: فؤادي فيه من الهموم ما لا تسلّيه المدام الموصوفة بنفي ألهمّ.
كقول أبي نواس: (الطويل)
إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همّه عن صدره برحيل
وأشباه ذلك. وعمري منكّد بالأسفار والأقتار والأوجال، كعطاء اللئام، فأنه منكّد بالمنّ والتّسويف والتّرديد والمطال. فلا يريد بذلك العموم، وفؤاد كلّ أحد، وعمر
كلّ احد، لأنه ليس كذلك، فم يبق إلا الخصوص، والمراد به نفسه، لأنه لا معنى للعموم على ما بيّنته.
стр. 497
وقوله: (الوافر)
وما أنا منهم بالعيش فيهم ... ولكن معدن الذّهب الرّغام
قال: زعم إنه ليس من العالم لكونه فيهم، وإنما مثله مثل الذهب، معدنه الرّغام، وليس هو منه.
وأقول: هكذا قال الشّاعر، وكلا القولين يحتاج إلى تفسير:
والمعنى: أني وإن كنت فيهم، بعيشتي معهم ومقامي بينهم، فأنّي لست منهم، لأني شريف، وهم أخسّاء، فأنا فيهم كالذّهب في التراب، والمعدن موضع الإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا قام به، ومنه قوله تعالى: (جنات عدن).
وقوله: (الوافر)
وخيل لا يخرّ لها طعين ... كأنّ قنا فوارسها ثمام
قال: أن أراد بعض الخيل، فهو صادق في ذلك، لأن كثيرا من الملوك تجري خيلهم في الميادين، ويلعب فرسانها بالرّماح المدة الطويلة، ولا يكون هنالك قتل ولا جرح، فكأنّ قناهم ثمام، وهو نبت ضعيف يغطّى به الاسقية، ويظلّل به الخيام المتّخذة من الشّجر.
وأقول: أن الشّيخ لهم يفهم المعنى وترتيبه على ما قبله، وذلك إنه وصف الملوك قبل، بالتّغفّل والتواني، وترك التّيقّظ بجعلهم أرانب، ثم وصفهم بالنّهم وكثرة الأكل،
стр. 498
وأنهم لا تقتلهم، الأقران من الفرسان، وإنما يقتلهم الإمعان في الطّعام. ثم وصفهم وأصحابهم بالضّعف، وكنى عنه بضعف رماحهم، وإنها ليست قنا في الصّلابة التي ينكت بها الفرسان، وإنما هي من ثمام.
وقوله: (الوافر)
ولو حيز الحفاظ بغير عقل ... تجنّب عنق صيقله الحسام
قال: هذا البيت متّصل بما قبله، يقول: الناس لا عقول لهم، وإنما يؤدي إلى حفظ المودّة عقل الإنسان. ولو جاء الحفاظ من غير ذي عقل، لوجب أن يجتنب السيف عنق صيقله، وابن آدم كالسّيف، لا عقل له صحيح، فكيف يعتمد جميل الأفعال؟
وأقول: أن هذه عبارة سيئة عن كشف هذا المعنى الحسن، وتفسيره يذكر، فيما بعد، في شرح التّبريزي فأنّهما كالشّرح الواحد.
وقوله: (الوافر)
وما كلّ بمعذور ببخل ... ولا كلّ على بخل يلام
стр. 499
قال: يريد أن المكثر أخا اليسار يلام على بخله، والمقتر إذا بخل فلا لوم عليه.
(قال: وكأنه مستخرج من قول الحكميّ: (الطويل)
كفى حزنا أن الجواد مقتّر ... عليه ولا معروف عند بخيل)
فيقال له: البخل إنما يكون بمنع شيء من الطّالب، قليلا كان أو كثيرا، فالمقتر، أن كان معه شيء ومنعه سمّي بخيلا (وليم على بخله)، وإن لم يكن معه شيء، فلا يسمّى بخيلا. على أن المعطي من فضول ماله، وقد تجوّز فيه، أن لا يسمّى كريما (وإنما الكريم الذي يجود مع القلّة والحاجة) كما قال: (الكامل)
ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتّى تجود وما لديك قليل
والجيّد في تفسيره ما ذكره الواحديّ: وهو أن الذي لا يعذر في البخل، من ولدته الكرام، والذي لا يلام على بخله، من كان آباؤه لئاما بخلاء، لم يتعلّم منهم غير البخل، ولم ير فيهم الجود والبذل. قال: ويكون ذلك من قول الطّائي: (الوافر)
لكلّ من بني حوّاء عذر ... ولا عذر لطائيّ لئيم
стр. 500
وقوله: (الوافر)
وقد خفي الزّمان بها علينا ... كسلك الدّرّ يخفيه النّظام
قال: قوله: بها الهاء راجعة إلى عطاياه، وادّعى إنها قد انتظمت الزّمان فغطّته، كتغطية الدّرّ ما نظم فيه من السّلوك.
وأقول: لم يذكر المعنى، وقد روي بها وبه، فإذا كان الضّمير بها فهي كناية عن عطاياه، وإنها بحسنها واتّساقها قد غطّت الدّهر الحقير الدّنيء، وشرّفته تشريف السّلك بالدّرّ. وإذا كان الضّمير به فهو كناية عن الممدوح، والتّفسير كذلك.
وقوله: (الوافر)
تلذّ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذّ له الغرام
تعلّقها هوى قيس لليلى ... وواصلها فليس به سقام
قال: هذا الممدوح، يحبّ المعالي حبّا شديدا، كحبّ قيس لليلى.
وأقول: عادته، إذا لم يفهم معنى البيت، أن يعيد ألفاظه، وهاهنا، لم يعدها كلّها، بل ترك منها بقيّة يحسن بها المعنى، بل لا معنى دونها، وهي:
стр. 501
. . . وواصلها فليس به سقام
والمعنى: أن قيسا، مع شدّة حبّه لليلى، لم يواصلها فسقم، والممدوح وأصل المروءة التي عشقها فلم يسقم لعدم الوصال، كما سقم قيس لذلك.
وقوله: (الطويل)
ولا يشتهي يبقى وتفنى هباته ... ولا يسلم الأعداء منه ويسلم
قال: يقول هذا الممدوح، لا يشتهي أن يسلم ويسلم أعداؤه، ولكن يريد أن يسلم في نفسه، ويهلك جميع أعدائه.
(أقول:) تأمّل هذا الذّكاء وهذه الفطانة بهذا التّفسير!
والمعنى في قوله:
. . . . . . . . . ولا يسلم الأعداء منه ويسلم
أي: لا يريد مسالمة الأعداء، ومواعدتهم ضعفا وجبنا وخوفا منهم، وكراهة للقتال.
والتقدير: لا يريد أن يسلموا منه ويسلم منهم، فحذف منهم للعلم به.
стр. 502
وقوله: (الطويل)
بكيت عليها خيفة في حياتها ... وذاق كلانا فقد صاحبه قدما
قال: يقول: كنت اعلم أني لا بدّ لي من فراقها، فكنت أبكي عليها والفراق لم يكن، وكانت هي من إشفاقها عليّ كأنّها ثاكلة، وهذا نحو من قوله: (الخفيف)
من رآها بعينه شاقه الق ... طّان فيها كما تشوق الحمول
وأقول: هذا ليس بشيء!
والمعنى: أني كنت أبكي عليها قبل فراقي لها، خوفا وإشفاقا من موتها، كما قال عبد السّلام بن رغبان: (الطويل)
أخ كنت ابكيه دما وهو حاضر ... حذارا وتعمى مقلتي وهو غائب
ثم فارقتها، فثكلتها وثكلتني قبل الموت.
стр. 503
وقوله: (البسيط)
أبديت مثل الذي أبديت من جزع ... ولم تجنّي الذي أجننت من ألم
قال: وصفها بصحّة الوفاء في أول الأبيات - يعني قوله:
تبسّمت عن وفاء غير منصدع. . . . . . . . .
ثم نقض ذلك بقوله: إنما أبدت مثل ما أبدى من الجزع، ولم تخف كما أخفى من الألم، ولوأنّ وفاءها غير المنصدع لأجنّت الألم كما اجنّه. ثم قال: ولو أنّك أجننت كما أجنّ: لبزّك ثوب الحسن اصغر ذلك، وصرت مثلي في ثوبين من سقم، وإنما ذكر الثوب لإقامة الوزن.
وأقول: ليس في هذا تناقض كما ذكر، لأنّ قوله:
. . . . . . . ولم تجنّي الذي أجننت. . .
стр. 504
أي: مثل الذي أجننت، فقد أجنّت، على الجملة، ألما إلاّ إنه دون ألمه، وذلك يدلّ على الوفاء، ولا يدلّ كونه ناقص (عن ألمه)، على الغدر، إذ لو كان المها كألمه، ووجدها مثل وجده على سواء، لكانت عاشقة لا معشوقة، لأنه لا تميّز لها، ولوجب أن تكون مثله، كما ذكر، في ثوبين من سقم، فيلتبس العاشق بالمعشوق.
وقوله: إنما ذكر الثوب لإقامة الوزن.
فيقال له: إنما ذكره لحسن الاستعارة كناية عن الصّغرة، وجعله ثوبين لأنه أراد الحلّة، وهي إنما تكون من ثوبين.
وقوله: (الوافر)
ملومكما يجلّ عن الملام ... ووقع فعاله فوق الكلام
قال: يريد، إنه إذا قال قولا، اتبعه بالفعل من غير تثبّت، لا كمن يمطل إذا وعد أن يفعل.
وأقول: لم يرد ذلك، وإنما أراد إنه إذا قال: إنه يفعل فعلا، جودا أو بأسا، كان فعله أكثر من قوله، كقول الشّاعر: (الوافر)
يقول فيحسن القول ابن ليلى ... ويفعل فوق أحسن ما يقول
стр. 505
وقوله: (الوافر)
عيون رواحلي أن حزن عيني ... وكلّ بغام رازحة بغامي
قال: الناس يروون التاء، والنون أشبه، لأنه وصف نفسه فيما تقدّم بأنه لا يحتاج إلى دليل. فوجب أن يقول: أن حارت رواحلي، فعيني نائبة عن عيونها، لأنّها تهديها السّبيل.
وأقول: إنه لم يرد هذا، لأنه يفسد عليه قوله:
. . . . . . . . . . . . وكلّ بغام رازحة بغامي
إذ لا يخبر عن نفسه بذلك، لما فيه من الخوف والضّعف، وإنما هذا الكلام أخرجه مخرج الدّعاء، يريد به القسم، كقول الأشتر: (الكامل)
بقيّت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
إن لم أشنّ على ابن هند غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس
وسواء في ذلك رواية النون والتّاء، وتابعه التّبريزيّ في تفسير رواية النون، وهو خطأ لما بيّنته.
стр. 506
وقوله: (الوافر)
عجبت لمن له حدّ وقدّ ... وينبو نبوة القضم الكهام
ومن يجد الطّريق إلى المعالي ... فلا يذر المطيّ بلا سنام
قال: من في هذا البيت معطوف على من في البيت الأول. يقول: أني لأعجب ممن يجد طريقا إلى معالي الأمور فلا يطلبها، حتى يذهب لسنمة الإبل.
وأقول: هذا التّفسير ليس بشيء! وسيجيء تفسيره فيما بعد.
وقوله: (البسيط)
حتّام نحن نساري النّجم في الظلّم ... وما سراه على خفّ ولا قدم
قال: نساري النّجم نفاعله، أي: نحن نسري بخيل وابل، وربّما سعينا بالأقدام، والنجم ليس يسري بخفّ ولا قدم فلا يجد ألما كما نجد. وأقول: إنه لم يرد الخيل هاهنا في المساراة، ولو أرادها لذكر ما تسري عليه من حافر، وإنما أراد الإبل والقوم السّارين بها، المعلمين لها.
يقول: نحن والإبل نسري
стр. 507
على خفّ فنألم، والنّجم يسري فلا يألم، لأنه ليس بذي خفّ أو قدم كالإبل والناس، وهذا استفهام إنكار واستعظام، وهو، وان لم يذكر الخيل لم ينف أن تكون معه سائرة.
وقوله: (البسيط)
تبري لهنّ نعام الدوّ مسرجة ... تعارض الجدل المرخاة باللّجم
قال: ذكر أن الخيل تعارض الإبل، وإنما جرت عادة العرب، أن يوصفوا بركوب الابل، وانهم قد جنبوا الخيل وراءها، وقد ذكره أبو الطّيب في قوله: (الطويل)
ولا اتّبعت آثارنا عين قائف ... فلم تر إلاّ حافرا فوق منسم
وأقول: لم يقصد أبو الطّيب بقوله:
. . . . . . . . . تعارض الجدل المرخاة باللّجم
نفس المعارضة في حال السّير فيلزمه ما ذكر، وإنما كنى بذلك عن طول أعناق الخيل، وإنها تحاذي أعناق الإبل، إذ كانت المعارضة قد تقع في بعض السّير، فبالغ في ذلك، كقول امرئ القيس: (الطويل)
ومستفلك الذّفري كأنّ عنانه ... ومثناته في رأس جذع مشذّب
стр. 508
وقوله: (البسيط)
أتى الزّمان بنوه في شبيبته ... فسرّهم وأتيناه على الهرم
قال: وقد بدأ حبيب بن أوس بذكر هرم الزّمان بقوله: (البسيط)
مجد رعى تلعات الدّهر وهو فتى ... حتى أتى الدّهر يمشي مشية الهرم
فيقال له: (السريع)
شتّان ما يومي على كورها ... ويوم حيّان أخي جابر
على أنه، وإن سبقه إلى اللّفظ، فلم يسبقه إلى المعنى، لأن معنى بيت أبي تمّام غير معنى بيت أبي الطيب.
وقوله: (الطويل)
وأمّ عتيق خاله دون عمّه ... رأى خلقها من أعجبته فعانها
قال: زعم أن هذا المهر، خاله دون عمّه، فكأنه وصفه بالهجنة مع شهادته له بالعتق.
فيقال له: العتيق من الخيل: الرائع الحسن الخلق، قال ابن دريد: يقال للجميل: ما أعتقه وأبين العتق فيه!! فإذا كان كذلك لم يكن مناقضا.
стр. 509
وقوله: (الكامل)
أن خلّيت ربطت بآداب الوغى ... فدعاؤها يغني عن الأرسان
قال: أشطرتّه القافية إلى الأرسان ولو وصفها بالغناء عن اللّجم، لكان ذلك (أبلغ) في وصفها بالأدب.
فيقال له: لم تضطّره القافية إلى ذلك، لأن الرّبط إنما يستعمل في الأرسان لا في اللّجم.
يقول: هذه الخيل مؤدبة بآداب الحرب، لا يخشى شرادها إذا خلّيت وأرسلت، لأن دعاء فرسانها، يوم مقام الارسان، فلا تحتاج إلى الأرسان مع اللّجم، لأن من الخيل ما يلجم على رسنه خوفا من شراده، وهذه غنيّة عن ذلك.
وقوله: (الكامل)
والماء بين عجاجتين مخلّص ... يتفرّقان به ويلتقيان
стр. 510
ابن دريد، الجمهرة ٢: ٢٠.
قال: يعني أن الماء قد صار في جانبيه عجاجتان، فكأنه مخلّص بينهما لأنه ليس يشاكلهما في اللّون والخلقة، فتارة تفترق العجاجتان، وتارة تلتقيان.
وأقول: تعليله للتّخليص بينهما بكونه مخالفا لهما في اللون والخلقة غير جيّد، لأن هذه العلّة يشارك النّهر فيها أكثر الأجسام. وإنما يريد، أن خيل سيف الدولة بعضها قطع (ذلك) النّهر، وبعضها لم يقطعه، فالخيلان تثير في جانبي النّهر عجاجتان، النّهر مخلّص بينهما، ما لم تقو الرّيح، فأن قويت التقتا.
وقوله: (الكامل)
نظروا إلى زبر الحديد كأنّما ... يصعدن بين مناكب العقبان
قال: شبّه الدّارعين بزبر الحديد، وشبّه خيلهم بالعقبان كأنما تحمل الزّبر على المناكب.
وأقول: أن قوله:
نظروا إلى زبر الحديد. . . . . . . . . . . .
يحتمل أن يكون إشارة إلى دروع الفرسان وبيضهم، وان يكون كناية عنهم لشدّتهم وجلدهم، كما يروى عن أمير المؤمنين ﵇ إنه مرّ في بعض ليالي صفّين بمالك ابن الحارث الأشتر ﵀ والناس نيام من شدّة القتال، وهو يقوّم رماحا. فقال له: لله درّك يا مالك! لو أن الرجال من حديد لكنت زبره، أو من حجارة لكنت صخره!
стр. 511
وقوله: (الكامل)
وفوارس يحيي الحمام نفوسهم ... فكأنّها ليست من الحيوان
قال: أسرف في المبالغة، فجعل الحمام يحيي انفسهم، كأنها ليست حيوانا، أي: كأنهم كانوا أمواتا، أو جمادا فجعلهم الحمام أحياء.
وأقول: أن قوله: فكأنهم (كانوا) جمادا، أو امواتا، فجعلهم الحمام أحياء ليس بشيء!
والمعنى: أن هؤلاء الفوارس، كأنهم بخلاف غيرهم من الحيوان، لأنّ الحمام يحيي نفوسهم، وغيرهم الحمام يهلك أنفسهم، وهذا مثل قوله: (البسيط)
. . . . . . . . . . . . إذا تلفوا قدما فقد سلموا
وقوله: (الكامل)
ما زلت تضربهم دراكا في الذّرى ... ضربا كأنّ السّيف فيه اثنان
قال: يريد انك سيف ومعك سيف.
وأقول: لم يرد بقوله: تضربهم سيف الدولة وحده، حتى يفسره على ما قال،
стр. 512
وإنما
أراد سيف الدّولة وأصحابه، وأضاف ضربهم إليه، لأنه بأمره، ويدلّ عليه ما قبله من قوله: وفوارس وإنما يعني أن الضرب منه ومن أصحابه، كان متداركا متتابعا لسرعته، فكأنّ السّيف بسرعة وقعه عليهم سيفان مختلفان.
وقوله: (الكامل)
خصّ الجماجم والوجوه كأنّما ... جاءت إليك جسومهم بأمان
قال: ترك المبالغة في هذا البيت، لأنّ رسوب السّيف في الضّريبة محمود، وقد قال في موضع آخر: (المتقارب)
إذا ما ضربته به هامة ... براها وغنّاك في الكاهل
فيقال له: ترك المبالغة هاهنا، وان كانت محمودة، لما هو أحمد منها، وذلك وصفهم بثبات القلوب والأذهان، عند لقاء الأقران مواجهين لهم، وأنهم خصّوا رؤوسهم ووجوههم بالضّرب، معتمدين ذلك، غير ذاهلين عنه خوفا وفرقا، كما قال بلعاء بن قيس: (البسيط)
بضربة لم تكن منّي مخالسة ... ولا تعجّلتها جبنا ولا فرقا
стр. 513
وقوله: (الكامل)
فرموا بما يرمون عنه وأدبروا ... يطئون كلّ حنيّة مرنان
قال: يقول: رموا قسيّهم، وهي التي يرمون عنها، وهذه صفة رجّالة الأرمن.
وأقول: ما اعلم لم خصّ برمي القسيّ الرّجّالة دون غيرهم؟ ولم خصّ من الرّجّالة الأرمن دون غيرهم؟ فهذا تخصيص بغير دليل. وقوله:
. . . . . . . . . يطئون كلّ حنيّة. . .
لا يدلّ على قوله، لأنه يحتمل أن (يكون) وطؤها بخيلهم، وذلك أبلغ في مدح سيف الدولة.
وقوله: (البسيط)
إذا قدمت على الأهوال شيّعني ... قلب إذا شئت أن يسلاكم خانا
قال: يقول: أنا اقدم على الأهوال التي كأنّها غائبة عنّي، وأسافر إليها، كما يسافر الغائب إلى أهله. وشيّعني أي: قوّاني، فكان لي مشايعا على ما أريد.
وأقول: لم يذكر الشّيخ معنى البيت، وإنما فسّر بعض ألفاظه!
стр. 514
والمعنى: أخباره عن صدق محبّته، وشدّة هواه ووجده بأحبابه، يقول: إذا قدمت على الأمر المهول، والخطب المخوف، شيّعني قلبي، أي: صاحبني وتابعني، وذلك وفاء من قلبه له، وإذا رمت سلوّكهم، لم يشايعني، وخذلني فخانني. فجعل قلبه يقدم على الاهوال، ولا يقدم على السّلوان، وهذا نسيب تشوبه حماسة!!
وقوله: (البسيط)
وتسحب الحبر القينات رافلة ... في جوده وتجرّ الخيل أرسانا
قال: وصفه بالجود على كلّ الخلق، وإنّ الحبر تجرّه القينات أي: الإماء وإنما هو من عطاياه، وجعل الخيل تسحب أرسانها في ملكه، فيجوز أن يعني بذلك، إنها تترك وشأنها، فلا ترتبط، فهي تسحب الأرسان لذلك. وهذا الوجه ابلغ من أن يصفها بطول الأرسان المانعة لها من التّصرف.
وأقول: أن قوله: وجعل الخيل تسحب أرسانها في ملكه (خطأ) وإنما هو في جوده بمنزلة القينات، فالقينات في جوده تسحب الحبر والخيل تسحب الأرسان. وهذا معنى مطروق، من ذلك قول النّابغة: (البسيط)
стр. 515
الواهب المائة الأبكار زيّنها ... سعدان توضح في أوبارها اللّبد
والراكضات ذيول الرّيط فنّقها ... برد الهواجر كالغزلان في الجرد
وقوله: (الكامل)
طربت مراكبنا فخلنا إنها ... لولا حياء عاقها رقصت بنا
قال: المراكب: جمع مركب، وهو الذي يوضع على ظهر الدّابة لتركب، ويجوز
أن تسمّى الدابة مركبا، وكون المركب في معنى السّرج، ابلغ في هذا الموضع، لأن الدّابّة حيوان، فهي اقرب إلى الرّقص من الذي يركب فيه.
وأقول: أن الشّيخ، دائما، ينكر عليه الغلوّ في الاغراق، وينسبه إلى الإحالة، ثم هو يجعل هاهنا الذي هو اقرب إلى الإحالة، أولى من الأبعد! على أن الإغراق ليس بمستحسن في كل موضع. ومع هذا، فأنّ المراكب، التي هي السّروج، إذا كانت لازمة لظهور المراكب، التي هي الخيل، شدّا وحزما، فلا يمكن حركتها بالرّقص من دون حركة ما لزمته، فالأولى أن يضاف الرّقص إلى الخيل، وان كانت اقرب إليه من السّروج.
وقوله: (الكامل)
فطن الفؤاد لما أتيت على النّوى ... ولما تركت مخافة أن تفطنا
стр. 516
قال: وصفه بالفطنة، وزعم إنه يفطن لما يفعله الشّاعر، ولما لم يفعله، مخافة أن يعلم به فكأنه يقول: لم أزل أثني عليك في غيبتك، وفي حضورك، وأنت عالم بذلك.
وقوله:
. . . . . . . . . ولما تركت مخافة أن تفطنا
كأنه أراد ذمّ قوم، فترك ذّمهم، لأنه خشي أن يفطن بذلك.
وأقول: أن قوله: وصفه بالفطنة، وزعم إنه يفطن لما يفعله. . . ولما لم يفعله مخافة أن يعلم به كاف في تفسير البيت، وما بعده زيادة كزيادة الأصابع! وهي من قوله: لم أزل أثني عليك إلى الآخر، لأن اللفظ لا يدلّ عليه، ولا القرينة ترشد إليه.
وقوله: (الكامل)
أضحى فراقك لي عليه عقوبة ... ليس الذي قاسيت منه هينا
قال: الهاء في عليه عائدة على ما ذكره مخافة أن يفطن الممدوح، أي: فراقك أضحى كالعقوبة على ما تركته. والهاء في منه عائدة على الفراق.
وأقول: أن قوله: الهاء. . . عائدة على ما ذكره مخافة أن يفطن، وهو إنه أراد أن يهجو أناسا، خطأ! بل الضّمير في عليه ومنه عائد على الفراق، وذلك إنه تخلّف عن الممدوح، ولم يسر في صحبته، وكان الواجب عنده أن لا يفارقه فقال: أضحى فراقك عقوبة لي عليه، فكأنّه يقول: عوقبت بالفراق على الفراق، وبيّن ذلك بقوله:
стр. 517
. . . ليس الذي قاسيت منه هينا
أي: من الفراق. فهذا هو التقدير الصّحيح الذي يدلّ عليه لفظ البيت، وما سواه ففاسد.
وقوله: (البسيط)
كأنّه زاد حتّى فاض عن جسدي ... فصار سقمي به في جسم كتماني
قال: صار السّقم الذي كان بي في جسم كتماني، أي: كتماني ذاب وضعف، حتى صار يشبهني في السّقم وأنا أخفى عن النظر.
وأقول: قوله: وأنا أخفى عن النّظر زيادة لا يدلّ عليها اللّفظ، ولو قال: وأنا ناحل جدا من السّقم بالحبّ، لكان أولى.
وقوله: (البسيط)
تحمّلوا حملتكم كلّ ناجية ... فكلّ بين عليّ اليوم مؤتمن
стр. 518
قال: هذا ضدّ ما ذكره في قوله: (الكامل)
ليت الذي خلق النّوى جعل الحصى ... لخفافهنّ مفاصلي وعظامي
وأقول: لو كان قال ضدّ قوله: (الكامل)
وإذا الجياد - أبا البهيّ - نقلننا ... عنكم فأردأ ما ركبت الأجود
لكان أولى.
وقوله: (البسيط)
وتغضبون على من نال رفدكم ... حتى يعاقبه التّنغيص والمنن
(قال:) أي حتى يكون في عاقبته تنغيص بالمنن على أخذه. ويجوز أن يكون يعاقبه من تعاقب الراكبين على الدّابة، يريد أن رفدكم والتّنغيص لا يجتمعان، فيسهل أحدهما الآخر، ولكن التّنغيص يجيء ولا رفد معه.
وأقول: الصّحيح، إنه أراد بقوله يعاقبه من العقاب، يقول: تغضبون على من نال منكم رفدا، فتعاقبونه بتنغيصه بمنّكم) كأنه مذنب بأخذه منكم. وأما تفسيره يعاقبه بمعنى يعقبه أي: يتبعه فحسن، والذي ذكرته احسن منه.
وأمّا قوله: ويجوز أن يكون من تعاقب الرّاكبين على الدّابّة، ويريد أن
стр. 519
رفدهم والتنغيص لا يجتمعان، فيسهل أحدهما على
الآخر، ولكنّ التنغيص يجيء ولا رفد معه فهذا لا يصحّ إلا إذا عطف على قوله:
رأيتكم لا يصون العرض جاركم. . . . . . . . .
كأنّه قال: ولا تغضبون على من نال رفدكم، حتى تحصل المعاقبة بينه وبين التّنغيص والمنن، ولكنه وجه خفيّ، ومع الخفاء، بعيد.
وقوله: (البسيط)
فغادر الهجر ما بيني وبينكم ... يهماء تكذب فيها العين والأذن
قال: تكذب فيها العين والاذن، لأنها بعيدة الارجاء، فالعين لا تتبيّن فيها الشّخص على الحقيقة، وكذلك الأذن، ليس سمعها في هذه المقفرة بالصّحيح.
وأقول: إنه أراد بكذب العين، إنها ترى السّراب فتظنّه ماء، وكذب الأذن إنها تسمع دويّها فتظنه شيئا من خارج، كقول ذي الرّمّة: (الطويل)
إذا قال حادينا ليسمع نبأة: ... صه، لم تكن إلا دويّ المسامع
стр. 520
وقوله: (الخفيف)
وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تموت جبانا
قال: حثّ بهذا البيت على الشّجاعة، ونهى عن الجبن. وإنما يكون الإنسان كما خلق، فأن كان شجاعا لم يكن موصوفا بالجبن، وان خلق جبانا، فليس له إلى الشجاعة سبيل. وقد قال الأول: (البسيط)
لقد علمت ولا أنهاك عن خلق ... إلا يكون امرؤ إلا كما خلقا
فيقال له: هذا، مبنيّ على أن الإنسان مجبر أو مطبوع على الأفعال، وليس كذلك بل الصّحيح، أن الإنسان مخير، له فعل يكسب به الخصال الحميدة والذّميمة ويألفها، فتصير له كالطبع اللاّزم، فيمكن الإنسان أن يتعلّم ممّن يصاحبه، كقول أبي الطّيب: (الطويل)
فربّ غلام علّم المجد نفسه ... كتعليم سيف الدولة الطّعن والضّربا
стр. 521
وقوله: (المتقارب)
كأنّك ما بيننا ضيغم ... يرشّح للفرس أشباله
وقد قال رسول الله ﷺ الخير عادة، والشّرّ لجاحة.
وقال الشّاعر: (البسيط)
باتت تلوم وتلحاني على خلق ... عودته عادة والخير تعويد
وقوله: (الطويل)
رأت كلّ من ينوي لك العذر يبتلى ... بغدر حياة أو بغدر زمان
قال: فرّق بين غدر الحياة وغدر الزّمان، وإنما حمله على ذلك إقامة الوزن، والزّمان غدره على ضربين.
أحدهما: هلاك النّفوس.
والآخر: هلاك المال، وزوال الدّول، وموت الأعزاء، وغدر الحياة داخل في
غدره.
وأقول: أن غدر الحياة وغدر الزّمان كلاهما مجاز، فليس أحدهما داخل في غدر الآخر، فكنى بغدر الحياة عن الموت، وبغدر الزّمان عن زوال الملك والمال، وما يناله الإنسان في من السّرور والرّاحة، لأنّ ذلك أكثر ما يستعمل في عطاء الدّهر، وقلّما يستعمل في عطاء الحياة. فلذلك خصّه بما سوى الحياة وجعلهما قسمين.
стр. 522
وقوله: (الطويل)
كأنّ رقاب النّاس قالت لسيفه ... رفيقك قيسيّ وأنت يماني
قال: في هذا البيت معنى حسن لطيف، وذلك أن الشّاعر قال:
كأنّ رقاب النّاس قالت لسيفه ... رفيقك قيسيّ وأنت يماني
أي: رفيقك يا سيف من قيس عيلان، وأنت منسوب إلى اليمن، فأفسدت بين شبيب وبين السيف، لأنّ عادة من ينسب إلى قيس عيلان، أن يتعصّب على اليمن.
وأقول: ذكر أن الرّقاب أغرت بين وبين سيفه البغضاء، إلا إنه لم يذكر لأيّ معنى ذلك. والعّلة بذكر ذلك، أن يتخلّص من الضّرب والقطع.
وقوله: (الطويل)
فنال حياة يشتهيها عدوّه ... وموتا يشهّي الموت كلّ جبان
قال: أي إنه مات موتة وحيّة، ولم يمت حتف انفه، فيعاني العلل والأمراض.
وأقول: أن الجبان يشتهي أن يموت حتف انفه، أي: على فراشه من غير قتل، كقوله: (الطويل)
стр. 523
وما مات منّا سيّد حتف أنفه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل
والشّجاع يشتهي أن يموت في الحرب. والأقرب أن يكون معنى قوله:
. . . . . . . . . وموتا يشهّي الموت كلّ جبان
أنه مات صرعا من شرب الخمر، كما ذكر، فهذا موت يشتهيه الجبان.
وقوله: (الطويل)
ثنى يده بالإحسان حتّى كأنّها ... وقد قبضت كانت بغير بنان
قال: يقول: ملأت يده بالإحسان، حتى ثناها إلى ورائها، فكأنها لمّا قبضت ما وهبت له لم يكن لها بنان تطبقه على الموهوب فأرسلته.
وأقول: أن قوله: ثناها إلى ورائها ليس بشيء! وإنما ثناها: ردّها، (أي جلعها) وقد كانت ذات بنان، كأن لا بنان لها لما قبضت على إحسانك، أي: لم تحفظ إحسانك، ولم تحافظ عليه فضيّعته، وفي هذا إشارة إلى غدره وجحده للجميل، وكفره للأنعام، وقد بيّن ذلك بما بعده.
стр. 524
وقوله: (الطويل)
ومالك نختار القسيّ وإنما ... عن السّعد يرمي دونك الثّقلان
قال: يعني بالثّقلين الجنّ والإنس، وجاء في الحديث إنه - صلّى الله عليه - قال): خلّفت فيكم الثّقلين: كتاب الله وعترتي! فالثقلان في الحديث تثنية ثقل، ومن قولهم: حطّ فلان ثقله، أي: متاعه الذي يحمله، فأراد - صلّى الله عليه - أن كتاب الله وعترته ثقلاه الذي يهمّه حفظهما.
وأقول: اشتغل الشّيخ بذكر اللّغة ولم يذكر المعنى، وهو إنه استفهمه إنكارا عليه اختيار القسيّ ليرمى عنها أعداؤه لأنها قد تصيب وتخطئ، وقال: إذا كان الإنس والجنّ ترمي دونك الأعداء عن السّعد، فلا حاجة إلى القسيّ. ويحتمل أن يكون أراد قسيّ السّعد، فحذف المضاف وأقام مقامه المضاف إليه، لدلالة الأول عليه.
وقوله: (الوافر)
مغاني الشّعب طيّبا في المغاني ... بمنزلة الرّبيع من الزّمان
стр. 525
قال: الرواية التي في ايدي الشّاميين، ينصبون طيبا، ويجب أن يكون نصبه بإضمار فعل، كأنه قال: تزيد طيبا، أو: تطيب طيبا، كلا تقول: فلان سيرا، أي:
يسير سيرا.
والبغداديّون ينشدون: طيب بالرّفع، وإنما فرّوا من النّصب، لأنه ليس ثمّ فعل يحمل عليه. والرّفع على أن طيب خبر مبتدأ، وهذا كلام النّحاة من البصريين.
وأقول: أن الشّعر موضع ضرورة، يقع فيه التقديم والتأخير، وهو على أصله في الكلام، فيكون تقدير هذا البيت: مغاني الشّعب في المغاني طيبا، أي: استقرّت طيبا، بمنزلة الرّبيع من الزّمان طيبا، ويكون مثل قولهم: زيد في الدار قائما (وأجيز في قائما التقديم في الشعر). وإذا جاز أن يؤخّر الفاعل ويقدّم المفعول في قولهم: ضرب غلامه زيد، وفي قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه)، والفاعل كالجزء من الفعل، ولهذا إذا كان مضمرا مرفوعا لم يعطف عليه حتى يؤكّد، فلم لا يجوز التقديم (والتأخير) في مثل هذا البيت؟
وقوله: (الوافر)
ولكنّ الفتى العربيّ فيها ... غريب الوجه واليد واللّسان
стр. 526
قال: ذهب بعض الناس، إلى أن في هذا البيت النّعمة، إنما أراد، أن العرب تخالف العجم في خلقها ولفظها، لأنّ وجوههم بيّنة من وجوه العرب، ولحاهم شقر وصهب، وكان مرور أبي الطيب بالكرد، وايديهم لا تشبه أيدي العرب، لأنها غلاظ جعدة.
وأقول: أن الصّحيح إنه أراد بغريب اليد ما أراد بغريب اللّسان أي: كتابتهم أعجمية، كما أن لغتهم أعجمية، فهذا لسان غريب في الألسن، وهذا خطّ غريب في الخطوط، فكنى بغربة اليد واللّسان عن عجمة الخطّ والكلام.
وقوله: (الوافر)
وأمواه يصلّ بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني
قال: زعم الشّاعر، أن هذه الأمواه حسنة، فحصاها يصلّ فيها، كما يصلّ حلي
الغانية عليها، وفي هذا البيت صفة الأمواه وحصاها، لأنه جعل حصاها كالحلي، وجعلها كالغانيات من النّساء.
وأقول: لم يرد في هذا البيت، إلا وصف صوت المياه بجريها على الحصى، وإنها تشوق (بصوتها) كما يشوق صليل الحلي في أيدي النّساء، يعني: قلائدهنّ إذا عبثن بها ولعبن. ولا يريد بالحلي في أيدي الغواني، سورهنّ وما أشبهها، لأنّ المحمود من ذلك أن لا يصلّ ولا يصوّت.
стр. 527
وقوله: (الوافر)
رقاه كلّ ابيض مشرفيّ ... لكلّ أصمّ صلّ أفعوان
قال: يقول: إنه أقام السيوف مقام رقى، يرقي بهن الأعداء، فشبّه أهل العصيان بالصّمّ من الحيّات.
وأقول: لم يرد بقوله:
. . . . . . . . . . . . أصمّ صلّ أفعوان
الأعداء، وإنما أراد رماح الأعداء، فجعل رقاها السّيوف، وهي اعظم منها، يقول: ليس له رقى من كلام، كما يفعله رقاة ذوات السّموم، إنما رقاه فعال أعظم من فعال ذلك المرقيّ فيدفع لسعة صلّ الرّمح برقية لسان السّيف.
وقوله: (الوافر)
حمى أطراف فارس شمّريّ ... يحضّ على التّباقي بالتّفاني
قال: يحضّ: يحثّ، ويجب أن يكون:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . على التباقي بالتّفاني
стр. 528
بالباء، أي: يحضّ على ترك النّاس القتل بالقتل، وفي الكتاب العزيز: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) وهذا اللّفظ يشير إلى اللفظ الأول: القتل أنفى للقتل. وإن رويت في التفاني فله معنى يؤدّي المعنى الأول. ويحتمل أن يريد:
على التّفاني في الدار التي فيها التّفاني، أما من تفاني النّاس بالقتل، وأمّا من تفانيهم بالموت.
وأقول: إنه ذكر وجهين (الأول) ظاهر سائغ، وهو المقدّر بالباء، لأنه معنى القرآن، وكلام العرب القديم. والثاني مظلم، وهو المقدّر بفي من قوله: يريد أن يحضّ على التّفاني في الدّار التي فيها التّفاني وتقسيمه له. والصحيح أن هذا الوجه ينظر إلى قوله: (البسيط)
ضربته بصدور الخيل حاملة ... قوما إذا تلفوا قدما فقد سلموا
يعني: بما يبقى له من الذّكر الجميل، الذي يقوم مقام الحياة. وكذلك قوله:
. . . . . . . . . يحضّ على التّباقي في التّفاني
أي: يحضّ على البقاء في الفناء - يعني القتل في موطن الحرب، بما يكسبه من الثّناء الجزيل، والذّكر الجميل لقوله: (البسيط)
ذكر الفتى عمره الثاني. . . . . . . . . . . .
стр. 529
وقوله: (المنسرح)
تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها
قال: هذا البيت يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون: كلّما ابتسمت أخذه البكاء لأنه يخاف من الفراق، أو من تغيّر النيّة، فيكون المعنى كقوله: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . ظلت أشكو وتبسم
والآخر: أن تكون تقبّله فيصيب خدّيه من الرّيق، وإن قلّ. ويقوّي هذا الوجه قوله: (المنسرح)
فقبّلت ناظري. . . . . . . . . . . .
وأقول: الوجه الصّحيح هو الاول، والثاني قول ابن جنّي وقد ذكرت ما فيه.
стр. 530
وقوله: (المنسرح)
في بلد تضرب الحجال به ... على حسان ولسن أشباها
قال: لسن أشباها: أي بعضهنّ أفضل من بعض، كأنه فضّل التي ذكرها عليهن.
وأقول: هذا التّفسير ليس بشيء! والصحيح أن هذه حسان من ظباء يضرب عليهن الحجال بخلاف الظّباء، وإنهنّ لا يتشابهن، لأنهنّ نساء بخلاف الظباء فأنهن يتشابهن، ويدل عليه قوله فيما بعده: (المنسرح)
كلّ مهاة. . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: (المنسرح)
فإن أتى حظّها بأزمنة ... أوسع من ذا الزّمان أبداها
وصارت الفيلقان واحدة ... تعثر أحياؤها بموتاها
قال: قوله:
وصارت الفيلقان. . .
следующие страницы →