Полный текст (1 138 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
قال: ذهب بعض الناس، إلى أن في هذا البيت النّعمة، إنما أراد، أن العرب تخالف العجم في خلقها ولفظها، لأنّ وجوههم بيّنة من وجوه العرب، ولحاهم شقر وصهب، وكان مرور أبي الطيب بالكرد، وايديهم لا تشبه أيدي العرب، لأنها غلاظ جعدة.
وأقول: أن الصّحيح إنه أراد بغريب اليد ما أراد بغريب اللّسان أي: كتابتهم أعجمية، كما أن لغتهم أعجمية، فهذا لسان غريب في الألسن، وهذا خطّ غريب في الخطوط، فكنى بغربة اليد واللّسان عن عجمة الخطّ والكلام.
وقوله: (الوافر)
وأمواه يصلّ بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني
قال: زعم الشّاعر، أن هذه الأمواه حسنة، فحصاها يصلّ فيها، كما يصلّ حلي
الغانية عليها، وفي هذا البيت صفة الأمواه وحصاها، لأنه جعل حصاها كالحلي، وجعلها كالغانيات من النّساء.
وأقول: لم يرد في هذا البيت، إلا وصف صوت المياه بجريها على الحصى، وإنها تشوق (بصوتها) كما يشوق صليل الحلي في أيدي النّساء، يعني: قلائدهنّ إذا عبثن بها ولعبن. ولا يريد بالحلي في أيدي الغواني، سورهنّ وما أشبهها، لأنّ المحمود من ذلك أن لا يصلّ ولا يصوّت.
стр. 527
وقوله: (الوافر)
رقاه كلّ ابيض مشرفيّ ... لكلّ أصمّ صلّ أفعوان
قال: يقول: إنه أقام السيوف مقام رقى، يرقي بهن الأعداء، فشبّه أهل العصيان بالصّمّ من الحيّات.
وأقول: لم يرد بقوله:
. . . . . . . . . . . . أصمّ صلّ أفعوان
الأعداء، وإنما أراد رماح الأعداء، فجعل رقاها السّيوف، وهي اعظم منها، يقول: ليس له رقى من كلام، كما يفعله رقاة ذوات السّموم، إنما رقاه فعال أعظم من فعال ذلك المرقيّ فيدفع لسعة صلّ الرّمح برقية لسان السّيف.
وقوله: (الوافر)
حمى أطراف فارس شمّريّ ... يحضّ على التّباقي بالتّفاني
قال: يحضّ: يحثّ، ويجب أن يكون:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . على التباقي بالتّفاني
стр. 528
بالباء، أي: يحضّ على ترك النّاس القتل بالقتل، وفي الكتاب العزيز: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) وهذا اللّفظ يشير إلى اللفظ الأول: القتل أنفى للقتل. وإن رويت في التفاني فله معنى يؤدّي المعنى الأول. ويحتمل أن يريد:
على التّفاني في الدار التي فيها التّفاني، أما من تفاني النّاس بالقتل، وأمّا من تفانيهم بالموت.
وأقول: إنه ذكر وجهين (الأول) ظاهر سائغ، وهو المقدّر بالباء، لأنه معنى القرآن، وكلام العرب القديم. والثاني مظلم، وهو المقدّر بفي من قوله: يريد أن يحضّ على التّفاني في الدّار التي فيها التّفاني وتقسيمه له. والصحيح أن هذا الوجه ينظر إلى قوله: (البسيط)
ضربته بصدور الخيل حاملة ... قوما إذا تلفوا قدما فقد سلموا
يعني: بما يبقى له من الذّكر الجميل، الذي يقوم مقام الحياة. وكذلك قوله:
. . . . . . . . . يحضّ على التّباقي في التّفاني
أي: يحضّ على البقاء في الفناء - يعني القتل في موطن الحرب، بما يكسبه من الثّناء الجزيل، والذّكر الجميل لقوله: (البسيط)
ذكر الفتى عمره الثاني. . . . . . . . . . . .
стр. 529
وقوله: (المنسرح)
تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمت ... من مطر برقه ثناياها
قال: هذا البيت يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون: كلّما ابتسمت أخذه البكاء لأنه يخاف من الفراق، أو من تغيّر النيّة، فيكون المعنى كقوله: (الطويل)
. . . . . . . . . . . . ظلت أشكو وتبسم
والآخر: أن تكون تقبّله فيصيب خدّيه من الرّيق، وإن قلّ. ويقوّي هذا الوجه قوله: (المنسرح)
فقبّلت ناظري. . . . . . . . . . . .
وأقول: الوجه الصّحيح هو الاول، والثاني قول ابن جنّي وقد ذكرت ما فيه.
стр. 530
وقوله: (المنسرح)
في بلد تضرب الحجال به ... على حسان ولسن أشباها
قال: لسن أشباها: أي بعضهنّ أفضل من بعض، كأنه فضّل التي ذكرها عليهن.
وأقول: هذا التّفسير ليس بشيء! والصحيح أن هذه حسان من ظباء يضرب عليهن الحجال بخلاف الظّباء، وإنهنّ لا يتشابهن، لأنهنّ نساء بخلاف الظباء فأنهن يتشابهن، ويدل عليه قوله فيما بعده: (المنسرح)
كلّ مهاة. . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله: (المنسرح)
فإن أتى حظّها بأزمنة ... أوسع من ذا الزّمان أبداها
وصارت الفيلقان واحدة ... تعثر أحياؤها بموتاها
قال: قوله:
وصارت الفيلقان. . .
стр. 531
أراد بإحداهما الجماعة التي في طاعة هذا الملك، وبالأخرى الجماعة التي ليست في طاعته. فأن كان الذي ذكره الشّاعر من حظّ الدنيا، فأنّ المخالفين لهذا الممدوح يصيرون من عبيده وأصحابه.
وأقول: هذا التّفسير ليس بشيء! وإنما المراد بقوله:
وصارت الفيلقان واحدة. . . . . . . . .
اختلاط الكتيبتين والفئتين في الحرب، ووصف القتال بالشدّة إلى أن يعثر الحيّ بالميت، ولم يره، لكثرة القتلى وظلام النّقع.
وقوله: (المنسرح)
ودارت النّيرات في فلك ... تسجد أقماره لأبهاها
قال: أن صحّ هذا المرجوّ، صار الناس كلّهم في طاعة واحدة، ودارت ذوات
النّور في فلك، أقماره تسجد لأكثرها بهاء ونورا، يعني الممدوح.
(وأقول:) وهذا ليس بشيء! وإنما استعار للحرب فلكا، وجعل الأبطال فيه كالكواكب، والملوك كالأقمار، والممدوح أبهى الأقمار، يعني الشّمس، وهي تسجد له، أي: تذلّ وتخضع.
стр. 532
وقوله: (المنسرح)
لو أنكرت من حيائها يده ... في الحرب آثارها عرفناها
وكيف تخفى التي زيادتها ... وناقع السّمّ بعض سيماها
قال: ذكر ابن جنّي أن الزيادة في هذا البيت (السّوط) ولا يمتنع ذلك. والأشبه أن تكون الزيادة هاهنا السّيف لأنه قرنه بناقع السّمّ.
وأقول: أن ابن جنّي، إنما جعل الزيادة سواء لقول المرّار: (الوافر)
ولم يلقوا وسائد غير أيد ... زيادتهنّ سوط أو جديل
والسّوط والجديل يجعلان زيادة فوق الوسادة، التي هي أما يد النّاقة أو يد راكبها تحت خدّه. فلا يحسن، على قول أبي العلاء، أن يجعل السّيف زيادة، لأنه لا يجعل هناك.
стр. 533
وقوله: (المنسرح)
النّاس كالعابدين آلهة ... وعبده كالموحّد اللاّها
قال: يقول: الناس الذين في طاعة غيره، كأنهم يعبدون آلهة مختلفة، وعبيده الذين يطيعونه، كأنهم الموحّدون، (وهذا كقوله: (الطويل)
ولست مليكا هازما لنظيره ... ولكنّك التّوحيد للشّرك هازم)
وأقول: أن هذا تفسير الشّيء بنفسه على عادته الجاية!
والمعنى: أن الناس الطّائعين غيره، التّابعين سواه، في ضلال، كالعابدين آلهة، لا إلها واحدا، وعبده المقتدي به، والطائع له، كالموحّد الله في الهداية والاستقامة.
والبيت الذي مثّل به هذا البيت، ليس بينه وبينه تماثل إلا بلفظ التّوحيد.
وقوله: (الطويل)
إذا الجود لم يرزق خلاصا من الأذى ... فلا الحمد مكسوبا ولا المال باقيا
قال: في هذا البيت تعريض بذمّ من فارق، لأنه ذكر، انهم جادوا له جودا لم يخلص من أذية، وإذا كان الجود كذلك، فالجود ما حمد والمال ما بقي.
стр. 534
وأقول: أن قوله: فالجود ما حمد الأولى منه قوله: فالحمد ما كسب، وذلك أن الإنسان إنما يعطي ماله ليكسب الحمد، فإذا منّ بالعطاء لم يحصل له ذلك، وهذا من قوله تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) وفيه نظر إلى قوله - صلّى الله عليه -: أوغلوا في هذا الدّين برفق فأنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
وقوله: (الطويل)
خلقت ألوفا لو رحلت إلى الصّبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
قال: هذا البيت شرح ما قبله، وفي دليل على إنه لمن فارق ذامّ، لأنه جعله كالشّيب.
وقال: لو فارقت الشيب الذي هو ذميم برحيل (إلى) الصّبا، الذي هو أفصل حياة الإنسان، لكان ذلك الفراق موجعا للقلب مبكيا للعين. وقد وصف نفسه في هذا البيت بوفاء لم يسمع مثله.
стр. 535
وأقول: هذا البيت، ليس هو شرحا لم أقبله، وليس فيه دليل على إنه لمن فارق ذامّ، وإنما هذا البيت قائم بنفسه، وصف نفسه فيه بكثرة الوفاء، وبالغ إلى إنه لو كان - كمن رحل إلى الشّيب الذي يسوء الإنسان ويغمّه، وهو نذير الموت - راجعا إلى الصبا الذي يسّر الإنسان ويفرحه، وهو مظنّة الحياة، وأطيب العمر، لفارق الشّيب موجع القلب باكي العين. وان كانت في الأبيات التي قبله تعريض بالذمّ تارة وتصريح اخرى.
وقوله: (الطويل)
تماشى بأيد كلّما وافت الصّفا ... نقشن به صدر البزاة حوافيا
قال: البزاة جمع باز، وهو هذا الطائر المعروف. وهذه كلمة أخذها الشّاعر من كلام العامّة، لأنّ النّساء يقلن: نقشتها النّاقشة صدر البزاة. يقول: إنها إذا وطئت الأرض، وهي غير منعلة، نقشت في صفا الأرض نقشا يشبه ذلك المذكور. وقد اقتصر في هذا الوصف، لأنه شبه في الأخرى (تشبيه) آثار الخيل (بآثار) قلع الحلي من المناطق وزعم إنه إذا عدا غادر آثارا كالخنادق. وهذه مبالغة في شدّة الوطء. ويحتمل أن يكون في هذا الموضع وصفه بالخفّة، إنه لا يمكّن الحوافر من الوطء.
стр. 536
وأقول: أن قوله:
. . . . . . . . . نقشن به صدر البزاة حوافيا
تشبيه حسن واقع، صحيح اللّفظ والمعنى، وأقول ألفاظ العامّة أو خالفها، وإذا كان كذلك، فليس فيه عيب، ولا عليه دخل، على أن أبا الطّيب (لم يكن جاهلا) إلى أن يستعمل من كلام العامّة ما ليس له أصل في كلام الخاصة.
وقوله: قد اقتصر في هذا الوصف.
فيقال له: لا يلزم الشّاعر الإغراق في كل موضع، فإذا غرق لا يلزمه التّساوي في ذلك، على إنه يقال له: أن في هذا البيت، من الإغراق ما يساوي المكان الأول، بل يزيد عليه، لأن في قوله: (الرجز)
يترك في حجارة الأبارق
وصفها بقلعها، والأبارق: جمع أبرق، وهي الأرض التي فيها حجارة ورمل وطين، فإذا مشى قلع حجارتها، لأنّها سهلة في المرطوبة، وإذا عدا كان وقعه واعتماده عليها أشدّ من ذلك فأثّر فيها أكثر من القلع، وهي الخنادق، وتكون
صغيرة وكبيرة. وأمّا الصّفا فهو الحجر الأملس الصلب، فذكر أن الخيل التي معه إذا مشت عليه حوافيا أثّرت فيه آثارا بيّنة كنقش صدور البزاة وذلك لصلابة الحوافر، فتعليله بقلّة تأثيرها في الصّفا بالخفّة غير صحيح لما بيّنته.
وقوله: (الطويل)
لقيت المروري والشّناخيب دونه ... وجبت هجيرا يترك الماء صاديا
стр. 537
قال: قد وصفت العرب ضنّهم بالماء إذا قلّ، وإنه لا يسمح به الكريم كما فعل كعب بن مامة. وقد زعم الفرزدق إنه منّ على رفيق له بحظّه من الماء لمّا اقتسموه، وأنشد: (الطويل)
فلمّا تصافنّا الأداوة أجهشت ... إليّ غضون العنبريّ الجراضم
فجاء بجلمود له مثل رأسه ... ليشرب ماء القوم بين الصّرائم
على حالة لو أن في القوم حاتما ... على جوده ضنّت به نفس حاتم
وأقول: إن الفرزدق لم يؤثر بحظّه من الماء، وقد ذكر ذلك أبو العباس المبرّد في الكامل وقال: إنه صاحب رجلا من بلعنبر، فقلّ عليهم الماء، فتصافنوه، فسأم العنبريّ الفرزدق أن يؤثره بحظّه من الماء، وكان جوادا، فلم تطب نفسه عن نفسه، وأنشد الأبيات وفيها دليل على ما قلت.
(انتهى)
стр. 538
الجزء الثالث
المآخذ على شرح التبريزي
الموسوم بالموضح
стр. 539
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا ما أخذ على الشيخ أبي زكريا يحيى بن علي التبريزي في تفسير شعر أبي الطيب المتنبي.
من ذلك قوله: الكامل
أسَفي على أسَفِي الذي دلهُتنِي ... عن علْمه عَليُ خَفَاءُ
قال: المعنى، أني أحزن لذهاب عقلي، حتى أني خفي علي حزني، لما لقيت فيك من الجهد.
وأقول: هذا لا يستقيم؛ لأن من ذهب عقله لا يحزن لشيء ولا يفرح به ولا يخفي عنه ولا يبدو له، والمعنى: أني كنت أتأسف عليك، لشدة شوقي إليك، فبلغت من السقم والنحول إلى الحال دلهتني عن علم الأسف، فأنا أتأسف على ذلك الأسف؛ لأنه كان وبي رمق وفي بقية. فيقال على هذا: إذا دلهته عن علم الأسف، فكيف لم تدلهه عن أسفه على الأسف؟!
стр. 540
وقوله: الكامل
وشكَيتُي فَقْدُ السُقام لأنه ... قد كان لماُ كانَ لي أعضْاَءٌ
ذكر المعنى، إلا عقبه بقوله: ومحصول البيت؛ انه يطلب أعضاءه لا السقام وذلك غير سائغ، بل محصول البيت، أنه يطلب حال أصلح من الحال التي هو فيها، وإن كانتا غير صالحتين، وهذا ينظر إلى قول الشاعر: الخفيف
رُبُ يومِْ بَكْينٌ منه فلمُا ... ضِرْتُ في غَيْرِهِ بَكَيتْ عَلَيهِ
وقوله: الكامل
يَتَلَوُنُ الخرُيتُ من خَوْفِ التُوىَ ... فيها كَماَ تَتَلَوُنٌ الحِرْبَاءُ
ذكر المعنى، إلا أنه نقضه، وقد ذكرته في شرح الواحدي.
وقوله: الكامل
يَتَلونَ الخرُيتُ من خوْف التُوْى ... فيها كَماَ تَتَلَونُ الحرْباءُ
стр. 541
قال: يتلفت يمنة وشامة.
وأقول: ليس في البيت ما يدل على ذلك، والتلون هنا هو تغير اللون خوف الهلاك بالضلال كتلون الحرباء، وتلونه مذكور مشهور.
وقوله: الكامل
لا تَكثُرٌ الأمْواتُ كَثْرةَ قلةٍ ... إلاُ إذاَ شَقَيتْ بها الأحياءْ
قال: إن الأحياء إذا بك كثر الأموات، وترك الكثيرة يؤدي القلة، إما لأن الأحياء يقلون بمن يموت، وإما لأن الميت يقل بنفسه.
وأقول: إن تقسيمه هذا ليس بحسن، بل كان ينبغي له أن يقول: إن قوله: كثرة قلة، لا تخلو قلة من أن تكون للأموات أو للأحياء، فإن كانت للأحياء؛ فلا فائدة في ذلك؛ لأن الكثير في الأموات قلة في الأحياء، وإن كانت للأموات، وهو الصحيح فقد جرت العادة أن زيادة الشيء يكون لفائدة، ولا فائدة في كثرة الأموات؛ فكثرتهم بمنزلة القلة؛ فهذا هو المعنى.
وأما قوله:
. . . . . . شقيت بك الأحياء
فقد قيل فيه: إن معنى بك بموتك وهو قول أبن جني.
وقيل: ببأسك
стр. 542
وقوله: الكامل
لم تشُم يا هارونُ إلاُ بعدماْ اقْترَعَتْ ... وناَزعَتِ اسمْكَ الأسْماَءْ
ذكر فيه تفسير ابن جني، وهو الصحيح، وذكر تفسير المعري وهو القبيح! والرد عليه ذكره له الظهور فساده، ثم أردفه بتفسير البيت التالي على قول المعري، وذلك كلم على كلم!
وقوله من قصيدته التي أولها: المتقارب
ألاَ كٌلُ مَاشيةَ الخَيَزَلَي. . . . . .
فما كان ذلك مدحا له ... ولكنه كان هجو الورى
قال: كانت طباعه تنافر طباع الناس، سفالاً، ثم مدح فذلك هجو لهم.
стр. 543
وقوله من قصيدته التي أولها: الطويل
لا يخْزِنِ الله الأمير فإنني ... . . . . . .
وإنُي وإن كان الدُفينٌ حَبيبِهُ ... حَبيِب إلى حبِيبُ حبيِبي
قال: أي: يلزمني أن أحب من يحيه؛ فالمدفون وإن كان حبيبه، فهو حبيبي لأجل سيف الدولة.
وأقول: إنه قصر في هذا التفسير، وهذه العبارة! والمعنى: إن كان يماك الدفين حبيب سيف الدولة؛ فهو حبيبي لأن سيف الدولة حبيبي؛ فيلزم أن يكون حبيبه حبيبي. وهذه نتيجة المقدمتين.
ومثل هذا علي ﵇: أصدقاؤك ثلاثة: صديقك، وصديق صديقك، وعدو عدوك. أعداؤك ثلاثة: عدوك وعدو صديقك، وصديق عدوك.
وقوله فيها: الطويل
سُبقْنَا إلى الدنُيا فلو عَاش أهْلُهاَ ... مٌنعْا بِهاَ منْ جِيئةٍ وذٌهُوبِ
стр. 544
ذكر فيه معنيين.
ويحتمل معني ثالثا: أي: لو عاش أهل الدنيا، لامتلأت من الخلق، فمنعنا من الحركة؛ المجيء والذهاب لكثرة الناس، وفي هذا تسلية له بكثرة من مات من الناس.
وقوله فيها: الطويل
ولولا أيادي الدُهْر الَجمْعِ بينَناَ ... غَفَلناَ فَلَم نْشَعْرْ له بذُنُوبِ
قال: المعنى أن الدهر لو لم يحسن إلينا بالجمع بيننا، ولكنا غافلين في العدم.
وذكر عن ابن جني قال: لولا إحسانه بالجمع بيننا، لم نشعر بذنوبه في تفرقنا، أي: تارة يحسن الدهر وتارة يسيء، وما أحسن ما اعتذر للدهر!
وأقول: المعنى أن الدهر لو لم يحسن إلينا باجتماعنا، لم نشعر له بذنوب عظيمة بتفرقنا. فينبغي أن يكون قوله: بذنوب أي: بذنوب بذنوب عظيمة؛ لأن من ابتدأ الإساءة فهو مذنب، ولا كمن بدأ بالإحسان عقبه بالإساءة، وكذلك من لم يرب الإحسان، وهو معنى البيت الذي بعده.
وقوله: ما أحسن ما اعتذر للدهر ليس في هذا بيان عذر بل بيان إساءة!
стр. 545
وقوله فيها: الطويل
فَعُوُضَ سَيْفُ الدُولة الأجرَ إنُهُ ... أجَلُ مُثَاب من أجَلُ مُثيِبِ
قال: يجوز أن يكون الضمير في إنه للأجر، ويجوز أن يكون لسيف الدولة قلت: فإذا كان للأجر ينبغي أن يكون مثاب بفتح الميم، مصدراً، وإن كان لسيف الدولة، فينبغي أن يكون مثاب بضم الميم، اسم مفعول لا غير.
وقوله من قصيدته التي أولها: البسيط
دَمْعُ جَرىَ. . . . . .
إذَا بداَ حَجَبَتْ عَيْنيْكَ هَيْبتُهُ ... وليسَ يَحْجٌهُ ستْرُ إذاَ احْتجبَاَ
قال: يحتمل معنيين:
أحدهما: حجابه قريب، لما فيه من التواضع.
والآخر: وهو أنه، وإن احتجب بالستر؟ فلا يخفي عليه ما وراءه لشدة مراعاته للأمور.
стр. 546
قلت: ويحمل معني ثالثاً، وهو أنه لكثرة نور وجهه لا يحجبه ستر، والبيت الذي بعده يدل عليه وهو قوله: البسيط
بياضُ وضجْه يرِيكَ الشمسَ حاَلِكَةً. . . . . .
وقوله في قصيدته التي أولها: الكامل
بأبِي الشُمٌوس الجَانحاَتٌ غَوَاربِاَ. . . . . .
أظْمتْني الدنُيا فَلمُا جئْتهَا ... مُستْقياً مَطَرتُ عليُ مَصاَئبا
قال: أراد أظمأتني فحذف الهمزة، ويحمل ذلك على أن يقال: أظمأ في الوقف فتسكن الهمزة، فإذا سكنت وقبلها فتحة، جاز أن تجعل ألفا كما فعلوا ذلك في فاس ورأس، وإذا صارت إلى ذلك حذفت تاء التأني، ومنهم من يرى ذلك مطردا ومنهم من يجعله مسموعا.
وأقول: إذا هذا التعليل غير سائغ، والصحيح ما قاله سيبويه، وهو حملوا ذلك على الهمزة التي تجعل بين فقلبوها ألفاً للفتحة قبلها؛ لأنها صارت لوضعها بمنزلة الهمزة الساكنة الكامل:
. . . . . . فَارْعَيْ فَزَارةُ لا هَنَاكِ الَمرْبَعُ!
стр. 547
ويدل على ذلك، أن همزة بين بين لا يكون ما قبلها إلا متحركا، لئلا يلتقي ساكنان، إلا الألف؛ فإنها جاز معها ذلك معها ذلك في نحو هباءة لزيادة المد فيها فأشبهت المتحرك فقلبوها في منساه وأظمأني ونحو ذلك تشبيها لها بهمزة سأل وقرأ ثم حذفوها إذا لقيها ساكن بعدها لأنها قربت من الساكن.
وقوله: ومنهم من يرى ذلك مطرداً ليس بصحيح إذا أطلق، بل إنما ذلك في الشعر خاصة.
وقوله: الرمل
ليس بالُمنكَرِ أن بَرُزْتَ سَبْقاً ... غير مَدفُوعِ السُبقِ العرابُ
ذكر في رفع العراب وجهين:
أحدهما: أن تكون مبتدأ، وغير مدفوع السبق خبره.
قال: إلا أن الأجود أن تقول: مدفوعة وهو كما قال.
والثاني: أن تكون العراب مرفوعة بمدفوع، على قول من أعمل اسم الفاعل غير معتمد نحو: قائم زيد.
وأقول: إن هذا لا يشبه ذلك؛ يغر فيها معنى النفي. تقول: زيد غير قائم، كما تقول: زيد لا يقوم، فإذا كانت كذلك، فاسم الفاعل هنا معتمد، فكأنه قال: لا تدفع العراب عن السبق.
وقوله: الوافر
ويدل على ذلك، أن همزة بين بين لا يكون ما قبلها إلا متحركا، لئلا يلتقي ساكنان، إلا الألف؛ فإنها جاز معها ذلك في نحو هباءة لزيادة المد فيها فأشبهت المتحرك فلبوها في منساة وأظمأني ونحو ذلك تشبيها لها بهمزة سأل وقرأ ثم حذفوها إذا لقيها ساكن بعدها لأنها قربت من الساكن
وقوله: ومنهم من يرى ذلك مطردا ليس بصحيح إذا أطلق، بل إنما ذلك في الشعر خاصة.
وقوله: الرمل
ليس بالمنكُرِ أنْ بَروُتَ سَبقاً ... غير مَدفٌوعٍ السُبقِِ العرابُ
ذكر في رفع العراب وجهين:
أحدهما: أن تكون مبتدأ، وغير مدفوع عن السبق خبره
قال: إلا الأجود أن تقول: مدفوعة وهو كما قال.
والثاني: أن تكون العراب مرفوعة ب مدفوع، على قول من أعمل أسم الفاعل
стр. 548
غير معتمد نحو: قائم زيد.
وأقول: إن هذا لا يشبه ذلك؛ لأن غير فيها معنى النفي. تقول: زيد غير قائم، كما تقول: زيد لا يقوم، فإذا كانت كذلك، فاسم الفاعل هنا معتمد، فكأنه قال: لا تدفع العراب عن السبق. وقوله: الوافر
стр. 549
أدمنا طَعُنهمْ والقَتْل حَتُى ... خَلَطْنا في عظَامِهمِ الكُعٌوبَا
قال: أدمنا: خلطنا وجعنا، يقال للمتزاوجين: أدم الله بينكما: جعلنا القتل مقرونا بالطعن؛ أي: خلطنا القنا في عظامهم.
وأقول: إن هذا وه. وأجود منه، قد ذكره الواحدي: أن يكون أدمنا من الدوام، أي: أدمنا فيهم والقتل لهم إلى أن تحطمت الرماح فيهم، وفي هذا الوجه إشعار بكثرة القتل، ولا كذلك في الأول.
وقوله: الوافر
يقَدُمهَا وقد خُضبِتْ شَوَاهاَ ... ففَي تَرْمي الحْروبُ به الحُروبَا
قال: أنث الشوى لأنه القوائم، وتذكيره أحسن، وإن كان يجوز في الجمع الذي بينه وبين واحده التاء التذكير والتأنيث، إلا يؤلف أحدهما فيكون أحسن.
قال: وإن رويت:
. . . وقد خصَبتْ شَوَاَهَا. . . . . .
كان أحسن في حكم النظم، وسلم البيت من تأنيث الشوى، ويجعل التخضيب للخيل.
стр. 550
وأقول: إن قوله: وسلم من تأنيث الشوى مع اعترافه بجوازه غير حسن، وأحسن من هذا، أن يقر لفظه على ما هو عليه، ويجعل شواها جمع شواة وهي جلدة الرأس. وتلك ليس تذكيرها بأشهر من تأنيثها، ويكون هذا مثل قوله: البسيط
ينظرْنَ من مقٌلِ أدْمَى أحجُتَهاَ ... قَرْعُ الفَوارِسِ بالعسُالةِ الذبلِ
وقوله: الوافر
شَديدُ الخنز وأنَه لا يبْالي ... أصابَ إذاَ تنََمر أوَ أصيبَا
قال: ومن روى أم أصيبا فلا بد له من إضمار حرف الاستفهام
كقوله:
. . . . بسَبعِ رَمَيْنَ الجَمْرَ أمْ بثمانِ
وأقول: لا يلزم هاهنا يقال: أصحاب وصاب، وقد قال: الكامل
. . . . . . فصابني ... سَهْمُ بَعذُبُ والسُهامُ تريحُ
стр. 551
فتكون الهمزة للاستفهام، ولا يحتاج إلى إضمار، ويجمع بين اللغتين في اللفظتين كقوله: الكامل
. . . أسْرَتْ إليكَ ولم تكْن تَسْري
وقوله: الوافر
فَشمْ في القُبةِ المَلك الُمرجُى ... فَشَمرَ بعدما عَزمَ انسِكابَا
قال: أكثر ما يستعمل: عزم وعزمت مع حروف الخفض أو مع أن فيقولون: عزمت على الارتحال، وعزمت أن أرتحل، ولا يكادون يقولون: عزمت الارتحال ثم قال: إلا أن ذلك جائز لأن العزم القطع والإمضاء.
وأقول: كأنه ظن أنه عدى عزم إلى انسكابا تعدية المفعول به وليس الأمر كذلك، ولكنه عداه إليه لأنه مصدر في موضع الحال
стр. 552
وقوله: الطويل
إليك فإني لستُ ممن إذا أتقىً ... عضاَضَ الأفاعي نَامَ فوقَ العقَاربِ
ذكرَ قولَ ابن جنُي وهو: لستُ ممُن إذا اتقىُ عظيمةُ صبرَ على مذَلةِ؛ وهو أن يشُبه العظائمَ بالأفاعي والمذلة بالعقارَب
وأقول: أحسنُ من هذا تشبيهٌ الأفاعي بالمهالك، والعقارب بالمكائد، والأذى والنمائم. وقد جاءَ ذلك في قول أبي النشاشَ: الطويل
وللموْتُ خيرُ للفتىَ منْ قُعورهِ ... عَديماً ومن مَولى تَدبُ عقاربهُ
وقوله: البسيط
كأن كُل سؤال في مَسامعهِ ... قَميصُ يُوسفَ في أجفانِ يعقوبِ
стр. 553
قال: يفرح بكل سؤال فرح يعقوب بقميص يوسف
وأقول: إنه يحتاج مع ذكر الفرح بالسؤال إلى ذكر انتفاعه به لقوله سبحانه:
(ألقَاه عَلى وجهِهِ فَارتد بَصيراً) ولهذا قال:
في أجفان يعقوب كأنه يقول: ينتفع بسؤال الناس له، لما فيه من الشرف العظيم، والذكر الجميل بجلبة سائله، وإعطاء آمله، (كانتفاع يعقوب بقميص يوسف):
وقوله: الطويل.
وكُل امرئ يُولي الجَميِل مُحبَبُ ... وكل مَكَان يُنبِتُ العِز طَيَبُ
قال ينبت العز استعارة حسنة؛: أي من دخل في خدمتك علا قدره
وأقول: إن المعنى في هذا البيت مرتب على ما قبله، لأنه ذكر أهله في أوطانه، والأهل محببون إلى الإنسان، والأوطان طيبة، فكأنه قال: لا ينبغي أن يخص الأهل بالحب، بل كل من أولاك الجميل فهو محبب، ولا ينبغي أن يخص الوطن بالطيب، بل كل مكان يحصل لك العز فيه فهو طيب.
стр. 554
وقوله: الطويل
سللت سيوفاً علمت كل خاطب ... على كل عود كيف يدعو ويخطب
ذكر فيه معنى؛ وهو أنه رأى الناس ما صنعت سيوفك، أدعوا لك، ودعوا لك، رغبة ورهبة.
وأقول: إنه يحتمل معنى آخر، وهو أن يستعير لسيوفه نطقاً تعلم منه الناس كيف يخطبون، ونطقها ضرب رقاب أعدائه، فجعلها، وهي خرس، تعلم الناس النطق كقوله: الطويل
يحاجى به ما ناطق وهو ساكت ... يرى ساكتاً والسيف عن فيه ناطق
وقوله: البسيط
نواطق مخبرات في جماجمهم ... عنه بما جهلوا منه وما علموا
وقوله: الطويل
وعن ذملان العيس ما سامحت به ... وإلا ففي أكوارهن عقاب
قال: أي أنا غني عن الأوطان، وعن ذملان العيس. ثم ابتدأ كلاماً فقال: إن
стр. 555
سامحت بذملانها، ركبتهعا، وإن لا تسامح به، وإلا ففي أكوارهن عقاب، أي: أنا أقدر من السير والتصرف على ما لا تقدر عليه. وهذا قول الجماعة.
أقول المعنى غير ذلك وهو ما ذكرته في مآخذ أبي العلاء وقوله: الطويل.
وأكَثرُ ما تلَقَى أبا المِسكِ بِذلَةً ... إذا لمِ إلا الحديدَ ثَيابُ
ذكر معناه، وهو أنه أشد ما يكون تبذلاً، إذا كان غيره أشد اتقاء.
وأقول: لعله قص إلى وصفه بالخرق موجها للمدح كعادته فيه، وكأنه علم بقضية كثير مع عبد الملك بن مروان، وقد مدحه بقوله فيه: الطويل.
стр. 556
على ابنِ أبي العَصِي دِلاصُ حَصِينة ... أجادَ المُسدي نَسجَها فأذَالهَا
فقال له: هلا قلت كما قال الأعشى: الكامل.
وإذا تكونُ كَتِيبة مَلومَةُ ... شهباءُ يَخشَى الذائدُونَ نِهَالَهَا
كنت الُقَدومَ غير لا بِسِ جُنةٍ ... بالسيفِ تَضربُ مُعلماً أبطَالَها
فقال: إنه وصفه بالخرق، ووصفتك بالحزم!
وقوله: الكامل
وفَشَت سَرَائرنُا إليك وشفَنا ... وتَعريِضُنا فَبدا لك التصريِحُ
ذكر فيه وجوها اختار منها: أنا لما جهدنا التعريض، استروحنا إلى التصريح؛ فانتهك الستر.
وأقول: وقوله: انتهك الستر هو قول أبن ني وقد ذكره في شرحه.
стр. 557
وقوله: الكامل
نَازعْتُهُ قُلصَ الركابِ وركبهاَ ... خوفَ الهلاك حدُاهمُ التَسبيحُ
قال: المعنى: نازعتهُ بقطعي إياهُ، وأعطيتهُ بما نالَ من الركابِ.
وأقولُ: وهو قولُ ابن جنيً، وقد ذُكرَ المعنى هناك.
وقوله: الطويل
يمشي به العكازُ في الديرِ تاَئباً ... وما كانَ يَرضيَ مشْيَ أشقرَ أجرُداَ
قال: هذا البيت فيه قلْب، وإنما أصل الكلام: يمشي في الدير بالعكار، إلا أنه لما كانت تؤديه إلى المشي، جار أن تجعلَ هي الماشيةَ كقولهم: ليلُ نائم، لما كان مؤديا إلى النوم.
وأقولُ: إنه لم يرد هذا، وإنما أراد أنً الدمستقَ لما تَرهبَ خوفاَ من سيف الدولة، مشَى معتمداً على عكارِ فعلْ الرهبان، فجعلَ العكارَ، لاعتمادهَ عليه، بمنزلةِ الدابةُ التي تحملهُ وتمشي به، بعد أن كان لا يرضى أن يمشي به فرس كريمّ وهذه استعارةٌ ومجازُ. فعلى ليس قلبُ في البيت وإنما هو الفهم!
стр. 558
وقولهُ: الطويل
رأيتك مَحْضَ الحَلمِ في محضِ قدُرةِ ... ولو شئتَ كانَ الحلمُ منك المهندُا
قال: أيْ حلمكَ عن الجُهالِ عن قدرةِ، ولو شئت لسلكَ عليهمُ السيف
أقول: وليس كذلك، وإنما هو: لضَربتَ أعناقهمُ، وقد فسًرهُ بقولهِ بَعدهُ: وما قتل الأحرار كالعفوْ عنهم.
وقوله: المنسرح
يا ليستَ بي ضَربهَ أتيحَ لهاَ ... كما أتيحتُ له مُحمدهاُ
ذكر فيه عن المعري معنببن، وقد بينا في شرحه ما في ذلك.
стр. 559
وقوله: الخفيف
فرَؤوسُ الرماحِ أذهبُ للغياظ ... وأشفىْ لغلِّ صدرِ الحقودِ
قال: كان الوجه أن يقول: أشد إذهاباً للغيظ؛ لأنه رباعي، ولكنه جاء به على حذف الزائد، على أنه لو قال: أذهب بالغيظ لا ستغنى عن هذا القول.
يقول: إنه إذا عداه بالباء جعله ثلاثيا، فجار أن يبني منه أفعل، فيقال: ذهبت به وأنا أذهب به
стр. 560
وقوله: الكامل
اليومَْ عَهُدكُمُ فأينَ الموعدُ ... هيَهْات ليسَ ليوْمِ عهْدُكمُ غَدُ
اشتغلَ عن المعنى بلفظ هيهات، وهيهات أن يدركه (هيهات)!! وذكر قول ابن جني، وقد ذكرت ما فيه في موضعه.
وقوله: (الكامل)
فرأيتُ قرنَ الشمس في قَمرِ الدُجىَ ... متأوداً غُصْنُ به يتأوَدُ
ذكر فيه معنيين عن المعري، والمعنى، الصحيح ما ذكره الواحدي، وهو أنه شبهَ وجهها في بياض لونه بالقمر، والصفرة التي عرضت فيه من الحياء بالشمس أول طلوعها
стр. 561
وقوله: الكامل
فلهُ عَبدْ العزيز بن الرُضا ... ولكلُ ركْبِ عيسُهمْ والفدْفَدُ
قال: الهاء في (له) راجعة إلى الممرض، وإنما يعني نفسه؛ أي: إنه قد اختار هؤلاء القوم دون غيرهم وترك المقاصد لمن يريدها من الركبان.
وأقول: إن معنى هذا البيت لم يحققه أحد من الجماعة، وهو أن الممرض الذي هو المتنبي له بنو عد العزيز ولكل ركب ساروا إليهم عيسهم والفدفد؛ أي: العيس التي يسيرون عليها والفدفد الذي يسيرون فيه لهم، وهذا مثل قوله:
أسيرُ إلى أقطاعهِ في ثيابهِ ... على طِرفهِ من دارهِ بحسامه
وقد ذكرتهُ قبل.
وقوله: الكامل
في كل مُعتْركِ كُلي مَفريةٌ ... يَذممنْ منهُ ما الأسنةُ تَحمدُ
стр. 562
قال: ذم الكلي هذا الفعل. يريد أنه يفعل بها فعلا قبيحا من الفري، وإنما الذم من أصحابها، ولكن لما كان ذمهم لأجل فريها، جار أن يستعار الذم لها. قوله:
. . . . . . ما الأسنة تحمدُ
لو وضع موضع الأسنة غيرها، لكان ذلك أقوى في النظم؛ لأن الأسنة لا تنتفع بالمفري، وربما تحطمت فيه. ولكن لما كان الممدوح يفعل الأسنة ما يحمد عليه، جار أن ينقل إليها الحمد لأنها كالخدم له.
وأقول: انظر إلى هذا التفسير، وما فيه من قلة التحصيل، (وكثرة) الجهل باستعارة العرب! والذم والحمد من الكلي والأسنة، ليس حقيقة، وإنما هو مجار واستعارة. والمعنى ما قاله الواحدي؛ وهو أن الكلي تذم الممدوح لأنه يقطعها، والأسنة تحمده لإصابة الطعن، وجودة الشق بها وهذا مثل قوله: (الرمل)
ما يجيلُ الطرُف إلا حَمدتهُ ... جهدَهاَ الأيدي وذَكتهُ الرقابُ
وأقول: إنه يحتمل أن يكون الضمير في قوله: (منه) راجعا إلى المعرك، فيرجع
الذم إليه، وهو أحسن من رجوعه إلى الممدوح، ويكون ذم الكلي لأنها تفري، وحمد الأسنة لأنها تروى.
стр. 563
وقوله: (الوافر)
أحادُ أم سُداسٌ في أحادٍ ... لُيَيلَتُنَا المُنوطةُ التَناد
ذكر فيه أقوالاً معانيها لا تطاق اللفظ. والصحيح، ما قاله الواحدي؛ وهو أنه استفهم فقال: أواحدة هذه الليلة، أم ست في واحدة؟ وأراد ب (في) معنى الظرفية، كأنه قال: ست مستقرة في واحدة، ولم يرد الضرب الحسابي، وإذا كان كذلك فهي سبعة، وتلك أيام الدهر (الدائرة) المتصلة بالقيامة.
وقوله: (المتقارب)
فَوَلى بأشْيَاعِه الخَرْشَنِيُ ... كشاَءٍ أحسن بزارالأسود
قال: الشاء يستعملونه مذكراً، ولو أنت لم يبعد ذلك. واختلفوا في أصله فقالوا في همزته أنها بدل من هاء، واستدلوا على ذلك بأنهم يقولون في تصغير شاة: شويهة،
стр. 564
ويقولون في الجمع: شياه، فتظهر الهاء
وأقول: إن هذا يخالف قول سيبويه، وذلك لم يجعل شاء من الجمع الذي ينه وين واحدة التاء، لو قال إن شاء من بنات الياءات والواوات التي تكون لا مات، وشاة من بنات الياءات والواوات التي تكون عينات ولامها هاء.
وقال: إن ذلك منزلة امرأة ونسوة ليست على لفظ امرأة: أي أنه اسم للجمع، فشاء منزلة جامل وباقر وليس منزلة تمر وتمرة فإذا كان كذلك، فلا يجوز أن يؤنث؛ لأن تصغيره شوى فلا يكون كالنخل، ولا يقال في همزته إنها بدل من هاء
وقوله: الوافر
مَتىَ لَحظتْ بياضَ الشَّيِب عيْني ... فَقدْ وَجَدتْهُ منها في السوادِ
ذكر ما ظن أنه المعنى لفظ عجيب، أنا أذكره لك وهو: أي: أني إذا لحظت بياض الشي فكأني لحظت به بياضا في سواد عيني، ولا يمكنه أن يلحظ سواد عينه إلا في المرآة، ولولا أنه بين سواد العين في هذا البيت، جاز أن يحمل على سواد القلب
стр. 565
ويكون نحوا من قول الطائي: الخفيف
شَاَبَ رأسيَ وما رأيتُ مشَيبَ الرَّا ... سِ إلا من فَضلِ شيب الفؤادِ
إلا أن الطائي جعل شيب فؤاده متقدماً شيب رأسهِ، وأبو الطيب جعل البياض في سواد عينه من أجل حزنه.
وأقول: أنظر إلى هذه المشابهة بين البيتين وبعدها! بل لا مشابهة البتة، ولا إقامة صورة لفظ صحيح، ولا معنى صحيح! وقول أبي الطيب من قول ابن المعتز: البسيط
في كلً يَومِ أرى بيضَاء طاَلعةَ ... كأنماً نبَتْ في باَطنِ البصر
إلا أنه زاد عليه بالطباق. والمعنى: أن عيني إذا رأت الشعر الأبيض في رأسي أو لحيتي؛ فكأنما لم تجده نابتا هناك، بل كأنه نابت في سوادها. وهو توهم أن رؤية الشعر الأبيض في سواد العين كأنه حقيقة؛ وذلك لا يمكنه إدراكه إلا بالمرآة وليس كذلك، بل هو استعارة ومجاز. وجدير لمن لم يضرب في الشعر بسهم، ولم يقف منه على رسم، ولم يعرف منه غير اسم، أن يفسره هذا التفسير، ويعبر عنه بهذا العبير!!
следующие страницы →