Полный текст (1 138 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
وقوله: الكامل
فلهُ عَبدْ العزيز بن الرُضا ... ولكلُ ركْبِ عيسُهمْ والفدْفَدُ
قال: الهاء في (له) راجعة إلى الممرض، وإنما يعني نفسه؛ أي: إنه قد اختار هؤلاء القوم دون غيرهم وترك المقاصد لمن يريدها من الركبان.
وأقول: إن معنى هذا البيت لم يحققه أحد من الجماعة، وهو أن الممرض الذي هو المتنبي له بنو عد العزيز ولكل ركب ساروا إليهم عيسهم والفدفد؛ أي: العيس التي يسيرون عليها والفدفد الذي يسيرون فيه لهم، وهذا مثل قوله:
أسيرُ إلى أقطاعهِ في ثيابهِ ... على طِرفهِ من دارهِ بحسامه
وقد ذكرتهُ قبل.
وقوله: الكامل
في كل مُعتْركِ كُلي مَفريةٌ ... يَذممنْ منهُ ما الأسنةُ تَحمدُ
стр. 562
قال: ذم الكلي هذا الفعل. يريد أنه يفعل بها فعلا قبيحا من الفري، وإنما الذم من أصحابها، ولكن لما كان ذمهم لأجل فريها، جار أن يستعار الذم لها. قوله:
. . . . . . ما الأسنة تحمدُ
لو وضع موضع الأسنة غيرها، لكان ذلك أقوى في النظم؛ لأن الأسنة لا تنتفع بالمفري، وربما تحطمت فيه. ولكن لما كان الممدوح يفعل الأسنة ما يحمد عليه، جار أن ينقل إليها الحمد لأنها كالخدم له.
وأقول: انظر إلى هذا التفسير، وما فيه من قلة التحصيل، (وكثرة) الجهل باستعارة العرب! والذم والحمد من الكلي والأسنة، ليس حقيقة، وإنما هو مجار واستعارة. والمعنى ما قاله الواحدي؛ وهو أن الكلي تذم الممدوح لأنه يقطعها، والأسنة تحمده لإصابة الطعن، وجودة الشق بها وهذا مثل قوله: (الرمل)
ما يجيلُ الطرُف إلا حَمدتهُ ... جهدَهاَ الأيدي وذَكتهُ الرقابُ
وأقول: إنه يحتمل أن يكون الضمير في قوله: (منه) راجعا إلى المعرك، فيرجع
الذم إليه، وهو أحسن من رجوعه إلى الممدوح، ويكون ذم الكلي لأنها تفري، وحمد الأسنة لأنها تروى.
стр. 563
وقوله: (الوافر)
أحادُ أم سُداسٌ في أحادٍ ... لُيَيلَتُنَا المُنوطةُ التَناد
ذكر فيه أقوالاً معانيها لا تطاق اللفظ. والصحيح، ما قاله الواحدي؛ وهو أنه استفهم فقال: أواحدة هذه الليلة، أم ست في واحدة؟ وأراد ب (في) معنى الظرفية، كأنه قال: ست مستقرة في واحدة، ولم يرد الضرب الحسابي، وإذا كان كذلك فهي سبعة، وتلك أيام الدهر (الدائرة) المتصلة بالقيامة.
وقوله: (المتقارب)
فَوَلى بأشْيَاعِه الخَرْشَنِيُ ... كشاَءٍ أحسن بزارالأسود
قال: الشاء يستعملونه مذكراً، ولو أنت لم يبعد ذلك. واختلفوا في أصله فقالوا في همزته أنها بدل من هاء، واستدلوا على ذلك بأنهم يقولون في تصغير شاة: شويهة،
стр. 564
ويقولون في الجمع: شياه، فتظهر الهاء
وأقول: إن هذا يخالف قول سيبويه، وذلك لم يجعل شاء من الجمع الذي ينه وين واحدة التاء، لو قال إن شاء من بنات الياءات والواوات التي تكون لا مات، وشاة من بنات الياءات والواوات التي تكون عينات ولامها هاء.
وقال: إن ذلك منزلة امرأة ونسوة ليست على لفظ امرأة: أي أنه اسم للجمع، فشاء منزلة جامل وباقر وليس منزلة تمر وتمرة فإذا كان كذلك، فلا يجوز أن يؤنث؛ لأن تصغيره شوى فلا يكون كالنخل، ولا يقال في همزته إنها بدل من هاء
وقوله: الوافر
مَتىَ لَحظتْ بياضَ الشَّيِب عيْني ... فَقدْ وَجَدتْهُ منها في السوادِ
ذكر ما ظن أنه المعنى لفظ عجيب، أنا أذكره لك وهو: أي: أني إذا لحظت بياض الشي فكأني لحظت به بياضا في سواد عيني، ولا يمكنه أن يلحظ سواد عينه إلا في المرآة، ولولا أنه بين سواد العين في هذا البيت، جاز أن يحمل على سواد القلب
стр. 565
ويكون نحوا من قول الطائي: الخفيف
شَاَبَ رأسيَ وما رأيتُ مشَيبَ الرَّا ... سِ إلا من فَضلِ شيب الفؤادِ
إلا أن الطائي جعل شيب فؤاده متقدماً شيب رأسهِ، وأبو الطيب جعل البياض في سواد عينه من أجل حزنه.
وأقول: أنظر إلى هذه المشابهة بين البيتين وبعدها! بل لا مشابهة البتة، ولا إقامة صورة لفظ صحيح، ولا معنى صحيح! وقول أبي الطيب من قول ابن المعتز: البسيط
في كلً يَومِ أرى بيضَاء طاَلعةَ ... كأنماً نبَتْ في باَطنِ البصر
إلا أنه زاد عليه بالطباق. والمعنى: أن عيني إذا رأت الشعر الأبيض في رأسي أو لحيتي؛ فكأنما لم تجده نابتا هناك، بل كأنه نابت في سوادها. وهو توهم أن رؤية الشعر الأبيض في سواد العين كأنه حقيقة؛ وذلك لا يمكنه إدراكه إلا بالمرآة وليس كذلك، بل هو استعارة ومجاز. وجدير لمن لم يضرب في الشعر بسهم، ولم يقف منه على رسم، ولم يعرف منه غير اسم، أن يفسره هذا التفسير، ويعبر عنه بهذا العبير!!
стр. 566
وقوله: المتقارب
مهَذبةُ حُلوةُ مُرةُ ... حَقرْنا الَبحارَ بها والأسودا
قال: مهذبة: لا عيب فيها:
حلوة: لأن كل أحد يعشقها.
مرة: لأن الوصول إليها صعب، لبذل المال والمخاطرة بالنفس.
وأقول: إنما أراد: حلوة بالجود، مرة بالبأس، وقوله:
. . . . . . حقَرناَ الحارَ بها والأسودا
مرت على ذنبك، مفسر لهما.
وقوله: المتقارب
وأنتَ وَحيدُ بني آدمِ ... ولَستَ لفقْدِ نظيرهاٍ وَحيداَ
ذكرَ قَولَ ابنَ جني قال: أدعى الوحدة في أول البيت ثم قال:
. . . . . . ولستَ لفَقْدِ نظيرٍ وَحيداَ
أي: إن الناس يشاركونك في الصورة الإنسية، وفي الأشياء التي يشترك فيها
стр. 567
العالم؛ كالنوم والطعام والشرب، فإذا جاء السؤدد والكرم، والشجاعة، وما يحمد عليه الرجال، كنت الأوحد.
وأقول: والمعنى ما ذكر الواحدي؛ وهو أنه لم تصر وحيداً لأنك فقدت لأنك فقدَت نظيرا لك؛ بل كنت وحيدا مذ لم تزل، والوحدة صفة لازمة لك.
وأقول: إنه نظر إلى قول الشاعر فعكسه، وهو: الكامل
خلَتِ الديارُ فَسدتُ غيرُ مسودِ ... ومن الشقًاءِ تفرَدي بالسؤددِ
وقوله: الطويل
وطعنِ كأنً الطعنَ لا طعنَ عندهُ ... وضَرِب كأنً النارَ من حرهً بردُ
قال: الهاء في عندهُ تعود على تعود على طعن الأول من صفته، والطعن الثاني اسم كأن وخبره الجملة بعدهُ والعائد عليه منها ضمير محذوف للعلم هـ كأنه قال: وطعن كأن الطعن لا طعن منه أو عنده.
وأقول: إن العائد على أسم كأن غير ضمير يقول مقام المضير، وذلك أنه لما قال: كأن الطعن لا طعن نفي عاماّ، فعاد من الثاني إلى الأول لعمومه ودخول الأول تحته عائد معنوي، ومنه: الطويل
стр. 568
وأما الصدرُ لا صُدورَ لجعْفر ... وأما القَتالُ لا قَتالَ لَديكمُ
ومثله: نعم الرجل زيد، العائد إلى زيد المبتدأ، لما في الرجل من عموم الجنس.
وقوله: الطويل
بنفَسي الذي لا يزُْدهيَ بخدَيعةٍ ... وأنْ كَثُرتْ فيها الذًرائع والقصدُ
ذكر فيه قول ابن جني: إن هذا البيت موجه، وأنه يريد به الهجو؛ أي: نفس غيرك أيها الممدوح؛ لأني أنا أزدهيك بالخديعة، وأسخر منك هذا القول، وأن هذا مثل مدحه في كافور وأنه موجه.
وأقول: وهذا قول مرغوب عنه؛ لأنه في غاية الوهن والضعف وقلة التأمل والتحصيل. ولو سلكت هذه الطريقة في تأويل الشعر، لأمكن أن يحمل كثير من المديح على الهجو، وإنما يعلم ذلك قرائن الأحوال، وعلامات الإشكال.
وقوله: الطويل
ألوم به من لامنَي في وِدَادهِ ... وحُقً لخيرْ الخَلق من خَيرهِ الوُدُ
قال: هو خير الخلق، وأنا كذلك، وحقيق على أهل الخير، أن يود عضهم بعضا، فحقيق علي إذا أن أوده.
стр. 569
وأقول: فجعل الضمير في قوله: من خيره راجعا إلى المتنبي، والأجود أن يرجع إلى آبائه الذين تقدم ذكرهم، فيكون الممدوح خير الخلق، مستخرج من خير الخلق، وإن كانت حمامة المتنبي تقضي ما ذكره، إلا أن هذا الأحسن، وقد ذكرته في شرح الواحدي
وقوله: الطويل
كذا فَتنحوًا عن عليً وطرُقهِ ... بني اللُومِ حتى يعترُ الملكُ الجعُد
قال: الجعد إذا وصف به الرجل فإنما يراد هـ أنه مجتمع وليس بسبط؛ يريدون صفة حاله التي هو عليها، والسباط أحمد عندهم، قال الراجز: الرجز
قالتْ سُليمىَ لا أحبُ الجعْدينْ
ولا ألفظَاظ إنهم مَناَتينْ
وأقول: إن الجعد قد استعمل مطلقاً في الكريم، وهو مأخوذ من قولهم: ثرى جعد لكثرة نداه٠ قال بعض العرب يصف مطرا: مجزوء الكامل
رأيت غيثَا مَعدا ... مُتراكِبا جَعد
стр. 570
فإذا أضيف فقالوا: جعد اليدين، أو: جعد الأنامل، وأرادوا هنا البخيل، وربما استعمل مطلقاً في الخيل؛ قال الراجز:
لا تعذلني في ظُرُب جَعدِ
وقوله: الطويل:
كذلك أخلاقُ النساء ورُبما ... يضل ها الهَادي ويخَفَى ها اللاُشدُ
قال: أخلاق النساء يخلبن في أول الأمر فإذا تملكن قلوب الرجال نكصن عن وصالهن.
وأقول: ليس الأمر كما ذكر، بل أشار إلى ذلك ما تقدم من صفاتهن؛ فإن أخلاقهن تخالف أخلاق غيرهن، وأفعالهن لا تجري على سنن واحد وقياس مطرد.
وقوله: الطويل
وشهوة عَودٍ إن جُودَ يميِنهِ ... ثُناءُ ثُناءٌ والجَوادُ بها فَردُ
стр. 571
قال: ترك صرف ثناء الأولى
قال: ترك صرف ثناء الأولى على ما يجب، وصرف الثانية ضرورة لأنه لو لم يصرفه لصار في البيت رحاف يسمى القض، وكان أبو الطيب يجتنبه.
أقول: يعني في مفاعيلن وأما وإما فعولن فإنه قد جاء فيها القبض في أول البيت، وفي أول النصف الثاني بترك صرف ثناء الأولى على ما ذكر.
وأقول: إنه لا ضرورة في ذلك؛ لأنه جاء كثيراً من أشعار العرب وغيرهم. إلا
أن يجعله ضرورة لما التزمه أو الطيب، وهو غير لازم، في شعره، أو أنه سمع من لفظه صرف الثاني وترك الأول. وإنما حسن القبض في فعولن دون مفاعيلن لأن سببه يعتمد على وتد قله ووتد بعده، ومفاعلن أحسن من مفاعيل؛ لأن القبض زحاف في السبب الأول، فيعتمد على وتد معه في الجزء، وليس كذلك مفاعيل؛ لأن الكف في السب الآخر، فيعتمد على الوتد الذي بعده في الجزء الذي يليه. وشيء آخر، وهو أن مفاعيلن تشابه العروض، فحسن ذلك لتواليهما على وتيرة واحدة.
وقوله: الطويل
وعندي قَباطيُ الُهمامِ وماَلهُ ... وعندهمُ مما ظفرتُ به الجحْد
قال: - وذكر المعنى عن ابن جني:
دعاء عليهم بأن لا يرزقوا شيئاً، أو يجحدوا ما رزقوه إن كانوا رزقوا شيئاً، ليكون سبباً لانقطاع الخير عنهم.
стр. 572
وأقول: الصحيح أن قوله:
. . . وفي يَدهَمِ غيَظٌ وفي يَدهِ الرُفدُ
والبيت الذي بعده إلى آخره في موضع الحال من قوله:
. . . ألقى الحاسدين بمثلها. . . . . .
فلا يكون دعاء عليهم. ويكون المعنى: ألقى الحاسدين في حال قباطي الهمام عندي، وعندهم الجحد مما ظفرت به من جوده حسدا لي ذلك، وذلك مشهور من الحاسد أن يقلل ما ظفر به محسوده، أو ينفيه عنه جملة.
وقوله: البسيط
ما يقَضي الموتُ نفَساً من نُفوسهمُ ... إلاَّ وفي يَدهِ من نتنَهْاَ عُودُ
قال: يحتمل وجهين:
أحدهما وأحسنهما: أن يكون العود مرادا الذي يتبخر به؛ لأنه يدفع ما يكره من رائحة الميت إيقاده.
стр. 573
والآخر: أن يكون أراد عودا من العيدان؛ لأن من عادة الإنسان إذا كره أن يمس شيئاً استعان على قلبه ونقله عود من عيدان الشجر.
وأقول: إن الوجهين اللذين ذكرهما في نهاية الضعف والغثاثة، في أن الموت إذا أراد قبض نفس من نفوسهم خر يده بعود أو مس النفس بعود! والمعنى غير ذينك، وهو أن الموت إذا ظفر بنفس من نفوس هؤلاء اللئام، فقبضها بيده عد نتنها في يده كأنه طيب، سروراً بظفره بها لأن اللئيم كأنه يمتنع على الموت بلؤمهِ
وقوله: الخفيف
يَنثنيَ عنك آخرَ اليوم منه ... ناظرُ أنت طرَفهُ ورقاَدُهُ
ذكر فيه معنى عن ابن جني: أي إذا انصرف عنك آخر اليومخلف عندك طرفه ورقاده، فبقي بعدك، بلا لحظ، ولا نوم إلى أن يعود إليك.
وأقول: وقد استقبح هذا، وأن يعود عنه أعمى ساهراً، والمعنى قد ذكرته في موضعه من شرحه.
стр. 574
وقوله: الخفيف
نحن في أرضِ فَارسِ في سرورِ ... ذاَ الصًباحُ الذي يُرىَ ميلادُهْ
قال: فكأنه لنا كل يوم ميلاد؛ فنحن كل يوم في سرور؛ لأن الصباح كل يوم يرى.
وأقول: كأنه أراد بالصباح الجنس؛ أي: الصباح الذي يرى كل يوم، وليس كذلك، بل هو صباح يوم النوروز. يقول: نحن في أرض فارس في سرور، ميلاد يوم النوروز. وإنما خصه بالذكر تعظيماً له؛ لأنه يوم عيد عظيم عندهم، فجعله ميلاد السرور؛ أي: كأنه ولد فيه. ولا يمنع، إذا كانوا في سرور، يوم النوروز أوله، أن يكونوا في سرور آخر قبله.
وقوله: الخفيف
كُلماَ قال نَائلٌ أنا منهٌ ... سَرفَ قال آخرٌ ذا اقتصادهٌ
قال: أي: كلما استعظم النائل نفسه، استصغره نائل آخر لما يجده في نفسه من العظم.
وأقول: إن المعنى: أنه كلما استكثر منه نائل، قلله آخر بعده، واستعار للنائل قولا بلسان الحال، دليلا على كثرة كقوله: الرجز
стр. 575
امتَلأ الحَوضُ وقالَ قطَني
مهلاُ رُويداً قد ملأتَ طني
وقوله: الخفيف
ورَجتْ راحَةً بنا لا تَراها ... وبلادّ تسيرُ فيهاَ بلادُهُ
قال: أي هذه السواقُ رجت أن تستريح إذا صارت إلينا؛ لأنها كانت متعبة عنده بالطراد، ودعا عليها أن لا تنال ذلك. أنا نتعبها؛ لأنا نتع سيرته، ونفعل كما يفعل من طراد الأعداء.
قال: وهذا معنى مستطرف؛ لأنه كان ينبغي لهذه الخيل أن تستريح ما دامت في بلاد الممدوح؛ إذ كانت آمنة من الأعداء، فإذا خرجت منها، جار أن يحتاج أربابها إلى قتالها. وأقول: إن قوله (لا تراها) ليس بدعاء، بل هو نفي على غير وجه الدعاء
وأما قوله: إن هذه الخيل ينبغي أن تستريح ما دامت في بلاد الممدوح، إذ كانت آمنة من الأعداء. فيقال فهي وإن كانت آمنة من جهة الأعداء، إلا أنه يريد أن تكون الأعداء آمنة من جهتها. وما ذلك إلا بسيرها إليها، وإغارتها عليها. وإذا كانت كذلك، فلا تستريح فهذا الإلزام غير لازم، والمعنى ذلك، وهو ما ذكره ابن جني
стр. 576
وقوله: الخفيف
هل لُعدوي إلى الُهمامِ أبي الفضلِ ... قَبولُ سَوادُ عينيَ مَدادهُ
ذكر قول ابن جني وهو أني رضيت أن يجعل المداد الذي به قبول عذرة، سواد عيني حبا له واعترافا بالتقصير.
وذكر الواحدي أن قوله:
. . . . . . سواد عيني مداده
دعاء لابن العميد، لأنه كاتب.
وأقول: إن الجند؛ أن يكون سواد عيني، في قول ابن جني، في موضع الحال من العذر طرح الواو كقول المسيب: الكامل
نَصَفَ النهاُر الماءُ غَامرهُ ... ورفيقُهُ بالغْيبِ ما يدري
أي: أعتذر إليه، في حال عذري، بسواد عيني، لا بالمداد؛ تقربا إليه فهل يقبله على هذا الوجه؟ وهذا في غاية التلطف ونهاية التحبب
стр. 577
وقوله: الخفيف
إنَّني أصيدُ البُزاةِ ولكنْ ... نَ أجلً النُجومِ لا أصطادُهْ
قال: لو استوى له أن يقول: أعلى النجوم لكان الألبق
قلت: وأقل شاعر يستوي له أن يقول ذلك، أن تزيد ياء فيقول: ولكني أعلى النجوم. . . . ولو قال أبو الطيب ذلك، لدخل عليه السها وما أشبهه من النجوم الخفية في تشبيه الممدوح أو تشبيه صفاته وشرفه، وذلك قبيح جدا. وإنما أراد بأجل النجوم الشمس، وهذا النقد على أبي الطيب نقد غير صراف
وقوله: الخفيف
غَمَرتْني مَواهبُ شَاَء فيها ... أنْ يكونَ الكلامَ مما أفادُهْ
стр. 578
قال: أي تعلمت منه حسن القول فيما أفادني. فهذا الكلام تفسيره البيت الذي يليهوهو قوله: الخفيف
ما سَمعْنا بمن أحًب العَطاَيا ... فاشتْهىَ أن يكونَ فيها فؤاده
أي: كلامه الحسن نتيجة عقله وقلبه، فكأنه إذا أفاد إنسانا وهب له عقلا ولبا.
وأقول: ليس بين البيت الأول والثاني تعلق، لأنه إن جعل قوله: فؤاده نتيجة عقله لأنه محل العلم، أو ما ذكره الواحدي، أن يعني بفؤاده ما أفاد من العلم، فذلك غير جائز، لأن ذلك يشتهي أن يعطي، ولا يمتنع العطاء فيه، لأنه يحسن أن يسمع بفؤاده منها علوم. فالبيت الأول غير مفسر، والمعنى: غمرتني:
أي: غلبت قولي منه فوائد، إذ أن يكون الذي أجازيه به منها، وأمت به إليه من جملتها، وذلك حسن الكلام في دقة التنقيح وجودة التنبيه، على المآخذ التي أخذها عليه، كما ذكر. والبيت الثاني قائم نفسه، وهو أن الممدوح جواد معطاء، وما سمعنا بمن أحب العطايا فاشتهى أن يجعل فيها قلبه، وهذا المعنى مطروق مشهور، وقد أكثرت الشعراء منه نحو قوله:
يجود بالنفس إن ضن الجواد بها ..........
стр. 579
وقوله: الطويل
ولو أن ما في كفه غير نفسه ............
ونحو ذلك، فأقام القلب مقام النفس.
وقوله: الطويل
نسيتُ وما أنسىَ عتاَباً على الصًدٌ ... ولا خَجلاً زَادتْ به حُمرةُ الخَد
قال: وفيت بمن غدر بعهدي
رَوَىَ ابن جني: نسيتُ وفسره بهذا والأكثر نسيت يقول: نسيتُ كل شيْ،
ولم أنس عتاب حبيب لي على صده قديما عند اجتماعي به، وإنما قال ذلك لطيبه؛ لأن عتاب الحبيب على صده وإعراضه طيب، ولا سيما عند اجتماعه؛ ووصاله له، ولذلك بما بعده عاطفا من قوله: ولا خفرا ولا ليلة
стр. 580
وقوله: المنسرح
اختْرتُ دَهْماَء تَينِ يا مطرُ ... ومنْ له في الفَضائلِ الخيرُ
قال: موضع من نصب؛ لأنها تكون معرفة ونكرة. وهي هاهنا واقعة موقع النكرة لأنها موصوفة بقوله:
. . . . ومنْ لهُ في الفضائلِ الخُيرُ
كقوله: السريع
يا رب من يبغِضُ أذوادنا ... رُحن على بَغضَائِهِ واغتدين
وأقول: إن الأولى أن تكون معروفة؛ لأنه قد عطفها على معرفة، وهي قوله يا مطر وتكون بمعنى الذي. ويجوز أن يكون موضعها نصاً ورفعا على قولك، يا زيد والحرث والحرث.
وقوله: المتقارب
كأني عَصَت مُقلتَي فيكُمُ ... وكاتمتِ القلبَ ما تُبصِرُ
стр. 581
قال: لا تخشوا أن أظهر سرا؛ فإن بعض جوارحي، لا يفشي إلى بعضها، ما تعلم من أخباركم، فالعين هي التي تدل القلب على ما تبصر، فكأنها لا تعلم بشيء لما تؤثره من فرط الكتمان.
وأقول: إن قوله:
كأني عصت مقلتي. . . . . . . . . . . . .
إشارة إلى ما ذكر أن القلب في الجسد وأن الجوارح والأعضاء، بمنزلة الخدم والأعوان له؛ إليه تؤدي وعنه تأخذ، فعلى هذا ينبغي للعين أن تؤدي إلى القلب ما تبصر، فكأنه عيني خالفت هذه الطريقة، فعصت القلب وهي من بعض أعوانه، فلم تؤد إليه ما رأت من الأحبة حفظا لسرهم، وصيانة لحبهم، فما ظنك بغير القلب من الناس؟ وذلك نهاية في كتمه السر، وحفظه الحب، والمعنى ما ذكره إلا أنه بهذه العبارة.
وقوله: المتقارب
سماَكَ هَميُ فَوقَ الُهمومِ ... فَلستٌ أعُدُ يَساراً يسَارَا
стр. 582
ذكر فيه أن اليسار من المال، وقد ذكره غيره وزاد فيه بأن قال: والأحسن أن
يحمل الكلام على الشعر، كأنه يقول: وإن كنت أقدر على أن أقول ما تيسر من الشعر، فلا أعد ذلك يسارا منه، إذ كنت لا أقنع الأبيات ولا أرضى بمدحك إلا القصائد، وأني لا أرضى بالقطعة التي هي كالدرة الصغيرة، حتى أني بقصيدة تشبه ما كبر من الدر.
وأقول: انظر إلى هذا التفسير الذي لا يقوله محصل، ولا يرضا، وترك حمل المعنى اليسار في الحال، ومطابقة البيت الثاني لما وطأ له في البيت الأول يدل على حذق الشاعر وإتقانه!
وأقول: إنه استزاد سيف الدولة في العطاء استعظام سيف الدولة في قوله: المتقارب
ومن كنت بحرا له. . . . . . . .
أي: إذا كنت أكبر بحر، لم أقبل منه أكبر در؛ لا أقنع بالعطايا الصغار، ولا أقبلها إلا كبارا؛ لأن عظم يقتضي عظم على وجه المشابهة والمشاكلة.
وقوله البسيط
تَشْيهُ جُوكَ بالأمْطارِ غَاديةً ... جُودُ لكَفكَ ثَانٍ نَاَلهُ المَطرُ
стр. 583
قال: معناه إذا شبه جودك بالمطر؛ فذلك جود منك عليه. ولو أمكن الوزن لكان قوله: تشبيه الأمطار بجودك أول في النطق.
وأقول: إن الذي قاله أبو الطيب هو الأولى؛ وذلك أنه إذا جاد على إنسان بجود استكثر جوده، فشبه لكثرته فقيل: كأنه المطر، وتشبيه جوده بالمطر وقد جاد على سائله جود ثان على المطر كيف شبه وهو أشرف منه؟ إذ العادة جارية بأن الأدنى يشبه بالأعلى ولا ينعكس.
وقوله: الوافر
عَدوُي كلُ شيء فيكِ حتى ... لَخلتُ الأكْمَ موُغَرةَ الصُدورِ
قال: معناه يحتمل وجهين:
أحدهما: يريد أن الأكم تنبو به ولا يستقر فيها ولا تطمئن به كأن ذلك لعداوة بينهما.
стр. 584
والآخر، وهو الوجه: أن يكون أراد شدة ما يقاسي منها من الحر، فكأنها موغرة الصدر من شدة حرارتها. ويؤكد ذلك قوله فيما تقدم: الوافر
. . . . . . والصْبُ حُرً وَجهين للَهجيرِ
وأقول: هذان المعنيان، ذكرهما الواحدي، وذكر كلام ابن فورجة عليهما، ورده لهما. وذكر من عنده معنى كان دونهما. والمعنى الصحيح ما ذكرته هناك
وقوله: الطويل
وَخَرقِ مكانُ العيسِ منه مَكانناُ ... من العيسِ فيه واسطُ الكُورِ والظّهرُ
قال: قوله:
. . . مكان العيس فيه مكاننا
أي: العيس في وسطه، ونحن في وسطه. ثم فسر مكانه ومكان أصحابه بقوله:
الكور والظهر والمعنى أن الإبل كأنها واقفة في هذا الخرق، ليست تذهب فيه، ولا تجيء وذلك لسعته، فكأنه ليست تبرح منه، فنحن في ظهور هذه الإبل، لا نبرح منها
стр. 585
في أوساط أكوارها وكذلك هي، كأن لها من أرض الخرق كورا فقد قامت به لا تبرحه. ألا تراه يقول بعد ذلك:. . . وذكر البيت. وأقول: هذا الذي ذكره معنى ابن جني وليس بشيء!
والمعنى: إن هذا الخرق مكان العيس منه وسطه، لقوله بعده: الطويل
يحدْنَ بنا في جَوزِهِ. . . . . .
وقوله: مكاننا من العيس، يعني وسط الكور والظهر، فكما أن مكننا من العيس وسط كورها وظهرها، فكذلك هذه الإبل، مكانها وسط الخرق، فكان هذا الخرق
لسعته، لا تقطع العيس منه بسيرها شيئاً، فتصل إلى طرفه تسري ولا تبرح في وسطه. وشبهه في البيت الثاني بالكرة، والكرة ليس لها طرف ثم قال:
. . . . . . . . . . . . أو أرضه معنا سفرُ
أي: تسير بسيرنا فلا تقطع منها شيئاً، وقد ذكره الواحدي.
وقوله: الطويل
ولا ينَفعُ الإمكانُ لولا سَخاؤهُ ... وهَلْ نَافعُ لولا الأكفُ القناُ السمرُ
стр. 586
قال: لولا سخاؤه ما أنتفع الناس بإمكانه وغناه؛ لأنه قد يكون الإمكان مع الشح فلا يقع نفع، كما أن القنا لو لم تحفره الأكف لما عمل.
وأقول: والأولى أن يجعل النفع بالإمكان للممدوح؛ أي: لا تنفعه كثرة المال لولا جوده، فجعل المال بمنزلة الرمح، والسخاء منزلة الكف، ولولا الكف ما نفع الرمح.
وقوله: الطويل
إذا وَرَمتْ من لسعةٍ مَرَحتْ لها ... كأنً نوالاً صر في جلدهاَ النبًرُ
قال: هذا الناقة إذا لسعها الذباب مرحت لذلك، كأنها تفرح، فكأن الورم الذي يحدث فيها نوال صره في جلدها
وأقول: وعندي في هذا المعنى زيارة فيه وتحرير له، وذلك أنه وصفها بالمرح، وهو من شدة الفرح من صفات من يعقل، جعل الورم من لسع النبر بمنزلة الصرر من النوال التي يفرح بها من يعقل، فهي، حال لسع الذباب لها، وألمها بها، وقلقها منها، كأنها مرحة المتألمة قلقة. وهذا التفسير ينظر إلى قوله سبحانه:
стр. 587
إني رأيتٌ أحدَ عَشرَ كَوكباً والشمسَ والقَمر رأيتهمْ لي ساجدينَ لما وصف الكوكب بالسجود، وهو من صفات من يعقل، جمعها جمع من يعقل. وكذلك أو الطيب لما وصف الناقة بالمرح، وهو من وصفات من يعقل، جعل الورم في جلدها كصرر
النوال التي لا يفرح بها إلا من يعقل.
وقوله: الطويل
غَداَ الناسُ مثْلهمْ به لا عَدِمتْهُ ... وأصحَ دَهْري في ذُراهُ دُهُورا
قال: قوله:
. . . . . . . وأصبحَ دَهريِ في ذُراهُ دُهُورا
فيه زيادة على ما ذكره في الأول - يعني قوله:
ووقت وفي بالدهر. . . . . . . .
أي: جعل الوقت وافيا، وجعل الناس مثيلهم بالممدوح، وجمع الدهر فبالغ فيه أكثر مما بالغ فيه أكثر مما بالغ في الممدوح؛ لأن الجمع أكثر من التثنية إذ الجمع لا نهاية له.
стр. 588
وأقول: كأن هذا نقد منه وأخذ عل أبي الطيب. والجواب أن الوقت الذي ذكره وقت شره معه ومنادمته له، فجعل الوقت أنه بالدهر لطيبه وحسنه، لا لطوله، فإن أوقات السرور إنما توصف بالقصر لا بضده، وقوله:
. . . . . . . . . و. . . دَهري في ذُراهُ دُهورا
ليس على ما ذكره من الطول، بل لأنه عظمه بعظم الممدوح فجعله كأنه دهور كثيرة، قد اجتمعت دفعه واحدة كاجتماع أشخاص كثيرة
وأما تثنيته قوله: (مثليهم) فذلك لأنه قال في البيت الأول: الطويل
. . . . . . . عند واحدِ ... وفيَ لي بأهليهِ. . . . . . . . .
فجعله مثل الناس فكانوا على هذا: الناس به مثيلهم، وليس في تثنيه الناس نقص عن الجمع في الدهور كما ذكر؛ وذلك أنه جعل الممدوح، وهو أحد، بمنزلة الناس، كما أنه جعل الدهر، وهو واحد بمنزلة الدهور، فقد تماثلا في ذلك ولم تحصل الزيادة للدهور. وهذا المعنى قد كرره في شعره بألفاظ مختلفة، والأصل فيه قول
أي نواس:
وليسَ على اللهِ مستنكْرِ ... أنْ يجمْعَ العَالمَ في واحدِ
стр. 589
وقوله: الكامل
نافَستُ فيه صورةً في سترهُِ ... لو كنُنتهاَ لَخفيتُ حتُى يظهرَ
قال: نافستُ: فاعلت، من قولهم: نفستُ عليه بالشيء إذا بخلت به، وهم يتنافسون في الشيء؛ إذا كان كل واحد منهم يريده، وينفس به على الآخر والهاء في قوله: (فيه) راجعة على المصور الذي هو الشخص
قال: ولا يمتنع أنه يريد أنه (بمصور) أنه مصور في قلبه ممثل
قال: وهذا البيت فيه مبالغة عظيمة، يراد شدة النحول. والمعنى أني نفست على هذه الصورة أن تقرب من ذلك المصور، ولو كنت تلك الصورة لخفيت من نحولي حتى يظهر من قد وارته
وأقول: وهذا المعنى ذكره غيره
стр. 590
قال: ويحتمل أن يكون المراد مقصورا على صفة بالنحول، فيجوز أن يضاف
وقوله: الكامل
نافَسْتُ فيه صورةً في سِتْرِهِ ... لو كُنْتُهَا لَخَفِيتُ حَتَّى يَظْهَرَا
قال: نافست: فاعلت، من قولهم: نفست عليه بالشيء إذا بخلت به، وهم يتنافسون في الشيء؛ إذا كان كل واحد منهم يريده، وينفس به على الآخر. والهاء في قوله: (فيه) راجعة على المصور الذي هو الشخص.
قال: ولا يمتنع إنه يريد (بمصور) إنه مصور في قلبه ممثل.
قال: وهذا البيت فيه مبالغة عظيمة، يراد بها شدة النحول. والمعنى أني نفست على هذه الصورة أن تقرب من ذلك المصور، ولو كنت تلك الصورة لخفيت من نحولي حتى يظهر من قد وارته.
وأقول: وهذا المعنى ذكره غيره.
قال: ويحتمل أن يكون المراد مقصورا على صفة نفسه بالنحول، فيجوز أن يضاف إليه إرادته بأن يظهر هذا المستور؛ لأنه قد حجب عنه بالستر.
وأقول: أما قوله: (بمصور في القلب ممثل) فليس بشيء! لأن اللفظ لا يعطيه، ولا يدل عليه. وإنما أراد شخصا مصورا؛ أي: ممثلا، كالصورة لحسنه. والمعنى الذي ذكر فيه ما أراه يصح على ما قاله بعض العلماء: وهو أن العاشق لو كان مكان الصورة التي في ستر محبوبه لكان مواصله؛ قريبا منه، يعاينه، ويلاصقه، ويماسه، فكيف ينحل، مع هذا الحال، حتى يرق فيظهر محبوب محجوبه من ورائه؟ فيقال على هذا: أن العاشق قد يعرض له، في حال وصاله معشوقه، ما يكون سببا لنحوله من خوف الفراق، كما يعرض له في حال فراقه ما يكون سببا لنحوله من ألم البعاد، وهذا دليل على شدة العشق وهو قوله: الوافر
ومَا في الأرضِ أشْقَى من مُحِبٍّ ... . . . . . . . . .
أبيات الحماسة الأربعة.
стр. 591
وقوله: الكامل
نُسِقُوا لنا نَسَقَ الحِسَابِ مُقَدَّماً ... وأتَى (فذلك) إذ أتَيْتَ مُؤَخَّرا
لم يذكر معناه التبريزي، وهو ما ذكره الواحدي: وهو أن الحساب قد يذكر مفرقا بأعداده المستعملة فيه؛ يتبع بعضها بعضا، فإذا انتهى إلى آخرها، جمع ذلك المفصل وأشار إليه فقال: فذلك كذا إشارة إلى مجموع تلك الأعداد المتفرقة. وكذلك هذا الممدوح، هو مجموع من تقدم وتتابع من الفضلاء المتفرقين في الأزمان.
ومثل هذا قوله: الخفيف
ومن اللَّفْظِ لَفْظَةٌ تجمَعُ الوَصْ ... فَ وذاك المُطَهَّمُ المعروفُ
стр. 592
وقوله: الكامل
وتَرَى الفَضِيلَةَ لا تَرُدُّ فَضِيلَةً ... الشَّمْسَ تُشْرِقُ والسَّحَابَ كَنَهْوَرا
قال: هذا من التصنيف المبين لأن قوله:
. . . . . . . . . ... الشمسَ تُشْرِقُ والسَّحَابَ كَنَهْورَا
بيان لقوله:
وتَرَى الفضيلةَ لا تَرُدُّ فَضِيلةً ... . . . . . . . . .
وذلك أن الشمس لا تشرق إذا تراكم السحاب، وإن السحاب لا يمطر إذا أشرقت الشمس، فإحدى الفضيلتين رادة للأخرى، لأن المنفعة بالشمس عظيمة وكذلك بالسحاب.
وأقول: إنه لم يبين المعنى بهذا القول، ولا رأيت غيره ذكره على ما ينبغي، إلا أن ابن فورجة قال: إن الممدوح جمع بين المتضادين؛ إذ وجهه كالشمس، ونائله كالسحاب. والمعنى إنه أثبت له في أول البيت فضيلتين، وأخبر أن أحدهما لا ترد الأخرى ولا تنفيها، وضرب لهما مثلا بالجمع بين شيئين حسنين متضادين من الشمس والسحاب فلا يكونان وجهه ونائله لأنه ليس بينهما تضاد، ولكنهما البشر والعطاء؛ وذلك أن مال الإنسان بمنزلة نفسه، فإذا أخرجه ربما تغير وجهه بإخراجه، فيقول: إن
стр. 593
الممدوح يعطي ماله، ولا يحدث له تغيرا كغيره بل بشرا، ولا ترد بشؤه كثرة عطائه، بل يجتمعان فيه ولا يتضادان، وإن كانا بمنزلة الضدين.
فإن كان ابن فورجة أراد بوجهه بشره لأنه محله او وجهه ببشره فهو المعنى، وهذا مثل قوله: المنسرح
القاتِلُ الواصِلُ الكَميلُ فلا ... بعضُ جَميلٍ عن بَعْضِهِ شَغَلهْ
فواهبٌ والرِّماحُ تَشْجُرُهُ ... وطاعِنٌ والهِبَاتُ مُتَّصِلَهْ
وقوله: الخفيف
تَقْضَمُ الجَمْرَ والحديدَ الأعادي ... دونَهُ قَضْمَ سُكَّرِ الأهوازِ
قال: أعداؤه يقضمون الجمر والحديد، مكرهين، لما يلقونه من شدته عليهم كما يقضم غيرهم السكر.
وأقول: إنما خص الجمر والحديد بالذكر دون غيرهما؛ لأنه جعل أعداءه بمنزلة النعام في ذعرها منه وخوفها له. والنعام يوصف بذلك كقوله: الخفيف
إنَّما مُرَّةُ بن عَوْفِ بن سَعْدٍ ... جَمَراتٌ لا تَشْتَهِيهَا النَّعَامُ
стр. 594
وقوله: الكامل
إنْ كنتِ ظاعِنَةً فإنَّ مَدَامعي ... تَمْلاَ مزادَكُمُ وتُرْوِي العِيسَا
قال: هذا نقيض قوله: البسيط
ولا سَقَيْتُ الثَّرَى والمُزْنُ مُخْلِفُهُ ... دَمْعاً يُنَشِّفُهُ من لَوْعَةٍ نَفَسي
لأنه هناك، ذكر أن نفسه ينشف دموعه، وهنا ذكر أن مدامعه تملأ المزاد وتروي العيس، وهذا يدل على كثرتها، وما عدمت الشعراء مثل هذا، وأنشد بيت زهير: البسيط
قِفْ بالدِّيار التي لم يَعْفُهَا القِدَمُ ... بَلى وغَيَّرَهَا الأرواحُ والدِّيَمُ
وقال: إنه رد على نفسه، وإن كان يمكن أن يخرج معنى قول زهير على غير الرد.
وأقول: إن الذي ذكره لا يلزم أبا الطيب؛ لأن البيتين من قصيدتين، فلا يعد فيهما مناقضا، وكيف وتغزله بامرأتين يجوز أن يختلف حاله معهما في زيادة العشق ونقصانه فتختلف حال دمعه بكثرته وقلته. والذي ذكره من التناقض في قول المتنبي لا يشبه بيت زهير؛ لأنه معدود في محاسن الشعر لا في عيوبه، وذلك النمط يسمى الاستدراك.
стр. 595
وقوله: الكامل
حَاشَى لمثلكِ أنْ تَكُونَ بَخِيلةً ... . . . . . . . . .
والبيت الذي بعده قد ذكرت ما جاء فيهما عن ابن جني وغيره في شرح الواحدي، وذكرت ما خطر لي فيه، مما يخالف أقوالهم.
وقوله: الوافر
يَقُودُهُمُ إلى الهَيْجَا لَجُوْجٌ ... يُسِنُّ قِتَالَهُ والكَرُّ نَاشِي
قال: استعار السن للقتال؛ يريد إنه يديم القتال، ويطيل فيه، كما أن المسن يتقادم الوقت عليه؛ يقول: إنه محدث الكر في وقت بعد وقت، فهو كأنه ناشئ، أي: في أول أمره، ولا يضعف لتقادم القتال.
وأقول: إن المعنى غير ذلك! وهو إنه وصف القتال بأنه مسن لشدته، ووصف الكر
стр. 596
بأنه ناشئ؛ أي كأنه في أول اللقاء أي: لم يكسره ويضعفه؛ وذلك يدل على صدقه في القتال، ومعاجلته للأبطال، وهذا من قول قطري: الكامل
. . . . . . . . . ... جَذَعَ البَصيرِة قارِحَ الإقدامِ
أي: صغير التأمل، كبير الجرأة. فكنى عن ضعف التأمل، والنظر في العواقب بالجذع، وعن قوة الإقدام بالقارح.
وقوله: الطويل
على أنني طُوِّقْتُ منك بِنِعْمَةٍ ... شهيدٌ بها بَعْضي لغيري على بَعْضي
قال: قوله: على أنني، أي: أمدحك وأثني عليك على ما طوقتنيه من نعمك؛ أي: أفعل هذا الفعل، ولهذا حذف أول الكلام للدلالة عليه. وإن شئت كان تقديره: مضى الليل على هذه الحال، على أنني متلبس بنعمتك، أهدي إليك سلاما وتحية؛ ألا تراه يقول بعد هذا البيت: الطويل
سَلامُ الذي. . . . . . ... . . . . . . . . .
стр. 597
وأقول: إن قوله:
على أنني طُوِّقَتُ منك بنعمةٍ ... . . . . . . . . .
تعليل وتحقيق لقوله:
. . . والفَضْلُ الذي لك لا يمضي ... . . . . . . . . .
كأنه يقول: فضلك لا يمضي لتطويقك إياي بنعمة شهد بعضي بها لغيري على بعضي، فجعل نعمته، للزومها وظهورها كطوق الحمامة، وتكون (على) بمعنى اللام كقول الراعي: الوافر
رَعَتْهُ أشْهُراً وخَلاَ عليها ... فَطارَ النَّيُّ فيها واسْتَغَارَا
وقوله: البسيط
كَمْ مِنْ حُشَاشةِ بِطْريقٍ تَضَمَّنَها ... للبَاتِراتِ أمينٌ ماَلُه وَرَعُ
قال: لم يذكر المعنى وأطال في ذكر اللفظ وذكره أهم من ذكر اللفظ.
стр. 598
والمعنى، ما قاله الواحدي؛ وهو أن أرواحهم في ضمان القيود للسيوف؛ أي: الأسرى مقيدون متى شاء قتلهم قتلهم.
وقوله: البسيط
تَغْدُو المنايا فلا تَنْفَكُّ واقِفَةً ... حتى يقولَ لها عُودِي فَتَنْدَفِعُ
زعم أن هذا البيت يجب أن يكون في صفة القيد؛ لأنه يلي ما قبله في وصفه.
قال: ولولا ذلك لكان تصييره للممدوح أشبه.
قلت: وكذلك هو، وإن كان بعد وصف القيد؛ لأن هذا الوصف لا يصلح إلا له. وقد قدر فيما اختاره تقديرا، إذا تأمله من تأمله، تبين له فيه سوء الاختيار وقبح الاختبار!
وقوله: البسيط
وجدتموهُمْ نياماً في دِمَائِكُمُ ... كأنَّ قتلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا
قد اختلفت أقوال الجماعة في قوله:
. . . نياماً في دِمَائِكُمُ ... . . . . . . . . .
стр. 599
فروي عن ابن جني، أن أبا الطيب حدثه، أن سيف الدولة لما هزم الدمستق، وقتل أصحابه، جاء المسلمون إلى القتلى يتخللونهم، فمن كان به رمق أجهزوا عليه، فبينا هم كذلك أكب عليهم المشركون.
وهذا الذي ذكره لا يطابقه قول أبي الطيب.
وقال الواحدي: أنهم ناموا بين القتلى، وتلطخوا بدمائهم، تشبها بهم خوفا من الروم.
وأقول: إن المعنى في قوله:
. . . نياماً في دِمَائِكُمُ ... . . . . . . . . .
غير ذلك! وهو إنه ليس عندهم جد في اللقاء، ولا حرص على القتال، فشبهوا بفتورهم وترك اهتمامهم، بالنيام وليسوا نياما على الحقيقة.
وقوله: في دمائكم يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون المعنى، في سفك دمائكم.
والثاني: أن يكون المعنى، في ثاراتكم عند المسلمين بقتلهم من قتلوا منكم؛ لأن الدم هو الثار. يقال لفلان عند فلان دم، أي: ثار، فقصروا عند لقائكم لطلب ثاراتكم، حتى كأن من قتل منكم فجعوا به، وقول أبي الطيب:
وَجَدْتموهُمْ نياماً في دمائِكُمُ ... . . . . . . . . .
عذر لسيف الدولة في إسلامه لهم، لقوله في البيت الأول: البسيط
стр. 600
قُلْ للدُّمُسْتُقِ إنَّ المُسْلَمِينَ لكم ... خَانُوا الأميرَ فجَازَاهم بما صَنَعُوا
والذين أجهزوا على القتلى، ليس لهم ذنب فيسلمهم للقتل. والذين ناموا بين القتلى نفر يسير، بالإضافة إلى من فقد في هذه الوقعة كما ذكر. والمعنى، أن هؤلاء
الذين أصبتم من أصحاب سيف الدولة خانوه بتركهم الجد في القتال، وبذلهم الجهد في النزال، ونكوصهم عن اللقاء في قراع الأعداء، فأسلمهم جزاء لهم على ذلك، فلا تفرحوا وتفخروا بأخذهم وقتلهم وهم بمنزلة الموتى التي تأكلها الضباع، فلو شاء أن يمنعهم لمنعهم، وهذا أحسن ما يعتذر به لسيف الدولة، وقد كسر، وأسر من عسكره من أسر.
وقوله: البسيط
رَضِيتَ منهم بأنْ زُرْتَ الوَغَى فَرَأوْا ... وأنْ قَرَعْتَ حَبِيكَ البِيْضِ فاسْتَمعُوا
قال: المعنى، إنه يعرض بأضداده من الشعراء وغيرهم؛ أي: أنا أضرب معك بالسيف، وهم مختلفون ومتخلفون عنك. وهذا التفسير يدل على أن الرواية: بأن زرت وأن قرعت بضم التاء في الفعلين، والذي رويته ورأيته بالفتح.
وأقول: أن الصحيح الضم. ويدل عليه ما فسره الواحدي من قوله: البسيط
ليتَ الملوكَ على الأقدار مُعْطِيةٌ ... فلم يَكُنْ لدنيٍّ عندَهُمْ طَمَعُ
следующие страницы →