← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

بأنه ناشئ؛ أي كأنه في أول اللقاء أي: لم يكسره ويضعفه؛ وذلك يدل على صدقه في القتال، ومعاجلته للأبطال، وهذا من قول قطري: الكامل . . . . . . . . . ... جَذَعَ البَصيرِة قارِحَ الإقدامِ أي: صغير التأمل، كبير الجرأة. فكنى عن ضعف التأمل، والنظر في العواقب بالجذع، وعن قوة الإقدام بالقارح. وقوله: الطويل على أنني طُوِّقْتُ منك بِنِعْمَةٍ ... شهيدٌ بها بَعْضي لغيري على بَعْضي قال: قوله: على أنني، أي: أمدحك وأثني عليك على ما طوقتنيه من نعمك؛ أي: أفعل هذا الفعل، ولهذا حذف أول الكلام للدلالة عليه. وإن شئت كان تقديره: مضى الليل على هذه الحال، على أنني متلبس بنعمتك، أهدي إليك سلاما وتحية؛ ألا تراه يقول بعد هذا البيت: الطويل سَلامُ الذي. . . . . . ... . . . . . . . . .

стр. 597

وأقول: إن قوله: على أنني طُوِّقَتُ منك بنعمةٍ ... . . . . . . . . . تعليل وتحقيق لقوله: . . . والفَضْلُ الذي لك لا يمضي ... . . . . . . . . . كأنه يقول: فضلك لا يمضي لتطويقك إياي بنعمة شهد بعضي بها لغيري على بعضي، فجعل نعمته، للزومها وظهورها كطوق الحمامة، وتكون (على) بمعنى اللام كقول الراعي: الوافر رَعَتْهُ أشْهُراً وخَلاَ عليها ... فَطارَ النَّيُّ فيها واسْتَغَارَا وقوله: البسيط كَمْ مِنْ حُشَاشةِ بِطْريقٍ تَضَمَّنَها ... للبَاتِراتِ أمينٌ ماَلُه وَرَعُ قال: لم يذكر المعنى وأطال في ذكر اللفظ وذكره أهم من ذكر اللفظ.

стр. 598

والمعنى، ما قاله الواحدي؛ وهو أن أرواحهم في ضمان القيود للسيوف؛ أي: الأسرى مقيدون متى شاء قتلهم قتلهم. وقوله: البسيط تَغْدُو المنايا فلا تَنْفَكُّ واقِفَةً ... حتى يقولَ لها عُودِي فَتَنْدَفِعُ زعم أن هذا البيت يجب أن يكون في صفة القيد؛ لأنه يلي ما قبله في وصفه. قال: ولولا ذلك لكان تصييره للممدوح أشبه. قلت: وكذلك هو، وإن كان بعد وصف القيد؛ لأن هذا الوصف لا يصلح إلا له. وقد قدر فيما اختاره تقديرا، إذا تأمله من تأمله، تبين له فيه سوء الاختيار وقبح الاختبار! وقوله: البسيط وجدتموهُمْ نياماً في دِمَائِكُمُ ... كأنَّ قتلاكُمُ إياهُمُ فَجَعُوا قد اختلفت أقوال الجماعة في قوله: . . . نياماً في دِمَائِكُمُ ... . . . . . . . . .

стр. 599

فروي عن ابن جني، أن أبا الطيب حدثه، أن سيف الدولة لما هزم الدمستق، وقتل أصحابه، جاء المسلمون إلى القتلى يتخللونهم، فمن كان به رمق أجهزوا عليه، فبينا هم كذلك أكب عليهم المشركون. وهذا الذي ذكره لا يطابقه قول أبي الطيب. وقال الواحدي: أنهم ناموا بين القتلى، وتلطخوا بدمائهم، تشبها بهم خوفا من الروم. وأقول: إن المعنى في قوله: . . . نياماً في دِمَائِكُمُ ... . . . . . . . . . غير ذلك! وهو إنه ليس عندهم جد في اللقاء، ولا حرص على القتال، فشبهوا بفتورهم وترك اهتمامهم، بالنيام وليسوا نياما على الحقيقة. وقوله: في دمائكم يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المعنى، في سفك دمائكم. والثاني: أن يكون المعنى، في ثاراتكم عند المسلمين بقتلهم من قتلوا منكم؛ لأن الدم هو الثار. يقال لفلان عند فلان دم، أي: ثار، فقصروا عند لقائكم لطلب ثاراتكم، حتى كأن من قتل منكم فجعوا به، وقول أبي الطيب: وَجَدْتموهُمْ نياماً في دمائِكُمُ ... . . . . . . . . . عذر لسيف الدولة في إسلامه لهم، لقوله في البيت الأول: البسيط

стр. 600

قُلْ للدُّمُسْتُقِ إنَّ المُسْلَمِينَ لكم ... خَانُوا الأميرَ فجَازَاهم بما صَنَعُوا والذين أجهزوا على القتلى، ليس لهم ذنب فيسلمهم للقتل. والذين ناموا بين القتلى نفر يسير، بالإضافة إلى من فقد في هذه الوقعة كما ذكر. والمعنى، أن هؤلاء الذين أصبتم من أصحاب سيف الدولة خانوه بتركهم الجد في القتال، وبذلهم الجهد في النزال، ونكوصهم عن اللقاء في قراع الأعداء، فأسلمهم جزاء لهم على ذلك، فلا تفرحوا وتفخروا بأخذهم وقتلهم وهم بمنزلة الموتى التي تأكلها الضباع، فلو شاء أن يمنعهم لمنعهم، وهذا أحسن ما يعتذر به لسيف الدولة، وقد كسر، وأسر من عسكره من أسر. وقوله: البسيط رَضِيتَ منهم بأنْ زُرْتَ الوَغَى فَرَأوْا ... وأنْ قَرَعْتَ حَبِيكَ البِيْضِ فاسْتَمعُوا قال: المعنى، إنه يعرض بأضداده من الشعراء وغيرهم؛ أي: أنا أضرب معك بالسيف، وهم مختلفون ومتخلفون عنك. وهذا التفسير يدل على أن الرواية: بأن زرت وأن قرعت بضم التاء في الفعلين، والذي رويته ورأيته بالفتح. وأقول: أن الصحيح الضم. ويدل عليه ما فسره الواحدي من قوله: البسيط ليتَ الملوكَ على الأقدار مُعْطِيةٌ ... فلم يَكُنْ لدنيٍّ عندَهُمْ طَمَعُ

стр. 601

أي: ليتهم يعطون الشعراء على أقدارهم في الاستحقاق بفضلهم وعلمهم. قال: وهذا تعريض؛ بأنه يسوى مع غيره، ممن لم يبلغ درجته. فقد اجتمع من التفسيرين في البيتين ما يدل على ان الرواية الصحيحة بالضم وكذلك قوله: رضيت، وإن المعنى بالملوك سيف الدولة. يقول: ليته يعطي على قدر الاستحقاق، ليبين فضل السني على الدني، ثم قال: رضيتَ منهم بأن زُرْتُ الوَغَى فرأوا ... . . . . . . . . . أي: من سيف الدولة، وكذلك قوله: . . . . . . . . . ... وإنْ قَرَعْتُ حَبِيكَ البِيضِ فاسْتَمَعُوا وهذا يدل على إنه ثبت في هذه الوقعة وقاتل. يقول: رضيت من عطائه بزيارتي الحرب، وقرعي البيض رؤياه واستماعه، وحسبي ذلك عطاء وفخرا، وفي ذلك عتب ومن عليه، ولوم وتقريع له، وما بعد هذا البيت يدل على هذا التفسير. وقوله: الطويل بما بين جَنْبَيَّ التي خَاضَ طَيْفُهَا ... إليَّ الدَّيَاجي والخَليُّونَ هُجَّعُ لم يذكر المعنى، وقد ذكرته فيما قبل.

стр. 602

وقوله: الطويل أبَحْرٌ يَضُرُّ المُعْتَفِينَ ومَاؤُهُ ... زُعَاقٌ كَبَحْرٍ لا يَضُرُّ ويَنْفَعُ قال: قوله: . . . . . . . . . ... . . . كَبَحْرٍ لا يَضُرُّ ويَنْفَعُ فيه قبح، لأن المشهور عنهم؛ أن ينسب الممدوح إلى المنفعة لأوليائه، وإلى المضرة لأعدائه، كقوله: الطويل ولكنْ فَتَى الفِتْيَانِ من رَاحَ أو غَدَا ... لِضرِّ عَدُوٍّ أو لِنَفْعِ صَدِيقِ وأقول: ليس فيه قبح، وقد قال الشاعر: الكامل عندَ المُلوكِ مَضَرَّةٌ ومنافِعٌ ... وأرَىَ البَرامِكَ لا تَضُرُّ وتَنْفَعُ والإغراق في الشعر حسن بالغ، إلا إنه لا يلزم، فتركه ليس بقبيح.

стр. 603

وقوله: الكامل أوَ مَا وَجَدْتُمْ في الصَّراة مُلوحَةً ... مما أرَقْرِقُ في الفُراتِ دُموعي قال: وذلك أن دمع الفرح حلو، ودمع الحزن ملح. وأقول: وهذا شيء لم نسمع به؛ إنما قالوا في قولهم: أقر الله عينه، وأسخن عينه. أن ذلك دعاء له وعليه، لأن دمع الفرح بارد، ودمع الحزن سخن. فأما الحلاوة والملوحة فلم تسمع ولم تستعمل. وإنما ذكر أبو الطيب ذلك؛ لأن الدمع في ذوقه ملح، فأخبر عن كثرة دموعه وشدة بكائه بذكر الملوحة في الماء، وإنه قد أراق في الفرات، مع كثرتها من الدموع، ما يوجب تغير طعم ماء الصراة التي هي بعض لها وشرب منها ورده من الحلاوة إلى الملوحة. وهذا إغراق في المعنى وحسن صناعة في النظم. وقوله: الوافر إنِ استَعْطَيْتَهُ ما في يَدَيْهِ ... فَقَدْكَ، سألْتَ عن سِرٍّ مُذِيعَا قال: تم الكلام عند قوله: فقدك ثم استأنف فقال: كأنك إذا سألته ما في يديه

стр. 604

سألت عن سر من جرت عادته أن يذيع الأسرار، فأنت مستغن عن سؤاله. وأقول: كأنه يقول: لا ينبغي لك أن تسأله؛ لأنه يعطيك من غير سؤال؛ كمذيع السر؛ فانه يخبرك به من غير سؤال، فقد أخطأت في السؤال. وأقول: لو أراد ذلك لكان في الكلام ما يدل عليه ولقال: أكفف ولم يقل اكتف. والمعنى انك إذا سألته أعطاك جميع ماله، فلا يبقي منه شيئا؛ كمذيع السر إذا سألته عنه فإنه لا يكتم منه شيئا. وقوله: () الوافر عليٌّ قاتِلُ البَطَلِ المُفَدَّى ... ومُبْدِلُهُ من الزَّرَدِ النَّجِيعَا قال: يقتل قرنه، ويسلبه درعه، ويلبسه الدم. وأقول: إن قوله: ويسلبه درعه ليس بجيد؛ لأن الجيد أن لا يسلبه، لقوله في موضع آخر: الوافر فتىً لا تَسْلُبُ القَتْلَى يداهُ ... ويَسْلُبُ عَفْوُهُ الأسْرَى الوِثَاقَا

стр. 605

وقول أبي تمام: البسيط إنَّ الأسودَ أسودَ الغاب هِمَّتُهَا ... يومَ الكَريهةِ في المَسْلوبِ لا السَّلَبِ والمعنى، إنه يهتك الزرد عنه بالضرب، ويلبسه الدم. وقوله: الوافر قد استَقْصَيْتَ في سَلَبِ الأعَادي ... فَرُدَّ لهم من السَّلَبِ الهُجوعَا قال: المعنى، انك سلبت الأعداء جميع ما يملكون، وكل خلة مثل الأمن ونحوه، حتى سلبتهم الهجوع، فأردده عليهم؛ لأنهم لا يأمنون من خوفك. فيقال له: ولم يرد عليهم النوم وهم أعداؤه، وهو من أنفس الأسلاب التي يسلبهم، وأضرها لهم، وأقلقها لمضاجعهم؟! والمعنى ما ذكرته على الواحدي، فإنه فسره بنحو من هذا التفسير.

стр. 606

وقوله: الوافر فَلاَ عَزَلٌ وأنْتَ بِلا سِلاَحٍ ... لِحَاظُكَ مَا تَكُونُ به مَنِيعَا قال: المعنى: إذا كنت بلا سلاح، فلست بأعزل؛ لأن لحاظك تقوم مقام السلاح. فإذا نظرت إلى العدو انهزم. وأقول: إن قوله: . . . . . . . . . ... لِحَاظُكَ ما تَكُونُ به مَنِيعَا لا يدل على هزيمته اعداءه، بل يدل على امتناعه من أدائه. فقوله: إذا نظرت إلى العدو انهزم لا يطابق اللفظ، ولا يطابقه إلا: إذا نظرت إلى العدو امتنعت منه، وامتناعه منه، لا يدل على هزيمته له. ويجوز: إذا جعل لحظه بمنزلة سلاحه، أن يكون إذا نظر إليه هزمه. . . وقوله: الكامل رُدِّي الوِصَالً سَقَى طُلولَكِ عارِضٌ ... لو كانَ وَصْلُكِ مثلَهُ ما أقْشَعَا

стр. 607

قال: الأليق في صناعة الشعر أن يقول: لو كان وصلك مثله ما هجرت، ولكن الضرورة حملته على هذا، وهو جائز. وأقول: الأليق ما ذكره أبو الطيب، وأبلغ في المعنى، وأدخل في الصنعة. وذلك إنه استسقى لطولها سحابا دائما في قوله: لو كان وصلك الذي ذهب، وسألتك رده مثله ما أقشع؛ أي: ما انكشف. فقوله: ما أقشع، بمعنى: ما هجرت لأن الانقشاع من صفة السحاب. فإذا جعله مثله، وصفه بوصفه فكان مناسبا للسحاب. وقوله: الكامل النَّومُ بعد أبي شُجَاعٍ نافِرٌ ... واللَّيلُ مُعْيٍ والكواكبُ ظلَّعُ قال: ضرب هذا مثلا؛ أي: لو كان الليل، والكواكب، مما يؤثر فيه حزن، لأثر فيها حزنه. وأقول: لم يرد التأثير في الليل، والكواكب، وإنما أراد التأثير في نفسه بحزنه وهمه وسهره وطول الليل عليه. فكنى عن طوله بذلك، وجعله كالبعير المعيي،

стр. 608

والكواكب كالإبل الظلع، وهذا من قول امرئ القيس: الطويل فقلت له لمَّا تَمطَّى بصُلْبِهِ ... وأردفَ أعجازاً وناَء بِكَلْكَلِ ومثله قول بعض شعراء العصر: السريع أقولُ لمَّا طال لَيْلِي وقد ... تَحَيَّرَتْ أنْجُمُهُ ما تَسِيرْ وقد تَمَطَّى ملقياً بَرْكَهُ ... كأنَّهُ عَوْدٌ طَلِيحٌ حَسِيرْ ما لِظَلامِ اللَّيلِ لا يَنْجَلي ... وما لضَوْءِ الصُّبْحِ لا يَسْتَنِيرْ وقوله: الكامل فالَيوْمَ قَرَّ لكلِّ وَحْشٍ نَافِرٍ ... دَمُهُ وكانَ كأنَّهُ يَتَطَلَّعُ قال: المعنى، أن هذا المرثي، كان مغزي بالصيد. وهذه صفة حال ليست مما يمدح بها الملوك؛ لأن اشتغالهم بغير ذلك اجمل، إلا أن يريد بالوحش هاهنا عدوا يستوحش فينفر خوفا من القتل؛ فحينئذ يكون فيه مدح للمذكور. وأقول: إنه لم يرد بالوحش إلا الصيد! وقد مدحه بذلك في قوله: البسيط له من الوَحْشِ ما اختارتْ أسِنَّتُهُ ... عَيْرٌ وَهَيْقٌ وخَنْساءٌ وَذيَّالُ

стр. 609

وإذا وصفه بذلك في حياته، جاز ان يصفه به بعد وفاته. وقوله: صفة حال ليست مما يمدح بها الملوك غير مسلم. وذلك أن الملوك توصف تارة بالصيد والقنص، وأخرى بالحرب والقتال. ولاسيما العرب؛ فانهم لذلك معتادون، وبه مرتاضون. على أن فاتكا لم يكن ملكا وإنما كان مملوكا!! وقوله: الكامل كُنَّا نَظُنُّ دِيَارَهُ مَمْلُوَءةً ... ذَهَباً فمَاتَ وكلُّ دَارٍ بَلْقَعُ قد خبط المعنى بألفاظ طويلة غير طائلة بذكر البيت الذي بعده والمعنى في البيتين، إنه وصفه بخلو داره من الذهب، وغير خلوها مما ذكر في البيت الثاني، فأثبت له صفة حمد، ونفى عنه صفة ذم. وقوله: الطويل وَخبَّلَ منها مِرْطُهَا فكأنَّمَا ... تَثَنَّى لنا غُصْنٌ ولا حَظَنَا خِشْفُ

стр. 610

يروى: خيّل وخبّل - بفتح الخاء - وأرى أن ضمها أحسن لأنه أتم في المعنى. ولم يذكره، ود ذكرته في شرح الواحدي. وقوله: الطويل ولما فَقَدْنَا مثلَهُ دامَ كَشْفُنَا ... عليهِ فَدامَ الفَقْدُ وانكشَفَ الكَشْفُ قال: لولا إنه منظوم، لكان الأشبه به في هذا الموضع أن يقال: عنه في موضع عليه. فيقال له: وعليه هنا بمعنى عنه ولم يمنع النظم من ذلك، وقد جاء في الشعر كثيرا؛ من ذلك قول القحيف: الوافر إذَا رَضيَتْ عليَّ بنو قُشَيْرٍ ... لعَمْرُ اللَّهِ أعجبني رِضَاهَا وقول الراجز: الرجز أرْمِي عليها وهي فَرْعٌ أجْمَعُ وقد ذكرته فيما قبل.

стр. 611

وقوله: الطويل تَفَكُّرُهُ عِلْمٌ ومنطِقُهُ حُكْمٌ ... وباطِنُهُ دِينٌ وظاهِرُهُ ظَرْفُ وقد ذكرت ما فيه من جانب العروض فيما تقدم٣. وقوله: الطويل أماتَ رياحَ اللُّؤمِ وهي عواصِفٌ ... ومَغْنَى العُلا يُودي وَرَسْمُ النَّدَى يَعْفُو ذكر عن ابن جني أن قوله: ومغنى العلا ورسم الندى في موضع الحال، ثم قال: وله وجه آخر؛ وهو أن يكون أراد أن مغنى العلا مما يودي، ورسم الندى مما يعفو، كما يودي ويعفو غيرهما، فلا تكون الواو في موضع الحال بل تكون لاستئناف جملة. وأقول: إن هذا الوجه الذي ذكره، لا يجوز؛ - كما ذكر - استئناف جملة خبرية، وذلك كذب؛ لأن مغنى العلا لا يودي، ورسم الندى لا يعفو، بل هما باقيان. وجاز في الوجه الأول؛ لأنهما جعلهما حالا من: إماتة رياح اللؤم على طريق المبالغة، فلا يجوز غيره، ولا يصح أن يقال: العلم مما يفنى، كما لا يصح أن يقال: الجهل مما يبقى، إلا على ما ذكرته.

стр. 612

وقوله: الطويل ولم نَرَ شيئاً يحملُ العِبَء مِثْلَهُ ... ويَسْتَصْغِرُ الدُّنيا ويَحْمِلُهُ طِرْفُ لم يذكر معناه، وقد ذكرته قبل. وقوله: الطويل ولستُ بدُونٍ يُرْتَجَى الغيثُ دونه ... ولا مُنْتَهى الجُودِ الذي خَلْفَهُ خَلْفُ قال: أي: لست بقليل من الرجال. وأقول: إن هذا لا يكفي في مدح من يريد الإغراق في مدحه؛ بل لا يحسن؛ بل يقبح أن يقال له: لست بلئيم أولست بخسيس، من غير أن يتبع ذلك بشيء يتخلص به من النقص، كما تخلص أبو الطيب على طريقته في المدح والإغراق، وقد ذكرت ذلك في شرح الواحدي. وقوله: الوافر ولو تَبَّعْتِ ما طَرَحَتْ قَنَاهُ ... لكَفَّكِ عن رذَايَانَا وعَاقَا

стр. 613

قال: سبق إلى هذا الأولون؛ أعني اتباع الطير والوحش الجيش. ولم يبالغ أبو الطيب في هذا البيت لأنه جعل الوحش تتبع الجيش لتأكل رذاياه، والرذايا: جمع رذية، وهي الناقة التي حسرها السير، ولم يقل كما قال الحكمي: المديد تَتَأيَّا الطَّيْرُ غُدْوَتَهُ ... ثِقَةً بالشِّبْعِ من جَزَرِهْ وأقول: إن هذا، إما وهم، وإما سوء فهم في جعل الوحش تتبع الجيش لأكل رذاياه ولا تتبع ما طرحت قنا الممدوح من القتلى كما ذكر. وبيت أبي الطيب فيه زيادة على بيت أبي نواس؛ وذلك إنه ذكر شدة سيره إلى الممدوح تقربا اليه، وبما لقي من الجهد في طريقه بانحسار ابله، وانقطاع رواحله، حتى طمعت بها الوحش. كما قال الحطيئة: البسيط والذِئبُ يَطْرُقُنَا في كُلِّ منزلةٍ ... عَدْوَ القَرِينين في آثارِنَا خَبَبَا فخاطب الوحش وقال لها: لو تتبعت ما طرحت قنا سيف الدولة من أعدائه، لكفك عن أن تتعرضي لما كل من إبلنا، وانحسر من مطينا. وقوله: الوافر تَبِيتُ رِمَاحُهُ فوق الهَوَادي ... وقد ضَرَبَ العَجَاجُ لها رِوَاقَا قال: الهوادي: جمع هادية، وهي العنق، واستعار الرواق هاهنا للغبار لأنهم

стр. 614

يركزون الرماح إلى رواق البيت، والهاء تعود على الرماح، أو على الهوادي. وأقول: إنها تعود على الرماح ولم يتبين له معنى البيت، والهوادي هاهنا، أعناق الفرسان، فجعل الرماح مسندة إليها، مائلة عليها كالعمد، والعجاج ساطعا فوقها كالرواق، ولهذا قال: الوافر تميلُ كأنَّ في الأبْطالِ خَمْراً ... . . . . . . . . . ولا تميل إلا إذا كانت قائمة. وقال الواحدي: الهوادي: أعناق الخيل؛ كأنه نظر إلى قول النابغة: الطويل . . . . . . . . . ... إذا عُرِّضَ الخَطِّيُّ فوقَ الكَواثِبِ والصحيح الأول، لما ذكرناه. وقوله: الطويل إذَا ما لَبِسْتَ الدَّهْرَ مُسْتَمِتعاً بهِ ... تَخَرَّقْتَ والملبوسُ لم يَتَخَرَّقِ

стр. 615

ذكر فيه قول ابن جني. هذا البيت إذا طولب الشاعر بحسن الأدب، وجب أن لا يقابل الممدوح بمثله. وقد أنكر عبد الملك على جرير ما هو دونه، من قوله: الوافر أتَصْحُو أمْ فُؤادُكَ غيرُ صَاحِي ... . . . . . . . . . فقال: فؤادك لأجل مخاطبته بالكاف، وإن كان لم يرد إلا نفسه. وأقول: إن هذا، إذا أنشده الشاعر الممدوح كان فيه، كما ذكر، سوء أدب. وأما إذا أرسله فليس فيه ذلك؛ لأنه إنما قبح لأجل المخاطبة، والإرسال لا مخاطبة فيه. ولعل أبا الطيب أرسل القصيدة إليه، ولم ينشدها إياه. وفي هذا البيت أيضا ما يسأل عنه، وهو ضربه المثل فيه، لما هو كأنه منقطع منه، فلا يكون المثل ورد في موضعه. والصحيح إنه متصل بما قبله، وذلك إنه قال: الطويل سَقَى اللَّهُ أيَّامَ الصِّبَا. . . ... . . . . . . . . . لما بانت عنه، وصار في غيرها من أيام الكبر، فضرب مثلا بتغيره بالدهر وعدم تغير الدهر به، فجاء بأغرب مثل وأعجبه، لأن من العهود الأكثر، أن اللابس يبلي الملبوس ويخرقه، فكأنه يقول: الدهر ملبوس يخالف غيره من اللابس؛ لأن هذا يبلي اللابس، وغيره يبليه اللابس.

стр. 616

وقوله: الطويل أدَرْنَ عُيوناً حَائراتٍ كأنَّها ... مُرَكَّبَةٌ أحْداقُهَا فَوْقَ زئْبَقِ ذكر في شرح هذا البيت، ما يرغب عن ذكره! والمعنى فيه ظاهر، وهو إخبار عن شدة حال الفراق وصعوبته، بحيرة الأعين وقلق أحداقها؛ وذلك لأن الزئبق رجراج لا يستقر فلا يستقر المركب فوقه. وقوله: الطويل ضَرُوبٌ بأطرافِ السُّيوفِ بنانُهُ ... لَعوبٌ بأطراف الكلامِ المُشَقَّقِ ذكر في قوله: المشقق من الاشتقاق ما لا يحسن معه المعنى! والصحيح: أن المشقق مشتق من الشق الذي هو نصف الشيء، وعنى بالكلام المشقق: المعتدل الأوزان، المحكم الألفاظ، ولعله أراد الشعر، أما النظم له؛ فان سيف الدولة كان شاعرا، أو إنشاد المتقن منه، أو أراد السجع المعتدل القرائن، كالخطب وما أشبهها. وقوله: الطويل وما بلدُ الإنسان غَيْرُ المُوَافِقِ ... ولا أهلُهُ الأدنونَ غَيْرُ الأصَادَقِ

стр. 617

قال: هذا البيت، بالتصريع، وقد ضعف ضعفا بينا، وهو كالمنقطع مما قبله. وأقول: إن التصريع لا يضعف البيت، ويدل على ذلك ما جاء من أشعار العرب مصرعا كقول امرئ القيس: الطويل ألاَ أيُّهَا اللَّيلُ الطويلُ ألا انْجَلي ... بِصُبْحٍ وما الإصبَاحُ منك بأمْثَلِ وقوله: () الطويل ديارٌ لسَلْمَى عَافِيَاتٌ بذي خَالِ ... ألَحَّ عليها كُلُّ أسْحَمَ هَطَّالِ وما أشبه ذلك. وهذا ليس فيه ضعف، بل قوة بمجيء قافيتين فيه، وبيت أبي الطيب قد جاء بمثلين وقافيتين، فهو بيت كبيتين. وأما قوله: كالمنقطع مما قبله فليس كذلك، لأنه ذكر فيما قبل بلاده في قوله: الطويل بلادٌ إذا زَارَ الحِسَانُ. . . ... . . . . . . . . . ثم وصفها فقال: الطويل سَقَتْنِي بها القُطْرُبُّلِيَّ مَلِيحةٌ ... . . . . . . . . . ثم وصف تلك المليحة، وعطف عليها الاغيد، ووصفه ثم قال: وما بَلدُ الإنسان غير المُوَافِقِ ... . . . . . . . . .

стр. 618

أي: تلك البلاد كانت موافقة له، وأصحابه الذين ذكرهم فيها؛ كانوا كالأهل الأدنين منه. وقوله: الطويل تُصِيبُ المجَانيقُ العِظَامُ بكَفِّهِ ... دقائِقَ قد أعْيَتْ قسِيَّ البَنَادِقِ قال: وصف الشاعر الممدوح بأنه لطيف، يصيب بحجر المنجنيق، للطف رأيه، ما لا تصيبه البندقة التي تخرج من قوس البندق. وأقول: إن المعنى بخلاف ما ذكر! ولم يتنبه عليه أحد من الجماعة، وهو إنه ينال بالمجاهرة والقسر، ما لا ينال غيره بالمجاملة والمكر، فكنى عن المجاهرة والمغالبة بالمجانيق لعظمها، وعن المسارة والمخاتلة بقسي البندق لصغرها. والذي يدل على هذا المعنى البيت الذي قبله وهو قبله: الطويل ولم أرَ أرْمَى منه غَيْرَ مُخَاتِلٍ ... وأسْرَى إلى الأعداءِ غيرَ مُسَارِقِ وقوله: الكامل أبَني أبِينَا نحنُ أهْلُ مَنَازِلٍ ... أبداً غُرابُ البَيْنِ فينا يَنْعِقُ

стр. 619

قال: عنى بغراب البين داعي الموت. وأقول: إنه لم يرد ذلك؛ وإنما أراد التفرق، فكنى عنه بنعيق الغراب، وذلك المشهور من كلامهم، والمعروف في استعمالهم، ويدل عليه قوله فيما بعد: الكامل . . . . . . . . . ... جَمَعَتْهُمُ الدُّنيا ولم يَتَفَرَّقُوا وهذا الذي ذكره أبو الطيب في البيت) وما بعده، إلى التخلص إلى المدح، من المواعظ بفناء الأكاسرة، وهلاك الجبابرة، وموت الأنفس، ليس هذا موضعه من القصائد التي يتغزل فيها بصفات النساء، طلبا لبسط الممدوح، وطربه وسروره، فهذا وضع الشيء في غير موضعه. وما ذلك إلا لأنه من نظم الصبا. وقوله: الطويل وليلٍ دَجُوجيٍّ كأنَّا جَلَتْ لنا ... مُحَيَّاكَ فيه فَاهْتَدَيْنَا السَّمالِقُ قال: ينشد بكسر الكاف من محياك وفتحها. فإذا روي بالكسر: فقبل ذلك ينبغي قوله أن يكون سلي لأنه مخاطب مؤنثا، وإذا كان: سل خاطب مذكرا،

стр. 620

فهو خروج، لم تجر عادة أبي الطيب بمثله؛ لأنه ترك النسيب وخرج إلى ذكر الممدوح. وأقول: إن قوله: أن أبا الطيب لم تجر عادته بمثل هذا الخروج، وقد ذكر قبل هذه القصيدة قوله: الكامل أمَّا بنو مَعْنِ بن أوْسِ بن الرَّضَا ... . . . . . . . . . وهو من اقبح الخروج، تغفل عن مثله! على أن ما ذكره، ليس بقبيح من إنه ترك النسيب وخرج إلى ذكر الممدوح بل من النسيب خرج إليه! وذلك أن قوله: ولَيْلٍ. . . . . . ... . . . . . . . . . قد أضمر فيه: (رب) فالواو للعطف، فينبغي أن يكون على شيء قبله؛ فكأنه قال: فرب فلاة سرنا بها، وليل دجوجي جلت السمالق محياك فيه فاهتدينا، فعلى هذا التقدير لا يكون قبيحا بل حسنا، ومثل هذا التخلص إلى المدح كثير. وقوله: الرجز

стр. 621

يَتْرُكُ في حجَارَةِ الأبَارِقِ آثارَ قَلْعِ الحَلْيِ في المناطِقِ مَشْياً وإنْ يَعْدُ فكالخَنَادقِ قال: إنما المبالغ، في صفة الفرس بالخفة، أن يدّعي لحوافره إنها لا تقع على الأرض من خفته؛ إذ كانوا يشبهون الفرس بالبازي، والصقر، وغيرهما من الطيور. وأقول: إن الذي ذكره، إنما يستعملونه في الأرض السهلة، وأما الأرض الحزنة؛ فبخلاف ذلك. كقول زياد بن منقذ: البسيط يَرْضَخْنَ صُمَّ الحَصَى في كل هَاجِرَةٍ ... كما تَطَايَرَ عن مِرْضَاخِهِ العَجَمُ

стр. 622

وقال النابغة في صفة الحمار والأتان، وهما في ذلك بمنزلة الفرس: الطويل إذا هَبَطا سَهْلاً أثَارا غَيَايَةً ... وإنْ عَلَوَا حَزْناً تَقَضَّتْ جنادِلُ أي: تكسرت. وقال وهو يصف الخيل في أحد التفاسير: الطويل . . . . . . . . . ... ويُوقِدْنَ بالصُّفَّاح نَارَ الحُبَاحِبِ ومثله قوله تعالى: (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً) فهذا، كما ترى، وصف جريها، في الحزن، وشدة اعتمادها عليه، وذلك يدل على غلظ القوائم، وصلابة الحوافر، وعدم اتقائها واحتفالها بالحجارة. وقوله: الرجز يُرِيكَ خُرْقاً وهو عينُ الحَاذِقِ قال: المعنى أن هذا الفرس، إذا رأيت خلقه دلّك على إنه بهيمة، وإذا نظرت إلى معرفته بالأشياء، علمت إنه صاحب معرفة وحذاقة.

стр. 623

وأقول: إن هذا الفرس لحدة قلبه ونشاطه، يريك إنه اخرق، والخرق نقيض الرفق؛ وهو العجلة والتسرع. والفرس يوصف بذلك، وبالجنون أيضا؛ قال امرؤ القيس: الطويل ويَخْضِدُ في الآريِّ حتى كأنما ... به عُرَّةٌ من طائفٍ غيرِ مُعْقِبِ وقوله: . . . وهو عينُ الحَاذِقِ أي: ماهر في الصنعة بما ذكره قبل من معرفته وحسن خصاله فهذا هو التفسير الصحيح، لا ما ذكره من قوله: إذا رأيت خلقه دلّك على إنه بهيمة فإن هذا التفسير لا يقوله أحد. وقوله: البسيط تَسْتَغْرِقُ الكَفُّ فَوْدَيْهِ ومَنْكِبَهُ ... وتَكْتَسِي منه ريحَ الجَوْربِ العَرِقِ قال: تسرف القائل في صفة هذا المذكور بصغر الرأس، وضؤولة الخلق. وأقول: لم يرد ذلك حتى يرى الكف تستغرق الفودين والمنكب معا على وجه التقدير والمساحة، بل لما وصفه بالذلة والطيش، وصفه بأنه يصفع، فجعل اليد تستغرق فوديه، وهما معظم شعر اللمة مما يلي الأذنين؛ وذلك أعلى العنق، تارة، وتارة تستغرق

стр. 624

المنكب، وهو مجتمع ما بين العضد والكتف. والواو لا توجب أن يكون ذلك في وقت واحد حتى تستغرق الكف الفودين والمنكب معا؛ وذلك انك تقول: ضربت زيدا وعمرا فتعلم وقوع الضرب بهما، ولا تعلم كيف وقع في التقديم والتأخير والجمع والتفريق. وقوله: الخفيف جاعِلٌ دِرْعَهُ مَنِيَّتَهُ إنْ ... لم يكُنْ دونَها من العَارِ واقي قال: هذا معنى لطيف، والغرض فيه، إن هذا الذمر لا يلبس درعا؛ لأن العرب تفضل الذي يشهد الحرب حاسرا، على الذي يشهدها دارعا. كقوله: الطويل وأكثرُ مِنَّا ناشئاً يطلب العُلا ... يجالِدُ قِرْناً دَارِعاً وهو حَاسِرُ وأقول: إن المعنى الذي ذكره ليس بشيء! وإنما هو في قولهم: المنية ولا الدنية والنار ولا العار يقول: يجعل الدرع التي يتقي بها المنية، المنية نفسها، فيلبسها إذا لم يجد درعا سواها يقيه العار.

стр. 625

وقوله: الخفيف لو تنكَّرْتَ في المَكَرِّ لقوم ... حَلَفُوا أنَّكَ ابنُهُ بالطَّلاقِ قال: قوله: (ابنه) راجع إلى (المكر)، وقرره بكلام ضعيف، في معنى ضعيف! والصحيح: إنه راجع إلى أبيه المذكور في البيت قبله؛ أي: لو تنكرت في موضع الحرب لقوم، لتبين لهم من أفعالك فيه بالشجاعة والبأس، ما يحملهم على اليمين بأنك ابن علي؛ لاشتهار أفعال أبيك، وإنها لا يفعلها إلا من هو منه. وقوله: الخفيف كيفَ يَقْوَى بكفِّكَ الزَّنْدُ والآ ... فَاقُ فيها كالكَفِّ في الآفَاقِ قال: هذا من قول مروان بن أبي حفصة: الطويل ويا قَبْرَ مَعْنٍ كيفَ وارَيْتَ جودَهُ ... وقد كان منه البَرُّ والبَحْرُ مُتْرَعَا والصحيح إنه للحسين بن مطير.

стр. 626

وقوله: المنسرح بِضَرْبِ هَامِ الكُمَاةِ تَمَّ له ... كَسْبُ الذين يَكْسِبُونَ بالمَلَقِ قال: يريد أنه على ما يلحق بالأعداء محبوب؛ كأنه يقتلهم بلين. وأقول: هذا التفسير على رواية من روى: (يضرب) فعل مضارع و (ثم) حرف عطف، وهو تصحيف، والصحيح: (بضرب) اسم مصدر و (تم) فعل ماض؛ يريد إن هذا الممدوح يتم له، بضرب الكماة، من كسب المال، ما يتم لغيره من كسبه بالملق؛ أي: باللين والتذلل. والبيت الذي بعده يدل عليه. وهو قوله: المنسرح كُنْ لُجَّةً أيُّهَا السَّمَاحُ فقد ... آمَنَهُ سَيْفُهُ من الغَرَقِ أي: كن أيها السماح؛ أي: العطاء، كثيرا، فانك لا تغرقه؛ أي: لا تجحف به وتفقره؛ لأن سيفه يؤمنه من ذلك، بما يأخذه من مال أعدائه. فهذا هو المعنى، وهو مرتب على ما قبله.

стр. 627

وقوله: البسيط رُبَّ نَجِيعٍ بسَيْفِ الدَّولةِ انْسَفَكَا ... ورُبَّ قَافِيةٍ غَاظَتْ به مَلِكَا قال: لم يزاحف أبو الطيب زحافا ينكره الطبع، إلا في هذا الموضع، ولا ريب إنه قاله على البدية، ولو أن لي حكما لقلت: كَمْ مِنْ نَجِيعٍ. . . . . . ... . . . . . . . . . لأن (ربّ) تدل على القلة، ويجب أن يصف كثرة سفكه دماء الأعداء. ويحسن ذلك أن (ربّ) جاءت في النصف الثاني، وهي ضد (كم). وأقول: إن قوله: (رب: للقلة) فكذلك هي، إلا إنها قد استعملت في مواضع كثيرة، للكثرة. كقول الأعشى: الخفيف رُبَّ رَفْدٍ هَرَقْتَهُ ذلك اليَوْ ... مَ وأسْرَى من مَعْشَرٍ أقْتَالِ وقول سويد: الرمل رُبَّ من أنضجتُ غَيْظاً صَدْرَهُ ... قد تَمَنَّى لِيَ موتاً لم يُطَعْ وغير ذلك من الشعر. وهذا لا يحسن أن يراد به القلة؛ لأنه في موضع مدح وفخر،

стр. 628

فإذا كانت كذلك ف (رب) للكثرة في أول النصفين. وقوله: ويحسن من ذلك، أن (ربّ) جاءت في النصف الثاني وهي ضد كم لعله أراد بالتحسين الطباق بالكثرة والقلة، وهذا، وإن كان تحسينا في اللفظ، فهو تقبيح في المعنى؛ لأن فيه قلة غيظ الملوك به، وحسدهم له، بل الصحيح أن إتيانه بالزحاف، وان لم يكن قبيحا، حسّن تكميل المعنى، وتطابق النصفين في الصحة بذكر الكثرة فيهما على مذهب العرب. وقوله: البسيط مَنْ يَعْرِفِ الشَّمْسَ لا يُنْكِرْ مَطَالِعَها ... أو يُبْصِرِ الخَيْلَ لا يَسْتْرِمِ الرَّمَكَا قال: الرمكة: أنثى البرذون، ولم تجئ في الشعر إلا أن يكون شاذا، لأنها إذا جاءت في حشو البيت اجتمعت فيها أربعة حروف متحركة، وذلك مستثقل. وأقول: إن تعليله بذلك يقتضي أن لا يجيء شيء من الثلاثي، المحرك العين، المؤنث بالتاء في الشعر، وهذا لا يقوله أحد. ويقال له: وإذا استثقل حشوا، فلم لم يجيء آخرا؟ لأنه ينقص بالوقف حركة فيخف وتذهب العلة المانعة من ذلك؛ كقول ابن الرومي: البسيط

стр. 629

شَهْرُ الصِّيامِ وإن عَظَّمْتُ حُرْمَتَهُ ... شهرٌ طويلٌ ثَقيلُ الظِّلِّ والحَرَكَهْ! يَمْشي الهُوَيْنَى وأمَّا حينَ يُدْرِكُنَا ... فلا السُّلَيْكُ يُدَانِيهِ ولا السُّلكَهْ كأنه طالبٌ ثأراً على فَرَسٍ ... أجَدَّ في إثْر مَطْلُوبٍ على رَمَكَهْ يا صِدْقَ من قال: أيامٌ مبارَكَةٌ ... إنْ كانَ يَكْنِي عن اسم الطُّولِ بالبَرَكَهْ وقوله: الوافر يُحَرِّمُ أنْ يَمَسَّ الطيبَ بَعْدي ... وقد عَبِقَ العَبيرُ به وصَاكَا لم يذكر معناه! وهو من قول امرئ القيس: البسيط ألَمْ تَرَيَاني كُلَّمَا جئتُ طارقاً ... وَجَدْتُ بها طيباً وإنْ لم تَطَيَّبِ

стр. 630

وقوله: الوافر وما أنَا غَيْرُ سَهْمٍ في هَواءٍ ... يَعودُ ولم تَجِدْ فيه امْتِسَاكَا قال: لم يقل في سرعة الأوبة، وتقليل الشيء كهذا. وأقول: إنه لم يرد السرعة في العود إليه والتقليل؛ لأن ذلك في غاية التثقيل. وإنما أراد إنه لابد أن يعود إلى خدمته، وهو غير متماسك من الشوق؛ كالسهم الذي يرمى به إلى فوق فلا بد أن يعود إلى الرامي إذا انقطع اعتماده بحركته القسرية إلى خلاف جهة حركته الطبيعية. فكأنه يقول: وذلك من أحسن تدقيق في المعنى، ورشاقة في اللفظ، أن حركتي: عنك وبعدي بالقسر، وحركتي: إليك وقربي بالطبع، كالسهم الذي يرمي به في الهواء. وقوله: الوافر وكنتُ أعِيبُ عَذْلاً في سَماحٍ ... فهَا أنَا في السَّمَاحِ له عَذُولُ قال: المعنى، أني كنت أعيب عذلا في السماح، فلما دام هذا المطر، عذلته في الدوام؛ لأنه قد منعنا من السير.

стр. 631

وأقول: إن هذا التفسير فيه مناقضة لما ذكره أبو الطيب من قوله: الوافر رويدك وتأي: وَجُودَك بالمقام، ولو قليلاً ... . . . . . . . . . فإذا حصل له ذلك بدوام المطر، كيف يلومه؟ بل ينبغي له، أن يحمده، لحصول ما أراده. ومعنى عذله للسحاب في سماحه، إنما يكون بسبب كثرته، وما يلحق فيه من الكلفة والمشقة، وان كان مع كثرته، غير مانع لسيف الدولة من المسير، وثان عزمه عن الرحيل، ولهذا قال بعده: الوافر وما أخْشَى نُبُوَّكَ عن طَريقٍ ... وسَيْفُ الدَّولة الماضي الصَّقِيلُ وقوله: المتقارب فَلَمَّا نَشِفْنَ لَقِينَ السِّياطَ ... بِمِثْلِ صَفَا البَلَدِ المَاحِلِ قال: لأن عرق الخيل ابيض، فلما يبس على ظهورها، لقيت السياط بمثل صفا البلد الماحل؛ أي انها مبيضة بالعرق. وأقول: إنه لم يرد البياض؛ وإنما أراد الصلابة، وخص صفا البلد الماحل لأنه

стр. 632

أبعد عهدا بالمطر من غيره؛ فهو أصلب وهذا مثل قول امرئ القيس: المتقارب لهَا عَجُزٌ كَصَفاةِ المسي ... لِ أبرَزَ عنها جُحَافٌ مُضِرّْ ومثل قول علقمة: البسيط هل يُلْحِقَنِّي بأخرى الحَيِّ إنْ شحَطُوا ... جِلْذِيَّةٌ كأتَانِ الضَّحْلِ عُلْكُومُ وقوله: المتقارب وما بينَ كاذَتَي المُسْتَغيرِ ... كما بين كاذَتي البائلِ قال: شبه العرق ونزوله بنزول البول. قال: وقد ذهب من فسر هذا البيت، إلى أن الفرس إذا أعيا، تباعد ما بين فخذيه؛ فكأنه فرجهما ليبول. وأقول: إن الفرس الجواد، يوصف بتباعد ما بين اليدين والرجلين؛ لأن قربهما هو الصكك، وقد قال زهير: البسيط . . . . . . . . . ... . . . لا فَحَجٌ فيها ولا صَكَكُ فكأنه بالغ في ذلك حتى جعله كالبائل.

стр. 633

وقوله: المتقارب فإنَّ الحُسَامَ الخَضِيبَ الذي ... قُتْلِتُمْ به في يَدِ القَاتِلِ قال: الخضيب: الذي من شانه ان يخضب؛ أي: بمعنى خاضب، وأنشد: الوافر كذَبْتُمْ والذي رَفَعَ المعَالي ... ولمَّا يَخْضِبِ الأسَلَ الخَضِيبُ قال: ويعني بالحسام سيف الدولة. قلت: ويكون، على هذا التفسير، القاتل هو الله، وسيف الدولة، سيفه في يده يضرب به أعداءه كقوله: الطويل . . . . . . . . . ... وفي يدِ جَبَّارِ السَّموات قائِمُهْ وهو من قول أبي تمام الطويل . . . . . . . . . ... لِحَدِّ سِنَانٍ في يَدِ اللَّه عامِلُهْ ويحتمل معنى آخر، وهو أن يكون الخضيب بمعنى المخضوب، ويكون صفة سيف الدولة وهو هاهنا القاتل؛ أي: سيفه معد لكم، أن عدتم كما عهدتم.

стр. 634

وقوله: البسيط أعْلَى الممالكِ ما يُبْنَى على الأسَلِ ... والطَّعْنُ عند مُحِبِّيهنَّ كالقُبَلِ قال: أي: ما وصل إليه اقتسارا وغلابا بالطعن، لا ما جاء عفوا. وأقول: إنه لما وصف الممالك بالعو والارتفاع، وتلك من صفات ما يبنى، جعل الرماح لها أساسا؛ لأنها بها تثبت، وعليها تعلو؛ كأنه يقول: إنما تثبت الممالك وتعلو بطعان الأعداء وقتالهم، لا بالمسالمة والموادعة، وهذا مثل قوله: الطويل وكَيْفَ تُرَجِّي الرومُ والروسُ هَدْمَهَا ... وذَا الطَّعْنُ أساسٌ لها ودَعَائِمُ وقوله: البسيط الفَاعِلُ الفِعْلَ لم يُفْعَلْ لشِدَّتِهِ ... والقائلُ القَوْلَ لم يُتْرَكْ ولم يُقَلِ لم يذكر في هذا البيت ما يحسن ذكره فيستفاد معناه! والمعنى، أن سيف الدولة يفعل فعلا لا يستطيع أحد مثله لصعوبته، ويقول قولا لا يقدر أحد يقول مثله لفصاحته وبلاغته.

стр. 635

وقوله: . . . . . . . . . ... . . . . . . لم يُتْرَكْ ولم يُقَلِ أي: مطمع ممتنع. ويحتمل أن يكون معنى: لم يترك أي: يقول قولا، منه ما هو امر، فلا يترك؛ لأن امتثاله واجب. ومنه ما هو غير أمر، من بيان في نثر، أو نظم، فلم يقل مثله. وقوله: البسيط قد عَرَّض السَّيْفَ دونَ النَّازلاتِ بهِ ... وظَاهَرَ الحَزْمَ دونَ النَّفْسِ والغِيَلِ قال: ظاهر الحزم: أي: جعل بعضه فوق بعض، كما يظاهر الرجل بين درعين. وأقول: ويحتمل ان يكون المظاهرة بين السيف والحزم، فيكون كل واحد منهما كالدرع. كقوله: الوافر لقَوْهُ حاسِراً في دِرْعِ ضَرْبٍ ... دَقيقِ النَّسْجِ مُلْتَهِبِ الحَواشِي وقوله: البسيط بذِي الغَبَاوَةِ من إنْشَادِهَا ضَرَرٌ ... كما تُضِرُّ رِيَاحُ الوَرْدِ بالجُعَلِ
следующие страницы →