← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وأقول: إن هذا التفسير فيه مناقضة لما ذكره أبو الطيب من قوله: الوافر رويدك وتأي: وَجُودَك بالمقام، ولو قليلاً ... . . . . . . . . . فإذا حصل له ذلك بدوام المطر، كيف يلومه؟ بل ينبغي له، أن يحمده، لحصول ما أراده. ومعنى عذله للسحاب في سماحه، إنما يكون بسبب كثرته، وما يلحق فيه من الكلفة والمشقة، وان كان مع كثرته، غير مانع لسيف الدولة من المسير، وثان عزمه عن الرحيل، ولهذا قال بعده: الوافر وما أخْشَى نُبُوَّكَ عن طَريقٍ ... وسَيْفُ الدَّولة الماضي الصَّقِيلُ وقوله: المتقارب فَلَمَّا نَشِفْنَ لَقِينَ السِّياطَ ... بِمِثْلِ صَفَا البَلَدِ المَاحِلِ قال: لأن عرق الخيل ابيض، فلما يبس على ظهورها، لقيت السياط بمثل صفا البلد الماحل؛ أي انها مبيضة بالعرق. وأقول: إنه لم يرد البياض؛ وإنما أراد الصلابة، وخص صفا البلد الماحل لأنه

стр. 632

أبعد عهدا بالمطر من غيره؛ فهو أصلب وهذا مثل قول امرئ القيس: المتقارب لهَا عَجُزٌ كَصَفاةِ المسي ... لِ أبرَزَ عنها جُحَافٌ مُضِرّْ ومثل قول علقمة: البسيط هل يُلْحِقَنِّي بأخرى الحَيِّ إنْ شحَطُوا ... جِلْذِيَّةٌ كأتَانِ الضَّحْلِ عُلْكُومُ وقوله: المتقارب وما بينَ كاذَتَي المُسْتَغيرِ ... كما بين كاذَتي البائلِ قال: شبه العرق ونزوله بنزول البول. قال: وقد ذهب من فسر هذا البيت، إلى أن الفرس إذا أعيا، تباعد ما بين فخذيه؛ فكأنه فرجهما ليبول. وأقول: إن الفرس الجواد، يوصف بتباعد ما بين اليدين والرجلين؛ لأن قربهما هو الصكك، وقد قال زهير: البسيط . . . . . . . . . ... . . . لا فَحَجٌ فيها ولا صَكَكُ فكأنه بالغ في ذلك حتى جعله كالبائل.

стр. 633

وقوله: المتقارب فإنَّ الحُسَامَ الخَضِيبَ الذي ... قُتْلِتُمْ به في يَدِ القَاتِلِ قال: الخضيب: الذي من شانه ان يخضب؛ أي: بمعنى خاضب، وأنشد: الوافر كذَبْتُمْ والذي رَفَعَ المعَالي ... ولمَّا يَخْضِبِ الأسَلَ الخَضِيبُ قال: ويعني بالحسام سيف الدولة. قلت: ويكون، على هذا التفسير، القاتل هو الله، وسيف الدولة، سيفه في يده يضرب به أعداءه كقوله: الطويل . . . . . . . . . ... وفي يدِ جَبَّارِ السَّموات قائِمُهْ وهو من قول أبي تمام الطويل . . . . . . . . . ... لِحَدِّ سِنَانٍ في يَدِ اللَّه عامِلُهْ ويحتمل معنى آخر، وهو أن يكون الخضيب بمعنى المخضوب، ويكون صفة سيف الدولة وهو هاهنا القاتل؛ أي: سيفه معد لكم، أن عدتم كما عهدتم.

стр. 634

وقوله: البسيط أعْلَى الممالكِ ما يُبْنَى على الأسَلِ ... والطَّعْنُ عند مُحِبِّيهنَّ كالقُبَلِ قال: أي: ما وصل إليه اقتسارا وغلابا بالطعن، لا ما جاء عفوا. وأقول: إنه لما وصف الممالك بالعو والارتفاع، وتلك من صفات ما يبنى، جعل الرماح لها أساسا؛ لأنها بها تثبت، وعليها تعلو؛ كأنه يقول: إنما تثبت الممالك وتعلو بطعان الأعداء وقتالهم، لا بالمسالمة والموادعة، وهذا مثل قوله: الطويل وكَيْفَ تُرَجِّي الرومُ والروسُ هَدْمَهَا ... وذَا الطَّعْنُ أساسٌ لها ودَعَائِمُ وقوله: البسيط الفَاعِلُ الفِعْلَ لم يُفْعَلْ لشِدَّتِهِ ... والقائلُ القَوْلَ لم يُتْرَكْ ولم يُقَلِ لم يذكر في هذا البيت ما يحسن ذكره فيستفاد معناه! والمعنى، أن سيف الدولة يفعل فعلا لا يستطيع أحد مثله لصعوبته، ويقول قولا لا يقدر أحد يقول مثله لفصاحته وبلاغته.

стр. 635

وقوله: . . . . . . . . . ... . . . . . . لم يُتْرَكْ ولم يُقَلِ أي: مطمع ممتنع. ويحتمل أن يكون معنى: لم يترك أي: يقول قولا، منه ما هو امر، فلا يترك؛ لأن امتثاله واجب. ومنه ما هو غير أمر، من بيان في نثر، أو نظم، فلم يقل مثله. وقوله: البسيط قد عَرَّض السَّيْفَ دونَ النَّازلاتِ بهِ ... وظَاهَرَ الحَزْمَ دونَ النَّفْسِ والغِيَلِ قال: ظاهر الحزم: أي: جعل بعضه فوق بعض، كما يظاهر الرجل بين درعين. وأقول: ويحتمل ان يكون المظاهرة بين السيف والحزم، فيكون كل واحد منهما كالدرع. كقوله: الوافر لقَوْهُ حاسِراً في دِرْعِ ضَرْبٍ ... دَقيقِ النَّسْجِ مُلْتَهِبِ الحَواشِي وقوله: البسيط بذِي الغَبَاوَةِ من إنْشَادِهَا ضَرَرٌ ... كما تُضِرُّ رِيَاحُ الوَرْدِ بالجُعَلِ

стр. 636

قال: يقول: شعري إنما يعرف جودته من هو صحيح الفكر سليم النظر فإن كان بضد ذلك، نال منه كما ينال الورد من الجعل، وإن كان مستلذا له، في الحقيقة. وأقول: فليت شعري! من أين علم أن الجعل تستلذ بالورد على الحقيقة وذلك شيء لا يعلمه ويخبر به إلا جعل؟!! والمعنى إن شعري كالورد، يستلذه وينتفع به النبيه الفاضل، ويستضر به الخسيس الجاهل، كاستضرار الجعل بالورد. وقوله: الطويل تَيُلُّ الثَّرَى سُوداً من المِسْكِ وَحْدَهُ ... وقد قَطَرَتْ حُمْراً على الشَّعَرِ الجَثْلِ قال في آخر شرح البيت - بعد تطويل -: قوله: وحده: أي: إنما سواده من المسك وحده لا الكحل. وأقول: هذا وهم! لأن قوله: وقد قطرت حمرا ينفي أن يكون من الكحل. وإنما

стр. 637

قوله: وحده احترازا من السخم الذي تفعله النساء في الحزن كما قال: الوافر . . . . . . ... يَضَعْنَ النِّفْسَ أَمْكِنَةَ الغَوالي وقوله: الكامل إنِّي لأبْغِضُ طيفَ من أحْبَبْتُهُ ... إذ كانَ يَهْجُرُنا زَمَانَ وِصَالِهِ قال: قال في أول القصيدة: لا الحُلْمُ جَادَ به ولا بِمِثَالِهِ ... . . . . . . فزعم، أن الحلم لا يصل إلى أن يريه الخيال. ثم ذكر بعد ذلك، إنه مبغض طيف من أحب. قال: وهذا يسمى الاكذاب كقول زهير: البسيط قِفْ بالدِّيارِ التي لم يَعْفُهَا القِدَمُ ... بَلَى وغَيَّرَهَا الأرواحُ والدِّيَمُ وأقول: إن أبا الطيب، لم يكذب نفسه؛ لأنه لم يخبر في الأول إنه يحب الطيف، ثم أخبر بعد إنه يبغضه. وإنما قال: لم يجد الحلم به لو لم أتذكره، فالخيال في النوم إنما رآه بسبب الذكر، وذلك لا يدل على إنه أحب الخيال؛ لأن الخيال إنما عرض له في النوم اتفاقا بسبب الذكر للحبيب، ولم يكن الخيال من قصده، فلا يسمى ذلك اكذابا

стр. 638

ولا مناقضة، ولكنه مناقضة من وجه آخر وهو قوله: الكامل بِتْنَا يُنَوِلُنا المُدامَ بكَفِّهِ ... . . . . . . وقوله: الكامل . . . . . . ... ونَنَالُ عَيْنَ الشَّمْسِ من خَلْخَالهِ ثم قال: إني لأبغض طَيْفَ من أحْبَبْتُهُ ... . . . . . . فكيف ابغضه وقد بات يناول المدام على ما ذكر لولا التغفل؟! وقوله: المتقارب جَعَلْتُكَ بالقَلْبِ لي عُدَّةً ... لأنَّكَ باليَدِ لا تُجْعَلُ

стр. 639

قال: أي جعلتك في قلب الجيش لي عُدة؛ لا تجعل في شمال الجيش، ولا في يمناه؛ إذ كان عميد الجيش إنما يكون في القلب. قال: هذا وجه، ووجه آخر، وهو أجود، أن يريد الشاعر قلب نفسه؛ أي: جعلتك عدتي بقلبي؛ لأنك أجل من أن تجعل باليد؛ لأنها إنما تصرف فيما صغر من الأشياء، والقلب يتسع في الضمير، حتى يضم ما لا يدرك. وأقول: الوجه الصحيح، هو الثاني إلا إنه لم يعبر عنه بعبارة حسنة، وكان الجيد أن يقول: أنك يا سيف الدولة، لست بمنزلة السيوف التي يعتد بها في اليد من الحديد! أنت أعظم وأشرف من ذلك؛ إنما يعتد بك في القلب بصدق الولاء والمحبة. وقوله: البسيط أشكو النَّوَى ولَهُمْ من عَبْرَتي عَجَبٌ ... كذَاكَ كانَتْ وما أشكو سوى الكِلَلِ قال: يقول: أشكو النوى، وأصحابي يتعجبون من عبرتي، وليس ينبغي أن يتعجبوا لذلك؛ لأنها كانت على ما شاهدوه، والذي أحب قريب، ليس بيني وبينه سوى الكلل.

стр. 640

وأقول: وهذا هو المعنى، إلا إنه زاد فيه بعد هذا ما لا يؤديه اللفظ. وهو قوله: فكيف بي إذا اجتمعت الكلل مع البعد؟ وهذا البيت مثل قول أبي تمام: البسيط لا أظْلِمُ النأيَ قد كانَتْ خلائِقُهَا ... من قَبْلِ وَشْكِ النَّوى عندي نَوىً قَذَفَا وقوله: البسيط ما بَالُ كلِّ فُؤَادٍ في عَشِيرتِهَا ... به الذي بي ومَا بي غَيْرُ مُنْتَقِلِ ذكر في تفسير معناه، ما لا يليق ذكره. والصحيح، ما قاله الواحدي. قال: يعني أن قومها يحبونها كحبي إياها، فهي بعيد مرامها، منيع وصالها، وهم دونها، وذلك مما يؤنس من الوصول إليها، وإذا وقع الياس دعا إلى السلو، ومع ذلك فأني لا أسلو، ولا ينتقل ما بي من الهوى. وقوله: البسيط تُمْسِي الأمَانيُّ صَرْعَى دون مَبْلَغِهِ ... فما يقولُ لِشَيءٍ لَيْتَ ذلك لي

стр. 641

قال: أي دون أن تبلغ إلى قلبه أو لسانه فتجري عليه. وأقول: إن معنى قوله: دون مبلغه أي دون بلوغه الأشياء. يقول: إنه قد بلغ من الأشياء ما تقصر الأماني عن بلوغه. فهو لا يقول: ليت؛ لأن ليت للتمني، والتمني، إنما يكون للشيء الذي لم يحصل. وقوله: البسيط انظُرْ إذا اجتمَعَ السَّيفان في رَهَجٍ ... إلى اختلافِهِمَا في الخَلْقِ والعَمَلِ قال: يعني بالسيفين سيف الدولة، والسيف الذي يقاتل به، وهما مختلفان في الخلق والعمل، لأن بني آدم لا يشبهون السيوف في الخلق، والسيف في الحقيقة لا يعمل شيئا، إنما يعمل به الإنسان. وأقول: إن هذا البيت، تفسيره فيما بعده. وهو قوله: البسيط هذا المُعَدُّ لرَيْبِ الدَّهْرِ مُنْصَلِتاً ... أعدَّ هذَا لِرأسِ الفَارِس البَطَلِ أي: إن سيف الدولة معد لريب الدهر، يقطعه بجوده. وسيفه معد لقطع رأس البطل بحده، فاختلفا لذلك، فكان سيف الدول أعظم منه، لأن فعله أعظم من فعله، وشكله أكمل من شكله.

стр. 642

وقوله: الوافر شديدُ البُعْدِ من شُرْبِ الشَّمولِ ... تُرُنْجُ الهِنْدِ أو طَلْعُ النَّخِيلِ قال: رفع ترنج الهند بالابتداء، كأنه قال: بين يديك، أو في مجلسك ترنج الهند؛ لأنه حذف من الأول المبتدأ، ومن الثاني الخبر؛ لأنه مشاهد. فدلت الحال على ما أضمره؛ كما تقول إذا رأيت رجلا سدد سهما إلى القرطاس، فسمعت صوته: القرطاس والله! أي: أصاب القرطاس. قال: فان قيل: وما في أخباره عما في مجلسه، وهو بحضرته، من الفائدة؟ وهل كان يشك في ذلك فيجوز الإخبار عنه؟ قيل: إنما جاز ذلك لأنه ثناء عليه. فيقول له: أنت شديد البعد من شرب الشمول، وإن كان بين يديك ما يحضر، في أكثر الأوقات، للشرب. فأثنى عليه ونفى عنه الظنة. وأقول: إن تقديره حذف المبتدأ من النصف الأول وهو أنت صواب، وتقديره حذف الخبر من النصف الثاني، وهو بين يديك أو في مجلسك، خطأ لأن التقدير الأول مفيد، والثاني غير مفيد. والصواب أن يقدر الخبر المحذوف: ما تصنع به؟ أو: ما حاجتك إليه؟ كأنه قال: أنت شديد البعد من شرب الشمول، ترنج الهند، أو طلع النخيل، ما تصنع به،

стр. 643

وهو من آلات الشرب؟ ثم استدرك السؤال بقوله في البيت الذي يليه: الوافر ولكنْ كلُّ شيءٍ فيه طِيبٌ ... لديكَ من الدَّقيق إلى الجَليلِ وكذلك البيت الثالث. وقوله: الطويل وأضْحَتْ بحصْنِ الرَّانِ رَزْحَى من الوَجَى ... وكلُّ عَزِيزٍ للأميرِ ذَلِيلُ قال: اعتذر للخيل، أي: لم يلحقها ذلك لضعفها، ولكنه كلفها من همه صعبا. وأقول: ليس هذا عذر للخيل، وإنما النصف الثاني جملة وقعت حالا من الخيل خبرا؛ أي: أضحت الخيل رزحى بحصن الران، في حال ذل فيها كل عزيز ممن ذكره لسيف الدولة. وقوله: الخفيف قارَعَتْ رُمْحَكَ الرِّماحُ ولكِنْ ... تَرَكَ الرَّامحين رُمْحُكَ عُزْلا

стр. 644

قال: يقول: قارعت الرماح رمحك، فترك الرامحين عزلا؛ أي: لا سلاح معهم. وأقول: إنه لم يأت في تفسيره بشيء يزيد على ما في لفظه، سوى أن بين أن قوله: عزلا لا سلاح معهم! وهذا الذي ذكره أبو الطيب كرره لفظا، ولم يبين له معنى! والمعنى: أن رمحك جعل الرامحين بمنزلة العزل، فهم، وإن كانوا ذوي رماح، كمن لا رماح معهم، وذلك أما لحذقك بالطعن فبطلت رماحهم به، وأما لخوفهم منه، فضعفت أيديهم بالرماح؛ فصار وجودها كعدمها. وقوله: الخفيف يَجْمَعُ الرُّومَ والصقاِلَبَ والبُلْ ... غَرَ فيها وتجمَعُ الآجَالاَ قال: الآجال: جمع أجل؛ أي: يجمع آجالهم ومناياهم. وأقول: إنه لم يرد آجالهم مخصصا لهم، وإنما أراد الآجال على الإطلاق؛ أي: المنايا والحتوف، وذلك أبلغ في المعنى للعموم، وأشبه باللفظ للألف واللام.

стр. 645

وقوله: الخفيف وقِسِيٍّ رُمِيتَ عنها فَرَدَّتْ ... في قُلوبِ الرُّماةِ عنكَ النَّصَالاَ قال: أي: لما هزموا اخذ سرلاحهم، فقوتلو به. وأقول: وهذا ليس بشيء! وإنما ذكر القسي مثلا للمكائد؛ أي: أعدوا لك مكائد فعادت عليهم. وقوله: الخفيف كلَّمَا صَبَّحَتْ ديارَ عَدُوٍّ ... قالَ: تلك الغُيوثُ هذي السُّيُولُ قال: المعنى: الغيوث التي هي نعم على قوم، حدثت منها سيول هي نقم على آخرين. وأقول: إنه عنى بالسيول الدماء في الكثرة، لأن النعم التي ذكر إنها تحيي مواليه وتقتل أعاديه، وعددها، وهي أربعة أنواع من آلات الحرب، وبها تراق الدماء كثيرة

стр. 646

كالغيوث، فأخبر عن كثرة ما تريقه من الدماء بالسيول. وقوله: الخفيف لو تَحَرَّفْتَ عن طَريق الأعادي ... ربَطَ السِّدْرُ خَيْلَهُمْ والنَّخيلُ قال: لو ملت عن طريق الأعادي، لساروا حتى يربطوا خيلهم في السدر والنخيل، فكأنه قلب المعنى فجعل السدر والنخيل يربط خيل الأعداء. وأقول: لم يذكر معنى البيت، وهو ما ذكره الواحدي؛ أي: لو ملت عن طريق الروم، لساروا فأوغلوا في ديار العرب حتى يربطوا خيولهم بالسدر والنخيل؛ يريد بهذا الغض ممن بالعراق، ومصر من الملوك، والرفع من شانه. وقوله: الخفيف وسِوَى الرُّومِ خَلْفَ ظَهْرِك رُومٌ ... فعَلَى أيِّ جَانِبَيْكَ تَمِيلُ قال: أي: أعداؤك كثير، وليس الروم أعداء، بل هم دون غيرهم فلأيهم تقاتل؟

стр. 647

وأقول: المعنى في هذا البيت: إشارة أيضا إلى من بمصر، والعراق من الملوك، لأنه جعل سيف الدولة مستقبلا بلاد الروم بسبب الغزو، وجعل أولئك خلف ظهره عن منكبيه، فقال: إن الذي وراءك أيضا روم، وفي ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعطيلهم الحدود، واشتهارهم بالفسوق. وبين هذا، فيما بعد، في قوله: ما الذي عندَهُ تُدَارُ المنَايا ... كالذي عِنْدَهُ تُدَارُ الشَّمُولُ وقوله: الكامل وجَعَلْتُ ما تُهدي إليَّ هديَّةً ... منِّي إليك وظَرْفَهَا التَّأمِيلاَ قال: يحتمل المعنى وجهين: أحدهما: أن يكون أهدى إليه شيئا، كان أهداه إليه الممدوح. والآخر: أن يكون أراد: جعلت ما من عادتك أن تهديه إلي، وتزودينه وقت فراقك هدية مني إليك؛ أي: أسألك أن لا تتكلف لي. قال: والقول الأول أشد انكشافا واظهر، والثاني أقوى وألطف. قال: وظرفها التأميلا أي: جعلت تأميل قبولك ذلك، مشتملا على هذه الهدية،

стр. 648

كاشتمال الظرف على ما فيه وأقول: لم يصب في الوجهين اللذين ذكرهما؛ لأن أبا الطيب لم يكن ممن يهدي لأحد شيئا، ولا ممن يقنع بعطاء فيسأل أن لا يتكلف له فيه! والمعنى: أني جعلت الهدية التي تهديها إلي؛ أي: العطاء الذي تعطينيه، لسرورك به، هدية مني إليك؛ أي كأني أتحفتك بتحفة وذلك لفرط جودك. وقوله: وظرفها التأميلا أي: وجعلت ظرف الهدية، وهي عطاء الممدوح، التأميل. وهذا المعنى قد لطفّه هاهنا، وهو في مواضع كثيرة من شعره كقوله: الوافر قبولُكَ مَنَّهُ مَنٌّ عليه ... . . . . . . وقوله: المتقارب . . . . . . ... فَتىً لا يُسَرُّ بما لا يَهَبْ وقوله: الوافر وأسْعَدُ من رأيْنَا مُسْتَمِيحٌ ... يُنِيلُ المُسْتَمَاحَ بأنْ يَنَالاَ وأشباه ذلك. وأصله قول زهير: الطويل . . . . . . ... كأنَّكَ تُعْطيهِ الذي أنتَ سائِلُهْ

стр. 649

وقوله: الخفيف بطُلُولٍ كأنَّهُنَّ نُجُومٌ ... في عِرَاصٍ كأنَّهُنَّ لَيَالي قال: شبه الطلول بالنجوم؛ لأنها عنده مستحسنة، لأجل من كان يحلها ممن يحب، والعراص كالليالي؛ لأن المرتحلين عنها كانوا فيها كضياء النهار، فلما فارقوها ذهب نورها. وأقول: إنه شبه الأطلال وهي ما شخص من آثار الدار، بالنجوم للاهتداء بها، والعراص بالليالي، لدروسها بعد الأحباب وخفائها. فالعراص لا يهتدي فيها إلا بالأطلال، كالليالي لا يهتدي فيها إلا بالنجوم. وقوله: الرجز ذي ذَنَبٍ أجْرَدَ غَيْرِ أعْزَلِ كأنَّهُ من جِسْمِهِ بِمَعْزِلِ قال: هو من سرعته وحدته يكاد يترك جسمه وينعزل.

стр. 650

أقول: وجعل ذلك من صفة الكلب، وانشد عليه استشهادا، وهو قول ابن جني. وأقول: ليس ذلك من صفة الكلب، وإنما هو من صفة الذنب. ويدل عليه قوله: لو كانَ يُبْلِي السَّوْطَ تَحْريكٌ بَلِي وجعل ابن جني هذا من صفة الكلب ايضا، لما جعل الذي قبله من صفته، وجعله التبريزي من صفة الذنب فخبط! وقوله: الرجز لا يأتَلِي في تَرْكِ أنْ لا يَأتَلِي قال: معناه: لا يقصر في ترك أن لا يقصر. أقول: ولم يذكر هنا أن (لا) زائدة، وهو يذكر أشياء لا حاجة إليها، ولا فائدة فيها! وأقول: إنما قدر هنا زيادة (لا) لئلا يفسد المعنى، وذلك لأن نفي النفي إيجاب،

стр. 651

لأنك إذا قلت: فلان لا يقصر في ترك أن يقصر، وكانت أن والفعل بمعنى المصدر فكأنك قلت: لا يقصر في ترك التقصير، وترك التقصير جد. فإذا قلت: في ترك أن لا يقصر، فكأنك قلت: لا يقصر في ترك الجد، وترك الجد تقصير! فلهذا قدر زيادة (لا) وهي كثير ما تزاد زيادة في الكلام والشعر. وقوله: المنسرح يُقْبِلُهُمْ وَجْهَ كلِّ سابِحَةٍ ... أرْبَعُهَا قَبْلَ طَرْفِهَا تَصِلُ قال: هذا اسراف في المبالغة، يخرج إلى الكذب الذي لا يجوز مثله! ومع هذا فإن القوائم إذا وصلت قبل الطرف فقد وصف النظر بالضعف. وأقول: إنه إذا فضّل عدوها على طرفها في السرعة، لا يدل على وصف النظر بالضعف. وكذلك إذا وصفوا الفرس بأنه يسبق البرق في السرعة، لا يدل على فتور البرق وضعفه؛ لأن ذلك قد عرف في السرعة، وكذلك طرف الفرس الجواد، قد عرف بالحدة؛ قال: الهزج حديدُ الطَّرفِ والمِنْكَبِ والعُرْقوبِ والقَلْبِ فإذا فضل عليه عدوه، لا يدل على ضعفه، بل إنما يراد به المبالغة.

стр. 652

وقوله: المنسرح قُصِدْتَ من شَرْقِهَا ومَغْرِبِهَا ... حَتَّى اشْتَكَتْكَ الرِّكابُ والسُّبُلُ قال: في هذا البيت مبالغتان؛ إحداهما يجوز أن يكون مثلها: وهو ادعاؤه أن الركاب تشتكي الممدوح من كثرة ما تركب إليه. فهذا يجوز مثله، لأنها إذا صارت انضاء، وأخذ منها السير فكأنها تشتكيه. والأخرى: ادعاؤه أن السبل تشتكيه؛ أي: الطرق؛ وهذا ما لا يمكن أن يكون. وأقول: يقال له: اشتكاء الإبل والطرق مجاز لا حقيقة، فلا يمكن أن يكون، وإذا جوزت ذلك في الإبل لكثرة ما تركب إليه وينضيها السير، فلم لا يجوز مثل ذلك في الطرق لكثرة ما تركب ويؤثر فيها السير؟ وكلاهما لا يعقل الاشتكاء فلا فرق بينهما إلا أن إحداهما فيها حياة، والأخرى لا حياة فيها. وقوله: المنسرح عُذْرُ المَلُوَمْينِ فيكَ أنهما ... آسٍ جَبَانٌ ومبضَعٌ بَطَلُ قال: قد اعتذر للآسي؛ أي: الطبيب، وللمبضع، فذكر أن الآسي جبن لفرط الهيبة، وإن المبضع، لما عجز الطبيب عن تدبيره، كان كالبطل الشجاع. فوصل إلى

стр. 653

موضع لا يجب أن يصل إليه. وأقول: إنما وصف المبضع بالبطل لمضائه وحدته - وقد وصف أبو الطبيب ما هو كالمبضع، وهو السيف، بالجبان لكونه لم يقطع في قوله: الكامل تَلْقَى الحُسَامَ على جَرَاءةَ حَدِّهِ ... مِثْلَ الجَبَانِ بِكَفِّ كُلِّ جَبَانِ فهاتان صفتان مختلفتان، والمؤثر فيهما غير مختلف، لأن هذا جبان مضى في يده المبضع، وذلك جبان جبن في كفه السيف، فكان فيهما تناقض. فيقال: لا تناقض فيهما. وذلك أن أحوال الجبان تختلف وتتباين؛ فتارة تكون بترك الإقدام والفرار، وتارة بالإقدام مع اضطراب واضطرار. وقوله: المنسرح مَدَدْتَ في راحة الطَّبِيبِ يَداً ... وما دَرَى كيفَ يُقْطَعُ الأمَلُ قال: ليس من عادة الطبيب أن يقطع الآمال، وإنما عادته أن يقطع العروق، لأن عروق كفك تتصل بها اتصال الآمال، فكأنها آمال. أقول: وهذا أخذه من ابن جني!

стр. 654

وقال الواحدي: هذا كلام من لم يعرف المعنى! وقال (الأمل) لأن يدك أمل كل أحد؛ منها يرجون العطاء والإحسان. وأقول: إنما جعل اليد الأمل على وجه المبالغة، كما جعلت الخنساء البقرة إقبالا وإدبارا في قولها: البسيط . . . . . . . . . ... فإنَّما هي إقْبَالٌ وإدْبَارُ أي: كأنها خلقت من ذلك. ويجوز أن يكون على حذف المضاف؛ أي: ذات الأمل، وكذلك قول الخنساء، والأول أبلغ. وقوله: الوافر بقائي شَاَء ليسَ هُمُ ارتحالا ... وحُسْنَ الصَّبْرِ زَمُّوا لا الجمَالا قال: ادعى انهم لم يشاءوا الرحيل، ولا محالة أنهم شاءوا الرحيل، وزعم أنهم لم يزموا الإبل وتلك دعوى ليست بالصحيحة. وأقول: إن هذا نقد غير بصير بجوهر الكلام! وذلك أن هذا الكلام إنما ذكره على وجه المبالغة كما يقال: ما مات زيد ولكن مات الجود، وما سار عمرو ولكن سار الكرم، وإن كان زيد وقع فيه الموت، وعمرو منه السير؛ ومثله قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إذ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى).

стр. 655

وقوله: الوافر كأنَّ العِيسَ كانت فوق جَفْني ... مُنَاخَاتٍ فَلَمَّا ثُرْنَ سَالاَ قال: يقول: كأن العيس كانت مناخات فوق جفن عيني؛ فهي مانعة له من أن يسيل، فلما ثرن فاض الدمع. قال: وبدخول كاف التشبيه، خلص اللفظ من الكذب! أقول: تأمل هذا التفسير الذي يحتاج إلى تفسير، لأنه إعادة لفظ البيت بعينه!! وأقول: المعنى إن مقام الأحبة، كان يمنعني من دمع كثير بسبب هجر الحبيب لي، أو منعه مني. فكنى عن مقام الأحبة بإناخة العيس فوق جفنه، وجعلها كالسكر الذي يحبس الماء، فلما ثرن سال ذلك الماء؛ أي: الدمع، وكنى عن الرحيل بثوران العيس. والسيل إنما يكون عن الماء الكثير من المطر، فكنى به عن كثرة الدمع والبكاء الذي كان مجتمعا قبل الرحيل. وقوله: الوافر وضَفَّرْنَ الغَدائِرَ لا لِحُسْنٍ ... ولكِنْ خِفْنَ في الشَّعَرِ الضَّلاَلاَ قال: أراد: خفن أن يضللن في الشعر؛ أي: يغبن، من قوله تعالى: (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ) أي: غبنا.

стр. 656

قال: وهذه مبالغة في الصفة، وإذا احتجبت المرأة في شعرها كان عيبا. وأقول: إن تفسيره (يضللن)، أي: يغبن، لم يرده الشاعر، وإنما أراد يضللن، ضد (يهتدين). وذلك أن الشعر يشبه بالظلام، فخشين أن يضللن في الظلام، بالشعر المحلول، فضفرنه خوفا من ذلك. فعلى هذا التفسير لا يكون عيبا. والذي حمله على هذا التفسير تنبيهه على إحاطته بهذه اللغة الغريبة التي هي (ضللنا) بمعنى (غبنا) فخطأ الرجل فوقع في الخطأ! ويقال له: لم قلت: إذا احتجبت المرأة بشعرها كان عيبا وقد قال الشاعر: الوافر . . . . . . . . . ... فأرسَلَتِ الظَّلامَ على الضِّياءِ وقال أبو الطيب: الطويل وَمَنْ كلَّمَا جَرَّدْتُهَا من ثِيَابِهَا ... كسَاهَا ثياباً غَيْرَها الشَّعَرُ الوَحْفُ وقوله: الوافر ولولا أنَّني في غَيْرِ نَوْمٍ ... لَبِتُّ أظُنُّني مِنِّي خَيَالاَ

стр. 657

قال: قوله: الكامل . . . . . . . . . ... . . . أظُنُّنِي مِنِّي خَيَالا يناسب قوله في الأخرى: الكامل . . . . . . . . . ... كأنَتْ إعادَتُهُ خَيَالَ خَيَالِهِ وأقول: لا مناسبة بينهما لأن قوله: . . . . . . . . . ... لَبِتُّ أظُنُّنِي مِنِّي خَيَالاَ أي: أظن نفسي من نفسي خيالا، أو: أظن جسمي. وقوله: . . . . . . . . . ... كانَتْ إعادتُهُ خَيَالَ خَيَالِهِ أي: تذكرته فتخيلته، فلما نمت رايته، فكان الخيال الذي رايته نائما، خيالا للخيال الذي رايته متذكرا. فلا مناسبة بين البيتين إلا بلفظ (الخيال)! وقوله: الوافر ويا ابنَ الضَّاربين بكُلِّ عَضْبٍ ... من العَرَبِ الأسافِلَ والقِلاَلاَ قال: القلال جمع قلة؛ وهي أعلى الرأس. وجعلهم يضربون الأسافل؛ لأنهم إذا ضربوا الفارس في قلة رأسه، نزل السيف إلى أسفل جسده!

стр. 658

وأقول: انظر إلى هذا التفسير العجيب، والتقدير الغريب! وأقول: إن قوله: . . . . . . . . . ... من العَرَبِ الأسَافِلَ والقِلاَلاَ تفضيلا له على غيره من العرب؛ وذلك أن العرب تضرب الأسافل والقلال من الإبل، وهذا يضرب الاسافل والقلال من العرب. ولهذا خصص العرب بالذكر، وإلا كان قال: من الناس، فوصفه بضربه من العرب الذي يوصفون بضربه من الإبل. وقوله: الكامل حَدَقٌ يُذِمُّ من القَواتِلِ غَيْرها ... بدرُ بنُ عَمَّارِ بن إسْمَاعِيلاَ قال: زعم أن الممدوح يذم؛ أي: يعطي الذمة، من كل القواتل، إلا من هذه العيون! وقد افرط في صفة العيون بتمكنها من القتل، إلا إنه جعل الممدوح لا يستطيع أن يمنعهن من القتل! وأقول: كأنه أنكر جعل الممدوح لا يذم من حدق الغواني القواتل، وليس في ذلك إنكار، ولا يلحقه بذلك عار، لأن الممدوح إنما يذم من أهل البأس والنجدة، وممن يقاتل ويقتل بسلاح، وحدق العيون لسن كذلك.

стр. 659

وقوله: الكامل أعْدَى الزَّمَّانَ سَخَاؤهُ فَسَخَا بهِ ... ولقد يكونُ به الزَّمانُ بَخِيلاَ ذكر فيه قول ابن جني وقد نسب فيه إلى الإحالة. وأقول: والجيد في قوله: فسخا به أي: فسخا به علي، بأن اتصلت به، وانضممت إليه. أو يكون: فسخا به أي: ابقاه، ويكون قوله: . . . . . . . . . ... ولقد يكونُ به الزَّمَانُ بَخِيلاَ من قول أبي تمام: الطويل عليكَ سَلامُ الله وقْفاً فإنَّني ... رأيتُ الكرِيمَ الحُرَّ ليسَ له عُمْرُ وكقوله: . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . وقوله: الكامل لو طَابَ مَوْلِدُ كُلِّ حَيٍّ مثلَهُ ... وَلَدَ النِّسَاءُ وما لهنَّ قَوَابِلُ

стр. 660

قال: نصب (مثله) على تقدير قوله: لو طاب مولد كل حي طيبا مثل طيب مولد هذا الممدوح لولد النساء ولا قوابل لهن لأن أمرهن كان يتيسر. وهذا الكلام يؤدي إلى أن الممدوح ادعى له الشاعر إنه لما ولد لم يحتج إلى قابلة! فيقال: بلى ولد بقابلة، إلا أن القابلة وجدته متيسر الولادة، طيبا، طاهرا، فلو علم منه ذلك قبل القبول لما احتيج إليها، ولو طاب مولد كل حي طيب مولده في الطهارة والتيسير؛ لما احتاجت النساء إلى قوابل ييسرن امرهن، ويقيهن الخبث والتنجيس. وقوله: الكامل مَنْ لي بِفَهْم أُهَيْلِ يَدَّعِي ... أنْ يَحْسُبَ الهنديَّ فيهم بَاقِلُ قضية باقل مشهورة بالظبي الذي اشتراه وتسييبه، وقد سئل عن ثمنه، برفع أصابعه وإخراج لسانه عبارة عن (أحد عشر). قال: باقل لم يؤت من سوء الحساب، وإنما أتى من سوء العبارة! ولو قال: أن يفحم الخطباء فيهم باقل، ونحوه، لكان أسوغ. وأقول: وهذا نقل قول ابن جني! وقد أجيب عن هذا بأنه من جانب الحساب

стр. 661

أيضا؛ لأنه كان يقدر على أن يمسك الظبي بإحدى يديه، ويعقد الثمن بالأخرى عقد الحساب. وقوله: المنسرح فَصِرْتُ كالسَّيف حَامِداً يَدَهُ ... ما يَحْمَدُ السَّيْفُ كلَّ من حَمَلَهْ قال: المعنى: إن يد الممدوح يد شجاع، وأنا سيف ماض، فهي تحمدني، وأنا أحمدها. واستعار الحمد للسيف الذي يضرب به، وإنما يعني شعره. وأقول: إن قوله: وأنا سيف ماض فهي تحمدني يعني يده، وأنا أحمدها ليس في الكلام ما يدل على أن يده تحمدني، وإنما المعنى أني صرت كالسيف في حمده يده؛ لأن السيف يحمد يده على جودة الضرب، وأنا احمدها على جودة العطاء! وقوله: البسيط قالَ الزَّمَانُ له قَوْلاً فأفْهَمَهُ ... إنَّ الزَّمَانَ على الإمْسَاكِ عَذَّالُ

стр. 662

قال: الهاء في (فافهمه) و (له) عائدة على (الكسوب) - يعني في قوله: البسيط . . . . . . . . . ... ولا كَسُوبٌ بغَيْرِ السَّيفِ سَآّلُ والمراد إن أكرم الناس هو الذي يتعب في جمع المال، ويطلبه بالسيف، ثم يهبه بعد ذلك وأقول: إن التفسير هذا كان ينبغي أن يكون للبيت الذي قبله وهو من: البسيط لا وارِثٌ جَهِلَت يمناهُ ما وَهَبَتْ ... ولا كَسُوبٌ بغير السَّيْفِ سَآّلُ وهو من قول ابن الرومي: الوافر وما في الأرْضِ أكرَمُ من جَوادٍ ... وإنْ أعْطَى القَليلَ من النَّوَالِ وذلكَ إنه أعْطَاك مِمَّا ... تَفِيءُ عليه أطرافُ العَوَالي وقوله: البسيط تَدْري القَنَاةُ إذا اهْتَزَّتْ بَراحتِهِ ... أنَّ الشَّقِيَّ بها خَيْلٌ وأبْطَالُ قال: ادعى للقناة الدراية بما يفعله الفارس، التي هي معه، وهذا مدح للقناة، ليس للفارس به فضيلة!

стр. 663

وأقول: إن المدح، وإن كان للقناة مجازا، إلا إنه للفارس حقيقة، لأنها إنما فعلت ذلك به لكونها في يده، وهو الطاعن بها، فعلى قوله هذا: إذا قيل: السيف يدري إنه يضرب رقاب الأعداء في يد زيد، والفضل يدري إنه يكسب المحامد في صحبة عمرو، وأن لا يكون لزيد ولا لعمرو فضيلة! وهذا لا يقوله محصل، وإنما استعار الدراية هنا للقناة، لأنه جعلها بمنزلة من قد علم ذلك بطول الصحبة وجري العادة. وهذا من احسن الاستعارات والطف المجازات. وقوله: البسيط أمْضَى الفَريقين في أعْدائِهِ ظُبَةً ... والبِيضُ هَادِيةٌ والسُّمْرُ ضُلاَّلُ قال: قوله والبيض هادية أي: يهتدى بها في ظلم النقع، لأن النهار قد استتر بالغبار. واستعار الضلال للرماح. وهو يحتمل إنها تغيبت في النقع، فهي كالضالة فيه. ويمكن أن يعني بقوله ضلال أي: إنها لا يطعن بها؛ لأن القوم قد دنا بعضهم من بعض، فهم يتضاربون بالسيوف، فكأن الرماح ضالة طريقها. وأقول: إن قوله: . . . . . . . . . ... والبِيضُ هاديةٌ والسُّمْرُ ضُلاَّلُ حال من الضمير في قوله: أمضى؛ كأنه قال: الممدوح أمضى الفريقين ظبة في حال

стр. 664

اجتمع فيها حالتان متضادتان وهما: هداية السيوف بضوئها، وضلال الرماح في ظلم الأجوف بالطعن، لا ظلام النقع كما قال! لأنه قد انجلى بضوء السيوف. وقول أبي الطيب بضد قول ابن دريد: الرجز يُرِي المَنُونَ وهي تَقْفُو إثْرَهُ ... في ظُلَمِ الأكْبَادِ سُبْلاً لا تُرَى وقوله: البسيط عليهِ منهُ سَرابيلٌ مضاعَفَةٌ ... وقد كَفَاهُ من الماذِيِّ سِرْبَالُ قال: يقول: على الممدوح سرابيل من الحمد كثيرة، وقد كفاه سربال واحد من الماذي. وأقول: إن هذا تفسير الشيء بنفسه، كما تقول لغيرك: ما الإنسان؟ فيقول: الإنسان! أو تقول له: ما الجوهر أو العرض؟ فيعيد اللفظ الذي سألته عنه، وأردت تفسيره منه! وأقول: المعنى إن الحمد سربال الجود، والماذي سربال البأس، وكان يكفيه من سرابيل الحمد الكثيرة عليه سربال واحد من البأس لاشتهاره به وتقدمه فيه، وإنما أراد أن يجمع بينهما.

стр. 665

وقوله: الكامل لو أنَّ فَنَّا خُسْرَ صَبَّحكُمْ ... وبَرَزْتِ وَحْدَكِ عَاقَهُ الغَزَلُ قال: ما أحسن ما كنى عن الانهزام بقوله: عاقه الغزل! وأقول: وهو قول ابن جني! وأقول: لم يرد بقوله: عاقه الغزل الانهزام؛ وإنما أراد العشق والافتتان. ويدل على ذلك قوله فيما قبل: الكامل . . . . . . . . . ... بَدَوِيَّةٌ فُتِنَتْ بها الحِلَلُ أي: قد بلغ من حسن هذه المرأة البدوية، إلى أن عضد الدولة، مع علو قدره، ووفور عقله، ورصانة حلمه، واحتقاره للشيء النفيس، لو صبح حيها مغيرا عليه أو ضيفا له لعاقه الغزل؛ أي: لشغله الهوى، عما جاء بصدده، ولرغب عن الجيوش والملك حبا لها، وشغفا بها، وليس في هذا توهين لعضد الدولة الممدوح، ولا غض منه، ولا إزراء به؛ بل في ذلك إخبار عن جلالة حسن هذه المرأة بجلالة قدر الصابي إليها، المفتتن بها، وعلو شأنه، وعظم ملكه. وهذا مثل قول النابغة - وهو

стр. 666

مذهب العرب، وقصدهم فيه المبالغة -: الكامل لو أنَّها عَرَضَتْ لأَِشْمَطَ رَاهِبٍ ... عَبَدَ الإلهَ صَرُورةٍ مُتَعَبِّدِ لصَبَا لِبَهْجَتِهَا وحُسْنِ حَدِيثها ... ولخَالَهُ رَشَداً وإنْ لَمْ تَرْشُدِ وقوله: الرجز لو جَذَب الزَّرَّادُ من أذْيَالي مَخَيَّراً لي صَنْعَتي سِرْبَالي ما سُمْتُهُ سَرْدَ سِوَى سِرْوَالِ قال: يقول: لو أن الزراد خيرني فقال: ما تريد ان اصنع لك من اللباس لم اسمه سوى سروال من زرد لأن لي درعا ومغفرا. وأقول: هذا قوله. وهو قول المعري.

стр. 667

وقال: قال أبو الفتح: لو عرض علي الزراد صنعتين من الدرع، مخيرا لي بينهما، لما طلبت منه أن يصنع لي إلا سراويل من حديد تحصن عورتي، ولا أبالي، بعد ذلك، بانحسار سائر جسدي. وأقول: القول قول أبي الفتح، إذا وضع موضع: تحصن عورتي تحصن فرجي لأن ذلك، والمستعمل في كلام العرب، وكلام الله تعالى، إذا أريد العفة. وفي هذا التفسير وصفه نفسه بالعفة والشجاعة، وإشارة إلى قوله: الطويل ولا عِفَّةٌ في سَيْفِهِ وسِنَانِهِ ... ولكنَّها في الكَفِّ والفَرْجِ والفَمِ وقوله: الطويل وَفَاؤكُمَا كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمُهْ ... بأن تُسْعِدَا والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمُهْ أقول: إن هذا البيت قد قدر تقديرات كثيرة، وقيل فيه أقوال مختلفة. والصحيح التقدير فيه: إنه كان يخاطب صاحبيه، فقال: وفاؤكما بأن تسعدا بالدمع كالربع، فالربع أشجاه طاسمه، والدمع أشفاه ساجمه، فحذف الربع الثاني لدلالة الأول عليه، وذلك إنه قدّر أن صاحبيه كانا قد عاهداه على ان يسعدا بالبكاء على الربع،

стр. 668

فقال لهما: لا أعد وفاءكما بالدمع وفاء، إلا أن يكون على قدر حال الربع، فالربع أشجاه طاسمه، فينبغي أن يكون الدمع أشفاه ساجمه؛ أي: يكون الدمع في سجومه على قدر الربع في دروسه، وذلك بمنزلة رجل له صاحب وعده بان يسعده بالجاه على البر فقال له: وفاؤك بأن تسعدني بالجاه كالبر، فالبر خيره أعجله، والجاه أفضله أسهله. وقوله: الطويل فقد مَلَّ ضَوْءُ الصُّبْحِ مما تُغِيرُهُ ... ومَلَّ سَوادُ اللَّيلِ مما تُزَاحِمُهْ قال: أراد: تغير فيه، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل بنفسه اختصارا وأنشد: الرجز في سَاعةٍ يُحَبُّها الطَّعَامُ وأقول: يحتمل أن يكون (تغيره) من الغيرة، فتعديه بالهمزة لأنك تقول: غرت أنا وأغرت غيري، أي: جعلته ذا غيرة؛ كأنه يقول: مل ضوء الصبح من كثرة ما تغيره بضوء الحديد في الغارات على الأعداء، وهذا التقدير أشبه بالقافية لأنها متعدية بنفسها فيكون (تغيره) مثل (تزاحمه).

стр. 669

وقوله: الخفيف أينَ أزْمَعْتَ أيُّهَذا الهُمَامُ ... نحنُ نَبْتُ الرُّبَى وأنْتَ الغَمامُ قال: قوله: نحن نبت الربى إنما جاء بالربى لإقامة الوزن، ولو أمكنه أن يقول: نحن النبت وأنت الغمام لكان ذلك أعم. قال: ويجوز أن يقال: إنما خص (الربى) لأن النبت عليها احسن من الوهد لأن السيل يصرع الشجر فيقذفه في الأودية ويلقي عليه الدمن. وأقول: المعنى بقوله: . . . . . . . ... نَحْنُ نبتُ الرُّبَى وأنتَ الغَمَامُ أي: ليس لنا نفع إلا بك، ولا عطاء إلا منك، كما إن نبت الربى ليس له سقي إلا من الغمام، بخلاف نبت السهول والوهاد، فإنه يسقى من الغمام ومن غيره، ولا كذلك نبت الربى. وقوله: الخفيف ليتَ أنَّا إذا رَحَلْتَ لك الخيْ ... لُ، وأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيامُ

стр. 670

قال: تمنى أن يكون غير مفارق له في المسير والمقام. وقد عاب بعض الناس هذا القول عليه، وقال: الخيام تكون متعالية على من فيها، فقال أبو الطيب: الوافر لقد نَسَبُوا الخِيَامَ إلى عَلاءٍ ... . . . . . . . . . وحجة أبي الطيب في هذا واضحة؛ لأن الخيمة إنما هي خادمة لمن يحل فيها، تصد عنه حرارة الشمس وغيرها من المؤذيات. وتلخيص معناه ليتنا نقيك الردى، ونحتمل عنك الأذى. وأقول: إنما تمنى أن يكون بمكان الخيل، والخيام، ليقيه الأذى، من تحته، وفوقه، بعقل وفهم وشفقة وتوفية؛ لجلب المنافع، ودفع المضار، بخلاف الخيل والخيام فانهما لا يمكن فيهما ذلك. وقوله: الطويل ولا كُتْبَ إلا المشرفيَّةُ عنَدهُ ... ولا رُسُلٌ إلاَّ الخميسُ العَرَمْرَمُ أقول: لو كان قال:
следующие страницы →