← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

مذهب العرب، وقصدهم فيه المبالغة -: الكامل لو أنَّها عَرَضَتْ لأَِشْمَطَ رَاهِبٍ ... عَبَدَ الإلهَ صَرُورةٍ مُتَعَبِّدِ لصَبَا لِبَهْجَتِهَا وحُسْنِ حَدِيثها ... ولخَالَهُ رَشَداً وإنْ لَمْ تَرْشُدِ وقوله: الرجز لو جَذَب الزَّرَّادُ من أذْيَالي مَخَيَّراً لي صَنْعَتي سِرْبَالي ما سُمْتُهُ سَرْدَ سِوَى سِرْوَالِ قال: يقول: لو أن الزراد خيرني فقال: ما تريد ان اصنع لك من اللباس لم اسمه سوى سروال من زرد لأن لي درعا ومغفرا. وأقول: هذا قوله. وهو قول المعري.

стр. 667

وقال: قال أبو الفتح: لو عرض علي الزراد صنعتين من الدرع، مخيرا لي بينهما، لما طلبت منه أن يصنع لي إلا سراويل من حديد تحصن عورتي، ولا أبالي، بعد ذلك، بانحسار سائر جسدي. وأقول: القول قول أبي الفتح، إذا وضع موضع: تحصن عورتي تحصن فرجي لأن ذلك، والمستعمل في كلام العرب، وكلام الله تعالى، إذا أريد العفة. وفي هذا التفسير وصفه نفسه بالعفة والشجاعة، وإشارة إلى قوله: الطويل ولا عِفَّةٌ في سَيْفِهِ وسِنَانِهِ ... ولكنَّها في الكَفِّ والفَرْجِ والفَمِ وقوله: الطويل وَفَاؤكُمَا كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمُهْ ... بأن تُسْعِدَا والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمُهْ أقول: إن هذا البيت قد قدر تقديرات كثيرة، وقيل فيه أقوال مختلفة. والصحيح التقدير فيه: إنه كان يخاطب صاحبيه، فقال: وفاؤكما بأن تسعدا بالدمع كالربع، فالربع أشجاه طاسمه، والدمع أشفاه ساجمه، فحذف الربع الثاني لدلالة الأول عليه، وذلك إنه قدّر أن صاحبيه كانا قد عاهداه على ان يسعدا بالبكاء على الربع،

стр. 668

فقال لهما: لا أعد وفاءكما بالدمع وفاء، إلا أن يكون على قدر حال الربع، فالربع أشجاه طاسمه، فينبغي أن يكون الدمع أشفاه ساجمه؛ أي: يكون الدمع في سجومه على قدر الربع في دروسه، وذلك بمنزلة رجل له صاحب وعده بان يسعده بالجاه على البر فقال له: وفاؤك بأن تسعدني بالجاه كالبر، فالبر خيره أعجله، والجاه أفضله أسهله. وقوله: الطويل فقد مَلَّ ضَوْءُ الصُّبْحِ مما تُغِيرُهُ ... ومَلَّ سَوادُ اللَّيلِ مما تُزَاحِمُهْ قال: أراد: تغير فيه، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل بنفسه اختصارا وأنشد: الرجز في سَاعةٍ يُحَبُّها الطَّعَامُ وأقول: يحتمل أن يكون (تغيره) من الغيرة، فتعديه بالهمزة لأنك تقول: غرت أنا وأغرت غيري، أي: جعلته ذا غيرة؛ كأنه يقول: مل ضوء الصبح من كثرة ما تغيره بضوء الحديد في الغارات على الأعداء، وهذا التقدير أشبه بالقافية لأنها متعدية بنفسها فيكون (تغيره) مثل (تزاحمه).

стр. 669

وقوله: الخفيف أينَ أزْمَعْتَ أيُّهَذا الهُمَامُ ... نحنُ نَبْتُ الرُّبَى وأنْتَ الغَمامُ قال: قوله: نحن نبت الربى إنما جاء بالربى لإقامة الوزن، ولو أمكنه أن يقول: نحن النبت وأنت الغمام لكان ذلك أعم. قال: ويجوز أن يقال: إنما خص (الربى) لأن النبت عليها احسن من الوهد لأن السيل يصرع الشجر فيقذفه في الأودية ويلقي عليه الدمن. وأقول: المعنى بقوله: . . . . . . . ... نَحْنُ نبتُ الرُّبَى وأنتَ الغَمَامُ أي: ليس لنا نفع إلا بك، ولا عطاء إلا منك، كما إن نبت الربى ليس له سقي إلا من الغمام، بخلاف نبت السهول والوهاد، فإنه يسقى من الغمام ومن غيره، ولا كذلك نبت الربى. وقوله: الخفيف ليتَ أنَّا إذا رَحَلْتَ لك الخيْ ... لُ، وأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيامُ

стр. 670

قال: تمنى أن يكون غير مفارق له في المسير والمقام. وقد عاب بعض الناس هذا القول عليه، وقال: الخيام تكون متعالية على من فيها، فقال أبو الطيب: الوافر لقد نَسَبُوا الخِيَامَ إلى عَلاءٍ ... . . . . . . . . . وحجة أبي الطيب في هذا واضحة؛ لأن الخيمة إنما هي خادمة لمن يحل فيها، تصد عنه حرارة الشمس وغيرها من المؤذيات. وتلخيص معناه ليتنا نقيك الردى، ونحتمل عنك الأذى. وأقول: إنما تمنى أن يكون بمكان الخيل، والخيام، ليقيه الأذى، من تحته، وفوقه، بعقل وفهم وشفقة وتوفية؛ لجلب المنافع، ودفع المضار، بخلاف الخيل والخيام فانهما لا يمكن فيهما ذلك. وقوله: الطويل ولا كُتْبَ إلا المشرفيَّةُ عنَدهُ ... ولا رُسُلٌ إلاَّ الخميسُ العَرَمْرَمُ أقول: لو كان قال:

стр. 671

ولا كُتُبٌ إلا الصَّفائحُ عندَهُ ... . . . . . . . . . لكان أعدل لألفاظه؛ لأن (كتب) تقابل (رسل) وتوازيها بالحروف والحركات، من غير إخلال بالمعنى، وتكون قد جاءت على أصلها لأن جمع (فعال): فعل. وقوله: الطويل وَهُنَّ مَعَ الغِزلانِ في الوَادِ كُمَّنٌ ... وَهُنَّ مع العِقْبَانِ في النِّيقِ حُوَّمُ قال: كثر (الوادي) في كلامهم حتى حذفوا منه الياء، والأجود إثباتها مع الألف واللام كقول سحيم: الطويل ألا أيُّهَا الوَادي الذي ضَمَّ سَيْلُهُ ... إلينَا نَوَى الحَسْنَاءِ حُيِّيتَ وادِيَا وأقول: إن حذف الياء من الوادي هاهنا أحسن، من اثباتها؛ ليقابل بين (الواد) و (النيق) كما قابل بين (الغزلان) و (العقبان) و (كمن) و (حوم)، ومثل ذلك مجيئه في الفواصل كقوله تعالى: (الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البْلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) وإنما حذفت لأجل السجع، وإن كانت الفواصل كالقوافي، يجوز فيها ما لا يجوز في حشو البيت. إلا أنهم قد يعنون بتحسين الالفاظ، كما يعنون بتحسين المعاني. وذلك إنما يكون في ازدواج ألفاظ، أو في سجع، كقولهم: (الغدايا والعشايا) و: ارجعن مأزورات غير مأجورات وقولهم: شهر ثري وشهر ترى والمقابلة والموازنة بهذه المثابة لأن فيها تحسين الألفاظ.

стр. 672

وقوله: البسيط إذَا رأيتَ نيوبَ اللَّيثِ بارزةً ... فلا تَظُنَّنَّ أنَّ اللَّيْثَ مُبتَسِمُ قال: يقول لسيف الدولة: إذا الليث أبدى نيوبه؛ فليس ذلك تبسما، وإنما ذلك إرادة الصولة. قال: وهذا نقيض ما زعمه الفرزدق في وصف الذئب، لما رفع ناره، فجاءه يلتمس عنده الخير في قوله: الطويل فقلتُ له لما تَبَّسمَ ضاحِكاً ... وقائمُ سَيْفي من يَدِي بِمَكَانِ وأقول: إن قول أبي الطيب مثل قول الفرزدق، وليس نقيضه! وذلك أن الذئب لما كشر للفرزدق عن أنيابه، شبهه بالمتبسم ضاحكا، وإن لم يكن كذلك، لأن الضحك من خواص الإنسان ولهذا قال: . . . . . . . ... وقائمُ سَيْفي من يَدِي بِمكانِ خيفة غدره وأذاه، فهذا مثل قوله فليس ذلك تبسما؛ إنما هو للصولة، فقد اتفقا في المعنى، وإن اختلفا في اللفظ. وهذا من قول عنترة: الكامل . . . . . . . . . ... أبْدَى نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ

стр. 673

وقوله: البسيط رِجْلاهُ في الرَّكْضِ رِجْلٌ واليَدَانِ يَدٌ ... وفِعْلُهُ ما تُرِيدُ الكَفُّ والقَدَمُ قال: معناه: ما تريد كف راكبه وقدمه؛ أي: هو جواد مؤدب، فإذا قصر عنانه قصر في الجري، وإذا أرخى له العنان، بذل ما يريد الراكب من الجري. وكذلك إن حرك الفارس قدمه عليه ليمتري حضره فانه يسمح بما يرضيه. وأقول: إنما فسر هذا، نظرا إلى قول امرئ القيس: الطويل فللزَّجْرِ ألْهُوبٌ وللسَّاق دِرَّةٌ ... . . . . . . . . . وقد أخذته عليه امرأته أم جندب. وقال الواحدي: () معنى قوله: . . . . . . . . . . . . ... وفِعْلُهُ ما تريد الكَفُّ والقَدَمُ أي: يستغني عن تحريك اليد بالسوط، والرجل بالحث. وكأن قول التبريزي اقرب إلى الحقيقة من قول الواحدي؛ لأن الإرادة، إنما تتعلق بالفعل، لا بالترك. وقول الواحدي يتعلق بالترك؛ لأن اليد تريد أن لا تتحرك بالسوط، والرجل أن لا تتحرك بالحث. وهو مع ذلك جائز حسن لأنه مجاز واستعارة، والمجاز في الشعر أحسن من الحقيقة.

стр. 674

وقوله: البسيط صَحِبْتُ في الفَلواتِ الوَحْشَ منفرداً ... حتَّى تَعَجَّبَ منِّي القُورُ والأكَمُ إن قيل: لم قال: القور والاكم وهما بمعنى واحد؟ وهلاّ قال: الوهد والاكم ليختلف المعنى، فيكون أحسن في اللفظ، وأعم في الفائدة؟ فيقال: إنما خص القور والاكم للمناسبة التي بينها وبينه في الارتفاع والجلد والصلابة، ولأن ذا الشرف، والمجد، والحلم، والصبر، يشبه بالجبل، ولا يشبه بالوهد وما انخفض من الأرض. فلهذا خصها بالذكر دون أضدادها. وقوله: البسيط إذَا تَرَحَّلْتَ عن قَوْمٍ وقد قَدَرُوا ... أنْ لا تُفَارِقَهُمْ فالراحلون هُمُ قال: قال أبو العلاء: هذه دعوى كغيرها. وإنما غرضه إن الرجل، إذا فارق أناسا وقد ظنوا إنه غير مفارق لهم أسفوا له فكأنهم راحلون. وأقول في قوله: فارق أناسا وقد ظنوا إنه غير مفارق: إن هذا ظن فاسد إلا أن يريد: غير مفارق لهم بالمودة.

стр. 675

وقوله: أسفوا له فكأنهم راحلون. فيقال: ولم خص الأسف بالراحلين دون المقيمين؟ والمعنى إنك إذا رحلت عن قوم وهم قادرون على أن لا تفارقهم بإحسانهم إليك، وكف الأذى عنك، ثم الأذى عنك، ثم لم يفعلوا فهم الراحلون؛ أي: المقاطعون؛ لأن الرحيل مقاطعة؛ أي: هم ألجأوك إلى الرحيل فكأنهم فعلوا الرحيل. وقوله: البسيط بأيِّ لَفْظٍ تَقُولُ الشِّعْرَ زِعْنِفَةٌ ... تجوزُ عِندَكَ لا عُرْبٌ ولا عَجَمُ قال: قوله: لا عرب ولا عجم أي: ليست لهم فصاحة العرب، ولا تسليم العجم لفصاحة العرب. وأقول: إن قوله: . . . . . . . . . زِعْنِفَةٌ ... . . . لا عُرْبٌ ولا عَجَمُ أي: خسيس مجهول في القبيلين؛ أي: وضيع في النفس والنسب. وقوله: الطويل إذَا كانَ ما تَنْويهِ فِعْلاً مُضَارعاً ... مَضَى قبلَ أن تُلْقَى عليه الجَوازِمُ

стр. 676

قال: كأنه إذا جرى في نفسه، أن يقتل عدوا قتله، من قبل أن يقول قائل: لم يقتله. وأقول: إنه لم يبين ما سبب ذلك. والمعنى، إنه يجعل ذلك ماضيا. أما كان عطاء فإنه لا يتردد فيه، ويؤامر نفسه بخلا. وأما أن يكون إقداما، فإنه لا يتوقف فيه، ويؤخره جبنا، بل إذا نواه أمضاه عاجلا، جواد كان أو بأسا فيقال: فعل قبل أن يقال لم يفعل. ويحتمل أن يكون في ذلك إشارة إلى سعادته. وقوله: الطويل وقد حلكَمُوهَا والمَنايَا حَوَاكِمٌ ... فمَا مَاتَ مَظْلومٌ ولا عاشَ ظالِمُ قال: أي: لما ظلموا، وعتوا بقصدهم هدمها، أهلكهم الله، وسلّم سيف الدولة وأصحابه. وأقول: إن المحاكمة، إنما وقعت بين الروم وبين الحدث، إلى المنايا. وكنى بها عن الحروب أو عن السيوف والرماح. فالمظلوم هو الحدث، والظالم هم الروم، فعاش المظلوم بسيوف الدولة ومات الظالم، فهذا هو المعنى لا قوله: فأهلكهم الله وسلّم سيف الدولة وأصحابه.

стр. 677

وقوله: الطويل بِضَرْبٍ أتَى الهَامَاتِ والنَّصْرُ غَائِبٌ ... وصَارَ إلى اللّبَّاتِ والنَّصْرُ قَادِمُ قال: يقول: إذا ضربت عدوك، وصار السيف إلى رأسه، لم تعد ذلك نصرا، ولا ظفرا. فإذا فلق السيف رأسه، وصار إلى لبته؛ فحينئذ يكون ذلك عندك نصرا، ولا يرضيك ما دونه. وهذا قول ابن جني أيضا! وأقول: إن قوله: بِضَرْبٍ أتَى الهَامَاتِ والنَّصْرُ غائبٌ ... . . . . . . . . . أي: غائب عنك، وعن أعدائك. وفي هذا إخبار عن اشتداد الأمر في الحرب، وإنه كان له فيها، مثلما عليه. ويدل على ذلك قوله قبل: الطويل وَقَفْتَ وما في المَوْتِ شكٌّ لواقِفٍ ... . . . . . . . . . وقوله: . . . . . . . . . . . . ... وصَارَ إلى اللَّبَّاتِ والنَّصْرُ قادِمُ أي: لما فلقت السيوف الجماجم، تبين بذلك النصر، وإن الظفر لك.

стр. 678

وأقول: إنه لا يمكن أحد أن يعبر عن شدة أمر الحرب، والتباسه على الفريقين، بأحسن من هذه العبارة! وقوله: الطويل أَيُنْكِرُ رِيحَ اللَّيْثِ حَتَّى يّذٌوَقَهُ ... وقد عَرَفَتْ رِيحَ اللُّيوثِ البهائِمُ قال: يقول: ألم يشم هذا الدمستق رائحة الليث، فيعلم إنه إن وقف فرسه؛ فقلة فطنته تمنعه من أن يهرب حتى يذوقه الليث؛ فعند ذلك يفر. والبهائم إذا وجدت رائحة الأسد فرت منه؛ أي: لو كان حازما، لكفاه ما سمعه من شجاعتك عن ملابستك. وأقول: إن قوله: ألم يشم هذا الدمستق رائحة الليث وقوله: حتى يذوقه الليث ليس بشيء! وإنما معناه: ألم يعلم خبرك في الشجاعة، وهو مشهور فلا يقدم عليك ويسلم؟ وضرب مثلا بالأسد والبهائم، وإنها مع جهلها، تعرف الأسد برائحته فتتقيه، فأنت أسوأ حالا من البهائم، مع إنك إنسان، إذ لم تعرف خبر سيف الدولة فتتقيه. والهاء في (يذوقه) راجعة إلى الدمستق؛ أي: تخبره وتلابسه. وقوله: الطويل تَغُرُّ حَلاوَاتُ النفوس قُلُوبَهَا ... فَتَخْتَارُ بَعْضَ العَيْشِ وهو حِمَامُ

стр. 679

قال: قلوبها أي: قلوب النفوس فتختار الهرب خوف القتل، وهو كالقتل. وأقول: إن قوله: فتختار الهرب لم يرده وإنما أراد: فتختار الذل بطلب الهدنة، وقد فسره بالبيت الذي بعده. وقوله: البسيط أبْدَيْتِ مثلَ الذي أبْدَيْتُ من جَزَعٍ ... ولم تُجِنِّي الذي أجْنَنْتُ من ألَمِ قال: وصفها بصحة الوفاء في أول الأبيات - يعني قوله: البسيط تَبَسَّمَتْ عن وفاءٍ غير مُنْصَدِعٍ ... . . . . . . . . . ثم نقض ذلك بقوله: إنها أبدت مثل الذي أبداه من الجزع، ولم تخف كما أخفاه من الألم. وأقول: إن ذلك ليس بنقض للأول؛ لأن المها إذا كان دون ألمه، فقد أتمت على الجملة. وإذا ألمت فقد وفت، والعاشق لا بد أن يكون توجعه بالفراق أكثر من توجع المعشوق، وكذلك جميع أحواله في الهوى، ولو تساويا في ذلك، لكان العاشق معشوقا،

стр. 680

ولكان كما قال في البيت الذي يليه: البسيط إذاً لَبَزَّكِ ثَوْبَ الحُسْنِ أصْغَرُهُ ... وصِرْتِ مثلِيَ في ثَوْبينِ من سَقَمِ وقوله: البسيط وكلَّما نُطِحَتْ تحت العَجَاجِ به ... أُسْدُ الكتَائبِ رَامَتْهُ ولم يَرِمِ قال: ليس النطح مما يليق بذكر الأسد، وكان الأولى أن يقول: وكلما صدمت أو رميت أو نحو ذلك، فيما يليق بعضه ببعض. وأقول: إنه إنما قال: نطحت. . . به أسد الكتائب ليغرب في الاستعارة، فجعل الأسد تنطح، إشارة إلى أن هذه أسد، ليست كالأسد المعروفة، إيماء إلى إنها رجال في أيديها رماح تنطح بها، بمنزلة النطح بالقرون، وهذا ينظر إلى قوله: البسيط فما تَرَكْنَ بها خُلْداً له بَصَرٌ ... تحت التُّراب ولا بازاً لَهُ قَدَمُ وقوله: الطويل ونَكْهَتُهَا والمَنْدِليُّ وقهوةٌ ... مُعَتَّقَةٌ صَهْبَاءُ في الرِّيح والطَّعْمِ

стр. 681

ذكر التبريزي في هذا البيت، إن أبا الطيب ذكر فيه ثلاثة أشياء، وأخبر إنها قد تساوت في شيئين؛ في الريح والطعم، ولم تتساو إلا في شيء واحد وهو الريح، فأما الطعم فلم تتساو فيه، لأن النكهة؛ رائحة الفم، ليس لها طعم، والمندلي: العود؛ ليس بطيب الطعم لأنه مر. وأقول: إنه لو كان وضع موضع نكهتها ريقتها، لكان تساوى منها شيئان في الطعم، وهما الريقة والخمر، وجاز الإخبار عن الثلاثة بالتساوي، لتساويها في الريح، وتساوي شيئين منها في الطعم. ويكون مثل قوله: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وإن كان من أحدهما. وقوله: الطويل مُقَلَّدُ طَاغي الشَّفرتين محكَّمٌ ... على الهَامِ إلاَّ إنه جَائِرُ الحُكْمِ قال: يريد أن شفرتيه قد طغت في قتل الناس. قال: وكل شيء زاد وزيادته مؤدية إلى هلكه فهو طاغ. وادعى أن سيفه محكم على الهام، وهو، مع ذلك، جائر في الحكومة، وإنما ينبغي أن يحكم المنصف. وهذا اللفظ يحتمله الشعر، ولا حكم للسيف، وإنما هو لمن يضرب به.

стр. 682

وأقول: إنه لم يفهم المعنى! يقول: أن شفرتيه قد طغتا في قتل الناس! وإنما طغيانهما هاهنا في المضاء والقطع لا في القتل. ولهذا وصفه بأنه جائر في الحكم، وفي البيت الثاني بأنه متحرج عن حقن الدماء؛ أي: لا بد له من اراقتها، وان يطير الرؤوس عن الأجسام. وكل هذا صفة له بالمضاء والحدة. فينبغي أن يفسر بهذا طغيان شفرتيه وجوره في الحكم، لا بقتل من لا يستحق القتل. والذي يدل على ذلك قوله فيما بعد: الطويل وَجَدْنَا ابنَ إسحاقَ الحُسَيْنَ كَجَدِّهِ ... على كَثْرَةِ القَتْلَى بريئاً من الإثْمِ وقوله: الوافر وخَيْلِ لا يَخِرُّ لها طَعِينٌ ... كأنَّ قَنَا فوارِسِهَا ثُمامُ قال: قوله: وخيل أن أراد بعض الخيل فهو صادق في ذلك؛ فإن كثيرا من الملوك تجري خيولهم في الميادين، وتلعب فرسانها بالرماح، المدة الطويلة، ولا يكون جرح ولا قتل.

стр. 683

وأقول: إن قوله: وخيل عطف على قوله: بأجسام، وهي راجعة إلى قوله: الوافر أرانبُ غَيْرَ أنَّهُمُ مُلُوكٌ ... . . . . . . . . . والمعنى، إنه وصف هؤلاء الملوك بالتغفل والتواني، وترك التيقظ. ثم وصفهم بالنهم وكثرة الاكل، وأنهم لا تقتلهم الأقران بالطعان، وإنما يقتلهم الإمعان في الطعام، ثم وصفهم وأصحابهم بالضعف، وكنى عنه بضعف رماحهم، وإنها ليست قنا في الصلابة التي تنكت الأقران، وإنما هي من ثمام. فهذا ترتيب معاني هذه الأبيات. وقوله: الوافر ولو حِيزَ الحِفَاظُ بغَيْرِ عَقْلٍ ... تَجَنَّبَ عُنْقَ صَيْقَلِهِ الحُسَامُ قال: هذا البيت متصل بما قبله. يقول: الناس لا عقول لهم، وإنما يؤدي إلى حفظ المودة عقل الإنسان، وابن آدم كالسيف، لا عقل له صحيح، فكيف يعتمد جميل الأفعال؟ وأقول: إنه لم يعبر عن المعنى بعبارة له مستوفية، وفية شافية. وهذا البيت - كما ذكر - متصل بما قبله، والتقدير: كأنه يقول: أنت ليس لك صديق إلا نفسك، فلا تثق بمودة من ترى من هؤلاء الناس بإحسانك إليه، ونفعك له، ولا تأمن أذاه، ولا ترج حفاظه

стр. 684

وهو غير عاقل، فإنك وإياه بمنزلة الصيقل والسيف في صقله وإرهاف حده؛ فانه مع ذلك لا يتجنب عنقه؛ لأنه لا عقل له. وقوله: الطويل ولا جُرْجُهُ يُؤسَى ولا غَوْرُهُ يُرَى ... ولا حَدُّهُ يَنْبُو ولا يَتَثَلَّمُ قال: هو في البيت الأول مثبت في المعنى لما نفاه في اللفظ، ومتجاوز له في اللفظ والوصف. وهو في البيت الثاني ناف في اللفظ والمعنى جميعا. وأقول: هذا الذي ذكره ليس بشيء! وهو قول الواحدي، وقد ذكرته في شرحه. وقوله: الطويل ولا يَشْتَهِي يَبْقَى وتَفْنَى هِبَاتُهُ ... ولا تَسْلَمُ الأعداءُ منه ويَسْلَمُ

стр. 685

قال: أي لا يشتهي هذا الممدوح أن يسلم ويسلم أعداؤه، ولكن يريد أن يسلم هو في نفسه ويهلك أعداؤه! تأمل هذا التفسير الذي لا يقوله بصير! وكأنه قد التزم أن لا يصيب معنى فيه أدنى إشكال! والمعنى في قوله: . . . . . . . . . ... ولا يَسْلَمُ الأعداءُ منه ويَسْلَمُ أي: لا يريد مسالمتهم، وموادعتهم، ضعفا وجبنا وخوفا منهم، وكراهة للقتال. وقد اخبر بهذا القول في عجز البيت، عن شجاعته، كما اخبر في صدره عن سماحته. وقوله: الطويل إلى اليَوْمِ ما حَطَّ العِداءُ سُروجَهُ ... مُذُ الغَزْوُ سَارٍ مُسْرِجُ الخَيْلِ مُلْجِمُ قال: الغزو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير: مذ الغزو كائن، أو واقع. وأقول: وهذا ليس بشيء! والكلام تام لا يحتاج إلى تقدير محذوف. وقد ذكرته في شرح الواحدي.

стр. 686

وقال: الخفيف لَيْلُهَا صُبْحُهَا من النَّارِ والإصْ ... باحُ لَيْلٌ من الدُّخَانِ تِمَامُ قال: يعني انهم يوقدون النيران بالليل لقرى الضيفان، فالليل كأنه صبح لزوال الظلام. وقوله: والإصباح ليل يحتمل وجهين: أحدهما: انهم يوقدون النار بالنهار أيضا، لأن قراهم لا ينقطع في ليل ولا نهار، فدخان النار يستر ضياء الشمس. والآخر: أنهم يعقرون في النهار ويحاربون، فيزول نور النهار لأجل الغبار. وأقول: إن الوجه الثاني الذي ذكره في قوله: والإصباح ليل من الدخان ليس بشيء! لأنه لا دليل عليه من لفظ البيت ولا من مفهومه. ولو أراد الحرب لقال: ليل من العجاج أو الغبار والوجه الصحيح هو الأول. وقوله: الخفيف ونُفُوسٌ إذا انْبَرَتْ لقتالٍ ... نَفِدَتْ قبلَ ينفَذُ الإقدامُ

стр. 687

قال: إذا انبرت لقتال أنفدتها الحرب وإقدامها لم ينفد. وأقول: هكذا قال أبو الطيب، فكلا القولين يحتاج إلى تفسير. وقد ذكرته قبل. وقوله: الطويل ولم تُسْلِها إلاَّ المنَايَا وإنما ... أشَدُّ من السُّقْمِ الذي أذْهَبَ السُّقْمَا لم يذكر معنى هذا البيت! وهو أن جدته كانت سقيمة بسبب شوقها إليه، فجاءها ما أسلاها عنه، وهو الموت، فذهب السقم بما هو اعظم منه وهو الموت. وهذا مثل قولهم: هذا أعظم من الحرش! ومثل قوله بعده: الطويل وكنتُ قُبَيْلَ المَوْت أسْتَعْظِمُ النَّوَى ... فَقَدْ صَارتِ الصُّغْرَى التي كانت العُظْمَى وقوله: الطويل وإنِّي لِمَنْ قَوْمٍ كأنَّ نُفُوسَنَا ... بهَا أَنَفٌ أنْ تَسْكُنَ اللَّحْمَ والعَظْمَا

стр. 688

قال: كأنه أراد بهذا القول: نؤثر القتل؛ لأن نفوسنا تأنف أن تسكن اللحم والعظم. وأقول: إن هذه العبارة ناقصة، قاصرة عن المعنى، وهو: أنّا لكثرة ما نتعرض للقتل، بإلقاء نفوسنا في الحرب، ولا نشفق عليها من الموت، كأن نفوسنا تأنف أن تسكن أجسامنا المركبّة من اللحم والعظم أو أراد أنهم من الملائكة، لا من الناس؛ فأنفسهم تأنف من سكنى الأجسام المركبّة من اللحم والعظم. وقوله: الطويل ويَبْسِمْنَ عن غُرٍّ تَقَلَّدْنَ مِثْلَهُ ... كأنَّ التَّراقي وُشِّحَتْ بالمبَاسِمِ قال: إنما عدل عن الدر إلى الغر؛ لأن الدرة ربما كانت عظيمة لا يحسن أن تشبه بها السن. وأقول: إن كان عدل عنه لذلك؛ فإنه قد وقع فيه! لأن الغر هنا صفة للدر، ولهذا قال: تقلدن مثله؛ أي درا مثله؛ ثم قال: . . . . . . . . . ... كأنَّ التَّراقي وُشِّحَتْ بالمبَاسِمِ

стр. 689

فحقق إنها در؛ لأن العقود المتوشح بها لا تكون إلا درا. على إنه قد روي: ويبسمن عن در وإنما في غر زيادة الوصف. وقوله: الطويل تَمُرُّ عليه الشمسُ وهي ضَعِيفَةٌ ... تُطَالِعُهُ من بين رِيشِ القَشَاعِمِ قال: يقول: إن الجيش ارتفع غباره، فالشمس لا تصل إليه، إلا أن تدخله من بين ريش القشاعم. وأقول: وكذلك إذا لم يرتفع غباره؛ فان الشمس لا تدخله إلا من بين ريش القشاعم! وضعف الشمس هنا ما هو لكثرة الغبار، وإنما هو لكثرة الطير التي قد حجبت بين الجيش وبينها، فربما نزل من فرجها ضوء، فتدور على البيض، مثل الدراهم ولو كان من ارتفاع لما كان كذلك. وقد جعل أبو الطيب ضوء الشمس النازل من خلل الأشجار في مكان آخر بمنزلة الدنانير، وهو قوله: الوافر وألْقَى الشَّرقُ في ثيابي ... دَنَانيراً تَفِرُّ من البَنَانِ

стр. 690

وقوله: الكامل والناسُ قد نَبَذُوا الحِفاظَ فُمْطَلقٌ ... يَنْسَى الذي يُولَى وعَافٍ يَنْدَمُ قال: عاف من العفو عن الإساءة، يندم لأن ضنيعه لم يشكر. وعلى كل حال فالندم على فعل الجميل، غير مستحسن. وأقول: المعنى قد ذكرته فيما تقدم. وقوله: الطويل وقد وَصَل المُهْرُ الذي فوقَ فَخْذِهِ ... من اسْمِكَ ما في كُلِّ عُنْقٍ ومِعْصَمِ قال: أي أنت مالك كل حي، فرسا كان أو إنسانا. وأقول: ليس هذا تفسير هذا البيت. بل هو تفسير البيت الذي يليه! وإنما تفسيره، أن هذا الفرس في فخذه سمة بالنار، يعرف بها لك، كما إن في كل عنق

стр. 691

ومعصم سمة من جميلك يعرف بها لك، فكلا السمتين يدل على الملك؛ إلا أن هذه سمة بنار، وهي للدواب، وهذه سمة بغير نار وهي للناس. وقوله: الوافر مَلُومُكُمَا يَجِلُّ عن المَلامِ ... وَوَقْعُ فَعَالهِ فَوْقَ الكَلامِ قال: قوله: . . . . . . . . . ... وَوَقْعُ فَعَالهِ فَوْقَ الكَلامِ يريد إنه إذا قال قولا، اتبعه بالفعل، من غير تلبث. وليس كمن يمطل إذا وعد إنه يفعل. وأقول: إنه لم يرد اتباع قوله بالفعل، ولا في الكلام دليل عليه. وإنما أراد إنه يفعل أكثر مما يقول، وليس كمن يقول قولا، من وعد، أو وعيد، فيكون فعله اقل من قوله. وهذا مثل قول الآخر: الوافر يقولُ فُيُحْسِنُ القَوْلَ ابنُ لَيْلَى ... ويَفْعَلُ فَوْقَ أحْسَنِ مَا يَقُولُ

стр. 692

وقوله: الوافر ومَنْ يَجِدُ الطَّريق إلى المَعَالي ... فلا يَذَرُ المَطِيَّ بلا سَنَامِ قال: من في هذا البيت معطوف على من في البيت الأول. يقول: اعجب ممن يجد طريقا إلى المعالي ولا يطلبها، حتى يذهب أسنمة الإبل. وأقول: هذا المعنى لا يكون إلا على رواية ولا يذر بالواو، وأما برواية فلا يذر بالفاء، فيكون المعنى غير ذلك. ويجوز في قوله: ومن يجد الرفع على ما قبله، وتكون من نكرة أو بمعنى الذي. . ويحتمل أن يكون هذا البيت غير معطوف على الأول، ويكون مثلا قائما بنفسه، وتكون من للشرط ويجد مجزومة. والتقدير: ومن يجد طريقا إلى المعالي، وطريق المعالي صعبة شاقة بعيدة، فليستظهر عليها بالإبل التي لها أسنمة؛ أي: بالسمان، ليقوى على طريقها، والوصول اليها، كالابل التي تستعد للحجاز وما أشبهه من البلاد الشاقة البعيدة. وهذا مثل ضربه بذلك؛ يقول: من أراد إدراك المعالي، فليتوصل إليها بالعطايا الكثيرة، والجود الظاهر القوي.

стр. 693

وقوله: المتقارب فذَاكَ الذي عَبَّهُ مَاؤهُ ... وذاك الذي ذَاقَهُ طَعْمُهُ قال: يقول: هذا الهالك، إنما شرب ماء نفسه. والذي ذاق، إنما هو طعمه؛ لأنه كان يذيق عداته الموت. يقول: كأن الزمان أتى من موت فاتك بما فيه نقض للعادة، لأن الماء مشروب لا شارب، والطعم مذوق لا ذائق. وأقول: إنه توهم إن الهاء في عبّه وذاقه ضمير فاعل، وليس كذلك، إنما هو ضمير المفعول والفاعل مستتر؛ كأنه قال: وذلك الشيء الذي شربه فاتك ماؤه، وذاك الشيء الذي ذاقه فاتك طعمه. وهذا البيت مرتب على البيت الذي قبله وهو: المتقارب وإنَّ مَنِيَّتَهُ عنَدهُ ... لكَالخَمْرِ سُقِّيَهُ كَرْمُهُ وإذا كان كذلك، فهو الشارب لما سقي، والذائق لما أطعم. فالماء مشروب لا شارب، والطعم مذوق لا ذائق. والعادة جارية على ما هي عليه لم تنتقض.

стр. 694

وقوله: الكامل والماءُ بين عَجَاجَتينِ مُخَلِّصٌ ... يَتَفَرَّقَانِ بهِ وَيْلتَقِيَانِ قال: يعني عجاجة المسلمين وعجاجة الروم. وأقول: وليس كذلك! بل العجاجتين للمسلمين؛ لا نمنعهم من عبر النهر، ومنهم من لم يعبره. فكلا الفريقين، قد أثار عجاجة، فإذا قويتا التقتا، وإذا ضعفتا خلّص بينهما النهر فافترقتا. وقد أخبر أبو الطيب أنهم قطعوه، فدل على ما قلت. وقوله: الكامل يَتَفَزَّعُ الجَبَّارُ من بَغَتَاتِهِ ... فَيظَلُّ في خَلَواتِهِ مُتَكَفِّنَا قال: زعم إنه يتكفن، لأنه لا يأمن أن يأتيه من قبل الممدوح. ومما هو

стр. 695

بضد هذا الغرض، قول مسلم بن الوليد: البسيط تراهُ في الأمنِ في دِرْعٍ مُضَاعَفَةٍ ... لا يأمَنُ الدَّهْرَ أن يُؤتَى على عَجَلِ وأقول: إن أبا الطيب وصف الجبار بالخوف من الممدوح، ومسلما وصف الممدوح بالحزم. حتى روي، أن يزيد بن مزيد، دخل على الرشيد ذات يوم، فاستبان من تحت ثيابه درعا، فقال: ما هذا؟ قال: أردت تصديق قول مسلم يا أمير المؤمنين! وذكر البيت. والحزم هو التحفظ، والتحفظ ضرب من الخوف؛ وإذا كان كذلك فليس بين البيتين تضاد. وقوله: الكامل طَرِبَتْ مَرَاكِبُنَا فَخِلْنَا أنَّها ... لَوْلاَ حَيَاءٌ عاقَهَا رَقَصَتْ بنا قال: المراكب: جمع مركب، وهو الذي يوضع على ظهر الدابة ليركب فيه. ويجوز أن تسمى الدابة مركبا. قال: وكون المركب في معنى السرج، أبلغ في هذا الموضع؛ لأن الدابة حيوان فهي أقرب إلى الرقص من الذي يركب فيه. وأقول: إن الإغراق في المبالغة في كل موضع لا يستحسن، فوصف السروج بالطرب والحياء، والرقص، بعيد من الحقيقة. وقد جعل - هو - البعد من الحقيقة سببا للحسن، وذلك غير حسن؛ لما فيه من الإحالة. ونحن إذا وصفنا الخيل، التي هي حيوان، بذلك، كنا من الإحالة على وجل، فكيف بالسروج التي هي خشب؟!

стр. 696

وقوله: الكامل فَطِنَ الفُؤادُ لِمَا أتيتُ على النَّوَى ... وَلِمَا تَرَكْتُ مَخَافَةً أنْ تَفْطُنَا ذكر فيه أقوالا، غير سائغ ذكرها. والصحيح إنه وصفه بالفطانة، وبالغ، حتى جعله بمنزلة من يعلم الغيب؛ يقول: أنت عالم بما فعلت، وما تركت على النوى، فأتيت الأفعال الحسنة، وتركت الأفعال القبيحة، خيفة أن تفطن، اتباعا لمرضاتك، وما يعجبك ويقرب منك. وقوله: الكامل أضْحَى فِراقُكَ لي عليه عُقُوبةً ... لَيْسَ الذي قاسيتُ منه هَيِّنَا ذكر أيضا في تفسير هذا البيت، ما لا تتحصل منه فائدة! والذي تحصل به الفائدة، أن يكون الضمير في عليه راجعا إلى: فراقك؛ يقول: أضحى فراقك عقوبة لي عليه؛ أي: على فراقك، لكوني لم أسر في صحبتك، وأمضي في خدمتك. ولهذا قال: ليس الذي قاسيت منه - أي: من فراقك - هينا؛ أي: عذبت على تفريطي وخطئي، عذابا صعبا، أي: عذبت به عليه واعترف أن ذلك ذنب، وسأله فيما بعد أن يغفره له، فليس له ذنب سواه، ولا يدل اللفظ على غيره، وما ذكر فليس يثبت.

стр. 697

وقوله: الطويل رَأتْ كلَّ مَنْ يَنْوي لك الغدر يُبْتَلَى ... بِغَدْرِ حَيَاةٍ أو بِغَدْرِ زَمَانِ قال: لا فرق بين غدر الحياة، وغدر الزمان. وإنما حمله على ذلك إقامة الوزن. والزمان غدره على ضربين: أحدهما: هلاك النفوس. والآخر: هلاك المال، وزوال الدول، وموت الأعزاء. فغدر الحياة في غدره. أقول: إن استعارة الغدر للحياة والزمان مجاز. وقد جعلهما كالصاحبين، فليس أحدهما داخلا تحت الآخر. فكنى عن الموت بغدر الحياة، وعن ذهاب المال والملك بغدر الزمان. وإذا كانا كذلك، فبينهما فرق. ولم يذكر غدر الحياة لإقامة الوزن، كما ذكر، بل لزيادة الفائدة التي بيناها. وأعجب من تتبعه له دائما من غير عثور على خطأ، أو إظهار فائدة، ولكنه يشتهي أن ينخرط في سلك الأدباء، ويجري في حلبة النقاد على الشعراء!! وقوله: الطويل ثَنَى يَدَهُ الإحْسَانُ حتى كأنَّهَا ... وقد قُبِضَتْ كانَتْ بِغَيْرِ بَنَانِ

стр. 698

أخبر عن المعري: قال: ملأت يده بالإحسان حتى ثناها إلى ورائه، فكأنها، لما قبضت ما وهبت له، لم يكن لها بنان يطبقها على الموهوب فأرسلته! وأقول: إن في هذا البيت توبيخا لشبيب يتبع ما تقدمه؛ أي: لم يمسك من إحسانك على شيء فيجازيه بالكف عن الخروج عليك. فكأن إحسانك رد يده، لما قبضته، وكانت صحيحة، بغير بنان، فلم يحصل منه على شيء. فقد نسبه إلى الغدر بسوء المجازاة، وما بعده يدل عليه. فهذا هو الأشبه بالمعنى، لا قوله: رد يده إلى ورائه لما قبضت ما وهبت له! وقوله: المنسرح تَبُلُّ خَدَّيَّ كُلَّما ابْتَسَمَتْ ... من مَطَرٍ بَرْقُهُ ثَنَايَاهَا قال: قال المعري: هذا البيت يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون: كلما ابتسمت أخذه البكاء؛ لأنه يخاف من الفراق، أو تغير النية،

стр. 699

فيكون المعنى كقوله: الطويل . . . . . . . . . ... . . . ظَلْتُ أشْكُو وتَبْسُمُ والآخر: أن تكون المحبوبة تقبله، فيصيب خديه شيء من الريق وإن قل. ويقوي هذا الوجه قوله: المنسرح فَقَبَّلَتْ ناظري تُغَالِظُني ... . . . . . . . . . وأقول: الوجه هو الأول، وهو مشهور كثير، وقد سبق اليه، فمن ذلك قول أبي نواس: المقتضب تَضْحكينَ لاهِيَةً ... والمُحِبُّ يَنْتَحِبُ إلا أن أبا الطيب زاد فيه زيادة حسنة، وذلك إنه استعار للبكاء مطرا، وللثنايا بالضحك برقا، وجعل ذلك المطر، الذي هو الدمع، نتيجة ذلك البرق، الذي هو إضاءة الثنايا. والبرق يولد المطر، فجعل برق الثنايا بحسنه يولد مطر الدموع بسبب العشق. وهذا من ألطف البديع وأحسن التفريع. وأما الوجه الثاني، فهو قول ابن جني وليس بشيء! وتقويته بالبيت الذي ذكره، يدل على ضعفه وضعف رأيه!

стр. 700

وقوله: المنسرح لَقِنَنَا والحمولُ سَائِرَةٌ ... وَهُنَّ دُرٌّ فَذُبْنَ أمْوَاهَا قال: قوله: فذبن أمواها يحتمل أن يكون من الحياء، ويحتمل أن يكون من كثرة البكاء. قلت: ويحتمل أن يكون من الشوق إلينا، أو من نعمتهن، وشدة حركة الإبل بالسير، أو من حرارة أنفاسنا بلقائهن لنا، ويكون مثل قوله: الكامل وَبَسَمْنَ عن بَرَدٍ خَشِيتُ أذِيبُهُ ... من حَرِّ أنفاسي فكُنْتُ الذَّائِبَا إلا إنه بالغ هاهنا فجعل أنفاسه تذيب الدر. وقوله: المنسرح في بَلَدٍ تُضْرَبُ الحِجَالُ به ... على حِسَانٍ وَلَسْنَ أشْبَاهَا قال: أي: كل واحدة منهن منفردة بالحسن، لا يشاكلها فيه غيرها. قال: ويجوز أن يكون: لسن أشباها أي: قد صارت هذه المشيب بها سببا

стр. 701

لاختلافهن؛ لأنها لا نظير لها فيهن؛ كقوله: المنسرح الناسُ ما لَمْ يَرَوْكَ أشْبَاهُ ... . . . . . . . . . وأقول: إنه وصف هذه النساء، فجعلهن كالضباء؛ الا انهن يخالفن الظباء، بأنهن في بلد يضرب عليهن فيه الحجال، وليس الظباء كذلك. وإنهن لسن أشباها، وليس كذلك الظباء لأنهن أشباه، ويدل على ذلك قوله: المنسرح كُلُّ مَهَاةٍ تقولُ مُقْلَتُهَا ... . . . . . . . . . وقوله: المنسرح تَعُومُ عَوْمَ القَذَاةِ في زَبَدٍ ... من جُودِ كَفِّ الأميرِ يَغْشَاهَا قال: جعل الممدوح في أول المدح مولى الملوك، ثم خاطبه بالأمير فنقصه. وأقول: إن أبا الطيب، كان قادرا على أن يقول: من جود كف المليك ولكن ليس له من القوة، والجزالة، واللذاذة، ما للفظة الأمير هنا. وهم يعنون بتحسين الالفاظ، وتهذيبها، كما يعنون بتحسين المعاني وترتيبها، ولعل عضد الدولة كان، في ذلك الوقت، يخاطب بالأمير؛ لأنه قبل أن يتسع ملكه وتزداد عظمته.

стр. 702

وقوله: المنسرح النَّاسُ كالعَابدينَ آلِهَةً ... وعَبْدُهُ كالمُوَحِّدِ اللاَّها قال: يقول: الناس الذين في طاعة غيره، كأنهم يعبدون آلهة مختلفة. وعبيده الذين يطيعونه، كأنهم الموحدون، وهذا كقوله: الطويل ولَسْتَ مَلِيكاً هازِماً لِنَظِيرِهِ ... ولكنَّكَ التَّوْحيدُ للشِّرْكِ هَازِمُ وذكر عن ابن جني وجها آخر، أي: عبده مقبل بالطاعة عليه، معرض بالرجاء إليه عمن سواه لإغنائه إياه عنه. وعبد غيره، يطلب من هذا تارة، ويرجو من هذا أخرى. وأقول: المعنى هو الأول؛ أي: الناس الذين هم في دين غيره ضلال. والذين هم في دينه وطاعته مهتدون. وضرب لذلك مثلا بالشرك والتوحيد. وأما تمثيله هذا البيت، بالبيت الذي ذكره، فغير صحيح. لأن في ذلك البيت إخبارا عن عظم سيف الدولة، وعظم عدوه ملك الروم؛ يقول: لست ملكا يهزم ملكا، وإنما أنت التوحيد يهزم الشرك. وهذا من قول النبي - صلى الله عليه - في علي ﵇ وعمرو بن عبد ود: برز الإيمان كله، إلى الشرك كله! ومعنى هذا البيت إن طاعتك توحيد، وطاعة غيرك شرك، فليس بينهما تماثل إلا باللفظ.

стр. 703

وقوله: الطويل حَبَبْتُكَ قَلْبي قَبْلَ حُبِّكَ من نَأى ... وقد كانَ غَدَّاراً فكُنْ أنْتَ وَافِيَا أقول: إنه عرّض بسيف الدولة، بهذا البيت إلى قوله: خُلِقْتُ ألوفاً. . . . . . ... . . . . . . وقوله: حبك من نأى إشارة إلى قوله: البسيط إذَا تَرَحَّلْتَ عن قَوْمٍ وقد قَدَرُوا ... ألاَّ تُفَارِقَهُمْ فالرَّاحِلُونَ هُمُ فجعل سيف الدولة عنه نائيا، وإن كان هو النائي عن سيف الدولة. وهذا آخر المآخذ على الشيخ، أبي زكريا، يحيى بن علي، الخطيب التبريزي.

стр. 704

الجزء الرابع المآخذ على شرح الكندي الموسوم بالصفوة

стр. 705

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه مآخذ على الشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي في أبيات أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي. وأقول: إن الشيخ ﵀ ذكر هذه الألفاظ في الحواشي، وذلك أن القاضي الفاضل سأله فيها فأجابه إليها وكتبها بخطه وأهداها له، فلم يزد فيها من عنده على من قبله من الشراح إلا الشيء اليسير، وقد ذكرت ما وقع لي في ذلك فمنه قوله: المنسرح يا ليتَ بي ضَرْبةً أُتِيحَ لها ... كما أُتِيحَتْ له مُحَمَّدُهَا قال: تمنى أن يفديه من شربة أصابته في وجهه في بعض حروبه، وأضاف اسم الممدوح إلى الضربة لما كسب بها من الحمد. وأقول: كيف تمنّى أن يفدي الممدوح من ضربة لم تؤثر فيه؛ بل هو أثر فيها واكتسب بها شرفا وحمدا؟! إنما يتمنى المحب أن يفدي من يحبه من شيء تألم به وضره وآذاه؛ فهذا، على ما قال، دعاء عليه لا دعاء له!
следующие страницы →