← Адаб

Адаб · id 37057

المآخذ على شراح ديوان أبي الطيب المتنبي

المهلبي، أبو العباس

Полный текст (1 138 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

لاختلافهن؛ لأنها لا نظير لها فيهن؛ كقوله: المنسرح الناسُ ما لَمْ يَرَوْكَ أشْبَاهُ ... . . . . . . . . . وأقول: إنه وصف هذه النساء، فجعلهن كالضباء؛ الا انهن يخالفن الظباء، بأنهن في بلد يضرب عليهن فيه الحجال، وليس الظباء كذلك. وإنهن لسن أشباها، وليس كذلك الظباء لأنهن أشباه، ويدل على ذلك قوله: المنسرح كُلُّ مَهَاةٍ تقولُ مُقْلَتُهَا ... . . . . . . . . . وقوله: المنسرح تَعُومُ عَوْمَ القَذَاةِ في زَبَدٍ ... من جُودِ كَفِّ الأميرِ يَغْشَاهَا قال: جعل الممدوح في أول المدح مولى الملوك، ثم خاطبه بالأمير فنقصه. وأقول: إن أبا الطيب، كان قادرا على أن يقول: من جود كف المليك ولكن ليس له من القوة، والجزالة، واللذاذة، ما للفظة الأمير هنا. وهم يعنون بتحسين الالفاظ، وتهذيبها، كما يعنون بتحسين المعاني وترتيبها، ولعل عضد الدولة كان، في ذلك الوقت، يخاطب بالأمير؛ لأنه قبل أن يتسع ملكه وتزداد عظمته.

стр. 702

وقوله: المنسرح النَّاسُ كالعَابدينَ آلِهَةً ... وعَبْدُهُ كالمُوَحِّدِ اللاَّها قال: يقول: الناس الذين في طاعة غيره، كأنهم يعبدون آلهة مختلفة. وعبيده الذين يطيعونه، كأنهم الموحدون، وهذا كقوله: الطويل ولَسْتَ مَلِيكاً هازِماً لِنَظِيرِهِ ... ولكنَّكَ التَّوْحيدُ للشِّرْكِ هَازِمُ وذكر عن ابن جني وجها آخر، أي: عبده مقبل بالطاعة عليه، معرض بالرجاء إليه عمن سواه لإغنائه إياه عنه. وعبد غيره، يطلب من هذا تارة، ويرجو من هذا أخرى. وأقول: المعنى هو الأول؛ أي: الناس الذين هم في دين غيره ضلال. والذين هم في دينه وطاعته مهتدون. وضرب لذلك مثلا بالشرك والتوحيد. وأما تمثيله هذا البيت، بالبيت الذي ذكره، فغير صحيح. لأن في ذلك البيت إخبارا عن عظم سيف الدولة، وعظم عدوه ملك الروم؛ يقول: لست ملكا يهزم ملكا، وإنما أنت التوحيد يهزم الشرك. وهذا من قول النبي - صلى الله عليه - في علي ﵇ وعمرو بن عبد ود: برز الإيمان كله، إلى الشرك كله! ومعنى هذا البيت إن طاعتك توحيد، وطاعة غيرك شرك، فليس بينهما تماثل إلا باللفظ.

стр. 703

وقوله: الطويل حَبَبْتُكَ قَلْبي قَبْلَ حُبِّكَ من نَأى ... وقد كانَ غَدَّاراً فكُنْ أنْتَ وَافِيَا أقول: إنه عرّض بسيف الدولة، بهذا البيت إلى قوله: خُلِقْتُ ألوفاً. . . . . . ... . . . . . . وقوله: حبك من نأى إشارة إلى قوله: البسيط إذَا تَرَحَّلْتَ عن قَوْمٍ وقد قَدَرُوا ... ألاَّ تُفَارِقَهُمْ فالرَّاحِلُونَ هُمُ فجعل سيف الدولة عنه نائيا، وإن كان هو النائي عن سيف الدولة. وهذا آخر المآخذ على الشيخ، أبي زكريا، يحيى بن علي، الخطيب التبريزي.

стр. 704

الجزء الرابع المآخذ على شرح الكندي الموسوم بالصفوة

стр. 705

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذه مآخذ على الشيخ أبي اليمن زيد بن الحسن الكندي في أبيات أبي الطيب أحمد بن الحسين المتنبي. وأقول: إن الشيخ ﵀ ذكر هذه الألفاظ في الحواشي، وذلك أن القاضي الفاضل سأله فيها فأجابه إليها وكتبها بخطه وأهداها له، فلم يزد فيها من عنده على من قبله من الشراح إلا الشيء اليسير، وقد ذكرت ما وقع لي في ذلك فمنه قوله: المنسرح يا ليتَ بي ضَرْبةً أُتِيحَ لها ... كما أُتِيحَتْ له مُحَمَّدُهَا قال: تمنى أن يفديه من شربة أصابته في وجهه في بعض حروبه، وأضاف اسم الممدوح إلى الضربة لما كسب بها من الحمد. وأقول: كيف تمنّى أن يفدي الممدوح من ضربة لم تؤثر فيه؛ بل هو أثر فيها واكتسب بها شرفا وحمدا؟! إنما يتمنى المحب أن يفدي من يحبه من شيء تألم به وضره وآذاه؛ فهذا، على ما قال، دعاء عليه لا دعاء له!

стр. 706

وقوله: المنسرح أثَّرَ فيها وفي الحَديدِ وَمَا ... أثَّرَ في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا قال: ادعى التأثير في العرض مجازا شعريا. ويمكن أن يحمل على أن تأثيره في الضربة ردها عن إزهاق نفسه وفي الحديد تغليل السيف المضروب به. وقوله: . . . . . . وما ... أثَّرَ في وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا أي: لم تشنه بل حسنته بالفخر، فان العرب تفتخر بالضرب في الوجوه، وتسب بالضرب في الظهور. وأقول: أن أبا الطيب بالغ في القول فعكس القضية، وذلك أن من عادة الحديد والضرب أن يؤثر في المضروب ويكسبه بتأثيره فيه، فخرا وشرفا فجعل أبو الطيب أن الممدوح أثر في السيف، وفي الضربة، وكسبها زينة وشرفا وجعل الجراح تحسدها في قوله: المنسرح فاغْتَبَطَتْ إذْ رأتْ تزيُّنَهَا ... بمثلهِ والجراحُ تَحْسُدُهَا وهذه طريقة له مشهورة في المبالغة، من ذلك قوله: الطويل طِوالُ الرُّدَينياتِ يَقْصِفُها دَمِي ... وبِيضُ السُّرَيْجِيَّاتِ يَقْطَعُهَا لَحْمِي

стр. 707

وقوله: الخفيف ولعَلِّي مُؤَمِّلٌ بَعْضَ ما أبْ ... لُغُ باللُّطْفِ من عَزيزٍ حَميدِ قال: حمل بعض الناس هذا البيت على القلب الوارد في كلام العرب، وهو أن يذكر الشيء ويراد عكسه. ولكن إنما يجوز ذلك عندهم إذا أمن الإلباس، فإذا خيف اللبس لزم الأصل، وهاهنا يقع اللبس لأنه يجوز أن يريد: أن الذي أبلغه بلطف الله أمر عظيم فوق أملي. وقد روي عن المتنبي إنه سئل عنه فقال: لم أقل الا: ولعلِّي مُبَلَّغٌ بعض ما آ ... مُلُ. . . . . . أي: أملي فوق ذلك. وأقول: لا يحسن أن يكون إلا: ولعَلِّي مُؤَمِّلٌ بَعْضَ ما أبْ ... لُغُ. . . . . . وذلك أن قرنه بلطف الله العزيز الحميد؛ أي: بلطف الله وتيسيره أبلغ فوق ما آمل. ولا يحسن أن يقال: بلطف الله أمل فوق ما ابلغ أو ابلغ بعض ما آمل، هذا لا يقوله محصل، فالرواية عن أبي الطيب غير صحيحة، والبيت مستو غير مقلوب، والمقلوب فهم الرواي!

стр. 708

وقوله: المنسرح كَيْفَ أُكَافِي عَلَى أجَلِّ يَدٍ ... مَنْ لا يَرَى أنَّهَا يَدٌ قِبَلِي قال: أكافي: محذوف الهمزة، والمعنى: لا يعتد أجل نعمة له عندي نعمة، احتقارا لها في جنب منزلتي عنده. وأقول: لم يحذف الهمزة وإنما قلبها ياء لسكونها وانكسار ما قبلها. وقوله: لا يعتد اجل نعمة له عندي نعمة احتقارا لها إلى هاهنا تم الكلام والمعنى. وقوله: في جنب منزلتي نقض للمعنى! والجيد إطلاق النعمة من غير اشتراط منزلة أحد من الناس. وقوله: الكامل أحْبَبْتُ بِرَّكَ إذْ أرَدْتُ رَحِيلا ... فوجَدْتُ أكْثَرَ ما وَجَدتُ قَلِيلاَ وتمام القطعة وهي أربعة أبيات.

стр. 709

قال: هذه القطعة تحتمل تأويلين: أحدهما: أن المتنبي أهدى لصديقه شيئا كان الصديق أهداه له. والآخر: أن يكون جعل ما من عادة صديقه أن يزوده به عند فراقه، ويهديه إليه هدية منه له؛ أي: سأله أن لا يتكلف له. وأقول: إن أبا الطيب مستحيل أن يهدي لأحد شيئا، أو يسأله ترك التكلف له، وهو يرى إنه مع بذل الجهد مقصر عما يستحقه. والمعنى قد ذكرته فيما قبل. وقوله: الطويل بما بَيْنَ جَنْبَيَّ التي خَاضَ طَيْفُهَا ... إليَّ الدَّيَاجي والخَلِيُّونَ هُجَّعُ قال: لا معنى لتخصيصه إياهم بالنوم دون نفسه؛ لأن الخيال إنما يزوره وهو نائم، وما أعلم أحدا أخذ عليه هذا المعنى غيري! وأقول: إن قوله: ما أعلم أحدا أخذ عليه هذا المعنى غيري عجيب!! وهذا الواحدي تفسيره أيسر وأشهر من الشمس، وهو ينقل منه دائما، قد ذكره وقال: إن هذا كالمضادة، لأن الخليون وإن كانوا نياما فهو أيضا نائم حين رأى خيالها، ولكن يجوز أن يكون نومه نعسة خفيفة وغيره نام جميع ليله. ولعل الشيخ لم يقف على هذا الموضع، والجيد أن لا يكون أخذ عليه لأن هذا

стр. 710

الأخذ غير صحيح، وبيانه: إنه لم يرد تخصصهم بالنوم دونه، ولا إدخالهم في شيء خرج منه، وإنما قال: أفدي بقلبي التي خاض طيفها إلي الدياجي، واللوام، أو العذال الخليون من الهوى، هجع؛ أي: غافلون عنه بنومهم، وهذا من قول بعضهم: () الرمل رَاقَبَ الفُرْصَةَ حتى أمْكَنَتْ ... ورَعَى السَّامِرَ حتى هَجَعَا ويحتمل وجها آخر وهو إخباره إنه نام ونام الخليون فخضه بالزيارة دونهم وقد اشتركا في سبب الزيارة فهو يفديه لذلك الاختصاص. وقوله: الطويل رَمَاني خِسَاسُ النَّاسِ من صائبِ أسْتِهِ ... وآخَرُ قُطْنٌ من يَدَيْهِ الجَنَادِلُ قال: قال ابن جني والربعي جميعا: أي: من ضعفه لا يتعدى رميه أسته. وقال شيخنا الشريف ابن الشجري: إنما هذا مثل؛ أي: رماني بعيب هو فيه لأنه ذو ابنة فكأنه أراد إصابتي فأصاب أسته! وأقول: إن هذه الأقوال ضعيفة وأضعفها قول ابن الشجري: رماني بعيب هو فيه؛ أي: رماني بالابنة. والمعنى إنه رماني بسهم من عيب فرد عليه أقبح رد؛ كأنه يقول: أنا ليس في عيب

стр. 711

فغلبني عائب نفسه أقبح عيب. وقوله: البسيط أبْدَيْتِ مثلَ الذي أبديتُ من جزعٍ ... ولم تُجِنِّي الذي أجنَنْتُ من ألمِ قال: ناقض في هذا البيت بما أخبر به عنها في قوله: البسيط تَنَفَّسَتْ عن وفاءٍ غَيرِ مُنْصَدعٍ ... يَوْمَ الوَدَاعِ وشَعْبٍ غير مُلْتَئِمِ وأقول: لم يناقض! وقد بينته فيما قبل. وقوله: البسيط ورَبَّ مَالٍ فَقِيراً من مُرُوَءتِهِ ... لم يُثْرِ منهَا كما أثْرَى من العَدَمِ

стр. 712

قال: ورب مال منصوب بأرى؛ يعني عطفا على ما قبله وهو: أرَى أُنَاساً ومَحْصُولي على غَنَمٍ ... . . . . . . وفقيرا حال؛ أي: إذا كان رب المال لا مروءة له، فإثراؤه من العدم لا من الوجود. وأقول: إن قوله: فقيرا: حال وهم، لأنه بعد نكرة، والصحيح إنه صفة لرب مال، وإنما أوقعه في ذلك إنه رأى: أرى من رؤية العين لا تتعدى إلى مفعولين، ورأى فقيرا منصوبا فظن إنه حال، وذلك جائز في الضرورة، وأما مع الاختيار فلا. والمعنى إن رب المال إذا كان فقيرا من المروءة بخل بماله، فلا ينتفع به ولا ينفع، فيكون وجوده كعدمه، والعدم اصلح! وقوله: البسيط وَجَدَّدَتْ فَرَحاً لا الغَمُّ يَطْرُدُهُ ... ولا الصَّبَابةُ في قَلْبٍ تُجَاوِرُهُ قال: أي: امتلأت القلوب بالفرح، فلا غم يغلبه، ولا صبابة شوق تجاوره. وأقول: إنه كرر الألفاظ المنظومة منثورة، وكلاهما محتاج إلى شرح، وقد ذكرته قبل.

стр. 713

وقوله: البسيط في فَيْلَقٍ من حَديدٍ لو قَذَفْتَ به ... صَرْفَ الزَّمَانِ لما دارَتْ دَوَائِرُهُ قال: أي: لبهت الزمان وتحير ولم تتغير على أحد به حال. وأقول: إنه بالغ في القول! وذلك إن أوفى ما يوصف عندهم بالإقدام والإهلاك صرف الزمان، ولهذا قال سبحانه حكاية قولهم: (وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ)، فقال: إن فيلق الممدوح، وهو جيشه العظيم، لو رمي به صرف الزمان، الذي هو أعظم الأشياء، لما دارت على أحد دوائره؛ أي: أحداثه ونكباته، ولشغله ما يلقاه منه عن التعرض لغيره. وقوله: الطويل رأيْتَ ابنَ أمِّ المَوْتِ لو أنَّ بأسَهُ ... فَشَا بينَ أهلِ الأرْض لانْقَطَعَ النَّسْلُ قال: جعله أخا الموت لكثرة قتله أعداءه، ولو فشا باسه لفنوا بقتل بعضهم بعضا. وأقول: إن قوله: لفنوا بقتل بعضهم بعضا ليس بشيء! والصحيح ما ذكرته في شرح الواحدي.

стр. 714

وقوله: الطويل ولولا تَوَلِّي نَفْسِهِ حَمْلَ حِلْمِهِ ... عَنِ الأرْضِ لانْهَدَّتْ وناَء بها الثُّقْلُ قال: بالغ في وصف حلمه بالرزانة. قال: والمعنى: إنه لو كان جسما لهد الأرض ثقله. وأقول: إنه قصر في العبارة عن المعنى، وقد ذكرته قبل. وقوله: الكامل اليَوْمَ عَهْدُكُمُ فأيْنَ المَوْعِدُ ... هَيْهَاتَ لَيْسَ ليَوْمِ عَهْدِكُمُ غَدُ قال: يعني بالعهد الوداع، ونعى نفسه إلى نفسه يأسا من حياته بعدهم فلا غد له. وقوله: فأين الموعد؟ استبعاد، ولو قال: متى مكان أين لكان أحسن. وهذا الذي ذكره الجماعة قبل، وجاء الكندي بعد فتبعهم فيه. وأقول: إن كثيرا من الناس يتبع بعضهم بعضا في الخطأ استرسالا من غير تأمل

стр. 715

ولا تدبر، فلا أشبههم بالعميان المتتابعين المتصلين حبلا؛ يعثر الأول منهم بحجر صغير، أو يقع في حفر قصير، فلا يتكلم خبثا ولعنة ويتتابعون كذلك، وذلك انهم علموا بالوقوع ولم يتكلموا، ولكن أشبههم بالذباب الذي يقع في اللبن، أو الفراش الذي يلقي نفسه في النار ولا يعلم! ومعنى هذا البيت وتقديره إنه سال قبل ذلك أحبته: متى الوصال؟ فقالوا: في غد، فلما حضر قال: اليوم عهدكم بالوصال فأين الموعد؟ أي: في أي مكان. فلا يجوز هاهنا متى كما ذكر، لأنهم قد عينوا له الزمان بقولهم: في غد، فلما حضر سال بأين عن المكان الذي يكون فيه الوصل فلما تبين له خلف موعدهم قال: . . . . . . ... هيهات! ليسَ ليومِ عَهْدِكُمُ غَدُ وهذا مثل قول بعضهم: الكامل في كُلِّ يومٍ قائِلٌ ليَ في غَدٍ ... يَفْنَى الزَّمَانُ ومَا تَرَى عَيْني غَدا وقوله: الكامل الموتُ أقْرَبُ مِخْلباً من بَيْنَكُمْ ... والعَيْشُ أبعَدُ منكُمُ لا تَبْعُدُوا قال: أي أموت قبل فراقكم خوفا منه، فإذا بعدتم كان العيش أبعد منكم لأن بكم الحياة. وأقول: هذه عبارة قاصرة، وألفاظ عن بيان المعنى ناقصة، وهو ما ذكرته في شرح ابن جني.

стр. 716

وقوله: الكامل نَظَرَ العُلُوجُ فَلَمْ يَرَوْا مَنْ حَوْلَهُمْ ... لمَّا رَأوْكَ وقيل هَذَا السَّيَّدُ قال: نظروا إليه نظر مبهوت للعظمة والجمال، فلبرق أبصارهم لم يروا أحدا. وأقول: بل لاحتقار من دونك لم يروه بالإضافة إليك لاشتغالهم بعظمتك لم ينظروا إلى من سواك، ولا حاجة إلى ذكر البرق. وقوله: البسيط أيامَ فِيكَ شُموسٌ ما انْبَعَثْنَ لنا ... إلاَّ ابْتَعَثْن دماً باللَّحْظِ مَسْفُوكا

стр. 717

قال: أي ما تحركن في ذهاب ولا مجيء إلا أبكيننا دما صبيبا بلحظنا إياهن. وأقول: بل بلحظهن إيانا! وذلك إن اللحظ مصدر أن جعل من العشاق فهو على ما قال، وإن جعل من الشموس، وهن النساء، فهو على ما قلت، وهو الأحسن؛ أي: يسفكن دماءنا بسيوف لحاظهن. وقوله: البسيط أحْيَيْتَ للشُّعراءِ الشِّعْرَ فامتَدَحُوا ... جَمِيعَ من مَدَحُوه بالذي فيكَا ذكر في شرحه ما هو غير مرضي، والمرضي، ما ذكرته في شرح الواحد.

стр. 718

وقوله: البسيط ولا الدِّيارُ التي كانَ الحَبيبُ بِهَا ... تَشْكُو إليَّ ولا أشْكُو إلى أحَدِ قال: قوله: ولا الديار عطف على الشوق، أي: ولا تقنع الديار مني به أيضا وتم الكلام، ثم ابتدأ فقال: . . . . . . ... تَشْكُو إليَّ ولا أشْكُو إلى أحَدِ أي: الديار تشكو إلي وحشتها بفراق أهلها، وأنا لا أشكو، لأني كتوم لأسراري، أو لجلدي، أو لأن الشكوى لا تجدي، وشكوى الدار إليه بلسان الحال. وأقول: هذا الذي ذكره قول ابن فورجة، ورد قول ابن جني وهو صحيح؛ قال: لم يبق فيّ فضل للشكوى، ولا في الديار، لأن الزمان أبلاها. وهذا القول عطف جملة على جملة، والقول الأول عطف مفرد على مفرد، وقد ذكرت ما في ذلك في شرح الواحدي. وقوله: البسيط وأينَ زَفَراتي من كَلِفْتُ به ... وأيْنَ منك ابنَ يَحْيَى صولةُ الأسَدِ

стр. 719

قال: أنكر أن يكون الحبيب يعرف حاله، وأن تكون صولة الأسد كصولة الممدوح. وأقول: التقدير الصحيح: فأين من زفراتي زفرات من كلفت به، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويدل عليه قوله في المصراع الثاني: . . . . . . ... وأيْنَ مِنْكَ ابنَ يحْيَى صَوْلةُ الأسَدِ أي: أين من صولتك صولة الأسد. وقوله: الكامل وفَشَتْ سَرَائِرُنَا إليْكَ وشَفَّنَا ... تَعْرِيضُنَا فَبَدَا لكَ التَّصْريحُ قال: اختار ابن جني، بعد أقوال ذكرها، أن يكون المعنى: لمّا جهدنا التعريض استروحنا إلى التصريح فانهتك الستر. قال: والصحيح إن الكتمان هزاه فصار الهزال صريح المقال؛ لأنه استدل بالهزال على ما في القلب من الهوى، فناب عن التصريح. وأقول: المعنى محتمل أن يقال: كنا نسر حبك منك ففشا اليك، وقد شفنا التعريض لك، أي: جهدنا وشق علينا، فاضطرنا إلى التصريح لك بالهوى. فإن كان ابن جني أراد انهتاك الستر للمحبوب فقد أصاب، وإن كان أراد للناس فقد أخطأ، ولكن الجيد ما ذكره الشيخ وهو قول الواحدي.

стр. 720

وقوله: الوافر وكُنْ كالمَوْتِ لا يَرثي لِبَاكٍ ... بَكَى منه وَيَرْوَى وَهْوَ صَادي قال: جعل الموت ريان صاديا على المجاز؛ أي: يشرب من دمائهم ما يروي مثله من مثله وهو من حرصه كالصادي. وأقول: لا معنى هاهنا لشرب الموت الدماء، وإنما جعل كثرة الإهلاك للموت بمنزلة كثرة الماء للصادي، لكن الصادي يرويه كثرة الماء، والموت لا يرويه كثرة الإهلاك لأنه أخذ في الشرب لم ينقطع. وقوله: الوافر فإنَّ الماَء يَخْرُجُ من جَمَادٍ ... وإنَّ النَّارَ تَخْرُجُ من زِنَادِ قال: أي: إن العدو يخفي فتكمن في الوداد كمون الماء في الجماد، والنار في الزناد.

стр. 721

وأقول: هذا البيت مرتب على ما قبله؛ يقول: لا تغتر بلين القول من العدو، فإنه يخرج من قلب قاس، كما إن الماء يخرج من الصخر، ولا تحقر منه خاملا ضئيلا فربما كبر أذاه وازداد حتى يلحقك ضرره، كالنار تخرج من عود، وقد ذكرته قبل. وقوله: الوافر ذِرَاعاهَا عَدُوَّا دُمْلَجَيْهَا ... يَظُنُّ ضَجِيعُهَا الزَّنْدَ الضَّجِيعَا قال: أفرط حتى لو دخل ذلك في الإمكان لخرج إلى الذم، والذراع ليس بمحل للدملج. وأقول: إن أبا الطيب لم يجهل أن الذراع ليس بمحل للدملج، وإنما قوله: ذِرَاعَاها عَدُوَّا دُمْلَجَهَا ... . . . . . . إخبار عن عظم معصمها، وإن دملجها لو وضع موضع السوار من معصمها لانفصم من غلظه!

стр. 722

وقوله: المنسرح وقد تَوَالى العِهَادُ منهُ لَكُمْ ... وجَادَتِ المَطْرةُ التي تَسِمُ قال: ويروى وجازت بالزاي، ويكون البيت، حينئذ، تقاضيا لطيفا؛ أي: المطرة التي تسم، وهي القصيدة التي القصيدة الأولى قبلها، كنت استمطر العطاء بها وقد تأخر. ومن روى جادت بالدال فقد أراد هذه القصيدة. وأقول: هذا التفسير على أن الضمير في منه راجع إلى قوله قبل: فمدحكم، وليس كذلك بل الضمير راجع إلى قوله: في الفعل أي: فعلكم منه جود أول فهو كالوسمي وما بعده، متواليا، كالعهاد، وهي الولي وما بعده من المطر، يتعهد الأرض بالري. وعلى هذا التفسير يتساوى المعنى في: جادت وجازت وقد ذكرته قبل.

стр. 723

وقوله: الطويل إلى اليَوْمِ ما حَطَّ الفِداءُ سُرُوجَهُ ... مُذُ الغَزْوُ سَارٍ مُسْرِجُ الخَيْلِ مُلْجِمُ قال: سار خبر مبتدأ محذوف والغزو مبتدأ خبر محذوف. وأقول هذا التفسير كأنه ذكره الأول ثم تتابعوا في أثره من غير تأمل كما ذكرت لك! وأقول: ما المانع أن يكون سار خبر الغزو ولا يحتاج إلى تقدير محذوفين في مكان واحد، ويكون مثل قولهم: ليل نائم ونهار صائم؛ أي ينام فيه ويصام، وكذلك الغزو يسرى فيه ويسرج ويلجم. وقوله: الكامل أسَفي على أسَفِي الذي دَلَّهْتني ... عَنْ عِلْمِهِ فَبهِ عَلَيَّ خَفَاءُ والبيت الذي بعده. نقل شرحهما من قبل غيره وهو خطأ وقد ذكرت ما فيهما في شرح الواحدي.

стр. 724

وقوله: الكامل أنْسَاعُهَا مَمْغُوطة وخِفَافُهَا ... مَنْكُوحَةٌ وطَرِيقُهَا عَذْرَاءُ إن قيل: إن جعله الطريق إلى الممدوح عذراء، لم تفتتح بالسير إليه، غير حسن، والجيد في هذا قول زهير: البسيط قَدْ جَعَلَ المبتَغُونَ الخَيْرَ في هَرمٍ ... والسَّائلونَ إلى أبْوَابهِ طُرُقَا وقد قال في موضع آخر موافق زهيرا: المنسرح قُصِدْتَ من شَرْقِهَا ومَغْرِبِهَا ... حَتَّى اشْتَكَتْكَ الرِّكابُ والسُّبُلُ قيل: لم يرد الطريق إلى الممدوح، وإنما وصف أحواله في سفره، وما يقاسي من خطره، وإن الليالي قد ألجأته إلى سلوك الفيافي المقفرة، والطرق الموحشة. وقوله: الكامل من يَظْلِمُ اللؤمَاَء في تَكْلِيفِهمْ ... أنْ يُصْبِحُوا وَهُمُ له أكْفَاءُ

стр. 725

قال: ليس عندي في هذا البيت مدح له بل لو قال: الكرماء لكان مدحا. وأقول: إن هذا البيت موطئ لما بعده وهو قوله: الكامل وَنَدِيمُهُمْ وبه عَرَفْنَا فَضْلَهُ ... وبِضِدِّهَا تَتَبَيَّنُ الأشْيَاءُ فلو قال: الكرماء لفسد المعنى. وقوله: الكامل ولك الزَّمَانُ من الزَّمَانِ وقَايةٌ ... ولك الحِمَامُ مِن الحِمَامِ فِداءُ قال: دعا له أن يهلك الزمان قبله وأن يموت الموت. وأقول: إنه دعا له أن يقيه الزمان من نفسه بنفسه، وان يفديه الحمام من نفسه بنفسه، فهذه العبارة أحسن وأسلم وأشبه بلفظ البيت من غير ان يتعرض لذكر لفظ الهلاك قبل الزمان أو بعده.

стр. 726

وقوله: الوافر وقالُوا: هَلْ يُبَلِّغُكَ الثُّرَيَّا ... فقلتُ: نَعَمْ إذا شِئتُ اسْتِفَالاَ قال: درجته عند الممدوح أعلى من الثريا فلو بلّغه، على قولهم، الثريا لكان ذلك انحطاطا عن منزلته عنده. وأقول: الجيد في هذا إنه مثل قوله: الكامل فَوْقَ السَّماءِ وفَوْقَ ما طَلَبُوا ... فإذا أرادوا حَاجَةً نَزَلُوا أي: أنا بخدمته فوق الثريا، فإذا أراد أن يبلغني إياها نزلت إليها. وقوله: الكامل أجِدُ الجَفَاَء على سِوَاكِ مُرُوءةً ... والصَّبْرَ إلاَّ في نَوَاكِ جَمِيلاَ قال: يعني تجافيه النساء لعفته عنهن ومروءته. فيقال له: فمن تمام العفة والمروءة أن يتجافى، أيضا، عن هذه التي استثناها! وهذا الذي ذكره لم يرده، وإنما أراد: أني أرى الجفاء على سوى الحبيب مروءة لأن الغدر

стр. 727

مواصلة غيره، والوفاء هجر من سواه. وكذلك قوله: والصبر؛ يقول: إن الصبر في كل شيء إلا في فراق الحبيب فإنه قبيح كقول عتي بن مالك العدوي: الطويل أعَدَّاءُ ما وَجدي عليكِ بِهَيِّنٍ ... ولا الصَّبْرُ إنْ أعْطِيْتُهُ بِجَميلِ وكقول ديك الجن، وبالغ: الطويل ومَا الإثمُ إلاَّ الصَّبْرُ عنك وإنما ... عَوَاقِبُ حَمْدٍ أنْ تُذَمَّ العَواقِبُ وقوله: الكامل ما قُوبِلَتْ عَيْنَاهُ إلاَّ ظُنَّتَا ... تَحْتَ الدُّجَى نَارَ الفَرِيقِ حُلولاَ قال: لو قدر أن يقول نارين، بالتثنية، كان أحسن. وأقول: إنما شبه عينيه في الدجى بالنار للإضاءة، فكل واحدة منهما تشبه النار في النور، فجعلهما كنار الفريق، وهو القطعة من الناس يكون لهم نار واحدة فهي أقوى من غيرها.

стр. 728

وقوله: الكامل سَمِعَ ابنُ عَمَّتِهِ به وبِحَالِهِ ... فَنَجا يُهَرْوِلُ منك أمْسِ مَهُولا قال: ليس في ابن عمته تحقيق نسب، لا ولو قال (أخوه)، وإنما أراد واحدا من جنسه. فيقال له: لا بد أن يكون الاختصاص بالذكر لأمر أما معنوي أو لفظي، فتخصيص ابن العمة دون ابن الخالة وغيره، بالمعنى، مستحيل فلم يبق إلا اللفظ وهو استعمال العرب له؛ قال أبو زبيد: البسيط أفَزَّ عَنْهُ بَنِي العَمَّاتِ جُرْأتُهُ ... فكلُّها خاشِعٌ منه ومُكْتَنِعُ وقوله: الكامل وتَوَقَّدَتْ أنفاسُنَا حتى لقد ... أشْفَقْتُ تَحْتَرِقُ العَواذِلُ بَيْنَنَا قال: وعذر الإشفاق هاهنا، والعواذل لا يشفق عليهن، خوفه أن ينم عليهما الاحتراق فيطلع على حالهما.

стр. 729

فيقال له: ولم لا يشفق على العواذل وهن إنما يعذلن على وجه الشفقة والمحبة؟ أما في إتلاف المال كقوله: الطويل وعَاذلةٍ هَبَّتْ عليَّ تَلُومُنِي ... كأنِّي إذا أتْلَفْتُ مالي أضِيمُهَا أو على الغي في ارتكاب اللهو والباطل كقوله: الكامل بكَرَ العوَاذِلُ في الصَّبُو ... حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ فإن قال: العواذل لا يشفق عليهن لأجل عذلهن له على الهوى فيقال: لم يبلغ ذنبهن بالعذل إلى إحراقهن، ويكفي في ذلك، الإعراض عنهن واطراح قولهن. وقوله: الكامل أضْحَى فراقُكَ لي عَلَيْهِ عُقُوبةً ... لَيْسَ الذي قَاسَيْتُ منه هَيِّنَا قال: الذي في (عليه) يرجع إلى ما فعلته مما أنت كارهه، والضمير في (منه) يرجع إلى الفراق. وأقول: أن الضمير في (عليه) و (منه) راجع إلى الفراق؛ أي: عوقبت بفراقك على فراقك، لكوني لم أمض في صحبتك، فليس الذي قاسيت منه؛ أي من فراقك، هينا بل صعبا، فهذا ذنبه إليه ليس له ذنب سواه.

стр. 730

وقوله: المنسرح سَأشْرَبُ الكَأسَ من إشَارَتِها ... ودَمْعُ عَيْني في الخَدِّ مَسْفُوحُ قال: إنما ذكر بكاءه عند شربه الكأس لأنه كره الشرب ولم يقدر على مخالفة الإشارة ولا الخروج عن موافقة الممدوح. وأقول: لم يذكر البكاء لذلك، وإنما ذكره لحبه اللعبة إذ هي بمنزلة الإنسان، وقد قال: . . . . . . ... في القَلْبِ من حُبِّهَا تَبَارِيحُ فما هذا التغفل والتكلف؟! وقوله: الطويل ألاَ لاَ أُرِي الأحْدَاثَ حَمْداً ولا ذَمَّا ... فما بَطشُهَا جَهْلاً ولا كَفُّهَا حِلْمَا قال: لا تحمد الأحداث ولا تذم لأنها لا توصف بحلم ولا بجهل، وإنما الله تعالى هو المصرف لها.

стр. 731

وقوال الواحدي: يعني إن الفعل في جميع ذلك لله لا لها، وإنما تنسب الأفعال إليها استعارة ومجازا. وأقول: إن الأحداث هي حوادث الزمان وما يتجدد فيه من الأحوال. يقول: لا أحمدها على كفها عن أذى، لأن ذلك ليس عن حلم، ولا أذمها على سرعة إيقاع فعل؛ لأن ذلك ليس عن جهل؛ يعني إن الحمد والذم إنما يتوجه إلى العاقل، وحوادث الزمان ليست كذلك، وهذا الكلام فيه ذم لأحداث الزمان على ما أحدثته من هلاك جدته، وإن زعم إنه لا يحمدها ولا يذمها، وهذا كما يقال: فلان لا أحمده لأنه لا يكف عن حلم، ولا أذمه عن غضب، وفي هذا بيان نقصه، ووصفه بوضعه الشي في غير موضعه. وقوله: الطويل منافِعُهَا مَا ضَرَّ في نَفْعِ غَيْرِها ... تَغَدَّى وتَرْوَى أنْ تجوعَ وأنْ تَظْمَا قال: يقول: أنها ترى منفعة نفسها أن تنفع غيرها وإن عاد ذلك بالضرر عليها، فهي تطعم وتجوع، وتروي وتظمأ، وفسر النصف الآخر النصف الأول. وأقول: إن هذا التفسير على أن الضمير عائد على الجدة، وهو قول ابن فورجة، وقد ضعفه الواحدي وقال: الوجه رد الكناية إلى الأحداث أو الليالي لا إلى الجدة،

стр. 732

والمعنى منافع الليالي في مضرة غيرها من الناس. وجعل الضمير في أن تجوع وأن تظمأ للمخاطب، وجوّز عوده إلى الليالي، وروى: . . . . . . ... . . . . . . أن نَجُوعَ وأنْ نَظْمَا بالنون. وقوله: الكامل مَنْ لي بِفَهْمِ أُهَيْلِ عَصْرٍ يَدَّعي ... أنْ يَحْسُبَ الهِنْديَّ فِيهِمْ بَاقِلُ قال: قال ابن جني ردا على المتنبي: أن باقلا لم يؤت من سوء حسابه، وإنما أتي من سوء عبارته، والعذر للمتنبي ظاهر، وهو إنه لولا سوء حسابه، وجهله به كان عقد ببنانه ثمن الظبي فلم يفلت منه فصح جهله بالحساب، وهذا الرد لي على رد ابن جني. وأقول: إن هذا الرد على ابن جني قد سبقه إليه الواحدي فقال: - ويعني ابن جني - ليس كما قال، فأن باقلا كما أتى من سوء البيان أتى من سوء الحساب بالبنان فإنه لو ثنى من سبابته وإبهامه دائرة وثنى من خنصره عقدة لم يفلت منه الظبي فصح قوله في نسبته إلى الجهل بالحساب. ولعل الشيخ لم يقف عليه مع كثرة وقوفه على شرحه ونقله منه.

стр. 733

وقوله: البسيط قَدْ كنتُ أشْفِقُ من دَمْعي على بَصَري ... فاليومَ كلُّ عَزِيزٍ بعدَكُمْ هَانَا قال: هان عليه فقد بصره بعد عزته، وإنما كان عزيزا عنده زمان وصالهم وأما بعد الفراق فهو هين. وأقول: إنه لم يحسن العبارة، والجيد أن لو قال: معنى قوله: قد كنتُ أشْفِقُ من دمعي على بَصَري ... . . . . . . لأني كنت أراكم به، فأما وقد غبتم عنه فلا أشفق عليه أن يضر به الدمع، وأن يذهب نوره البكاء، وهان عندي بعد عزته، ومن هذا قول بعضهم وإن كان قد عكسه: الطويل وأخْشَى على عَيْنَيَّ من كَثْرَةِ البُكَا ... إذا الدَّمْعُ أفْنَتْهُ وأسْبَلَتِ الدَّمَا وما بِيَ إلاَّ خَوْفُ أنْ لا تَراكُمُ ... وإلاَّ فَما بالعَيْنِ شَرٌّ من العَمَى ومثله قول ابن جني: المتقارب صُدودكَ عَنِّي ولا ذَنْبَ لي ... يَدُلُّ على نِيَّةٍ فَاسِدَهْ فَقَدْ - وحَيَاتِكَ - ممَّا بَكَيْتُ ... خَشِيتُ على عَيْنِيَ الوَاحِدهْ ولولا مَخَافَةُ أنْ لا تَراكَ ... لما كانَ في تَرْكِهَا فائِدَهْ

стр. 734

وقوله: الكامل ليسَ التَّعَجُّبُ من مَوَاهِبِ مَالِهِ ... بَلْ من سَلامَتِهَا إلى أوْقَاتِهَا قال: العجب من سلامة المواهب إلى أوقات بذلها. وأقول: إنه بتر قول الواحدي فلم يتبين المعنى، وذلك إنه قال: لسنا نعجب من كثرة مواهبه وإنما نتعجب كيف سلمت من بذله وتفريقه إلى أن وهبها لأن ليس من عادته الإمساك. وقوله: الوافر شَدِيدُ الخُنْزُوَانَةِ لا يُبَالي ... أصَابَ إذا تَنَمَّرَ أمْ أُصِيبَا قال: حذف همزة الاستفهام لدلالة (أم) عليها. وأقول: إن الهمزة لم تحذف على لغة من قال: (صاب)، وقد قال هو: الكامل . . . . . . فَصَابني ... سَهْمٌ يُعذِّبُ. . . . . .

стр. 735

وقوله: الوافر كأنَّ نُجومَهُ حَلْيٌ عَلَيْهِ ... وقَدْ حُذِيَتْ قَوائِمُهُ الجَبُوبَا قال: الجبوب: الأرض؛ جعلها قوائم لليل اتساعا. وأقول: لم يجعلها قوائم، وإنما جعلها حذاء لقوائم الليل استعارة وإشارة إلى طول الليل وبطئه، وذلك حذاء ثقيل لا يستطيع لابسه المشي به. وقوله: الوافر كأنَّ دُجَاهُ يَجْذِبُهَا سُهَادِي ... فَليسَ تَغِيبُ إلاَّ أنْ يَغِيبَا قال: سهاده وظلمة الليل يتجاذبان، فلا يخلي أحدهما الآخر، ولا يغيب هذا حتى يغيب هذا. وأقول: المعنى؛ ان سهادي ثابت لا يزول فكأنه متصل بالليل يجذبه فلا يغيب؛ أي: فلا يزول حتى يزول؛ فهما كالسبب والمسبب لا ينفصل أحدهما من صاحبه. وقوله: الطويل وطَعْنٍ كأنَّ الطَّعْنَ لا طَعْنَ عِنْدَهُ ... وضَرْبٍ كأنَّ النَّارَ من حَرِّهِ بَرْدُ

стр. 736

قال: وطعن مجرور بالعطف على ومشائخ وكان يجب أن يكون اسم كأن مضمرا، ولكنه أوقع الظاهر موقع المضمر. وأقول: إنه أنشدني، وقت القراءة عليه، استشهادا على هذا التفسير: الخفيف لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْئاً ... نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرا وغير هذا التقدير أولى منه للضرورة التي فيه، وهو أن يقول: كأن طعن الناس عنده؛ أي: بالإضافة إليه، ولا طعن؛ لشدته وضعف غيره عنه، أو لسرعته فكأنه لا يدرك. وقوله: الطويل تَلَجُّ جُفُوني بالبُكاءِ كأنَّما ... جُفُوني لِعَيْنَي كُلِّ باكِيَةٍ خَدُّ قال: أي: لا تخلو جفونه من بكاء ودمع، كما لا تخلو الدنيا من باكية يجري دمعها.

стр. 737

وأقول: هذا قول ابن جني، نقله وليس بشيء! والمعنى: وصف جفونه بكثرة الدموع، يقول: كأنما يفيض على جفوني من دموع عيني مثلما يفيض على خد كل باكية من دمعها. وقوله: الطويل فلا زِلْتُ ألْقَى الحاسِدينَ بِمِثلِهَا ... وفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرَّفْدُ قال: الضمير في مثلها يعود على العطايا، ودخل البيت الآخر في الدعاء له بالأخذ وعليهم بالجحد. وأقول: إن قوله: . . . . . . ... وفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرِّفْدُ والبيت الآخر. . . إلى آخره. . .، في موضع الحال من الضمير في (ألقى). ولا أقول أن ذلك دعاء بل خبر. وقوله: الوافر فَشِمْ في القُبَّةِ المَلِكَ المُرَجَّى ... فأمسَكَ بَعْدَما عَزَمَ انسِكَابَا

стр. 738

قال: عزم: يتعدى بحرف الخفض وهو الأصل، وقد يحذف الحرف فيتعدى بنفسه. وأقول: إن كان أراد بأن عزم تعدى هاهنا إلى انسكابا تعدي المفعول به فليس كذلك، لأن انسكابا هاهنا مصدر في موضع الحال. وإن أراد غير ذلك فلا فرق بينه وبين غيره من الأفعال في حذف الجار وإيصال الفعل إلى ما بعده اتساعا. وقوله: المنسرح أعْلَى قَنَاةِ الحُسَين أوْسَطُهَا ... فيه وأعلْى الكَمِيِّ رِجْلاهُ قال فيه: يعني المأزق؛ يريد أن الرمح ينفذ في الكمي ثم يروم حمله به فينأطر للينه حتى يصير أوسطه أعلاه، والكمي منكس، وإلى هذا أشار امرؤ القيس: السريع . . . . . . ... أرْجُلُهمْ كالخَشَبِ الشَّائِلِ وأقول: إنه يحتمل معنى آخر، وهو أقرب إلى الحقيقة، وذلك أن ينكسر الرمح في المأزق بالطعن أعلاه أوسطه، وإن ينكس الكمي بالطعن فيصير أعلاه رجلاه.

стр. 739

وقوله: المنسرح إذا مَرَرْنَا عَلَى الأصَمِّ بها ... أغْنَتْهُ عن مِسْمَعَيْهِ عَيْنَاهُ قال: يعني إنها خلعة تقعقع لجدتها. وأقول: وهو قول ابن جني؛ وأعجب كيف رضي الشيخ بهذا التفسير مع ضعفه ووقوفه على غيره مع قوته، وهو مذكور في المآخذ على ابن جني. وقوله: الطويل وفاؤكُمَا كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمُهْ ... بأنْ تُسْعِدَا والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمُهْ ذكر فيه قول ابن جني: كنت أبكي الربع وحده فصرت وفاءكما معه؛ أي: كلما ازددت بالربع ووفائكما وجدا ازددت بكاء.

стр. 740

وأقول: وليس هذا بشيء! وقد ذكرت معناه وما فيه من مشكل التقدير قبل، وهو أن صاحبيه عاهداه على أن يفيا له بالإسعاد بالبكاء على الربع، فقصرا في ذلك، فقال: وفاؤكما بالإسعاد بالدمع كالربع، أي: ينبغي أن يكون إسعادا كثيرا كالربع فإنه دارس دروسا كثيرا، وبين ذلك بقوله: . . . . . . أشْجَاهُ طاسِمُهْ ... . . . . . . والتقدير: الربع أشجاه طاسمه، فحذف الربع، وهو المبتدأ لدلالة الأول عليه: . . . . . . ... . . . . . . والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمهُ أي: الربع، أحزنه للمحب، طاسمه. والدمع ينبغي أن يكون على وفقه في المبالغة، أشفاه للمحب ساجمه. وقد بيّن ذلك فيما بعد، فان الشيخ ذكر في تفسير البيت الثالث - ولم أر أحدا ذكره مثله - بأنه عرّض بصاحبيه انهما ليسا من أهل الهوى، ولا ممن استصحب فوافق؛ كأنهما لم يفيا له بما عاهداه من الإسعاد؛ يقول: إن لم تسعداني على هواي وما أقاسيه فكفا عن لومي، أو: فتجملا بأن تصحباني على علاتي، فقد يصحب الإنسان من لا يلائمه ولا يشبهه، وهذا التقدير الآخر يدل على الأول. وقوله: الطويل إذا ظَفِرَتْ مِنْكِ العيونُ بِنَظْرَةٍ ... أثابَ بها مُعْيِي المَطِيِّ ورَازِمُهْ
следующие страницы →