Полный текст (1 138 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
قال: وطعن مجرور بالعطف على ومشائخ وكان يجب أن يكون اسم كأن مضمرا، ولكنه أوقع الظاهر موقع المضمر.
وأقول: إنه أنشدني، وقت القراءة عليه، استشهادا على هذا التفسير: الخفيف
لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْئاً ... نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرا
وغير هذا التقدير أولى منه للضرورة التي فيه، وهو أن يقول: كأن طعن الناس عنده؛ أي: بالإضافة إليه، ولا طعن؛ لشدته وضعف غيره عنه، أو لسرعته فكأنه لا يدرك.
وقوله: الطويل
تَلَجُّ جُفُوني بالبُكاءِ كأنَّما ... جُفُوني لِعَيْنَي كُلِّ باكِيَةٍ خَدُّ
قال: أي: لا تخلو جفونه من بكاء ودمع، كما لا تخلو الدنيا من باكية يجري دمعها.
стр. 737
وأقول: هذا قول ابن جني، نقله وليس بشيء!
والمعنى: وصف جفونه بكثرة الدموع، يقول: كأنما يفيض على جفوني من دموع عيني مثلما يفيض على خد كل باكية من دمعها.
وقوله: الطويل
فلا زِلْتُ ألْقَى الحاسِدينَ بِمِثلِهَا ... وفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرَّفْدُ
قال: الضمير في مثلها يعود على العطايا، ودخل البيت الآخر في الدعاء له بالأخذ وعليهم بالجحد.
وأقول: إن قوله:
. . . . . . ... وفي يَدِهِمْ غَيْظٌ وفي يَدِيَ الرِّفْدُ
والبيت الآخر. . . إلى آخره. . .، في موضع الحال من الضمير في (ألقى). ولا أقول أن ذلك دعاء بل خبر.
وقوله: الوافر
فَشِمْ في القُبَّةِ المَلِكَ المُرَجَّى ... فأمسَكَ بَعْدَما عَزَمَ انسِكَابَا
стр. 738
قال: عزم: يتعدى بحرف الخفض وهو الأصل، وقد يحذف الحرف فيتعدى بنفسه.
وأقول: إن كان أراد بأن عزم تعدى هاهنا إلى انسكابا تعدي المفعول به فليس كذلك، لأن انسكابا هاهنا مصدر في موضع الحال.
وإن أراد غير ذلك فلا فرق بينه وبين غيره من الأفعال في حذف الجار وإيصال الفعل إلى ما بعده اتساعا.
وقوله: المنسرح
أعْلَى قَنَاةِ الحُسَين أوْسَطُهَا ... فيه وأعلْى الكَمِيِّ رِجْلاهُ
قال فيه: يعني المأزق؛ يريد أن الرمح ينفذ في الكمي ثم يروم حمله به فينأطر للينه حتى يصير أوسطه أعلاه، والكمي منكس، وإلى هذا أشار امرؤ القيس: السريع
. . . . . . ... أرْجُلُهمْ كالخَشَبِ الشَّائِلِ
وأقول: إنه يحتمل معنى آخر، وهو أقرب إلى الحقيقة، وذلك أن ينكسر الرمح في المأزق بالطعن أعلاه أوسطه، وإن ينكس الكمي بالطعن فيصير أعلاه رجلاه.
стр. 739
وقوله: المنسرح
إذا مَرَرْنَا عَلَى الأصَمِّ بها ... أغْنَتْهُ عن مِسْمَعَيْهِ عَيْنَاهُ
قال: يعني إنها خلعة تقعقع لجدتها.
وأقول: وهو قول ابن جني؛ وأعجب كيف رضي الشيخ بهذا التفسير مع ضعفه ووقوفه على غيره مع قوته، وهو مذكور في المآخذ على ابن جني.
وقوله: الطويل
وفاؤكُمَا كالرَّبْعِ أشْجَاهُ طاسِمُهْ ... بأنْ تُسْعِدَا والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمُهْ
ذكر فيه قول ابن جني: كنت أبكي الربع وحده فصرت وفاءكما معه؛ أي: كلما ازددت بالربع ووفائكما وجدا ازددت بكاء.
стр. 740
وأقول: وليس هذا بشيء! وقد ذكرت معناه وما فيه من مشكل التقدير قبل، وهو أن صاحبيه عاهداه على أن يفيا له بالإسعاد بالبكاء على الربع، فقصرا في ذلك، فقال: وفاؤكما بالإسعاد بالدمع كالربع، أي: ينبغي أن يكون إسعادا كثيرا كالربع فإنه دارس دروسا كثيرا، وبين ذلك بقوله:
. . . . . . أشْجَاهُ طاسِمُهْ ... . . . . . .
والتقدير: الربع أشجاه طاسمه، فحذف الربع، وهو المبتدأ لدلالة الأول عليه:
. . . . . . ... . . . . . . والدَّمْعُ أشْفَاهُ سَاجِمهُ
أي: الربع، أحزنه للمحب، طاسمه. والدمع ينبغي أن يكون على وفقه في المبالغة، أشفاه للمحب ساجمه. وقد بيّن ذلك فيما بعد، فان الشيخ ذكر في تفسير البيت الثالث - ولم أر أحدا ذكره مثله - بأنه عرّض بصاحبيه انهما ليسا من أهل الهوى، ولا ممن استصحب فوافق؛ كأنهما لم يفيا له بما عاهداه من الإسعاد؛ يقول: إن لم تسعداني على هواي وما أقاسيه فكفا عن لومي، أو: فتجملا بأن تصحباني على علاتي، فقد يصحب الإنسان من لا يلائمه ولا يشبهه، وهذا التقدير الآخر يدل على الأول.
وقوله: الطويل
إذا ظَفِرَتْ مِنْكِ العيونُ بِنَظْرَةٍ ... أثابَ بها مُعْيِي المَطِيِّ ورَازِمُهْ
стр. 741
قال: معناه: إذا نظرت إليك الإبل الرزح المعيية جعلت ثواب ذلك أن تنهض وتسير لما نالها من قوة الأنفس والنشاط فكيف بنا نحن، ونحن نعقل من أمرك ما لا تفعله الإبل.
وهذا ليس بشيء!
وأقول: إنه يحتمل أن يكون: أثاب بها من الثواب، وهو الجزاء، أي: جازى برؤياك معيي المطي ورازمه، ما كنا نصنع إليه قبل المسير إليك من العلف والخفض والدعة.
ويحتمل أن يكون أثاب بمعنى عدا ونهض معيي المطي ورازمه برؤياك وما يعقبه فيما بعد من الراحة، لأن الإعياء والرزوم إنما كان بسبب السير إليك لرؤياك، فإذا قد حصلت رؤياك، وعدم السير، حصلت الراحة، ويكون هذا من قول أبي نواس: الكامل
وإذَا المَطِيُّ بِنَا بَلَغْنَ مُحَمَّداً ... فَظُهورُهُنَّ على الرِّجالِ حَرَامُ
وقوله: الخفيف
ليتَ أنَّا إذا ارتْحَلْتَ لك الخَيْ ... لُ وأنَّا إذا نَزَلْتَ الخِيَامُ
قال: تمنى أن يقيه المشقة في رحيله والأذى في نزوله. وعاب عليه قوم هذا البيت، تعنتا، فاعتذر عنه بقوله: الوافر
стр. 742
لقد نَسَبُوا الخِيَامَ إلى عَلاءٍ ... . . . . . .
وأقول: إن الذي أخذ عليه من أن الخيام تعلوه ليس بشيء! لأن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون من كل وجه حتى إذا تمنى أن يكون من الخيام، ليقيه، لزم أن يكون فوقه، وأن يكون في ظله، وأن يكون سماء له. على أني قد ذكرت فيه وجها يزيل هذا الاعتراض من غير هذا الاحتجاج، فليتأمل فيما تقدم.
وقوله: الوافر
يَحِيدُ الرُّمْحُ عنكَ وفيه قَصْدٌ ... ويَقْصُرُ أنْ يَنَالَ وفيه طُولُ
قال: أي: من شرفك، ومن سعادتك، يميل الرمح عنك إلى غيرك، ويقصر مع طوله أن ينال.
وأقول: لو قال: من شجاعتك، وباسك، يحيد الرمح عنك وفيه قصد؛ أي: استقامة لا لأنه معوج، وكذلك يقصر وفيه طول. ومثله قوله: الوافر
طِوالُ قَناً تُطَاعِنُها قِصَارُ ... . . . . . .
لكان أولى من التعليل بالشرف والسعادة في هذا الموضع.
стр. 743
وقوله: الوافر
فَلَوْ قَدَرَ السِّنانُ على لِسَانٍ ... لقالَ لك السِّنَانُ كما أقُولُ
قال: لو قدر السنان، لقال مثل هذا القول؛ أي: أنا قصير عنك، وميلي عنك لسعادتك وشرفك.
وأقول: الأحسن أن يكون القول من السنان، الثناء عليه بالإقدام والشجاعة كالقول الذي أقول من ذلك، فان السنان مباشر مشاهد له كما أنا مشاهد له.
وقوله: المتقارب
ولَوْ زُلْتُمُ ثُمَّ لَمْ أبْكِكُمْ ... بَكَيْتُ على حُبِّيَ الزَّائلِ
قال: صار الحب معشوقه، حتى لو ذهب الحب عنه لبكى عليه.
وأقول: كأن هذا مستحيل! وذلك إنه جعل الحب بمنزلة الحبيب، فالحبيب إذا زال بكي عليه للحب، فالحب سبب البكاء، فكيف يبكي على الحب الزائل وهو كالحبيب بلا حب؟! هذا مستحيل، لأن البكاء لا يكون على الحبيب الزائل إلا بحب مقيم!
стр. 744
وقوله: المتقارب
فأقْبَلْنَ يَنْحَزنَ قُدَّامَهُ ... نَوَافِرَ كالنَّحْلِ والعَاسِلِ
قال: الهاء في (قدامه) لسيف الدولة، والنون في (أقبلن) لخيل الخارجي، أي: نفرن منه نفور النحل من العاسل.
وأقول: الهاء في (قدامه) راجعة إلى (أمام) وهو الخارجي، لقوله قبل هذا البيت: المتقارب
وجَيْشِ إمَامٍ على نَاقَةٍ ... . . . . . .
وسيف الدولة لم يجر له بعد ذكر. ولقوله فيما بعد:
فلمَّا بَدَوْتَ لأصْحَابهِ ... . . . . . .
وقوله: (نوافر) لا يدل على انهم منهزمون، لأنه يقال: نفر إلى الشيء وعن الشيء، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانِفرُوا ثُبَاتٍ أو انفِرُوا جَمِيعاً). وقال علي ﵇: انفروا إلى بقية الأحزاب أي: أسرعوا. فإذا كان كذلك فيقال: إن خيل الخارجي أقبلت تنحاز قدامه إلى خيل سيف الدولة طلبا للقاء وجهلا به، ثم خاطب سيف الدولة فقال: فلما بدوت لأصحابه رأت
стр. 745
شجعانهم أنك آكل الأكل، أي: قاتل القاتل، ثم وصف ما حل بهم منه. وقد ذكر بعضهم في قوله: (نوافر) أن أوائل خيل سيف الدولة نفرت من الخارجي، والصحيح ما ذكرته.
وقوله: المتقارب
فَظَلَّ يُخَضِّبُ منها اللِّحَى ... فَتىً لا يُعِيدُ على النَّاصِلِ
قال: معناه يخضب لحى الأعادي بدمائهم.
فتى: يعني سيف الدولة.
لا يعيد على الناصل: أي: لا يعيد الخضاب.
وأقول: إنه لم يذكر ما سبب ترك إعادة الخضاب، ولا ذكره غيره، وذلك أن ضرباته أبكار، كما روي ذلك عن علي ﵇ إنه كان إذا اعتلى قد، وإذا اعترض قط. يقال: ضربة بكر إذا كانت قاطعة لا تثنى؛ يقول: لا يسلم المضروب المخضوب بدمائه فينصل خضابه فيحتاج إلى أن يعيده بضربة أخرى.
стр. 746
وقوله: المتقارب
يُشَمِّرُ للُّجِ عن سَاقِهِ ... ويَغْمُرُهُ المَوْجُ في السَّاحِلِ
قال: كان الخارجي يموه على أصحابه إنه نبي، وإنه سوف يملك بيضة الإسلام فهو كالمشمر عن ساقه ليخوض اللجة، وسيف الدولة وعسكره قطعة من عسكرها وواحد من أمرائها كالساحل، وقد كسره واهلكه، فكانه قد غرق في ساحل تلك اللجة.
وأقول: إن قوله في سيف الدولة، مع إعظام المتنبي له: إنه قطعة من عساكر بيضة الإسلام وواحد من أمرائها، وإنه كالساحل وهو مادح له ومواجهه بذلك، مناف لأقواله فيه: الطويل
أرَى كُلَّ ذي مُلْكٍ إلْيكَ مَصِيرُهُ ... كأنَّكَ بَحْرٌ والملوكُ جَدَاولُ
وأمثال ذلك.
والجيد أن يقال في قوله:
يُشَمِّرُ لِلُّجِّ. . . . . . ... . . . . . .
أي: يقدم على الأمر العظيم من عداوة سيف الدولة بأسر ابن عمه أبي وائل وجعل سيف الدولة كالبحر، وإن القرمطي شمر، من جهله، ليخوض لجه؛ أي: معظمه، فغرّقه الموج في الساحل؛ أي: بعض عسكره، ولم يصل إليه معظمه. فهذا أمثل بأحوال سيف الدولة عند أبي الطيب وأقواله فيه مما ذكر.
стр. 747
وقوله: الطويل
تَبُلُّ الثَّرى سُوداً من المِسْكِ وَحْدَهُ ... وَقَدْ قَطَرَتْ حُمْراً على الشَّعَرِ الجَثْلِ
قال: قال ابن جني في قوله: وحده: أنهن غنيات بالكحل عن الكحل، فالسواد القاطر على الأرض لون المسك وحده، وقد تبعه الناس على ذلك.
قال: وعندي أن قوله: يدل على فخر طيبهن ورفعة قدره، وأنهن من بنات الملوك، وإلا فما عسى أن يبلغ كحل العين من السواد حتى يقطر على الأرض أسود؟! لا سيما وهو مما قد كان قبل حلول المصيبة.
وأقول: إن قوله: وحده دليل على فخر طيبهن حسن. وقوله: فما عسى أن يبلغ كحل العين من السواد، حتى يقطر على الأرض أسود غير حسن. وذلك أن قوله: وقد قطرت يعني دموع الغانيات، حمرا، ينفي أن يكون خالطهن كحل، وإنما الدموع تقطر حمرا من عيونهن؛ لأنهن مازجن الدمع بالدم لكثرة البكاء على الشعر فيخالط المسك ويذيبه؛ فتقطر على الثرى سودا. فمستحيل هاهنا ذكر السواد من الكحل مع قوله:
. . . . . . ... . . . . . . حُمْراً على الشَّعَرِ الجَثْلِ
стр. 748
وقوله: المنسرح
أنتَ الذي لو يُعَابُ في مَلأٍ ... مَا عِيبَ إلاَّ لأنه بَشَرُ
قال: المعنى إنه لو قدر أن فيك عيبا لم يكن إلا ما لا تعاب به؛ مثل قول الشاعر: الطويل
ولا عَيْبَ فيهم غيرَ أنَّ سُيوفَهُمْ ... بهنَّ فلولٌ من قِراعِ الكَتَائِبِ
وأقول: لم تقع المطابقة في التمثيل بين البيتين، لأن فلول سيوفهم من قراع الكتائب ليس بعيب بل هو فخر، وكون سيف الدولة من البشر، على مذهبه في الإغراق، عيب له فليس بينهما تماثل.
والمعنى: إنه بالغ فجعله اشرف من البشر، كأنه جعله من الملائكة، كقوله تعالى: (مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ)، على أن الوجه الذي ذكره من غير تمثيل جائز، وذلك أن الإنسان إنما يعاب بشيء من أفعاله لأنه هو الموقع لها، وأما بشيء فعله فيه خالقه من كونه بشرا، وما أشبهه، فلا يعاب به.
وقوله: الكامل
أنَا بالوُشَاةِ إذا ذَكَرْتُكَ أشْبَهُ ... تأتي النَّدَى ويُذَاعُ عَنْكَ فَتَكْرَهُ
стр. 749
قد وقع في هذا البيت والذي بعده اختلال واختلاف في القوافي الثلاث، وقد طول
فيه ابن جني وخطأه.
وقال الواحدي: يمكن أن يجعل له وجه، على البعد، وهو إنه الحق الواو في أشبه لا على إنه قافية ولكنه اشبع ضمة الهاء فلحقها واو كقوله: () البسيط
. . . . . . ... مِنْ حيثُ ما سَلَكُوا أدْنُو فأنظُورُ
قال: وعلى هذا قول أبي تمام: الطويل
يقولُ فَيُسْمِعُ ويَمْشِي فَيُسْرِعُ ... ويَضْرِبُ في ذَاتِ الإلهِ فَيوُجِعُ
وقال الشيخ الكندي آخرا: وعندي أن المتنبي إنما جسر على ذلك وارتكبه لأنه وجدهم يجيزون دخول الهاء الأصلية على الهاء الوصلية استحسانا، والقياس أن لا يجوز، فأجاز هو أن تدخل الوصلية على الأصلية والقياس غيره.
وأقول: يجوز عندي إنه لم يعتد بآخر النصف الأول من البيت قافية لان العناية إنما تكون بقافية آخر البيت؛ يجتنب فيها الايطاء والاقواء والسناد وغير ذلك من العيوب، فلا يتجنب في قافية المصراع الأول اجتنابا عاما، ولهذا جاء قول امرئ القيس: الطويل
стр. 750
خَلِيلَيَّ مُرَّا بي على أمِّ جُنْدَبِ ... . . . . . .
وجاء في البيت الثاني:
. . . . . . ... . . . . . . يَنْفَعْني لَدَى أمِّ جُنْدَبِ
فلم يعتد ذلك ايطاء. وقد جاء لأبي نواس: مخلع البسيط
تَخَاصَمَ الحُسْنُ والجَمَالُ ... فِيكَ فَصَارا إلى جِدالِ
فلم يعتد ذلك إقواء، فإذا كان كذلك لم يعتد بالنصف الأول وكانت القافية الراء، والهاء وصلا، ولا عيب فيه.
وقوله: البسيط
رُبَّ نَجِيعٍ بِسَيْفِ الدَّولةِ انْسَفَكا ... ورُبَّ قَافِيَةٍ غَاظَتْ به مَلِكَا
قال: لم يجئ في شعر أبي الطيب بيت تنكره الغريزة إلا في هذا البيت.
قال المعري: ولو أن لي في هذا البيت حكما جعلت أوله: كم من نجيع وكان ذلك أليق من رب لأن كم للكثرة. ويحسنه أيضا أن رب جاءت في النصف
стр. 751
الثاني ضد كم.
وأقول: هذا الذي قالاه ليس بشيء! وقد ذكرت ما فيه في شرح التبريزي.
وقوله: الطويل
فَدَيْنَاكَ أهْدَى النَّاسِ سَهْماً إلى قَلْبِ ... وأقْتَلَهُمْ للدَّارِعِينَ بِلا حَرْبِ
قال: اطالوا، في هذا البيت، شرح افعل فجعلوه تارة من هديته الطريق وتارة من هدى الوحش إذا تقدم. وهو عندي من هديت هدي فلان أي: قصدت قصده، وأهدى منادى؛ أي: يا أهدى وأقتلهم.
وأقول: إذا لم أجعل هذه الكلمة من أهدى فعلى أي وجه شئت من الثلاثي فاحملها فإن هذه المعاني متقاربة.
وقوله: أهدى: منادى وكذلك اقتلهم فجائز أن يكون كما قال، منادى، وأن يكون بدلا من الكاف، وأن يكون تمييزا، فالنصب فيهما من هذه الأوجه الثلاثة، وهي متساوية في الجودة سواء، فلا وجه لذكر بعضها وتخصيصه.
стр. 752
وقوله: الطويل
وكَمْ لكَ جَدّاً لم تَرَ العَيْنُ وَجْهَهُ ... فَلَمْ تَجْرِ في آثارِهِ بِغُرُوبِ
قال: قال ابن جني: إذا لم تعاين الشيء لم تعتدد به في أكثر الأحوال فلذلك ينبغي أن تتسلى عن (يماك) لأنه قد غاب عن عينك كما لم تحزن لأجدادك الذين لم ترهم.
وقال: إن كان المتنبي أراد هذا المعنى فقد اخطأ لأنه لمير أجداده، وهو فقد يماك بعد رؤيته.
وأقول: إنه رد قول ابن جني ولم يذكر المعنى، وهو إنه أراد تسليته فقال: كم لك جدا فقد عن بعد لم تكبه فاجعل هذا الذي فقد عن قرب بمنزلته لأنه قد شاركه في الفقد، ولا فرق في ذلك بين البعيد والقريب.
وقوله: الطويل
فَحُبُّ الجَبَان النَّفْسَ أوْرَدَهُ التُّقَى ... وحُبُّ الشُّجَاعِ النَّفْسَ أوْرَدَهُ الحَرْبَا
стр. 753
قال: الجبان يحب نفسه فيحجم، والشجاع يحب نفسه فيقدم؛ هذا يطلب بقاءها وذلك يطلب مدحها. ثم فسر البيت الذي يليه وهو: الطويل
ويَخْتَلِفُ الرِّزقانِ والفِعلُ واحِدٌ ... إلى أنْ تَرَى إحسَانَ هذَا لِذَا ذَنْبَا
فقال: يتفق اثنان في فعل واحد يرزق منه أحدهما ويحرم الآخر فيعد للمرزوق إحسانا وللمحروم ذنبا.
وأقول: إن تفسير البيت الثاني ينبغي أن يكون مطابقا للبيت الأول لأنه كالمفسر له، وقد فسره على خلاف ذلك. ومطابقته له أن يقال في قوله:
ويَختلِفُ الرِّزْقانِ والفعل واحدٌ ... . . . . . .
أي: الجبان رزق بحبه نفسه الذم على جبنه، والشجاع رزق بحبه نفسه الحمد على شجاعته، فكلاهما محسن إلى نفسه، فاشتركا في الفعل، وهو حب النفس، واختلف الرزقان لأن هذا رزق الذم بفعله، وهذا رزق الحمد بفعله، وصار إحسان الجبان إلى نفسه بالاتقاء ذنبا للشجاع لو فعله.
وأما تفسير الشيخ للبيت الثاني فهو من قول القطامي: البسيط
والناسُ، مَنْ يَلْقَ خَيْراً قائلون لَهُ ... ما يَشْتَهي ولأمِّ المُخْطِئ الهَبَلُ
وقول الآخر: الطويل
فمن يَلْقَ خَيْراً يَحْمَدِ النَّاسُ أمْرَهُ ... ومَنْ يَغْوِ لا يَِعْدَم على الغيِّ لائِمَا
أي: ومن يخب. وهذا معنى آخر ليس من الأول في شيء.
стр. 754
وقوله: الطويل
وَجَيشٍ يُثَنِّي كُلَّ طَوْدٍ كأنَّهُ ... خَرِيقُ رِيَاحٍ وَاجَهَتْ غُصُناً رَطْبا
قال: يصفه بالكثرة حتى إنه إذا مر بجبل شقه بنصفين فتسمع حسيسه كما تشق الريح الخريق الغصن الرطب باثنين.
وأقول: أن قوله: يثني أي: يعطف، من ثنيت، أي: عطفت، فشدده للتكثير والمبالغة، وجعل الطود، في علوه وثباته، كأنه غصن رطب تثنيه الريح الخريق، وهي الشديدة الهبوب، أي: تعطفه. وهذا اقرب إلى الاستعارة، واكثر في المبالغة، والأول اقرب إلى الحقيقة.
وقوله: الكامل
وَهَبِ الملامةَ في اللَّذَاذةِ كالكَرَى ... مَطْرُوَدةً بِسُهَادِهِ وبُكَائِهِ
قال: هذا البيت أطال فيه ابن جني ورد غيره عليه، وكلا القولين غير خال من اضطراب. وعندي إنه يريد أن الكرى المستلذ عندي مطرود عني بالبكاء والسهاد، فهب أنت الملامة اللذيذة عندك مطرودة عنك ككراي المطرود عني.
وأقول: وهذا الذي ذكره لم يخل من اضطراب لأنه يحتاج إلى تتمة.
стр. 755
فيقال له: أن العاشق ترك كراه المستلذ عنده لما هو ألذ منه، وهو الهوى، فالعاذل لم يترك الملامة المستلذة عنده في لوم صاحبه، وهو ينتفع بها بانتفاع صاحبه عند القبول لها فينبغي أن يتمم ذلك ويعلل بان يقال: لأنه يزيد في كلفه ويغريه بوجده فينبغي له إذا لم ينقص ما به من الوجد أن لا يزيده. وعندي أن قوله:
وَهَبِ المَلامَةَ في اللَّذَاذَةِ. . . . . . ... . . . . . .
يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون اللذاذة راجعة إلى العاشق فيقول لعاذله: هب أني استلذ بالملامة وانتفع بها كانتفاعي بالكرى، أفليس الكرى مطرودا بالسهاد والبكاء؟ فاجعل
الملامة مثله.
والوجه الآخر: أن تكون اللذاذة راجعة إلى العاذل فيقول له العاشق: اجعل الملامة عندك في اللذاذة، وانفاعك بها كالكرى عندي، وقد طردته بالسهاد والبكاء، فاجعل الملامة كذلك مطرودة بسهادي وبكائي رحمة لي، فإنها تزيدني ولا تنقصني، وهذا أبلغ ما يحرر في معنى هذا البيت.
وقوله: الطويل
وتَمْشِي بع العُكَّازُ في الدَّيْرِ تَائباً ... ومَا كانَ يَرْضِى مَشْيَ أشْقَرَ أجْرَدَا
قال: قوله:
стр. 756
وتَمْشِي به العُكَّاز. . . . . . ... . . . . . .
على مذهب القلب لأنه هو الماشي بالعكاز.
وأقول: إن هذا لا يحتاج إلى تقدير القلب، وأعيذ فهم الشيخ، كيف تبع غيره في هذا مع ظهوره؟! وقد ذكرته في شرح التبريزي.
وكذلك قوله: البسيط
تَشْبِيهُ جُودِكَ بالأمطار غَادِيَةً ... جُودٌ لِكَفِّكَ ثَانٍ نَالَهُ المَطَرُ
ذكرت ما فيه في شرح التبريزي.
وقوله: الطويل
أتاكَ كأنَّ الرَّأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُ ... وتَنْقَدُّ تَحْتَ الذُّعْرِ منه المَفَاصِلُ
قال: عظمت هيبة سيف الدولة في قلبه حتى كأنه تبرأ بعضه من بعض.
وأقول: بل دخل بعضه في بعض ولذلك قال:
. . . . . . كأنَّ الرأسَ يَجْحَدُ عُنْقَهُ ... . . . . . .
أي: تجمّع من خوفه فلم يتبين له عنق، وذلك فعل الخائف والذليل، كقول
стр. 757
الشاعر: الطويل
تَضَاَءلْتُمُ مِنَّ كما ضَمَّ شَخْصَهُ ... أمامَ البُيُوتِ الخَارِئُ المُتَقَاصِرُ
وقوله: الوافر
ولَوْ غَيْرُ الأميرِ غَزَا كِلاباً ... ثَنَاهُ عن شُمُوسِهِمُ ضَبَابُ
قال: كنى بالشموس عن النساء، وبالضباب عن المحاماة عنهن. وقيل فيه قول آخر لكن هذا أجود.
فيقال له: وأجود من هذا أن يكون الضباب كناية عن عجاج الخيل بلقائه وهو أشبه بذلك، وفيه تضمن معنى المحاماة.
وقوله: الطويل
إذا كانَ ما تَنْويهِ فِعْلاً مُضَارِعاً ... مَضَى قَبْلَ أنْ تُلْقَى عليه الجَوَازِمُ
стр. 758
قال: أراد بالمضارع هاهنا المستقبل دون الحال.
وأقول: إن قوله: فعلا مضارعا معناه انك إذا أردت أن تفعل فعلا في الحال الراهنة أو المتأخرة، أي: فعلا على الفور أو التراخي مضى بجودك وباسك، أو بسعادتك، قبل القواطع من الزمان، فكنى بالتقديم والتأخير عن المضارعة إذ هي للحال والاستقبال، أي: إذا نويت أن تفعل، وكنت مترددا فيه بين أن تفعله في الزمن القريب من زمنك أو البعيد، مضى: أي: فعل قبل أن يقال لم يفعل لما ذكرته.
وقوله: الوافر
فكانُوا الأُسْدَ ليسَ لها مَصَالٌ ... عَلى طَيْرٍ وليسَ لها مَطَارُ
قال: لابن جني كلام في تفسير هذا البيت قليل المنفعة! والصواب إن الضمير في كانوا يعود على رجال سيف الدولة، جعلهم اسودا وجعل البادية المنهزمة طيرا، وصولة الأسد لا تدرك طيران الطائر، أي: انهم هربوا مسرعين كالطير فلا لوم على جيش سيف الدولة إذ لم يلحقهم لأنهم كالأسد وأولئك كالطير.
وأقول: إن الضمير في فكانوا يرجع إلى ذكر الأعادي قبل؛ يقول: أنهم كانوا كالأسد في الشجاعة إلا أنهم لم يكن، في وقت لحاق سيف الدولة بهم، لهم مصال.
стр. 759
وقوله: على طير أي: على خيل كالطير في السرعة، إلا أنها ليس لها مطار لإعيائها؛ يصف فرسانهم بعدم الغناء في الحرب لكلال خيلهم، أو للخذلان الذي لحقهم بلحاق سيف الدولة لهم.
وقوله: الكامل
إنَّ السُّيوفَ مع الذين قُلوبُهم ... كَقُلوبِهِنَّ إذا التَقَى الجَمْعَانِ
قال: إنما ينفع السيف إذا كان قلب حامله كقلبه في القتال؛ لا هذا يفزع ولا هذا.
وأقول: لو قال: كقلبه في المضاء عند القتال لأصاب وأجاد.
وقوله: البسيط
تَرُدُّ عنهُ الفُرْسَانِ سَابِغَةٌ ... صَوْبُ الأسِنَّةِ في أثنائِهَا دِيَمُ
تَخُطُّ فيها العَوَالي لَيْسَ تَنْفُذُها ... كأنَّ كُلَّ سِنَانٍ فَوْقَهَا قَلَمُ
стр. 760
قال: عظّم شأن درعه وحقّر شان الرماح على كثرتها فيها، وفي هذا من الهجو، بضعف الطعن، ما فيه.
وأقول: هذه صفة حال وقعت، فيها ذم لابن شمشقيق بتولية الدبر وطعنه في ظهره، وإن كان فيها ضعف طعن من لحقه من أصحاب سيف الدولة، فالمقصود إنما هو الأول لا الثاني. على إنه يمكن أن يعتذر لهم بأن درعه كانت، لإحكام نسجها، ملساء كالصفيحة فهي تزلق الأسنة فلا تتمكن منها بالطعن فلا يدل على ضعفه.
وقوله: الطويل
بِعَزْمٍ يَسِيرُ الجِسْمُ في السَّرْجِ رَاكِباً ... به ويَسِيرُ القلبُ في الجِسْمِ مَاشِيَا
قال: يصف قوة العزم على السير. والهاء في (به) تعود على العزم؛ أي: كأن
الجسم، وهو مقيم في السرج، وكأن القلب، وهو مقيم في الجسم، يسبق الجسم.
وأقول: إن هذا ليس بشيء! وهو قول الواحدي. والصحيح قول الشيخ أبي زكريا؛
стр. 761
قال: يصف عزمه بالمضاء والشدة؛ أي إنه عزم على أمر عظيم، فالراكب، وإن كان جسمه في سرج، فكأن قلبه ماش في جسده لأنه في مشقة وتعب لعظم ما يهم به. وهذا المعنى، قبل إن انظر كلام التبريزي، لمحته بعين الفكر وحققته ثم رايته له بعد ذلك فأثبته.
وقوله: البسيط
لا تَجْزِنِي بِضَنىً بي بَعْدَهَا بَقَرٌ ... تَجْزِي دُمُوعِيَ مَسْكُوباً بِمَسْكُوبِ
ذكر معنى البيت نقلا عن غيره، وقال في قوله:
. . . . . . ... تَجْزي دُمُوعِيَ مَسْكوباً. . . . . .
إن مسكوبا بدل من دموعي ولا يحسن الحال هاهنا.
وأقول: ليس كذلك بل هو مفعول ثان، وذلك أن جزى يتعدى إلى مفعولين؛ يقال: جزى الله زيدا خيرا؛ قال المساور بن هند: الطويل
جَزَى اللَّهُ خيراً غَالباً من عَشِيرةٍ ... إذا حَدَثَانُ الدَّهْرِ نَابَتْ نَوائِبُهْ
стр. 762
وقال المعذل: الطويل
جَزَى اللَّهُ فِتْيَانَ العَتِيكِ وإنْ نَأتْ ... بِي الدَّارُ عنهم خَيْرَ ما كانَ جَازِيَا
وقوله: لا تحسن الحال هاهنا.
فأقول: لا تحسن على أن تقتصر على أحد المفعولين، وتكون حكاية حال متعدية، وإن كان دموعي جمعا، ومسكوبا واحدا، وذلك كما تقول: لقيت القوم فارسا بفارس وراجلا براجل.
وقوله: الطويل
وبي ما يَذُودُ الشِّعْرَ عنِّي أقَلُّهُ ... ولكنَّ قَلْبِي يا ابنَةَ القومِ قُلَّبُ
قال: يقول: عندي هموم يصرف الشعر اقلها لولا أن قلبي كثير التقلب لا يموت خاطره.
وهذا ليس بشيء!
وأقول: إن قوله: قلب أي: ثابت عند الحوادث غير مسلوب الحيلة، من قولهم: فلان قلب حول، وهو الذي يقلب الأمور ويحتال لها.
стр. 763
وقوله: الطويل
ثناهُمْ وَبَرْقُ البِيضِ في البَيضِ صَادِقٌ ... عليهِمْ، وبَرْقُ البَيضِ في البِيضِ خُلَّبُ
قال: صادق: مؤثر، وخلب: لا اثر له؛ هذه تبرق وتسيل الدماء، وهذه تبرق ولا تسيل دما.
وأقول: وهذا الذي ذكره لا يتحصل به كثير فائدة!
والمعنى: أنه استعار للبيض والبيض برقين لصقالهما وصفائهما، وجعل برق البيض في البيض صادقا لتأثير السيوف فيها بالقطع ووصولها إلى الرؤوس باراقة الدماء. وجعل برق البيض في البيض خلبا لكونها لم تؤثر في السيوف بالرد والتثليم، لأن برق البيض إنما كان صادقا بتأثير القطع، وفي هذا وصف سيوف الممدوح بالمضاء وقوة الضرب، ووصف بيض أعدائه بعدم الغناء في رد السيوف والوفاء.
وقوله: الطويل
فنالَ حَيَاةً يشتَهِيهَا عَدُوُّهُ ... وموتاً يُشَهِّي المَوْتَ كُلَّ جَبَانِ
قال: يريد إنه مات موتا وحيا لم يعذب قبله بآلام العلل.
стр. 764
وأقول: وهو قول التبريزي.
وأقول: إن الجبان شهوته أن لا يموت قتلا في الحرب مباشر السيوف والرماح. وشبيب: قيل: إنه مات صرعا بالخمر، فالجبان يتمنى أن يموت تلك الموتة.
وقوله: الطويل
ثَنَى يَدَهُ الإحْسَانُ حتى كأنَّهَا ... وقَدْ قُبِضَتْ كانَتْ بغير بَنَانِ
قال: القبض باليد لا يحصل إلا بواسطة البنان. يقول: لما قبضت يده إحسانك الذي ملأها حتى ثناها إلى ورائها فأرسلته صارت كأنها كانت بغير بنان يطبق على الموهوب.
وأقول: لم يرد بثنى يده: عطف يده ولواها إلى ورائها، والمراد غير ذلك وقد بينته في شرح التبريزي.
وقوله: الطويل
وعندَ مَنِ اليومَ الوفاءُ لصَاحِبٍ ... شَبِيبٌ وأوْفَى من تَرَى أخَوانِ؟
стр. 765
قال: كان يظن في شبيب الوفاء فظهر غدره بكافور، فقال: من يغتر بوفائه بعده وهو الذي كان أخا لأصح الناس وفاء؟ كان هو وأوفى الناس سواء.
وأقول: إنه ظن أن قوله:
. . . . . . ... شَبِيبٌ وأوْفَى من تَرَى أخَوَانِ
إنه إخبار عن حاله التي كان عليها قبل الغدر وإنه مدح له وليس كذلك. وإنما ذلك إخبار بما تبين عن قبح غدره، وإن أوفى الناس، أي: اشد الناس وفاء، هو وشبيب اليوم إخوان في قبح الغدر. يريد أن الزمان قد فسد، فلا يوثق اليوم بأحد.
وقوله: الوافر
ومَنْ يَجِدُ الطَّرِيقَ إلى المَعَالي ... فلا يَذَرُ المَطِيَّ بلا سَنَامِ
قال: تعجب ممن له نفاذ وعزيمة، ويجد طريقا إلى المعالي ولا يسري إليها سرى يقطع أسنمة الإبل.
وأقول: هذا التفسير على أن ومن معطوف على لمن قبله، وليس كذلك. ولو أراد العطف على البيت الأول لكان ينبغي أن يكون قوله: ولا يذر بالواو لا بالفاء حملا
على البيت الأول وهو: الوافر
стр. 766
عَجِبْتُ لِمَنْ له قَدٌّ وَحَدٌّ ... ويَنْبُو نَبْوَةَ القَضِمِ الكَهَامِ
ويكون ينبو بالنصب لان الواو للجمع. وكذلك قوله:
ومَنْ يَجِدِ الطَّرِيقَ إلى المَعَالي ... فلا يَذَرُ المَطِيَّ بلا سَنَامِ
وقد ذكرت في قوله: ومن يجد أن من للشرط، ويجد مجزوم بها، والفاء في فلا يذر جواب الشرط، وبينت فيه معنى حسنا، فليتأمل في شرح التبريزي.
وقوله: الوافر
وَمَلَّنِيَ الفِراشُ وكانَ جَنْبِي ... يَمَلُّ لقاَءهُ في كُلِّ عامِ
قال: يعني أن مرضه طال حتى مله الفراش، وقد كان كثير الأسفار والنقل المانعة جنبه من لقاء الفراش في العام مرة.
وأقول: إن تخصيصه المرة ليس بشيء! لأنه يحتمل أن يكون أكثر من مرة. وقوله قول الواحدي.
وعندي أن المعنى غير ذلك، وهو أن الفراش مله لطول مرضه العام، وكان في كل عام يمل هو الفراش في مقامه ودعته بسبب قصده الأسفار؛ يقول: انعكست عليَّ القضية فبدلت بالصحة سقما وبالقوة ضعفا.
وقوله: الوافر
إذا مَا فَارَقَتْني غَسَّلَتني ... كأنَّا عاكِفَانِ على حَرَامِ
стр. 767
قال: خص الحرام لأنه جعلها زائرة ليست بزوج ولا سرية.
وأقول: لو قال: لأنه جعلها زائرة في الظلام، فاستتارها وخفاؤها يدل على إنها غريبة ليست بزوج ولا سرية، لأصاب الصواب، إلا إنه لم يذكر ما يدل على ذلك.
وقوله: الطويل
وعَنْ ذَمَلانِ العِيسِ ما سَامَحَتْ به ... وإلاَّ فَفِي أكْوارِهِنَّ عُقَابُ
ذكر في هذا ما ذكره من تقدمه، والصحيح ما ذكرته فيما تقدم فليتأمل.
وقوله: الطويل
وأوْسَعُ ما تَلْقَاهُ صَدْراً وخَلْفَهُ ... رِمَاءٌ وطَعْنٌ والأمَمَ ضِرَابُ
قال: جعل ابن جني الرماء والطعن وراءه من أصحابه، وليس المعنى عليه؛ بل إذا كان الجميع من أعدائه كان امدح.
وأقول: أن الرماء مصدر رامى رماء يكون من الفريقين في الفريقين، وكذلك الطعن، فإذا طاعن أصحابه الأعداء وراءه لزم أن يكون الأعداء وراءه إلا
стр. 768
الذين يضاربهم فانهم قدامه، فلم يخطئ ابن جني على هذا التقدير وفي هذا تفضيله على أصحابه؛ يقول: إذا رامى بعضهم وطاعن بعضهم، ضارب هو فتقدمهم وفضلهم في الشجاعة، وهذا من قول زهير: البسيط
يَطْعَنُهُمْ ما ارتَمَوْا حتى إذا طَّعَنُوا ... ضَارَبَ حتى إذا ما ضَارَبُوا اعْتَنَقَا
وقوله: السريع
لو كانَ ذا الآكلُ أزْوَادَنَا ... ضَيْفاً لأوْلَيْنَاهُ إحْسَانا
قال: هذا مثل قوله فيما مضى: البسيط
جَوْعَانُ يأكُلُ من زَادي ويُمْسِكُني ... . . . . . .
وأقول: هذا وهم، بل هو فيما سيأتي في قوله: البسيط
عِيدٌ بأيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يا عِيدُ ... . . . . . .
وقوله: البسيط
ما يَقْبِضُ المَوْتُ نَفْساً من نُفُوسِهِمُ ... إلاَّ وفي يَدِهِ من نَتْنِهَا عُودُ
стр. 769
قال: جعل للموت عند قبض أرواحهم عودا في يده، لئلا يباشر بها قبض أرواحهم استقذارا لها، ضرب ذلك مثلا للموت مجازا.
وأقول: وهذا الذي ذكره هو قول الجماعة، وهو غير مرضي، وقد ذكرت ما عندي فيه فيما قبل.
وقوله: المتقارب
فما كانَ ذلك مَدْحاً لَهُ ... ولكنَّهُ هَجْوَ الوَرَى
قال: لما نافى أهل زمانه فيه من السفال كان مدحه إياه إرغاما لهم.
وأقول: متابعة الجماعة لابن جني في هذا التفسير، ومطابقتهم له على لفظة السفال سفال! وهي لا تدل على معنى في البيت، ولا فصاحة في اللفظ.
ومعنى البيت: أني لما مدحت كافورا ووصفته بصفات الناس وأخلاق الكرام جعلته من الناس، وهو لا يستحق ذلك، كان ذلك هجوا لهم إذ هو ليس منهم وقد أدخلته فيهم.
стр. 770
وقوله: البسيط
أمْضَى الفَريقين في أقرانِهِ ظُبَةً ... والبيضُ هَادِيَةٌ والسُّمْرُ ضلاَّلُ
قال: السيوف تمضي قدما فهي هادية، والرماح تمضي يمينا وشمالا فهي ضلال. وهذا ليس بشيء!
والصحيح أن السيوف هادية في ظلم النقع بضوئها، والرماح ضلال في ظلم الصدور بطعنها.
وقوله: المتقارب
ولا ما تَضُمُّ إلى صَدْرِهَا ... ولَوْ عَلِمَتْ هَالَهَا ضَمُّه٠ُ
قال: المعنى: أن أمه لو علمت إنه يكون شجاعا، عظيم الشأن لهالها ضمه إلى صدرها.
وأقول: ليس كذلك! ولكنه جعله أسدا فلم تدر أمه ما ولدت منه، ولا ما تضم إلى صدرها، ولو علمت إنه أسد لهالها ذلك.
стр. 771
وقوله: الكامل
نَافَسْتُ فيه صُورةٌ في سِتْرِهِ ... لَوْ كُنْتُهَا لَخَفِيتُ حتى يَظْهَرَا
قال: ادعى إنه يحسد الصورة لقربها من الحبيبة، حتى لو قدر أن يكون إياها لأخفى نفسه وزال حتى تراها العيون لأنها مما تشوق الأبصار.
وقيل: لخفيت نحولا وضنى حتى يظهر كأنه يشير إلى العدم، وهذه مبالغة تامة.
وأقول: أما قوله: لو قدر أن يكون أباها لأخفى نفسه. . . . . . حتى تراها العيون: إن هذا مما لا يسمح به العاشق، لو قدر عليه، لأنه أشح الناس على محبوبه أن تراه العيون.
وأما قوله: لخفيت نحولا وضنى حتى يظهر فيقال: كيف يضنى إذا كان مكان الصورة، وهو مشاهد لمحبوبته، مواصلها، يمسها وتمسه في حال الدخول والخروج؟ وقد أجبت عن هذا السؤال في شرح التبريزي بما يحصل عنه الانفصال.
стр. 772
وقوله: الخفيف
مَثَّلُوهُ في جَفْنِهِ خَشْيَةَ الفَقْ ... دِ ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ
قال: قوله:
. . . . . . ... . . . . . . ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ
أي: غشوة بفضة منقوشة نقشا دقيقا، وأرادوا بذلك تمثيله، لأنه لا يكون مسلولا دائما لينظر إلى حسنه، فلخشية فقدهم له جعلوا غمده مشبها له فضة بيضاء، نقشها الدقيق كفرنده.
وأقول: إنه قد ذكر فيه أقوال؛ هذا أحدها. والذي عندي فيه أن هذا البيت مرتب على ما قبله، وهو قوله: الخفيف
كلَّما سُلَّ ضَاحَكَتْهُ إيَاةٌ ... تَزْعُمُ الشَّمْسُ أنَّها أرْادُهْ
فأخبر أن الشمس تزعم إنها ترب له ونظير، فلما ادعت الشمس ذلك مثلوه في جفنه خشية الفقد؛ أي، جعلوه ماثلا مقيما في غمده لأنه نور، خشية أن يذهب كما تذهب الشمس، وقوله:
. . . . . . ... . . . . . . ففي مِثْلِ أثْرِهِ أغْمَادُهْ
стр. 773
أي: يغمد في غمد شريف من جنس جوهره، وهو الذهب، ويدل عليه قوله: الخفيف
مُنْعَلٌ لا مِنَ الحَفَا ذَهَباً. . . . . . ... . . . . . .
فعلى هذا غمده محلى بالذهب.
وأما الفضة، التي ذكرها الشيخ، ونقشها، وهو قول ابن فورجة، فليس في كلامه ما يدل عليها.
وقوله: الخفيف
ورجَتْ رَاحَةً بِنَا لا تَراهَا ... وبلادٌ نسير فيها بلادُهْ
قال: رجت أن تستريح عندنا، وذلك لا تراه، لأنا نسير صحبته في غزواته وصيده، فما دمنا في خدمته فلا راحة لها.
وأقول: أجود من هذا ما قال ابن جني: إن خيله رجت أن تستريح عندي من طول كده لها، وليست ترى ذلك من جهتي ما دمت أسير في بلاده،
стр. 774
والعمل الذي يتولاه لسعة بلده. وهذا يكون عند انصرافه عن ابن العميد، وفي هذا تعظيم له وإغراق، وهو مثل قوله في بني عبد العزيز: الكامل
. . . . . . ... ولكلِّ رَكْبٍ عِيسُهُمْ والفَدْفَدُ
أي: العيس التي يركبونها إليهم لهم، وكذلك الفلاة التي يسيرون فيها إليهم.
وقوله: الخفيف
أنَا مِنْ أصْيَدِ البُزاةِ ولكنْ ... نَ أجَلَّ النُّجومِ لا أصْطَادُهْ
قال: قال ابن جني: لو استوى أن يقول: أعلى النجوم كان أليق. وليس هذا بشيء! لأنه جعل الممدوح نجما في علو القدر، ثم انظر إلى جلالة قدره في الرئاسة.
فيقال لابن جني: كان يستوي له أن يقول: ولكني أعلى النجوم، فيزيد ياء، ولا يفوت أبا الطيب ذلك لو رآه صوابا، ولو قال ذلك لدخل عليه نجوم كالسها وما أشبهه، ولكنه أراد بأجلّ النجوم الشمس، وهي أشرف الكواكب وأعظمها وأضوؤها، وهذا التفسير لم أجده لأحد سواي.
стр. 775
وقوله: الطويل
وتلقَى نَواصيهَا المَنايَا مُشِيحَةً ... وُرُودَ قَطاً صُمٍّ تَشَايَحْنَ في وِرْدِ
قال: مشيحة: جادة في لقاء الموت إيثارا لبقائها في ملكه، ولا ترى الخروج من يده إلى غيره حبا له.
وأقول: إن قوله: جادة في لقاء الموت حسن، وما زاد على ذلك من قوله: إيثار لبقائها في ملكه. . . . . . إلى اخره، ليس بشيء! وإنما أوقعه في ذلك البيت الذي
следующие страницы →