← Фикх общий

Фикх общий · id 37059

المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

عبد الله العفيفي

Полный текст (543 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ويغلب أن يكون ذلك للإماء. أما ذو الثقوب المنفسخة فهو المَنجول كأن عيونه عيون الحسان النجل وفي ذلك يقول الشاعر: لهونا بمنجول البراقع حِقبه ... فما بال دهر لزَّنا بالوصاوص وأما النصيف فثوب رقيق به المرأة فوق ثيابها ، وربما قُنعت ببعضه. وإنما سمى بالنصيف لأنه نصَف بين الناس وبينها! فهو يحجز أبصارهم عنها. وفيه يقول رسول الله ﷺ في وصف الحور العين: ولنصيف إحداهن عنها خير من الدنيا وما فيها ويقول النابغة في وصف المتجردة امرأة النعمان بن المنذر سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتلقفته واتقتنا باليد أما اللثام والنقاب فكلاهما قناع الوجه من طرف الأنف إلى ما دونه فإن نزل إلى الفم فهو اللفام. والآن وقد بلغنا من حجاب المرأة، فإن حقا علينا أن نُلم قليلا بثيابها وزينتها وما احتواه بيتها فتقول: ثيابها لبست المرأة العربية ضروباً من الثياب مختلفاً فنونها وألوانها مما أخرجته مناسج اليمن وعُمان والبحرين والشام والعراق، وما اجتلته من بلاد فارس وسواحل الهند ومنها مارق نسجة، ودق خيطة، وذلك ما تسميه بالمهلهل المسلسَل والهفّاف. وما كثف حوْكه وضوعفت حواشيه؛ وذلك ما تدعوه بالصفيق، والشبيع، والحصيف. ومنها ما لم يخالط لونه لون آخر. ولهن في ذلك الأبيض والأسود، والأحمر، والأصفر، والأخضر، والمُدَمىَّ - وهو ذو الحمرة القانية - والمشْرق - وهو ما كان وسطاً بين الحمرة والبياض - والمفرق - وهو

стр. 107

ما أشرب بالزعفران - وما اجتمع فيه لونان فما فوقهما ومن ذلك المُشْرَب - وهو الذي يتماوج بين لونين - والمخَطط والمسَهم. بيض - والنّمِيق، أو المنمق - وهو المنقوش - والمُوشى وهو ما اجتمع عليه الزُّخْرُف - والمُعَين - وهو ما أشبهت نقوشه عيون النرجس - والمُصَلب - وهو ما تقاطعت خطوطه كتقاطع الصلبان - والمُذْهب - وهو ما حُبك نسجه بخيوط من الذهب - وفيه يقول سلمى بن ربيعة: والبيض يرفلن ... كالدمى في الريط والمُذهب المصون وأما مادتها فالحرير. ومنه الدَّيباج، والدَّمِقْس. والسندس. والاستبرق والخزر وهو وبر دابة كالأرنب تدعى بذلك الاسم ويشبه الحرير في ملاسته ونعومته - ووَبر الأرنب؛ وليس كل أرنب ينخذ وبرها، وإنما هو نوع خاص يجتلب من شمال العراق. والقطن، والصوف، والكتان، وأشباها. وأما نوعها فجمة العدد، مختلفة الهيئات. وأشملها وأعمها ما أنا سائقه إليك ومنه الشعار والدثار. أما شعارها على ما يلي جسدها - فالصدار والمُجُول - وهما قميصان قصيران متقاربان لا أكمام لهما ودونهما السراويل وأما دثارها - وهو ما يلي الشعار - فالدرع - وهو جلباب شامل بدثارها - والنطاق؛ ويلبس دون الدرع - وهو ثوب تشدّة المرأة وسطها وترخي نصفه الأعلى على نصفه الأسفل - وإذا نحن قربناه إلى متناول العصر الحاضر قلنا أنه ملكوف مضاعف. ومن فوق هذا البتَ - وهو ثوب

стр. 108

أخضر مهلهل يحيط بجسم المرأة ويُقَنّع جزء منه رأسها ووجها - فإن لم يكن ظاهر الثوبين رقيقاً شفافاً ليظهر ما يليه. وقد تطلق الحلة على الثوب المبطن. وقد ترتدى فوق ذلك بصنف من الأردية ازدياناً واختيالا أو تصَوُّنا واحتشاما. ومن هذه الأردية العطاف، أو المِعطف - وهو رداء تلقيه على عطفيها وترسله على جسمها - والرَّيطَة - وهي مَلاءة ذات لفْق واحد أي شقة واحدة -. والْخبَرَة - وهي بُرْدٌ موَشَّى من بُرُود اليمن - وليس هناك وصف أدق لها من قول صبي لحسان بن ثابت لسعه الزَّنبار ولم يكن قد عرف اسمه فقال لأبيه: يا أبت لسعني طائر كأنه مكتلف في بُردى حبَرَة يمانية. وهي أغلى وأبهج ما أرتداه النساء في ذلك العهد. وقد شبه النبي ﷺ الحواميم في القرآن بالحبرات تنويها بها وإشادة بفضلها. ومن أرديتهن المِرْط - وهي مُلاءة ذات شقتين - وليس بين أرديتهن ما هو أعم استعمالاته منه. ومنها الَّلفاع - وهو رداء تلتفع به - وهو بالشال أشبه. ولهن غير ذلك الوِشاح - وهو شُقَّة مُرَصَّعة بالجواهر تشدها المرأة بين عاتقيها وخصرها - والسرَق. واحدتُهُ سَرَقة - وهي شقاق من الحرير يلتفعن بها - والمِطْرَف - وهو رداء مربع من الخزَّ موشى بالأعلم -. والعَمَرُ - وهو منديل الرأس - ولا يلبسه إلا الحرائر. وهنالك المِيدع - وهو ثوب تضعه عند معاناة عملها فتصون به غوالي ثيابها من الابتذال - وهو شبيه بما ندعوه بالمريلة قال الضَّبُّي: أقَدَّمه قُدّام نفسي وأتقي ... به الموت إن الصوف للخز ميدَع

стр. 109

هل تَخِمشن إبلي علىّ وجهها ... أم تعصبنَّ رؤوسها بسلاب ولهن في هذه المواطن المِسح - وجمعه مسموح - وفيه وفي السُّلُب - جمع سلاب - يقول لبيد: يَخْمُشْنَ حُرّ أوجه صحاح ... في السُّلُب السود وفي الأمساح وأما ما تحتذيه فالْخُفُّ - وهو ما طال من الأحذية - والقَفش، أو الكَوْث وهو القصير المكشوف منها. والجورب - وهو شعار القدمين - والقفاز ويتخذ للقدمين واليدين معا، وهو أدق نسجا، وأنضر لونا من الجورب، ولذلك شبهوا به الحناء في اليدين والقدمين فقالوا: تقفزت الفتاة إذا خضبت بالحناء. حليها بلاد العرب محفوظة الجنبات بمغاوص اللؤلؤ والمرجان. وهي فوق ذلك مستورَدة للذهب والفضة والزُّمُرُّد والزَّبَرجد والعقيق والياقوت وأشباهها مما يهبط به التجار من مختلف الأقطار ليبيعوه بلؤلؤ العرب ومرجانهم. فليس بعد ذلك أن يتخذ النساء تلك الجواهر معقد زينتهن، ومُجْتَلَب الأبصار إليهن، فلم يتجاف عنها، إلا واحدة من اثنتين: امرأة عنيت بفرط جمالها، وبديع محاسنها، فهي تتركها ثقة بذلك الجمال، واستهانة بأمر الحلي، وتلك التي يدعونها العاطِل، وأخرى امرأة نكبها الدهر، واستلبت منها عزيزاً عليها، فهي تطرحها كراهية للزينة، وإيذاناً بالحِدَاد، وهي التي يسمونها الَمرهاء فأما مَن سواهن فهن جميعاً حاليات. تقلد الصبية العربية صنوفاً من الحِلي منذ بدء عهدها وأول نشأتها. وذلك حيث يقول الله جل ذكره حاكياً قول جهلة المشركين الذين إذا بُشَّر أَحدُهم بالأْنْثَى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وهو كَظيمٌ: أَوَ مَنْ يُنَشَّأُ في الْحِلْيَةِ وهو في الخِصامِ غَيرُ مُبِينٍ فجعلوا التنشئة في الحلية شعار الإناث، وموطن الكناية عنهن.

стр. 110

أما ما عقدت الخناصر عليه من صنوف حليهن، وضروب زينتهن، فذلك الذي أورده عليك: فهنالك التاج أو الإكليل، وهو عصابة مرصعة بالجواهر تحوط جبين المرأة. والقُرط، ما علق في أسفل الأذن فأما ما علق في أعلاها فالشّنْف. والْحبُّ، وهو القرط من حبة واحدة. يسمى الخيط الذي يصل بين القرطين بالعُقاب. والخِرصْ، الحلقة من الذهب أو الفضة في أذن الصبي والصبية والمرأة. هذا، ويغلب على القرط أن تعلق به جوهرة أو لؤلؤة. وقد ضربوا المثل بقُرطي مارية ابنة ظالم بن وهب الكندي زوج الحارث الأكبر الغساني ملك الشام، وفيهما درّتان كبيضتي الحمام لم ير الراءون أعجب ولا أوضأ منهما، وقد توارثهما نساء الملوك من بعدها حتى كان مآلهما إلى فاطمة بنت عبد الملك، وكانت زوجها لعمر بن عبد العزيز قبل أن يلي الخلافة. فلما وليها قال لها: إن أحببت المقام عندي فضعي القرطين في بيت مال المسلمين. فصدعت بأمره. فلم يزالا في موطنهما من بيت المال حتى انتقض الملك الأموي فذهب خبرهما. ومن أمثالهم: أنفس من قرطي مارية. يضربونه في كل غال وعزيز عليهم. قولهم: آتيك بما شئت ولو بقرطي مارية. قال قائلهم: يأيها الملك الذي ... مَلَلك الأنام علانية المال آخِذه سوا ... يَ وكنتُ عنه ناحية إني أؤديه إلي ... ك ولو بقُرْطَي مارية وهنالك القِلادة. وهي ما يجعل بالعنق. ويسمى موطنها بالُمقَلّد. وأنفُسها

стр. 111

ما كان من اللؤلؤ وحده أو مفَّصَّلاً مع غيره من الجواهر. ومنها الزمرد والزبرجد والياقوت والمرجان. وقد يضاف إلى ذلك الشذْر، وهو حبات من الذهب والْجُمَان وهي لآلئ من الفضة. وهم يسمون اللؤلؤة التي توسطت حبات العقد بالواسطة. والتَّقْصَار أو الِمْخنقة قلادة لاصقة بالعنق. وتسمى الأهداب المتدالية من القلادة على الصدر بالُّسمُوط، وواحدهما سِمْط والَسمط أيضاً الخيط ينظم فيه اللؤلؤ وغيره. والطوق حَلىٌ يحيط بالعنق، ويغلب أن يكون ذلك للأطفال. والسَّخاب قلادة من قَرَنْفُل أو ما يشابهه، ويغلب أن تكون تلك للأطفال أيضاً. والسّلْسُ نظم ينظم من الخرز، وللخرز صنوف جمة، أجملها وأحبها الخرز اليماني، وهو صنف من الخرز محلّى. والوِشاح، وهو خيطان من الجوهر منظومان مخالف بينهما معطوف أحدهما على الآخر. والسُوَار أو الأسْوِرة، وهو نطاق المِعصم. وهو من خصائص الحرائر، وفي أمثالهم لو ذاتُ سِوَارٍ لطمتني والمِعضَد أو الدُّملج طوق العضد. وهو شبيه بالسوار لليد. والخاتم والفَتَخ، وأؤلهما ما له نص، والثاني ما لا نص له. وكلاهما يلبس في أصابع اليدين والرجلين معاً. والْخَلخال، وإنما يطلق على ماله رنين، فإن لم يكن له رنين فهو الفَتَخ، فإن غاض في الساق فهو الْخَدَمة، وعند العرب صنف من الحلي يصاغ مجحوفاً ويحشى بالطيب ويسمى ذلك بالكبيس.

стр. 112

ويسمى صوت الحليّ بالوسواس أو النقنقة. والتميمة، خرزة تعلق في عنق الصبي أو الصبية أو خيط تعلق فيه التعاويذ بزعم أنه يدفع عنهم الآفات. ومن لواحق الزينة عندهن بل من أصولها ودعائمها الطيب، وهو زينة العرب جميعاً رجالا ونساء وأطفالا. والطيب عندهن على صنفين: أعواد يُتَبَخّرُ بها، ودُهن يُدّهَن به. فمن الأول الصندل، والساج واللبنى - وهو شجر يسيل منه لبن كالعسل في طعمه - والعود. والند - وهو المسك يعجن بالعود - والرّند وهو شجر زكي الرائحة. ومن أزهارهن الآس، ومنه يعتصر دهن يُدهن به. ومن الثاني العنبر والمسك والغالية وهي أزكى صنوف الطيب عندهن وتتخذ من المسك يعجن بالعنبر والبان. فأما البان فشجر يسمو ويطول في استواء وورقة كورق الأثل وثمرته كقرن اللوبيا ولها حب يعتصر فيخرج منه ذلك الدهن. على أن هنالك من العرب - وأخصهم أهل البادية - من يتوصل باطراح الطيب وترك التضمج به ويرون في الماء غَناء عنه ومن ذلك ما يقول الحارث بن كعب المَذْحِجي فيما يوصي به بنيه: وتزوجوا الأكفاء وليستعملن في طيبهن الماء. بيتها لم تكن بيوت العرب على سواء في تكوينها ونظامها ومادتها. فهي تختلف باختلاف مواطنها وأقدر ذويها. فأهل البادية لحاجتهم إلى النجعة، واعتزامهم الرحيل، وتأثرهم مساقط الغيث. ومنابت الكلأ، كانت بيوتهم بحيث يسهل تقويضها، ومتاعهم بحيث يحْتمل حمله، فلم يجاوزوا به مواطن الحاجة، وسداد العَوَز.

стр. 113

فأما بيوتهم فأكثرها خيام تضرب ثم تطوى، وقَلَّ أن كانت من الحجر أو الَّلبِن. وهي من حيث هذا وذلك على عشرة أنحاء: خباء من صوف، وبِجاد من وبَر، وفُسطاط من شَعَر، وسُرِاَدق من قطن، وقشع من جلد، وطرف من أدم، وحَظيرة من شَذَب وخيمة من شجر، وأُقنة من جر، وكُبّة من لبن. وهي بسائط التكوين. ومَثَلها في ذلك كمثل ما أحاط بها من سهل، وجبل، وجوّ، وأرض، وسماء. وغير أن أشرفهم لغدوّهم على حواضر البلاد وغشيانهم مجالس الملوك، كانوا يتأنَّقون بعض الأنقة في بيوتهم، وينقلون إليها من تلك المظاهر ما لا تنبو عنه طباعهم، ولا أسلوب حياتهم. وربما جمع الرجل بين هذه البيوت كلها أو بعضها ليتخذ منها مأوى لضيفانه، ومثوى لعشيرته، وحظيرة لماشيته، وجلساً لنسائه، ومهبطا لسُماره. وكانت للنساء مجالس يجتمعن فيها فيتناقلن الحديث، ويتجاذبن أطراف الكلام، كما كانت للرجال أندية يتسامرون فيها ويتشاورون وذلك ما يراد من قول عمرو بن كلثوم في وصيته لأبنائه حيث يقول؛ وأبعدوا بيوت النساء عن بيوت الرجال، فإنه أغض للبصر. أما المدن فمستقر الدور والقصور. وهي لا تقل في شيء عما سواها في مختلف الأقطار والأمصار، وبينها أبدع ما وضعته الأيدي، وأثمرته العقول. ففي غُمدان وظفار وأشباههما. وفي العراق الخَوَرْنَقُ والسَّدير وأضرابهما. وفي الشام السُّوَيداء وقصر الغَدير ونظائرهما. وفي تدمر وتيماء الرواق الأعظم، والأبلق الفرد وأمثالهما. وفي كل مدينة من القصور الشمم ما لا تناله العُصْم، ومن دونها قصور لا تدانيها سناء ولا بناء. على أن لها نصيبها من جلال وجمال. ومن ذلك تعلم أن

стр. 114

بلاد العرب لا تقل في بيوتها عن كل بلدُ مشرق العهد عريق المجد بعيد الأمد. أما أثاثها ومتاعها فإني ناقل لك أعمه وأهمه. ففيها من الفُرُش الْحَصير، ومنه المنمق المنقوش، وفي النساء صوانع خصصن بتنميق الحصير. قال النابغة: كأن مَجْرَ الرامِساتِ ذُيُولَها ... عليه حصيرٌ نمَّقَتْه الصوانع والبساط وهو كل شيء بسط ليجلس عليه. ومن البسط الرفرف، وهي بسط خضر - واحدتها رفْرَفة - والزرابي - جمع زربى - وهو بسط بديعة الرُّواء، لها خَمْل - هُدب - ناعم دقيق؛ وإنما سميت بذلك تشبيها بالزَّربى من الزهر، وهو نبت يجمع بين الصفرة والبياض: والطنافس - جَمع طنْفُسة - ومثلها كمثل الزرابي في خملها، وإن كانت دونها في رقة نسجها، ورُواء منظرها. والعَبْقَرِي - جمع عبقرية - وهي الطنافس الثَخان، أو البسط الموشيَة من الديباج، أو أبدع الزرابي. والنمارق - جمع نُمرُقة - ومنها وسائد وبسط هي جميعاً ذات وشي مرقوم وقد ذكر الله جلِ ذكره تلك الصنوف من البسط في القرآن في سياق وصف الجنة ليصورها بذلك للعرب على إبداع ما يفهمون، وأحبَّ ما يعلمون. أما ما على الفراش من المقاعد فمنه الحشايا - واحدته حَشِية - وهي مقاعد محشوة تبسط على الأرض للجلوس وفوق السرر للنوم. وقد يبالغون في حشوها فيتخذونه ريش النعام. فإذا ازداد حشوها وارتفع سَمكها فهي الوشائز. وعندهن الحَجَلة وهي غرفة العروس تزين بالفُرش والأسرة والستور. وبها الأرائك - واحدتها أريكة - وهي شبيهة بالوشائز. غير أنها أرفع وأرق وأبهج. ومن أجمل ذلك اختصوا بها غرفة العروس.

стр. 115

وأما الأسرة فصنوف شتى وأوضعُهَا ما اُّتخذ من سَعَف النخل. وأعزها ما كان من العاج. وذلك الذي يقول فيه القائل. واللهِ للَنّوْمُ على الديباج ... على الحشايا وسرير العاج أهون يا عمرو من الإدلاج ... وزفرات البازل العَجْعاج ولهن غير ذلك الكِلل - واحدتها كِلة - وهي ستور رقيقة من البعوض وموطنها فوق السرر ودونها. وهنالك الحِلْس وكن يضعنه تحت الفراش بينه وبين الأرض ويقابله النمط وهو ظُهارة الفراش. أما جدران الغرفة وحيطانها فكن يشددن عليها النجود، وهي ستور منَّمقة ذات صور، وأشكال تشد على جدران الغرف لتزدان بها. ولهن ما يحفظن به حُرّ المتاع. ومن ذلك الصندوق، والخزانة، والْجُوالق. وبعضها قريب من بعض. فأما صندوق الثياب خاصة فهي الصُّوان. وفي الغرفة المرآة والمِسرجة وموضعها فوق المنارة. وما يشتعل فيها هو السراج، والقنديل وتصله بسماء الغرفة سلسلة تدخل في عراه. وكلا المسرجة والقنديل تضيء فيه الذُّبالة وهي فتيلة تستقي. وأكثر ما يكون دهن المصباح من الزيت. وقد يتخذ من السمن. وشاهد ذلك الحديث الفأر يقع في السمن: إذا كان جامداً قوّر ما حوله وارم به. وإن كان مائعاً فاستصبح به. تلك هي غرفة المرأة العربية، أتينا على خير ما حوت من زينة، وضمت من متاع، حتى تتراءى بذلك صورة ما عليها وما حولها، وحتى تعلم من كل ذلك أن المرأة العربية وإن أَبرت على كثير ممن سواها في فضلها فلم تقتصر عنهن في شيء من مادتها وزينتها.

стр. 116

وإن أمتع ما قيل في وصف نواعم العيش منفتيات البادية قول المَرّار بن المُنقذ التميمّي يصف فتاة من سَنّيات قومه: ناعَمَتْها أمُّ صِدْقٍ بَرّةٌ ... وأبٌ برّ بها غير حَكم فهي خَذواء بعيش ناعم ... بَرَدَ العيشُ عليها وقَصُر لا تمسُّ الأرض إلا دونها ... عن بلاط الأرض ثوب منْعَفر تطأ الخزّ ولا تكْرِمُه ... وتطيلُ الذيل فيه وتجُر وترى الرّيط مَواديع لها ... شُعُاً تلبسها بعد شُعُر عَبِق العنبر والمسك بها ... فهي صفراء كعرجون العُمر وهي لو يُعصر من أردانها ... عَبِق المسك لكادت تنعصر دينها وعقائدها إذا استثنيت فصائل منْبَثة في تفاريق بلاد العرب، من اليهود والنصارى، وآحاداً من الموحدين، فلست بواجد للقوم ديناً قَيماً يعتدُّون به ويعتمدون عليه. فهم يعتقدون أن هناك إلهاً فاطر السماوات والأرض، وأودع سره وأفاض من روحه على ماشاء من خَلقه. لذلك عَبدوا الملائكة والكواكب، ولذلك اتخذوا الأصنام من الشجر والحجر. كل يختار أفضل ما يراه وأولاده - فيما يزعمون - بقوة الله، حتى لقد حلا لبنى حنيفة أن يتخذوا إلههم من الحَبيس فعبدوه دهراً طويلا ثم أصابتهم مجعة فأكلوه! فقال قائل من تميم:

стр. 117

أكلتْ ربَّها حنيفة من جو ... ع قديم بها ومن إعواز وغيره يقول: أكلت حنيفة ربها ... زمن التَّقَحُّم والمجاعة لم يحذروا من ربهم ... سوء العواقب والتّباعة وقد بلغ من اضطراب هذا الدين أن تعبد العشيرة الحجر، فإن وجدوا غيره آنق منه تبدلوه به، وتركوا معبودهم القديم. وفي حديث أبي رجاء العُطاردي: كنا نعبد الحجر في الجاهلية. فإذا وجدنا حجراً أحسن منه نلقيِ ونأخذه، فإذا لم نجد حجراً حفنة من تراب ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به. وربما اتخذت الأسرة لعبادتها صنما خالصاً لها، بل ربما اتخذ الرجل لعبادتها صنماً خالصاً له. وآثر ما يعبدون من أصنامهم ثلاثة لثلاث من الإناث: اللاتُ، والعُزَّى، ومنَاةُ الثالثة الأخرى. جعلوهن رموزاً للملائكة لأنهم - فيما خُيل لهم - بنات الله، وأنثوا للاوليين منهن اثنتين من أسماء الله جل ثناؤه، فاتخذوا من الله اللات. ومن الأعزَّ: العزَّى! سبحانه الله وتعالى عما يصفون مثل ذلك الدين الواهن المضطرب لا أثر له في تكوين المرأة العربية، وليس في شيء مما طبعت عليه من سمُوَّ النفس. وجلال الخُلُق، لأنه لا مظاهر له من كتب منشورة، وقواعد منثورة، ومآثر مأثورة. على أن وَهَن هذا الدين أسلم دَهماء النساء إلى صنف من العقائد والهواجس رسخ في ذوات نفوسهن رسوخ الدين. وإني مُجمل لك القول في أعمق هذه العقائد

стр. 118

في قلوبهن، وأعلقها بنفوسهن؛ لأكشف لك عن صورة غير مخضوبة، وصحيفة غير مكذوبة. الخرزات والتمائم والرُّقَي إن اختمار الوثنية في المرأة العربية خيَّل لها أن في بعض الحجر مآثر وأسراراً تكشف عنها العزائم والرُّقَى. فهنالك بين ثنايا الجبال، وبين أعطاف المفارز، صنوف من الخرز مما فُصل من شعب الصخور، تناولته يدُ القدم، فأبدعت أشكاله، ونوعت ألوانه، بما سلطت عليه من وَهَجَ الشمس، وتسكاب المطر. ألقى في روع المرأة العربية أن لكل طائفة من هذا الخرز أثراً في إصلاح أمرها من اجتلاب خير، أو دفع مكروه، وأعد لها السواحر كلمات تلقيها على كل فريق لتستثير ما يطويه، من أثر صالح، وسر كمين. وذلك الذي أورده عليك مختار خرزهن. ومأثور عزائمهن ورقاهن. فمن خرزاتهن: الهِمنة: وهي خرزة يجتلب بها النساء قلوب أزواجهن. وهن يَقُلن عليها: أخّذْتُه بالهِنَّة، بالليل زوج وبالنهار أَمَه والدّرْدَبيس وهي خرزة سوداء، كأن سوادها لون الكبد، إذا رفعتها واستشففتها رأيتها تشف كلون العنبة الحمراء. تتحبب بها المرأة إلى زوجها. وموطنها قبور عاد. قال قائلهم: قطعت القيد والخرزات عني ... فمن لي من علاج الدَّرْدَبيس

стр. 119

وقال: جَمَّعْن من قبلٍ لهن وفَطْسَةٍ ... والدردبيس مقابلاً في المنْظَم فانقاد كل مُشَذَّبٍ مَرشسِ القُوَى ... لحبالهن وكل جلد شَيظَم وهن يقلن في رقاهن عليها: أخَذْتُهُ بالدردبيس: تُدِرُّ العِرق اليِبَيس، وتَذَر الجديد كالدَّريس. وكَرَار: وهي خرزة يؤلف بها نساء البادية قلوب رجالهن. ومن مقالهن عليها: يا كَرارُ كرَّيه، يا هَمةُ أهمريه، إن أقبل فُسريه، وأن أدبر فضُريه. والقَبَلة: وهي من خرز نساء العرب. يتخذنها لإقبال أزواجهن عليهن ورثقيتها: يا قبَلة أقبليه، ويا كرارُ كُريه. والصَّرفة: وهي خرزة يصرفن بها الرجال عن مذاهبهم، وشتات أغراضهم. والعَطْفة: وهي خرزة يُعَطّفن بها الرجال إذا قَسَت قلوبهم. واليَنْجَلب: وهي خرزة يتخذنها للرضاء بعد الغضب، والأوبة بعد النَفار. ورُقيتها: أخَذْتُه باليَنْجِلب، فلا يَرم ولا يغيب، ولا يزل عند الطُنب. والسُّلونة: وهي خرزة شفَّافة إذا دفنت في الرمل اسودّ لونها فإذا أُخرجت سحقت وصب عليها ماء المطر فإن شربها من اْبتُلي بحب إنسان سلا عمن أحبه ويسمى ماؤها السُّلوان. قال قائلهم:

стр. 120

شربت على سُلوانة ماء مُزنة ... فلا وجديد العيش يا ميَّ ما أسلو وقال: يا ليت إن لقلبي ما يُعَلَّلُه ... أو ساقياً فسقاني عنك سُلوانا وقال الراجز: لو أشرب السلوان ما سَلِيتُ ... ما لي غنى عنكم وإن غَنِيتُ والسَّلوَة: وهي خرزة يشف ظاهرها عما وراءه، وإذا اسثشففتها رأيتها كزُالا البيض يُسقى نقيعها الحزين فيسلو والكلف فينصرف. قال الشمَردل: ولقد سُقِيتُ بسلوةٍ فكأنما ... قال المُدَاوِي للخيال بها ازدد وقال عروة بن حِزَام: جعلت لِعَراف اليمامة حُكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني فقالا نعم نشفى من الداء كله ... وظلا مع العُوَّاد يبتدراني فما تركا من رُقية يعرفانها ... ولا سَلوَة إلا وقد سقياني والقرْزَحْلَة: وهي من خرز الضرائر، إذا لبستها المرأة مال إليها بعلها دون سواها قال قائلهم: لا تنفع القرزحلة العجائزا ... إذا قطعنا دونها المفاوزا والكَحْلة: وهي خرزة تجعل على الصبيان فتقيهم أذى العين والنفس من الجن والإنس ولها لونان بياض في سواد كالرُّب والسمن إذا اختلطا. وربما اتخذها النساء لتأليف قلوب الرجال.

стр. 121

والفطَسة: وهي خرزة يسْقم بها العدو حتى يموت. ومن مقالهم عليها: أخّذْته بالفَسطة، بالثَُّبا والعَطسَة، فلا يزال في تعسة، من أمره ونكْسَة، حتى يزور رَمسهَ. ومن رُقاهن لتأليف القلوب: هَوّابة البرقُ والسحابة، أخذته بِمركَن، فحُبُّهُ تمكن، أخذته بإبرة، فلا يزال في غبرة، جَلبته بإشفى، فقلبه لا يهدا. جلبته بِمبرد، فقلبه لا يَبرد. وهنالك التمائم، والتميمة خرزة رقطاء، أو طائفة من الخرز والعُوذ تنظم في سير ثم تعلق في عنق المولود حين يولد. ومما يفعلن أبناءَهن أذى العين، وشرور الجن، أن يعمدون إلى الوليد حين يولد فيخططن عليه من صمغ السّمُر - وهو شجر أشجار البادية يزعم العرب أن الجن يرهبونه منه - ثم يعلق عليه سن ثعلب أو هرة، ومن حديثهن أن جنية أرادت صبيا فلم تقدر عليه. فلما رجعت قيل لها في ذلك. فقالت. كانت عليه نُفرة، ثعالب وهَرَة، والحيض حيض السّمَرة. وربما علقن عليه كعب أرنب، لأن الأرانب لا يعلوها الجن ولا يقربونها قال ابن الأعرابي: قلت لأعرابي من علق على نفسه كعب أرنب لم يصبه جنّان الحي، ولا عُمَّارة الديار. فقال: إي والله، ولا شيطانة الْحَمَاطة ولا غُول القفر وتُطأْ عنه نيران السّعالي.

стр. 122

التفاؤل والتطير المرأة العربية كمن سواها من الناس، إذا اعتزمت أمراً، أو صَبَت إلى مطلوب كان أكبرهمها أن تعرف مآله من الخير والشر، وتكشف عن نصيبه من العسر واليسر. لذلك عنيت في عامة أمرها أن تطالع ما تستقبله من مظاهر الكون فإن كان ممن خُيَّلَ لها أنه بادرة الخير، وطليعة التوفيق، ومضت في عملها آمنة مؤمنة مطمئنة، وإن مُنيت بما راعت نبْأَته وساءت طلْعته، رجف قلبها وانبعثت ريبتها، واستشعرت الهيبة من الخيبة. وهي في ذلك قسيمة الرجل لما اجتمع عليهما من غلبة المشاعر، وانفساح مدى الخيال. والعرب أمة لغة وبيان. يَكْلفون باللفظ ويستأسرون لديباجة الكلام. لذلك كان أول ما يأخذهم من الشيء اسمه، وما ينيء عنه اشتقاقه من خير أو شر؛ ثم ما ينم عنه صوته ومنظره، ثم مواطنه التي يهبط إليها، ويغلب عليها إن كان مما يألف الرياض الحالية، أو الطلول البالية، والرسوم العافية. ومما ينبئك عن موقع الأسماء من نفوسهم، ومبلغ أثرها في مشاعرهم، قول بَشَّار ابن المُضَرَّب. تغنى الطائران بِبَين ليلى ... على غصنين من غرَب وبان فكان البانُ أن بانت سُلَيمى ... وفي الغَربَ اغتراب غير دان فانظر كيف أخذ الغربة من الغرب! والبين من البان؟

стр. 123

ومثله قول من يقول: أقول يوم تلاقينا وقد سجعت ... حمامتان على غصنين من بان الآن أعلمُ أن الغُصن لي غَصَن ... وإنما البان بين عاجل دان فقمت تخفضني أرض وترفعني ... حتى ونَيْت وهد السير أركاني ومثل ذلك يقول جِرَان العَود: جرى يوم رححنا يَزُفُّها ... عُقاب وشَحّاج من البين يبرح فأما العُقاب فهو منا عقوبة ... وأما الغراب فالغريب المُطوّح فلم يجد في العُقاب إلا العقوبة، وجعل الشّحاج - وهو غراب البين - دليل الغرب المطوّح. ولئن أشفق جِرَان العَوْد من العقاب. وارتفعت منه العقوبة، لقد تيمن به غيره، وتنظَّر منه العقبى، مما هو فيه من نار الشوق، فقال: وهاب رجال يقولوا جَمْجَموا ... فقالت لهم جار إلىّ ربيح عُقاب بأعقاب من النار بعد ما ... مضت نِيّةٌ لا تستطاع طروح وقالوا دَمٌ دامت مودة بيننا ... وعاد لنا غصن الشباب قريح وقال صِحابي هدهد فوق بأنة ... هدى وبيان في الطريق يلَوح وقالوا حَمامات فحّم لقاؤها ... وَطَلْحٌ فَزيرت والمَطيّ طَليح قالوا: فهو إذا شاء جعل الحمام من الحِمام والحميم والحِمىَ. وإن شاء قال: وقالوا حمامات فحّم لقاوها. وإذا شاء اشتق البين من البان. وإذا شاء اشتق منه البيان

стр. 124

وشبيه بذلك قول من يقول: وقالوا عُقاب قلت عقبي من الهوى ... دنت بعد هجر منهم ونزُح وقالوا حمامات فحُمّ لقاؤها ... وعاد لنا حلو الشباب ربيح وقالوا تغنى هدهد فوق بأنه ... فقلت هدى نغدو به ونروح لكل ذلك كان الغراب أشد ما يروعهم، وتُطوف به أعينهم، لما ينيء عنه اسمه من الغربة، ولروعة سواده إن كان أسود، ولاختلاف لونه إن كان أبقع، ولأنه غريب لا يقطع إليهم، ولأنه لا يوجد في موضع خيامهم يَتَقَمم إلا عند معاينتهم لمساكنه، ومزايلتهم لدورهم. ولأنه ليس شيء من الطير أشد على ذوات الدَّبر من إبلهم من الغربان. لأنه ينقب عن الدّبر حتى يبلغ إلى دايات العنق، وما اتصل بها خرزات الصلب وفقار الظهر قال عنترة: ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى ببينهم الغراب الأبقع إن الذين نعيت لي بفراقهم ... هم أسهروا ليلى التمام فأوجعوا وأشد ما يتشاءمون بالغراب إذا ولاهم ظهره أو شماله - وذلك البارح عندهم - أو أبصروه يتفلى وينتتف، أوصاح بهم صيحة واحدة. أما إذا استقبلهم بوجهه أو ثَنى في صوته، فهم به يتيمنون. ومثلُ الصُّرد عندهم كمثل الغراب فهو طليعة الشؤم، وسبيل الخراب. وهم إذا رأوه ذكروا التصريد، وهو القلة، وانزعجوا مما عسى أن يصيبهم من نقص في الأهل والمال قال قائلهم: دعا صُرَد يوما على غصن بانة ... وصاح بذات البين فيها غرابها

стр. 125

فقلت أتصريد وشَحْطٌ وغربة ... فهذا لعمري نأُيها واغترابها وحكم الرَّخم والبوم كحكم الصردِ والغراب. وهم يقولون: إن لئام الطير ثلاثة، الغربان والرخم والبوم. كذلك أمر الجراد عندهم لأنهم تنظروا منه الجرد لأنه مختلف الألوان فهو عندهم كحوادث الزمان. أما الهدهد فأمره من أولئك بعيد، فهو عندهم غرة النجح، وآية اليُمن، وسبيل الهداية. ويزعمون أنه الذي كان يدل سليمان صلوات الله عليه على مواضع الماء في أعماق الأرض. ويقولون أن القُنْزُعةَ التي على رأسه ثواب من الله على ما كان من بره بأمه لأن أمه لما ماتت جعل قبرها على رأسه وشعارهم إذا استمعوا من الطير ما يروعهم أن يقولوا طائر الله لا طائرك أما ما سوى الطير من الحيوان فهم يتشاءمون منه بالأعضب، والأعور، والأبتر والقعيد، والنطيح. فالأعضب المكسور القرن، أو المشقوق الأذن. والأبتر المقطوع الذنَب والقعيد ما أتاك من ورائك من ظبي أو طائر. والنطيح ما استقبلك من أمامك من طائر أو ظبي أو وحش أما النبات فهم يتشاءمون منه بالغرب والبان كما علمت، وبالخلاف لأنه سبيل القطيعة. ويتيمنون بالريحان لأنهم أخذوا منه الروح. وربما نظروا إلى مرارة طعمه فتشاءموا به

стр. 126

وللعرب فيما عدا الطير والوحش والنبات. بوادر يتشاءمون بها، ويعوذون منها، ومنها العُطاس. قال امرؤ القيس: وقد اغتدى العُطاس بهيكل ... شديدٍ منيع الجنب فْعمِ المُنطق يقول: إنه يغتدي قبل أن يستيقظ الناس لئلا يستمع عطاسهم فيخيب. وكان قولهم إذا عطَس من يحبونه: عمراً وشباباً. وإذا عطَس من يبغضونه: ورَياً وقُحَاباً. وإذا استمع أحدهم العاطس ممن لا يعرف قال: بِكِلابي أسأل الله أ، يجعل شُؤْمك بك لا بي وكانت المرأة تتطير إذا انكفأ الإناء وصب ما فيه. وتقول في العياذ من ذلك دافق خير. وكانوا إذا اشتروا الدار، أو بنوها، أو فجَّروا العين، ذبحوا عندها ذبيحة ودعوها ذبيحة الجن، حتى لا ينالها من الشؤم شيء. وبعد فإن كان التطير مما أسلفنا لزام العرب وسبيل قصدهم، فلقد جحده كثير من رجالهم، وأخَصُّهم أولو العزم والإقدام منهم. قال الحارث بن حِلَّزَة: يأيها المزمع ثم انثني ... لا يثنيك الحادي ولا الشاحج ولا قعيد أغضب قرنه ... هاج له من مربع هائج بينا الفتى يَسْعَى ويُسعَى له ... تاح له من أمره خالج يترك ما رَقَّحَ من عيشه ... يعيش منه هَمَجٌ هامج

стр. 127

وقال حاتم بن عدي: وليس بهياب إذا شد رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم ولكنه يمضي على ذاك مقدماً ... إذا صد تلك الهناة الْخُثَارم وقال علقمة الفحل: ومن تعرض للغربان يزجرها ... وعلى سلامته لا بد مشئوم سفر الرجل وطول غيبته إذا اقتعد الرجل راحلته، وابتدأ ارتحاله، فإن كان بغيضاً إلى المرأة عمدت إلى النار فأوقدتها، حتى تحول دون مآبه إليها. وإن كان عزيزاً عليها قبضت من مواطئ قدميه واحتفظت بها، فذلك أسرع لعودته قال قائل: قالت له واقتبضت من أثره ... يا ربَّ أنت جاره في سفره وقالت امرأة: أخذت تراباً من مواطئ رجله ... غداة غدا حتى يؤوب مُسَلَّما فإن طالت غيبته، وخَفي عليها خبره ... جاءت إلى بئر عادية مظلمة بعيدة الغور فنادت فيها. يافلان؛ أو ياأبا فلان، فإن سمهت بعد ذلك صوتا علمته حياًّ وإلا فهو مائت. وللرجال نصيبهم من هذا الخيال. قال قائلهم: دعوت أبا المغوار في الحفر دعوة ... فما آض صوتي بالذي كنت داعيا أظن أبا المغوار في قعر مظلم ... تُمِرُّ عليه الذارياتُ السوافيا

стр. 128

وقال آخر وقد سمع رجع صوته: ألم تعلمي أني دعوت مجاشعاً ... من الحفر والظلماءُ بادٍ كُسورُها فجاوبني حتى ظننت بأنه ... سيطلع من جَوْفاَء صعب حدورها لقد سكنت وأيقنت أنه ... سيقدم والدنيا عُجَابٌ أمورها خَدَر الرَّجْل واختلاج العين مما يزعم العرب - رجالهم ونساؤهم - أن الرجْل إذا خدرت فذكر بها غائباً حبيباً ذهب خدرها. فإن اختلجت العين تنظَّرُ من وراء اختلاجها قرب لقاء الغائب الحبيب. قال قائلهم: إذا اختلجت عيني تيقنت أنني ... أراكِ وإن كان المزار بعيدا رأيها في مصير موتاها مما يزعم العرب، أن الميت إذا حال عليه الحول تحسرت عظام رأسه عن طائر على سُنَّة البوم يجثم على شفير قبره: فإن كان صاحبه قتيلاً لم يؤخذ بثأره أقبل يصيح: اسقوني اسقوني. فلا يزال على صاحبه حتى يؤخذ بثأره. وهم يسمون الطائر بالهامة، وعظام الرأس بالصدى. قال ذو الإصبع العدواني: يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة اسقوني وقال حاتم: أماويَّ إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا ماء لدىَّ ولا خمرة ترىْ أن ما أنفقت لم يك ضرني ... وأن يدي مما بخلت به صفر

стр. 129

وقال أبو دؤاد: سُلَط الموت والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام وقال شدّاد بن الأسود الليثي: يخبرنا الرسول بأَن سنحيا ... وكيف لقاء أصداء وهام وقال مغَلَّس الفقعسي: وأن أخاكم علمتم مكانه ... بسفح قنا تسفى الأعاصر له هلمة تدعوا إذا الليل جَنّها ... بني عامر هل للهلالّي ثائر ومن العرب من يزعمون أن النفس طائر يتبسط في الجسم، فإذا مات الإنسان أو قتل لم يزل يطيف به مستوحشاً على قبره. ويزعمون أن هذا الطائر يكون صغيراً ثم يكبر حتى يكون كضرب من البوم. وهو أبدأ مستوحش يألف المعطّلة، ومصارع القتلى، والقبور، وأنها لا تزال عند ولد الموتى ومُخلَّفة لتعلم ما يكون بعده فتخبره. والعرب يدينون بيوم القيامة ويرتقبونه. ومما يتخذون من العدة له أن يحفروا على جانب من قبر صاحبهم حفيرة، ويقيمون بها بعيراً، يعقلونه، لا يعلفونه، ولا يسقونه حتى يموت. فذلك مركبة يوم القيامة. فإن لم يفعلوا له ذلك خرج يوم البعث يسعى حافياً متسكعاً. وهم يسمون هذا البعير بلّية. قال قائلهم يوصي ولده: احمل أباك على بعير صالح ... يوم القيامة إن ذلك أصوب لا تتركن أباك يسعى خلفهم ... تَعِباً يَخِر على يديه وَيَنْكُب

стр. 130

ضمان القلوب تشق المرأة رداء زوجها، ويشق برقعها، ذلك عندهم ضمان الحب، ووثاق القلوب! وحُجَّتهم في ذلك أن ترى المرأة صنيع زوجها، وهو يرى صنيعها، فلا تزال تذكره، ولا يزال يذكرها. وربما تبادلا ثيابهما فلبس كلٌّ بُرْد صاحبه ثم لا يزال يعبث بتمزيقه حتى يبليه. قال سُحَيم بن معد الأسدي: فكم قد شققنا من رداء مُحَبَّر ... ومن برقع عن طَفْلَةٍ غير عانس إذا شق برد شق بالبرد مثله ... دَوَالَيك حتى كُلُّنا غيرُ لابس تروم بهذا الفعل بُقيَا على الهوى ... وإلْفُ الهوى يغرى بهذي الوسواس وقال آخر يصف ثوبه مما فعلت به امرأته: كأن ثيابي نازعت شوك عُرْفُط ... ترى الثوب لم يَخْلَق وقد شُقَّ جانبه صنيع المِقْلاَت المقلات هي المرأة التي اهتصر الموت أبناءها فلم يبق منهم على أحد. تلك المرأة إذا وطئت القتيل الشريف عاش في زعمهم أبناؤها قال قائلهم: تظل مقاليت النساء يطأنه ... يَقُلْنَ ألا يُلْقَى على المرء مئزر ولا أحسب ذلك إلا وسيلة مما ابتدعته العرب لإذلال أعدائهم، فألقوا في روع الثواكل من النساء أن في ذلك حياطة من الموت فلا يعود إلى انتزاع أكبادهن من بين جوانحهن. وإلى تلك السنة أشار الكْميت بن زيد الأسدي في مدحه الحسين بن علي عليهما السلام

стр. 131

وتطيل المرزّآت المقاليت ... إليه العقود بعد القيام يتعرّفن حُرّ وجه عليه ... عِقْبَةُ السَّرْوِ ظاهراً والوسام البئر في شفة الصبي مما يعمل النساء إذا بُثرت شفة صبيهن، أن يُحمَّلنه مُنخُلاً فيطوف على بيوت الحي ينادي: الْحَلاَ الْحَلاَ الطعام الطعام. فتلقي له النساءِ كِسَر الخبز وأقطاع الثمر واللحم في المنخل، فينثر ذلك للكلاب. فأيما كلب أو طفل تناول منه بثرت شفته وبرأ الصبي. قالت امرأة: ألا حَلاَ في شفة مشقوقة ... فقد قضى مُنْخُلتا حقوقه عمل الشمس في الأسنان كان عمل الصبي والصبية إذا سقط لأحدهما سنّ، أن يأخذها بين السبابة والإبهام، ويستقبل بها الشمس، ويقول يا شمس أبدليني بسنّ أحسن منها وْلتَجْرِفي ظَلْمِها آياتك. فهنالك تستقي من ضوء الشمس، فلا يكون سنٌّ أو أوضأ ولا أدق منها. وذلك المعنى بقول طَرَفة: شادن يجلو إذا ما ابتسمت ... عن أَقاحٍ كأقاح الرمل غُرّ بدلته الشمس من منبته ... بَرداً أبيض مصقول الأثر وقوله: سقته إياه الشمس إلا لثاته ... أُسِفَّ ولم تَكْدُمْ عليه بإِثمدِ

стр. 132

بعض شأنها عرسها للزوج عند العرب يومان: يوم الإملاك - وهو يوم العَقْد - ويوم البناء - وهو يوم الدخول -. ذلك بعد أن يُقَدَّم القوى بين يدي الأمر ما يرضونه ويمهده. يوم الإملاك في ذلك اليوم يأخذ ذوو الفتاة زينتهم، ويجمعون قاصيتهم، ويَنْتَدُون في ساحة دارهم، أو نَدىَّ عشيرتهم، وفي صدرهم وَلّيَ صاحبتهم، مرتدياً بُرْدَىْ حَبَرَة متخَلَفا بالخلوق. وهنالك يَقْدم رجال الفتى، فيهبطون من أكفائهم ونظرائهم مَهْبطاً كريماً. حتى إذا اطمأَن بالقوم المكان، أنشأ وليّ الزوج يخطب القوم خطبة رَيَّقةً مُونِقَةً، يكشف فيها عما تناجوا به، وقدموا له، ويقدّر فيها المهر عاجله وآجله. ثم يجيبه وليّ مخطوبتهم بمثلها، يُضَمَّنها الرضا بالقوم أخدانا وبصاحبهم صهرا. حتى إذا انتهيا نُحرت اُلجزُر ومُدَّت المطاعم، وسُمع الغناء من مجالس النساء. وتسمى وليمة ذلك اليوم بالنقيعة. وصيغة العقد عندهم، أن يقوم الزوج: خِطْبٌ. فيقول وليّ الزوجة: نِكْحٌ. وذلك حديث ذلك اليوم في أسرتين من سادات أسر العرب وهاماتهم. أرسلت خديجة بنت خويلد إلى أمين قريش ومأمونها محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - تخطبه وتقول له، إني قد رغبت فيك لقرابتك وأمانتك وحُسْن خُلُقك، وصدق حديثك. فرجع محمد، ﷺ ،

стр. 133

بالقول إلى عمه العظيم الكريم أبي طالب بن عبد المطلب، فرضيه، وأقرّه عليه، ولما استقر لخديجة من نُبْل اُلخلُق، وسناء الحياة. غدا الرسول على خديجة بالرضا، وبان القوم غادون في أثره، فأرسلت في آلها ورجال أسرتها، واستأذنت عمها، فأذن لها، وقال: هو الفحل لا يقرع أنفه. ثم نهضت إليه، فحلفته بالعبير، وكسته بردى حبرة حمراء، وأقبل القوم من بني هاشم، وفيهم كريم فتيانهم، ونجيب عشيرتهم، محمد بن عبد الله، فنزلوا من بني أكرم منزل وأسناه وهنالك تداول الخطابة أبو طالب بن عبد الله سيد قريش وإمامها، وورقة بن نوفل - ابن عمّ خديجة - حَبر قريش وعالمها. ولما انتهى القائلان نحر محمد - صوات الله عليه - جَزورين. وأمرت خديجة نساءها فرقصن وغنين. وإليك نص الخطابتين: - خطبة أبي طالب الحمد الله الذي جعلنا ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وضِئضِىء مَعَد، وعنصر مُضر. وجعلنا حَضَنَة بيتهبيته، وسُوَّاس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً، وحرما آمنا وجعلنا حكام الناس. ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله، لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفا ونُبلا، وفضلا وعقلا. وإن كان في المال قُل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ورعايّةٌ مسترجعة. وهو والله بَعْدُ له نبأ عظيم، وخطر جليل. وقد رغبت إليكم، رغبة في كريمتكم خديجة. وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ونَشا.

стр. 134

خطبة ورقة بن نوفل الحمد الله جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددْت. فنحن سادة العرب وقادتها. وأنتم أهل ذلك كله. لا ينكر العرب فضلكم، ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم. فاشهدوا علىّ معاشر قريش، أني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله. وكان ورقة في موقفه هذا ينطق بلسان عمرو بن أسد عم خديجة، الذي نهض فقال: اشهدوا علىّ معاشر قريش. أني قد أنكحت محمد بن عبد الله، خديجة بنت خويلد. وكان من سنة العرب، إذا خطب الرجل قومه، أن ينهض واقفا، أو يعتلى شَرَفا من الأرض؟ أو يتبوأ ظهر راحلته، إلا في خطبة الإملاك فإن شأنه أن يخطبها وهو جالس مطمئن. ذلك لأن المقام مقام دعة وتبسط لا حاجة فيه إلى فورة الدم وثورة العاطفة، بما يبذل من تطاول واستشراف، وقبض وبسط، وإرعاد وإبراق. المهر هو صلة الرجل لامرأته، تأخذه كاملا غير منقوص لا سبيل لأحد إليه ولا سلطان له عليه. لذلك عدّوا من اللؤم المؤتشب في نفس الرجل أن يتخذ حلوان ابنته أو مُوَلَيَتَهِ وذلك أن يتفق على جزء من المهر يبغيه لنفسه. وأعز مهورهم الذهب السبيك. والأينق العُشَرَاء، يبذلون منها على قدر ما رزقوا من نعمة العيش، وبسط الغنى على أن حدّ ذوي الجاه والسُّؤدد واليسار

стр. 135

مائة رطل أو مائة ناقة. وقد يجمع الرجل بينها. فقد أمهر عبد المطلب بن هاشم بنت عمرو مائة ناقة ومائة رطل من الذهب. وليس العرب بالذين يساومون في المهر قَلَّ أو كثر وحسبهم من الرجل جهد همته، وبعد غايته، وسناء نسبه، وصفاء ضريبته، فقد نزع لَقِيط بن زرارة شريداً إلى قيس بن خالد ذي الجدين، كرين العرب، وأحد ملوكها، فخطب إليه ابنته، وتكلم بكلمات كشفن منه عن قلب ذكي، وأنف حِمىٍّ، ونسب سنّىٍ. فزوجه الملك ابنته لليلة وساق إليها المهر عنه. أما ذوو الخصاصة فأن بِحَسْبِ الرجل أن يسوق إلى امرأته مما يباع ويشترى. ومن حديث العرب أن مُهلهِلَ بن ربيعة رحل بآل بيته بعد أ، اْستَذَلَّتْهُ بَكْريم يوم تحلاق اللمم، فاستجار بَمذْحج. وهنالك جاءه ناس منهم يقال لهم بنو جَنْبٍ فخطَبوا إليه ابنته طمعاً في أن يَشْرُفوا بشرف قومه، وينبهوا بوثوق الصلة به، فأبى ذلك عليهم. ثم سعى إليه مجيروه من مَذْحِج، وظاهروا جنباً في خْطَبتهم وأبصر هو القسر والكريهة منهم، فنزل لهم عن ابنته، وساقوا إليه في مهرها رقاعاً من جلد، وأفاءوا بها على فتى من غِمارها. فقال مهلهل في ذلك: نهنهني صاحبي فقلت له ... إن الخطوط جعلن بالقِسَم أصبحت لا مَنْفَساً أصَبْتُ ولا ... أُبْتُ كريماً حرّاً من الندم عز على وائل بما لقيت ... أخت بني الأكرمين من جُشَم أنكحها فقُدها الأرقم ... من جنب وكان الْحباء من أَدم

стр. 136

ليس بأكفائنا الكرام ولا ... يغنون عن عَيْلَة ولا عَدم لو بأبانَيْنَ جاء يخطبها ... ضُرَّب منه جبينه بدم وربما احترش الأعرابي ضبا إلى كفيئته فكان ذلك مهرها وعُقدة زواجها. قال أعرابي: أمهرتها بعد المطال ضبَّين ... من الضباب سَحَبَلَيْب سَبَطين نعم لعمر الله مهر العِرسَيْن فذلك مهره الذي أبرَّ به على غيره، وتجمل به على صاحبته، وعده تأنقاً في البذل وإفراطاً في السماحة. ذلك مهر العروسين. والعرب يقولون: الأزواج ثلاثة، زَوج مهْرٌ، وزوجٌ بهْر، وزوج دَهْرٌ أما زوج مهْر فرجل لا شرف له يُسْنىِ المهر ليُرغَّ فيه، وأما زوج بهر فالشريف وإن قَلَّ ماله تتزوجه المرأة لتفتخر به، وأما زوج دهر فذلك الكفء الذي لا عيب فيه. يوم البناء لا تجد في مأثورة حياة العرب ومعدود أيامهم، يوماً أتم بهاء، ولا أعم صفاء. ولا أبدع رُواء ولا أكثر ضياء ولا أجمع للبهيج الهني من محالفهم، ومعالم أفراحهم من يوم البناء. فهنالك يتبارى الفتيان فيلعبون بالرماح. وينتضلون بالصفاح ويَستَبِقون على متون الخيل. ويأخذون في الميسر - وهو أداة لهوهم وسنة الندى والكرم فيهم - ويسرحون ويمرحون، ويشربون ويطربون. أما بين يدي الدار وفي حجرتها، فهم يبسطون الأنماط، ويشدونها على الجدران وعليها النقوش المموهة والصور المزينة - وتلك التي استنكرها الإسلام

стр. 137

واطرحها في أعراس المسلمين - وعلى النمارق المصفوفة، والزرابي المبثوتة، يجلس النساء، ويأخذ فتياتهنّ فيما عف وظرُف من ضرب اللهو وفنون المرح. فأما الليل فأحسن ما اكتحلت به نواظر العرب حتى جعلوه مضرب أمثالهم فقال قائلهم يا ليلة ما ليلة العروس فهنالك تُجلى الفتاة، ويُفرع عليها الحُلّيِ مما تملك وما لا تملك، لأن قومها يستعيرون لها أمتع ما في الحي من حلي، بل ربما تجاوزوا حيهم إلى ما سواه. فقد استعار عتبة بن ربيعة - وهو في الشرف الصميم من قومه - حلي بني أبي الحقيق لتزف فيه ابنته هند على أبي سفيان ورهنم ابنه الوليد. فأقام بينهم شهراً ثم ردّ الحلي موفوراً. في ذلك الزَّيَّ البهيّ تسير الفتاة في حشد من لِدَتها وأترابها حتى يصلن بها إلى حجلتها. فينشئ الإمام يرقصن بين يديها، ويُغَنَّينها بمآثر آبائها. والغرّ الميامين من قومها. وفي ذلك الموطن لا يحتجب النساء من الرجال. وقد عَبَرَ العرب على سنتهم هده في مقتبل العهد الإسلامي. فقد حدّث البخاري عن الرُّبيَّع بنت معوذ بن عفراء أنها كانت قالت: جاء النبي ﷺ فدخل حين بُني علَيّ فراش كمجلسك مني فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر إذ قالت إحداهنّ: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين. ومن مقال النساء لصاحبتهن عند مفارقتها: باليمن والبركة. وعلى خير طائر أما بعد فلا يهولَنَّك ما رأيت من اعتداد القوم بأَعراسهم فوق

стр. 138

اعتدادهم بمواسمهم وأعيادهم. فإن العرب على ما تعلم أمّة حرب وجلاد، وهم لا يزالون في وقائع تُبَهَّرِج دماءهم، وتعتصر مهجات نفوسهم حتى يخطب القبيلة إلى القبيلة فتتخذا من تعاطف الأرحام، تعاطفاً في القلوب، وأسواً للجروح، وأمته من الحادثات. وأخرى أنّ العرب إذا أكبروا أمر الزواج فإنما يكبرون ما تنحسر عنه النساء من الأبناء، وهم عُدَّة الحي، وغاب الحمى، وعز العشيرة. مناحتها لنساء العرب مظاهر من الوفاء كلها حسن جميل إلا ما تَعَسَّفته الثواكل منهنّ مناحاتهنّ ومَهاجات أحزابهن من توَرُّط في الجزع وإسراف في البلاء. والمرأة العربية أحمل الناس لنازلة وأصبرهم على مُلمة، إلا إذا انتزع الموت منها أليفاً حميماً أو عزيزاً عظيماً. فهي تسير في شعاب من الأحزان طَلْقَة العنان بل إنها لتضاعف أحزانها، وتورث ضرام جشاها، بما تنهجه يومذاك من خطة وتشتمل عليه من عادة. على أن نساءَ العرب في مواقف الحزن طبقات بعضها فوق بعض. فهنالك الُمتجَمَّلة المؤتزرة بالصبر، التي تشتفي بالبكاء، وتكتفي بالرثاء. ثم تأتي بعد هذه الصالقة والشاقة والحالقة. فالصالقة التي ترتفع صوتها وتدعو بدعوى الجاهلية كأن تقول في ندبة ولدها واولداه، وواكبداه، وفي كبيرها: واجبلاه، أو واعضداه.

стр. 139

والشاقة التي تُنحي على جيب جلبابها شقاً وتمزيقاً. وبذلك أوصى طرفة أخته بقوله: إذا مت فاْنعَيني بما أنا أهله ... وشقي علىَّ الجيب يا ابنة معبد والحالقة التي تحلق شعرها فلا تبقى على بقية منه. وأولئك اللواتي لعنهن رسول الله ﷺ وبريء منهن ومنهن التي في يديها نعلين تصفق بهما وجهها وصدرها، وإلى هذه يشير عبد مناف ابن رِبع الهْذَلي في قوله. يَريع قَلْبَ ابنتيْ رِبْعٍ عويلُهُما ... لا تَرْقُدان ولا يُؤْسَى لَمن رقدا كِلتاهما أُبطنَتْ أحشاؤهها تَصَبَا ... من بطن حَلْبة لا رَطْباً ولا نقِدا إذا تأَوَّب نَوْح قامتا معه ... ضرباً أليماً بِسبْتٍ يَلْعَجُ الجِلدا كل ذلك أو بعضه مما يفزع إليه الغاليات اللواتي اهتاجهن الحزن فأسرفن على أنفسهن. فأما ذوات الرأي الجزل والحسب الكريم فهو عندهن مأثمة يأبين أن يقارقنها ويهبطن إليها، على رغم ما يعالجن من حُرق وأحزان. وتلك هي الخنساء وما ضرب به المثل من تدلهها، وتصدع قلبها، واضطرام حشاها، لم ينزل به الهلع إلى منازل أولئك المسرفات. فلم تحلق شعراً، ولم تضرب صدراً، وذلك حيث تقول في رثاء أخيها معاوية: فلا والله لا تسلاك نفسي ... لفاحشة أتيت ولا عقوق

стр. 140

ولكني رأيت الصبر خيراً ... من النعلين والرأس الحليق وأشد القتال أثقال المصيبة في الرجل يلقي امرأته. فهي تقيم من بعده سنة كاملة لا تمس ماءً، ولا تُقَلَّمُ ظفراً، ولا تزيل شعراً بل ربما ضاعفت المرأة هذا الشقاء فانتبذت بيتاً صغيراً تقيم فيه عامها بنجوة من الناس، ولبست شر ما تلبس من الثياب. وإليك ذلك الحديث الكريم فإن فيه وفاءً بتلك العادة المُعْنتة: حدث البخاري عن حُميد بن نافع عن زينب ابنة أبي سَلمةَ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ : يا رسول الله إن ابنتي تُفي عنها زوجها. وقد اشتكت عينها أفَتكحْلها فقال رسول الله ﷺ : لا مرتين أو ثلاثاً. كل ذلك يقول لا. ثم قال رسول الله ﷺ إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن ترمي بالبعْرة على رأس الحول، قال حُميد بن نافع: فقلت لزينب وما ترمي بالبعَرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفى عنها زوجها دخلت حِفْشاً ولبست شر ثيابها ولم تمس طيباً حتى تمر بها سنة ثم تُؤْتى بدابة: حمارٍ أو شاةٍ أو طائرٍ فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات. ثم تخرج فتَعْطى بعرة فترمى. ثم تراجع بعدُ ما شاءت من طيب. على أن نظرة واحدة في رواية الحديث، وسؤال رواية عما يراد منه على قرب عهده بالجاهلية، تُنْبئنا أن تلك العادة لم تكن عامة شاملة في بطون العرب وشعرها. وكان قول النساء إذا حُمل الميت من بيته، أو وُوري قبره، أن يقلن: لا يَبْعَدْ. يردن بذلك أننا أحوج ما نكون إليك فلا تحجب دوننا أثر يمينك

стр. 141

ولا نور جبينك. والعرب كَلِفون بأن ينسبوا للميت بعد الموت جميل ما اشتمل عليه من صفات ومَكرُمات. فهم يقولون إن ربيعة بن مُكَدَّوم حمى الظُّعُنَ حيَّا وميتاً. وإن حاتماً تفح ضيوفه وهو في قبره بما كان يحبوهم به وهو حي. لذلك قال النساء: لا تبعد. قالت الفارعة بنت شداد في رثاء أخيها مسعود بن شداد: أبا زُرَارَة لا تَبْعَدْ فكل فتى ... يوماً رهين صفيحات وأعواد وقالت الخورنق بنت بدر: لا يَبَعْدَنْ قومي الذين همُو ... سُم العُدَاة وآفة الْجُزُر النازلين بكل معتَرَك ... والطيبون معاقد الأزُر وقالت امرأة ترثي ولدها: بُنِيتْ عليك بُنى أحَوجَ ما ... كنا إليك صفائحُ الصَّخر

стр. 142

لا يُبْعِدنكَ الله يا عَمْرِى ... إما مضيت فنحن بالإثر وقالت أم عمرو بنت مُكدّم في رثاء أخيها ربيعة بن مكدوم: فاذهب فلا يُبْعِدَنْكَ الله من رجل ... لاقي الذي كلُّ حيّ مثلَهُ لاق وقال الفرار السُّلمي: ما كان ينفي مقال نسائهم ... وَقُتلْتُ دون رجالهم لا تبعد وكانت المنادب والمناحات على سادة الحي وأشرافهم سنة كاملة. بذلك أوصى لبيد بن ربيعة ابنتيه في قوله: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر فقوما وقولا بالذي تعلمانه ... ولا تَخْمِشَا وجهاً ولا تحلقا شَعَر وقولا هو المرء الذي لا صديقهُ ... أضاع ولا خان الأمين ولا غدر إلى الحول ثم أسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر حتى إذا لحق لبيد بربه، نهض ابنتاه بما أمرهما به، فكانتا تلبسان ثيابهما كل يوم، وتقصدان إلى مجلس جعفر بن كلاب عظيم عشيرته فترثيانه ولا تُعْولان وكذلك أقامتا سنة كاملة ثم انصرفتا. وإنما أوصي لبيد بنيتهيه بما أوصاهما، وبعد أن آمن بالله واعتصم بدينه، لمِا اتصف به من الشرف القديم في قومه، فلم يشأ أن يرز أهم فيما عف من سننهم ومناهجهم.

стр. 143

تجملها يحب الرجل العربي من المرأة أن تملأ أقطار عينه طولا، وعرضاً، وامتلاء. واستواء، وأن تكون إلى كل ذلك كَحْلاءَ، عيناء، زجَّاءَ، بلجاء، بيضاءَ، شماء، مأشورة، فلجاءَ، لمياءَ، لعساءَ، جيدا غيداء، أثيثة الشعر، مُشرِقة النحر، مهضومة الخصر. ذلك ما يروع الرجل العربي من جمال المرأة. وذلك ما تحب المرأة العربية من توسم به، وتطبع عليه. فإن حُرمت بعضه تصَنَّعَته، وتجمَّلت فيه بما لا ينبو الطبع عنه، ولا يُرد الطرف دونه. وتلك التي أوردها عليك، فنون من التجمل، كِلفَ بها اللواتي حُرِمن من الكفاية من الجمال. فهنالك: التكحل، والتنَمُّص، والتزجيج، والتفليج، والتَّلْميَة، والوشْر، والوَشم، والوصل، والخِضَاب. فالتَّكَحُّل أخذ العين بقليل من الكحل تداوياً وازدياناً وأكثر ما يكون التكحل بالإثمد، وهو حجر أسود إلى حمرة. ومعدنه بأصبهان. وليس في مذاهب العرب ما يجلو العين ويذهب بأقذائها مثله. ولا تكتحل المرأة إلا بين يدي المرآة.

стр. 144

قال قائل: إذا الفتى لم يركب الأهوالا ... وحالف الأعمام والأخوال فأعطهِ المِرْآة والمكْحالا ... واسع له وعُدّه عِيالا يقول أولى: بمن لم يقتحم الأهوال أن يكون من ذوات الحجال. والتَنمُّمصُ: أخذ ما بين الحاجبين من الشعر حتى تُخيل للناس البلج. والتزجيج: حف ما حول الحاجبين من الشعر وإطالتهما بالإثمد. والتفليج: تفريق ما بين الثنايا والرباعيات تشبهاً بالفُلْج من النساء. والتَّلْمية: خضاب الشفاه واللثات بالإثمد حتى تحكى اللمى. والوَشْرُ: تحريز الأسنان وتحديدها بمْبَرد ونحوه مَجْبلة للأشُر في الأسنان وأكثر ما يفعل ذلك ذوات السن منهن. لأن الأشر من صفات الحدثات. والوشم: وذلك ما يُوخَزَ ما تشاء المرأة من جسمها بإبرة أو نحوها حتى يسيل الدم ثم يُحْشَى بالنَّؤُر أو النَّيلج أو الكحل حتى يَخْضَرَّ أو يسودّ. وأكثر ما تَشمُ المرأة ذراعها وشفتاها ولثاتها، وقد تجاوزهم إلى غيرهن. وللمرأة العربية مَشَابِهُ مما تفعل القَرَوِيات من نساء مصر من وشم أذرعهن وما سواها بصور النبات والحيوان. وربما اتَشم الرجل بزعم أن الوشم يشد عَضُده ويُقوي دمه. والوصل: أن تصل المرأة شعرها بشَعَرٍ مُعار. وأكثر ما كان يفعل ذلك يهوديات العرب. وآية ذلك ما حَدَّثَ البخاري عن حُمَيد

стр. 145

بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عامَ حَجَّ وهو على المنبر وهو يقول - وتناول قُصة من شعر كانت بيد حَرَسِي -: ما كنت أرى يفعل ذلك إلا اليهود. أين علماؤكم، سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن مثل ذلك. وهنالك صوانع من النساء خصصن بذلك وانقطعن له. ففيهن النامصات، والفالجات، والواشرات، والواصلات، والواشمات وهن يطفن على النساء مأجورات يكفيهنّ معانات ذلك بأيديهنّ. وأولئك اللواتي لعنهنّ نبي الله ﷺ في الإسلام. وأما الخضاب، فاكثر ما يكون بالحناء في أيديهنّ وأرجلهنّ، وبالكَتم الممزوج بالحناء في رؤوسهنّ. فذلك أجلب لفُحومة الشعر ونعومته. وعندهن خليط من الطيب يتمخضن به فيكسب وجوههنّ حمرة وإشراقا ولا يكون ذلك إلا في ذوات العز والثراء. والعرب يسمون أولئك يسمون أولئك المتضخمات بالعواتك. على أن تصنع الجمال مما يَنِدُّ عن الطبع العربي إلا أن يكون كحلا أو طيباً وأكثر ما ترى المرأة العربية غانية بجمالها، أو مغتنية بآلها، أو مشغولة بجدّها وأعمالها. بل قد تواصي الحسيبات من النساء بالاكتفاء بالماء ومن جوامع كَلِمهِن: أطيب الطيب الماء.
следующие страницы →