Полный текст (543 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
ولا نور جبينك. والعرب كَلِفون بأن ينسبوا للميت بعد الموت جميل ما اشتمل عليه من صفات ومَكرُمات. فهم يقولون إن ربيعة بن مُكَدَّوم حمى الظُّعُنَ حيَّا وميتاً. وإن حاتماً تفح ضيوفه وهو في قبره بما كان يحبوهم به وهو حي.
لذلك قال النساء: لا تبعد. قالت الفارعة بنت شداد في رثاء أخيها مسعود بن شداد:
أبا زُرَارَة لا تَبْعَدْ فكل فتى ... يوماً رهين صفيحات وأعواد
وقالت الخورنق بنت بدر:
لا يَبَعْدَنْ قومي الذين همُو ... سُم العُدَاة وآفة الْجُزُر
النازلين بكل معتَرَك ... والطيبون معاقد الأزُر
وقالت امرأة ترثي ولدها:
بُنِيتْ عليك بُنى أحَوجَ ما ... كنا إليك صفائحُ الصَّخر
стр. 142
لا يُبْعِدنكَ الله يا عَمْرِى ... إما مضيت فنحن بالإثر
وقالت أم عمرو بنت مُكدّم في رثاء أخيها ربيعة بن مكدوم:
فاذهب فلا يُبْعِدَنْكَ الله من رجل ... لاقي الذي كلُّ حيّ مثلَهُ لاق
وقال الفرار السُّلمي:
ما كان ينفي مقال نسائهم ... وَقُتلْتُ دون رجالهم لا تبعد
وكانت المنادب والمناحات على سادة الحي وأشرافهم سنة كاملة. بذلك أوصى لبيد بن ربيعة ابنتيه في قوله:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
فقوما وقولا بالذي تعلمانه ... ولا تَخْمِشَا وجهاً ولا تحلقا شَعَر
وقولا هو المرء الذي لا صديقهُ ... أضاع ولا خان الأمين ولا غدر
إلى الحول ثم أسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
حتى إذا لحق لبيد بربه، نهض ابنتاه بما أمرهما به، فكانتا تلبسان ثيابهما كل يوم، وتقصدان إلى مجلس جعفر بن كلاب عظيم عشيرته فترثيانه ولا تُعْولان وكذلك أقامتا سنة كاملة ثم انصرفتا.
وإنما أوصي لبيد بنيتهيه بما أوصاهما، وبعد أن آمن بالله واعتصم بدينه، لمِا اتصف به من الشرف القديم في قومه، فلم يشأ أن يرز أهم فيما عف من سننهم ومناهجهم.
стр. 143
تجملها
يحب الرجل العربي من المرأة أن تملأ أقطار عينه طولا، وعرضاً، وامتلاء. واستواء، وأن تكون إلى كل ذلك كَحْلاءَ، عيناء، زجَّاءَ، بلجاء، بيضاءَ، شماء، مأشورة، فلجاءَ، لمياءَ، لعساءَ، جيدا غيداء، أثيثة الشعر، مُشرِقة النحر، مهضومة الخصر.
ذلك ما يروع الرجل العربي من جمال المرأة. وذلك ما تحب المرأة العربية من
توسم به، وتطبع عليه. فإن حُرمت بعضه تصَنَّعَته، وتجمَّلت فيه بما لا ينبو الطبع عنه، ولا يُرد الطرف دونه.
وتلك التي أوردها عليك، فنون من التجمل، كِلفَ بها اللواتي حُرِمن من الكفاية من الجمال.
فهنالك: التكحل، والتنَمُّص، والتزجيج، والتفليج، والتَّلْميَة، والوشْر، والوَشم، والوصل، والخِضَاب.
فالتَّكَحُّل أخذ العين بقليل من الكحل تداوياً وازدياناً
وأكثر ما يكون التكحل بالإثمد، وهو حجر أسود إلى حمرة. ومعدنه بأصبهان. وليس في مذاهب العرب ما يجلو العين ويذهب بأقذائها مثله.
ولا تكتحل المرأة إلا بين يدي المرآة.
стр. 144
قال قائل:
إذا الفتى لم يركب الأهوالا ... وحالف الأعمام والأخوال
فأعطهِ المِرْآة والمكْحالا ... واسع له وعُدّه عِيالا
يقول أولى: بمن لم يقتحم الأهوال أن يكون من ذوات الحجال.
والتَنمُّمصُ: أخذ ما بين الحاجبين من الشعر حتى تُخيل للناس البلج.
والتزجيج: حف ما حول الحاجبين من الشعر وإطالتهما بالإثمد.
والتفليج: تفريق ما بين الثنايا والرباعيات تشبهاً بالفُلْج من النساء.
والتَّلْمية: خضاب الشفاه واللثات بالإثمد حتى تحكى اللمى.
والوَشْرُ: تحريز الأسنان وتحديدها بمْبَرد ونحوه مَجْبلة للأشُر في الأسنان وأكثر ما يفعل ذلك ذوات السن منهن. لأن الأشر من صفات الحدثات.
والوشم: وذلك ما يُوخَزَ ما تشاء المرأة من جسمها بإبرة أو نحوها حتى يسيل الدم ثم يُحْشَى بالنَّؤُر أو النَّيلج أو الكحل حتى يَخْضَرَّ أو يسودّ. وأكثر ما تَشمُ المرأة
ذراعها وشفتاها ولثاتها، وقد تجاوزهم إلى غيرهن.
وللمرأة العربية مَشَابِهُ مما تفعل القَرَوِيات من نساء مصر من وشم أذرعهن وما سواها بصور النبات والحيوان.
وربما اتَشم الرجل بزعم أن الوشم يشد عَضُده ويُقوي دمه.
والوصل: أن تصل المرأة شعرها بشَعَرٍ مُعار. وأكثر ما كان يفعل ذلك يهوديات العرب. وآية ذلك ما حَدَّثَ البخاري عن حُمَيد
стр. 145
بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية بن أبي سفيان عامَ حَجَّ وهو على المنبر وهو يقول - وتناول قُصة من شعر كانت بيد حَرَسِي -: ما كنت أرى يفعل ذلك إلا اليهود.
أين علماؤكم، سمعت رسول الله ﷺ ينهي عن مثل ذلك.
وهنالك صوانع من النساء خصصن بذلك وانقطعن له. ففيهن النامصات، والفالجات، والواشرات، والواصلات، والواشمات وهن يطفن على النساء مأجورات يكفيهنّ معانات ذلك بأيديهنّ. وأولئك اللواتي لعنهنّ نبي الله ﷺ في الإسلام.
وأما الخضاب، فاكثر ما يكون بالحناء في أيديهنّ وأرجلهنّ، وبالكَتم الممزوج بالحناء في رؤوسهنّ. فذلك أجلب لفُحومة الشعر ونعومته.
وعندهن خليط من الطيب يتمخضن به فيكسب وجوههنّ حمرة وإشراقا ولا يكون ذلك إلا في ذوات العز والثراء. والعرب يسمون أولئك يسمون أولئك المتضخمات بالعواتك.
على أن تصنع الجمال مما يَنِدُّ عن الطبع العربي إلا أن يكون كحلا أو طيباً وأكثر ما ترى المرأة العربية غانية بجمالها، أو مغتنية بآلها، أو مشغولة بجدّها وأعمالها. بل قد تواصي الحسيبات من النساء بالاكتفاء بالماء ومن جوامع كَلِمهِن: أطيب الطيب الماء.
стр. 146
فصاحتها وسماحة منطقها
إذا عُدت سِمَات وصفات الجمال، فحسن المنطق أروعها وأبدعها وأملكها للأنفس، وآخذها بالقلوب. لأنّ معالم الجمال تستمدّ روعته من البدن وحده. فأما جمال الكلام فوسط عدل بين الروح والبدن.
وإذا عرفت المرأة في مختلف أطوارها بالإكثار من فضول القول، والإرسال من حواشيه، لتبلغ من نفوس جلسائها فإن المرأة العربية قد بلغت ذلك وتجاوزته بما ملك أسلوبها من دقة وبراعة، وسماحة رأي، وحسن بيان.
ولعل ذلك خير ما مكن لها من نفوس الرجال، ومهد من أسماعهم، ووطاء من قلوبهم.
لقد كانت المرأة العربية، وما تكاد تسامَى في ارتياد شعاب القول. وعَجْم أعواده وكشف فنونه وشؤونه، ودرك مواطن القوّة والضعف فيه، فاغتمرت حومه البيان قائلة ناقدة. فإن نقدت فنقد القائل الحكيم. أوقات فقول الناقد العليم. ولشَدَّ ما أخذت على فحول الرجال مواطن الزلل فيما ابتدعوه وتأنقوا فيه. ولها من دقة النقد، ولطف المأخذ، ونفاذ الإدراك وحسن البديهة، ما جعل لها في شتات مواقفها الرأي القاطع، والكلمة الفاصلة.
وستعلم من هذين الشاهدين بعد شأوها من دقة النقد، ونفاذ البديهية، وفي تاريخ العرب ما لا يناله العدّ من أمثالهما.
أما الأوّل، فما ما حدّثوا أنّ امرأ القيس، وعلقمة الفحل، تنازعا الشعر، فقال علقمة لصاحبه: قد حكمت بيني وبينك امرأتك أُمَّ جُنْدَب قال: قد
стр. 147
رضيت فقالت لهما: قولا شعراً، على أن روى واحد، وقافية واحدة، تصفان فيه الخيل. فقال امرؤ القيس أولها:
خليلَّي مُرَّا بي على أُمَّ جُنْدَب ... لِنَقضِيَ حاجات الفؤاد المعذب
وعارضها علقمة بمثلها ومطلعها:
ذهبت من الهجران في كل مذهب ... ولم يك حقّاً كل هذا النجب
وأنشدها. فحكمت لعلقمة. فقال لها زوجها: بأي شيء غلّبته؟ فقالت: لأنك قلت:
فللَسوط أُلهوبٌ وللساق دَرّة ... وللزجر منه دَفعُ أَخرَجَ مُهْذِب
فَجَهدْت فرسك بسوطك، ومَرَيته بساقك، وأتعبته بجهدك. وقال علقمة:
فولى على آثارهن بحاصب ... وعيبة شُؤْبوب من الشد ملهب
فأدركهن ثانيا من عنانه ... بمرٍّ كمر الرائح المُتَحَلبِ
فلم يضرب فرسه بسوط، ولم يمره بساق، ولم يتعبه بزجر. فلم يكن لامرئ القيس من ردّ إلا أن طلقها! وتلك آية العجز عن مقاومة الحجة بالحجة. أما هي فقد خلفته على صاحبه.
أما الثانية، فحديث الخنساء بنت عمرو بن الشريد.
ذلك أن النابغة الذبياني كان حكماً يحتكم إليه الشعراء في عكاظ. فكان فيمن تقدم بين يديه الخنساء، وحسان بن ثابت فلما أنشدته الخنساء قصيدتها التي تقول فيها:
стр. 148
وإن صخراً لمولانا وسيدنا ... وإن صخراً إذا نشتوا لَنَحَّار
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
قال لها: لولا أن أبا بصير الأعشى أنشدني لقلت إنك أشعر أهل الأرض فهاج ذلك جمرة الغضب في صدر حسان، وقال للنابغة: أنا أشعر منك ومنها ومن أبيك! قال النابغة: بماذا؟ فقال: بقولي:
لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
فيروون أن النابغة قال للخنساء: خاطبيه يا خناس. فقالت له: أضعفت افتخارك وأنزرته في ثمانية مواضع. قال: وكيف؟ قالت: الجفنات والجفنات ما دون العشر. ولو قلت البيض لكان أكثر الإشراق أدوم من اللمعان. وقلت بالضحى ولو قلت بالدجى لكان أكثر طُرَّقاً. وقلت: أسيافنا والأسياف ما دون العشرة، ولو قلت
سيوفنا كان أكثر. وقلت: يقطرن ولو قلت يسِلن لكان أكثر. وقلت: من نجدة والنجدات أكثر من نجدة. وقلت: دماً والدماء أكثر من الدم. فلم يحر حسان جواباً، وانصرف عند ذلك مستحيياً.
لذلك كله نهجت المرأة العربية كل مناهج القول، واستنَّت في جميع ضروبه فأسهبت، حتى استرقت الأسماع. وملكت أزمة القلوب، وأوجزت حتى كشفت عن الحكمة وفصل الخطاب.
ولقد وصف ﷺ رجال هم أَمَسُّ الناس به، وأطولهم لزاما له وأملؤهم قلبا منه، وهم ملوك القول، وفرسان البيان، ومن بينهم بطل حومتهم، وإمام سُنهم، عليّ بن أبي طالب ﵇. فلم يبلغ واحد من
стр. 149
وصفه ما بلغت امرأة عربية ألَمَّ ﵊ بها وهو في طريقه إلى المدينة. فوضفته لزوجها وصفاً جعله ملء سمعه وبصره، ونفسه، ووجدانه.
ولئن اعتز رجال العرب بقوم منهم ضربوا الأمثال، ونشروا مطارف الحكمة، وكشفوا قناع الحقيقة، فإنّ لسانهم أن يعتززن بفريق منهنّ لا يقل عن أولئك شأناً. ولم يتخذن دون مكانهم مكاناً. ومن هؤلاء صُحْر بنت لقمان، وحذَام بنت الريان، وخُصيلة بنت عامر بن الظَّرب. وفاطمة بنت الخرْشب، وهند وجمعة ابنتا الخس الإيادي، وأمثالهن ونظائر هنّ ممن تنبو الأقلام دون الوفاء بذكرهنّ، وذكر ما كان لهنّ من كلمة نافذة، ورأْي مسموع.
أما الشعر - وأخصه شعر العاطفة - فهو حديث أنفسهنّ، ونجوى ضمائرهن، ومَبَثُّ أوجاعهن، ومثار سرائرهن، والمحتكم بألسنتهن احتكام الدموع بأعينهن. ويا رب مُهْتاجة هاضها الشوق، وأضناها الأسى، فلم يأسُ جراح كبدها ولم يطفئ لهيب حشاها إلاَّ بيتان من الشعر جاشت بهما نفسها فزفر بهما صدرها، فجرى بهما لسانها، ففاضت لهما عيناها فسكنت إلى حنين الصوت، واشتفت بنشيج
البكاء.
لعلَّ انسكاب الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشقي نجىّ البلابل
ولئن وقف أبو طالب بن عبد المطلب فناح على أبيه بقصيدة رائعة لقد وقف إلى جانبه أخوته الست: صفية، وبرة، وعاتكة، وأم حكيم، وأميمة، وأروى، فانحسرن عن ست قصائد، هنّ صبيب المهج، وذوب القلوب.
وإن تبغ من القول، والفُسْحة في المقارنة، فدونك فاسمع هذا الحديث:
أبو نواس الحسن بن هانئ شاعر الدولة العباسية. وشعره ثمرة نعَمائها، ومرآة
стр. 150
حضارتها، وصفحة أهوائها. ذلك الشاعر المُغدِق الفَيَّاض. هو يقول: أجهدت نفسي على أن تقع في الشعر عين أُباغ فامتنعت علىّ فقلت عَيْنْي أباغ فذلك حيث أقول:
فما نجدت بالماء حتى رأيتها ... مع الشمس في عيني أباغ تغور
ذلك قول الشاعر الذي فاق المُحْدثين نفاذاً في القول، ودقة في الوصف. فإذا وعيته وملأت بصرك منه، فانظر إلى قول امرأة من بني شيبان:
وقالوا شاعراً منكم قتلنا ... كذلك الرمُح يَكلَفُ بالكريم
بعين أُباغ قاسمنا المنايا ... فكان قسيمها خير القسيم
ألسنا نرى الكلمة التي تأبَّت على شاعر المهدي والرشيد والأمين، سقيت إلى امرأة من غمار نساء العرب ريّقةً رَيضَة؟.
وما عجب ذلك؟! ألم تدفن المرأة في عين أُباغ غصون روضتها، وليوث غابها؟ فما لها لا تلين لها. وتسكن إليها؟.
ذلك شأن المرأة العربية في الشعر. وغلبتها فيه على الرجل، كغلبة عاطفتها على عاطفته وأي الرجال يملك أن ينوح على زوجه بمثل ما ناحت به جليلة بنت مرة على زوجها؟ أو ليسس ذلك لأنه لا يملك قلباً كقلبها؟ ولا يشعر بالنار تضطرم
جوانحه كما تضطرم بين جوانحها؟
أما لقد تألقت المرأة العربية في سماء الشعر، فنفذ سناها إلى أعطاف الصدور فانحسرت ظلماؤها. وتفرّجت ضوائقها. على حين ترك غيرها من نساء الأمم المختلفة في تباين أطوارهن ومنشعب ديارهن أمكنتهن خالية مظلمة يرتَدُّ عنه الطرف خاسئاً وهو حسير.
стр. 151
وعجيب كل العجب أن تنازع المرأة في زماننا أمر معقولاته ومجهوداته، وتدعه يختص نفس بالشعر، وهو ثمرة نفسها، ونسج يدها. ولو شاءت لكان لها فضل الزعامة، وشرف الإمامة.
ونحن أَولاء بمعونة الله وتوفيقه نجمع لك من نثار نساءِ العرب نظامهن ما لعل نفسك تزهو به وتسكن إليه.
стр. 152
أثارة من قولها
مأثور من المنثور
بين امرأتين
وافت جمعة وهند ابنتا الخَس سوق عكاظ. فاجتمعا بين يدي القَلمس الكناني فقال لهما: إني سائلكما لأعلم أبسط لسانا وأظهرُ بيان، وأحسن للصفة إتقانا. قالتا سلنا عما بدا لك. فستجد عندنا عقولاً زكية، وألسنة قوية وصفة جلية. قال القَلَمَّس: أيُّ ذكور الخيل أحب إليك يا جمعة؟ قالت: أُحبُ المنسوب جَدُّه، الأسيل خَدُّه، السريع شده، الطويل مَدُّه، الشديد هَدُّه، الجميل قَدُّه. قال القلمَّس: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: هذا فرس خَلِيق إن طلب لم يُلْحَق، وإن جوري لم يُسْبق، وإن بوهي لم يُفق، وغير أحبُّ إلىّ منه. قال: فقولي قالت: أحبُ الوثيقَ الْخلق، الكريم العِرق الكثيرَ السَّبق، الشديد الذلق، يمرُّ من البرق. قال كلتا كما محسنة: فأي إناث الخيل
стр. 153
أحب إليك يا جمعة؟ قالت: أحبُّ كل حيِية الفؤاد، سَبُوح جواد، سلسة القيادة شديد الاعتماد، في الدَّفع والاشتداد، ذات هِباب وثماد. قال القلمس: كيف تسمعين يا هند؟ قالت: هذا فرس صاحبها خليق ألا يفوته أمر؛ ولا يهوله ذُعْر، إذا شاء كَرّ، وإذا هاب فرّ، وغيرها أحب إلي منها. قال. فقولي. قالت: أُحِبُّ الشديدَ أسْرها، البعيد صبرها؛ القليل فَترها، الجميل قدرها؛ السريع مَرُّها؛ المحفوف كرها قال القلمس: كلتا كما محسنة. فأي ذكور الخيل أبغض إليك يا جمعة؛ قالت: أبغض كل بليد، وارم الوريد؛ ذا ركال شديد لا ينجيك هارباً. ولا تظفر به طالباً ولا يسترك شاهداً ولا غائباً. قال القلمس: كيف تسمعين يا هند؟ قالت هذا فرس أمسكه بلاء؛ وعلاجه عناء؛ وركوبه شقاء، وغيره أبغض إلى منه. قال: فقولي. قالت أبغض السريع البُهر البطيء الحصر، السُّكيت الطفر. قال القلمس: كلتا كما محسنة. فأي النساء أحبُّ إليك يا جمعة؟ قالت: أحب الغريزة العذراء، الرُّعْبوبة العَيطاء؛ الممكورة اللفاء ذات الجمال والبهاء، والسَّتْر والحياء؛ البَضّة الرخصة كأنها فضة بيضاء قال: كيف تسمعين ياهند؟ قالت: وصفت جارية هي حاجة الفتى، ونُهْية الرّضا، وغيرها أحبُّ إليّ منها. قال: فقولي. قالت أحبُّ كل مشبعة الخَلْخال ذاتِ شكلٍ ودلال وظرف وبهاءٍ وجمال. قال القلمس: كلتا كما محسنة فأي النساء أبغض عليك يا جمعة؟ قالت: أبغض كل سلفع بَذِيّة؛ جاهلة
стр. 154
غبيّة، حريصة دنيَّة، كريمة ولا سَرِية، ولا ستَّيرة ولا حبيبة. قال: كيف تسمعين ياهند؟ قالت: وصفت امرأة صاحبها خليق ألا تصلح له حال، ولا يَنْعَمَ له بال، ولا يثمِرَ له مال، وغيرها أبغض إلى منها. قال: فقولي. قالت: أبغض المتجزَّفة الشوهاء، المنفوخة الكَبْداء، العِنفِص الوقْصاء، الحَمِشَة الزَّلاّء، التي إن وَلَدَت لم تنجب، وإن زُجرت لم تعتتب، وإن تركت طفقت تصخب. قال القلمس: كلتا كما محسنة. في الرجال أحب إليك يا جمعة؟ قالت: أحبّ الحُر النجيب، السري القريب، السمح
الحسيب، الفطن الأريب، المِصْقع الخطيب، الشجاع المهيب. قال القلمس: كيف تسمعين ياهند؟ قالت: وصفت رجلاً سيداً جواداً ينهض إلى الخير صاعداً، ويسرك غائباً وشاهداً، وغيره أحب إلى منه. قال: فقولي. قالت: أحبُّ الرُّحْب الذراع، الطويل الباع، السخيّ النّفّاع، المنيع الدَّفاع؛ الدَّهْمَثي المطاع؛ البطل الشجاع، الذي يحل باليفاع؛ ويُهِين في الحمد المتاع. قال: كلتا كما محسنة. فأيُّ الرجال أبغض إليك يا جمعة؟ قالت: أبغض السئالة اللئيم، البغيض الزنيم الأشوه الدميم؛ الظاهر العُصُوم؛ الضعيف الحَيزُوم؛ قال كيف تسمعين ياهند؟ قالت ذكرت رجلا خطره صغير، وخَطبة يسير؛ وعيبه كثير؛ وأنت ببغضه جدير، وغيره أبغض إلى منه؛ قال: فقولي. قالت: أبغض الضعيف النُّخاع. القصير الباع،
стр. 155
الأحمق المِضياع، الذي لا يُكرم ولا يطاع. فقال أحسنتما وأجملتما، فبارك الله فيكما، ووصلهما وحباهما.
أَبلغ الكَلم في أبلغ الكرم
قالت ماوية امرأة حاتم: -
أصابتنا سنَةٌ اقشعرت لها الأرض، واغَبَّر أُفق السماءِ، وراحت الإبل حُدْباً حدابير، وضَننَّت المَرَاضع على أولادها فما تَبِضُّ بقطرة، وحَلّقت ألسنَة المال، وأيقَنا بالهلاك. فوالله إنا لفي ليلة صَّنبرٍ بعيدة ما بين الطرفين، إذ تضاغى صبْيَتُنا جوعا، عبد الله وعدي وسَفّانة. فقام حاتم إلى الصبيين، وقمت أنا إلى الصبية، وأقبل يعللّني بالحديث. فعرفت ما يريد، فتناومت، فلما تهوَّرت النجوم، إذا شيءٌ قد رفع كِسْرَ البيت ثم عاد. فقال حاتم: من هذا؟ قالت: جارتك فلانة، أتيتك من عند صبْية يتعاوَوْن عُواءَ الذئاب وجدتُ معوَّلاً إلا عليك يا أبا عديّ. فقال أعجليهم فقد أشبعك الله وإياهم! فأقبلت المرأة تحمل اثنين وتمشي جنائبها أربعة، كأنها نعامة حولها رئالها. فقام حاتم إلى فرسه فوجأ لَبَّته بمُديه فخرّ. ثم كشطه
عن جلده ودفع المدية إلى المرأة، فقال لها: شأنك! فاجتمعنا على اللحم نشوي ونأكل. ثم جعل يمشي في الحي يأتيهم بيتاً بيتا فيقول هُبُّوا أيها القوم، عليكم بالنار، فاجتمعوا. والتفع في ناحية ينظر إلينا.
стр. 156
فوالله إن ذاق منه مُزعة وأنه لأحوج إليه منا. فأصبحنا وما على ظهر الأرض من الفرس إلا عظم وحافر فأنشأ حاتم يقول:
مهلاً نَوَارِ أقلى اللوم والعذَلا ... ولا تقولي لشيء فات ما فعلا
ولا تقولي لمال كنت مهلكه ... مهلا وإن كنت أعطى السهل والجبلا
يرى البخيل سبيل المال واحدة ... إن الجواد يرى في ماله سبلا
امرأة تصف رسول الله
لما فارق رسول الله مكة مهاجراً إلى المدينة، خرج ومعه صاحبه أبو بكر ورائده عبيد الله بن أُرَيقط. فمروا على خيمة أم معبد - وكانت بَرَزة جَلدة تحتبي بِفناء الكعبة ثم تسقي وتطعم - فسألوها لحماً وتمراً ليشتروه منها فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك. وكان القوم مُرْمِلين مُسْنتين. فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كِسْرِ الخيمة، فقال: ما هذا ياأم معبد؟ قالت: شاة خلَّفها الجهد عن الغنم. قال: هل بها من لبن؟ قالت هي أجْهَدُ من ذلك. قال أتاذَنين لي أن أحلبها. قالت: بأبي وأمي أنت أنت، نعم! إن رأيت بها من حَلَب فاحلبها. فدعا رسول الله ﷺ بالشاة فمسح ضرعها وسمى الله ودعا لها في شاتها فتثاجَّت عليه ودرَّت واجترَّت. ودعا بإناء يَرْبَصُ الرَّهْط، فحلب فيه ثَجا حتى غلبه الثمال ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رَوُوا. ثم شرب آخرهم. وقال: ساقي القوم آخرهم، فشربوا جميعاً عَلَلاً بعد نَهل. ثم أراضوا ثم حلب فيه ثانياً عوداً على بدءٍ حتى ملأ الإناء. ثم غادره عندها وبايعها وارتحلوا
стр. 157
عنها. فقلَّ ما لبثت حتى جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزاً حُيَّلا عجافا هزالا مُخهن قليل ولا نُقاً
بهن. فلما رأى أبو معبد اللبن عجب وقال: من أين يا أمّ معبد والشاة عازبة حِيال، ولا حَلوبة في البيت؟ فقالت والله، إنه مَرَّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. قال: لي أمّ معبد. فقالت:
رأيت رجلاً ظاهر الوضاء، أبلج الوجه، حسَنَ الخلق، لم تعِبه ثُجْلَة، ولم تزْر به صُقلة، وسيما قسيما، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطَف، وفي صوته صَحل، وفي عنقه سَطع، وفي لحيته كثاثة. أحور أكحل، أزَج، أقرن إن صمَت فعليه الوقار، وإن تكلم سماء وعلاه البهاء. فهو أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه من قريب. حُلْوُ المنطق، فصل، لا نزرٌ ولا هذر، كأن منطقة خَرَزات نُظمٍ يَتَحدّرن، ربعة، لا تشْنُؤُه من طول، ولا تقتحمه العين من قصر. غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قَداً. له رفقاء يُحفون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مُفند. ﷺ .
قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكة ما ذكر، ولو كنت وافقته لا لتمست صحبته، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
стр. 158
سناء الرأي وحسن الاستعطاف
وجه رسول الله ﷺ إلى طيء فريقاً من جنده يقدمهم علىّ ﵇، ففزع عدي بن حاتم الطائي - وكان من أشد الناس عداء لرسول الله - إلى الشام، فصبح على القوم؛ واستاق خيلهم ونَعَمَهم ورجالهم ونساءهم إلى رسول الله فلما عرض عليه الأسرى نهضت من بين القوم سَفانة بنت حاتم فقالت:
يا محمد، هلك، وغاب الوافد. فإن رأيت أن تُخَلي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان سيده قومه: يَفُكُّ العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذمار، ويُفَرَّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويُفشي السلام، ويحمل الكَلَّ
ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه في حاجة فردّه خائباً، أنا بنت حاتم الطائي. فقال النبي ﷺ : يا جارية، هذه صفات المؤمنين حقاً. لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه. خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق. وقال فيها: ارحموا عزيزاً ذل، وغنيا افتقر، وعالماً ضاع بين جهال. وقال لأصحابه: اسمعوا وعوا. فقالت: أصاب الله ببرَّك مواقعه، ولا جل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمة عن كريم قوم إلا وجعلك سبباً في ردّها عليه، فلما أطلقها إلى أخيها عدي وهو بدُومة الَجندل. فقالت له: يا أخي ائت هذا الرجل قبل أن تَعْلقَك حبائله. فإني قد رأيت هَدْياً سيغلب أهل الغلبة، ورأيت خصالاً تعجبني: رأيته يحب الفقير. ويفُكُّ الأسير. ويرحم الصغير ويعرف قدر الكبير. وما رأيت أجود ولا أكرم منه. فإن يكن نبياً فللسابق فضله. وإن يكون ملكاً فلن تزال في عز اليمن. فقدم عدي إلى رسول الله فأسلم وأسلمت سَفانة.
стр. 159
بين نارين
لما قَتَلَ جساس بن مرة كلُيب بن ربيعة، وقفت جليلة بنت مرة في المناحة وقفة تذيب الصخر - وكانت أخت القاتل وزوج القتيل - فقال نساء الحي لأخت كليب: أخرجي جليلة عن مأتمك؛ فإن في قيامها شماتة وعارا علينا عند العرب. فقالت لها: يا هذه؛ اخرجي عن مأتمنا، فأنت أخذت واترنا، وشقيقة قاتلنا. فخرجت وهي تجرأ عطافها، فقيل أبوها مُرة. فقال لها: ما وراءك يا جليلة؟ فقالت: ثُكل العدد، وحزن الأبد، وفقد حليل، وقتل أخ عن قليل. وبين ذلك غرس الأحقاد، وتفتُّت الأكباد. فقال لها: أو يكف ذلك كرم الصفح، وإغلاء الديات؟ فقالت أُمنيّةُ ورب الكعبة! أبِالبدْن، تدع لك تغلب دم ربها؟
قالوا: - ولما رحلت جليلة قالت أخت كليب: رحلة المعتدي، وفراق الشامت! ويل غدا لآل مرة، والكرة بعد الكرة! فبلغ جليلة قولها فقالت: وكيف تشمت الحرة
بهتك سِترهها، وترقب وتْرها، أسعد الله جَدَّ أختي، أفلا نَفْرَة الحياء، وخوف الإعدام، ثم أنشأت تقول:
يا ابنة الأقوام إن لمْت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي
فإذا أنت تبينت الذي ... يوجب اللوم فلومي واعذلي
إن تكن أخت امرئ لِيمَت على ... شَفَقٍ منها عليه فافعلي
جَلَّ عندي فعل جساس فيا ... حسرتي عما انجلى أو ينجلي
لو بعينٍ فُديت عيني سوى ... أختها فانفقأت لم أحفل
стр. 160
تحمل العين أذى العين كما ... تحمل الأم أذى ما تَعْتلي
يا قتيلا قوّض الدهر به ... سقف بيتي جميعاً من عَل
هدم البيت الذي استحدثته ... وانثنى في هدمه بيتي الأول
ورماني قتله من كثب ... رِمْيَة المُصْمَي به المستأصل
يا نسائي دونكن اليوم قد ... خصني الدهر برُزْءٍ مُعْضِل
خصني قتل كليب بلَظىً ... من ورائي ولظى مستقبلي
ليس من يبكي ليوميه كمن ... إنما يبكي ليوم ينجلي
يشتفي كان دمى فاحتلبوا ... درراً منه دمى من أكحلي
ليته كان دمى فاحتلبوا ... درراً منه دمي من أكحلي
فأنا قاتلة مقتولة ... ولعل الله أن يرتاح لي
تداوُل الأيام
لما صدع سعد بن أبي وقاص جيش الفرس بالقادسية، أتته حُرَقة بنت النعمان ابن المنذر في حفدة من قومها وجواريها - وهن في زيّها، عليهن المسموح والمقطعات السود مترهبات - تطلب صِلة. فلما وقفن بين يديه أنكرهن سعد. فقال: أيكن حرَقة؟ قالت هأنذا. قال: أنت حُرقة؟ قالت: نعم، فما تكرارك في
استفهامي؟ ثم قالت: إ، الدنيا دار زوال لا تدوم على أهلها انتقالا، وتُعقبهم بعد حال حالا. كنا ملوك هذا المصر. يجبي لنا خراجه، ويطيعنا أهله، مدى الإمرة، وزمان الدولة، فلما أدبر الأمر وانقضى، صاح بنا صائح الدهر، فشق عصانا، وشتت شملنا. وكذلك الدهر يا سعد. إنه ليس يأتي قوماً بمسرة، إلا ويعقبهم بحسرة. ثم أنشأت تقول:
стр. 161
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنَصَّفُ
فأُفٍ لدنيا لا يدوم نعيمها ... تَقَلَّب بنا وتصرف
فقال سعد: قاتل الله عدي بن زيد! كأنه إلى حيث يقول:
إن للدهر صولة فاحذرنها ... لا تبيتن قد أمنت الدهورا
قد يبيت الفتى معافىً فَيَرْدَى ... ولقد كان آمناً مسرورا
وحدثوا أن عمرو بن معد يكرب - وكان من قصاد النعمان وزواره - دخل عليها وهي بين يدي سعد، فلما نظر إليها قال: أنت حُرقة؟ قالت نعم. قال فما دهمك: فذهب بجوادات شِيَمك؟ أين تتابع نعمك، وسطوات نقمك؟ فقالت: ياعمرو، إن للدهر عثرات وعبرات تعثر بالملوك وأبنائهم، فتخفضهم بعد رفعة، وتُفْردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عز. إن هذا الأمر كنا ننتظره، فلما حل بنا لم ننكره. قالوا: فلما انصرفت من لدن سعد لقيها نساء القادسية، فقلن لها: ما فعل الأمير؟ قالت: أكرم وجهي، وإنما يكرم الكريم الكريم.
صفات في فقرات
لما قتل الحارث بن ظالم المُري، خالد بن جعفر العامري، لحق بحاجب بن زرارة التميمي يعتصم به من بني عامر. فاتبعه رجال منهم. حتى إذا كانوا ببعض الطريق، عثروا بامرأة تميمية تجني الكمأة، فتعرفوا منها أمر الحارث ومكانه من حاجب. ثم احتجزوها عندهم. فترقبت حتى أنست غرة من القوم فأفلتت: وانطلقت
تعدو إلى حاجب. فأخذت تحدثه حديث القوم. فقال لها: أخبريني أي قوم أخذوك؟ قالت أخذني قوم يقبلون بوجوه الظباء، ويدبرون بأعجاز النساء. قال: أولئك بنو عامر. قال: فحدثيني من في القوم؟ قالت: رأيتهم
стр. 162
يغدون على شيخ كبير لا ينظر بمآقَيه حتى يرفعوا له من حاجبيه. قال: ذلك الأحوص بن جعفر. قالت: ورأيت شاّباً شديد الخَلق، كأن شعر ساعديه حَلق الدَّرع، يَعْذِم القوم بلسانه عذم الفرس العضوض. قال: ذلك عُتبة بن بشير بن خالد: قالت ورأيت إذا أقبل ومعه فَتَيان يُشرف القوم إليه، فإذا نطق أنصتوا قال: ذلك عمرو بن خويلد، والفتيان ابناه زرعة ويزيد. قالت: ورأيت شاباً طويلا حسنا إذا تكلم بكلمة أنصتوا لها. ثم يؤولون إليه كما تؤول الشُّول إلى فحلها. قال: ذلك عامر بن مالك قالوا: وجاء القوم كما قالت وقال.
نساءٌ يَصِفْن رجالا
حدث أبو بكر دريد قال: كان قيل من أقيال حِمْير مُنع الولد دهراً، ثم وُلدت له بنت. فبنى لها قصراً منيعاً عن الناس. ووكل بها نساء من بنات الأقيال يَخْدُمنها ويؤدبنها، حتى بلغت مبلغ النساء، فنشأت أحسن منشأ وأتمة في عقلها وكمالها. فلما مات أبوها ملّكها أهلُ مِخْلافها فاصطنعت النسوة اللاتي ربَّينها وأحسنت إليهن. وكانت تشاورهن، ولا تقطع أمراً دونهن. فقلن لها يوماً: يا بنت الكرام، لو تزوجت لَتَم لك الملك! فقالت: وما الزوج؟ فأخذت كل واحدة تصف العذب المهني من صفات زوجها فقالت: أمهلني أنظرْ فيما قلتنّ. فاحتجبت عنهن سبعاً، ثم دعتهن. فقالت: قد نظرت فيما قلتن فوجدتني أُملّكه رقّي، وأبثه باطلي وحقي. فإن كان محمود الخلائق، مأمون البوائق، فقد أدركت بِغيتي، وإن كان غير ذلك فقد طالت شِقْوَتي على
стр. 163
أنه لا ينبغي إلا أن يكون كفؤاً كريماً، يسود عشيرته ويَربُّ فصيلته، لا أتقنع به عارا في حياتي، ولا أرفع به شَنَار لقومي بعد وفاتي.
فَعَليكُنَّه، وتفرقهن في الأحياء فأيتكن أتتني بما أحب فلها أجزل الحباء، وعلىّ لها الوفاء. فخرجن فيما وجَّهتهنّ له - وكن بنات مقال ذوات عقل ورأي - فجاءتها إحداهنّ - وهي عَمرطة بنت زُرعة بن ذي خنفر - فقالت أصبت الْبُغْية. فقالت: صفية، ولا تُسميه. فقالت: غيث في المحل، ثمِال في الأزلِ، مفيد مبيد، يصلح النائر، وينعش العاثر، ويَغْمُرُ الندىّ، ويقتاد الأبيّ، عرْضه وافر، وحَسَبه باهر. غَضٌّ الشباب، طاهر الأثواب. قالت: ومن هو؟ قالت: سَبرة بن عوال بن شداد بن الَهمّال. ثم خلت بالثانية فقالت: أصبت من بغيتك شيئاً؟ قالت: نعم قالت: صفية، ولا تسمية. قالت: مصامص النسب، كريم الحسب، كامل الأدب، غزير العطايا، مألوف السجايا، مُقتبل الشباب، خصيب الجناب. أمره ماض، وعشيره راض. قالت: ومن هو؟ قالت: يَعْلَي بن هَزال بن ذي جدن. ثم خلت بالثالثة، فقال: ما عندك؟ قالت: وجدته كثير الفوائد، عظيم المرافد يعطي قبل السؤال، وينيل قبل أن يستنال في العشيرة معظَّم، وفي الندى مكرم. جم الفواضل، كثير النوافل، بذَّال أموال، محقق آمال، كريم أعمام وأخوال. قالت: ومن هو؟ قالت: رواحة بن حمير بن مضحى ابن ذي هلاهلة، فاختارت يعلي بن هزال فتزوجته. فاحتجبت عن نسائها شهراً. ثم برزت لهن الحباء. وأعظمت لهن العطاء.
стр. 164
مجاذبة الثناء
وصفت أعرابية زوجها بكرم الأخلاق عند أمها فقالت: يا أُمه! منْ نشر ثوب الثناء؛ فقد أدّى واجب الجزاء. وفي كتمان الشكر جحود لما وجب من الحق ودخول في كفر النعم. فقالت لها أمّها: أي بنية أطبت الثناء؛ وقمت بالجزاء. ولم تدعى للذمّ موضعاً إني وجدت مَنْ عَقَل لم يعجل بذمّ ولا ثناء إلا بعد اختبار. فقالت: يا أُمه؛ ما مدحت حتى اختبرت؛ ولا وصفت حتى عرفت. قال الزوج: ما وفيتك حقك؛ ولا شكرتك إلا بفضلك؛ ولا أثنيت إلا بطيب حسبك، وكريم نسبك.
والله أسأل أن يمتعني بما وهب لي منك.
الكَلمِ القِصار
قيل لهند ابنة الخُس: ما مائة من المعز؟ قالت: مُوَيلٌ يشِفّ الفقر من ورائه: مال الضعيف؛ وحرفة العاجز. قيل: فما مائة من الضأن؟ قالت: قرية لا حمى لها. قيل: فما مائة من الإبل؟ قالت بخٍ بَخ! جمال ومال. قيل: فما مائة من الخيل: طغى من كانت له ولا يوجد. قيل: فما مائة من الُحُمر؟ قالت عازبة الليل؛ وخزي المجلس. لا لبن فيحلب؛ ولا صوف فُيجز.
وقيل لها: مَن أعظم الناس في عينيك؟ قالت: من كانت لي إليه حاجة.
وقيل لها: الصيف خير أو الشتاء؟ فقالت: من جعل بؤساً كأذى
стр. 165
أمثال أرسلها النساء فتمثل بها الرجال
أَغَيْرةً وَجُبْناً
قالته امرأة من العرب تعير زوجها. وكان تخلف عن لقاء العدوّ واعتكف في منزله. ثم بَصُر بها تنظر إلى قتال الناس فضربها. فقالت: أَغَيْرَةً وجُبْنا؟!
بَيْتيِ يَبْخَلْ لاَ أَنا
قالته امرأة سئلت ما ليس في بيتها. فلما عزَّ عليها عطاؤه قيل لها: أتبخلين؟ فقالت: بيتي يبخل لا أنا.
تَرَى الْفِتَيان كالنَّخل وما يُدريك مَا الدخَّل
يضرب لذي المنظرِ لا خير فيه.
قال المُفضَّل: أول من قال ذلك عَثْمَة بنت مطرود البُجلية. وكانت ذات عقل ورأي مسموع في قومها، وكانت لها أخت يقال لها خَوْد وسُميت بالجمال وكرم الخلال. وأن سبعة أخوة من الأزد خطبوا خَوْداً إلى أبيها. فأتوه عليهم الحُلل
اليمانية وتحتهم النجائب الفُرْه فقالوا: نحن بنو مالك بن عُفية ذي النَحيين. فقالوا لهم: انزلوا على الماء. فنزلوا ليلتهم. ثم أصبحوا غادين في الحُلل ومعهم ربيبة لهم كاهنة يقال لها الشَّعثاء. فمروا بوصيدها، وكلهم وسيم جميل،
стр. 166
وخرج أبوها فجلسوا إليه، فرحبت بهم فقالوا: بلغنا أنك بنتاً ونحن كما ترى شباب. وكلنا يمنع الجانب، ويمنع الراغب. فقال أبوها: كلكم خِيارٌ فأقيموا نر رأينا. ثم دخل على ابنته فقال: ما ترين؟ فقد أتاك هؤلاء القوم، فقالت: زوجني على قدري، ولا تُشْطط في مهري، فإن تخطئي أحلامهم. لا تخطئني أجسامهم. لعلي أصيب ولداً، وأكثر عدداً. فخرج أبوها فقال: أخبروني عن فضلكم. قالت ربيبتهم الشعثاء: اسمع أخبرك عنهم: هم إخوة، وكلهم أٌسوة. أما الكبير فمالك، جري فاتك، يُتْعب السنابك، ويستصغر المهالك. وأما الذي يليه فالغَمْر، بحر غَمر، يقصر دونه الفخر، نَهْد صَقْر. وأما الذي يليه فعلقمة، صُلْبُ المُعْجمة، منيع المشتمة، قليل الجَمجمة. وأما الذي يليه فعاصم، سيد ناعم، جَلد صارم، أبيٌّ حازم، جيشه غانم، وجاره سالم. وأما الذي يليه فثُؤاب سريع الجواب، عتيد الصواب، كريم النصاب، كليث الغاب. وأما الذي يليه فُمدرك، بَذُول لما يملك، عزوب مما يترك، يفني ويهلك. وأما الذي يليه فَجْندلٌ، لقرنه مُجدل، مقل لما يحمل، يعطي ويبذل، وعن عدوّة لا ينكل. فشاورت أختها فيهم. فقالت أختها عَثمة: ترى الفتيان كالنخل، وما يدريك ما الدخل. اسمعي مني كلمة: إن شر الغريبة يعلن، وخيرها يدفن، تزوجي في قومك، ولا تغررك الأجسام. فلم تقبل منها. وبعثت إلى أبيها: زوجني مدركا. فتم ذلك على مائة ناقة ورعاتها. وحملها مدرك. فلم تلبث عنده إلا قليلا حتى صَبَّحَهم فوارس من بني مالك بن كنانة. فاقتتلوا ساعة. ثم انكشفت عنها زوجها واخوته وعشيرته. فسيبت فيمن سبين من النساء - فبينما هي تسير بكت - فقالوا: ما يبكيك؟ أعلى فراق زوجك؟ قالت: قبح الله جمالا لا نفع معه - إنما
أبكي على عصياني أختي في
стр. 167
قولها: ترى الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدخل! وأخبرتهم كيف خطبوها. فقال لها رجل منهم يكنى أبا نُواس - شاب أسود أفوه مضطرب الخلق -: أترضين بي على أن أمنعك من ذئاب العرب؟ فقالت: لأصحابه: أكذلك هو؟ قالوا: نعم، إنه مع ما ترين ليمنع الحلية، وتتقيه القبيلة. قالت: هذا أجمل جمال، وأكمل كمال. قد رضيت به. فزوجوها منه.
لا تَأمَني الأَْحَمق وفي يَدِهِ سِكيَّنٌ
قالته امرأة من بني كنانة.
رَمَتْني بِدائِها وانْسَلّتْ
يضرب لمن يرمي الناس بعيبه.
قالته امرأة لضرتها. وكانت الضرة تشتم النساء بعيب هو فيها. فلما بادأتها به قالت لمِن حولها من النساء: رمتني بدائها وانسلت.
صارَتِ الفِتْيانُ حُمَماً
من قول الحمراء بنت ضَمْرَه بن جابر.
وذلك أن بني تميم قتلوا سعد بن هند، أخا عمرو بن هند الملك. فنذر عمرو ليَقْتلن بأخيه مائة من بني تميم. فجمع أهل مملكته، فسار إليهم. فبلغهم الخبر. فتفرقوا في نواحي بلادهم. فأتى دارهم فلم يجد إلا عجوزاً كبيرة وهي الحمراء بنت ضمرة. فلما نظر إليها وإلى حُمْرَتَها قال لها: إني لأحسبك أعجمية! فقالت: لا والذي أسأله أن يخفض جناحك، ويهد عمادك، ويضع وسادك، ويسلبك بلادك، ما أنا بأعجمية. قال: فمن أنت؟ قالت: أنا بنت ضمرة بن جابر
стр. 168
ساد معدا كابراً عن كابر، وأنا أخت ضمرة بن ضمرة. قال. فمن زوجك؟ قالت: هو هَوْذَة بن جَرْوَل. قال: وأين الآن؟ أما تعرفين مكانه؟ قالت: هذه كلمة أحمق، لو كنت أعلم مكانه حال بيني وبينك، قال: وأي رجل هو؟ قالت: هذه أحمق من الأولى، أعن هوذة يُسْأل؟ وهو والله طيب العرق، سمين العَرق لا ينام ليلة يُخاف، ولا يشبع ليلةُ يُضَاف، يأكل ما
وجد، ولا يسأل عما فقد. فقال عمرو أما والله لولا أني أخاف أن تلدي مثل أبيك وأخيك وزوجك لاستبقيتك. فقالت: وأنت والله لا تقتل إلا نساء أعاليها ثُديّ، وأسافلها دُميّ. والله ما أدركت ثارا، ولا محوت عارا، وما من فَعلت به هذه بغافل عنك، ومع اليوم غد. فأمر بإحراقها. فلما نظرت إلى النار قالت: ألاَ فتى مكانَ عجوز؟! فذهبت مثلاً. ثم مكثت ساعة فلم يَفدِها أحد. فقالت: هيهات صارت الفتيان حُمَماً. فذهبت مثلا. ثم ألقيت في النار. ولبث عمرو عامة يومه لا يقدر على أحد. حتى إذا كان في آخر النهار أقبل راكب يسمى عماراً، تُوضع به راحلته. حتى أناخ إليه. فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا رجل من البَرَاجم. قال: فما جاء بك إلينا؟ قال: سطع الدخان، وكنت طويتُ منذ أيام فظننته طعاماً. فقال عمرو: إن الشَّقي وافدُ البراجم. فذهبت مثلا. وأمر به فألقَيِ في النار. فقال بعضهم: ما بلغنا أنه أصاب من بنى تميم غيره، وإنما أحرق النساء والصبيان.
لا تعْدَمُ الْحسْناء ذامّاً
قالته حُيَّ بنت مالك العَدْوانية.
لا عِتابَ عَلى الجَنْدَلِ
стр. 169
يضرب في الأمر إذا وقع لا مرد له.
وأصله ما حدثوا أن إحدى ملكات سبأ، وفد إليها قوم يخطبونها. فقالت: ليصف كل رجل منكم نفسه ولْيْصدقْ وليوجز. لأتقدّم إن تقدمت، أو أدع إن تركت على علم فتكلم رجل منهم يقال له مدرك فقال: إن أبي كان في العز الباذخ، والحسب الشامخ وأنا شَرس الخليقة، غير رعْديِد عند الحقيقة. قالت: لا عتاب على الجندل، فأرسلتها مثلا، ثم تكلم آخر منهم يقال له صبيسُ بن شَرس، فقال: أنا في مال أثيث، وخُلقُ غير خبيث، وحسب غير عَثيث، أحذو الفعل بالفعل، وأجرى القرض بالقرض. فقالت لا يَسُّرُّك غائباً، منْ لا يَسُرُّك شاهداً. فأرسلتها مثلا. ثم تكلم آخر
منهم يقال له شَمَّاس ابن عباس، فقال: أنا شماس بن عباس، معروف بالندى والبأس. حسن الخُلُق في سجية والعدل في قضية. مالي غير محظور على القُلَّ والكُثر، وبالي غير محجوب على العسر واليسر. قالت: الخَيْرُ مُتّنَعٌ، والشّر مَحْذُوف: فأرسلتها مثلا؛ ثم قالت اسمع يا مدرك وأنت يا ضبيس: لن يستقيم معكما معاشرة لعشير حتى يكون فيكما لين العريكة: وأما أنت يا شمس فقد حللت مني محل الأهْزع من الكنانة والواسطة من القلادة، لدماثة خلقك وكرم طباعك: ثم اسْع بِخَيْر أَوْدع: فأرسلتها مثلا وتزوجت شَماساً.
تَرَك الخِدَاعَ مَنْ كَشفَ القِنَاعَ
قالته امرأة من كندة يقال لها عَصام.
وأصله ما ورد أن الحارث بن عمرو وملك كندة، لما بلغه جمال خُماعة ابنة
стр. 170
عوف ابن مُحَلم الشيباني وكمالها. وقوة عقلها دعا عصام - وكانت امرأة ذات عقل ولسان وأدب وبيان - وقال لها: اذهبي حتى تعملي لي علم ابنة عوف: فذهبت وأبصرت من جمال الفتاة، وروعة أدبها، وكمال شمائلها، ما ملك عليها بصرها وسمعها وقلبها: فخرجت وهي تقول: ترك الخداع من كشف القناع ثم انطلقت إلى الحارث، فلما رآها مقبلة قال لها ما وراءَك يا عصام؟ قالت: صَرّح المَحْضُ عن الزبد. فسار كلتا الجملتين مثلا: ثم حدثته حديثها، ووصفتها له أبدع وصف وأبينه وأتقنه، فأرسل الملك إلى أبيها فخطبها فزوّجها إياه. وقد أسلفنا حديث خطبتها، ووصية أمها لها.
كُلُّ فَتَاةٍ بأبيهَا مُعْجَبَةٌ
يضرب في عجب الرجل برهطه وعشيرته.
وأول من قال ذلك العَجْفاء بنت السعدي وذلك أنها وثلاث نسوة من قومها خرجن فاتَّعدن بروضة يتحدثن فيها: فوافين بها ليلاً في قمر زاهر، وليلة طلقة ساكنة،
وروضة مُعْشبة خصبة. فلما جلسن قلن: ما رأينا كالليلة ليلة، ولا كهذه الروضة روضة، أطيبَ ريحاً، ولا أنضر، ثم أفضن في الحديث فقلن: أي النساءِ أفضل؟ قالت إحداهن الخرود الودود، الولود قالت الأخرى: خيرهن ذات الغَنَاء، وطيب الثناء، وشدة الحياء قالت الثالثة: خيرهن السموع الجموع، النفوع غير المنوع، قالت الرابعة: خيرهن الجامعة لأهلها، الوادعة، الرافعة لا الواضعة. قلن: فأي الرجال أفضل؟ قالت إحداهن خيرهم الحَظِيٌّ الرضىُّ الخَطال ولا التّبّال. قالت الثانية. خيرهم السيد الكريم، ذو الحسب
стр. 171
العميم، والمجد القديم، قالت الثالثة: خيرهم السخيّ الوفيّ، الرضي، الذي لاُ يغيره الحرة ولا يتخذ الضرة. قالت الرابعة: وأبيكن، إن في أبي لنعتكن، كرم الأخلاق، والصدق عند التلاق. والفَلْج عند السباق، ويحمده أهل الرفاق. قالت العجفاء عند ذلك: كلُّ فَتاة بأبيها مُعْجَبة.
وفي بعض الروايات أن إحداهن قالت: إن أبي يكرم الجار، ويعظم النار، وينحر العشار، بعد الحوار، ويحمل الأمور الكبار. فقالت الثانية: أبي عظيم الخَطَرِ، منيع الوَزَر، عظيم النَّفر، يحمد منه الوِرد والصَّدر. فقالت الثالثة. إن أبي صدوق اللسان، كثير الأعوان، يروي السنان، عند الطعان. قالت الرابعة: إن أبي كريم النزل، مُنيف المقال، كثير النوال، قليل السؤال، كريم الفعال ثم تنافرن إلى كاهنة معهن في الحي فقلن لها: اسمعي ما قلنا، واحكمي بيننا واعدلي: ثم أعدن عليها قولهن. فقالت لهن كل واحدة منكن ماردة، على الإحسان جاهدة، لصواحباتها حاسدة. ولكن اسمعن قولي: خير النساء المبقية على بعلها، الصابرة على الضرءِ مخافة أن ترجع إلى أهلها مطلقة. فهي تؤثر حظ زوجها على حظ نفسها. فتلك الكريمة الكاملة. وخير الرجال الجواد البطل. القليل الفشل، إذا سأله الرجل ألفاه قليل العلل، كثير النَّفل. ثم قالت: كل واحدة منكن بأبيها معجبة.
لَوْ تُرك القطاَ لَيلا لَنام
يضرب لمن حُمِلَ على مكروه من غير إرادته.
وأول من قاله حَذَام بنت الريان،. وذلك أن عاطس بن خِلاج سار إلى أبيها
стр. 172
في حمير وخَثْعَم وجُعْفي وهَمْدَان. ولقيهم الريان في أربعة عشر حيا من أحياء اليمن فاقتتلوا قتالا شديداً. ثم تحاجزوا. وإن الريان خرج تحت ليلته هو وأصحابه هُرباً، فساروا يومهم وليلتهم، ثم عسكروا، فأصبح عاطس فغدا لقتالهم فإذا الأرض منهم بلاقع، فجرد خيله، وحث في الطلب، فانتبهوا إلى عسكر الريان ليلا؛ فلما كانوا قريباً منه، أثار القطا، فمرت بأصحاب الريان، فخرجت حذام بنت الريان إلى قومها فقالت:
ألا يا قومنا ارتحلوا وسيروا ... فلو ترك القطا ليلا لناما
أي إن القطا لو ترك ما طار هذه الساعة؛ وقد أتاكم القوم. فلم يلتفتوا إلى قولها؛ وأخلدوا إلى المضاجع لما نالهم من التعب. فقام دَيْسَم بن طارق وقال بصوت عال:
إذا قالت حَذَامِ فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
وثار القوم؛ فلجئوا إلى واد قريب منهم؛ فانحازوا به وحتى أصبحوا وامتنعوا منهم
مَرْعىً وَلا كالسَّعدَان
يضرب للشيء يفضل على أقرانه وأشكاله.
وأول من قال ذلك الخنساء بنت عمر بن الشريد. وذلك أنها أقبلت من الموسم - في عكاظ - فوجدت الناس مجتمعين على هند بنت عتبة بن ربيعة فَعرَّجت عليها وهي تنشدهم مراثي في أهل بيتها. فلما دنت منها قالت: على منْ تبكين؟ قالت: أبكي سادة مضوا. قالت: أنشديني بعض ما قلت؛ فأنشأت هند أبياتاً أسلفنا. فقالت الخنساء: مرعىً ولا كالسَّعدان.
стр. 173
ماءٌ ولا كَصَدَّاء
يضرب للرجلين بهما فضل ولكن احدهما أفضل.
والمثل لقَذور بنت قيس بن خالد ذي الجدين الشيباني. وكان من حديثها أن زُرارة ابن عُدُس رأى لقيطاً يختال، فقال له: كأنك أصبت ابنة قيس بن خالد ومائة من هجان المنذر بن ماء السماء! فحلف لقيط لا يَمَسّ الطيب، ولا يشرب الخمر، حتى يصيب ذلك. فسار حتى أتى قيس بن خالد - وهو سيد ربيعة - وكانت عليه يمين لا يخطب إنسان إليه علانية إلا أصابه بسوءٍ، فخطب إليه لقيط في مجلسه، وقال: عرفت أني إن أُعالنك أشِنك، وإن اُناجك لم أخدعك، فزوجه بنته القذور، وساق المهر عنه أهداها إليه من ليلته، فاحتمل بها إلى المنذر، فأخبره بما يقال أبوه، فأعطاه مائة من هجانه، فرحل إلى أهله. فقالت: ألقي أبي وأودعه. فلما جاءته قال لها: يا بنية، كوني له أمة يكن لك عبدا، وليكن أطيب طيبك الماء. إنه فارس مُضر، ويوشك أن يقتل. فإن كان ذلك فلا تخمشي لك وجها، ولا تحلقي شعراً، فقتل لقيط، فاحتملت إلى قومها، فتزوّجها بعده رجل منهم فجعلت تكثر ذكر لقيط فقال لها: وأيَّ شيءٍ رأيت منه كان أحسن في عينك؟ قالت كل أموره حَسَن: ولكني أحدثك أنه خرج إلى الصيد في يوم دجن وقد تطيب وشرب، فرجع إلىّ ولقميصه نضح من دماء صيده، والمسك يضوع من أطرافه. . . فسكت عنها. حتى إذا كان يوم دجن شرب، وتطيب، وركب وصرع من الصيد، وأتى به نضح من الدم والطيب فقال لها: كيف تَريني؟ أنا أحسن أم لقيط؟ فقالت: ماءٌ ولا كصدَّاءٍ.
стр. 174
عيون من الشعر
في الحَنين إلى الوطَن
قالت أمّ موسى بنت سِدْرة الكِلابية - وكانت تزوّجت فُنقلت إلى حُجْر -:
قد كنت حُجْراً أموت بها ... وأن أعيش بأرض ذات حيطان
يا حبذا الغُرق الأعلى وساكنه ... وما تضمل من ماء وعيدان
أبيت أرقب نجم الليل قاعدة ... حتى الصباح وعند الباب عجلان
لولا مخافة ربي أن يعالجني ... لقد دعوت على الشيخ ابن حيان
جلست امرأة صبية تسمى زينب أم حسانة، على بركة في روضة بين الرياحين والأزهار، في ألطف وقت وأبهجه وكانت قد احتملت من البادية إلى الحضر فقيل لها: كيف حالك هنا؟ أليس هذا أطيب مما كنت فيه بالبادية؟ فأطرقت ساعة، ثم تنفست وقالت:
أقول لأَني صاحبيَّ أُسِره ... وللعين دمع يُحْدِرُ الكحلَ ساكبُه
لعمري لنهر باللَوى نازح القذى ... بعيد النواحي غير طَرْقٍ مشاربه
أحَبُّ إلينا من صهاريج مُلَّئَت ... للِعب ولم تَمْلُحْ لدىَّ مَلاعبه
فيا حبذا نجد وطيب ترابه ... إذا هضبته بالعشيّ هواضبه
стр. 175
وريح صبا نجدٍ إذا ما تَنسَّمت ... ضحى أوشرت جنْح الظلام جَنائبهُ
وأقسم لا أنساه ما دمت حية ... وما دام ليل من نهار يعاقبه
ولا زال هذا القَطْرُ يُسفِر لوعة ... بذكره حتى يترك الماء شاربه
وقالت وجيهة بنت أوس الضبية:
وعاذلةٍ تغدُو علىَّ تلومني ... على الشوق لم تَمْحُ الصبابة من قلبي
فما لي إن أحببت أرض عشيرتي ... وأبغضت طَرْفاء القُصَيبة من ذنب
فلو أن ريحاً بَلَّغَت وَحْيَ مرسل ... حَفّي لناجيتُ الْجَنُوبَ على النَّقب
فقلت لها أدي إليهم رسالتي ... ولا تخلطيها طال سَعدُك بالُّتْرب
فإني إذا هَّبت شَمالاً سألتها هل ازداد صَدَّاح النُّمَيرةَ من قُرْب؟
البكاء
بكاء الأبناء
قالت أم تأبط شر ترثي ولدها:
طاف يَبغي نَجوة ... من هلاك فهلك
ليت شِعري ضِلَّةً ... أي شيء قتلك
أمريض لم تُعَد ... أم عَدُوٌّ خَتَلَك
стр. 176
أم تولّى بك ما ... غال في الدهر السُّلك
والمنايا رَصَد ... للفتى حيث سَلَك
أيُّ شيء قاتلٌ ... حين تَلقَى أجلك
طال ما قد نِلتَ في ... غير كدٍّ أمَلك
إن أمراً فادحاً ... عن جوابي شَغَلَك
سأعزَي النفس إذ ... لم تجب مَن سألك
ليت قلبي ساعةً ... صَبْرَهُ عنك مَلَك
ليت نفسي قُدَّمت ... للِمنايا بَدَلَك
وقالت امرأة ترثي طفلها. وكانت قد سافرت به. فلما كانت ببعض الطريق فاضت نفسه:
يا عمرو ما لي عنك من صبرِ ... يا عمرو يا أسفي على عمرو
لله يا عمروٌ وأيَّ فتى ... كَفَّنْتُ يوم وضعت في القبر
أحثو التراب على مَفَارقه ... وعلى غَضَارة وجهه النَّضرِ
حين استوى وعلا الشباب به ... وبدا منير الوجه كالبدر
ورجا أقاربه منافعه ... ورأوا شمائل سيد غَمرْ
وأهَمَّه همي فساوَرَه ... وغدا مع الغادين في السَّفر
تغدو به شَقْراءُ سامية ... مَرَطَى الجزاء شديدة الأسر
стр. 177
ثبتُ الجنان به ويُقْدمها ... فَلج يُقلّبُ مقلتْي صَقْر
ربيته دهراً أفنَقُه ... في اليسر أغدوه وفي العُسر
حتى إذا التأميل أمكنني ... فيه قُبيل تلاحق الثَّغْرِ
وجعلت من شغفي أُنقَّله ... في الأرض بين تنائفٍ غُبر
أَدَعُ المزارع والحصون به ... وأُحِلُّهُ في المَهْمَة القفْر
ما زلتُ أُصْعِدُهُ وأُحْدِرُه ... من قُتر مَوماة إلى قُتْر
هرباً به والموت يطلبه ... حيث انتويتُ به ولا أدري
حتى دُفعتُ به لمصرعه ... سَوْق المعيز تساق للعتر
ما كان إلا أن هَجَعْتُ له ... ورمى فأغفَى مطلع الفجر
ورمى الكرى رأسي ومال به ... رمس يَساور منه كالسكر
إذا راغى صوت هببت به ... وذُعِرتُ منه أيَّما ذُعر
وإذا منّيته تُساوره ... قد كدحت في الوجه والسخر
وإذا له عُلقٌ وحشرجة ... مما يجيش به من الصدر
والموت يقبضُهُ ... كالثوب عند الطيّ والنشر
стр. 178
فدعا لأنصره وكنت له ... من قبل ذلك حاضر النصر
فعجزت عنه وهي زاهقة ... بين الوريد ومدفع السَّحْر
فمضى! وأيّ فُجِعْتُ به ... جَلت مصيبته عن القدر
لو قيل تفديه بذلت له ... مالي وما جَمَّعت من وفرِ
أو كنت مقتدراً على عُمري ... آثرته بالشَّطرِ من عمري
قد كنت ذا فقر له فغدا ... ورمى علىّ وقد رأى فقري
لو شاء ربي كان فقر له فغدا ... ورمى علىّ وقد رأى فقري
لو شاء ربي كان متعني ... بابني وشدّ بأزره أزري
بُنيت عليك بُنَىَّ أحوجَ ما ... كنا إليك صفائح الصخر
لا يُبْعِدَنك الله يا عمري ... إما مضيت فنحن بالإثر
هذى سبيل الناس كلهم ... لا بد سالكُها على سَفر
أو لا تراهم في ديارهم ... يتوقعون وهم على ذعر
والموت يوردهم مواردهم ... قسراً فقد ذَلوا على القَسْرِ
وقالت أم بِسطام بن قيس الشيباني يرثي ذَلوا بسطاما:
لِيَبْك ابن ذي الجدين بكرُ بن وائل ... فقد بان زينها وجمالها
إِذا ما غدا فيها وكأنهم ... نجوم سماء بينهن هلالها
فلله عينا من رأي مثله فتى ... إِذا الخيل يوم الرَّوع هَبَّ نزالها
عزيز مِكرٌّ لا يُهَدُّ جناحه ... وليث إِذا الفتيان زَلت نعالها
стр. 179
وحمال أثقال وعائذ مِحجرَ ... تحل لديه كل ذاك رجالهاُ
سيبكيك عَانٍ لم يجد من يفكه ... وتبكيك فرسان الوغى ورجالها
وتبكيك أسرى طالما قد فككتهم ... وأرملة ضاعت وضاع عيالها
مُفَرّجُ حومات الخطوب ومدرك ... الحروب إذا صالت وعز صيالُها
تغَشى بها حيناً كذلك ففجعت ... تميم بها أرماحها ونبالها
فقد ظفرت منا تميم بعثرة ... وتلك لعمري عثرة لا تُقالها
وقالت أمّ قيس الضّبية ترثي ولدها:
من للخصوم إذا طال الضّجاجُ بهم ... بعد ابن سعد ومن للضُّمر القُود
ومَشهد قد كفيت الغائبين به ... في مجمع من نواصي القوم مشهود
فرّجته بلسان غير ملتبس ... عندالحِفاظِ وقلب غير مزؤود
إذا قناة امرئْ أزرى بها خورٌ ... هزّ ابن سعد قناةً صُلبة العود
وحدّثوا أن رسول الله أرسل خالد بن الوليد ليحطم وَدّاً فقام بنو عامر عبدُ ود بدران عنه، فضرب خالد فتى من فتيانهم فقتله. حتى إذا علمت أمه حديثه أقبلت إليه والقوم على أهبة أن يدفنوه فقالت:
يا قرحة القلب والأحشاء والكبد ... يا ليت أمّك لم تولد ولم تلد
لما رأيتك قد أدرجت في كفن ... مطيباً للمنايا آخر الأبد
أيقنت بعد أني غير باقية ... وكيف يبقى ذراع عن عضد
ثم أكبلت عليه فزفرت كان فيها موتها فدفنا معاً.
стр. 180
قالت دّخنتوس ابنة بن زرارة ترثي أباها:
عثر الأغرّ بخير خِنْ ... دَفَ كهِلها وشبابها
وأضَرَّها بعدوها ... وأفكها لرقابها
وقريعها ونجيبها ... في المُطْبقات ونابها
ورئيسها عند الملوك ... وزين يوم خطابها
وأتمها نسباً إذا ... رجعت إلى أنسابها
يرعى عموداً للعشي ... رة رافعاً لنصابها
ويعولها ويحوطها ... ويَذِبُّ عن أحسابها
ويطأ مواطن للعدوّ ... وكان لا يُمشَي بها
فِعلَ المدِلَّ من الأسو ... د لِحيْنِها ونبَابِها
كالكواكب الدُّري في ... سيماء لا يخفى بها
عبث الأغر به وكلُّ ... منية لكتابها
فرّت بنو أسد فرا ... ر الطير عن أربابها
لم يحفظوا حسباً ولم ... يأووا لغيّ عقابها
عن خيرها نسباً إذا ... نصب إلى أنسابها
وهوازي أصحابهم ... كالفأر في أذنابها
следующие страницы →