Полный текст (543 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
أم تولّى بك ما ... غال في الدهر السُّلك
والمنايا رَصَد ... للفتى حيث سَلَك
أيُّ شيء قاتلٌ ... حين تَلقَى أجلك
طال ما قد نِلتَ في ... غير كدٍّ أمَلك
إن أمراً فادحاً ... عن جوابي شَغَلَك
سأعزَي النفس إذ ... لم تجب مَن سألك
ليت قلبي ساعةً ... صَبْرَهُ عنك مَلَك
ليت نفسي قُدَّمت ... للِمنايا بَدَلَك
وقالت امرأة ترثي طفلها. وكانت قد سافرت به. فلما كانت ببعض الطريق فاضت نفسه:
يا عمرو ما لي عنك من صبرِ ... يا عمرو يا أسفي على عمرو
لله يا عمروٌ وأيَّ فتى ... كَفَّنْتُ يوم وضعت في القبر
أحثو التراب على مَفَارقه ... وعلى غَضَارة وجهه النَّضرِ
حين استوى وعلا الشباب به ... وبدا منير الوجه كالبدر
ورجا أقاربه منافعه ... ورأوا شمائل سيد غَمرْ
وأهَمَّه همي فساوَرَه ... وغدا مع الغادين في السَّفر
تغدو به شَقْراءُ سامية ... مَرَطَى الجزاء شديدة الأسر
стр. 177
ثبتُ الجنان به ويُقْدمها ... فَلج يُقلّبُ مقلتْي صَقْر
ربيته دهراً أفنَقُه ... في اليسر أغدوه وفي العُسر
حتى إذا التأميل أمكنني ... فيه قُبيل تلاحق الثَّغْرِ
وجعلت من شغفي أُنقَّله ... في الأرض بين تنائفٍ غُبر
أَدَعُ المزارع والحصون به ... وأُحِلُّهُ في المَهْمَة القفْر
ما زلتُ أُصْعِدُهُ وأُحْدِرُه ... من قُتر مَوماة إلى قُتْر
هرباً به والموت يطلبه ... حيث انتويتُ به ولا أدري
حتى دُفعتُ به لمصرعه ... سَوْق المعيز تساق للعتر
ما كان إلا أن هَجَعْتُ له ... ورمى فأغفَى مطلع الفجر
ورمى الكرى رأسي ومال به ... رمس يَساور منه كالسكر
إذا راغى صوت هببت به ... وذُعِرتُ منه أيَّما ذُعر
وإذا منّيته تُساوره ... قد كدحت في الوجه والسخر
وإذا له عُلقٌ وحشرجة ... مما يجيش به من الصدر
والموت يقبضُهُ ... كالثوب عند الطيّ والنشر
стр. 178
فدعا لأنصره وكنت له ... من قبل ذلك حاضر النصر
فعجزت عنه وهي زاهقة ... بين الوريد ومدفع السَّحْر
فمضى! وأيّ فُجِعْتُ به ... جَلت مصيبته عن القدر
لو قيل تفديه بذلت له ... مالي وما جَمَّعت من وفرِ
أو كنت مقتدراً على عُمري ... آثرته بالشَّطرِ من عمري
قد كنت ذا فقر له فغدا ... ورمى علىّ وقد رأى فقري
لو شاء ربي كان فقر له فغدا ... ورمى علىّ وقد رأى فقري
لو شاء ربي كان متعني ... بابني وشدّ بأزره أزري
بُنيت عليك بُنَىَّ أحوجَ ما ... كنا إليك صفائح الصخر
لا يُبْعِدَنك الله يا عمري ... إما مضيت فنحن بالإثر
هذى سبيل الناس كلهم ... لا بد سالكُها على سَفر
أو لا تراهم في ديارهم ... يتوقعون وهم على ذعر
والموت يوردهم مواردهم ... قسراً فقد ذَلوا على القَسْرِ
وقالت أم بِسطام بن قيس الشيباني يرثي ذَلوا بسطاما:
لِيَبْك ابن ذي الجدين بكرُ بن وائل ... فقد بان زينها وجمالها
إِذا ما غدا فيها وكأنهم ... نجوم سماء بينهن هلالها
فلله عينا من رأي مثله فتى ... إِذا الخيل يوم الرَّوع هَبَّ نزالها
عزيز مِكرٌّ لا يُهَدُّ جناحه ... وليث إِذا الفتيان زَلت نعالها
стр. 179
وحمال أثقال وعائذ مِحجرَ ... تحل لديه كل ذاك رجالهاُ
سيبكيك عَانٍ لم يجد من يفكه ... وتبكيك فرسان الوغى ورجالها
وتبكيك أسرى طالما قد فككتهم ... وأرملة ضاعت وضاع عيالها
مُفَرّجُ حومات الخطوب ومدرك ... الحروب إذا صالت وعز صيالُها
تغَشى بها حيناً كذلك ففجعت ... تميم بها أرماحها ونبالها
فقد ظفرت منا تميم بعثرة ... وتلك لعمري عثرة لا تُقالها
وقالت أمّ قيس الضّبية ترثي ولدها:
من للخصوم إذا طال الضّجاجُ بهم ... بعد ابن سعد ومن للضُّمر القُود
ومَشهد قد كفيت الغائبين به ... في مجمع من نواصي القوم مشهود
فرّجته بلسان غير ملتبس ... عندالحِفاظِ وقلب غير مزؤود
إذا قناة امرئْ أزرى بها خورٌ ... هزّ ابن سعد قناةً صُلبة العود
وحدّثوا أن رسول الله أرسل خالد بن الوليد ليحطم وَدّاً فقام بنو عامر عبدُ ود بدران عنه، فضرب خالد فتى من فتيانهم فقتله. حتى إذا علمت أمه حديثه أقبلت إليه والقوم على أهبة أن يدفنوه فقالت:
يا قرحة القلب والأحشاء والكبد ... يا ليت أمّك لم تولد ولم تلد
لما رأيتك قد أدرجت في كفن ... مطيباً للمنايا آخر الأبد
أيقنت بعد أني غير باقية ... وكيف يبقى ذراع عن عضد
ثم أكبلت عليه فزفرت كان فيها موتها فدفنا معاً.
стр. 180
قالت دّخنتوس ابنة بن زرارة ترثي أباها:
عثر الأغرّ بخير خِنْ ... دَفَ كهِلها وشبابها
وأضَرَّها بعدوها ... وأفكها لرقابها
وقريعها ونجيبها ... في المُطْبقات ونابها
ورئيسها عند الملوك ... وزين يوم خطابها
وأتمها نسباً إذا ... رجعت إلى أنسابها
يرعى عموداً للعشي ... رة رافعاً لنصابها
ويعولها ويحوطها ... ويَذِبُّ عن أحسابها
ويطأ مواطن للعدوّ ... وكان لا يُمشَي بها
فِعلَ المدِلَّ من الأسو ... د لِحيْنِها ونبَابِها
كالكواكب الدُّري في ... سيماء لا يخفى بها
عبث الأغر به وكلُّ ... منية لكتابها
فرّت بنو أسد فرا ... ر الطير عن أربابها
لم يحفظوا حسباً ولم ... يأووا لغيّ عقابها
عن خيرها نسباً إذا ... نصب إلى أنسابها
وهوازي أصحابهم ... كالفأر في أذنابها
стр. 181
وقالت هند بنت عتبة تبكي أباها عتبة بن ربيعة:
يريب علينا دهرنا فيسوءنا ... ويأبى فما نأتي بشيء نغالبه
أبعد قتيل من لؤي بن غالب ... يراع امرؤ أن مات أو مات صاحبه
ألا رب يوم قد رُزئت مُرَزَّأً ... تروح وتغدو بالجزيل مواهبه
فأبلغ أبا سفيان عني مألُكا ... فإن ألقه يوما فسوف أعاتبه
فقد كان حرب يسعر الحرب أنه ... لكل امرئ في الناس مولى يطالبه
وقالت أيضاً تبكي آلها:
لله عيناً من رأى ... هُلْكا كهلك رجاليه
يا رُبّ باك لي غداً ... في النائبات وباكية
كم غادروا يوم القلي ... ب غداة تلك الداعية
من كل غيث في السني ... ن إذ الكواكب خاوية
قد كنت أحذر ما أرى ... فاليوم حق حذاريه
يا رُبّ قائلة غداً ... ياويح أم معاوية
وقالت قُتَيْلَة بنت النضير بن الحارث تبكي أباها. وكان قد أسر فيمن أسر من مشركي بدر. فأمر رسول الله ﷺ بضرب عنقه صبراً بين يديه، للجاجة في عدائه، وإمعانه في هجائه:
يا راكباً إن الأثَيْلَ مَظِنّة ... من صبح خامسة وأنت موفق
стр. 182
أبلغ به ميتاً فإن تحية ... ما أن تزال بها الركائب تَخْفِقُ
مني إليك وعَبرةً مسفوحة ... جادت بوابلها وأخرى تخُنق
هل يسمعَنَّ إن ناديته ... بل كيف يسمع مَيَّتٌ أو ينطق
ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تَمزَّق
قسراً يقاد إلى المنية متعاً ... رَسْف المُقيَّد وهو عان مُوثَقُ
أمحمد ولأنت صنو نجيبة ... من قومها والفحل فحل مُعْرِق
ما كان ضَرَّك لو منت وربما ... منَ الفتى وهو المَغِيظ المُحْنقُ
فالنضر أقرب من أصبت وسيلة ... وأحقهم أن كان عتق يُعْتقُ
لو كنت قابل فدية لفديته ... بأعز ما يُفْدَى به من ينفُق
قال ابن هشام: قال النبي ﷺ لما بلغه هذا الشعر: لو بلغني قبل قتله ما قتلته:
قالت أروى بنت الْحَبَاب:
قُل للأرامل واليتامى قد ثوى ... فلتَبك أعينها لفقد حَبَاب
أودَى ابنُ كل مخاطر بِتلاَده ... وبنفسه بُقْيا على الأحساب
الراكبين من الأمور صدورها ... لا يركبون معاقد الأذناب
وقالت امرأة:
ألا فاقصري عن دمع عينك لن تَرَىْ ... أباً مثله تنمي إليه المفاخر
وقد علم الأقوام أن بناته ... صوادق إذ يندبنه وقواصر
стр. 183
وقالت لبنة مالك بن بدر:
لله عينَا من رأى مثل مالك ... عَقِيرةَ قوم أن جرَى فرسان
فليتهما لم يشربا قط قطرة ... وليتهما لم يجريا لرهان
أحَدَّ به أمس الْجُنَيْدِبُ نَذْرَه ... فأي قتيل كان في غَطَفان
إذا سجعت بالرقمتين حمامة ... أو الرس فابكى فارس الكَتِفان
وقالت صبية، ماتت أمها، فأضرت بها امرأة أبيها:
فلو يأتي رسولي أمّ سعد ... أتى أمي ومن يعينه حاجي
ولكن قد أتى مضنْ بين وُدّي ... وبين فؤاده غَلَق الرَّتاج
ومن لم يؤذه ألم برأسي ... وما الرئمانُ إلا بالنتاج
بكاء الاخوة
قالت فارعة ابنة شداد، تبكي أخاها مسعود بن شداد وذلك من قصيدة ضافية:
يا عينُ بكي لمسعود بن شداد ... بكاَء ذي عبرات شُجوه باد
من لا يُذاب له شحم السَّيِف ولا ... يجفوا العيال إذا ما ضُن بالزاد
стр. 184
ولا يَحُل إذا حَلَّ منتبذاً ... يخشى الرزية بين المالِ والنادي
قَوّال مُحْكَمة نَقّاضُ مُبْرَمة ... فرّاح مُبْهَمة حَبّاس أوراد
نَحَّار راغية قَتّال طاغية ... حَلاَّل رابية فكاك أْقياد
حلال مُمرعة حمال مصلعة ... فراج مُفظِعة طلاع أنجاد
شهاد أندية رفاع أبنية ... شداد ألوية فتاح أسداد
جماع كل خصال الخير قد علموا ... زين القرين ونِكْلُ الظالم العادي
أبا زُرَارَةَ لا تبعد فكل فتى ... يوماً رهين صفيحات وأعواد
هلا سقيتم بني جرم أسيركم ... نفسي فداؤك من ذي كربة صاد
وقالت هند بنت عتبة تبكي أخاها وأسرتها، وقد ذهبت بهم الحرب يوم بدر:
من حسَّ لي الأخوين كال ... غصنين أو من رَآهُمَا
قَرْمان لا يتظالما ... ن ولا يرام حِمَاهما
ويْلي على أبويّ وال ... قبر الذي واراهما
لا مثل كهلي في الكهو ... ل ولا فتى كفتاهما
أسدان لا يتذللا ... ن ولا يرام حماهما
رُمَحين خَطَّ يَّييْنِ في ... كبد السماء تراهما
ما خلفا إذ ودعا ... في سؤدد شَرْوَاهما
سادا بغير تكلف ... عَفْواً بفيض نداهما
стр. 185
وقالت ليلى بنت سلمى:
أقول لنفسي في خفاء ألومها ... لك الويل ما هذا التجلد والصبر
ألا تفهمين الخبرَ أن لست لاقياً ... أخي إذا أتى من دونه أكفانه القبر
وكنت أرى بيناً به بعض ليلة ... فكيف يبين دون ميعاده الحشر
وهوّن وجدي أنني سوف أغتدي ... على إثره يوما وإن طال بي العمر
فتى كلن يعطي السيف في الروع حقه ... إذا ثوب الداعي وتشتقي به الجزْر
فتى كان يدينه الغنى من صديقه ... إذا ما هو استغنى، ويبعده الفقر
فتى لا يَعُدُّ المال رَبّاً ولا ترى ... له جفوة إِن نال مالا ولا كبر
فنعم مُناخ الركب كان إذا انبرت ... شَمالٌ وأمست لا يعَرَجها سِتر
ومأوى اليتامى الممحلين إذا انتهوا ... إلى بابه شُعثاً تحِط القَطُر
وقالت الخنساء ترثي أخاها معاوية:
أريق من دموعك واستفيضي ... وصبراً إِن أطلقت ولن تطيقي
وقولي إِن خير بني سُليم ... وفارسها بصحراء العقيق
ألا هل تَرجعن لنا الليالي ... وأيام لنا بلوى الشقيق
وإذ نحن الفوارس كل يوم ... إذا حضروا وفتيان الحقوق
وإذ فينا وعاوية بن عمرو ... على أدماء كالجمل الفنيق
فبكيه فقد أودى حميداً ... أمين الرأي محمود الصديق
فلا والله لا تسلاك نفسي ... لفاحشة أتيت ولا عقوق
ولكني رأيت الصبر خيراً ... من التعلين والرأس الحليق
стр. 186
بكاء الأزواج
قالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية، تبكي زوجها:
يا عين بكي عند كل صباح ... جودي بأَربعة على الجراح
قد كنت لي جبلاً ألوذ بظله ... فتركني أضحى بأجرد ضاح
قد كنت ذات حَمِية ما عشت لي ... أمشي البَراز وكنت أنت جناحي
فاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفع عاذلي بالراح
وإذا دعت قُمْرية شَجَناً لها ... يوماً على فَنَنٍ دعوت صباحي
وقالت الهيفاء بنت صبح القُضَاعية:
أبكى وأُبكي بإسفار وإضلام ... على فتى الأصل ضرغام
لهفي عليه وما لهفي بنافعةٍ ... إلا تكافُحُ فُرسان وأقوام
قل للحُجَيب لحاك الله من رجل ... حُمِّلت عار جميع الناس من سام
أيَقتل ابُنك بعليِ يا ابن فاطمة ... ويشرب الماء؟ ذا أضغاث أحلام
والله لا زالت أبكيه وأندبه ... حتى تزورك أَخوالي وأعماقي
بكل أسمر لَدْن الكف معتدل ... وكل أبيض صافي الحد قَمْقام
стр. 187
وقالت امرأة من طَيء:
تأوّب عيني نُصيبها واكتئابها ... ورجيت نفساً عنها إيابها
أُعلل نفسي بالمراحم غُيبه ... وكاذبتها حتى أبان كِذَابها
أَلَهْفي عليك ابن الأشَدْ لبهمة ... أَفَرّ الكماةَ طعنها وضربها
متى يدْعُهُ الداعي إليه فإنه ... سميع إذا الآذان صَمَّ جوابها
هو الأبيض الوضاح لو رميت به ... ضواح من الرَّيَّان زال هضابها
وقالت خِرْنِق بنت بدر بن هفان تبكي زوجها بشراً وتذكر من أصيبوا معه يوم قُلاب:
ألا أقسمت آسي بشر ... على حيّ يموت ولا صديق
وبعد الخير علقمة بن بشر ... إذا نَزت النفوس إلى الحلوق
وبعد بني ضُبَيعة حول بشر ... كما مال الجزوع من الحريق
من لهم بوالبة المنايا ... بجنب قلاب للحين الَمسُوق
فكم بقُلاَبَ من أوصال خِرق ... أخي ثقة وجُمْجُمة فليق
ندامى للملوك إذا لقوهم ... حُبُوا وسُقوا بكأسهم الرحيق
هُم جدعوا الأنوف وأوعبوها ... فما ينساغ لي من بَعْدُ ريقي
стр. 188
وبِيضٍ قد قَعدْن وكل كحل ... بأعينهن أصبح لا يليق
أضاع قدورهن مصاب بشر ... وطعنة فاتك فمتى تفيق
بكاء العشيرة
قالت رَيطة بنت عاصم:
وقفت فأبكتني بدار عشيرتي ... على رُزئهن الباكياتُ الحْوَاسرُ
غدوا كسيوف الهند وُرَّاد حومة ... من الموت أعيا وردَهن الَمصَادر
فوارس حاموا عن حريمي وحافظوا ... بدار المنايا والقنا متشاجر
ولو أن سلمى نالها رُزْئنا ... لهُدَّت ولكن تحمل الرزء عامر
وقالت خِرنِق:
لا يَبعَدَنْ قومي الذين همو ... سم العُدَاة وآفة الجزْر
النازلون بكل معتَرَك ... والطيبون معاقد الأزْر
الضاربون بحومة نزلت ... والطاعنون بأذرع شُعْر
إن يشربوا يهبوا وإن يذروا ... يتواعظوا عن منطق الهجْر
قوم إذا ركبوا سمعت لهم ... لَغَطاً من التأبيه والزجر
من غير ما فُحشٍ يكون بهم ... في مُنتج المُهُرَات والمهر
هذا ثنائي ما بقيت ... فإذا هلكت أجَنَّني قبري
стр. 189
وقالت أمامة بنت ذي الأصبع العدواني تبكي قومها:
كم من فتى كانت له منْعَةٌ ... أبلج مثل القمر الزاهر
قد مرت الخيل بحافاتهم ... مر الحيا بالجبال العاطر
قد لقيت فَهْم وعدونها ... قتلا وهلكا آخر الغابر
كانوا ملوكا ساد في الورى ... دهراً لها الفخر على الفاخر
حتى تَساقَوْا كأسهم بينهم ... بغياً فيا للشارب الخاسر
بادوا فمن يحلل بأوطانهم ... يحلل برسم مقفر داثر
في الفخر
قالت عاتكة بنت عبد المطلب تفخر بيوم عكاظ:
سائل بنا في قومنا ... وكفاك من شر سماعُه
قيساً وما جمعوا لنا ... في مجمع باق شناعهُ
فيه السنوّر والقنا ... والكَبْش مُلْتمِع قِناعهُ
بعكاظ يعشي الناظرين ... إذا هم لمحوا شعاعهُ
فيه قتلنا مالكا ... قسراً وأسلمه رَعاعهُ
ومجدَّلاً غادرنه ... بالقاع تنهشه ضباعه
وقالت الخنساء تفتخر وتذم الزمان:
تعرّفني الدهر نَهْساً وحَزَّا ... وأوجعني الدهر قرْعاً وغمزاً
وأفنى رجالي فبادوا جميعاً ... فغُودر قلبي بهم مستَفَزا
стр. 190
كأن لم يكونوا حِمىً يُتّقى ... إذا الناس إذ ذاك من عزّ بزَّا
وهم في القديم أساة العَدِي ... م والكائنون من الخوف حِرْزا
وهم منعوا جارهم والنسا ... ءُ يَحْفز أحشاَءها الخوف حَفزا
غداةَ لَقُوهم بملمومة ... رَدَاح تغادر في الأرض ركزْا
ببيض الصَّفاح وسُمْر الرماح ... فبالبيض ضرباً وبالسمر وخزا
وخيل تكَدّس بالدارعي ... ن تحت العَجاجة يْجمزْن جَمْزا
جززنا نواصيَ فرسانها ... وكانوا يظنون ألا تُجَزّا
ومن ظن ممن يلاقي الحروب بأن ... لا يُصاب فقد ظن عجزا
نَعِفُّ ونعرف حق القِرَى ... ونتخذ الحمد ذخراً وكنزاً
ونلبس في الحرب نسج الحديد ... ونسحب في السلم خَزّا وقَزّا
وقالت الهيفاء بنت صبح القضاعية تفخر بأبيها:
الخيل تعلم يوم الرَّوع إن هُزمت ... أن ابن عمرو لدى الهيجاء يحميها
لم يُبد فُحشاً ولم يُهدَدْ لُمعظَة ... وكلُّ مَكْرُمة يلقي يُسَاميها
المستشار لأمر القوم يحزبهم ... إذ الهَنَاة أهمّ القوم ما فيها
لا يرهب الجار منه غدرة أبداً ... وإن ألَمَّت أمور فهو كافيها
وقالت خرنق بنت بدر تفخر بزوجها بشر بن عمرو وصحابته:
لقد علمت جَدِيلة أن بشراً ... غداة مُرَبَّح مُرّ التقاضي
стр. 191
غداة أتاهم بالخيل شُعثا ... يدق نسورها حدّ القِضَاض
عليها كل أصيد تغلبيّ ... كريم مُرَكَّب الحدين ماض
بأيديهم صوارم مرهفات ... جَلاَها القَين خالصة البياض
وكل مثقف بالكف لَدْن ... وسابغةٌ منّ الحَلَقِ المُفَاض
فغادر مَعقِلاً حِصْناً ... عفير الوجه ليس بذي انتهاض
في اللوم والإغراء
قالت امرأة من كندة:
لا تخبروا الناس إلا أنّ سيدكم ... أسلمتوه ولو قاتلتموه امتنعا
أنْعَى فتى لم تذر الشمس طالعة ... يوماً من الدهر إلا ضَّر أو نفعا
وقالت بنت حُكيم بن عمرو العَبدِية:
أيرجو ربيع أن يؤوب وقد ثوى ... حُكَيمٌ وأمسى شِلْوهُ بمُطبّق
فإن كنتم قوما كراما فعجلوا ... لهُ جْرأَةً من بأسكم ذات مصدَق
فإن لم تنالوا نيلكم بسيوفكم ... فكونوا نساء في الملاَءِ المُخَلَق
وقولوا ربيع ربكم فاسجدوا له ... فما أنتم إلا كمعزي الحبلق
стр. 192
وقالت كبشة بنت معد يكرب تعير أخاها عمراً لقعوده عن ثأر أخيه عبد الله:
وأرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه لا تعقلوا لهمُ دمي
ولا تأخذوا منهم إفالاً وأبكرا ... وأترك في بيت بصُعدة مظلم
ودع عنك عمراً إن عمراً مسالم ... وهل بطن عمرو وغير شبه لمطعم
فإن أنتمُ لم تثأروا واتّدَيتمُ ... فمشوا بآذان النعام المُصلم
ولا تردوا إلا فضول نسائكم ... إذا ارتملت أعقابهن من الدم
وقالت امرأة من غامد في هزيمة ربيعة بن مكدوم لجمع من قومها:
ألهل أتاها على نأيِها ... بما فضحت قومَها
تمنيتهم مائتي فارس ... فردّكم فارس واحد
فليت لنا بارتباط الخيو ... ل ضأنا لها حالب قاعد
نساء يصفن أنفسهن
حدث الأصمعي قال:
كان أعرابي عنده أربع نسوة: كندية، وغسانية، وشيبانية، وغَنَوية، والأعرابي غساني. وكن متظاهرات على الغَنَوية، فجمع بينهن ثم قال: لِتَقُلْ
стр. 193
كل واحدة منكن قولاً تصف. فقالت الكندية:
كأني جَنَى النخل والزنجبيل ... وصَفْوُ المدامة والسلسبيل
يزن سنا الوجه لي مَبْسِم ... كمثل اللآلى وعين كحيل
وقالت الغسانية:
براني إلهي إله السما ... نصفاً قضيباً ونصفاً كثيباً
وألبسني ما يسوء الحسود ... جمالا وملْحاً وحسنا عجيبا
وقالت الشيبانية
أفوق النساء إذا ما اجتمعن ... كبدر السماء نجوم الدجى
ويقتصر عن جميع الصفات ... فمن نالني نال فوق المنى
وقالت الغنوية:
تزوّد بعينك من بهجتي ... فقد خلق الله مني الجمالا
إذا ما تفرست في رؤيتي ... رأيت هلالا وأخوي غزالا
стр. 194
المرأة العربية في عهد إسلامها
تمهيد
المرأة والدين
للمرأة من دقة الحس، وقوة العاطفة، وبعد الخيال فوق ما للرجل،. فهي لا تبرح الدهرين خاطر مُتوثب، ووجدان متأثر. لا تكاد تستمع خبرا، أو تلمح منظرا، أو تُطيف بها ذكرى، حتى ينال ذلك من أعماق نفسها، وأسرار وجهها، وشئون عينيها وربما ألَّمت بالحديث وهي تعلمه ضرباً من الخيال، فلا تزال رغم ذلك بين دم يَتصعَّد ثم يَتَحدّر، وقلب يَثبُ ثم يطمئن، ووجه يَرَبدُّ ثم يشرق، وعبرة تطفو ثم تنحسر، حتى تنتهي منه وقد استبقى بنفسها أثراً لا تملك أن تمحوه. ذلك خَلق المرأة وتلك شيمتها. فطرةٌ طيبة، وسريرة صافية، وقلب دائم الخفقان.
مثل تلك الطبائع المستكنة في نفس المرأة إن وفقت إلى من يتعاهدها، ويصلح نهجها ويزيل العوائق من دونها، كانت سبيل الكمال المطلق، والخير الصريح في الأمم. وإن مُنيت بمن يُموه لها الباطل، ويزيل لها صفحة الشر، ويَجُنبُها طريق السداد، قضاء لنهمة فاسدة، ومجلبَةً لعرض زائل، انعكست آيتها، وانتكست حالتها، وهاجت الداء الدويّ والشر العقام. وإن هي تركت وأمرَها وخُليت وسبيلها، وكان شأنها دفائن الكنوز في قفر من الأرض، تتحول الأزمنة، وتتبدل الأمم، وهي على حالِها، لا خير فيها ولا أثر لها.
стр. 195
حقيقة لا مرَاءَ فيها. . . فأي طرق التربية آثره في حياة المرأة. وأحمق باستكمال فضائلها، وإذاعة مزاياها؟
الدين وحده هو الكفيل بذلك. فهي بمالها من انفساح مدى التصور، وقوّة سلطان العاطفة. تتمثل عظمة الله بأكثر مما يتمثل الرجل. وتستشعر حبه والخوف منه بأشدّ مما يستشعر.
إن إيمان المرأة إيمان لا مثار فيه للتريب، ولا مجال للشبهات. فهي لا تعتصم بالتأويل، ولا تفرع إلى الحيلة، شأن الرجل إذا أثقله الواجب وأعياه الاحتمال فإذا أشربت ذلك الإيمان منذ أول عهدها، ولدُونة عُودها، وجدت الله ملء سمعها، وبصرها، وقلبها، وسريرتها، فلا تشعر إلا به، ولا تعمل إلا له، ولا تقدم على ما عساه يغضبه، ويستنزل سخطه.
إن تصديق المرأة تصديق وثيق عميق، فهي لا تحاول - كما يحاول الرجل - تطبيق أمور الدين جليلها ودقيقها على عقلها. وفي الدين أشياء لا تنالها العقول إلا إذا رسخت حكمتها. ورجحت كفتها، واتسعت رُقعتها، وأين للناس أن يكونوا جميعاً كذلك؟
ولستُ بناس أبد الدهر مشهداً لا يزال على طول العهد به يهتاج عواطفى، ويحيل جوانحي وجوارحي إلى وجدان فياض، ومشاعر ثائره. وهو على ما نقول أدل وبه أمثل. وذلك أقصه عليك:
في أصيل يوم صيف سنة ١٩١٤ كنت واقفاً في جمهور الواقفين في محطة طنطا أترقب القطار القادم من الإسكندرية، لأتخذه إلى القاهرة.
لقد كان كلُّ في شغل بتلك الدقائق المعدودات يقضيها في توديع وإشفاق، وترقب وانتظار، وحمل متاع وتنسيق آخر، وكنت في شغل بصديق يجاذبني
стр. 196
حديثاً شيقاً ممتعاً. في تلك اللحظات الفانية، وبين ذلك الجمع المحتشد، راع الناس صياح وإعوال، وتهدّج واضطراب، ومشادّة ومدافعة، ثم أبصروا فإذا بفتاة في السابعة من سنيها، يقودها إلى موقف القطار شرطي عات شديد، وساع من سعاة معتمدي الدول قوي عتيد، ومن خلفها شيخ أوربي جاوز الستين مكتئب مهزول، وهي تدافع الرجلين حولها بيدين لا حول لهما.
أقبل القطار ثم وقف فكاد كل ينسى بذلك الموقف موقفه وما قصد له، ثم أُصعدت
الفتاة وصعد معها من حولها، وعجلت أنا وصاحبي فأخذنا مقاعدنا حيث أخذوا مقاعدهم. كل ذلك والفتاة على حال من الحزن والكرب لا يَجُملُ معها الصبر، ولا يُحمد دونها الصمت. سألت الشيخ ما خطبه، وما أمر الفتاة فقال وقد أشرقه الدمع، وقطع صوته الأسى:
إنني رجل أسباني، وتلك ابنتي، عرض لها منذ حين ما لم أعلمه، فصحوت ذات صباح على صوتها تصلي صلاة المرأة المسلمة، ومنذ ذلك اليوم احتجزت ثيابها لتتولى أمر غسلها، وأرسلت خمارها الأبيض على صفحتي وجهها، ومكشوف صدرها. ثم أخذت تُنفِذ وقتها في صلاة وصيام، وسجود وهجود. وكانت تدعى روز فأبت إلا أن تسمى فاطمة وما لبثت أن تبعتها أختها الصغرى، فصارت أشبه بها من القطرة بالقطرة، والزهرة بالزهرة.
فزعت لهول ذلك الأمر، وقصدت أحد أساقفتنا، فأخذ يعاني رياضتها فلم يجد إلا شِمَاساً وامتناعاً. وعَزَّت على الرجل خيبته فكتب إلى معتمد الدولة الأسبانية بأمر الأسرة الخارجة على دينها. وهنالك آمر المعتمد حكومة مصر فساقت إليه الفتاة كما ترى برغمها ورغم ذويها ليقذف بها بين جوانب دير تسترد فيه دينها القديم.
قلت: أو أرضاك أن تساق ابنتك سوق الآثمات المجرمات على غير إثم
стр. 197
ولا جريمة فزفر الرجل زفرة كاد يتصدّع لها قلبه وأحناء ضلوعه ثم قال: أما لقد خُدعت وذهمت وغلب أمر الحكومتين أمري فما عساني أفعل
على آثر ذلك انثنيت إلى الفتاة وهي تعالج من أهوال الحزن وأثقاله ما تخشع الراسيات دون احتماله فقلت: ما بالك يا فاطمة؟ - وكأنها مني ما لم تأنسه ممن حولها - فأجابتني بصوت يتعثر من الضبنى: لنا جيرة مسلمون، أغو إليهم فأستمع أمر دينهم. حتى إذا أخذني النوم ذات ليلة رأيت النبي محمداً ﷺ في هالة من النور يخطف سناها الأبصار، ويقول وهو يلَّوح إلى بيده: اقتربي يا
فاطمة. ولو أنك أبصرتها وهي تنطق باسم النبي محمداً لرأيت رِعدة تتمشى بين أعطافها وأطرافها حتى تنتهي إلى أسنانها فتخالف بينها، وإلى لسانها فعقله، وإلى وجهها فتحيل لونه. فلم تكد تستتم جملتها حتى أخذتها رجفة فهوت على مقعدها كأنها بناءُ منتقض إلى ذلك الحدّ غشى الناس ما غشيهم من الحزن. وأبصرت بشيخ يتمشى في ردهة القطار فطلبت إليه أن يؤذن في أذنها، فلما انتهى إلى قوله أشهد أن محمداً رسول الله تنفست الصُّعَدَاء وأمعنت في البكاء، وعاودتها سيرتها الأولى. فلما أفاقت قلت لها: وممّ تخافين وتفزعين؟ قالت: إنه سيؤمر بي إلى دير. . . حيث ينهلون السياط من دمي. ولست من ذلك أخاف ألا إن أخوف ما أخاف يومئذ أن يحال بيني وبين صلاتي ونسكي قلت لها: يا فاطمة أَولا أدلك على خير من ذلك؟ قالت أجل قلت إن حكم الإسلام على القلوب. فما عليك لو أقررت بين يدي المعتمد بدينك القديم، وأودعت الإسلام بين شغاف قلبك، حتى لا يفوتك أن تقيمي شعائره حيث تشائين؟. هنالك نظرت إلىّ نظرة تضاءلتُ دونها حتى خفيت على نفسي. ثم قالت: دون ذلك حز الأعناق وتفصيل المفاصل دعني فإنني إن أطعت نفسي لساني. وكان ضلالا ما توسلت به أنا وأبوها ومن حولها.
стр. 198
وكان ذلك أوفينا على القاهرة فحيل دونها.
لم أعلم بعد ذلك شيئاً من أمر فاطمة لأني لم أستطع أن أعلم. . .
رحمة الله وبركاته عليك يا فاطمة، فما أنت أولى شهيدات الرأي الحرّ والإيمان الوثيق.
ذلك ما رأيته، ولا والله ما غيرت منه شيئاً إلا أ، يكون اللفظ بمرادفه فإن يكن الوقوف دون الحقيقة تغييراً ما لي العذر فيه.
مِثل ذلك التصديق العميق من شأن المرأة وطبيعتها، وسبيله ما أسلفنا من خلالها وسجاياها. وإذا كان جمهور النساء يقدسن أجداث الموتى، ويؤمنّ بنوافر العادات
فلا يتحولن عن ذلك الإيمان المقدس مهما خانتهن التجارب وأخلفت منهن الظنون، فكيف بهن لو وجهت وجوههنّ إلى الله العزيز القهار، وعلمن حق العلم أنه وحده بارئ النسم، ومبيد الأمم، وأنه وحده العليم بخفيات السرائر ونزعات الضمائر؟
لذلك كان دين المرأة - إذا طبعت عليه - أكثر وضحا، وأوضح سنا، وأرسخ أصولا، وأبعد عن عثرات الحيرة ونزعات الشيطان من دين الرجل. ولذلك كانت - إذا أخذت به، ونشأت على حبه - أسد الناس عصمة في السر والعلانية، وأطهرهم صحيفة في المشهد والمغيب. وأبعدهم عن اقتراف المآثم، واجتراح المحارم، إذا سكنت ألسنة الزواجر، وهدأت عيون الرقباء.
إن ضلالا أن تعمل الصَّبَّية فتعصبها بالشدة، وتُقَنّعَها بالهوان. فإنك إن فعلت هونت نفسها، وثلمت حسها، فلا تشعر بعدئذ بأوزار العار، ولا تبتئس بانثلام الشرف. ولخير للعالم يومئذ أن تطوى صفحاتها، وتودي بحياتها من أن تقذفه بها داء دويا، وجرثومة وبيئة.
стр. 199
وإن محالا إن تعمد إلى الأخلاق النظرية فتسوقها إليها قواعد يزدحم بعضها بعضاً وعظات ينهال بعضها على بعض. فإن ذلك مما يكدّ ذهنها، ويثقل خاطرها. وربما شق عليها استظهارها، فأبغضتها وأبغضت ما حوتها.
ليس إلا الدين. فهو الذي يملك زمام نفسها. وقوام أمرها بما فيه ذكر الله، ووصف جلاله وعظمته، وملكوته وجبروته، وعجيب صنعه وبديع آياته وقدرته ورحمته، وناره وجنته، وأشباه ذلك مما يوافق سجيتها ويثير عاطفتها ويزيد غرسها زكاء ونفسها صفاء.
وليس بفائتنا أن نقص عليك قصصاً مما يسوقه بعض كتب التربية الفرنسية دعماً لذلك الرأي وإعزازاً له:
قالوا: إن صبية في التاسعة من عمرها مَرنت على الإساءة إلى أمها. ولم تزدها
الأيام إلا جفوة وعنادا. حتى لقد رمتها ذات عشية بقطعة من الخبز كانت في يدها ذهلت الأم لذلك واضطربت. وخرجت لساعتها إلى مربية ابنتها بالمدرسة تشكو إليها بثها، وسوء صنيع ابنتها بها. فهدأت ثائرتها، وقالت لها: دعيني وإياها.
استهل الصباح، فدرجت الصبية إلى مدرستها. ودق ناقوس الكنيسة فغدا إليها التلميذات وهي معهن، ثم أخذت كل واحدة مكانها. وأقبلت المربية فجلست مطرقة صامتة لا تقول شيئا، ولا تفعل شيئا. تطاول الوقت حتى أوشك أن ينتهي. ونشرت السكينة رواقها على البنات جميعاً، وأبى عليهن جلال المكان وهيبة المربية أن يكلمنها. ثم اعتزمت الكلام فكن جميعاً عيوناً شواخص إليها وقلوباً حوائم إليها. فانطلقت تقول:
بينكن صبية أغضبت الله. . . وأخشى أن يشملنا جميعاً غضبه لوجودها فينا. أو تعلمن أي أثم اقترفت، وإلى أي هاوية من الخطيئة سقطت؟ إنها أهانت أمها
стр. 200
فأما حديثها ووصف إهانتها فأنتن في غنى عنه لأنه موجع مؤلم، وليس لمثلي أن يفوه به فأنا أخجل أن أُقرن بين يدي الله إلى صبية آثمة.
هنالك أخذت كل واحدة تفتش في ثوبها هل تجد بين حواشيه تلك الفتاة الآثمة فأما من ذكرت لأمها قبلة، أو اعتناقة، أو دعوة بخير، فتلك الظافرة المبتهجة.
أما صبيتنا فقد ودَّت لو انفجرت الأرض فوارتها بين أحشائها. ولو وفقت إلى ذلك لتلمست المهرب من غضب الله، وإيلام الضمير فلا تجده.
أقامت الصبية نهارها، ولو أقامته على أنياب الأفاعي لكان أهون عليها وأروح لها مما لقيت. حتى إذا آذنت المدرسة بالانصراف، خرجت وهي تتلفت في كل ناحية. فما كادت تنتهي إلى أمها حتى ارتمت مُكِبَةً عليها، تقبلها وتبللها بدموعها. ومنذ ذلك الحين أصبحت أسمى البنات أدبا. وأسمحهن خلقا.
فيا أيها الماضون في تعليم البنت وطنوا أنفسكم قبل أن تبدءوا أعمالكم، أن تجعلوا
الدين علمها الخفاق على رأسها، وإكليلها المشرق فوق جبينها، وكوكبها المتألق في ظلمات الدهر، ومدلهمات الخطوب. وإِلا فقدتم خلقها، وهو أعز ما ملكت يمينها. وهنالك لا تجدون العلم إلا مدرجة الشر، وسبيل الفساد؟
стр. 201
المرأة العربية في ظل الإسلام
دور العظمة
أسفر نور الإسلام فافترَّ الهر لنساء العرب عن جوّ مُشرق، وأمل بعيد، وأسلوب من الحياة جديد.
لقد كان للمرأة العربية في عهد جاهليتها فضائلها المكسوبة، ومواهبها الموروثة، وحقوقها التي تم لها بعضها، وسلب الجهل وسوء نظام الاجتماع بقيَّمتها فأما وقد رسخت أصول الإسلام، ووَفرت ظلاله، وخفقت على الخافقين أعلامه، ونَعِمت هي تحت ظله بوثوق الإيمان، وتقلبت بين أعطاف الملك، ونهلت من معين العلم، وضربت بسهم في التشريعِ، وشُرِع لها من الحقوق ما لم يشَرع لأمة من الأمم في عصور من العصور - فقد أمعنت في سبيل الكلام طلَقَة العنان، حتى أخملت من بين أيديها، وأعجزت من خلفها، فلم تشبهها امرأَة من نساء العالمين في جلال حياتها، وسناء منزلتها.
ذلك الحكم للحقيقة وللتاريخ، لا لعاطفة الدين، ولا لآصرة الرحم، ولا لحسن نسق اللفظ. له علله وحِكمه، وأسبابه ودواعيه، ومقدماته ونتائجه. وإنا لماضون بعون الله في الوفاء بذلك كله. بادئين بما منع الإسلام عنها من حيف، وما شرع لها من حق معتمدين فيما نقول على كتاب الله، وسنة رسوله وسيرة البررة الأخبار من آله وصحابته فذلك كله أمرنا ومنار بصائرنا.
стр. 202
المرأة العربية بين العهدين
على الرغم مما لقيت المرأة العربية في عهد جاهليتها من كرامة لا تمارى، ومكانة لا تُسامي، ومجالات درجت فيها إلى مواطن الملك، ملك الجوارح والقلوب - على الرغم من ذلك كله تعثر بها الدهر عثرات، وَقرت في بعض المواطن عظمها، وانتظمت قلبها وتَغَشّها بظُل من الفزع، وظلمات من الأهوال.
كذلك لبثت المرأة العربية تتعثر حتى استبان وضح الإسلام فأقالتها يد الله وهاأنذا أبسط القول فيما رفع الإسلام عنها من غواشي الظلم في عامّة أحوالها، ومختلف أطوارها
الوليدة المسلمة
من العب من كان يرى البنت حملاً فادحاً يضعف دونه احتماله، وتتخاذل لفرط ما يُشفق من وصمة الذل، ووسم العار، وإذا وهنت نفسها، أو ذهب السباء بها، فكان بين أن يستبقيها على كره لها، ومضض منها، وترقب لموتها، أو يفزع إلى الحفر فيقذفها في جوفها، ويُهيل التراب على غَضَارة عُودها، ونضارة وجهها. فما أشدَّ ما عاب الله أمر ذلك عليهم، ونقمة منهم، ودلّ على سفه رأيهم وسوء صنيعهم في مواطن كثيرة من كتابه الكريم. فقال جل ذكره:
(وإذَا بُشَّرَ أحَدُهْم بِالأنثى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشّرَ بِهِ أَيُمسِكُه عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ في الُّترابِ ألاَ سَاءَ ماَ يحْكمونَ).
стр. 203
وقد تباركت آيته: (وإذا المَوْءُودَةُ سُئلَتْ بِأيَّ ذَنْبٍ قِتلت).
وقال تعالى حكمته: (قَدْ خَسِرَ الَّذِين قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهاً بِغَيْرِ علْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اْفِتراءٍ عَلَى اللهِ قَد ضَلُّوا وما كانوا مُهْتَدِين).
وفي القرآن الكريم كثير من مثل ذلك أليم شديد.
وكان قيس بن عاصم المِنقري بين يدي النبي ﷺ عن ضحايا
الموءودات وأنه ذهب باثنتي عشرة منهن. فقال ﵇ مَنْ لا يَرحم لا يُرحم وأمره أن يعتنق بكل واحدة جاريةً مؤنة.
وكان العرب يأنفون أن يداعب الرجل وليدته، أو يسمح لها أن تمرح بين
стр. 204
يديه. فأما رسول الله ﷺ فقد نقض تلك السنة السيئة، فلم يكن يضن بوقته الأعَزّ أن يداعب فيه الولائد من بناته أو بنات صحابته.
فقد حدّث البخاري عن أبي قتادة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وأمامه بنت أبي العاص على عاتقه، فصلى، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها.
وحدثت أم خالد بنت خالد بن سعيد قالت: أتيت رسول الله ﷺ مع أبي وعلىّ قميص أصفر، قال رسول الله ﷺ : سَنه سَنَه - وهي بالحبشة حسنة - قال: فذهبت ألعب بخاتم النبوة فانتهرني أبي، قال رسول الله ﷺ : دعها، ثم قال رسول الله ﷺ : أبلي وأَخْلِفي، فُعَمَرت بعد ذلك ما شاء الله أنّ تعمر.
стр. 205
ومن حديث عنايته ﷺ بهن، وأمر ببذل الرحمة، وإسداء المعونة لهنّ، ما حدثت عائشة أم المؤمنين قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة. فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها. ثم قامت فخرجت. فدخل النبي ﷺ . فقال: من ابتلى من هذه البنات بشيء كنّ له ستراً من النار.
أما حبه ﵊ لابنته فاطمة، وشغفه بها، وحنانه عليها، فمما لا يحيط به وصف ولا يناله بيان. وهي التي يقول فيها: فاطمة بضعة مني يسوؤني ما يسوئها ويسرني ما يسرها.
أبصر المسلمون كل ذلك. ورأوا أن الله لم يختص فاطمة بنت محمد بذرية رسوله إلا ليشيد بالمرأة، وينهض بأمرها، ويرفع من شأنها، ويأخذ العرب بحبها،
والابتهاج بها. فغدوا من بعده بناتهم ويُكْرِمونهنّ، ويرون الخير كله معقودا بنواصيهن. وقد استخلص وهب بن مُنَبَّه من تقديمه سبحانه الإناث في قوله:
(يَهَب لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ) أن من يُمن المرأة أن تلد الأنثى قبل الذكر.
وكان لمعن بن أوس ثمان بنات، ويقول: ما أحب أن يكون لي بهن
стр. 206
رجال. وفيهن قال:
رأيت رجالا يكرهون بناتهم ... وفيهن لا نُكذَبْ نساء صوالح
وفيهن والأيام يعثرن بالفتى ... عوائد لا يمللنه ونوائح
وحدثوا أن عمرو بن العاص دخل على معاوية بن أبي سفيان وعنده من له يلاعبها. فقال له: انبذها عنك يا أمير المؤمنين! فوالله إِنهن يلدن الأعداء، ويقرّبن البعداء. ويؤدَّين الضغائن. فقال معاوية: لا تقل، فما ندب الموتى، ولا تفقَّدَ المرضى، ولا أعان على الحزن مثلهن.
وقال الزهري: كانوا - يريدون أصحاب رسول الله - لا يرون على صاحب ثلاث بنات صدقة، ولا جهادا، لحاجتين إليه، وشُغُلهِ بهن، والعناية بتربيتهن. وكان أبا خالد القَناني - وكان من غُلاة الخْوارج - يشير إلى ذلك، وكان قد طلب إليه الغُدُوُّ إلى القتال فقال:
لقد زاد إلىَّ حبَّا ... بناتي إنهن من الضعاف
أحاذر أن يرين الفقر بعدي ... وأن يشربن رنقاً بعد صاف
وأن يَعْرَين إن كسي الجواري ... فتنبو العين عن كرم عجاف
ولولا ذاك قد سَوَّمت مُهري ... وفي الرحمن للضعفاء كاف
أبانا من لنا إن غبت عنا ... وجَدَّ الحي بعدك في اختلاف
стр. 207
فوارق النساء
مزق الإسلام حجب الفوارق بين النساء، كما مزّقها بين الرجال. فتطامنت الرؤوس، وتساوت النفوس، فلم يكن بين المرأة والمرأة إلا الخير تتقدَّم به، أو العمل الصالح تسبق إليه. فأما أن تُدل َّ بعَرضَ طارف، أو تعتز بحسب قديم فذلك ما لا يقَدمها أُنملة، ولا يُغني عنها من الله شيئا.
لقد شرع الله للمؤمنين شِرعة الإخاء بقوله جلّ شأنه: (إنما المؤمنين اخوة) فلم يكن يَفرق بين المسلمة والمسلم، ولا بين المسلم والمسلمة، إلا شريف الخلق وخسيسه فذلك حيث يقول الله تباركت حكمته في كتابه الكريم (الْخَبِيثات للْخبِيِثينَ والخَبيثُونَ للْخَبِيثاتِ والطَيَباتُ للطَيبينَ والطَّيَبونَ للِطَّيَباتِ). وكذلك استن رسول الله ﷺ المساومة بقوله: ألا وإن المسلم فلا يحلُّ لمسلم وسبب يوم القيامة مقطوع إلا نسبي وسبي. ولا أدَلُّ على مل نقول من حديث فاطمة بنت الأسود المخزومية - وهي امرأة من ذوات اشرف والحسب من قريش - وَهَنت نفسها فسرقت فقامت عليها البينة، فوجب عليها الحدّ. فأهَمَّ ذلك قريشاً. فقالوا: من يُكلم رسول الله ﷺ ؟ ومن يجترئ عليه إلا أسامة حِبُّّ رسول الله ﷺ ؟ فكلم رسول الله ﷺ . فقال أتشفع في حدّ من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضلَّ مَنْ قبلكم إذا سرق الشريف تركوه
стр. 208
وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها.
أرأيت لو ذهبت صبية جارية بقطيع من الغنم، فعدا الذئب على واحدة فأكلها، فنهض مولى الصبية غليها يضربها، أكان ذلك غريباً على الناس، بعيداً عن موقع أسماعهم وأبصارهم؟ لقد حدث ذلك في عهد النبي ﷺ وغدا الرجل على رسول الله يخبره بما أصاب به جاريته. فاشتدّ بالنبي الغضب حتى احمرّ وجهه، وهاب أصحابه أن يكلموه. ووقف الرجل واجماً لا حراك به. وقال
﵊ عند ذلك وما عسى الصبية أن تفعل بالذئب! وما عسى الصبية أن تفعل بالذئب! وما زال يكررها.
ثم قال: إن خدمكم إخوانكم جعل الله لكم الولاية عليهم، فلم يجد الرجل مساغا من موقفه إلا بعتق جاريته.
стр. 209
ولقد ورث ﵊ فيما ورث عن أبيه جارية عَسْرى اللسان لا تكاد تبين: هي أُم أيمن. فكان ﷺ يدعوها أُمه. وكان إذا نظر إليها قال هذه بقية أهل بيتي.
وكان من أشد ما يؤلم نفسه الكريمة، أن يسمعِ الرجل يعَّر الرجل بأمه. وآية ذلك ما حَدَّث المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذرّ الغِفَاري وعليه حُلة وعلى غلامه حُلة. فسألناه عن ذلك فقال: إني سأبيت رجلاً فشكاني إلى النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : أعَيَّرته بأمه! إنك امرؤ فيك جلهلية. ثم قال إن خدمكم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم. فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يَغْلِبُهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم.
стр. 210
ذلك الإخاء الشامل هو الذي حمل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يزَّوج ابنه عاصماً - وهو أحب أبنائه إليه - من ابنة امرأة بيع اللبن في الطريق، وهو لو شاء زَفَّ إليه وأعز امرأة في العلم. ولكنه أثر الخلق العظيم على البيت الكريم، والمجد القديم، وتفصيل ذلك فيما رواه الميداني أن عمر ﵁ مرّ بسوق الليل - وهي أسواق المدينة - فرأى امرأة معها لبن تبيعه، ومعها بنت شابة. وقد همت العجوز أن تمذق لبنها - تخلطه بالماء - فجعلت الشابة تقول: يا أُمَّه لا تمذقيه ولا تغُشّيه. فوقف عليها عمر فقال: مَن هذه منك؟ قالت: ابنتي: فأمر عاصماً فتزوجها.
أقول: وقد أنجبت هذه المرأة - فيمن أنجبت - أورع وأعدلهم وأجلّهم عمر ابن
عبد العزيز، فهي جدَّته لأمه. ﵃ أجمعين.
стр. 211
بوائق الغيرة
الغيرة ضرب من ضروب الأثرة، لا بد منه لحياطة الشرف، وصيانة العرض وهي مثار الحمية والحفيظة فيمن لا حمية ولا حفيظة له. وإنما تقبل - بل تجب - إذا خاف الرجل على شرفه أن ينثلم، وعرضه أن يهان. فأما أن تقتاد الرجل في كل آنة، وتفزعه في كل موطن، فهي خَبْل ووسواس، وأولى بها أن تدنى إليه الشر من حيث يتقيه. ولقد مُنى العرب في جاهليتهم باتقاد الغيرة حتى جاوزوا بها طورها. وحتى قادت فريقاً منهم إلى قذف زوجته في عرضها، لهاجس اعتاده، أو خلجة من الشك نفذت إليه. فرفعوا خصومتهم، واحتكموا في أعراضهم إلى فريق الكهان والكواهن، وهم بَشَر يقذفون الغيب برجم الظنون، فيخطئون ويصيبون.
وإن من أشد ضروب الوهم، وأفدح أثقال الظلم، أن ترى العربي يريد السفر، فيعمد إلى شجرة فيعقد بين غصنين منها، فإن عاد وكان الغصنان على حالهما، زعم أنها لم تخنه، وإلا فقد خانته. وذلك ما يسمونه بالرتيمة. كأن عرض المرأة، بل عرض الأسرة بل عرض الحي الذي نشأت المرأة بين ربوعه ودرجت بين مدارجه مُرْتَهن بغصنين تعصف بهما الريح، أو تعبث بهما الأيدي، فتفرق بينهما.
أما أسباب تلك الغيرة الموبقة، فقد قطعها الإسلام، إلا أن تكون عن علم وبينة فأما حكم الرّيب؛ واحتكام الشبهات فذلك ما ليس من الدين في شيء.
وقد فرض الله جل ذكره على من رمى امرأته في عرضها أن يشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، فيما قال وادعى. والخامسة أن لعنة الله عليه
стр. 212
إن كان من الكاذبين. فإن لم يصدع بتلك الشهادات الخمس. فعقوبته عقوبة قاذف المحصنات يجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة أبداً، وهو الله من الفاسقين.
وهنالك حديثين حَدَّث بهما البخاري عن نبي الله ﷺ يكشفان عن
مواطن الغيرة حقها وباطلها، وما ورد من حكم الله ورسوله فيها.
فالأول حديث المغيرة قال:
قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصْفحَ - أي غير مائل عرضاً - فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: أَتحبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه. والله أغير مني، وممن أجل غَيْرَة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وأما الثاني فحديثه عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود. فقال هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال ما ألوانها؟ قال: حُمْر. قال: أفيها أوْرق؟ قال: نعم. قال: فأنَّى كان ذلك؟ قال: أراهُ عِرْقٌ نزعه. قال: فلعل ابنك هذا نزعه العرق.
стр. 213
فانظر كيف شرع النبي ﷺ شرعة وَضَّاحة صافية لا مجال فيها لنزعات الوهم، وعثرات الوسواس، وكيف اتَّقاها ووَقى الناس شرها من التباس الشك واحتكام الظنون.
إن في دفع النبي ﷺ شر التهمة عن امرأة الأعرابي لدليلاً لا يقبل الشك على براءتها، وطهارة عرضها. فما كان الرجل فاعلا لو كان في عهد جاهليته ولم يهتد بِقَبس من نور النبوّة؟ ليس بين يديه إلا أن يفتك بها ويروي غليل نفسه بنقيع دمها، أو أن يتلمس العرّافين والمنجمين ليُلقوا إليه بالكلمة الحمقاء فيكون لها ما بعدها. وليس وراء الحالتين إلا عار الدهر، وذلّ الأبد.
لذلك تحامى المسلمون مواطن الظَن، ومداحض التهم، حتى عدُّ الاعتساف في الغيرة سِمَة من الحمق، لا يستحقٌ صاحبها أن يُسَوَّد أو يطاع. ومن ذلك ما قال معاوية ابن أبي سفيان: ثلاث من السؤدد: الصلع، واندحاق البطن، وترك الإفراط في الغيرة.
وقد ظهر في المسلمون كثيرون ذُّموا التورُّط في الغيرة، وتوكيل الريب والظنون بالمرأة؛ ومما سار من القول في ذلك، وحفل بوضوح الرأي فيه، قول مسكين الدارمي:
وإني امرؤ لا آلف البيت قاعداً ... إلى جنب عِرسي لا أفرطها شبرا
ولا مقسم لا أبرح الدهر بيتها ... لأجله قبل الممات لها قبرا
стр. 214
إذا هي لم تحصن أمام قبابها ... فليس بمنجيها بنائي لها قصرا
ولا حاملي ظني ولا قيل قائل ... على حائط حتى أحيك بها خبرا
فهبني امرؤ راعيت ما دمت شاهداً ... فكيف إذا ما سرت من بيتها شهرا
وقوله:
ألا أيها الغائر المستشيط ... علام تغار إذا لم تغر
فما خير عرس إذا خفتها ... وما خير بيت إذا لم يزر
تغار على الناس أن ينظروا ... وهل يفتن الصالحات النظر
فإني سأخلي لها بيتها ... فتحفظ لي نفسها أو تذر
إذا الله يعطه ودّها ... فلن يعطي الودّ سوط ممرّ
ومن ذا يراعي له عرسه ... إذا ضمه والمطي السفر
وقوله:
ما أحسن الغيرة في حينها ... وأقبح الغيرة في غير حين
من لم يزل متهماً عرسه ... مناصباً فيها بوهم الظنون
يوشك أن يغريها بالذي ... يخاف أو ينصبها للعيون
حسبك من تحصينها ضمها ... منك إلى خلق كريم ودين
لا تظهرن منك على عورة ... فيتبع المقرون حبل القرين
ولعمرك ما كان مسكين في شيء من سقوط الهمة؛ وفتور العزيمة، ولؤم الحسب
حتى يقال ضعف أن يملك امرأته فقال ما قال؛ فاللهم لا. فإنه هو السيد البطل الحكيم وحسبك منه قوله:
стр. 215
إذا قصرت أيدي الرجال عن العلا ... مددت لها باعاً عليا فنلتها
ومكرمة كانت رعاية والدي ... فعلَّمينها والدي فنقلتها
وإني سألقى الله لم أرم حرّة ... ولم تأتمني يوم سرّ فخنتها
ولا قاذف نفسي ونفسي بريئة ... وكيف اعتذاري بعد ما قد قذفتها
بل حسبك منه قوله:
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضر جاري إذ أجاوره ... ألا يكون لبيته ستر
أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الخدر
ويصم عما كان بينهما ... سمعي وما بي غيره وقر
السباء
كانت الحرب تعصف بالعرب ما شاءت أن تعصف، ثم تنكشف عنهم وهم بين قاهر محتكم ومقهور ذليل. ثم لا تسكن نأمتها، ولا يخف هديرها حتى يستبيح القاهر حمى المقهور، ويستاق نساءه حواسر الرؤوس، بين ذل الغربة، وعار السباء، وهو بعد ذلك إما مجمل يعتقهن فيتزوجهن، وإما بغيض منتقم يتخذ منهن رعاة الإبل، وجواري الخسف ما شاءت له ثائرة نفسه، وسموم حقده، وبين هذا وذاك يحال بينهن وبين ذويهن فلا يلقون بعدهن إلا الهوان.
وأي نكبة ثمرّ أشد عليها من أن تكون ناعمة في دارها، آمنة في سر بها، مبتهجة بين لداتها وعشيرتها ثم تمسى وقد سلها القاهر المستبيح من ذلك كله، وقادها إلى امرأة سَبية أسيرة تطلب رحمتها؛ وتسأل إنصافها.
كان ذلك أشد مواطن الرَّوع والفزع في حياة المرأة العربية. فلما دخل العرب
следующие страницы →