Полный текст (543 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
بوائق الغيرة
الغيرة ضرب من ضروب الأثرة، لا بد منه لحياطة الشرف، وصيانة العرض وهي مثار الحمية والحفيظة فيمن لا حمية ولا حفيظة له. وإنما تقبل - بل تجب - إذا خاف الرجل على شرفه أن ينثلم، وعرضه أن يهان. فأما أن تقتاد الرجل في كل آنة، وتفزعه في كل موطن، فهي خَبْل ووسواس، وأولى بها أن تدنى إليه الشر من حيث يتقيه. ولقد مُنى العرب في جاهليتهم باتقاد الغيرة حتى جاوزوا بها طورها. وحتى قادت فريقاً منهم إلى قذف زوجته في عرضها، لهاجس اعتاده، أو خلجة من الشك نفذت إليه. فرفعوا خصومتهم، واحتكموا في أعراضهم إلى فريق الكهان والكواهن، وهم بَشَر يقذفون الغيب برجم الظنون، فيخطئون ويصيبون.
وإن من أشد ضروب الوهم، وأفدح أثقال الظلم، أن ترى العربي يريد السفر، فيعمد إلى شجرة فيعقد بين غصنين منها، فإن عاد وكان الغصنان على حالهما، زعم أنها لم تخنه، وإلا فقد خانته. وذلك ما يسمونه بالرتيمة. كأن عرض المرأة، بل عرض الأسرة بل عرض الحي الذي نشأت المرأة بين ربوعه ودرجت بين مدارجه مُرْتَهن بغصنين تعصف بهما الريح، أو تعبث بهما الأيدي، فتفرق بينهما.
أما أسباب تلك الغيرة الموبقة، فقد قطعها الإسلام، إلا أن تكون عن علم وبينة فأما حكم الرّيب؛ واحتكام الشبهات فذلك ما ليس من الدين في شيء.
وقد فرض الله جل ذكره على من رمى امرأته في عرضها أن يشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، فيما قال وادعى. والخامسة أن لعنة الله عليه
стр. 212
إن كان من الكاذبين. فإن لم يصدع بتلك الشهادات الخمس. فعقوبته عقوبة قاذف المحصنات يجلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة أبداً، وهو الله من الفاسقين.
وهنالك حديثين حَدَّث بهما البخاري عن نبي الله ﷺ يكشفان عن
مواطن الغيرة حقها وباطلها، وما ورد من حكم الله ورسوله فيها.
فالأول حديث المغيرة قال:
قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلاً مع امرأتي لضربته بالسيف غير مُصْفحَ - أي غير مائل عرضاً - فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: أَتحبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه. والله أغير مني، وممن أجل غَيْرَة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وأما الثاني فحديثه عن أبي هريرة قال: إن رسول الله ﷺ جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود. فقال هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال ما ألوانها؟ قال: حُمْر. قال: أفيها أوْرق؟ قال: نعم. قال: فأنَّى كان ذلك؟ قال: أراهُ عِرْقٌ نزعه. قال: فلعل ابنك هذا نزعه العرق.
стр. 213
فانظر كيف شرع النبي ﷺ شرعة وَضَّاحة صافية لا مجال فيها لنزعات الوهم، وعثرات الوسواس، وكيف اتَّقاها ووَقى الناس شرها من التباس الشك واحتكام الظنون.
إن في دفع النبي ﷺ شر التهمة عن امرأة الأعرابي لدليلاً لا يقبل الشك على براءتها، وطهارة عرضها. فما كان الرجل فاعلا لو كان في عهد جاهليته ولم يهتد بِقَبس من نور النبوّة؟ ليس بين يديه إلا أن يفتك بها ويروي غليل نفسه بنقيع دمها، أو أن يتلمس العرّافين والمنجمين ليُلقوا إليه بالكلمة الحمقاء فيكون لها ما بعدها. وليس وراء الحالتين إلا عار الدهر، وذلّ الأبد.
لذلك تحامى المسلمون مواطن الظَن، ومداحض التهم، حتى عدُّ الاعتساف في الغيرة سِمَة من الحمق، لا يستحقٌ صاحبها أن يُسَوَّد أو يطاع. ومن ذلك ما قال معاوية ابن أبي سفيان: ثلاث من السؤدد: الصلع، واندحاق البطن، وترك الإفراط في الغيرة.
وقد ظهر في المسلمون كثيرون ذُّموا التورُّط في الغيرة، وتوكيل الريب والظنون بالمرأة؛ ومما سار من القول في ذلك، وحفل بوضوح الرأي فيه، قول مسكين الدارمي:
وإني امرؤ لا آلف البيت قاعداً ... إلى جنب عِرسي لا أفرطها شبرا
ولا مقسم لا أبرح الدهر بيتها ... لأجله قبل الممات لها قبرا
стр. 214
إذا هي لم تحصن أمام قبابها ... فليس بمنجيها بنائي لها قصرا
ولا حاملي ظني ولا قيل قائل ... على حائط حتى أحيك بها خبرا
فهبني امرؤ راعيت ما دمت شاهداً ... فكيف إذا ما سرت من بيتها شهرا
وقوله:
ألا أيها الغائر المستشيط ... علام تغار إذا لم تغر
فما خير عرس إذا خفتها ... وما خير بيت إذا لم يزر
تغار على الناس أن ينظروا ... وهل يفتن الصالحات النظر
فإني سأخلي لها بيتها ... فتحفظ لي نفسها أو تذر
إذا الله يعطه ودّها ... فلن يعطي الودّ سوط ممرّ
ومن ذا يراعي له عرسه ... إذا ضمه والمطي السفر
وقوله:
ما أحسن الغيرة في حينها ... وأقبح الغيرة في غير حين
من لم يزل متهماً عرسه ... مناصباً فيها بوهم الظنون
يوشك أن يغريها بالذي ... يخاف أو ينصبها للعيون
حسبك من تحصينها ضمها ... منك إلى خلق كريم ودين
لا تظهرن منك على عورة ... فيتبع المقرون حبل القرين
ولعمرك ما كان مسكين في شيء من سقوط الهمة؛ وفتور العزيمة، ولؤم الحسب
حتى يقال ضعف أن يملك امرأته فقال ما قال؛ فاللهم لا. فإنه هو السيد البطل الحكيم وحسبك منه قوله:
стр. 215
إذا قصرت أيدي الرجال عن العلا ... مددت لها باعاً عليا فنلتها
ومكرمة كانت رعاية والدي ... فعلَّمينها والدي فنقلتها
وإني سألقى الله لم أرم حرّة ... ولم تأتمني يوم سرّ فخنتها
ولا قاذف نفسي ونفسي بريئة ... وكيف اعتذاري بعد ما قد قذفتها
بل حسبك منه قوله:
ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر
ما ضر جاري إذ أجاوره ... ألا يكون لبيته ستر
أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الخدر
ويصم عما كان بينهما ... سمعي وما بي غيره وقر
السباء
كانت الحرب تعصف بالعرب ما شاءت أن تعصف، ثم تنكشف عنهم وهم بين قاهر محتكم ومقهور ذليل. ثم لا تسكن نأمتها، ولا يخف هديرها حتى يستبيح القاهر حمى المقهور، ويستاق نساءه حواسر الرؤوس، بين ذل الغربة، وعار السباء، وهو بعد ذلك إما مجمل يعتقهن فيتزوجهن، وإما بغيض منتقم يتخذ منهن رعاة الإبل، وجواري الخسف ما شاءت له ثائرة نفسه، وسموم حقده، وبين هذا وذاك يحال بينهن وبين ذويهن فلا يلقون بعدهن إلا الهوان.
وأي نكبة ثمرّ أشد عليها من أن تكون ناعمة في دارها، آمنة في سر بها، مبتهجة بين لداتها وعشيرتها ثم تمسى وقد سلها القاهر المستبيح من ذلك كله، وقادها إلى امرأة سَبية أسيرة تطلب رحمتها؛ وتسأل إنصافها.
كان ذلك أشد مواطن الرَّوع والفزع في حياة المرأة العربية. فلما دخل العرب
стр. 216
في
دين الله أفواجا، وأصبحوا بنعمته إخواناً، حرم عليهم السباء، فلا يحل للمسلم أن يسبي المسلمة مهما عصفت بالقوم عواصف الفتن، وفَرَّتهم شُعب الأهواء.
ولما سار خالد بن الوليد إلى حرب المرتدين في عهد أبي بكر ﵁ غدا على مالك أبو بكر وكان قد منع الزكاة إذا سمع صوت المؤذن في قوم أن يكف عن قتالهم فأذَّن مؤذن مالك، وخشي خالد خدعة الحرب، فقاتل مالكا وقتله، وانتزع زوجه واتخذها زوجاً له، فأثار ذلك حفيظة عمر بن الخطاب. وهاج غضبه، وقال لأبي بكر: اقتل خالداً، فقد قتل مسلماً وزنى بمسلمة، فقال أبو بكر: إن خالداً تأوّل فأخطأ ولا أشيم سيفاً سلّه الله على الكافرين فلولا ثقة أبي بكر بإيمان خالد، وإيمانه بصفاء دينه، وقوة يقينه، وأن رسول الله ﷺ قال فيه: إنه سيف من سيوف الله. لولا ذلك كله لما حمل عمله على خطأ الاجتهاد ولما جاوز فيه رأي صاحبه.
ولقد ذاع الإسلام وبين أيدي العرب جوار من سباء الجاهلية، فأولئك أقرهم الله عليهن بمثل قوله: (فإنْ خفْتُم أَلاَّ تَعْدلِوا فَواحدةً أوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ).
على أنه جل ذكره حبب إليهم تحرير الرقاب، ورغبهم ترغيباً شديداً في افتكاكها ورفع رقها. بطرق ثلاث:
الأولى - أنه جعل أسمي ما يتقرب به الإنسان إليه، شكراً له على جليل
стр. 217
نعمه، وجزيل إحسانه، فذلك حيث يقول جل ذكره: (ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنَ ولساناً وشَفَتَيْنَ وهدَيْناه النّجْدَيْنَ فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَو إِطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتيماً ذا مَقْرَبَةٍ أوْ مَسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ).
الثانية - أنه تبارك آلاؤه، اختص تحرير الرقاب بسهم من ثمانية أسهم من الأرقاء، أعني أنّ الإمام إذا اجتمعت له أموال الزكاة أفراد مها جزءا لفكَ الرقَذ
عن الأرقاء. فذلك حيث يقول سبحانه. (إنّمَا الصَّدَقَاتُ للِْفُقَراءِ والمَساكِين والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفي الرَّقابِ والغارِمِين وفي سبيل اللهِ وابْنِ السَّبيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ واللهُ عَلِيم حَكيِمٌ).
الثالثة - أنه جعل تحرير الرقاب في مقدمة كفارات كثيرة، عن جرائم تجترم. فقال في كفارة الظهار: (والَّذِين يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهم ثَّمَّ يَعُودُون لمَا
стр. 218
قالُوا فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ يَتَماسَّا).
وقال في كفارة اليمين. (لاَ يُؤاَخِذُ كُم اللهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمانِكُمْ ولكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدُتُم الأَيمانَ فكَفَّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكيِن مِنْ أوسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ أوْ كِسْوَتُهُمْ أو تَحرِيرُ رَقَبَةٍ).
كذلك أوسع رسول الله ﷺ القول في فضل تحرير الرقاب وأنه خير ما يقرّب العبد من الله ويفيض نعمته عليه. ومن قوله ﷺ في ذلك: إيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران. وقال ﵊: أيما رجل أعتق امرأ مسلماً استنقذ الله بكل عضو منه عضواً من النار.
على ذلك تتابع المسلمون وهم ينخلعون عما ملكت أيديهم بعضه أو جميعه تقرباً إلى الله وشكراً له، ومجلبة لرحمته، واستدفاعاً لسخطه. ومنهم من كان يطوف على غلاظ الأكباد من السرة يشتري منهم عبيدهم وإماءهم ليحرّرهم ويرفع رقهم في سبيل الله ومن هؤلاء أبو بكر الصديق ﵁. ومنهم من خرج عن عبيدة وإمائه جميعاً مؤثراً طاعة الله ورضاه، على نعيم دنياه.
ولئن سارع رجال المسلمين إلى تحرير الرقاب، لقد كان نساؤهم أطول بذلك يدا، وأسخى نفسا. وأروح قلبا. فما جَدّت نعمة، أو تكشفت حادثة أو عارضهن ريب الأمر، أو نزعوا إلى رحمة من الله، إلا وعتق الرقاب بادرة خواطرهن، وسابقة
إيمانهن. فقد تحللت عائشة أم المؤمنين من يمين أقسمتها بعشر من الجواري أعتقتهن.
стр. 219
وكانت أسماء بنت أبي بكر إذا أحست بدبيب المرض خرجت عن إمائها جميعاً وإن من ابتغاء الشطط أن يأتي القلم على إجمال ما أطلق المسلمات من إمائهن تأنقاً في الشكر، وتفريجاً للضر، وزلفى إلى الله.
كذلك كان تحرير الرقاب مظاهر البر. وأوضح مواطن الخير عند الموسرين من المسلمين. كذلك أخذ الدين جماعة المؤمنين بالنزول عما ملكت أيديهم راضين مطمئنين، فإن لم يكن عتق، فرحمة، وإخاء، ورعاية حق، وبذل معونة.
وما رأينا النبي الكريم تعاهد برحمته ووَصاته جماعة من المسلمين بمثل تعاهد جماعة الغلمان والجواري، حتى كان آخر ما أوصى به: الصلاة وما ملكت أيمانكم
ولقد كان ﵊ يجعل عتق الجارية فداء لها من لطمة تصيبها وهل تجد في قديم الأمم وحديثها من منع عسف الرق، ورفع شأن الأرقاء مثل رسول الله محمد بن عبد الله في قوله ﷺ : اتقوا الله في خولكم، فإنهم أشقاؤكم، لم ينحتوا من جبل، ولم ينشروا من خشب. أطعموهم مما تأكلون، وأكسوهم مما تلبسون، واستعينوا بهم في أعمالكم، فإن عجزوا فأعينوهم، فإن كرهتموهم فبيعوهم ولا تعذبوا خلق الله. وقوله ﵊: إذا أتى أحَدَكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه معه فليطعمه أكلة أو أُكلتين ولي علاجه وقوله ﷺ : لا يقُلْ أحدكم عبدي، أَمَتي، وليقل فتاي وفتاتي.
وأي مولاة قوم أو مولى لهم يسمع قوله ﷺ : للمملوك الصالح
стр. 220
إذا نصح سيده وأخلص عبادة ربه أجران ثم لا يخفق قلبه غبطة وابتهاجاً بما سيضاعف له الله من أجر السراة الأحرار في الآخرة
توريث البنات
سنة من سنن العرب أن النساء لا يؤول إليهن من ميراث الرجال شيء. وكانوا يقولن في ذلك لا يرثنا إلا من يحمل السيف ويحمي البيضة. فإذا مات ورثه ابنه، فإن لم يكن فأقرب من وجد من أوليائه أبا كان أو أخاً أو عمَّا. على حين يضم بناته ونساءه إلى بنات الوارث ونسائه. فيكون لهن ما لهن، وعليهن ما عليهن. حتى جاء الإسلام فَصَدع ذلك الضرب من الظالم، واختص النساء بنصيب مما ترك الرجال. فذلك جل ذكره (للِرَّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَركَ الوَالِدنِ والأَقْرَبُونَ وللِنَّسَاءِ نَصِيبٌ مما تَرَكَ الْوَالِدانِ والأَقْرَبونَ مِماَّ قَلَّ مِنْهُ أو كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً).
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلام أبر وأرحم بالبنت من أبيها. وإن فيما حَدث البخاري عن سعد بن أبي وقاص لبلاغاً لقوم يعقلون.
стр. 221
قال سعد: مرضت بمكة كرضاً أشفيت منه على الموت، فأتاني النبي ﷺ يعودني. فقلت: يا رسول الله، إن لي مالا كثيراً، وليس يرثني إلا ابنتي أفأتصَدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر؟ قال: الثلث؟ قال الثلث كبير. إنك إن تركت ولدك أغنياء، خير من أن تتركها عالة يتكففون الناس. وإنك لن تنفق نفقة إلا أُجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها في امرأتك.
فأية امرأة تلك إذا مات أبوها تنتقل إلى بيت عمها، وقد صفرت يدها مما كانت تتمتع به من عز ومال، ثم تصبح فتجد من صاحب الشريعة ﷺ تلك الرعايا العالية، وتستظل من قوله بتلك الظلة السابغة؟
ذلك مجمل ما اهتضمته العرب في عهد جاهليتهم من حقوق المرأة، على وفر نُبلها، وسماحة فضلها يومذاك. أسبغه الإسلام عليها، فأزال شكاتها، وأنصف مظلمتها.
وإلى هذه الحقوق حقوق كانت لها، فزادها الإسلام تأييداً وتعزيزاً. ونفث فيها من روحه فأصبحت ديناً راسخاً، وحكماً نافذاً؛ ويقيناً مكيناً. وتلك التي نبدأ فنفي بها.
стр. 222
حقوق المرأة في الإسلام
هي والرجل
المرأة بين يدي الإسلام قسيمة الرجل، لها من الحق ما له، وعليها ما عليه ولا فضل إلا أن يقوم الرجل بماله من قوة الَجلْدَ، وبسيط اليد، واتساع الحيلة، فيلي رياستها. فهو بذلك وليها، يحوطها بقوّته، ويذود عنها بدمه، وينفق من كاسب يده. فأما فيما سوى ذلك، فهما في السراء والبأساء على سواء.
ذلك ما أجمله الله، وضم أطرافه، وجمع حواشيه بقوله تباركت آيته: (ولَهنَّ مِثْلُ الذِي عَليْهِنَّ بالمعْرُوفِ وللِرَّجالِ عَليْهِنَّ دَرَجَة).
تلك هي الرعاية والحياطة لا يتجاوزها إلى قهر النفس، وجحود الحق.
وفي سبيل تلك التسوية الشاملة، جعل الله الخبيثات أكفاء الخبيثين، والطيبات أكفاء الطيبين. فإذا تم للناس أن يكونا كذلك فلا نزاع بين زوجين. لأن شر الخبيثين يدفع بعضه بعضا، ويطمس بعضه آثار بعض، فيكون كل على حَذَر من صاحبه.
فإني رأيت الشر للشر ما حيا ... كما خط في القرطاس سطر على سطر
أما الطيبان فأين للشر أن يدب بينهما، أو يجد السبيل إليهما؟
وكما قرن الله بينهما في شؤون الحياة كذلك قرن بينهما في حسن المثوبة وادَّخار الأجر، وارتقاء الدرجات العلى في الآخرة.
فإذا احتمل الرجل نار الهجير، واصطلى جمرة الحرب، وتناثرت أوصاله تحت
стр. 223
ظلال السيوف، فليس ذلك بزائد مثقال حبة المرأة إذا وفت لبيتها وأخلصت لزوجها، وأحسنت القيام على بنيها. وفي حديث مسلم عن أسماء بنت يزيد الأنصاري ما ينبئك أنّ بعض ما قلناه يعدل الرجل كله. قال:
إن أسماء أتت النبي ﷺ وهو بين أصحابه فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله. أنا وافدة النساء إليك. إنّ الله بعثتك إلى الرجال والنساء
كافة، فآمنا بك وبإلهك. إنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجُمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله . وإنّ أحدكم إذا خرج حاجاً. أو معتمرا، أو مجاهدا. حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفنُشارككم في هذا الأجر والخير؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه بوجهه كلمة ثم قال: هل سمعتم مسألة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه؟ فقالوا. يا رسول الله ما ظننا أنّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا!. فالتفت النبي ﷺ إليها فقال: افهمي أيتها المرأة وأعلمي مَنْ خلفك من النساء، إنّ حسن تبعل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، يعدل ذلك كله.
فانصرفت المرأة وهي تُهلل، حتى وصلت إلى نساء قومها من العرب، وعرضت عليهن ما قاله لها رسول الله ﷺ ففرحن وآمن جميعهن.
стр. 224
وقد عز على النساء أن يكون وقت النبي ﷺ للرجال دونهن فسألته أن يختصهن بيوم من كل أسبوع. فأجابهن ﷺ إلى ما طلبن. فإذا كان يومهن غدون على رسول الله. فجلسن إليه، فأَقبل عليهن، يجيب السائلة، ويهدي الحائرة، ويأخذ بأيديهن جميعاً إلى النهج القويم، والصراط المستقيم.
وكلن ﷺ في مجلسه هذا على أتم ما يكون من الرحمة والرفق فلا يشق عليهن، ولا يكلفهن فوق ما تحتمل نفوسهن.
أخذ عليهن عند مبايعته لهن ذات مرة ألا يُنحْنَ على الموتى، فقالت عجوز ممن حضرن يا رسول الله إن ناساً أسعدوني على مصيبة أصابتني؛ وأنهم أصابتهم مصيبة، فأنا أريد أسعدهم. قال انطلقي فأسعديهم. فذهبت ثم عادت فبايعته.
وأستأُذن عليه عمر بن الخطاب وهن بين يديه، فابتدرن الحجاب. فلما دخل عمر تبسم رسول الله ﷺ . فقال عمر: بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما يضحكك فقال رسول الله ﷺ رآك النساء فتبادرن الحجاب. فالتفت عمر إليهن وقال: يا عدوات أنفسهن تَهبْنَني ولا تهبن رسول الله؟ قلن: أنت أفظ وأغلط من رسول الله.
ومن أبدع مظاهر رفق الله ورسوله بالنساء، أنه ﷺ وقف بينهن وقد جئن يبايعنه على أن يأتمرن بأوامر الله ويجتنبن نواهيه؛ فقال ﵊: فيما استطعتن وأطقتن. فقالت الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا.
أما حياته ﷺ في بيته بين نسائه فقد كانت المثل الأعلى في المؤادة والموادعة، والمواتاة؛ وترك الكلفة، وبذل المعونة؛ واجتناب هُجر الكلام ومره. وهو الذي يقول: خيركم لأهله؛ وأنا خيركم لأهلي
стр. 225
وسئلت عائشة ما كان النبي ﷺ في بيته؟ فقالت كان في مهنة أهله حتى يخرج إلى الصلاة. تريد بذلك أنه يعاونهن ويعمل عهن.
وكان من التبسط ورفع الكلفة إلى حد أن يستبق هو وامرأته. كما حدثوا عن عائشة ﵂.
وكانت فاطمة بنت رسول الله تتولى الطحين والعجين بينما علي رضى الله عنه ينزع الماء ويحتمله ويهيئه.
وكما كان الرجل يجاذب المرأة أمْرَ العمل. وتدبير المنزل. كذلك كانت تجاذبه شؤون العالم. وجد الحياة.
ففي ساحات الوغى؛ وبين مشتجر القنا. وتحت ظلال السيوف. كانت المرأة تسير مع الرجل جانباً لجنب؛ تروي ظمأه. وتأسو جرحه. وتجبر كسره وترقأُ دمه وتثير حميته وتهيج حفيظته. وربما شبت حَر القتال؛ واصطلت جمرة الحرب،
وصالت بين الصفوف وعرضت نحرها للحتوف؛ وصدرها للسيوف. فكانت لها مواطن صادقات؛ ومواقع صالحات؛ سنخصها بشيء من القول في مواطن آخر إن شاء الله.
وقد طويت صحف السيَّر والسُّنن والتاريخ على كثير من فضليات النساء خرجن في رفقة رسول الله إلى غزواته ليداوين المرضى. ويأَسون الجرحى. ويسقين الماء، ورحن بأجر المجاهدين في سبيل الله. وإليك طائفة من أسمائهن وأعمالهن:
١ - فمنهن أمية بنت قيس الغفارية قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من بني غفار؛ فقلنا: يا رسول الله قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك
стр. 226
هذا - وهو يسير إلى خيبر - فنداوي الجرحى، ونعين المسلمين بما استطعنا. فقال: على بركة الله.
٢ - أم سنان الأسلمية: جاءت إلى رسول الله وهو خارج إلى خيبر فقالت: يا رسول الله أخرج معك في وجهك هذا، أخرز السقاء، وأداوي المريض والجريح إن كانت جراح - ولا تكون - وأبصر الرّحل. فقال رسول الله: أخرجي على بركة الله، فإن لك صواحب قد كلمتني وأذنت لهن من قومك ومن غيرهم، فإن شئت فمع قومك، وإن شئت فمعنا. قلت. قال: فكوني مع أم سلمة زوجتي. قالت: فكنت معها.
٣ - حَمْنَة بنت جحش: أخت أم المؤمنين زينب. حضرت أُحُداً. وكانت تروي الظَِّماء، وتأسوا الجراح.
٤ - أم أيمن: مولاة رسول الله وحاضنته. حضرت أُحدُاً. وكانت تسقي العطشى، وتداوي الجرحى.
٥ - كُعَيْبة بنت سعد الأسلمية: تقام لها خيمة في المسجد، تداوي فيها المرضى، وتأسو الجرحى. وكان سعد بن معاذ حين رمى يوم الخندق عندها تداوي جراحه،
حتى مات ﵁.
стр. 227
٦ - الرُّبَيّع بنت معوذ. قالت: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ونسقي القوم ونخدمهم، ونداوي الجرحى، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة وأشباه أولئك ونظائرهن كثير.
كذلك كان أمرها فيما سوى الحرب من العظائم. فقلما رأينا عظيماً من عظماء المسلمين لم يصدر في كثير من المواطن عن رأي المرأة.
فكث عليه وسلم يصدر عيراً ما كان رسول الله صلى
فكثيراً ما كان رسول الله ﷺ يصدر عن رأي زوجه خديجة ﵂. وكمثل ذلك صدور عبد الله بن الزبير عن رأي أمه أسماء، وصدور الوليد بن عبد الملك عن رأي زوجه أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، وصدور السفاح عن رأي زوجه أمّ سَلَمَة، صدور الرشيد عن رأي زوجه زبيدة وأمثال هؤلاء في الإسلام جمّ كثير.
وإنا لذاكرون في هذا الموطن موقف الحجاج من أم البنين حين أشار على الوليد بن عبد الملك بالامتناع عن مجاذبة النساء سياسة الملك وتدبير الحروب.
قال ابن عبد ربه:
قدم الحجاج على الوليد بن عبد الملك وعليه درع وعمامة سوداءَ وقوس عربية، وكنانة. فبعثت إليه أم البنين: من هذا الأعرابي المستلئم في السلاح عندك وأنت في غِلالة؟ فبعث إليها: هذا الحجاج بن يوسف. فأعادت الرسول إليه تقول، واله لأن يخلو بك ملك الموت أحب إلىَّ من أن يخلو بك الحجاج، فأخبره
стр. 228
الوليد بذلك وهو يمازحه. فقال: يا أمير الممنين دع عنك مفاكهة النساء بزخرف القول، فأما المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة. فلا تطلعها على سرك. ومكايدة عدوك. فلما دخل عليها أخبرها بمقالة الحجاج. فقالت: حاجتي أن تأمره غداً يأتيني مسلماً.
ففعل ذلك. فأتاها الحجاج. فحجبته، فلم يزل قائما. ثم قالت له؛ إيه حجاج! أنت الممتن على أمير المؤمنين بقتلك عبد الله بن الزبير وابن الأشعث؟ أما والله أنّ الله علم أنك شرار خلقه، ما ابتلاك برمي الكعبة، وقتل ابن ذات النطاقين، أوّل مولود في الإسلام، وأمّا نهيك أمير المؤمنين عن مفاكهة النساء، وبلوغ أوطاره منهنّ، فإن كنّ ينفرجنّ عن مثلك، فما أحقه بالأخذ عنك وإن كنّ ينفرجن عن مثله، فغير قابل لقولك. أما والله لقد نَفَضَ كساء أمير المؤمنين الطيب عن غدائرهنّ. بعثك في أعطية أهل الشام حتى كنت في أضيق من الفْرق، قد أضْلتك رماحهم، وأثخنتك صفاحهم، وحتى كان أمير المؤمنين أَحب إليهم من آبائهم وأبنائهم. فما نجاك الله من عدوّ أمير المؤمنين إلا بحبهم إياه.
ولله درّ إذا نظر إليك، وسنان غزالة بين كتفيك:
أسد علّى وفي الحروب نعامة ... ربداء تجفل من صفير الصافر
стр. 229
هلاَّ برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر
صدعت غزالة جمعه بعساكر ... تركت كتائبه كأمس الدابر
ثم قالت: اخرج فخرج مذموماً مدحورا!. . .
على أن للمرأة حالتين أَبَرَّتْ فيهما - بحكم الإسلام وشهادته - على الرجل وهاتان هما حالتا الأمومة والزوجية، وهما أمثل حالات المرأة، وأظهرها لكرم خلالها وجلال سجاياها، وأنهضها ببناء الكون، وأتما لنعمة الله على الإنسان.
فأما أولى الحالتين، فشاهدها ما حدث البخاري عن أبي هريرة قال:
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمَك. قال ثم من؟: قال أمّك: ثم من؟ قال: أبوك.
فانظر كيف أنّ صاحب الشريعة ﷺ آثرها بتقديم القول، ثم لم
يكفه ذلك في بيان ما لها من فضل السبق، وشرف المنزلة، فاختصها من قلب ولدها بثلاثة أضعاف نصيب أبيه منه.
وأمّا الثانية فشاهدها ما ذكره ابن سعد في حديث حَمْنة بنت جحش قال:
قام النساء حين رجع رسول الله من أُحُد يسألن الناس عن أهلهن فلم يُخْبَرْن حتى أتين رسول الله صلى اله عليه وسلم، فلا تسأله واحدة إلا أخبرها. فجاءته حَمنة بنت جحش. فقال: يا حمنة، احتسبي أخاك عبد الله بن جحش. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ﵀ وغفر له. قم قال: يا حمنة احتسبي خالك حمزة ابن عبد المطلب. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ﵀ وغفر له. ثم قال يا حمنة احتسبي زوجك مُصعب بن عمير. فقالت: يا حرباه. فقال النبي صلى الله عليه
стр. 230
وسلم: إن للمرأة لَشُعْبة من الرجل ما هي له في شيء.
ولعمرك إن في قول رسول الله لبلاغاً أوثرت المرأة به وأبرت فيه من فرط الحنو على زوجها، وفضل الوفاء له بعد موته.
ذلك موقف الرجل والمرأة من الشريعة الإسلامية. وهو شهيد بأنهما قسيمان في تدبير المنزل وشئون الحياة وعند الله وبين يدي رسول الله.
كرامتها
لئن قرن الإسلام بين الرجل والمرأة في عامة المواطن لقد عرف نصيبها من رقة القلب، ودقة الوجدان. وأنها مناط شرف الرجل، ومواطن عرضه، فاختصها بنصيب من الحرمة والكرامة لم يظفر بمثله نظراؤها من الرجال.
إن كرامة المرأة في الإسلام تتناول شخصها وسيرتها، وتشمل مشهدها ومغيبها. فمن حقها أن تكون هي في موطن الرعاية والعناية، وان يكون اسمها بمنجاة من لغو القول، ومنال اللسان.
لقد كانت المرأة في عهد الإسلام - كما كانت في الجاهلية - تجير الخائف وتفك
العاني، وذلك كله إلى تجِلَّة واحترام، بلغت منهما غايتهما.
فقد أجارت أم هانئ بنت أبي طالب رجلين من أحمأها كتب عليهما القتل، وذلك بحمل حديثها في سبيل ذلك. قالت:
لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة فرَّ إلى رجلان من أحمائي من بني مخزوم. فدخل علىَّ عليٌّ بن أبي طالب أخي فقال: والله لأقتلنهما. فأغلقت عليهما باب بيتي: ثم جئت رسول الله ﷺ ، فقال: مرحباً وأهلاً
стр. 231
يا أم هانئ ما جاء بك فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي. فقال: قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ وأمّنّا مَّنْ أمّنت فلا يقتلهما.
وافتكت زينب بنت رسول الله إسار زوجها في الجاهلية أبي العاص بن الربيع - وكان من أسرى بدر - فأطلق بغير فداء ورُد عليه ماله. على أصِلتها به، وزواجها منه قد فصلهما الإسلام قبل ذلك
стр. 232
وكم كانت فاطمة بنت رسول الله إذا أهَلَّتْ مقْبلة على أبيها قام لها عن مجلسه وأخذ يدها فقبلها.
أما كرامة سيرتها، وصيانة اسمها، فذلك ما لا نحسب شريعة من الشرائع حاطتهما بمثل حياطة الإسلام لهما. وحسبك أن الله اشتد في كتابه الكريم على قاذفي النساء في أعراضهن بأشد مما اشتدّ على القتلة وقطاع الطريق، فقد قال في سورة النور: (والذِينَ يَرمْقُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ يَأْتُوا بِأَرْبَعةِ شُهَدَاءَ فاْجلِدُوهُم ثَمَانِينَ جَلدَةً ولا تَقْبَلوا لَهمْ شَهَادَةً أَبَداً وأُولئِك هُمُ الفَاسِقون).
فجعل للقاذف عقوبة ثمانين جلدة ثم دعم هذه العقوبة بأخرى أشد وأخزى، وهي اتهامه أبد الدهر في ذمته، واطرح شهادته، فلا تقبل له شهادة أبدا ثم وسمه بعد ذلك بِسمَة هي شر الثلاثة جميعاً، وهي سمة الفسق، ووصمة الفجور.
لم يكن كل ذلك عقاب أولئك الأئمة الجناة، فقد عاود الله أمرهم بعد ذلك بما هو أشد وأهول من تمزيق ألسنتهم فقال:
(إِنَّ الذِينَ يَرْمُونَ المحْصَنَاتِ الغَافِلاتِ المٌؤمْناتِ لعِنُوا في الدُّنيَا والآخِرَةِ ولَهمْ عَذَابٌ عَظيمٌ، يَوْمَ تشْهَدٌ عَلَيْهِمْ أَلسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهم وأَرْجُلهُمْ بِما كانوا يَعْملُون، يَوْمَئذٍ يوَفَّيهِمُ اللهُ دِينَهُمْ ويَعْلَمون أَنّ هُوَ الحقَُّ المبين).
وإن في حديث الإفك، وما فاض الله في شأنه. لموعظة وذكرى لقوم يعقلون. فإن ناساً لم يبرءوا بعد من وضر الجاهلية نالوا من اسم عائشة أم المؤمنين بألسنتهم، وأعقبهم جماعة المنافقين فذهبوا بالقول كل مذهب، واحتجز بقية
стр. 233
المؤمنين أنفسهم عن الخوض حيث يخوض الناس. فأنزل الله في سبيل ذلك تلك الآيات الكريمة، تبرئة للمرأة الطاهرة. وفيها أهال سخطه لعنته على المرجفين وأرسل لومه وتأنيبه لمن سواهم ممن سمعوا قولهم فلم يردوهم، ولا برئوا إلى الله منهم قال جلت آياته:
(إِنَّ الذِينَ جاءوا بالإْفكِ عُصْبَة مِنكُم لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لكُم بَل هُو خَيْر لكُم، لِكُلَّ امْرِئٍ مِنْهمْ ما اكتَسَبَ مِن الإثْم والذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لهَ عَذابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوه ظنَّ المؤمِنونَ والمؤْمِناتُ بأَنفُسِهمْ خَيْراً، وقالوا هذا إِفكٌ مُبين، لولا جَاءوُا عَلْيهِ بأَرْبَعةِ شُهَداءِ فإذْ لمْ يأْتُوا بالشُّهَدَاءِ فأُولئِكَ عنْدَ الله هُم الكاذِبون، ولوَلا فضْل الله عليْكُم ورْحَمتُهُ في الدُّنيا والآخِرةَ لَمَسَّكُم فيما أَفْضُّتمْ فيهِ عذَابٌ عظِيم، إِذ تلقَّوْنهُ بأَلسنَتِكمُ وتقولُون بأَفواهِكم ما ليْسَ لكم بهِ عِلْم وتَحَسبونهُ هيَّناً وهو عندَ الله عَظِيم، ولَولا إِذ سَمِعْتُمُوهُ قُلتُم ما يكُونُ لنَا أَن نتكّلَّمَ بِهذَا سُبحَانكَ هذا بُهتَان عَظِيم يَعِظكُمُ الله أن تعودُوا لِمثْلِه أَبَدا إِن كنْتمْ مُؤمِنين، ويُبيَّنُ الله لكم الآيات والله عليم حَكِيم، إِن الذِينَ يُحبونَ أَن تشيع الفَاحشَةُ في الذِينَ آمنوا لَهْم عذَابٌ أَلِيم في الدُّنْيا والآخِرَةِ والله يعْلمُ وأَنتم لا تعْلَمونَ، ولَولا فْضل اللهِ عَليْكُمْ ورحْمَتُهُ وأَنَّ اللهَ رؤُوف رحِيمٌ).
ذلك قول الله وحكمه في طغَمَة الأفاكين المرجفين. الذين يحبون أن تشيع الفاحشة بين الناس، فلا يزالون يلهثون، يبتغون بألسنتهم ما أكنته البيوت من أعراض الحرائر. فهل يسمع حفدتهم وورثتهم وهم قوم شَجى بهم حلق هذا البلد،
стр. 234
وضاق صدره وأظلم المشرق من جوّه؟ ينفس الرجل منهم على الرجل علمه، أو ينقم منه رأيه، أو يحقد عليه ظهور أمره ونباهة شأنه، فلا يجد وسيلة للنيل منه، إلا أن يلغ في عرضه، ويعيث في كرامة أهله. وربما أبصر الرجل منهم عرضه مصدوعاً، وشرفه مشدوها. فلا سبيل له إلا أن يتخذ لسانه كشباة العقرب، يصيب به يميناً وشمالا، عساه يدرأ عنه العيون المحدقة ويكف دونه غرب الألسنة المتوثبة. وسواء أحقت تلك الأراجيف أم أفكت، فإن ذيوعها في أمة من الأمم مما يؤول إلى سوء القدوة، وضعف النخوة وإغضاء العين على القذى، وتوطين النفس على المهانة، أسوة بمن قيل فيهم، وتعلة بمن سمع عنهم.
وبعد فقد درج المسلمون بعد أن سمعوا من آيات الله ما سمعوا على تنزيه المرأة وتكرمة اسمها، وصيانة سيرتها، واتهام أنفسهم دون اتهامها، فقد مَرّ عمر بن الخطاب في هدأة من الليل، بدار إحدى نساء المدينة، فسمعها تتغنى بقولها:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
فلم يعد - وهو أمضى المسلمين في ذات الله - إلا إلى نصر بن حجاج - وكان كأجمل الناس وجها - فنفاه إلى البصرة حتى لا تتمناه امرأة غير هذه.
وكانت في رجال قريش صرامة على نسائهم. ومنهم من كان يعمد إليهن بالأذى فأمّا رسول الله ﷺ فما ضرب في حياته امرأة ولا خادماً. وهو الذي يقول: اتقوا الله في النساء واستوصوا بالنساء خيراً وكان كأغضب ما يكون إذا سمع بامرأة يضربها زوجها.
стр. 235
وقد حَدَّث ابن سعد في طبقاته جاءت امرأة إلى النبي ﷺ قد
ضربها زوجها ضرباً شديداً. فقام رسول الله فأنكر ذلك وقال: يظل أحدكم يضرب امرأته ضرب العبد، ثم قال يظل يعانقها ولا يستحي. وحدّث هو أيضاً فقال: إن رسول الله ﷺ نهى عن ضرب النساء. فقيل: يا رسول الله إنهن قد فسدن. فقال: اضربوهن ولا يضرب إلا شراركم. وتلك لعمري أشد وأوكد من المنع ومن ذا الذي يرضي أن يحتسب عند الله ورسوله من الأشرار؟
على أثر ذلك انقطعت تلك السنة الموبقة من قريش، فلم يقترفها إلا رجل لا يأبه بشرع، ولا يركن إلى دين، أما أَهل المدينة من الأوس والخزرج فكأنهم قد خلقوا من طبع رسول الله ومودته ورحمته. فكانوا من أشد الناس تكرمة لنسائهم ورفقاً بهن. بل لقد كانت لهن بينهم صولة لا تقهر، وسلطان لا يرام. وقد تأثرت طباع المسلمين جميعاً بطباع أنصار رسول الله، لمنزلتهم من الدين، مكانهم من عاصمة الإسلام. كما ريضت نفوسهم بقول نبيهم الكريم، ﷺ . فتجملوا بمواتاة زوجاتهن وموادعتهن، وكف الأذى عنهن. وفي ذلك يقول شُريح صاحب قضاء المسلمين في عهد عمر بن الخطاب ومن أعقبه من الخلفاء:
رأيت رجالا يضربون نساءهم ... فُشلت يميني حين أضرب زينبا
ولم يقف الإسلام من كرامة المرأة ورعايتها موقف المكتفي بكف الأذى عنها فحسب بل كان مما سنه رسول الله ﷺ ترفيها، والحرص على سرورها واجتلاب ما يفرحها، ويشرح صدرها. فقد أذن رسول الله ﷺ لفتيان الحبشة فلعبوا بحرابهم بين يديه في المسجد، ودعا عائشة رضي
стр. 236
الله عنها فوطأ لها عاتقه وحاط وجهها بيده وأشهدها ذلك المنظر البهيج فلا تزال ترقبه حتى تسأم، فتتركه، ثم تعود إليه.
وحدّثت عائشة أنّ أبا بكر دخل عليها وبين يديها قينتان تغنيان وتلعبان بالدف يوم العيد، وعلى مقربة منها رسول الله ﷺ . فانتهزها أبو بكر. فقال
رسول الله ﷺ : دعها يا أبا بكر، فإنّ لكل قوم عيدا، وهذا عيدنا.
وروى ابن عبد ربه عن عائشة: أن رسول الله ﷺ دخل عليها فقال: أهديتم الفتاة إلى بعلها؟ قالت: نعم. قال: فبعثتم معها من يغني؟ قالت: لا. قال: أو علمت أنّ الأنصار قوم يعجبهم الغزل؟ ألا بعثتم معها من يقول:
أتيناككم أتيناكم ... فحيونا نحييكم
ولولا الحبة السمرا ... ءُ لم نحلل بواديكم
وحدّث البخاري عن الربيَّع بنت معوذة بن عفراء قالت: جاء النبي ﷺ فدخل حين بُني عليّ. فجلس على فرراش. فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف، حتى قالت إحداهنّ: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال: دعي هذا وقولي بالذي تقولين.
وحدث هو أيضاً عن أنس بن مالك قال: أبصر النبي ﷺ نساء وصبيانا مقبلين من عرس. فقام ممتنا فقال: اللهم أنتم من أحب الناس إليّ.
стр. 237
حريتها وحرمة رأيها
لا تجد قوما أبعد مدى في الضلال، ولا أقصر يداً عن الحقيقة، من أناس أجازوا لأنفسهم الحكم على الإسلام وليسوا منه في قليل ولا كثير، أولئك قوم من عامّة كتاب الفرنج. إذا كتبوا عن النساء في الإسلام زعموهنّ قعائد بيوت لا رأي يبديه، ولا نصيب من الحرّية يعتززن به. وتلك إحدى سخائم أنفسهم ونزعات أهوائهم، تنكشف كل يوم عن ذلك الإيقاع المبتذل، والأسلوب المرذول. فأمّا الدليل. . . فلا دليل!.
ما شرع الإسلام للمرأة أن تكون رهينة البيت، أو سجينته. بل هي رَبَتُهُ، والقائمة بأمره، والمسؤولة عنه. يعاونها الرجل فيه، وتعاونه هي فيما سواه. وقد أسلفنا القول في ذلك، ولعلنا عائدون إليه في تفاريق هذا الكتاب إن شاء الله.
أما حريتها، وحرمة رأيها، فلهما في الإسلام مظهران لا تطمع المرأة إلى أعز وأسمى منهما: هما حرّية الزواج، وحرية المجالس والمحافل تغشاها، وتظهر رأيها فيها.
أما أمر الزواج فذلك شأنها وحقها. وليس لأحد أن يغصبها فيه رأيها أو يعدُو إذنها. وحرّيتها فيه أبعد مدى، وأتم شأنا من الرجل. فهو إذا عقد عليها، ثم لم يَرْضَها، فتركها قبل أن يبني بها، نزل عن نصف مهرها لها، وإن تركها بعد ذلك فلها المهر كاملا. وليس له أن يقول هي دوني نسبا أو منزلة، فكل النساء أكفاء للرجل، وليس كل الرجال أكفاء للمرأة.
أما هي فلها أن تفصم عقدة الزواج إذا خدِعت فيه، أو أكرهت عليه، مهما أتفق في سبيلها. وليس لامرئ أن يقودها قسراً إلى من لا تريد. فلقد فصم
стр. 238
رسول الله ﷺ زواج خنساء بنت خُذام الأنصارية، لأن أباها زوّجها وهي كارهة.
وهل هناك من هو أدل على احترام رأي المرأة في هذا الموطن وهو أدق مواقفها وأمسها بحياتها، من حديث أم هانئ بنت أبي طالب، وقد خطبها رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله لأنت أحب الناس إليّ من سمعي ومن بصري، وإني امرأة مُؤتمة وبنَّي صغار، وحق الزوج العظيم. فأخشى إن أقبلت على زوجي أن أضيع بعض شأني وولدي، وإن أقبلت على ولدي أن أضيع حق زوجي. فقال رسول الله ﷺ : إن خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده، ولو علمت أن مريم ابنة عمران ركبت الإبل ما فضلت عليها أحداً.
تلك امرأة أبدت صفحة العذر عن بلوغ أقصى منزلة تبلغها المرأة المسلمة وهي منزلة أمومة المؤمنين، فأكبر رسول الله ﷺ رأيها إكباراً قلّدَ
قريشاً بأسرتها تلك الشهادة العالية الكريمة.
وقد عَبَرَ النساء بعد ذلك وهن مستمسكات بهذا الحق، معتصمات به، لا يستجرن لآبائهن ولا لأوليائهن أن يغصبوه أو ينقصوه.
стр. 239
وكيف بالرجل يسوم المرأة نفسها. أو ينازعها فضل رأيها. وتلك فتاة تقوم بين يدي رسول الله ﷺ فتلقى كلمة لا تدع للرجل من بعدها إلى قهرها من سبيل.
ونحن لكي ما نورد تلك الكلمة الرائعة الصادعة، نعود إلى حديث خنساء خذام فنرويه بما رواه صاحب المبسوط في كتابه. قال:
قالت الخنساء: إني أبي زوجني من ابن أخيه وأنا لذلك كارهة. فقال ﷺ : أجيزي ما صنع أبوك. فقالت: ما لي رغبة فيما صنع أبي. فقال ﷺ : اذهبي فلا نكاح له، أنكحي من شئت. فقالت: أجزت ما صنع أبي لكني أردت أن يعلم الناس أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء قال صاحب المبسوط: ولم ينكر ﵊ مقالتها.
وبريرة! ومن بريرة؟ هي جارية من جواري الحبشة ملكها عتبة بن أبي لهب وزوجها عبداً من عبيد المغيرة ما كانت لترضاه لو كان لها أمرها. فأشفقت عليها عائشة أم المؤمنين فاشترتها وأعتقتها. فقال لها رسول الله: ملكت نفسك فاختاري.
وكان زوجها يمشي خلفها ويبكي، وهي تأباه. فقال النبي ﷺ لأصحابه: ألا تعجبون من شدة حبه لها، وبغضها له؟ ثم قال: أتقي الله فإنه زوجك وأبو ولدك. فقالت: أتأمرني؟ فقال: لا إنما أنا شافع. فقالت: إذاً فلا حاجة لي إليه.
стр. 240
فهل يعجب الناس بعد ذلك أن يقف فتيات العرب دون عسف آبائهن وأوليائهن فإن انتهزوا منهن غِرة الصبي، وخجل الحداثة، وزجوهن ممن لا يدانيهن في
طبع، ولا يواتيهن في خلق، رجعن عليهم باللوم والخصومة بعد ذلك. ومثل ذلك ما كتبت امرأة من هؤلاء إلى أبيها. وكان زَوَّجها وهي حدثَة بغير إذنها:
أيا أبَتَا عنَّيتني وابتليتني ... وصَيَّرت نفسي في يدي من يُهينها
أيا أبتاَ لولا قد دعا ... عليك مجابا دعوة يستدينها
وقالت امرأة أخرى أُثر بها ابن عمها:
أيا عجبا للخود يجري وشاحها ... تزف إلى شيخ من القوم وتنبال
دعاها إليه أنه ذو قرابة ... فويل الغواني من بني العم والخال
وكان عبد الله بن جعفر قد زوج ابنته من الحجاج بن يوسف كره منها لأنه ليس في شيء من سنا نسبها، ولا كرم سجاياها، وما حمله على ذلك إلا ضيق ذات يده، وألف ألف درهم حُملت مهراً إليه. فلما زُفت نظر الحجاج إلى عبرتها تجول في عينيها. فقال: بأبي أنت وأمي مم تبكين؟ فقالت: أبكي من شرف اتضع، ومن ضَعة شُرفت. حتى إذا علم عبد الملك إلى بطلاقك. فقالت: هو والله أبر بي ممن زوَّجَنيك.
стр. 241
وقد ذهب إمام العراق ابن شُبرمة إلى أن زواج البنت باطل ما لم تبلغ وتصارح برأيها فيمن يريدها.
وكان من سنن فريق من العرب في جاهليتهم أن الرجل إذا مات عمد أخص أولياته وأقرب ورثته فوضع ثوبه على امرأته وقال أنا أحق بها! ثم أن شاء تزوجها، وأن شاء زوجها غيره، وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها لتفتدي نفسها بما ورثت عن زوجها. فذلك ما حرمه الله جل ذكره إنصافا للمرأة، وإطلاقاً لحريتها فقال: (يا أَيُّها الذين آمنوا لا يَحل لكم أن ترثوا النساء كَرْهاً).
كذلك عمد الله سبحانه إلى عقدة أخرى من عُقد الأسر والإكراه فحلها عن المرأة وذلك حيث يقول للأزواج:
(ولا تعْضلوهُنَّ لِتذهَبوا بَبعض ما آتيْتُموهُن إلا يأتين بِفاحِشةٍ مُبيَّنةٍ). فأصبح حراماً على الرجل أن يستبقيها على كره منها، وإعنات منه،
стр. 242
حتى تفتدي نفسها بما بقي من صداقها. إلا إذا أتت بفاحشة مبينة. فتلك لا حق لها تطلبه، أو تنزل عنه.
أما توارد القول الكريم من الله ورسله في محاسنة الزوجات وموادعتهن ولُبْسِهن على بعض ما فيهن، فمما يفيض رفقاً ورحمة، ورعاية وعناية. وحسبك أن الله جعل المرأة من آيات الله ومنته على الرجل وجعل المودّة والرحمة والألفة عقدة الصلة بينهما. فذلك حيث يقول جلت آيته (ومِن آيَاتهِ أَنْ خلَقَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكم أزواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وجَعَلَ بَيْنَكُمْ ورَحْمَةً إِنَّ في ذلك لآيَات لِقَومٍ يَتَفَكَّرُون).
ومن ذا الذي يستمع قوله تعالى: (وعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْروفِ فَإنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً ويَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً). ثم يجفو امرأته، أو يستخطها بعد ذلك؟
قلَّب بين أعطاف هذه الآية بصرك، واملأ منها يدك، وروّ من مَعِين بيانها قلبك، ثم انظر هل تقيه على وجْدانك أو تقر على عاطفتك، فيما تكره من أمر امرأتك؟ وما ظنك بأمر تكرهه ثم تظل على لجِاجك فيه بعد أن مناك الله بالخير الكثير من ورائه؟ وأين ذلك من حسن الثقة وتمام الإيمان؟
ومما يرمي إلى ذلك الغرض الجليل، قول رسول الله ﷺ : لا يَفرُك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقاً رضي عن خُلقُ.
ومما يرد هذا المورد ما حدثوا أن عمر ﵁ قال لرجل طلَّق امرأته: لِمَ طلقتها؟ قال: لا أحبها. فقال: أكل البيوت بنيت على الحب؟ أيْنَ الرعاية والذمم؟؟.
стр. 243
ولنأخذ بالقول في مسألتين مما لعلهما يرهقان سعادة المرأة، ويكدران صفوها ويشعرانها بالحزن والموجدة. وهاتان هما: تعدد الزوجات والطلاق
تعدد الزوجات
ما كان الزوجات في شيء من مظاهر الإسلام ولا شعائره. بل لقد ضرب الله حوله نطاقاً محكما، وقيده بقيود ثقال، ففرض فيه العدل الشامل، واجتناب الانسياق مع النفس في ميلها وهواها، واتقاء ما من شأنه أن يثير الحقد والضغين بين زوجاته. وكم في الناس من يقوي على ذلك، وأي امرئ يغلب نفسه، ويمحو فضل عاطفته، ويبدل نظام طبيعته؟
يقول الله جل ذكره (فَإن خِفْتمْ ألاَ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) فجعل البقاء على وادةً فرضاً محتوماً عند توقع الجور، والإشفاق من الانحراف والخوف من إيثار واحدة على واحدة. وأي الناس لا يخاف ذلك، ولا يشفق منه، والله سبحانه يقول: (ولَئن تْستَطِيعُون أنْ تَعْدلُوا بيْن النَّسَاءِ ولَوْ حَرَصْتمُ).
وكان تعدد الزوجات معروفاً عند العرب، ولم يكن هناك حدٌّ يقف دونه الرجل. فقد يجمع بين عشر نساء - وإن غَني أكثرهم بواحدة - فلما جاء الإسلام قصرهم على أربع.
ومن بين هؤلاء غيْلان بن سلمة، كان بين يديه عشرٌ. فقال له رسول الله أمسك عليك أربعاً.
стр. 244
وإنما نظر الإسلام في تلك الإباحة إلى أحد أمرين:
الأول - الاحتفاظ بكيان الأمة. لأن الرجال مدفوعون في كثير من المواطن إلى اغتمار القتال، واقتحام الأخطار، مما عساه ينضب عندهم، ويذهب بالكثير منهم فإن لم يبح لرجال أن يتجاوزوا الواحدة قصر كثير من النساء عن منازل الأمومة: فتضؤل الأمة، وتلين قناتها، ويقل عددها، وربما أسرع الفساد إليها.
واليوم وقد تخطى الإسلام نيفاً وثلاثة عشر قرنا، يقوم جمع من فلاسفة الفرنج ومتشرعيهم، فيقولون بتعدد الزوجات استكثار للنسل، حتى يسدّوا بذلك ما أصاب أممهم من الفراغ العظيم، بفقد بضعة عشر ألف ألف في حروبهم العظمى.
الثاني - هنالك أناس لا تمكنهم طبائعهم، ولا تكوين جسومهم، من البقاء على
واحدة. فأولئك روعي أمرهم حتى لا يفزعوا إلى ما هو أدهى وأمر من تعدد الزوجات.
على أن الإسلام - رغم ذلك كله - أحاط تلك الإباحة بما رأيت من القيود حتى لا يصاب تكوين الأسر بما لا يجبر صدعه، ولا يدرك فائته.
وعلى ذكر الفرنج وآرائهم نسوق إليك الكتاب الفيلسوف المؤرخ العظيم جوستاف لوبون، في تعدد الزوجات، وهو ما أودعه كتابه الكريم: حضارة العرب قال:
ليس بالهين اليسير أن تدرك أسلوباً من الحياة لأمة من الأمم حتى تفترض كونك في هذه الأمة، يحيط بك ما يحيط بها. ويحتكم بذات نفسك ما يحتكم بذوات نفوسها. فأما أن تحكم - وأنت متأثر بطبائع قومك وعاداتهم، وما يحيط بهم من وسط وجوّ وبيئة - على نظام قوم لا يشاكلونك في شيء مما أنت فيه، فذلك ليس من الرأي في شيء.
ذلك ما يراد بالناقد أن يأخذ به وينهجه إذا شاء أن يتولى بنقده كنظام
стр. 245
تعدد الزوجات، قبل أن تصل الأمم غير المسلمة إلى أعماق أعماقه. وكثيراً ما تُذيع الزراية والسخط عليه. بل تجد نظاماً أجمع الناس في أوربا على النيل منه، وتوكيل الظنون والأوهام به. كإجماعهم بذلك على ذلك النظام.
فالمؤرخون الأوربيون - وفيهم من عرف بالدقة والنفاذ في استقصاء الحقائق وتمحيص الحوادث - يرون ذلك نظام دعامة الإسلام، ومدعاة انتشار القرآن والهاوية البعيدة القرار، في سبيل نهوض المسلمين.
يقولون ذلك، ثم يتبعون ما يقولون بنوافر الكم عن حجاب المسلمات البائسات في كسور دورهن، يقوم بحراستهن، ويتولى رتاج أبوابهن جماعة من الحرس والخصيان غلاظ شداد، وقد يقتلن على غير إثم ولا جريرة، بغير هوادة ولا مرحمة، إذا صُرف عنهن أزواجهن إلى مَنْ سِواهن.
إن تصوير المرأة المسلمة بهذه الألوان القاتمة بريء من الحق. وسيعلم القارئ - إذا شاء أن يطرح عنها ظنونه وأوهامه قبل تلاوة البحث - أن تعدد الزوجات على مثل ما شرعه الإسلام من أفضل الأنظمة، وأنهضها بأدب الأمة التي تذهب إليه وتعتصم به، وأوثقها للأسرة عقداً، وأشدها لآصرتها أزراً وسبيله أن تكون المرأة المسلمة أسعد حالا، وأوجه شأناً، وأحق باحترام الرجل من أختها الغربية.
وقبل سياق الدليل على تلك الحقيقة الناطقة الناصعة أذكر للقارئ أن تعدد الزوجات لم يكن مُحْدَثات الإسلام. بل لقد كان ذائعاً بين أمم الشرق من فرس وعرب ويهود ومن سواهم. فإذا كانت الشعوب التي رضيت الإسلام ديناً قد أخذت به فلم يك ذلك بربح جديد نالته من ذلك الدين الجديد. وإنما هو أثر من تأثير البيئة وضرورة من ضرورات الجنس ونتيجة من نتائج احتكام الأحوال والأوساط عند الشرقيين.
стр. 246
وتأثير البيئة والجنس من الموضع والبيان لا نجد في إفاضة القول فيه فإن النظام العضوي للمرأة، وما يصيبها من الحمل والولادة، وما ينالها في سبيل ذلك من أوجاع وآلام، كل أولئك يضطرها إلى اعتزال فراش الزوج أمداً غير محدود. ولما كان سبيل ذلك الاعتزال أن يعيش الرجل قدره عيشة الأعزب - وهي عيشة لا يسيغها الشرقيون لما يحيط بهم من تأثيرات الإقليم وغلبة الأمزجة - أصبح تعدد الزوجات أمرا لا محيد عنه.
أما في الغرب، فإن حكم الوسط، وتأثير الأمزجة وغلبة الحالة، مما يفعل بالرجل ورغم ذلك نجد البقاء على الواحدة نصّاً من نصوص القانون، لا أمراً واقعاً ولا حكما نافذاً. وليس في قدرة أحد أن يعترض ما أقول، أو ينكر أن الوقوف دون ذلك السياج - سياج الزوجة الواحدة - أمر لا يستمسك به إلا الأقلون.
ولست أدري على أي قاعدة يبنى الأوربيون حكمهم بانحطاط ذلك النظام - نظام
تعدد الزوجات - نظام التفرد المشوب بين الأوربيين بالكذب والنفاق؟!. على حين أرى هنالك أسباباً تحملني على إيثار نظام تعدد على سواه وليس عجيباً بعد ذلك أن نرى الشرقيين الذين ينتجعون إلينا، ويتنقلون بين مدائننا، يحارون من قسوتنا في الحكم على نظام تعدد الزوجات فيهم.
وإن يسيراً على المرء أن يعرف السبب في إقرار الشريعة الإسلامية لذلك النظام بعد ما أسلفنا من الدواعي النفسية للقوم. وأن رغبة الشرقيين في خلود الذكر بالأبناء وغرامهم بتكوين الأسر، والحياة السعيدة بينها، وما فطروا عليه من العدل والإنصاف كل ذلك لا يجيز لهم إغفال الزوجة التي لا يتحول حبها عن صميم قلوبهم على مثال ما نراه في أوربا.
ثم إن هناك أسبابا - سأعود إلى بيانها - تدعو إلى إقرار الشرائع للعادات
стр. 247
التي أصبحت من خلق الأمة وتقاليدها. وإن يكن ذلك فإن نظام تعدد الزوجات الذي ند عن حدود الشريعة عند الأوربيين، سينتهي الأمر بقوانيننا إلى إقراره والاعتراف به.
وهنالك - فوق ما أسلفت - أسباب تؤيد هذا النظام، وتدعو إليه، وهي اختصاصهما بطبقات معينة، لا يخلو الوفاء بها من الفائدة، لتعلم أن بعض البلدان أحوج ما يكون إلى الأخذ به. على أن بين أشد الناس استمساكا بعروة الدين من الأوربيين من هم مسوقون بغلبة الضرورة إلى الاعتراف بالحاجة إليه. وخاصة إذا أمعنوا في أحوال الشعوب الآخذة به.
ومن قبيل ذلك ما ذكره المسيو لا بلاي صاحب كتاب العمال في الشرق فقد انتهى به القول إلى الضرورة التي تدعو كبير الأسرة من القرويين إلى الاستكثار من الزوجات وكيف أن النساء أنفسهن هن اللواتي يطلبن إلى أزواجهن ابتغاء سواهن غير هائبات ولا آسفات على ما فعلن. وذلك بعض قوله:
يحرص الشرقيون على أن يزوّجوا بكر الأسرة في بواكير أيامه. لذلك ترى امرأته بعد تتابع الوضع بعد الوضع، تسرع إليها الكهولة، بينما يكون زوجها نضراً فتياً، فلا بدع أن يعوزه الزواج بغيرها، وهو إذا هم بذلك فإنما يصدر في أكثر المواطن عن رأي زوجته.
وقد يعجب الباحث من أن تغري المرأة زوجها بالانصراف إلى سواها. على أنه لا عجب في ذلك. فإن ربات المنازل في الجماعات الزراعية الإسلامية، عماد البيوت، وقوام أمرها فإذا شُغلت المرأة بتربية أبنائها، والانصراف إلى شؤونهم، فليس هناك من يشدّ أزرها في مهمة بيتها إلا الجواري. أو بعض بنات عشيرتها. وقد لا توجد المؤازرة من بنات العشيرة، كما قد تضيق اليد دون شراء الجواري
стр. 248
فليس لها يومئذ إلا أن تشير عليه بالزواج، حتى تؤدي حق الأمومة.
وقد ذكر المؤلف ألا أثر للغيرة، ولا للخصومة بين زوجات الزوج الواحد ولا شك أننا بما وقر في نفوسنا من الأوهام الباطلة، نقول باستحالة ذلك.
والحق أنا لم نقل بالاستحالة إلا لأننا نرجع في حكمنا إلى حِسَّنا وعواطفنا. فأما عواطف غيرنا فلسنا بآبهين بها، ولا مقيمين لها وزناً.
الطلاق
تلك هي قاعدة الحياة الزوجية في الإسلام (إمْساكٌ بِمعْروفٍ أَو تَسْرِيح بإِحْسانٍ) فإن محيت أية المعروف فدبت النعرة، وساءت العشرة؛ واتسع وامتنع التوفيق سواء أكان سبيل ذلك الزوجَ، أو الزوجة، أوهما معاً فما خير تلك الحياة، وما فضل البقاء عليها؟ وقد جعل الله الزواج مبعث الودّ والرحمة، لا سبيل التَّعَسِ؛ وبؤس الحياة لذلك أبيح الطلاق.
ولقد يكون الطلاق من حق المرأة اشتراطه في عقد زواجها. فأما إذا لم تَقُله فهو حق الرجل وحده. وإنما أطلق هذا للرجل دونها لأنه يملك من كظم الغيظ؛ وطول
الأناة؛ ما لا تملك.
على أَن الإسلام لم يدع ذلك الحق دون أن يُضَيَّق مذاهبه، ويأخذ على النفس سبيل الوصول إليه؛ وقد هيأ لذلك من الوسائل ما نحن سائقون لك شيئاً منه وذلك هو:
١ - الترغيب في محاسنة الزوجات، والرضا منهن بخير ما فيهن. وضمان الخير الكثير فيما عساه يكره منهن. وقد أسلفنا من ذلك ما فيه الغناء.
стр. 249
٢ - نعي الطلاق على المطلقين ونقمته منهن. ومن ذلك ما يقول رسول الله ﷺ : ما من حلال أبغض إلى الله من الطلاق. ويقول: ما خلق الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق. ويقول: لا تطلّقُوا النساء إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذوّاقين ولا الذواقات.
٣ - التحكيم في الخصومة بين الزوجين إذا بدر النزاع، وبدأ الشقاق. وفي ذلك يقول الله جل ذكره: (وإنْ خِفْتُمْ شْقَاقَ بيْنِهما فَابَعثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلهِ وحَكَمَاً مِنْ أَهْلهَا إنْ يُرِيدا إصْلاَحاً يُوَفقِ الله بَيَنهُما إن الله كان بَما تَعْمَلُون خَبِيراً) وذلك أمر للمسلمين جميعاً يقوم به أولياؤهم، والقائمون بالأمر فيهم.
٤ - جعل الله للمرأة بعد الطلاق عِدّة تعتدُّها في بيته وهي وفاء الحمل للحامل حتى تضع، وثلاثة اشهر لمن سواها؛ وبين أثناء تلك المدّة يراجع الرجل نفسه؛ وتفيء المرأة إلى عقلها؛ فإن نزعا إلى عهدهما القديم في هذا العهد القصير، راجع الرجل زوجته؛ وكان ذلك خيراً وأبقى. وفي ذلك يقول الله جلت آياته: (يَا أَيُّها النَّبيُّ إذاَ طَلّقْتُمُ النساءِ فَطَلَّقُوهُنَّ لِعِدّتِهنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا الله رَبَّكُم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهنِّ ولا يَخْرُجْنَ إلاَّ أنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشةٍ مُبيَّنةٍ وتِلك حُدُودُ الله ومَنّ يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظَلَم نَفْسَهُ لا تَدرِي لَعَلّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أمْرَاً).
أما الأمر الذي لعل الله يحدثه؛ فمعاودة الرأي؛ ومراجعة النفس بعد رياضتها؛ وردّ جماحها وإسلاس قيادتها؛ بعد ذلك الهجر القصير الأمد.
فإذا استكملت العدّة فله أن يعيدها إلى فيئه؛ أو أن يِبتّ فراقها؛ إن لم يكن إلى التوفيق سبيل، فذلك حيث يقول جل ذكره: (فإذَا بَلَغْنَ أجَلَهُنّ
стр. 250
فاَمْسِكوهُنَّ بِمعْرُوفٍ أوْ فارِقوهُنَّ بِمعْرُوفٍ وأَشْهِدُوا ذَوَى عَدلٍ منْكُمْ وأقِيمُوا الشَّهَادَةَ للِهِ).
وللرجل أن يعاود زوجته بعد أن يطلقها مرتين، فإن عاد إلى الثالثة حيل بينه وبينها فلا يعود إليها حتى يخلفه غيره عليها، تأديباً له، وإذلالا لنفسه.
وقد أمر الله الرجال بمجاملة زوجاتهم، والرفق بهن، وبذل كل ما يستطيعون بذله في سبيل مرضاتهن في أيام عدتهن، فذلك حيث يقول: (أسْكِنوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجَدِكُمْ ولا تُضارُوهُنَّ لِتُضَيقُوا عَلَيْهنَّ وإنْ كُنَّ أُولات حَملٍ فأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ لكُمْ فآتوهُنَّ أُجورَهُنَّ وأْتمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْروفٍ وإن تَعَاسَرتُمْ فَسَتُرْضُع لهُ أُخْرى لِينُفقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ومَنْ قُدِرَ عَليْه رزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتاه الله لا يُكلفُ الله نَفْساً إلا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعدَ عُسرٍ يُسراً).
ثم لقد فرض الله على الرجل أن يرُد إليها بقية ما سماه من مهرها حين طلاقها وحرم عليه أن يسترد شيئاً مما أجتلب لها كائناً ما كان ذاك المجتلب. وفي ذلك يقول الله جلتْ آياته (وإن أَرَدتُمُ استِبْدَال زَوجٍ مَكانَ زوْجٍ وآتَيْتُمْ إحداهُنَّ قِنطاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً أتأْخُذُونَهُ بُهْتاناً مُبيناً وكيْفَ تأخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكُم إلى بَعضٍ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً).
من ذلك كله تعلم ان الطلاق في الإسلام، لا يدينه نظام غيره دقة وإبداعاً. فلا هو بالمغلق المحظور حتى يكون أحد الزوجين شجاً في حلق صاحبه وغُلاَّ في عنقه، وكبلا في يديه وقيداً في قدميه. ولا هو بالسهل الهين فيتخذه
следующие страницы →