← Фикх общий

Фикх общий · id 37059

المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

عبد الله العفيفي

Полный текст (543 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وتأثير البيئة والجنس من الموضع والبيان لا نجد في إفاضة القول فيه فإن النظام العضوي للمرأة، وما يصيبها من الحمل والولادة، وما ينالها في سبيل ذلك من أوجاع وآلام، كل أولئك يضطرها إلى اعتزال فراش الزوج أمداً غير محدود. ولما كان سبيل ذلك الاعتزال أن يعيش الرجل قدره عيشة الأعزب - وهي عيشة لا يسيغها الشرقيون لما يحيط بهم من تأثيرات الإقليم وغلبة الأمزجة - أصبح تعدد الزوجات أمرا لا محيد عنه. أما في الغرب، فإن حكم الوسط، وتأثير الأمزجة وغلبة الحالة، مما يفعل بالرجل ورغم ذلك نجد البقاء على الواحدة نصّاً من نصوص القانون، لا أمراً واقعاً ولا حكما نافذاً. وليس في قدرة أحد أن يعترض ما أقول، أو ينكر أن الوقوف دون ذلك السياج - سياج الزوجة الواحدة - أمر لا يستمسك به إلا الأقلون. ولست أدري على أي قاعدة يبنى الأوربيون حكمهم بانحطاط ذلك النظام - نظام تعدد الزوجات - نظام التفرد المشوب بين الأوربيين بالكذب والنفاق؟!. على حين أرى هنالك أسباباً تحملني على إيثار نظام تعدد على سواه وليس عجيباً بعد ذلك أن نرى الشرقيين الذين ينتجعون إلينا، ويتنقلون بين مدائننا، يحارون من قسوتنا في الحكم على نظام تعدد الزوجات فيهم. وإن يسيراً على المرء أن يعرف السبب في إقرار الشريعة الإسلامية لذلك النظام بعد ما أسلفنا من الدواعي النفسية للقوم. وأن رغبة الشرقيين في خلود الذكر بالأبناء وغرامهم بتكوين الأسر، والحياة السعيدة بينها، وما فطروا عليه من العدل والإنصاف كل ذلك لا يجيز لهم إغفال الزوجة التي لا يتحول حبها عن صميم قلوبهم على مثال ما نراه في أوربا. ثم إن هناك أسبابا - سأعود إلى بيانها - تدعو إلى إقرار الشرائع للعادات

стр. 247

التي أصبحت من خلق الأمة وتقاليدها. وإن يكن ذلك فإن نظام تعدد الزوجات الذي ند عن حدود الشريعة عند الأوربيين، سينتهي الأمر بقوانيننا إلى إقراره والاعتراف به. وهنالك - فوق ما أسلفت - أسباب تؤيد هذا النظام، وتدعو إليه، وهي اختصاصهما بطبقات معينة، لا يخلو الوفاء بها من الفائدة، لتعلم أن بعض البلدان أحوج ما يكون إلى الأخذ به. على أن بين أشد الناس استمساكا بعروة الدين من الأوربيين من هم مسوقون بغلبة الضرورة إلى الاعتراف بالحاجة إليه. وخاصة إذا أمعنوا في أحوال الشعوب الآخذة به. ومن قبيل ذلك ما ذكره المسيو لا بلاي صاحب كتاب العمال في الشرق فقد انتهى به القول إلى الضرورة التي تدعو كبير الأسرة من القرويين إلى الاستكثار من الزوجات وكيف أن النساء أنفسهن هن اللواتي يطلبن إلى أزواجهن ابتغاء سواهن غير هائبات ولا آسفات على ما فعلن. وذلك بعض قوله: يحرص الشرقيون على أن يزوّجوا بكر الأسرة في بواكير أيامه. لذلك ترى امرأته بعد تتابع الوضع بعد الوضع، تسرع إليها الكهولة، بينما يكون زوجها نضراً فتياً، فلا بدع أن يعوزه الزواج بغيرها، وهو إذا هم بذلك فإنما يصدر في أكثر المواطن عن رأي زوجته. وقد يعجب الباحث من أن تغري المرأة زوجها بالانصراف إلى سواها. على أنه لا عجب في ذلك. فإن ربات المنازل في الجماعات الزراعية الإسلامية، عماد البيوت، وقوام أمرها فإذا شُغلت المرأة بتربية أبنائها، والانصراف إلى شؤونهم، فليس هناك من يشدّ أزرها في مهمة بيتها إلا الجواري. أو بعض بنات عشيرتها. وقد لا توجد المؤازرة من بنات العشيرة، كما قد تضيق اليد دون شراء الجواري

стр. 248

فليس لها يومئذ إلا أن تشير عليه بالزواج، حتى تؤدي حق الأمومة. وقد ذكر المؤلف ألا أثر للغيرة، ولا للخصومة بين زوجات الزوج الواحد ولا شك أننا بما وقر في نفوسنا من الأوهام الباطلة، نقول باستحالة ذلك. والحق أنا لم نقل بالاستحالة إلا لأننا نرجع في حكمنا إلى حِسَّنا وعواطفنا. فأما عواطف غيرنا فلسنا بآبهين بها، ولا مقيمين لها وزناً. الطلاق تلك هي قاعدة الحياة الزوجية في الإسلام (إمْساكٌ بِمعْروفٍ أَو تَسْرِيح بإِحْسانٍ) فإن محيت أية المعروف فدبت النعرة، وساءت العشرة؛ واتسع وامتنع التوفيق سواء أكان سبيل ذلك الزوجَ، أو الزوجة، أوهما معاً فما خير تلك الحياة، وما فضل البقاء عليها؟ وقد جعل الله الزواج مبعث الودّ والرحمة، لا سبيل التَّعَسِ؛ وبؤس الحياة لذلك أبيح الطلاق. ولقد يكون الطلاق من حق المرأة اشتراطه في عقد زواجها. فأما إذا لم تَقُله فهو حق الرجل وحده. وإنما أطلق هذا للرجل دونها لأنه يملك من كظم الغيظ؛ وطول الأناة؛ ما لا تملك. على أَن الإسلام لم يدع ذلك الحق دون أن يُضَيَّق مذاهبه، ويأخذ على النفس سبيل الوصول إليه؛ وقد هيأ لذلك من الوسائل ما نحن سائقون لك شيئاً منه وذلك هو: ١ - الترغيب في محاسنة الزوجات، والرضا منهن بخير ما فيهن. وضمان الخير الكثير فيما عساه يكره منهن. وقد أسلفنا من ذلك ما فيه الغناء.

стр. 249

٢ - نعي الطلاق على المطلقين ونقمته منهن. ومن ذلك ما يقول رسول الله ﷺ : ما من حلال أبغض إلى الله من الطلاق. ويقول: ما خلق الله شيئاً أبغض إليه من الطلاق. ويقول: لا تطلّقُوا النساء إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذوّاقين ولا الذواقات. ٣ - التحكيم في الخصومة بين الزوجين إذا بدر النزاع، وبدأ الشقاق. وفي ذلك يقول الله جل ذكره: (وإنْ خِفْتُمْ شْقَاقَ بيْنِهما فَابَعثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلهِ وحَكَمَاً مِنْ أَهْلهَا إنْ يُرِيدا إصْلاَحاً يُوَفقِ الله بَيَنهُما إن الله كان بَما تَعْمَلُون خَبِيراً) وذلك أمر للمسلمين جميعاً يقوم به أولياؤهم، والقائمون بالأمر فيهم. ٤ - جعل الله للمرأة بعد الطلاق عِدّة تعتدُّها في بيته وهي وفاء الحمل للحامل حتى تضع، وثلاثة اشهر لمن سواها؛ وبين أثناء تلك المدّة يراجع الرجل نفسه؛ وتفيء المرأة إلى عقلها؛ فإن نزعا إلى عهدهما القديم في هذا العهد القصير، راجع الرجل زوجته؛ وكان ذلك خيراً وأبقى. وفي ذلك يقول الله جلت آياته: (يَا أَيُّها النَّبيُّ إذاَ طَلّقْتُمُ النساءِ فَطَلَّقُوهُنَّ لِعِدّتِهنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ واتَّقُوا الله رَبَّكُم لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهنِّ ولا يَخْرُجْنَ إلاَّ أنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشةٍ مُبيَّنةٍ وتِلك حُدُودُ الله ومَنّ يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظَلَم نَفْسَهُ لا تَدرِي لَعَلّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أمْرَاً). أما الأمر الذي لعل الله يحدثه؛ فمعاودة الرأي؛ ومراجعة النفس بعد رياضتها؛ وردّ جماحها وإسلاس قيادتها؛ بعد ذلك الهجر القصير الأمد. فإذا استكملت العدّة فله أن يعيدها إلى فيئه؛ أو أن يِبتّ فراقها؛ إن لم يكن إلى التوفيق سبيل، فذلك حيث يقول جل ذكره: (فإذَا بَلَغْنَ أجَلَهُنّ

стр. 250

فاَمْسِكوهُنَّ بِمعْرُوفٍ أوْ فارِقوهُنَّ بِمعْرُوفٍ وأَشْهِدُوا ذَوَى عَدلٍ منْكُمْ وأقِيمُوا الشَّهَادَةَ للِهِ). وللرجل أن يعاود زوجته بعد أن يطلقها مرتين، فإن عاد إلى الثالثة حيل بينه وبينها فلا يعود إليها حتى يخلفه غيره عليها، تأديباً له، وإذلالا لنفسه. وقد أمر الله الرجال بمجاملة زوجاتهم، والرفق بهن، وبذل كل ما يستطيعون بذله في سبيل مرضاتهن في أيام عدتهن، فذلك حيث يقول: (أسْكِنوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجَدِكُمْ ولا تُضارُوهُنَّ لِتُضَيقُوا عَلَيْهنَّ وإنْ كُنَّ أُولات حَملٍ فأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ لكُمْ فآتوهُنَّ أُجورَهُنَّ وأْتمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْروفٍ وإن تَعَاسَرتُمْ فَسَتُرْضُع لهُ أُخْرى لِينُفقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ومَنْ قُدِرَ عَليْه رزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتاه الله لا يُكلفُ الله نَفْساً إلا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعدَ عُسرٍ يُسراً). ثم لقد فرض الله على الرجل أن يرُد إليها بقية ما سماه من مهرها حين طلاقها وحرم عليه أن يسترد شيئاً مما أجتلب لها كائناً ما كان ذاك المجتلب. وفي ذلك يقول الله جلتْ آياته (وإن أَرَدتُمُ استِبْدَال زَوجٍ مَكانَ زوْجٍ وآتَيْتُمْ إحداهُنَّ قِنطاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً أتأْخُذُونَهُ بُهْتاناً مُبيناً وكيْفَ تأخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكُم إلى بَعضٍ وأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً). من ذلك كله تعلم ان الطلاق في الإسلام، لا يدينه نظام غيره دقة وإبداعاً. فلا هو بالمغلق المحظور حتى يكون أحد الزوجين شجاً في حلق صاحبه وغُلاَّ في عنقه، وكبلا في يديه وقيداً في قدميه. ولا هو بالسهل الهين فيتخذه

стр. 251

من لا عهد لهم، ولا رعي، ولا ذمام، مرتعا خصيباً، يتنقلون فيه كما شاءت أهواؤهم، وشهوات أنفسهم. وبعد فلنعد إلى المظهر الثاني من ظاهر حرية المرأة في الإسلام وهو: - حريتها العامة إذا كانت المرأة المسلمة عماد البيت بحكم الإسلام، فهي أيضاً دعامة الحياة العامة، بحكم الإسلام. فهي لم تدع موطناً عظيماً، ولا مشهداً حافلا، ولا عملا خالداً إلا وكانت فقار ظهره، وعماد أمره، فقد جلست إلى رسول الله متحدثة متعلمة، ورافقت جيشه آسية مدوية، وجالت بين يديه مقالته مستبسلة وهاجرت بدينها إلى المدينة والحبشة مع السابقين الأولين من المهاجرين. فأجزل الله في كل ذلك مثوبتها، وأحسن النبي مآبها، وأكبر المسلمون مواقفها. لقد كانت المرأة العربية في عهد جاهليتها تزن الرجل في ذكاء قلبه، ومضاء نفسه، وسناء خلائقه، فلما عمها الإسلام لم تقصر عن مداه في علم أو دين أو فضيلة. فمن أين للرجل أن يأنف من مجالستها، ومساجلتها، واستماع حديثها، وذلك شأنها معه، ومكانها منه؟ ولم يكن الحجاب مما تألفه المرأة العربية كثيراً في عهد جاهليها، فقد كانت تغشي المحافل، وتخوص الجحافل، وتخطب في الأندية، وتمشي في الأسواق، فلما انبسط ظل الإسلام تأثر الحجاب بمؤثرين متعارضين: أما أولهما فأمر الله زوجات رسوله بالقرار في بيوتهن، والابتعاد عن منال العيون. لأن موطنهن من رسول الله، ومكانهن من أمومة المؤمنين، لا يجعلهن كأحد من النساء. وذلك حيث يقول جل ذكره:

стр. 252

(ياَ نِساء النَّبيَّ لَسْتنَّ كأحدٍ مِنَ النَّساء إن اتَّقَيتن فَلا تخضَعْنَ بالقَول فَيطَمَع الذِي في قلبهِ مَرَض وقلنَ قَولا مَعرُوفا، وقَرْنَ بيوتِكنَّ ولا تَبرجْنَ تبرجَ الجاهِليَّةِ الأولى وأقِمن الصَّلاة وآتِين الزكاةَ وأطِعن الله ورَسُوله إنَما يريد اللهُ لِيذْهِبَ عَنكُمُ الرَّجس أهْل البيْتِ ويُطهَّركم تَطِهيراً). ومهما يكن نظرنا إلى الحجاب ورأينا فيه، فليس لنا متأول في أن الله اختص به نساء النبي دون سواهن، ولنا في الحديث التالي كفيل بما نقول: ذلك أن النعمان بن أبي الجون الكندي لما عرض على رسول الله ابنته أسماء. وارتضاها النبي زوجاً له، وقال له النعمان: فابعث يا رسول الله إلى أهلك من يحملهم إليك فأنا خارج مع رسولك فمرْسَهم معه. فبعث رسول الله معه أبا أسيد الساعدي. فلما قدما عليها جلست في بيتها وأذنت له أن يدخل. فقال أبو أسيد: إن نساء رسول الله لا يراهن أحد من الرجال. فأرسلت إليه: فَيسَّرني لأمري. قال حجاب بينك وبين من تكلمين من الرجال إلا ذا مَحرم منك. ففعلت حملت إلى رسول الله صرفه الله عنها فلم يبن بها فأقامت بالمدينة لا تبرحها.

стр. 253

حتى إذا كانت في عهد عمر تزوجها المهاجر بن أبي أُمية فأفزع عمر أن إحدى أمهات المؤمنين تتزوج بعد رسول الله. فأرسلت إليه: والله ما ضُرب عليّ الحجاب ولا سميت أم المؤمنين. ذلك إلى مساق الآيتين الكريمتين لنساء النبي، وأنهن لسن كأحد من النساء. على أن ذلك التشريع الخاص بنساء النبي يحبب ذوات الشرف والسناء من النساء، إن لم يكن في القرار الدائم، ففي إيثار القرار، تشبها بأكرم نساء المسلمين على الله ورسوله، ولولا أن هناك مؤثراً آخر، وازنه فعارضه. ذلك ما دعته وثبة الإسلام، وجد حياته، إلى خروج المرأة عن دارها طلباً للدين ودراسة للعلم، واشتراكا في مناسك الحج، وإسعاداً في معاناة الجهاد، وصدعا بما وقر في نفسها من حق أضيع، وحرمة أبيحت، وإنها لتعلم أن لها في ابتناء عظمة الإسلام شأنا لا يستهان بخطره، ولا أثره. هذان هما المؤثران اللذان تأثر بهما حجاب المرأة العربية في الإسلام، وهما تعارضهما لا يتكافآن قوة ورجحانا. لأن للثاني أثرا واقعاً، ووضحاً في الدين ظاهرا، ومثوبة من عند الله مكفولة، فلم يكن بدّ من غلبته. بل إن عائشة ﵂ وهي إحدى أمهات المؤمنين، وأجمعهن للمأثور من حديث رسول الله - لما رأت تدافع الواجبين - وهي إحدى اللواتي نزل فيهن صريح الأمر بالحجاب - آثرت الثاني فخرجت تخطب في المسلمين وتستنفرهم - بل وتقودهم - إلى قتال أمير المؤمنين عليّ ﵇، لأنها رأت في قومتها - إن صواباً وإن خطأ - قياماً بالواجب وثأراً للخليفة المظلوم. وليس بفائتنا أن نذكر لك شيئاً من إجابتها على لوامها.

стр. 254

فقد كتبت إليها أم المؤمنين أم سلمَة ﵂ تقول لها: ما كنت قائلة لرسول الله لو عارضك ببعض هذه الفلوات ناصّةً قعوداً من منهل إلى منهل وغداً تردين على رسول الله ﷺ هاتكة حجاباً ضربُه عليك؟. . . فأجابتها عائشة: من عائشة أم المؤمنين، إلى أم سلمة، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا اله إلا هو. أما بعد: فما أقبلني لوعْضك، وأعرفني لحق نصيحتك. وما أنا بمعتمر بعد تعريج. ولنعم الطالع مطلع أصلحت فيه بين فئتين متشاجرتين من المسلمين. فإن أقعد فمن غير حرج وإن أمض فإلي ما لا غنى بي عن الازدياد منه والسلام.

стр. 255

فانظر إلى حسن وصفها لموقفها، وتبين قولها: وإن أمض فإلي مالا غني بي عن الازدياد منه. تَرها - على امتلاء حجة صاحبتها وقوّتها - لا تنثني عن داعية قلبها، ولا تتراجع عما رأت الخير فيه، وعقدت العزم عليه. بل هي تطلب المزيد منه وتسير قدُماً إليه. ذلك شأن عائشة أم المؤمنين. فأمّا جندها يكونوا من السَّوام الذين يتبعون أول صائح، بل كان مدعوم الصفوف بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وليس واحد منهم بمتّهم في دينه، ولا مفرّط في كتاب اللهِ، وهم جزء من جماعة المسلمين الذين يُؤْتسى برأيهم، ويهتدي بمحجّتهم. ذلك ما فعلت عائشة أم المؤمنين وما كانت فيه بدعاً من أزواج رسول اللهِ فقد شركتها أم المؤمنين صَفية بنت حُي يوم حوصر عثمان؛ فخرجت علي بلغتها لِتدفع غارة المغيرين عنه.

стр. 256

أما من سوى أمهات المؤمنين فلم يكن يتحرجن من مجاذبة الرجال كل شئون الدنيا والآخرة. وسيمر بك في موطن خاصة من هذا الكتاب ما أسفر عنه رأي أولئك النساء في مجالس العلم، ومحافل الأدب، ومشاهد الرأي، وساحات العمل، وما قرّ لهن في مواطن كثيرة من زعامة المسلمين وقيادتهم، وتصريف سياستهم، وتكوين رجالهم. وما شيء من ذلك بالهيَّن اليسير. والآن وقد أخذ بالقول في حرية المرأة فيما عدا دارها، فإن حقا علينا أن نقول في أمر نِقْبَتِها، وما عليه هيئتها، إذا انكشفت عن بيتها. أول ما أمرت به المرأة إذا خرجت لبعض شأنها، أن تضرب بخمارها على صدرها، فذلك حيث يقول الله جل ذكره: (وَليَضْربنَ بِخُمُرِهنَّ عَلى جُيُوبِهنَّ) وذلك كي لا يظهر شيء من مكشوف صدرها، ولا زينة نحرها. وكان نساء الأنصار لا يتخذن الْخُمُرَ فاتخذنها لذلك. ثم زاد الله سبحانه ذلك الأمر بياناً وتوكيداً فقال: (يَا أَيُّها النَّبي قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ ونِساءِ المُؤْمنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنََّ مِنْ جلابِيِبِهنَّ ذلِك أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يؤْذَيْنَ وكان الله غَفُوراً رَحيماً). فأُمرت المرأة إذا سارت في مذاهب الرجال أن تُرخي بعض ثيابها على بعض وجهها بأن تستره ببعض خمارها حتى لا تعرف بأنها من إماء المدينة وبغاياها اللواتي

стр. 257

يخرجن سوافر متبرجات فلا يؤْذَيَنَّها أرقّا الدين وفتيان المنافقين بتتبعها، أو التحرش بها. على ذلك عبَر جمهور نساء المسلمين، فكن يغدون لحاجاتهن، ويغشين المجالس، ويتصدرن الأندية، ويتناولن شتات أعمالهن، متنقبات غير متبرجات. ومن النساء من فهمن الأمر على خصوصه فجلسن إلى الرجال سوافر محتشمات لبعدهن عن منال الأذى ومجال الشبهات. ومن فضليات هؤلاء سُكَيْنَة بنت الحسين بن علي رضى الله عنهم. فقد كانت برْزَةً تجلس إلى العلماء والأدباء والشعراء ولا تكاد تحتجب منهم. ومنهن عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها من أحد، وقد عاتبها في ذلك زوجها مصعب بن الزبير فقالت: إن الله وسمني بمِيسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضله عليهم. فما كنت لأستره ووالله ما في وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد. على أن الإسلام حيال ذلك النصيب البالغ من الحرية أخذ على المرأة ألا تتشبه بالرجل فيما هو من خاصة أمره ولزام شأنه وهيئته وتبذله بين صحابته وخاصته. فقد لعن الله المترجلات من النساء كما لعن المخنَّثين من الرجال. أما تشبهها به في رأيه وعلمه فممدوح ومحمود. فقد كانت عائشة أم المؤمنين رَجْلة الرأي والعلم. أما بعد فذلك رأي الإسلام والمسلمين في المرأة المسلمة وحريتها أتينا عليه، ولم نُفرط فيه، إنصافاً للتاريخ في قوم له من وضح دينهم، وسناء خلقهم، وشرف نفوسهم، ورجاحة عقولهم، وجدَّ حياتهم، حُجُبٌ لا تنالها الأوهام، ولا تهتكها الأيام، وعصمة لا تتقي الحجب المضاعفة وقاءها، ولا تبلغ البروج المشيدة أدنى مداها.

стр. 258

المرأة العربية بين التأثر بالإسلام والتأثير في نهضته تأثرها بالإسلام إذا كانت المرأة العربية في عهد جاهليتها قد خضعت لدين، فإنما ذلك دين مضطرب لا أثر له، ولا خير فيه. وإن هي نزعت خلق فاضل، وخليقة كريمة، عَلقَتْ بهما شوائب الجهل، وفوضى الجماعة، فقنعت في بعض المواطن بجمالها، وجاوزت بهما قصد السبيل. وإن هي أفاضت على القوم روح الحمية، وحب التضحية، ووحي القول، وجمال الخيال فقد كان لهم من وجودها، ونفاذ قولها، حروب فرقت جماعتهم بلاءهم، ومزقت أوصالهم. وإن هي جاذبت الرجل حبل العمل، وساجلته جد الحياة، فقد احتملت من العبء أثقاله، ونالت من النصيب أقلة. وربما تناولتها المصائب من كل جانب، فلا تجد من حسن العزاء ما يطمئن بمثله ذوات الدين من النساء. لذلك كله كانت المرأة العربية أحوج ما تكون إلى دين سمح متين، يعمد إلى تلك الفضائل المودعة فيجلو صدأها، ويثير كامنها، وينهج بها الخير كله، ويَجَنُبهَا مداحض الزلل وعثرات الطريق. لقد هيأ الإسلام للمرأة الوسائل. ورفعها إلى أبعد مما يطمح خيالها، ويصبو أملها، وساق لها من آي الذكر الحكيم، ما بهر سناه بصرها، وما ملكت محجته نفسها، واستقادت بلاغته وحسن مساقه قلبها، وأنصتت لما وصف به

стр. 259

الله رحمته وعزته، وناره وجنته، وما أعد للصابرات والمحسنات من جزيل الأجر وسَنّي المنزلة، فأثر ذلك عاطفتها وجنته، وما أعد للصابرات والمحسنات من جزيل الأجر وسَنيِّ المنزلة، فأثار ذلك عاطفتها وأفاض وجدانها، وأنار بصيرتها. فكان حقا لذلك أن يصيب حبة قلبها، ويجول في مجال دمها، ويتأشب أحناء ضلوعها. وأن يكون خَلجة شفتيها، وظلة رأسها، وسُنة وجهها ومَراد طرفها، وككُل شيء بين يديها. وكذلك كان أمر نساء العرب. فإن أول قلب خفق بالإسلام وتألق بموره، قلب امرأة منهن. وما كانت تلك المرأة سوى النساء، بل لقد هيء لها من جلال الحكمة، وبُعد الرأي، إلى زكاء الحسب، وذكاء القلب، ما عز على الأكثر من الرجال. فلم تأخذ الدين مشايعة، ولم تتلقه مجاملة، بل أخذته عن تأثر به، وظمأ إليه. أجل. لقد تأثرت خديجة بنت خويلد زوج النبي وأم المؤمنين بهذا الدين تأثراً نفذ إلى قلبه الله عليه وسلم، فكانت مبعث الغبطة والسكينة عند تدافع النُّوَب، واشتداد الخطوب. ثم أعقبها جمهور النساء فتأثرن بهذا الدين تأثراً هان وراءه كل شيء. وأول من سبق الضعاف اللواتي فقدن النَّصفة، وعثر بجدهن الزمان. فابتدرن ورده، وتفيأن ظله، واستهن بما أصابهن في سبيله، من ظلم وذل وآلام. وكانت لقريش صولة وانبساط بالأذى على من آمن من أولئك الضعاف حتى لقد تجاوزوا به حدا التعذيب والإيلام، إلى الافتنان في التمثيل، والتأنق في التنكيل. ومن أولئك اللواتي استعذبن العذاب؛ سُمية أمّ عمار بن ياسر. كان بنو مخزوم إذا اشتدت الظهيرة، والتهبت الرمضاء، خرجوا بها هي وابنها وزوجها إلى

стр. 260

الصحراء، وألبسوهم دروع الحديد، وأهالوا عليهم الرمال المتقدة، وأخذوا يرضخونهم بالحجارة، حتى تفادى الرجلان ذلك العذاب المرّ بظاهرة من الكفر. وفيهما وفي أمثالهما أنزل الله بقوله (إلا مَنْ أُكرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئنٌّ بِالإيَمانِ) فأمّا المرأة فاعتصمت بالصبر، وقرّت على العذاب، وأبت أن تعطي القوم ما سألوا من الكفر بعد الإيمان فذهبوا بروحها، وأفظعوا قتلها. وغير سمية كثيرات احتملن فوق ما احتملت. فمنهنّ من كانوا يلقونها، ويحمون لها مكاوي الحديد، ثم يضعونها بين أعطاف جلدها ويدعون الأطفال يعبثون بعينها حتى يذهب بصرها. ومنهن من كانوا يسقونها العسل، ويوثقونها بالأغلال، ثم يلقونها بين الرمال ولها حرٌّ يذيب اللحم، ويصهر العظم، حتى يقتلها الظمأ. وكان عمرو بن الخطاب وهو على دينه القديم، يتولى تعذيب جارية مسلمة

стр. 261

لبني المؤمّل فلا يزال يضربها بالسياط، حتى إذا ملّ قال لها: إني أعتذر إليك إني أتركك إلاملالة فتقول له: كذلك فعل الله بك. إلى ذلك الحدّ احتمل أولئك النساء مظالم الرجال صابرات راضيات مطمئنات لا يسألن رحمة ولا يفزعن إلى حيلة. حتى لقد ذكر رواة السير أنّ المستضعفين من الرجال - إلا بلالا رحمة الله - استنقذوا أنفسهم من الموت بذكر وثن من أوثانهم على حين لم يذكروا عن امرأة شيئاً من ذلك. لم يقف حيال ذلك الأمد السحيق من العذاب موقف الواهن الضعيف. بل لقد استعذبنه. واستهنّ به حتى عَرَضْنَ له؛ ونزعن إليه، إعلاءه لكلمة الله، وإعزازاً لدينه. فكنَّ يَنْبثثن في البيوت لدعوة مَنْ بها من النساء إلى الإسلام. وفي حديث أمّ شريك القريشية العامرية ما يضرب لك المثل الأتَمَ مما نقول قال ابن عباس: وقع في قلب أمّ شريك الإسلام وهي بمكة فأسلمت. ثم جعلت تدخل على نساء قريش سرا فتدعوهنّ وترغبهنّ في الإسلام، حتى ظهر أمرها لأهل مكة؛ فأخذوها وقالوا لها: لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردّك إليهم. قالت فحملوني على بعير ليس تحتي سيئ موطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثاً لا يطعموني ولا يسقوني. قالت: فما أتت علىَّ ثلاث حتى ما في الأرض شيء، فنزلوا منزلا. وكانوا إذا نزلوا وقفوني في الشمس واستظلوا، وحبسوا عني الطعام والشراب حتى يرتحلوا. فبينما أنا كذلك إذ بأثر شيء بارد وقع على منه ثم عاد، فتناوله، فإذا هو دلو ماء؛ فشربت منه قليلا، ثم نزع مني، ثم عاد، فتناولته، فشربت منه قليلا، ثم رفع، ثم عاد أيضاً. فصنع ذلك مراراً حتى رويت ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي. فلما استيقضوا إذا هم بأثر الماء، ورأوني

стр. 262

حسنة الهيئة. فقالوا لي: انحللت فأخذت سقاءنا فشربت منه؟ فقلت: لا والله ما فعلت ذلك. كان من الأمر كذا وكذا. فقالوا: لئن كنت صادقة فدينك خير من ديننا. فنظروا إلى الأسبقية فوجدوها كما تركوها. فأسلموا لساعتهم. ذلك صنيع المستضعفات اللواتي لم يعتصمن إلا بشرف النفس، ولم يأوين إلا قوّة الإيمان. على أنّ ذوات الشرف والمكانة لم يقصرن عن اللحاق بهؤلاء. وإن كان أكثرهنّ قد آمن من ذويهنّ وأزواجهنّ، فمنهنّ اللواتي انفردن بالإسلام دونهم، واحتملن وحدهنّ آلام الهجرة، واعتساف الطريق. فقد آمنت أم كلثوم بنت عُقبة دون رجال بيتها، وفارقت خدرها، ومستقرّ أمنها ودعتها، تحت جنح الليل، فريدة شريدة، تطوي بها قدماها ثنايا الجبال. وأغوار التهائم بين مكة والمدينة، إلى مفزع دينها، ومدار هجرتها، إلى رسول الله ﷺ . ثم أعقبتها بعد ذلك أمّها، فاتخذت سُنتها، وهاجرت هجرتها، وتركت شباب أهل بيتها وكهولهم، وهم في ضلال يعمهون.

стр. 263

وما كان ثبات المرأة وقوّة نفسها، وسبوغ يقينها، واستهانتها بالموت في سبيل دينها وقفاً على عهد رسول الله. بل لقد صحبها كل ذلك، وخامر لحمها ودمها في كل أدوار عظمتها، وظهور شأنها. وإنما نريد بعد عظمة المرأة العربية ذلك العهد الذي احتفظ فيه العرب بعصبيتهم العربية، وذلك عهد الراشدين، والعهد الأموي، وأوائل أيام العباسيين بالعراق، والفاطميين بمصر، وبني مروان بالأندلس. ففي هذا الأيام كان تأثر المرأة شبيهاً بما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما انشعبت الآراء، وتباينت المذاهب في تلكم الأيام، كان ثباتها على رأُيها شبيها بثباتها على دينها. فلم يحوّلها عنه تحوّل الزمان، وتداول الدول. هذا معاوية بن أبي سفيان باقعة قريش وسائسها، ريضت له الدنيا وقرّ لأمره الأمر فتطامنت له رءوس القوم، وخضعت نفوسهم، ونطقت بما يجب ألسنتهم على حين أنّ خصومه اللواتي انضوين إلى علي ﵁ وحرضْنَ عليه وهو بين صفوف صفين لم تأخذهن صولته، ولم يذهب برأيهن وميض سيفه، ولم ينثنين بين يدي وعيده وتهديده، بل كان يستقدم خطيباتهنّ وشواعرهنّ، والزعيمات بالرأي فيهنّ، فكن حياله وهو أمير المؤمنين، كما كنّ يوم صفين. وسيمرّ بك من مقالاتهن ومقاماتهنّ بين يديه. عند كلامنا على أدب المرأة المسلمة ما فيه غناء. كذلك كان إيمان نساء الخوارج وثبات قلوبهن وَرَباطة نفوسهنَّ حين يؤتي بهنّ في صفد الإسار بين الخلفاء والأمراء، وسيوفهم مُصْلتَةٌ، يلتمع شررها بين أعينهن، فلا خوف ولا وهن. فقد أتى عبد الله بن زياد بامرأة من هؤلاء كان لها في قتاله والإغراء به شأن عظيم. فبدأ يقطع رجلها وقال لها: كيف ترين؟ فقالت: إنّ في الفكر في هول المطلع لشغلا عن حديدتكم هذه.

стр. 264

وأتى الحجاج بأخرى منهن فجعل يكلمها وهي لا تلتفت إليه. فقيل لها: الأمير يكلمك وأنت لا تنظرين إليه؟ فقالت: إني لأستحي أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه. فأمر بها فقتلت. وقيدت إليه أخرى فقال: والله لأعدنكم عدّاً، ولأحصدنكم حصداً. فقالت له الله يزرع وأنت تحصد؟ فأين قدرة المخلوق من الخالق؟ وقد أورد الجاحظ والمبرد حديث البَلْجاء وأفاضاه. وهي امرأة خارجية من بني تميم نهضت تثير الخوارج في العراق، وتؤلبهم على عبيد الله بن زياد. فنذر بها عبيد الله قالوا: وذهب إلى شيخ الخوارج أبي بلال بن حُدير ذاهب، فقال له: يا أبا بلال إني سمعت الأمير البارحة عبيد الله بن زياد يذكر البلجاء وأحسبها ستؤخذ فمضى إليها أبو بلال فقال لها: إن الله قد وسع على المؤمنين في التَّقِيَّة فاستتري، فإن هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد؛ قد ذكرك. فقالت: إن يأخذني فهو أشقى بي، فأما أنا فما أحب أن يُعْنت إنسان بسببي. فوجه إليها عبيد الله. فأُتى بها. فقطع يديها ورجليها، ورمى بها في السوق. فمرّ أبو بلال والناس مجتمعون فقال: ما هذا؟ فقالوا: البلجاء. فعرج إليها. فنظر، ثم عض لحيته وقال لنفسه. لهذه أطيب نفساً عن بقية الدنيا منك يا مرادس. قالوا: ولبثت ما شاء الله أن تلبث، ولم تسمع لها آهة ولا أنة، إلا أن تذكر الله وتشكره. ذلك قبل قليل من كثير، مما يشهد للمرأة العربية في عهد إسلامها باحتكام الدين في ذات نفسها، واستهانتها بالدم والروح في سبيله. ولقد كان سبيل ذلك أن تأثرت كذلك بأدب الإسلام، وخرجت عما احتكم بَها في الجاهلية من عادة نافرة، وتقليد ذميم.

стр. 265

وأول ما لقنتّ من أدب الله ورسوله، الاعتصام بالصبر، إذا دجا الخطب وجل المصاب. وهي وإن وسمت في الجاهلية بالصبر عند اشتداد الدهر وجهد البلاء. إنها لتعافه وتأباه إذا ذهب الموت بعزيز كريم من آلها وعشيرتها فهنالك يجتمع نساء الحي للمأتم، حواسر الرؤوس سوافر الوجوه، يشققن الجيوب، ويلطمن الوجوه، ويهجن الباكيات، بما يثير الرابض، والشجو المميت. وعادة المناحة على السيد الشريف أن تظل سنة كاملة. ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر ذلك ما حال دونه الإسلام، ومنع المرأة أن تفعله، أو تقرب شيئاً منه. فإن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة، وبايعه الرجال على الإسلام، وقدم عليه النساء، فقلن يا رسول الله إن رجالنا قد بايعوك، وإنا نحب أن نبايعك فمدّ رسول الله يده إليهن. فبايعنه. وكان مما أخذ عليهن في بيعتهن: ألا ينحن، ولا يخمشن وجهاً، ولا يشققن جيباً، ولا يدعين ويلا، ولا ينشرن شعراً، ولا يقلن هجراً. وبذلك كان رسول الله يبايع كل من بايعته. تلك البيعة طوقت بها أعناق المؤمنات جميعاً، فأصبحت من أركان دينهن، وعمد إيمانهن ثم أصغين إلى ما كتب الله للصابرين والصابرات من جليل الأجر وجميل المثوبة، ورأينه خَلة الأنبياء وسنة الصديقين، وآية المقربين، وقرآن قول الله تباركت حكمتك (إنَّمَا يُوَفىَّ الصَّابرونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) وقوله جلت آياته في الصابرين: (أُولئك عَلَيْهمْ صَلَوات مِنْ رَبَّهمْ ورَحْمة وأُولئك هُم المُهتدُونَ) وسمعن قول رسول الله ﷺ فيما يحدّث عن الله : إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل

стр. 266

ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً أو أنشر له ديوناً وقوله ﵊: يقول الله ما لعبدي المؤمن جزاء إذا قبضت صفية من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة. وقوله ﷺ لجماعة النساء: يا معشر النساء ما منكن امرأة تقدّم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار. فقالت امرأة: واثنين؟ فقال: واثنين. كل ذلك وأشباهه - وكثير ما هو - سمعنه ووعينه. فكان مسلاة نفوسهن، وراحة قلوبهن، وبرد أكبادهن. أو لم ترى إلى الخنساء وما ذهب به الدهر من حديث جزعها، وتصدع قلبها وازدهاف لبها، واضطرام حشاها، على أخويها صخر ومعاوية، مما نطقت به أشعارها، وذاعت بَحره أخبارها؟ لقد استحال كل ذلك إلى صبر أساغه الإيمان، وجمله التقى. فلم تأس على فائت من متاع الحياة الدنيا. أولئك أبناؤها. وهم أشطار كبدها، ونياط قلبها، خرجوا إلى القادسية وكانوا أربعة، فكان مما أوصتهم به قولها: يا بني إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنوا رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما هجَّنت حسبكم، وما غيرت نسبكم: واعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية. اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله تفلحون. فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها، وجللت ناراً على أوراقها، فيمموا وطيسها. وجالدوا رسيسها، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة. فلما كثرت الحرب عن نابها، تدافعوا إليها، وتوقعوا عليها، وكانوا عند ظن أمهم بهم، حتى قتلوا واحداً في أثر واحد.

стр. 267

ولما وافتها النعاة بخبرهم، لم تزد على أن قالت الحمد الله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من الله أن يجمعني بهم في مستقر الرحمة. ذلك أبعد مدى تبلغه المرأة من جلال الصبر، وقوة الإيمان. ولعل أبعد منه ما حدَّث أنس بن مالك، عن أمه أم سُليم بنت ملْحان الأنصارية زوج أبي زيد بن سهل قال: مرض أخ لي من أبي طلحة يدعى أبا عمير. فبينا أبو طلحة في المسجد مات الصبي. فهيأت أم سليم أمره، وقالت: لا تخبروا أبا طلحة بموت أبنه. فرجع من المسجد وقد تطيبت له وتصنعت. فقال: ما فعل ابني؟ قالت: هو أسكن مما كان. وقدمت له عشاءه. فتعشى هو وأصحابه الذين قدموا معه. ثم أتمَّا ليلتهما على وأوفق ما يكون الزوجان. فلما كان آخر الليل قالت: يا أبا طلحة، ألم تر إلى آل فلان، استعاروا عارية، فتمتعوا بها، فلما طلبت إليهم شقّ عليهم؟ قال: ما أنصفوا. قالت: فإن ابنك فلاناً كان رعاية من الله فقبضه إليه. . فاسترجع وحمد الله وقال: والله لا أدعك تغلبينني على الصبر. حتى إذا أصبح غدا على رسول الله. فلما رآه قال: بارك الله لكما في ليلتكما. فاشتملت منذ تلك الليلة على عبد الله بن طلحة. ولم يمت عبد الله حتى رزق عشر بنين كلهم حفظ القرآن وأبلى في سبيل الله.

стр. 268

ذلك مثل الكمال في أسمى فضائله. على أن الإسلام قد أباح للناس أن يشتقوا بالدمع ويستريحوا إلى البكاء. فقد حدث البخاري أن رسول الله حمل ابناً لابنته زينب قد حُضر ونفسه تقعقع في صدره. ففاضت عيناه. فقال له سعد بن معاذ؛ ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة وضعها الله في قلوب من شاء من عباده، ولا يرحم الله من عباده إلا الرحماء أما ما سوى البكاء، فقد لعن رسول الله الصالقة والحالقة والشاقة. بل لقد أمرت إذا مَر أعز موتاها - إلا زوجها - ثلاثة أيام أن تعود إلى سابق عهدها من زينة وطيب. فقد روى البخاري عن زينب ابنة سلمة أنها دخلت على زينب بنت جحش زوج رسول الله حين توفى أخوها. فدعت بطيب فمست منه. ثم قالت: أما والله مالي بالطيب من حاجة؛ غير أني سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تجدّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً.

стр. 269

كذلك عمد الإسلام إلى قلب المرأة العربية فاستل سخيمته، وأخرج ضغينته وطهره من غل الثائر، ونزعة الانتقام. وقد كان ذلك من أشد ما يجيش به صدرها، وتهتف به نفسها، ويقذف حممه فمها ولسانها. فاليوم وقد شرع الله القصاص في الدنيا والآخرة واستنقذ العرب من مفارق الفرق، ومنازع الفتن، وألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا، فقد تبدّل الحقد وُدَّا، واستحالت البغضاء ولاء. وأني يكون لسخائهم النفوس، وتطلب الأوتار، من أثر في صدر المرأة العربية المسلمة، وقد لعن رسول الله ﷺ الداعين بدعوة الجاهلية وقال: ليس منا من دعا بدعوة الجاهلية. وما دعوة الجاهلية إلا أن يقول الرجل أو المرأة: يالفَلان. فتعقد الألوية، وتجاش الجيوش، وتنتضي السيوف، وتخلص الدماء إن ظالماً وإن مظلوماً.

стр. 270

وهل طوى قلب على أشدّ وأهول مما طوى عليه قلب هند ابنة عتبة، من سموم الموجدة ونيران العداوة لرسول الله، وآل بيته؟ فهم الذين قتلوا آلها يوم بدر، واستقادوا زوجها يوم زحفهم على مكة. وهي التي أهدر نبي الله دمها يوم فتح مكة جزاء تمثيلها بُجثْمان عمه حمزة يوم أُحد؛ فجاءته مقنعة تبايعه فقالت: يا رسول الله الحمد لله الذي أظهر الدين الذي لنفسه لتنفعني رحمك. يا محمد إني امرأة مؤمنة بالله؛ مصدقة برسوله ثم كشفت عن نقابها فقالت: أنا هند بنت عتبة فقال رسول الله: مرحبا بك، فقالت: والله ما كان على الأرض من أهل خباء أحب إليَّ أن يذلوا من خبائك، ولقد أصبحت وما على الأرض أهل خباء أحب إليَّ أن يعزوا من خبائك.

стр. 271

ففي سبيل الله، وفي سبيل دينه، ما غسل الدم، وزالت الوحشة، وأُتلفت نوافر القلوب. وكما أنّ الله طهر نفس المرأة من نزعة الحقد، وأبرأ قلبها من قرحة الغلّ، كذلك حسر عن عقلها حجاب الجهل؛ ونزع عن إدراكها غشاء الأباطيل. فلم تخضع لعقيدة فاسدة، ولم ترضخ لوهم ممُوه. وعلمت أنّ الله قد أسدل حجُب الغيب دون أوليائه وأصفيائه، فلم تطلبه، أو تحاول كشفه؛ فطويت بذلك صحف الكهان والعرافين؛ وزواجر الطير؛ وطوارق الحصى. وأمثال كل أولئك؛ من كل ذوي لغو مموهّ، وظن مُرجّم، وظلالة باطلة. وتبينت أن الأمر كله بيد الله، وأنه وحده مقلب القلوب، ومُحَول الحالات، فلم تَحْتَل على الحبّ واللقاء؛ والبُرْء والشفاء. ومدّ حبل العُمُر؛ وردّ سهم القَدَر؛ بتعليق الخرزات؛ والاستقاء بمائها؛ ولا يقل الرقي، وعقد التمائم. فلم يكن مفزعها في الأمر كله إلا الدعوة الصالحة: والرجا الطيب في الله وحده. وبطل ما كانت تعتقد في المعاني التي ألبسها الخيال لَبوساً من الأشباح المترائية. فلم تعد تعتقد في صور الهواتف؛ ولا أصداء الأرواح

стр. 272

كل أولئك محاه الدين، ومحقه العلم الصحيح، وقد علمت مبلغ إيمانها بالأول: وستعلم مبلغ نفاذها في الثاني. ولم يقف الإسلام بالمرأة عند حدّ صلاح قلبها، وخفيات قلبها. بل نظر إلى وجهها وظواهر هيئتها. فحرم عليها تمويه خلقها، وتلوين وجهها، وتوصيل شعرها، وكشف صدرها، والتبرج في ثيابها؛ وإبداء زينتها؛ إلا ما ظهر منها وأشباه ذلك، مما يدل فطرة الله ويغري مرضى القلوب؛ ويحول بينها وبين جدّ العمل؛ وسموّه الحياة. على أن الإسلام أباح للمرأة فيما سوى ذلك أن تتخذ من الثياب أدقها وأرقها. ومن الحلي أنفسها واضوأها، وأن تَدّهن، وتكتحل؛ وتختصب. وتتطيب، وتتجمل ما شاءت أن تتجمل. فقد خطب على كرم الله وجهه فاطمة بنت رسول الله؛ فباع بعيراً له بثمانين وأربعمائة درهم. فقال رسول الله ﷺ : اجعلوا ثُلُثين في الطيب وثُلُثاً في الثياب. وكانت عائشة أم المؤمنين تلبس المُعَصْفر؛ والمضرج من الثياب. وفيها الخزُّ والحرير. وتتحلى بالذهب. وربما حجت في بعض ذلك. وكذلك كان يفعل نساء رسول الله ودخلت عليها امرأة معصفرة فسألتها عن الحناء فقالت: شجرة طيبة وماء

стр. 273

طهور. وسألتها عن الحفاف فقالت لها: إن كان زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك فتصنعيهما أحسن مما هما فافعلي. وبعد فذلك مجمل ما أحدث الإسلام من الأثر في قلب المرأة ولبها وعادتها وهيئتها فأما فضائلها التي جملها الله بها في عهد جاهليتها؛ فقد ازدادت رسوخاً وتمكيناً في عهد إسلامها، حتى بلغت بها غاية جلالها وكمالها. فقد حدّث البخاري أن رسول الله ﷺ أتى النساء بعد صلاة العيد. فكلمهن في الصدقة. فأخذن ينزعن الفتُخ والقِرَطة والعقود والأطواق والخواتيم والخلاخيل ويلقينها في ثوب بلال - وكان بلال قد بسط ثوبه ليضع فيه النساء صدقاتهن. وبذلك رقأت عبرة اليتيم، وبردت لوعة المسكين. وكذلك فعل النساء حين نزلت آية الصدقة: (إنَّ المُصَّدّقِين والمُصّدّقاَتِ وأْقَرضُوا اللهَ قرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهمْ ولهم أَجْرٌ كرِيمٌ). وكان كثير من الإحسان في الجاهلية مما تثيره المنافسة، وحسن الأحدوثة فأصبح بالإسلام مما تفيض به الرحمة، ويبعثه ابتغاء مرضاة الله. فقد حدث ابن سعد عن عروة قال: رأيت عائشة تَصدق بسبعين ألفاً، وأنها لترقع جانب درعها. وحدث عن أم ذرة: بعث ابن الزبير إلى عائشة بمال في غرارتين يبلغ مائة ألف، فدعت بطبق - وهي يومئذ صائمة - فجعلت تقسم في الناس. فلما بلغ أمست قالت: يا جارية، هاتي فطري. فقالت أم ذرة: أما استطعت فيما أنفقت أن تشتري بدرهم لحماً تفطرين عليه، فقالت لا تَعنّفيني! لو كنت أذكرتني لفعلت.

стр. 274

وحدثت برزة بنت رافع: لما خرج العطاء أرسل عمر إلى زينب بنت جحش بالذي لها. فلما دخل عليها قالت: غفر الله لعمري! غيري من أخوتي أمهات المؤمنين كان أقوى على قسم هذا مني. قالوا: هذا كله لك فاستترت منه بثوب وقالت: صبوه واطرحوا عليه ثوباً. ثم قالت لي: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي به إلى بني فلان وبني فلان - من أهل رحمها وأيتامها - حتى بقيت بقية تحت الثوب. فقالت لها برزة: غفر ما تحت الثوب. وحدث محمد بن كعب قال: كان عطاء زينب اثني عشر ألف درهم حمل إليها فقسمته في أهل رحمها، وفي أهل الحاجة، وحتى أتت عليه. فبلغ عمر فقال: هذه امرأة يراد بها خير. فوقف على بابها وأرسل بالسلام وقال: قد بلغني ما فرقت، فأرسل إليها بألف درهم لتنفقها، فسلكت بها طريق ذلك المال. وقالت زينب حين حضرتها الوفاة: إني قد أعددت كفني. ولعل عمر سيبعث إلي بكفن فإن بعث بكفن فتصدقوا بأحدهما. إن استطعتم إذا دليتموني أن تصدقوا بحقوي فافعلوا. وكانت سكينة بنت الحسين تجود بكل ما تجد من مال. فإن لم يكن مال فبدملج تنزعه، أو سوار. وخرجت عاتكة بنت يزيد بن معاوية عن مالها كله لفقراء آل أبي سفيان.

стр. 275

وما استبقت المرأة والرجل في سبيل الكرم إلا وكانت هي أبعد مدى، وأطول يدا، وأصدق ندى لأنها تفقدت بإحسانها مواطن البؤس، وتتبعت مواقع الشقاء فحسمت الجرح الدامي، وسترت الجسد العاري، وراشت الجناح المهيض على حين تعمد الرجل بحرّ إحسانه قالت الشعر، ورواة الأخبار، فأذاعوا ذكره، وأنبهوا قدره وأكبروا أمره وعمدوا إلى موفور ما أكسبهم فصرعوه في مصارع المال، من سرف ولهو وضلال. وأي رجل ذلك الذي يهب على البيت من الشعر ألف دينار، وجاراته طاويات الحشى، باديات الضنى، قامحات الظما زغب الحواصل لا ماء ولا شجر؟ وأن فيما أتم الله على المرأة المسلمة من نعمة الصبر، وحبّ الإحسان لآية مما بلغته من شتات الفضائل التي أخذ بعضها بحُجُزات بعض، فبلغت منهن المقام الأوفى، والمكان المكين. ففي الوفاء لبيتها وزوجها وبنيها، كانت بحكم الإسلام وتأثيره المثل الأعلى والقدوة الصالحة، وقد علمت من حديث أسماء بنت يزيد أن الوفاء لذلك كله يعدل عند الله ما يعانيه الرجل من الجهاد في سبيل الله، وما فوقه، وما دونه. وفي حديث البخاري أن المرأة راعية على بيتها، مسئولة عنه. وكما أن الله حبب إلى الرجال مصابرة أزواجهم، وإيلاف قلوبهن، وبذل الود والرفق لهن، كذلك حبب إلى النساء مثل ذلك في أزواجهن.

стр. 276

فقد حدّث ابن سعد عن عمرو بن سعيد قال: كان في عليّ ﵁ على فاطمة شدّة. فقالت والله لأشْكُوَنك إلى رسول الله. فانطلقت. وانطلق علي بأثرها. فقام حيث يسمع كلامهما. فشكت إلى رسول الله غلظ عليّ، وشدّته عليها. فقال: يا بنية! اسمعي واستمعي واعقلي: إنه لا إمرة لا تأتي هوى زوجها وهو ساكت. قال عليٌ: فكففت عما كنت أصنع وقلت: والله لا آتي شيئا تكرهينه أبدا. كذلك درجت المرأة المسلمة على مواتاة زوجها ومصافاته، واستخلاص نفسها له واحتمال نبوة الطبع منه. وأكثر ما كان صفاء نفسها وسماح خلقها وعذوبة طبعها، إذا استحال الدهر بالرجل فرزاه في ماله، أو نكبه في قُوته، أو بَدَّلهَ بكرم المنصب، وروعة السلطان، أعرافا من السجن، وأصفاداً من الحديد. بل لقد كان له بعد عفاء أثره، وامّحاء خبره، عديل وفائها له وهي بين أفياء نعمته، وأكناف داره. وكان إيثار الإسلام له بِمدَّ حدادها عليه أربعة أشهر وعشرة أيام، لا تتجمل في أثنائها. ولا تزدان، ولا تفارق داره إلى دار أبيها سُنَّة من سنن هذا الوفاء، وآية من آياته. لذلك كانت المرآة المسلمة ترى الوفاء لزوجها بعد الموت، وآثر مما تراه لأبيها وأمها وذوي قرابتها. فكانت تؤثر فضائله، وتذكر شمائله في كل مواطن ومقام. بل ربما عرض ذكره وهي بين خليفته من بعده، فلا تتحرّج في ذكر فضائله وتفضيله إن كانت ترى الفضل له. ومن حديث ذلك: أنّ أسماء بنت عُميس كانت لجعفر بن أبي طالب، ثم لأبي بكر من بعده. ثم خلفهما عليٌ كرم الله وجهه ورضى عنه: فتفاخر مرة ولداها

стр. 277

محمد بن جعفر ومحمد بن أبي بكر، كل يقول أنا أكرم منك، وأبي خير من أبيك. فقال لها عليٌّ: اقضي بينهما يا أسماء. قالت: ما رأيت شابّاً من العرب خيراً من جعفر، ولا رأيت كهلا خيراً من أبي بكر. فقال علي: ما تركت لنا شيئاً، ولو قلت غير الذي قلت لمقتك!. . فقالت أسماء: إنّ ثلاثة أنت أقلهم لخيار. ذلك علي بن أبي طالب فتى المسلمين، وأحبهم إلى رسول الله، وأعلمهم بدين الله، وأشدّهم بلاء في سبيل الله، آثرت عليه امرأته زوجيها السالفين، ولو جعلته خير الثلاثة لعقدت بكفيها لواء أنصاره وشيعته، وهم جمهور عظيم من المسلمين. ثم انظر إلى علي ﵁ كيف رأى امرأة وأعظم وفاءها في قوله: ولو قلت غير الذي قلت لمقتُك. وأشد من ذلك وأجل وأعظم، أن تفي المرأة لزوجها بعد موته. وفي وفائها الموت النافذ، والبلاء المحيق. ومثال ذلك ما حدّثوا أن مُصعب بن الزبير لما غاب على المختار بن أبي عبيد الثقفي ثائر العراق وسفاحها وقتله، عرض آله وشيعته. فمن لم يقرّ بكفره ويبرأ

стр. 278

منه، ألحقه به. فلم يبق على عهده، والوفاء له، إلا امرأته عمرة بنت النعمان بن بشير، فقد قالت حين سئلت: أشهد لقد كان عبداً من عباد الله الصالحين فأمر بها فقتلت، ولم تفتد نفسها حين ضربت بالسيف بكلمة واحدة تُبرئها منه مع أنها ضربت ثلاث مرات دون القتل. وتلك إحدى عثرات مصعب وسيئاته. وفي عمرة وما حدث لها يقول عمر بن أبي ربيعة: إن من أكبر الكبائر عندي ... قتل حسناء غادة عُطْبول قتلت باطلا على غير ذنب ... إن الله دَرها من قتيل كُتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات من الذيول ومع أن رغبة الأيم عن الزواج، وكراهيتها له، واعتكافها دونه، لم يكن من مبادئ الإسلام في شيء - فإن كثيراً من الأيامى أنِفن أن يتَبدَّلن ببعولتهن زوجاً آخر، وفاء لهم، وبقيا على ذكراهم. فقد روي صاحب أخبار النساء أن رسول الله ﷺ ذهب إلى امرأة يخطبها فقالت: يا رسول الله إني عاهدت زوجي ألا أتزوج بعده. فقال: إن كان ذلك في الإسلام ففي له. بل لقد ظهر من عمدت إلى مواطن الجمال من وجهها فشوهته حتى لا يرتضيها الناس ولا يبتغونها. ومن أولئك نائلة بنت الفُرَافِصَة زوج عثمان ﵁. فقد تكاثر عليها طابها بعد قتل زوجها فأبتهم جميعاً. ولما خطبها معاوية بن أبي سفيان قالت: ووما أعجب أمير المؤمنين مني؟ قيل لها: حسن ثغرك. وكانت كأحسن النساء ثغراً. فدقت ثناياها وقالت: أذات ثغر تراني بعد عثمان؟

стр. 279

وقد صنعت خَولة بنت منظور بن زيان صنيع نائلة حين خطبها عبد الملك بن مروان بعد مقتل زوجها عبد الله بن الزبير. فقد أنحت على أسنانها تحطيماً لتشوه أجمل ثغر أبدعه الله. ومنهن زوج هُدبة بن الْخَشْرَم العذري، أَخذ عليها زوجها حين قيد إلى القتال، وأبصر طلعة الموت، ألا تتزوج بعده أحمق، أو لئيما فعمدت إلى سكين فقطعت أنفها، وقالت: أفيَّ مطمع لما تقول بعد ذلك؟ الآن طاب ورود الموت ومما حدث الأصمعي قال: رأيت بالبادية أعرابية لا تتكلم. فقلت أخرساء هي؟ فقيل لها: لا، ولكن كان زوجها مُعْجَباً بنغمتها فلم توفي أطبقت فمها فلا تتكلم بعده أبداً. على أن الإسلام وأن لم يحمد من المرأة كراهيتها للزواج بعد زواجها. ولم يعتدّ ذلك وفاء منها. لقد شكره لها. وأجزل عليه مثوبتها. إن اعتزمته. وأقدمت

стр. 280

عليه. فاء لأبنائها ورعياً عليهم وضنا بهم أن يضيعوا عند غير أبيهم. فقد علمت من أمر أم هانئ بنت أبي طالب كيف أبت على نفسها شرف الزواج برسول الله ﷺ ، وفاء لأبنائها، وقضاء لحق الله، وحق التربية فيهم، وكيف امتدحها النبي، وشكر لها ذلك. وكان ذلك بعض عذر أم سلمة حين خطبها رسول الله فأرسلت تقول له: إني مُصِبية. فأرسل إليها: أما ما ذكرت من أيتامك فعلى الله وعلى رسوله. فقالت عند ذلك مرحبا برسول الله. ومات مالك بن النضر وابنه أنس رضيع، وزوجه أم سليم شابة حَدَثة. فكثر خطابها فقالت: لا أتزوج يأمرني أنس. فوفت بعهدها وبرت. وكان ذلك من مما أرضى رسول الله ﷺ عنها. وقالت امرأة من نساء اليمامة تدعى أم أثال وكانت كأحسن النساء وجهاً فلما مات زوجها، تدافع الخطاب على بابها فردّت كل خاطب، وفاء لأبنها أثال: لعمر أثال أفدى بعيشه ... وإن كان في بعض المعاش جفاء إذا استجمعت أم غضن طرفه ... وشاعره دون الدثار بلاءُ ذلك بعض حديث المرأة المسلمة في الوفاء لخير ما خلقت له، ووكلت به. وإن لنا لعودة إليه في الكلام على تأثير المرأة المسلمة في الرجل، وتكوينها له، إن شاء الله تعالى. وبعد فإن نساء العرب في الإسلام لم يدعن لرجالهن خلة يستأثرون بها دونهن، ولم يتركن سبيل من سبل العظائم، ولا مشرفاً من مشارف المكارم إلا وكن السابقات إليه، الواثبات إلى غايته. حتى لقد جاذبن الرجال حبل البطولة،

стр. 281

واصطلين نيران الحروب، فأمَلْنَ ميزانها، وأثرن نيرانها، وعَقَدْن دخانها، وملكن عنانها. وهن وإن غشين الحرب لما دون القتال من إفاضة الرجمة، وبذل المعونة، لا يجدن بداً من انتضاء السيوف إذ أجفل الرجال، ورجفت قلوبهم، ورأين من لوائح الهزيمة ما لا خير في الحياة بعده. ولعل من النساء يقول: وما عسى المرأة أن تفعل ذلك يومذاك؟ ألا أنها لا تدع الرجل يقول: وما عسى الرجل يفعل يوم ذلك؟ وهل تجد الشَّجاعة إلا قوة تفيض من اليقين الثَّبْت، والصبر المكين، فتصدع ركن الدهر، وتفل غرب الحادثات. فانظر كيف تجد المرأة من جلال الصبر، وقوة الأيمان، ثم تبين مبلغ غنائها وكفايتها، إذا أحرج صدرها، واشتملت الحرب العوان عليها؟ ونحن بعون الله سائقون لك من مواقف النساء في مخاضات الدماء وتلك هي أسماء بعضهن، وأثارة من أثرهن، ووصف بعضهن: - نسيبة بنت كعب المازنية لكل بطل موقف عرف به، وأثر عنه، وكان مهبط الشرف من حياته، ومعقد الفخر من سيرته. وليس هنالك موقف أملأ للقلب، وأملك للنفس، وآثر في التاريخ، من موقف نسيبة بنت كعبة. خرجت نسيبة في جيش المسلمين يوم أحد، تسقي الظمأ، وتأسو الجرحى، وكانت غرة الحرب وطلعتها للمسلمين. ثم أشاحت بوجهها عنه، فتناولتهم سيوف المشركين، تنها من نحورهم وتطعن في ظهورهم، فانكشفوا وولوا مدبرين،

стр. 282

إلا عشرة أو نحوهم، وقفوا يدرءون عن رسول الله ويحولون دون الوصول إليه. هنالك جاء دور نسيبة، فانتفضت سيفها واحتملت قوسها، وذهبت تصول وتجول بين يدي رسول الله: تنزع عنه القوس، وتضرب بالسيف وحولها من الغُر المذاويد عليٌ وأبو بكر وعمر وسعد وطلحة والزبير والعباس، وولداها وزوجها فكانت من أظهر القوم أثراً، وأعظمهم موقفاً. وكانت لا ترى الخطر يدنو من رسول الله حتى تكون سداده وملء لهوته حتى قال ﷺ : ما التفتّ يميناً وشمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني. ومما حدث به ابنها عمارة قال: جُرحْتُ يومئذ جرح في عضدي اليسرى. ضربني رجل كأنه الرَذقل، ومضى عني، ولم يُعَرَذج علي، وجعل الدم لا يرقأ. فقال رسول الله ﷺ : أعصب جرحك. فأقبلت أمي إلى، ومعها عصائب في حقويها. قد أعتدتها للجراح. فربطت جرحى، والنبي واقف ينظر إليّ. ثم قالت: أنهض بُني، فضارب القوم، فجعل النبي ﷺ : ومن يُطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ قالت: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني فقال رسول الله: هذا ضارب ابنك، قالت: فاعترضت له، فضربت ساقه، فبرك. قالت: فرأيت رسول الله يبتسم حتى رأيت نواجذه، وقال: استقدّت يا أمّ عمارة. ثم أقبلنا نَعُلُّه بالسلاح حتى أتينا على نفسه. فقال النبي ﷺ : الحمد لله الذي ظفرك وأقرّ عينك من عدّوك، وأراك ثأرك بعينك. وأُصيبت نسيبة في هذا اليوم بثلاثة عشر جرحا، واحد منها غار في عاتقها فنزف الدم منه، وهي رغم ذلك كالصاعقة الساحقة تضرب في نحور العدوّ،

стр. 283

وترتمي بين صفوفهم غير آبهة ولا دارية بالدم الناعر من جسمها. فقال رسول الله: أمّك أُمّك اعصب جراحها. بارك الله عليك من أهل بيت. مقام أمك خير من مقام فلان وفلان. فلما سمعت أمّه قالت: ادع الله أن نرافقك في الجنة. فقال: اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة. فقالت: ما أبالي ما أصابني في الدنيا. خَوْلَة بنت الأَزْوَرِ أخت القائد العظيم ضرار بن الأزور الكندي. وهي إحدى عقائل العرب، وبقية بنات الملوك. وبيتها بيت رسخت دعائمه على القوّة والمضاء في الجاهلية والإسلام. قتل أبوها بين يدي رسول الله دفاعا عنه. وأخوها ضرار من القادة الذين لا يغنى غناءهم أحد، وكان يُقاسُ إذا اشتملت عليه الوقائع بألف رجل. أما هي، فقد أوتيت من جمال الوجه، ومضاء القلب، ورباطة الجأش والاستبسال في القتال، ما لم يتح لكثير من الناس. ولها مواطن غرٌّ صالحات، شفت قلوباً، وروعت قلوباً. منها ما نحن ذاكروه لك، مما حدث به الواقدي قال: لما أُسر ضرار بن الأزور في وقعة أجنادين، سار خالد بن الوليد في طليعة من جنده لاستنقاذه فبينما هو في الطريق، مرّ به فارس معتقل رمحه، لا يبين منه إلاَّ الحَدقَ، وهو يقذف بنفسه، ولا يلوي على ما وراءه، فلما نظره خالد قال: ليت شعري منّ هذا الفارس؟ وأيم الله إنه لفارس ثم اتبعه خالد والناس من ورائه، حتى أدرك

стр. 284

جند الروم. فحمل عليهم، وأمعن عليهم، وأمعن بين صفوفهم، وصاح بين جوانبه، حتى زعزع كتائبهم، وحطم مواكبهم، فلم تكن غير جولة جائل، حتى خرج وسنانة ملطخة بالدماء. وقد قتل رجالا، وجندل أبطالاً ثم عرض نفسه للموت ثانية، فاخترق صفوف القوم غير مكترث، وخامر المسلمين من القلق والإشفاق عليه شيء كثير. وظنه أناس خالدا. حتى إذا قدم خالد قال له رافع بن عميرة: من الفارس الذي تقدّم امامك؟ فلقد بذل نفسه ومهجته، فقال خالد: والله لأنا أشد إنكاراً وإعجاباً لما ظهر من خلاله وشمائله وبينا القوم في حديثهم، خرج الفارس كأنه الشهاب الثاقب، والخيل تعدو في أثره. وكلما اقترب أحد منه ألوى عليه، فأنهل رمحه من صدره، حتى قدم على المسلمين، فأحاطوا به وناشدوه كشف اسمه، ورفع لثامه، وناشده ذلك خالد، وهو أمير القوم وقائدهم. فلم يحر جواباً. فلما أكثر خالد أجابه وهو ملثم فقال: أيها الأمير إني لم أعرض عنك إلا حيا منك، لأنك أمير جليل، وأنا من ذوات الخدور، وبنات الستور. وإنما حملني على ذلك إني مُحْرَقة الكبد، زائدة الكمد، فقال خالد: من أنت؟ قالت: أنا خولة بنت الأزور. كنت مع نساء قومي، فأتاني آت بأن أخي أسير، فركبت، وفعلت ما رأيت. وهنالك صاح خالد في جنده، فحملوا وحملت معهم خولة، وعظم على الروم ما نزل بهم، فانقلبوا على أعقابهم، وكانت تجول في كل مكان علّها أن تعرف أين ذهب القوم بأخيها، فلم تر له أثراً، ولا وقفت له على خبر. على أنها لم تزل على جهادها، حتى استنقذ لها أخوها. ومن مواقفها الرائعة، موقفها يوم أسر النساء في موقعة صحورا. فقد وقفت في النساء وكانت قد أسرت معهن، فأخذت تثير نخوتهن، وتضرم نار الحمية في قلوبهن، ولم يكن من السلاح شيء معهن، فقالت: خذن أعمدة الخيام وأوتاد

стр. 285

الأطناب، ونحمل على هؤلاء اللئام، فلعل الله ينصرنا عليهم. فقالت عَفّرَا بنت عَفَار: والله ما دعوت إلى ما هو أحب إلينا مما ذكرت. ثم تناولت كل واحدة عموداً من عمد الخيام، وصحن من صيحة واحدة. وألقت خولة على عاتقها عمودها، وتتابع النساء وراءها. فقالت لهن خولة: لا ينفك بعضكن عن بعض، وكُنَّ كالحلقة الدائرة، ولا تتفرقن فتُملكن فيقع بكن التشتيت وأحطمن رماح القوم، واكسرن سيوفهم. وهجمت خولة، وهجم النساء وراءها، وقاتلت بهن قتال المستيئس المستميت، حتى استنقذتهن من أيدي الروم، وخرجت وهي تقول: نحن بنات تَّبعٍ وحِمْير ... وضربنا في القوم ليس ينكر لأننا في الحرب نار تُسعر ... اليوم تُسقون العذاب الكبر صفية بنت عبد المطلب هي عمة رسول الله ﷺ ، وأم الزبير بن العوام أحد القادة العظام في الإسلام. وكان من حديثها: أن رسول الله ﷺ لما ثار عليه الأحزاب وحلَفائهم وذهبت جموعهم إلى المدينة تريد القضاء على المسلمين جميعاً - جمع النساء والصبيان في حصن بني حارثة، حتى لا يمسهم السوء. واعتصم بالحصن يومئذ حسان بن ثابت وكان ضعيفاً واهن القلب. وكانت صفية يومئذ بين النساء. فبينا هي مشرفة من الحصن، بصرت فارس يهودي يطيف بالحصن. فخشت أن يقتحمه، أو يدل عليه. فقالت لحسا: أنا هذا اليهودي يطيف بالحصن، وأني والله ما آمنة أن يدل علينا من وراءنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. قال يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب! والله لقد
следующие страницы →