← Фикх общий

Фикх общий · id 37059

المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

عبد الله العفيفي

Полный текст (543 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

واصطلين نيران الحروب، فأمَلْنَ ميزانها، وأثرن نيرانها، وعَقَدْن دخانها، وملكن عنانها. وهن وإن غشين الحرب لما دون القتال من إفاضة الرجمة، وبذل المعونة، لا يجدن بداً من انتضاء السيوف إذ أجفل الرجال، ورجفت قلوبهم، ورأين من لوائح الهزيمة ما لا خير في الحياة بعده. ولعل من النساء يقول: وما عسى المرأة أن تفعل ذلك يومذاك؟ ألا أنها لا تدع الرجل يقول: وما عسى الرجل يفعل يوم ذلك؟ وهل تجد الشَّجاعة إلا قوة تفيض من اليقين الثَّبْت، والصبر المكين، فتصدع ركن الدهر، وتفل غرب الحادثات. فانظر كيف تجد المرأة من جلال الصبر، وقوة الأيمان، ثم تبين مبلغ غنائها وكفايتها، إذا أحرج صدرها، واشتملت الحرب العوان عليها؟ ونحن بعون الله سائقون لك من مواقف النساء في مخاضات الدماء وتلك هي أسماء بعضهن، وأثارة من أثرهن، ووصف بعضهن: - نسيبة بنت كعب المازنية لكل بطل موقف عرف به، وأثر عنه، وكان مهبط الشرف من حياته، ومعقد الفخر من سيرته. وليس هنالك موقف أملأ للقلب، وأملك للنفس، وآثر في التاريخ، من موقف نسيبة بنت كعبة. خرجت نسيبة في جيش المسلمين يوم أحد، تسقي الظمأ، وتأسو الجرحى، وكانت غرة الحرب وطلعتها للمسلمين. ثم أشاحت بوجهها عنه، فتناولتهم سيوف المشركين، تنها من نحورهم وتطعن في ظهورهم، فانكشفوا وولوا مدبرين،

стр. 282

إلا عشرة أو نحوهم، وقفوا يدرءون عن رسول الله ويحولون دون الوصول إليه. هنالك جاء دور نسيبة، فانتفضت سيفها واحتملت قوسها، وذهبت تصول وتجول بين يدي رسول الله: تنزع عنه القوس، وتضرب بالسيف وحولها من الغُر المذاويد عليٌ وأبو بكر وعمر وسعد وطلحة والزبير والعباس، وولداها وزوجها فكانت من أظهر القوم أثراً، وأعظمهم موقفاً. وكانت لا ترى الخطر يدنو من رسول الله حتى تكون سداده وملء لهوته حتى قال ﷺ : ما التفتّ يميناً وشمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني. ومما حدث به ابنها عمارة قال: جُرحْتُ يومئذ جرح في عضدي اليسرى. ضربني رجل كأنه الرَذقل، ومضى عني، ولم يُعَرَذج علي، وجعل الدم لا يرقأ. فقال رسول الله ﷺ : أعصب جرحك. فأقبلت أمي إلى، ومعها عصائب في حقويها. قد أعتدتها للجراح. فربطت جرحى، والنبي واقف ينظر إليّ. ثم قالت: أنهض بُني، فضارب القوم، فجعل النبي ﷺ : ومن يُطيق ما تطيقين يا أم عمارة؟ قالت: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني فقال رسول الله: هذا ضارب ابنك، قالت: فاعترضت له، فضربت ساقه، فبرك. قالت: فرأيت رسول الله يبتسم حتى رأيت نواجذه، وقال: استقدّت يا أمّ عمارة. ثم أقبلنا نَعُلُّه بالسلاح حتى أتينا على نفسه. فقال النبي ﷺ : الحمد لله الذي ظفرك وأقرّ عينك من عدّوك، وأراك ثأرك بعينك. وأُصيبت نسيبة في هذا اليوم بثلاثة عشر جرحا، واحد منها غار في عاتقها فنزف الدم منه، وهي رغم ذلك كالصاعقة الساحقة تضرب في نحور العدوّ،

стр. 283

وترتمي بين صفوفهم غير آبهة ولا دارية بالدم الناعر من جسمها. فقال رسول الله: أمّك أُمّك اعصب جراحها. بارك الله عليك من أهل بيت. مقام أمك خير من مقام فلان وفلان. فلما سمعت أمّه قالت: ادع الله أن نرافقك في الجنة. فقال: اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة. فقالت: ما أبالي ما أصابني في الدنيا. خَوْلَة بنت الأَزْوَرِ أخت القائد العظيم ضرار بن الأزور الكندي. وهي إحدى عقائل العرب، وبقية بنات الملوك. وبيتها بيت رسخت دعائمه على القوّة والمضاء في الجاهلية والإسلام. قتل أبوها بين يدي رسول الله دفاعا عنه. وأخوها ضرار من القادة الذين لا يغنى غناءهم أحد، وكان يُقاسُ إذا اشتملت عليه الوقائع بألف رجل. أما هي، فقد أوتيت من جمال الوجه، ومضاء القلب، ورباطة الجأش والاستبسال في القتال، ما لم يتح لكثير من الناس. ولها مواطن غرٌّ صالحات، شفت قلوباً، وروعت قلوباً. منها ما نحن ذاكروه لك، مما حدث به الواقدي قال: لما أُسر ضرار بن الأزور في وقعة أجنادين، سار خالد بن الوليد في طليعة من جنده لاستنقاذه فبينما هو في الطريق، مرّ به فارس معتقل رمحه، لا يبين منه إلاَّ الحَدقَ، وهو يقذف بنفسه، ولا يلوي على ما وراءه، فلما نظره خالد قال: ليت شعري منّ هذا الفارس؟ وأيم الله إنه لفارس ثم اتبعه خالد والناس من ورائه، حتى أدرك

стр. 284

جند الروم. فحمل عليهم، وأمعن عليهم، وأمعن بين صفوفهم، وصاح بين جوانبه، حتى زعزع كتائبهم، وحطم مواكبهم، فلم تكن غير جولة جائل، حتى خرج وسنانة ملطخة بالدماء. وقد قتل رجالا، وجندل أبطالاً ثم عرض نفسه للموت ثانية، فاخترق صفوف القوم غير مكترث، وخامر المسلمين من القلق والإشفاق عليه شيء كثير. وظنه أناس خالدا. حتى إذا قدم خالد قال له رافع بن عميرة: من الفارس الذي تقدّم امامك؟ فلقد بذل نفسه ومهجته، فقال خالد: والله لأنا أشد إنكاراً وإعجاباً لما ظهر من خلاله وشمائله وبينا القوم في حديثهم، خرج الفارس كأنه الشهاب الثاقب، والخيل تعدو في أثره. وكلما اقترب أحد منه ألوى عليه، فأنهل رمحه من صدره، حتى قدم على المسلمين، فأحاطوا به وناشدوه كشف اسمه، ورفع لثامه، وناشده ذلك خالد، وهو أمير القوم وقائدهم. فلم يحر جواباً. فلما أكثر خالد أجابه وهو ملثم فقال: أيها الأمير إني لم أعرض عنك إلا حيا منك، لأنك أمير جليل، وأنا من ذوات الخدور، وبنات الستور. وإنما حملني على ذلك إني مُحْرَقة الكبد، زائدة الكمد، فقال خالد: من أنت؟ قالت: أنا خولة بنت الأزور. كنت مع نساء قومي، فأتاني آت بأن أخي أسير، فركبت، وفعلت ما رأيت. وهنالك صاح خالد في جنده، فحملوا وحملت معهم خولة، وعظم على الروم ما نزل بهم، فانقلبوا على أعقابهم، وكانت تجول في كل مكان علّها أن تعرف أين ذهب القوم بأخيها، فلم تر له أثراً، ولا وقفت له على خبر. على أنها لم تزل على جهادها، حتى استنقذ لها أخوها. ومن مواقفها الرائعة، موقفها يوم أسر النساء في موقعة صحورا. فقد وقفت في النساء وكانت قد أسرت معهن، فأخذت تثير نخوتهن، وتضرم نار الحمية في قلوبهن، ولم يكن من السلاح شيء معهن، فقالت: خذن أعمدة الخيام وأوتاد

стр. 285

الأطناب، ونحمل على هؤلاء اللئام، فلعل الله ينصرنا عليهم. فقالت عَفّرَا بنت عَفَار: والله ما دعوت إلى ما هو أحب إلينا مما ذكرت. ثم تناولت كل واحدة عموداً من عمد الخيام، وصحن من صيحة واحدة. وألقت خولة على عاتقها عمودها، وتتابع النساء وراءها. فقالت لهن خولة: لا ينفك بعضكن عن بعض، وكُنَّ كالحلقة الدائرة، ولا تتفرقن فتُملكن فيقع بكن التشتيت وأحطمن رماح القوم، واكسرن سيوفهم. وهجمت خولة، وهجم النساء وراءها، وقاتلت بهن قتال المستيئس المستميت، حتى استنقذتهن من أيدي الروم، وخرجت وهي تقول: نحن بنات تَّبعٍ وحِمْير ... وضربنا في القوم ليس ينكر لأننا في الحرب نار تُسعر ... اليوم تُسقون العذاب الكبر صفية بنت عبد المطلب هي عمة رسول الله ﷺ ، وأم الزبير بن العوام أحد القادة العظام في الإسلام. وكان من حديثها: أن رسول الله ﷺ لما ثار عليه الأحزاب وحلَفائهم وذهبت جموعهم إلى المدينة تريد القضاء على المسلمين جميعاً - جمع النساء والصبيان في حصن بني حارثة، حتى لا يمسهم السوء. واعتصم بالحصن يومئذ حسان بن ثابت وكان ضعيفاً واهن القلب. وكانت صفية يومئذ بين النساء. فبينا هي مشرفة من الحصن، بصرت فارس يهودي يطيف بالحصن. فخشت أن يقتحمه، أو يدل عليه. فقالت لحسا: أنا هذا اليهودي يطيف بالحصن، وأني والله ما آمنة أن يدل علينا من وراءنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله وأصحابه، فانزل إليه فاقتله. قال يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب! والله لقد

стр. 286

عرفت ما أنا بصاحب هذا. حتى إذا يئست منه، احتجزت بثوبها، واحتملت عموداً ونزلت إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل قال: ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب. ليلى بنت طريف أخت القائد البطل الثائر الوليد بن طريف الشيباني. كان أخوها الوليد بقية أبطال الخوارج الذين خرجوا على الخلفاء، وراعوا جندهم وحطموا كتائبهم. خرج الوليد على الرشيد فأمعن في جنده فتكا وقتلا. وكلما ساق إليه الرشيد فريقاً كان كهشيم في ضرام النَّار. فرماه بعد أن أعياه بقائده يزيد بن مزيد الشيباني. فظهر يزيد عليه فقتله. فخلفته على قيادة جنده أخته ليلى. فأطبقت بهم على جند الرشيد، حتى خلعت قلوبهم، ومزقت أوصالهم: لا تكون هذه إلا أخت الوليد لأن فعلها بفعله أشبه. حتى إذا أبصر يزيد الوهن في جنده، قال: دعوها. ثم خرج إليه وضرب الرمح قطاة فرسها، وقال: اعزبي الله عليك، فقد فضحت العشيرة، فاستحيت وانصرفت. وأقامت بعد ذلك بنجوة عن العيون، تبكي أخاها، بمراث تستنزف العبرات وتستثير الزفرات. غزالة الحرَورية زوج القائد البطل المخوف شبيب بن يزيد، قائد الخوارج وبطلهم، والقائم بالأمر فيهم.

стр. 287

وهي إحدى القادة الكفاءة الذين دوخوا البلاد، وروعوا الجيوش، وملئوا القلوب أثراً، والأفواه خبراً، والأرض عبراً. وكانت هي وزوجها يليان قيادة الخوارج. وكان الحجاج بن يوسف مبيد العراق، وسفاك بني أمية، يستمع خبرها، فيمتلئ قلبه رعباً ووهلا. وقد حدثوا: أنه خرج في جنده، وكله شاكي السلاح، مستكمل العدة، مرهوب الصولة، فعرضت له غزالة في أربعين، وهو في أربعة آلاف. فما لبث أن اختلط عليه الأمر، وخلع قلبه الفزع، وولى هارباً يخلط في قوله، وهو أعرف الناس بمواطن القول وأرفقهم بأساليب الكلام. ولكنه عُقل قلبه، فعقل لسانه. وفي ذلك كتب عمران بن حطان إلى الحجاج، وكان الحجاج قد لجّ في طلبه: أسد علىَّ وفي الحروب نعامة ... وبداء تجفل من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر صدعت غزالة بعساكر ... تركت كتائبه كأمس الدابر وبلغ من جسارتها، وقوة قلبها، أنها أقسمت لَتُصلين في مسجد الكوفة ركعتين، تقرأ في الأولى سورة البقرة، وفي الثانية آل عمران، والكوفة يومئذ معقل الحجاج، ودار إمرته ومجتمع قوّته. وقد برت غزالة بقسمها. ودخلت مسجد الكوفة هي وزوجها. ولبثت تصلي ركعتين تستنفذان نصف النهار. ولما أنبئ الحجاج بها، وتحصن واستوثق من رتاج بيته. وقد رمى الحجاج غزالة بخمسة جيوش، وهي تلتهمهم التهاماً، حتى أصبحت طِباق العراق ترجف لاسمها. وفي ذلك يقول أيمن بن خُزَيم.

стр. 288

أتينا بهم مائة فارس ... من السافكين الخرام العبيطا وهم مائتا ألف ذي مَوْنَسٍ ... يئط العراقان منهم أطيطا رأيت غزالة إن طرَّحَتْ ... بمكة هودجها والغبيطا سمت للعراقين في جمعها ... فلاقى العراقان بطيطا ألا يستحي الله أهل العرا ... ق أن قلدوا الغانيات السموطا وخيل غزالة تسبي النساء ... وتحوي النهاب وتحوي النبيطا وقتلت غزالة في موقعة الكوفة بين شبيب وبين الحجاج، غافلتها فرقة من جند الحجاج من ورائها بينما كانت تخوض في صدور جنده. ومن بعد قُوَّض جند شبيب وعفا أثره. وبعد فذلك شيء من حديث النساء في الحروب أفضنا فيه بعض القول لعلم أن المرأة لم تدع للرجل فضيلة يَثْنى عطفه بها. وما كان سيئ من ذلك لجفوة في الخُلق. ولا نبوة في الطبع، وهن الخَفِرات اللواتي يفرن من المدينة ويرتمين على الموت. وما كانت شجاعتهن أثراً من الغلظة إلى الدماء، ولكنها كما أسلفنا قوة فاضت بها وفْرَتَ الصبر وابتعثتها قوة اليقين. وإذا كانت أثبت من الرجل إيماناً، وأصبر منه على ريب الزمان، فما لها لا تكون في ساعة المحنة أبسل منه وأشد؟ وإذا كان العرب يقولون: الشجاعة صبر ساعة فلم لا تكون أشجع الناس عند البلاء وهي أصبرهم على البلاء؟

стр. 289

ونحن لا ندع القول في شجاعة النساء يمر، حتى نختمه بحديثين. ومنهما تعلم إلى حدّ بلغ ثبات المرأة، ووفور ثقتها بنفسها، واستمكانها من موقفها. أما أولهما ما حدث سعد عن أنس بن مالك، قال: شهدت أم سليم حُنينا مع رسول الله، ومعها خنجر قد حزمته على وسطها، وإنها يومئذ حامل بعبد اله بن أبي طلحة، فقال أبو طلحة: يا رسول الله إن أم سليم معها خنجر فقالت: يا رسول الله اتخذه إن دنا أحد مني أحد ممن المشركين بَقرت بطنه، أقتل به الطلقاء، وأضرب أعناقهم إن انهزموا بك. فتبسم رسول الله فقال: يا أم سليم، إن الله قد كفى وأحسن وأما الثاني فما رواه الجاحظ في البيان والتبيين قالك. كان حبيب بن مسلمة الفهري رجلا غزَّاء للترك، فخرج ذات مرة إلى بعض غزواته فقالت له امرأته: أي موعدك؟ قال: سرادق الطاغية، أو الجنة إن شاء الله تعالى. قالت إني لأرجو أن أسبقك إلى أي الموضعين كنت به. فجاء، فوجدها في سرادق الطاغية، تقاتل الترك.

стр. 290

تأثير المرأة العربية في نهضة الإسلام وحضارته ليس بدعا من المرأة التي وثب بها الإسلام إلى أبعد غاية من كمال النفس، وسموّ الحياة، أن تكون العضد الأقوى، والساعد الأشد، في نشر آيته، وبلوغ غايته. لقد وضح الإسلام فظهرت المرأة العربية في مشرق نوره، ملئا اليدين من حق موفور، وفضل مأثور، فياضة النفس، بما شئت من وجدان وإيمان. ثم أبصرت فإذا مجال القول متسع، ومستبق العمل فسيح. فانطلقت ملء عنانها، وهنالك، في أبعد شأو والفضيلة ركزت لواءها، واعتمدت بناءها فتساقطت الألوية، وانتقضت الأبنية دونها. ففي تصريف الحوادث، وفي تكوين الرجال، وفي نشر مطارف العلم، ونثر طرائف الأدب، تجد أثرها أشبه ما يكون بأثر الغدير الهادئ الفياض، في زهر الرياض ونحن أولا مرسلو القول في كل آثارها، مستعينين بمعونة الله، وحسن توفيقه، فهو وحده مرجع الأمر وولي التوفيق. أثرها في تصريف الحوادث تتابعت في الإسلام حوادث عظام، وتناوبته شدائد ثقال. وهي على عظمتها. وفدح أمرها. لم تقع بمنجاة عن المرأة. ولا بمعزل عن تصريف زمامها وتدبير الرأي فيها.

стр. 291

وهي إن تنو ولت بالنقد في بعض تلك المواطن. فتلك سنة التاريخ في كل عمل عظيم من عامل عظيم. ونحن مجملون لك القول في تلك الحوادث. ومبلغ رأي النساء فيها. واستمكان أثرها منها. حديث النبوة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت أسد لئن أصيب رسول الله من رجال قريش بكل فادحة موقرة. لقد لقي من امرأتين منهم ما هوّن عليه أمرهم، وذهب بالشديد المؤلم من نوائبهم. هاتان هما خديجة بنت خويلد. وفاطمة بنت أسد. أما خديجة. فكانت له ﷺ منذ أول ساعات النبوة. لقد نزل عليه الروح الأمين أول ما نزل في غار في الجبل. فلم يكن ما رآه بشراً من الناس. ولا خلقاً يتخيله المتخيلون؛ فأقرأه ما شاء الله أن يقرئه من آي الكتاب الكريم، ثم أخذ يتراءى له في طريقه بين السماء والأرض؛ فلا يلتفت يمنة ولا يسرة حتى يراه فيقف لا يتقدّم ولا يتأخر. كل ذلك ورسول الله بين شعاب الجبال؛ وفي وحشه الطريق؛ فلا أنيس ولا سمير ولا معين ولا نصير. لم يزل النبي في موقفه هذا؛ حتى انصرف الملك عنه، فانصرف هو إلى زوجه خديجة فزعاً مرعوباً مما سمع ورأى؛ فلما بصرت به قالت: أين كنت يا أبا القاسم؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك حتى بلغوا مكة؛ ثم رجعوا إلى؛ فحدّثها رسول الله

стр. 292

حديثه. فقالت: أبشر يا أبن عم وأثبت، فوالذي نفس خديجة في يده، إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قالت له: أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فجاءه جبريل مترائياً بين أقطار الغرفة، فقال رسول الله لخديجة: هذا جبريل قد جاءني. قالت: قم يا ابن فاجلس على فخذي اليسرى فقام رسول الله فجلس. قالت: هل تراه؟ قال: نعم. قالت: قم فاجلس على اليمين، فقام، فتحول عليها فقالت: هل تراه؟ قال: نعم. ثم تحسرت وألقت خمارها: وقالت له: هل تراه؟ قال: لا. قالت: أثبت وأبشر؛ فوالله إنه لَمَلك وما هو بشيطان. بعد ذلك قامت، فجمعت عليها ثيابها، وانطلقت إلى ابن عمها ورَقَة بن نوفل - وكان رجلا عليما نافذ العلم في التوراة والإنجيل ودقائقهما وأخبار النبوّة الأولى - فأخبرته خبر رسول الله. فقال ورقة؛ قدُّس قدُّوس! والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت. فرجعت خديجة بقول ورقة إلى رسول الله ﷺ ، فكانت آية البشر والبُشْرى له. على ذلك النسق البعيد الفريد، سارت خديجة أم المؤمنين في تثبيت قلب النبي، وترويح نفسه وتأييد أمره. فلم ير شيئاً يحزنه، من ردٍّ عليه، وتكذيب له، وسخرية به، ونفور منه، إلا فرجت صدره، وأذهبت حزنه، وأثلجت قلبه وهونت الأمر عليه. تلك هي خديجة التي بعث الله إليها تحيته، فنزل بها جبريل على رسول الله فقال له: أقرئ خديجة السلام من ربها، فقال رسول الله ﷺ :

стр. 293

يا خديجة، هذا جبريل يقرئك السلام من ربك. فقالت: لله السلام ومنه السلام، وعلى جبريل السلام. ولعمرك أنها لمثوبة من الله ما ظفر بها أحد من السابقين الأولين، والخلفاء الراشدين ذلك لأن موقفها يومئذ أبرُّ برسول الله، وآثر في بسط دعوته، وتأييد أمره، من مواقف الأبطال المُعْلمَةِ، على الخيل المسَوَّمَة. وفي السنة التاسعة من ذلك الجهاد العظيم، ماتت خديجة، فاشتد حزن رسول الله على أعز نصرائه، وأصدق وزرائه. ماتت خديجة ولكن عظمة المرأة لم تمت، فقد خلفنها على رعاية النبي وتأييده وتثبيته وتدبيره، امرأة لم تكن دونها رأياً، ولا عطفاً ولا عقلا، ولا جاهاً ولا منصباً وتلك هي فاطمة بنت أسد زوج أبي طالب بن عبد المطلب، عم النبي، وأم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، قائد المسلمين، وصهر النبي الأمين. لم تكن فاطمة ﵂ خلفاً من خديجة فحسب، بل كذلك خلفاً من ابي طالب في الذود عن النبي؛ والانتصار له، ورفع الصوت حرّاً ندياً في سبيله ولم يزل ذلك شأنها؛ حتى هاجر رسول الله إلى مهبط أمنه. ومستقرّ أنصاره، فتبعته في هجرته. فكان بيتها في المدينة؛ كما كان في مكة؛ مآباً طيباً، ومقيلا كريماً. وكما كانت فاطمة في نصرة الله وتأييد رسوله، منقطعة القرين كذلك كان لها رسول الله يوم لحقت بربها. فقد كفنها في ثوبه؛ ونزل في قبرها، واضطجع فيه، فكان حقا على القبر للنبي ﷺ : ما رأيناك صنعت بأحد ما صنعته بهذه فقال: إنه لم يكن بعد أبي طالب أبرّ بي منها. ذلك فضل الله يختص به من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

стр. 294

حديث الهجرة رُقَيْقَةُ بنت صيفيّ وأسماء بنت أبي بكر تتصل رقيقة برسول الله في هاشم بن عبد مناف. فهو جدها وجد أبيه وكانت أسن من عمها عبد المطلب. فإذا أدركها الإسلام كانت قد تطاول عليها القِدم، وجاوزت حد الهَرَم. تلك هي المرأة التي استَشَفَّت خبر قريش يوم ائتمروا بالنبي ليقتلوه ليلا في كسر داره. فذهبت تدرج حتى انتهت إلى رسول الله، فحذرته مبينه في داره، وأشارت عليه بالنقلة أُلفته، ومهبط نبوّته، ومرتقى مناجاته وعبادته إلى دار هجرته، وموطن أنصاره وشيعته. واتخذ صاحبه الصديق ﵁ رفيقاً له، وتَرَك ربيبه وابن عمه عليا ﵇. فنام على فراشه، وتسجى ببردته، وشغل بنومه جماعة المتآمرين المترصدين المتهامسين على رسول الله، الضاربين النطاق حول داره عن تأثره، واغتياله في عرض الطريق. ولعل هنالك من يقول: وأي عظمة تجدها في امرأة سمعت خبراً فألقته كما سمعته؟ ذلك قول من لم يستبطن الأمر، ويتبين دخيلته. فإن فئة قليلة العدد خطيرة الغرض؟ من هامات القوم، وأشد فتيانهم، بيتوا أمرهم، واحتجزوا خبرهم عن بقيتهم، والممالئين لهم، وتعاقدوا وتعاهدوا وتحالفوا ألا يذيعوه، حتى يمضوه فئة ذلك شأنها، وتلك غايتها، ليس بالهين كشف أمرها، والوقوف على ذوات نفوسها، واستنقاذ رسول الله من كيدها، وشر غائلتها.

стр. 295

ذلك حديث خفي عن الناس جميعاً، مسلميهم ومشركيهم، فأي جُهد من التدبير، ونفاذ من الحيلة، بذلته تلك التي أنافت على المائة، وأشرفت على ثنية الوداع، حتى حسرت الحُجب عنه، فنقلته ولم تأمن على نقله ابنها مخرمة بن نوفل، وهو من لحمة النبي وذوي صحبته؟ أما لقد اتخذ الله المرأة يوم ذاك كما اتخذها من قبله آية لطفه الخفي، ووحي إرادته البالغة في أعظم حوادث الإسلام خطراً، وأبقاها أثراً، وأدومها على مَرّ الدهور ذِكراً، وأقومها ببناء الإسلام وأكْفلها بوضَح محجته، واستطارة دعوته. تنقلت العظائم من يد طاهرة، إلى يد طاهرة. فبعد أن دعمت العجوز الفانية رُقيقة بنت صيفي أثرها، أقامت الفتاة الحدثة أسماء بنت أبي بكر أثرها. لقد أعجل النبي وصاحبه عن ابتغاء الزاد، وشغَلهما الغرض الأسمى عن العَرض الأدنى فسارا خفيفين إلى غار في الذروة العليا من جبل ثور، إخفاء لأمرهما، وإعياء للذاهبين في أثرهما. فكانت أسماء تُمسيهما كل ليلة بالزاد والماء وبما عسى أن تكون قد سمعته، أو رأته، من حديث القوم وخبرهم ثلاثة أميال إلا قليلا كانت تقطعها الصبية الناشئة في جوف الليل؛ ووحشة الطريق، بين أسنة الصخر، ومساخات الرمال، ماشية متخفية، حذرة مترقبة، حتى تصعد إلى هامة الجبل، ثم تنحدر في جوفه، فتوافي رسول الله وصاحبه، بما قصد له. تلك هي الصبية التي تركت الوِلدان والولائد من لداتها وأترابها يغدون إلى ملاعبهم ويأوون إلى صدور أمهاتهم، وذهبت إلى حيث يعجز أشداء الرجال وأبطالهم فأي قوّة تلك التي أمدها الله بها؟ وأي قلب ذلك الذي أودعه الله

стр. 296

بين ضلوعها؟ وأية عَزمة تلك التي خفقت في نفسها، والتلاعب بين جوانبها؟ ذلك مثل من تلك النفوس التي استخلصها الله لدينه؛ واصطنعها لدعوته، ونفث فيها من روحه، فكانت مستقر الكمال، ومجتمع أشتات الفضائل. ولعمري لئن سلمت أسماء من عثرات الطريق، لقد محنت بالشديد المؤلم من بلاء قريش وأذاهم، وهي وادعة في كسر دارها. فلقد أحاط بها رجال القوم ذات صباح ليتعرفوا منها أمر أبيها، فأنكرت أمره، وتجاهلت خبره، ثم أمعنوا في محنتها واشتدوا في أذاها، حتى لقد لطمها الشريف النذل أبو جهل بن هشام لطمة قوية طار لها قرطها، فلم يوهِن ذلك الشيء من عزيمتها، ولا عبث بمكنون سرها. كذلك اقتحمت أسماء ذلك الطريق الرائع المخوف ثلاث ليال متواليات. وفي الليلة الثالثة - وهي ليلة الزماع على مفارقة الغار إلى عرين الأنصار - وافتهما بزاد السفر كله. فلما آذن رسول الله بالرحيل، نهضت لتْعَلَّق سفرة الزاد، فإذا ليس لها عصام. فلم تجد ما تعصمها به إلا نطاقها. خرجت عنه فشقته نصفين. فعصمت السفرة بنصفه، وكأن السقاء بباقية. فأبدلها الله بنطاقها ذلك نطاقين في الجنة. كذلك وعدها رسول الله فُسميت منذ ذات النطاقين. ونذكر من شجون الحديث لأسماء، يتصل بطَرَف من الهجرة قالت: لما خرج رسول الله وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله. خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف. فانطلق بها. قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره. فقال: والله إني لأُراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قلت كلا يا أبت! إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً. قالت فأخذت أحجاراً

стр. 297

فوضعتها في كَوة في البيت، كان أبي بضيع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذا ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. ولا ولله ما ترك لنا شيئاً، ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك. وبعد فكل ما أوردناه من حديث تينك المرأتين، لم يكن كل حديث النساء في الهجرة، بل لقد هاجر العدد الموفور منهنّ في رفقة أزواجهنّ إلى الحبشة، وإلى المدينة، فلم يكن في مهنة العمل وتهيئة الطعام فحسب بل من عادة العرب، ولا سنة الإسلام إذا غدا الرجل إلى قطر سحيق كالحبشة أن يُجَشم امرأته ذل الغربة، وأوعار الطريق. ولكنهن خرجن - كما خرج الرجال - في طاعة الله. وهاجرن - كما هاجروا - فراراً بدينهنّ. وذهبن في أزر أزواجهن، مشيرات مؤتمنات، ومعينات صادقات. فأُبْن مآبَ الرجال: فضل زكيّ، وأجر غير منقوص. ومما يجمل ذكره في هذا الموطن، ما رواه ابن سعد عن أبي حمزة، قال: لما قدمت أسماء بنت عُميس من أرض الحبشة؛ قال لها عمر بن الخطاب: يا حبشية، سبقناكم بالهجرة - وأحسبه قالها فاكها - فقالت: إي لعمري لقد صدقت! كنتم مع رسول الله فلأذكرنّ ذلك له. فأتت النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله إن رجالاً يغمزون علينا، ويزعمون أناَّ لسنا من المهاجرين الأوّلين. فقال رسول الله ﷺ : بل لكم هجرتان، هاجرتم إلى أرض الحبشة ونحن مُرْهَنون بمكة، ثم هاجرتم بعد ذلك إليَّ.

стр. 298

ألم تر إلى الذين هبطوا من الحبشة كيف قامت المرأة بحجتهم، وفيهم أربعة وثمانون رجلا، كلهم مشيع القلب، مصقول اللسان، فلا دفع منهم ولا استكراه. وهل رأيت إلى المرأة كيف قامت بأمرها إلى رسول الله، وبم تعرج به على زوجها، أو تطلب الإذن منه في خصومتها. ذلك لأن الأمر بينها وبين الله ورسوله، فلا إمرة لأحد عليها، أتى كان مكانه منها. وكانت هجرة رسول الله قد سبقت ببيعة العقبة، وهي البيعة التي اتحد فيها رسول الله مع الأنصار خفية، فتوافدوا تحت جنح الليل بالعقبة. وكان وفد الأنصار ثلاثة وسبعين رجلا ومعهم من نسائهم وذوات آرائهم اثنتان: هما نسيبة بنت كعب المازية - وقد عقدنا لها فصلا خاصاً - وأم منيع أسماء بنت عمر السلمية، وهي من أتم القوم عقلا، وأحكمهم رأياً. وقد شهدت مع رسول الله خيبر فكان لها فيها المشهد الأروع والمقام المحمود.

стр. 299

وقد أعطى القوم رسول الله ذمتهم أن يذودوا عنه ذيادهم عن أعراضهم. وأعطاهم ذمته ألا يعود فيقيم مع قومه؛ إذا دانت له أرضهم، وقرت لحكمه نواصيهم. فهل رأيت مثلا أدل على سموه المرأة؛ وعظم منزلتها؛ ورعاية حقها مما ترى؟ عهد سياسي حربي أسدل عليه ستر من السر، وألقى دونه حجاب من الليل أترى القوم أنفوا أن يكون للمرأة فيه شأن؟ ولم لا يكون لها ذلك الشأن وتلك مواقفها ومشاهدها ملء المسامع والأبصار؟ وقد علمت في جملة ما مر بك أن رسول الله يوم وافي المدينة، بسط يده للنساء فبايعهن. كما بسطها للرجال فبايعهم. من ذلك كله تعلم أن الهجرة بيد المرأة مهدت واختمرت، وعلى يدها تكونت وتكاملت؛ وبرأيها وعزمها أثمرت وأينعت. - حديث الخلافة أو المرأة المسلمة بين الحرب والسياسة ما زال المسلمون منذ لحق النبي بربه وهم من أمر خليفته؛ والقائم بالأمر بعده؛ في فتنة غاشية؛ تعصف بهم تارة وتقرّ؛ رابضة مترصدة متحفزة تارة أخرى؛ فهي يومئذ غافية غفوة الذئب، نائمة هاجعة، ساكنة مستجمعة.

стр. 300

كذلك تدافعت الحقب على الخلافة، والدم ينعر من حروفها، والمهج تسيل على أطرافها، وشفار السيوف تصل من أقطارها، ورسل الموت رائحة بأسود الغاب، وفتيان الضراب، من كل معتزم لو جرّد في سبيل الله عزمته. لفل بها الصفوف وجندل الألوف. ولقد كان للمرأة في كل تلك الأدوار رأي ماثل؛ وصوت مسموع، وفي بعضها يد أبدة وبطش شديد، وذلك ما نحن آخذون بالقول فيه. فاطمة وأبو بكر ترك رسول الله للمسلمين أن يختاروا بعده من يرتضونه لدينهم ودنياهم. ففي

стр. 301

اليوم الذي رجفت الأرض لموته ﷺ ، سعت رجالات من المهاجرين والأنصار إلى سقيفة بني ساعدة، وهناك وهناك - بعد جدال وحوار - بسطوا أيديهم إلى أبي بكر يبايعونه. على أن فاطمة بنت رسول الله أقامت في عهدها القصير بعد رسول الله مجافية أبا بكر؛ واجدة عليه. وسواء أكانت تلك الموجدة لما رأت من انتزاع الخلافة من آل بيت النبي - وكانت تراها حقاً لا يطاولون فيه، ولا يغالبون عليه - أو لحرمانها ميراث أبيها في فدك؛ وسهمه في خبير سواء أكانت موجدتها لهذا أو لذلك فقد كف عن البيعة كرامة لها زوجها علي ﵇، وانحاز بجانبه بنو هاشم جميعاً وانضم إليهم سفيان بن حرب رأس بني أمية. والزبير بن العوام بطل وحواري رسول الله. وأقام على والزبير بدار فاطمة لا يبرحانها. كذلك لبثوا أو بعض رصد. حتى لحقت الزهراء بربها. فانكشف بموتها ستر من ستور الهيبة الرائعة في بني هاشم. حتى لقد سعى عمر بن الخطاب بقبس من النار إلى بيت علي كرم الله وجه ليحرقه. وهناك خرج له الزبير والسيف مصلت بيمينه. يريد أن يصدع به رأس عمر. لولا أن عثرت قدمه بحجر في الطريق فوقع ووقع السيف من يده فأخذ. ولولا تلك العثرة المباركة لخضب بالدم رأس من أرفع رؤوس المسلمين. ولقد كادت الحرب تعود جذعة لولا حكمة من علي حسمت الجرح. ورأيت الصدع وجمعت الشمل. فخطب المسلمين خطبة ردّت صغيرهم على كبيرهم. وجمعت قصيهم وعصيهم ثم بايع أبا بكر. فلم يبقى بعد ذلك مخالف عليه.

стр. 302

عائشة وعُثمان وعليٌ تقضت أيام أبي بكر وعمر والمسلمون في أمنة من الفرقة. وقد فرغوا للجليل العظيم من أمرهم. فردوا المرتدين، إلى حظيرة الدين. ثم فتحوا العراق وفارس والشام ومصر وما وراءهن. حتى أصبحت الدولة الإسلامية يومئذ أورف الدول ظلا، وأسمقها بناء. ثم أعقبتها أيام عثمان، فبدأت الأرض تمور بالفتنة. لقد كان عمر صُلباً شديداً لا يبالي أن يُقَنع بِدرَّته وجه الشريف العظيم إذا مال به القصد، وحاد عن الطريق. وكان عثمان حييا خجولا. يبتدر الرجل الهفوة بين يديه فيندي جبينه، ويحمرّ وجهه. ومحال يروض الناس هذا بعد ذاك. وكانت من عثمان إلى المسلمين هفوات ساقها الضعف، فأسخطتهم، وأحفظت قلوبهم: منها أنه استعان على عمله بالأحداث من بني أمية، فأخذوا يخسفونه بعامة المسلمين، ويضربونهم بالسياط، ويعذبونهم بالمَسَاحي المُكْوَاة. حتى دوى الصوت من الحجاز إلى العراق إلى مصر بأن عثمان خليفة مستضعف وأن سواه أولى منه بخلافة المسلمين. وكان مصدر هذا الصوت من سُدَّة عائشة أم المؤمنين. فتجاوبت أصداؤه وانشعبت جِواؤه. ضاعف الثائرون ذلك الصوت وجوَّفوه، فكل يقول: قالت عائشة، وكتبت عائشة. حتى اتخذوا اسمها سبيلا إلا الإغراء بدم الخليفة المظلوم، كما اتخذوا اسم عليّ في ذلك بهتاناً وإثما مبيناً. على أن كليهما أراد النَّصفة للمسلمين باستصلاح الخليفة أو اعتزاله، فكان ما جرى به القضاء. وقتل عثمان في بيته مظلوماً مخذولاً. واستَحَلَّ الثائرون منه الحُرم الثلاث: حرمة الخلافة، وحرمة البلد الحرام، وحرمة الشهر الحرام.

стр. 303

أبصرت أم المؤمنين ذلك، وأبصرت قَتلة عثمان يذهبون إلى ديارهم موفورين وحسبت الهوادة في القصاص، فانصدع قلبها وذابت حشاشتها. وإن يك عثمان قد مات مظلوماً، فقد عاش من بعده عليٌ مظلوماً. ومن أشدَّ مظلمته أن تُؤلّب أم المؤمنين عليه المسلمين. وأن تقود الجنود إلى قتاله، في وقعة الجمل، لأنها اتهمته بالممالأة على عثمان، كما اتهمها الناس بذلك. وفي موقعة الجمل ترامى جند عائشة على الموت كأن لهم فيه أربَا، حياطة لحرم رسول الله، وذياداً عنها، حتى لقد قتل حولها عشرون ألفا، وقُطعت على زمام هودجها سبعمائة يد، وكلما نُزعت عنه كف نَزَعت إليه أخرى. وكانت خاتمة القتال سقوط الجمل بما غشيه من النبال، وما أصاب قوائمه من السيوف ثم احتمل الهودج إلى دار عبد الله بن بُديَل، وهو أقرب الدور إلى ساحة القتال ومن هنالك آبت إلى المدينة بعد أن أحسن أمير المؤمنين مآبها، وبعث في رفقتها سبعين من نساء صحابته. رحم الله أم المؤمنين، لقد اشتَفَت من الداء بالداء. أما والله ما نفست على ابن عم ورسول الله خلافته، ولا وجدت عليه قديم أمره. لقد كانت تدعو الناس إليه يوم قتل عثمان، لأنها تعلمه أحق الناس بالأمر، وأقربهم قرابة من رسول الله. ولكنها رأت حقاًّ ضائعاً، ودماً مطولا، وألسنة مرجفة، ووسطاء سوء، فتعجلت ما رأته واجبا، ولو صبرت لكان خيراً وأبقى، ولعمري لهي آثر عند الله وأبرَّ ممن رأي وضح الحق في زمرة عليّ قعد عنه، ونَكَل عن نصرته، وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.

стр. 304

نائلة بنت الفُرَافصة وعليٌّ بن أبي طالب على أن أمير المؤمنين لم يطمئن به الأمر، ولم تصف له الحياة، بعد أمّ المؤمنين فقد عرض له منم النساء خصم جديد، ومن الرجال خصم جديد، وكلاهما اشتدّ أزره، وقوى أمْرُه بصاحبه. أمّا الرجل فمعاوية بن أبي سفيان، وأما المرأة فنائلة بنت الفرافصة زوج الشهيد المظلوم عثمان بن عفان. كانت نائلة من أعذب النساء قولاً، وأذكاهن قلباً، وأكملهن خلقاً. ولما تسَوَّر الثائرون على عثمان، وتبادروه بالسيوف، أَلقت بنفسها عليه حتى تكون له وقاء من الموت. فلم يَرْع القتلة الأثمة حُرْمتها، وضربوه بالسيف ضربة انتظمت أصابعها، ففصلتهن عن يدها، ونفذت إليه فجندلته، ثم ذبحوه كما يذبح الجمل الذلول ﵀ ورضى عنه. أرادت نائلة أن تنتقم، وحُق لها أن تنتقم؛ ولكن ممن؟ لم تجد أمامها إلا عليا؛ فهو أمير الناس بعد زوجها؛ وولي الدم المُضيعة في نظرها. فلم تجد إلا رجال الشام؛ وجند الشام؛ وأمير الشام. فهم أولى بأن تثير ثائرتهم وتضرم نار الثأر فيهم. أرسلت نائلة إلى معاوية بأصابعها الممزقة؛ وقميص المُخضب؛ وأوحت إليه أن يعلق كل أولئك في المسجد الجامع في دمشق؛ وأن يقرأ على المجتمعين جميعاً ذلك الكتاب: - من نائلة بنت الفرافصة؛ إلى معاوية بن أبي سفيان. أمّا بعد فإني أدعوكم إلى الله الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام؛ وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر؛

стр. 305

ونصركم على العدوّ؛ وأسْبغَ عَلَيْكمُ نعمه ظاهرةً وباطنةً. وأنشدكم الله وأذكركم حقه وحق خليفته أ، تنصروه بعزم الله عليكم؛ فإنه قال: (وإِنْ طائفِتَانِ مِنَ المُؤمِنين اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بِيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الأخْرَى فَقاتِلُوا التيِ تَبْغْي حَتى تَفيء إلَى أَمرِ اللهِ). فإن أمير المؤمنين بغي عليه؛ ولو لم يكن لعثمان عليكم إلا حق الولاية؛ لحق كل مسلم يرجو إمامته أن ينصره فكيف وقد علمتم قدمه في الإسلام: وحسن بلائه؛ وأنه أجاب الله؛ وصدّق كتابه؛ واتبع رسول؛ والله أعلم به إذا انتخبه فأعطاه شرف الدنيا، وشرف الآخرة. وإني أقصر عليكم خبره - إني شاهدة أمره كله: - إن أهل المدينة حصروه في داره وحرسوه ليلهم ونهارهم؛ قياماً على أبوابه بالسلاح؛ يمنعونه من كل شيء قدروا عليه حتى منعوه الماء؛ فمكث هو ومن معه خمسين ليلة؛ وأهل مصر قد أسندوا أمرهم إلى علي، ومحمد بن أبي بكر، وعمار بن ياسر، وطلحة، والزبير، فأمروهم بقتله! وكان معهم من القبائل خزاعة، وسعد بن بكر؛ وهذيل، وطوائف من جهينة؛ ومزينة؛ وأنباط يثرب. فهؤلاء كانوا أشد الناس عليه. ثم إنه حصر فرشق بالنبل والحجارة؛ فخرج ممن كان في الدار ثلاثة نفر معه. فأتاه الناس يصرخون إليه؛ ليأذن لهم في القتال؛ فنهاهم وأمرهم أن يردّوا إليهم نبلهم؛ فردّوها عليهم؛ فما زادهم ذلك في القتل إلا جرأة؛ وفي الأمر إلا أغراقاً؛ فأحرقوا باب الدار؛ ثم جاء نفر من أصحابه فقالوا إنّ ناساً يريدون أ، يأخذوا من الناس بالعدل، فاخرج إلى المسجد يأتوك. فانطلق فجلس فيه ساعة. وأسلحة القوم مصلتة عليه من كل ناحية. فقال: ما أرى اليوم أحداً يعدل! فدخل الدار. وكان معه نفر ليس على عامّتهم سلاح. فلبس درعه؛ وقال لأصحابه: لولا أنتم ما لبست اليوم درعي. فوثب عليه القوم، فكلمهم ابن الزبير، وأخذ عليهم ميثاقاً في صحيفة بعث بها إلى عثمان:

стр. 306

عليكم عهد الله وميثاقه ألا تقربوه بسوء حتى تكلموه وتخرجوا. فوضع السلاح، فلم يكن إلا وضعه. ودخل عليه القوم يقدمهم محمد بن أبي بكر، فأخذ بلحيته، ودعوه باللقب فقال: أنا عبد الله وخليفته عثمان. فضربوه على رأسه ثلاث ضربات، وطعنوه في صدره ثلاث طعنات، وضربوه على مقدم العين فوق الأنف ضربة أسرعت في العظم. فسقَطتُ عليه، وقد أثخنوه وبه حياة، وهم يريدون أن يقطعوا رأسه، فيذهبوا به، فأتتني ابنة شيبة بن ربيعة فألقت بنفسها معي، فوُطئنا وطئا شديداً، وعرينا من حُليّنا، وحرمة أمير المؤمنين أعظم، فقتلوا أمير المؤمنين مقهوراً على فراشه؟. وقد أرسلت إليكم بثوبه عليه دمه، فإنه والله إن كان أثم من قتله، فما سَلم منم خذله. فانظر أين أنتم من الله وأنا أشتكي كل ما مسنا إلى الله ، وأستصرخ بصالحي عباده. فرحم الله عثمان، ولعن قتلته، وصرعهم في الدنيا مصارع الخزي والمذلة وشفي منهم الصدور. ذلك هو الكتاب الذي اجتمع لسماعه خمسون ألف شيخ من شيوخ الشام يصيحون ويعجون بالبكاء تحت قميص عثمان، وأصابع نائلة، ويتقاسمون فيها بينهم ألا يمسوا غسلا حتى يقتلوا عليّاً، أو تفنى أرواحهم. نصراء عليّ من النساء وبرغم خصومة تينك المرأتين لعلي كرم الله وجهه، كان جنده أحفل الأجناد بذوات القول الفصل، والرأي الجزل من النساء، ولهن في صفين مقامات ومواقف، أشجت حلوق العدو وصكت أسماعهم، وروعت نفوسهم.

стр. 307

ومن هؤلاء بكارة الهلالية، وسدودة ابنة عمارة، وآمنة بنت الشريد، وأم سنان بنت خيثمة، وكثيرات من نظائهرهن وأشباههن، ممن أوتين جوامع الكلم، وجمعن أشتات الحكم ولنا إليهن عودة عند الكلام على مقالاتهن، بين ازدحام الصفوف، وتحت ظلال السيوف. ولما تبدّلت الأيام بعهد عليّ عهد معاوية، كانت بلاد العراق مجالات الشيعة، ومباءات الفتن، وموطن الانتفاض عليه. فرماها بداهيتي العرب، المغيرة بن شعبة، وزياد بن أبي سفيان، واحدا بعد واحد، وأوصاهما أن يلعنا علياًّ على المنابر، وأن يتخذا السيف حَكَما بينهما وبين الناس. فقام في وجههما حُجْرُ بن المجامع تعْقَدُ بنجوة من أعين الرقباء. وما زال أمر حجر يستطير، وصوته يعلو، حتى اننتزعه زياد من العراق، وقاده إلى معاوية، فقتله. وكانت هند بنت يزيد الأنصارية ممن شايعنه وناصَرْنه وأعنّهُ. وهي امرأة قَلّ أن تدانيها امراءة، في بُعد الرأي، وقوة البيان. ومن قولها ترثي حجراً: ترفّع أيها القمر المنير ... تبصّ هل ترى حجْراً يسير يسير إلى معاوية بن حرب ... ليقتله كما زعم الأمير تجبرت الجبابر بعد حجر ... وطلب لها الخَوَرْنقُ والسّدِير وأصبحت البلاد لها مُحُولا ... كأن لم يحيها بَرقْ مطير ألا ياحُجْرُ حُجْرُ بني عديّ ... تلقّتك السلامة والسرور أخاف عليك ما أدري عديا ... وشيخاً في دمشق له زئير

стр. 308

يَرى قتل الخيار عليه حقاً ... له من شر أمتته وزير فإن يهلك فكل زعيم قوم ... من الدنيا هُلك يصير ثم لما اقترف الخليفة المجرم الطاغية يزيد بن معاوية فعلته، بحفدة رسول الله ﷺ ، وقام المختار بن أبي عبيدة الثقفي للانتقام له، والاشتفاء من قَتَلته، كان النساء في عونه ورفقته. وبهن وبمن إليهن من الرجال أوقع القاضية بالبغاة المعتدين على أنه أخذ بالشبهة، وأسرف في الدماء. فقصده مصعب بن الزبير، وغلبه على أمره. حتى ضرب عليه النطاق حول قصره بالكوفة. وفي تلك الساعة الضائقة المرهقة، خلاه رفاقه، فلم يبقى إلا الأوفياء المخلصون، وقليل ما هم، على أن النساء بَدَ أ، فعالهن كعادتهن في كل خطب فدح وجدٍ نبا. فلقد كانت المرأة تخرج من منزلها معها الطعام واللّطف والماء قد ائتزرت عليه، والتفعت فوقه، وأرسلت خمارها على وجهها وصدرها، كأنما تريد المسجد الأعظم للصلاة، أو تقصد النّفلة لذوات قرباها، فإذا دنت من القصر فتح لها الباب، فدخلت فتركت ما معها، ثم خرجت لِطيَّتها. وكان في الكوفة بيتان لامرأتين إليهما غلاة الشيعة، فيتسامرون ويتآمرون وهاتان المرآتان هما هند بنت المتكلفة الناعطية، وليلى بنت قمامة المدَنية. وكانت ليلى لا تليق شيئاً ممن مالها في سبيل نشر دعوتها، وبث مبدئها. وكانت تبغض أخاها رفاعة بن قمامة لاقتصاده وفتور أرْيَحيه. ومن هنالك خفقت نسمة التشيع، فانتظمت نغمتها بلاد فارس وخراسان وما وراءهما. وكان ذلك مما هيأ لآل رسول الله تنظيم دعوتهم، وإقامة دعامتهم

стр. 309

حتى اقتادوا الجيوش من صوب خراسان، فصدعوا بها ملك بني مروان. على أن يد المرأة لم تترك مقادة تلك الثورة المبيحة المُنيحة. هنالك قيض الله لعظيم بني هاشم من ملأت قلبه عزماً، ويده مالا، ونهجه وضحاً ونوراً وتلك هي زوجه أم سَلَمة ابنة يعقوب بن سلمة. كانت أم سلمة قبل أن تصير إلى السفاح زوجاً لعبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك. فكانت لذلك أعرف الناس بِسرّ بني أمية، وأوقعهم على خبيئة أمورهم فلما هلك عنها اجتمع لديها تراث زوجها وأبيها، وكلاهما كان غنيا موفور الغنى. فأما ما ملكت من سماحة الرأي ورجاحة العقل، فكان أوفر من مالها وأتم. أرسلت أم سلمة مولاتها إلى السفاح تخطبه، وحّملتها سبعمائة دينار تقدمها إليه إن شكا الفاقة إليها. فلما عرضت الجارية أمر مولاتها، قال: أنا مملق لا مال عندي. فقدمت إليه هدية سيدتها. وهنالك سارع السفاح إلى الزوجة المواتية بمالها. وكان ما لقيه من نفاذ رأيها وإحكام تدبيرها، أتم وأوفى. فلم يكن يصدر إلا عن رأيها ومشورتها، وبها عرف مواطن الداء من أعدائه، وإليها كانت إفاءته في خلافته: المرأة والخوارج الخوارج قوم يبتغون الكمال في الخلافة، فهم يريدون الإمام العادل الثَّبت، الذي يقوم بإجماع المسلمين، وينزل من الأمر على شورى المسلمين. ذلك مبدؤهم الذي خرجوا به، وقاتلوا الناس عليه. على أنهم أسرفوا فيه وغلوا غلوّاً كبيراً، حتى

стр. 310

حسبوا كل وزر كفراً يُقاتل مقترفه، ويقتل عليه. وكانوا في أول أمرهم قطعة من جند على. فلما رضى بالتحكيم في خلافته؛ قالوا: علام يقتتل المسلمون وأمراؤهم في شك من أمرهم؟! ومنذ ذلك اليوم انفصلوا عن علي، واستجازوا قتاله؛ وقتال من بعده من الخلفاء. وحجتهم في الخروج على علي داحضة. فقد يكون التحكيم مما يبعثه اليقين بالحق، والثقة بالعناية. كذلك شرع الخوارج لأنفسهم قتال كل خليفة لأنه أتخذ خلافة رسول الله تراثاً عن أبيه. وحَسبَ المسلمون سواه هملا، فساقهم بغير عهد منهم ولا رضي. ذلك ما يقوله له الخوارج. ومهما يكن من أمرهم فقد استبسلوا في سبيل غايتهم وأصبحوا مضارب الأمثال في البسالة والجسارة. وأوضح ظاهرة تراها في فريق الخوارج نباهة المرأة، ونزوعها منازع القادة الكفاءة، وقيامها في الطرف القصي من تفدية الغرض، والتضحية في سبيله. وكم احتمل نساء الخوارج من ولاة العراق وسفاحيه من نكال ووبال، وتمزيق أوصال. فلم يكن شيء من ذلك يروعهنّ، ولا يثَلم غرضهنّ، أو يحول غايتهنّ، حتى تقاد المرأة إلى القتل صابرة راضية. ولقد ظهر من الخوارج رجلان عظيمان، قاما واحداً بعد واحد. كلاهما اجتمع عليه القوم، وكلاهما لقب بإمرة المؤمنين. وكلاهما استمدّ من امرأته الجليل من رأيه: والشديد ممن قوته. أما أوّلهما فقطري بن الفجاءة؛ كانت زوجه أم حكيم من أتم النساء ذكاء ومضاء وجمال وجه، ونفاذ رأي، وقوة بيان. ومن قوله فيها: لعمرك إني في الحياة لزاهد ... وفي العيش ما لم ألق أم حكيم

стр. 311

من الخَفِرات البيض لم يُرَ مثلها ... شفاء لذي بَثّ ولا لسقيم لعْمرُك إِني يوم الأطم وجهها ... على نائبات الدهر جِدُّ لئيم ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت ... طعان فتى في الحرب غير ذميم حتى يقول: فلو شَهِدتنا يوم ذاك وخيلنا ... تبيح من الكفار كل حريم رأت فتية باعوا الإله نفوسهم ... بجنات عدن عنده ونعيم وأما الثاني فشبيب بن يزيد، وزوجه غزالة الحروية. وقد أسلفنا ذكرها وأفردنا خبرها. وكانت أمه جهيزة بالمكان الأوفى من الشجاعة. وكانت هي وغزالة ذكرها إلا في أخطر المواقف من الموقعة. وقالوا إن عِمران بن حِطان كان رجلا من أهل السُنة، فتزوج امرأة من الشراة إلا في أخطر المواقف من المواقعة. وقالوا إن عمران بن حِطان كان رجلا من أهل السنة، فتزوج امرأة من الشراة من عشيرته وقال أردها عن مذهبها فذهب هي به. وكان أخطر ما قام به الخوارج قتلهم عليا ﵇، قتله عبد الله مُلجم؛ وما أغراه بذلك إلا أمه وإلا زوجه قَطَام ابنة علقمة التي طلبت صداقاً لها: ثلاثة آلاف وعبد وقينة ... وضرب على بالحسام المسمم ولعلك ذاكر ما فصلنا من حديث ليلى بنت طريف في عهد الرشيد مما يبين لك هو وأشباهه أن المرأة والرجل في تلكم الأيام كانا عودي سرحة واحدة وشبلي عرين واحد.

стр. 312

أثرها في تكوين الرجل أو الأم العربية المسلمة وفي قرن وبعض قرن، وثب المسلمون وثبة ملئوا بها الأرض قوة وبأساً وحكمة وعلماً، وفرضوا الأمم، وهاضوا الممالك، وركزوا ألويتهم في قلب آسيا وهامات إفريقية، وأطراف أوربا، وتركوا دينهم وشرعهم ولغتهم وعلمهم وأدبهم تدين لها القلوب وتنقلب بها الألسنة بعد أن كانوا فرائق بَدَاً لا نظام، ولا قوام ولا علم، ولا شريعة. ففي أي المدارس درجوا، ومن أي المعاهد خرجوا؟ لقد قطع العرب تلك المرحلة التي سَهَمَ لها الدهر، ووجم لروعتها التاريخ ولم يقيموا معهداً أو ينشئوا جامعة، أستغفر الله بل لقد كانت خصاصهم وخيامهم ودورهم وقصورهم معاهد ومدارس وما شئت من مغارس حكمة ومغاوص آداب وَليِ أمرها أمهات صدق، أقامهن الله على نشئه، واستخلفهن على صنائعه، وأرعاهن أشبال غابة، وائتمنهن على بناة ملكه، حُماة خلقه، فكن أقوم خلفائه بواجبه، وأثبتهن على عهده، وأنهض بالفادح الشديد من أمره: لقد كان أبر هؤلاء القوم من أن يخرجهم مُخرجاً سيئاً أو ينبتهم منبتاً فاسداً، أو يضمهم إلى صدور واهية وقلوب سقيمة، ثم يسومهم أشرف مطالب الحياة، ويوردهم أسمى مقاصدها، ولو فعل لكان قد كلفهم شططاً وجشمهم محالا

стр. 313

لأن الأُم من الأمة بمثابة القلب من الجسد، فهي غذاء أرواحها، ومران أعوادها ومفيض مداركها ومبعث عواطفها، فإن وهنت كان كل أولئك واهناً ضعيفاً. لذلك كله عمد الإسلام إلى المرأة أول ما عمد، فرد مظلمتها وأتم نصفتها ورفع شأنها، وأطلق عنانها، وثبت إيمانها. لقد كانت نهضة المسلمين غريبة فريدة لأن المرأة كذلك كانت غريبة فريدة ولو لم تكن كذلك لكانوا في عظيم أمرهم ككل الناس بين جد وانتظار وإقبال وإدبار. وإذا كانت المرأة الحديثة قد أنصتت للِنْكُولن زعيم الجمهورية الأمريكية وهو يقول ولمهنئيه بأسمى مناصب العالم لا تهنئوني وهنئوا أمي فهي التي رفعتني إلى مقامي هذا إذا كانت قد أنصتت لذلك فازدهرت وأشرقت وتطاولت واستشرفت فإن المرأة العربية المسلمة كانت تستمع لأشباه هذا الكلام من أشباه لنكولن فلا ينثني جيدها ولا يهتز عطفها لطول ما سمعته وألفته حتى لقد أصبح من بدائه العرب الظاهر وعقائدهم الراسخة أن الهُجَنَاء - وهم الذين لم تنجبهم نساء العرب - لا يُغْنُون في المهم، ولا يكفون في الملم، مهما أمعن آباؤهم في شرف المنبت، ونبل الشمائل. وما ظنك برجل من رجال البادية كعُقيل بن عُلفة المرَّي يخطب إليه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ابنته بنيه فيقول له جنَّبني هجناء ولدك. وشبيه بذلك ما حدثوا أن هشام بن عبد الملك قال لزيد بن علي بن الحسين: بلغني أ، ك تحدث نفسك بالخلافة. ولا تصلح لها لأنك أبن أمة. أو تدري من تلك الأمة؟ إنها ابنة ملك الفرس الذي كان العرب يذكرون بين رعيته فلا يأبه بهم. أما أبوه فحفيد عليّ بن أبي طالب وسليل رسول الله صلى الله

стр. 314

عليه وسلم. ذلك هو الذي قصر به مدى الخلافة في رأي هشام بل وفي رأي العرب يومئذ أن أمة فارسية لم يجر الدم العربي بين نياط قلبها، وحَنِيات صدرها. بل لقد كان الرجل يرجع إلى الأمهات ما يراه بين الأخوين من الفوارق التي لا تظهر صلتها بهن. ومثل ذلك ما قالوا أن عبد الملك بن مروان سابق بين سليمان ومَسْلَمة ابنيه - وكان مسلمة هجينا - فسبق سليمان. فقال عبد الملك: ألم أنهكم أن تحملوا هجناءكم ... على خيلكم يوم الرهان فتدرك أرأيت كيف جعل الفتيان بالسبق أثراً من جهد المرأة ونزعة من روحها وثمرة من تنشئتها وتربيتها مع أن الأمين امرأتاه والفتيين ولداه؟ وأي غريبة تجدها في ذلك؟ أو لم يكن ركوب الخيل، وأدرع الليل، واقتحام الهول نوازع من عزمة مُتقدة وقوة غالبة ونفس حمية؟ وهل في كل أولئك شيء لم يرضعه في دارها، أو يسمعه من ثغرها، أو يقرأه على صدرها، أو يَتَنسمه من بين سحرها ونحرها؟ ولعل أوضح من ذلك علمهم بأن لها الأثر كله في قوة بيان الرجل وتقويم لسانه. وما رأيناه أمراً أجمع عليه قالةُ العرب ومن إليهم من أئمة اللغة ورواة الأدب وأعيان البيان، كإجماعهم على أن أول أصابت اللغة العربية لم يقذف بها إلا ألسنة الهجناء. وليس ذلك بالأمر الذي يحوجه الدليل ويعوزه البيان. فإن أمهات العرب لم يكن يناغين أبناءهن وهن زهر وغض وصحائف بيض إلا بكل مورق مثمر من القول فينشأ ناشئهن عذب البيان غدق اللسان. فأما بنو الإمام فما عساهم يسمعون إلا كل لفظ دعي من كل لسان عي.

стр. 315

ولئن يكن الخضوع لذلك الحق - حق تفرد المرأة بتكوين الرجل والتأثير فيه - مما أفاض عليها قوتها وشدة عزيمتها على المضي في عملها والبلوغ بواجبها، إن مما ضاعف ذلك كله احترامهم لها احتراماً لم يناله أحد سواها. لقد كان احترام الأم في الجاهلية طبعاً مألوفاً فأصبح بالإسلام فوق ذلك فرضاً يؤثر الأم ويرجع بفضلها في القول عنها. وإليك مثلا من ذلك قول الله جل ذكره: (ووَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً ووَضَعَتْه كرها) فانظر كيف أجمل سبحانه الأب ثم أختص الأم بفضل البيان ووضح الإقناع بأنها حملته مؤلمة ووضعته مؤلمة وليس الأب في شيء من ذلك. وشبيه بذلك ما أسلفنا أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله من أحق بحسن صحابتي؟ قال: أمّك. قال ثم من؟. قال أمّك. قال ثم من؟ قال أمك: قال ثم من؟ قال أبوك. وجاء رجل إليه ﷺ فقال: إن لي أُماً أنا مطيعها، أقعدها على ظهري، ولا أصرف عنها وجهي، وأرد إليها كسبي فهل جزيتها؟ قال: لا ولا بزفرة واحدة. وهل أتاك نبأ أويس بن عامر القَرَني؟ ذاك رجل أنبأ النبي بظهوره وكشف عن سناء منزلته عند الله ورسوله وأخذ البررة الأخيار من آله وصحبته بالتماس دعوته وابتغاء القربى إلى الله به وما كانت آيته إلا بره بأمه وذلك حديث مسلم عنه: كان عمر ﵁ إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سأَلهم أفيكم أويس بن عامر؟

стр. 316

حتى أتى على أويس بن عامر فقال أنت أويس بن عامر؟ قال نعم. قال من مُراد؟ قال نعم. قال كان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال نعم. قال لك والدة؟ قال نعم. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن. كان به أثر برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بَارٌّ بها لو أقسم على الله لأبرَّه فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، فاستغفري لي. فاستغفر له، فقال له عمر أين تريد؟ قال الكوفة. قال ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال أكون في غبراء الناس أحب إلي. كل ذلك وأشباهه مما جعل للأم المقام الأوفى والمنزلة التي ليس فوقها إلا الله ورسوله. وفي سبيل ذلك الاحترام نذكر ذلك الحديث الموجز: لما كانت موقعة أُحد أغرت هند بنت عُتبة بحمزة بن عبد المطلب من خالسه فصرعه - وكان قد قتل آلها يوم بدر - ثم نفذت إليه فَبَقَت بطنه ونزعت كبده وجدعت أنفه، وصلمت أذنيه، وجاء بعدها أبو سفيان فأخذ يطعنه بالرمح في فمه حتى مزقه. انقضت الوقعة وجثمان حمزة تكاد تحيل معالمه لفرط ما مثل به. فلما وقف به رسول الله اشتدّ حزنه لما أصاب عمه البطل الكبير، ووقف بنجوة منه ثم أبصر فوجد عمته صفيه بنت عبد المطلب مقبلة لتنتظر ما فعل القوم بأخيها فقال رسول الله لابنها الزبير دونك أمك فامنعها. وأكبر همه ألا يجد بها الجزع لما ترى. فلما وقف ابنها يعترضها قالت دونك لا أرض لك! لا أمّ لك! وهنالك رجفت أحناء بطل قريش وزلزلت قدماه واعتقل لسانه وكر راجعاً إلى رسول الله فحدثه حديث أمه، فقال: خلَّ سبيلها.

стр. 317

كذلك انفرجت صفوف الناس لعمة الناس لعمة رسول الله فسارت حتى أتت أخاها فنظرت إليه فصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، وقالت لابنها قل لرسول الله ما أرضانا بما كان في سبيل الله لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فانظر إلى موقف البطل العربي حيال أمه قد أمره رسول الله أن يقف دونها فيعترضها! ولو سامه النبي أن يعترض الجيش اللهام لوقف في سبيله غير هائب ولا مدفوع. وماله لا يعنو وجهه ولا ترتجف أضالعه لعظمة الأمومة وعظمة الخُلق! وهل رأت الأمم قديمها وحديثها من سمو المرأة وجلال خلالها ما رأته من مثل صفية! امرأة يمثل بأخيها كذلك التمثيل ثم تقف عن جثمانه فلا تجاوز الصلاة له والاسترجاع عليه لأن جسده إنما مزق في سبيل واجبه وحياطة دينه! إن هذا لهو الخلق العظيم. ولقد كان الرجل وما يجاوز أمه ولا يستشعر الغناء عن مشورتها ونهج سبيلها مهما تطاول به العمر وأمعنت برأيه التجارب وحديث عبد الله بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر آية بالغة ودليل كفيل بما نقول. ذلك أن عبد الله لبث على إمرة المؤمنين، ودانت له العراق والحجاز واليمن ثماني سنين ثم أخذ عبد الملك بن مروان بقارعه فانتفض منه العراق ورماه بعد ذلك بالحجاج ابن يوسف فأخذ يطوي بلاده عنه حتى انتهى إلى مكة فطوقها ونصب المجانيق على الكعبة وأهوى بالحجارة عليها وفي الكعبة يومئذ أسماء بنت أبي بكر. وكان عبد الله يقاتل جند الحجاج مسنداً ظهره إلى الكعبة فيعيث فيهم ويروع أبطالهم وليس حوله إلا القوم الأقلون عدداً والحجاج بين ذلك كله يرسل إليه

стр. 318

يمينه الخير ويعده بالإمارة في ظل بني أميةَّ لو أغمد سيفه وبسط للبيعة يده. دخل عبد الله على أثر ذلك على أمه فقال يا أمه! خذلني الناس حتى أهلي وولدي، ولم يبقى معي إلا اليسير ومن لا دفع له أكثر من صبر ساعة من النهار وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما رأيك؟ فقالت: الله الله يا بني! إن كنت تعلم أنك على حق تدعو إليه غامض عليه ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية فيلعبوا بك. وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت. أهلكت نفسك ومن معك. وإن إني كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي فليس فعل الأحرار ولا من فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير. والله لضربة بالسيف في عز أحب إلى من ضربة السوط في ذل. فقال: يا أماه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني، قالت يا بني إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك واستعن بالله فقبل رأسها وقال لها هذا والله رأيي، والذي قمت به داعياً إلى الله والله ما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تهتك محارمه، ولكني أحببت أن اطلع على رأيك فيزيدني قوة وبصيرة مع قوتي وبصيرتي، والله ما تعمدت إتيان منكر، ولا عملا بفاحشة، ولم أجر في حكم، ولم أغدر في أمان، ولم يبلغني عن عمالي حيف فرضيت به، بل أنكرت ذلك، ولم يكن شيء عندي آثر من رضاء ربي، اللهم إني لا أقول ذلك تزكية لنفسي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني. فقالت والله إني لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا إن تقدمتني أحتسبتك، وإن ظفرت بظفرك. اخرج حتى أنظر إلام يصير أمرك ثم قالت: اللهم أرحم طول ذلك القيام بالليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبره بأمه، اللهم إني قد سلمت فيه لأمرك، ورضيت فيه بقضائك، فأثبني في

стр. 319

عبد الله ثواب الشاكرين. قال: يا أُمّه لا تدعي الدعاء لي قبل قتلي ولا بعده فقالت: لن أدعه. فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق. فتناول يدها ليقبلها قالت: هذا وداع فلا تبعد. فقال لها: مودّعاً لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا. قالت: أمض على بصيرتك وادن مني حتى أودّعك. فدنا منها فعانقته وقبلته، فوقعت يدها على الدرع فقالت: ما هذا صنيع ممن يريد ما تريد، فقال: ما لبستها إلا لأشد متنك، قالت: إنها لا تشد متني، فنزعها ثم درج لِمَّته، وشد قميصه وجبته، وخرج وهو يقول: أبي لابن سلمى أن يُعير خالداً ... ملاقي المنايا أي صرف تيمما فلست بمبتاع الحياة بِسُبِة ... ولا مرتق من خشية الموت سُلَّما وقال لأصحابه: احملوا على بركة الله، وليشغل كل منكم رجلا، ولا يُلْهِنَّكم السؤال عني فإني على الرعيل الأول. ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون وهنالك رماه رجل من أهل الشام بحجر فأصاب وجهه، فأخذته منه رعدة، فدخل شعباً من شعاب مكة يستدمي، فبصرت به مولاة له قالت: وا أمير المؤمنيناه! فتكاثر عليه أعداؤه عند ذلك فقتلوه، وصلبه الحجاج، فأقام جثمانه على الجذع عاماً كاملاً. حتى إذا أمر عبد الملك بإنزاله أخذته أمه فغسلته بعد أن ذهبوا برأسه، وذهب البلى بأوصاله. ثم كفنته، وصلت عليه، ودفنته. ذلك أمر ابن الزبير ومقامه من أمه وعكوفة على رأيها ونزوله مشورتها حتى آخر ساعة من ساعاته وقد طعن يومئذ في السبعين. وماله لا يكون كذلك؟ وهل ترى فيما ترى رأيت خطلا في الرأي، أو زللا في القصد، أو حياداً عن النهج، أو عثرة في الواجب؟ وهل أعانت امرأة ولدها على التضحية في نصرة الحق، وبذل النفس في حومة الشرف بمثل ما أعانت أسماء ولدها؟

стр. 320

اللهم إن ذلك سر عظمة القوم، سبيل نهضتهم، ومُنْبعَثَ قوّتهم. وإليه مرجع استبسالهم واستماتتهم. ولعمري لقد عمد عبد الله إلى أبيه فحوله عن رأيه ووجْهه ومبدئه في أدق مواقفه وأخطر مشاهده وهو دون الأربعين وأثرت فيه أمه برأيها وقولها في إحراج أمره وأهول سَاعِهِ وقد أطل على السبعين. وأما موقفه حيال أمه فقد علمته. وأما موقفه حيال أبيه فذلك بعد أن بايع علياًّ ﵇ وعقد له من عهده وذمته على السمع والطاعة له فما زال عبد الله به حتى نقض بيعة أمير المؤمنين، وخلع طاعته، وشرع السيف في وجهه بعد أن شايعه منا أهل البيت حتى أدركه ابنه عبد الله فلفته عنا. وبعد فقد علمت مما سلف أن المرأة المسلمة اجتمع لها من وسائل التربية ومجالات العمل ما لم يجتمع لأخرى ممن سواها، من إقرار بحقها وإمعان في احترامها وما شاة في الرأي والعمل لها إلى غير مدى ولا غاية في ذلك كله كل أولئك إلى ما علمت من رجاحة في العقل، وسماحة في الرأي واستمكان من الفضية، وبلوغ إلى الغاية القصوى من جلال الدين وفرط اليقين، مما جعلهن أعرف خلق الله بتكوين الرجال، والتأثير فيهم، والنفاذ إلى قلوبهم، وتثبيت دعائم الخلق العظيم بين جوانحهم، وفي مسارب دمائهم. ومن أجل ذلك كان أبناء النابهات الممتازات من النساء أنبل وأفضل وأمثل منم أبناء النابهين الممتازين من الرجال. حتى لا تكاد تقف على عظيم ممن راضوا أشماس الدهر وذلت لهن نواصي الحادثات إلا وهو ينزع بِعِرْقة إلى أم عظيمة. فالزبير بن العوّام قامت بأمره
следующие страницы →