← Фикх общий

Фикх общий · id 37059

المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

عبد الله العفيفي

Полный текст (543 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

حتى أتى على أويس بن عامر فقال أنت أويس بن عامر؟ قال نعم. قال من مُراد؟ قال نعم. قال كان بك برص فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال نعم. قال لك والدة؟ قال نعم. قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن. كان به أثر برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بَارٌّ بها لو أقسم على الله لأبرَّه فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، فاستغفري لي. فاستغفر له، فقال له عمر أين تريد؟ قال الكوفة. قال ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال أكون في غبراء الناس أحب إلي. كل ذلك وأشباهه مما جعل للأم المقام الأوفى والمنزلة التي ليس فوقها إلا الله ورسوله. وفي سبيل ذلك الاحترام نذكر ذلك الحديث الموجز: لما كانت موقعة أُحد أغرت هند بنت عُتبة بحمزة بن عبد المطلب من خالسه فصرعه - وكان قد قتل آلها يوم بدر - ثم نفذت إليه فَبَقَت بطنه ونزعت كبده وجدعت أنفه، وصلمت أذنيه، وجاء بعدها أبو سفيان فأخذ يطعنه بالرمح في فمه حتى مزقه. انقضت الوقعة وجثمان حمزة تكاد تحيل معالمه لفرط ما مثل به. فلما وقف به رسول الله اشتدّ حزنه لما أصاب عمه البطل الكبير، ووقف بنجوة منه ثم أبصر فوجد عمته صفيه بنت عبد المطلب مقبلة لتنتظر ما فعل القوم بأخيها فقال رسول الله لابنها الزبير دونك أمك فامنعها. وأكبر همه ألا يجد بها الجزع لما ترى. فلما وقف ابنها يعترضها قالت دونك لا أرض لك! لا أمّ لك! وهنالك رجفت أحناء بطل قريش وزلزلت قدماه واعتقل لسانه وكر راجعاً إلى رسول الله فحدثه حديث أمه، فقال: خلَّ سبيلها.

стр. 317

كذلك انفرجت صفوف الناس لعمة الناس لعمة رسول الله فسارت حتى أتت أخاها فنظرت إليه فصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، وقالت لابنها قل لرسول الله ما أرضانا بما كان في سبيل الله لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله. فانظر إلى موقف البطل العربي حيال أمه قد أمره رسول الله أن يقف دونها فيعترضها! ولو سامه النبي أن يعترض الجيش اللهام لوقف في سبيله غير هائب ولا مدفوع. وماله لا يعنو وجهه ولا ترتجف أضالعه لعظمة الأمومة وعظمة الخُلق! وهل رأت الأمم قديمها وحديثها من سمو المرأة وجلال خلالها ما رأته من مثل صفية! امرأة يمثل بأخيها كذلك التمثيل ثم تقف عن جثمانه فلا تجاوز الصلاة له والاسترجاع عليه لأن جسده إنما مزق في سبيل واجبه وحياطة دينه! إن هذا لهو الخلق العظيم. ولقد كان الرجل وما يجاوز أمه ولا يستشعر الغناء عن مشورتها ونهج سبيلها مهما تطاول به العمر وأمعنت برأيه التجارب وحديث عبد الله بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر آية بالغة ودليل كفيل بما نقول. ذلك أن عبد الله لبث على إمرة المؤمنين، ودانت له العراق والحجاز واليمن ثماني سنين ثم أخذ عبد الملك بن مروان بقارعه فانتفض منه العراق ورماه بعد ذلك بالحجاج ابن يوسف فأخذ يطوي بلاده عنه حتى انتهى إلى مكة فطوقها ونصب المجانيق على الكعبة وأهوى بالحجارة عليها وفي الكعبة يومئذ أسماء بنت أبي بكر. وكان عبد الله يقاتل جند الحجاج مسنداً ظهره إلى الكعبة فيعيث فيهم ويروع أبطالهم وليس حوله إلا القوم الأقلون عدداً والحجاج بين ذلك كله يرسل إليه

стр. 318

يمينه الخير ويعده بالإمارة في ظل بني أميةَّ لو أغمد سيفه وبسط للبيعة يده. دخل عبد الله على أثر ذلك على أمه فقال يا أمه! خذلني الناس حتى أهلي وولدي، ولم يبقى معي إلا اليسير ومن لا دفع له أكثر من صبر ساعة من النهار وقد أعطاني القوم ما أردت من الدنيا فما رأيك؟ فقالت: الله الله يا بني! إن كنت تعلم أنك على حق تدعو إليه غامض عليه ولا تمكن من رقبتك غلمان بني أمية فيلعبوا بك. وإن كنت أردت الدنيا فبئس العبد أنت. أهلكت نفسك ومن معك. وإن إني كنت على حق فلما وهن أصحابي ضعفت نيتي فليس فعل الأحرار ولا من فيه خير، كم خلودك في الدنيا؟ القتل أحسن ما يقع بك يا ابن الزبير. والله لضربة بالسيف في عز أحب إلى من ضربة السوط في ذل. فقال: يا أماه، أخاف إن قتلني أهل الشام أن يمثلوا بي ويصلبوني، قالت يا بني إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، فامض على بصيرتك واستعن بالله فقبل رأسها وقال لها هذا والله رأيي، والذي قمت به داعياً إلى الله والله ما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تهتك محارمه، ولكني أحببت أن اطلع على رأيك فيزيدني قوة وبصيرة مع قوتي وبصيرتي، والله ما تعمدت إتيان منكر، ولا عملا بفاحشة، ولم أجر في حكم، ولم أغدر في أمان، ولم يبلغني عن عمالي حيف فرضيت به، بل أنكرت ذلك، ولم يكن شيء عندي آثر من رضاء ربي، اللهم إني لا أقول ذلك تزكية لنفسي، ولكن أقوله تعزية لأمي لتسلو عني. فقالت والله إني لأرجو أن يكون عزائي فيك جميلا إن تقدمتني أحتسبتك، وإن ظفرت بظفرك. اخرج حتى أنظر إلام يصير أمرك ثم قالت: اللهم أرحم طول ذلك القيام بالليل الطويل، وذلك النحيب والظمأ في هواجر مكة والمدينة، وبره بأمه، اللهم إني قد سلمت فيه لأمرك، ورضيت فيه بقضائك، فأثبني في

стр. 319

عبد الله ثواب الشاكرين. قال: يا أُمّه لا تدعي الدعاء لي قبل قتلي ولا بعده فقالت: لن أدعه. فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق. فتناول يدها ليقبلها قالت: هذا وداع فلا تبعد. فقال لها: مودّعاً لأني أرى هذا آخر أيامي من الدنيا. قالت: أمض على بصيرتك وادن مني حتى أودّعك. فدنا منها فعانقته وقبلته، فوقعت يدها على الدرع فقالت: ما هذا صنيع ممن يريد ما تريد، فقال: ما لبستها إلا لأشد متنك، قالت: إنها لا تشد متني، فنزعها ثم درج لِمَّته، وشد قميصه وجبته، وخرج وهو يقول: أبي لابن سلمى أن يُعير خالداً ... ملاقي المنايا أي صرف تيمما فلست بمبتاع الحياة بِسُبِة ... ولا مرتق من خشية الموت سُلَّما وقال لأصحابه: احملوا على بركة الله، وليشغل كل منكم رجلا، ولا يُلْهِنَّكم السؤال عني فإني على الرعيل الأول. ثم حمل عليهم حتى بلغ بهم الحجون وهنالك رماه رجل من أهل الشام بحجر فأصاب وجهه، فأخذته منه رعدة، فدخل شعباً من شعاب مكة يستدمي، فبصرت به مولاة له قالت: وا أمير المؤمنيناه! فتكاثر عليه أعداؤه عند ذلك فقتلوه، وصلبه الحجاج، فأقام جثمانه على الجذع عاماً كاملاً. حتى إذا أمر عبد الملك بإنزاله أخذته أمه فغسلته بعد أن ذهبوا برأسه، وذهب البلى بأوصاله. ثم كفنته، وصلت عليه، ودفنته. ذلك أمر ابن الزبير ومقامه من أمه وعكوفة على رأيها ونزوله مشورتها حتى آخر ساعة من ساعاته وقد طعن يومئذ في السبعين. وماله لا يكون كذلك؟ وهل ترى فيما ترى رأيت خطلا في الرأي، أو زللا في القصد، أو حياداً عن النهج، أو عثرة في الواجب؟ وهل أعانت امرأة ولدها على التضحية في نصرة الحق، وبذل النفس في حومة الشرف بمثل ما أعانت أسماء ولدها؟

стр. 320

اللهم إن ذلك سر عظمة القوم، سبيل نهضتهم، ومُنْبعَثَ قوّتهم. وإليه مرجع استبسالهم واستماتتهم. ولعمري لقد عمد عبد الله إلى أبيه فحوله عن رأيه ووجْهه ومبدئه في أدق مواقفه وأخطر مشاهده وهو دون الأربعين وأثرت فيه أمه برأيها وقولها في إحراج أمره وأهول سَاعِهِ وقد أطل على السبعين. وأما موقفه حيال أمه فقد علمته. وأما موقفه حيال أبيه فذلك بعد أن بايع علياًّ ﵇ وعقد له من عهده وذمته على السمع والطاعة له فما زال عبد الله به حتى نقض بيعة أمير المؤمنين، وخلع طاعته، وشرع السيف في وجهه بعد أن شايعه منا أهل البيت حتى أدركه ابنه عبد الله فلفته عنا. وبعد فقد علمت مما سلف أن المرأة المسلمة اجتمع لها من وسائل التربية ومجالات العمل ما لم يجتمع لأخرى ممن سواها، من إقرار بحقها وإمعان في احترامها وما شاة في الرأي والعمل لها إلى غير مدى ولا غاية في ذلك كله كل أولئك إلى ما علمت من رجاحة في العقل، وسماحة في الرأي واستمكان من الفضية، وبلوغ إلى الغاية القصوى من جلال الدين وفرط اليقين، مما جعلهن أعرف خلق الله بتكوين الرجال، والتأثير فيهم، والنفاذ إلى قلوبهم، وتثبيت دعائم الخلق العظيم بين جوانحهم، وفي مسارب دمائهم. ومن أجل ذلك كان أبناء النابهات الممتازات من النساء أنبل وأفضل وأمثل منم أبناء النابهين الممتازين من الرجال. حتى لا تكاد تقف على عظيم ممن راضوا أشماس الدهر وذلت لهن نواصي الحادثات إلا وهو ينزع بِعِرْقة إلى أم عظيمة. فالزبير بن العوّام قامت بأمره

стр. 321

أمه صفية بنت عبد المطلب فنشأ على طبعها وسجيتها. والكلمة العظماء عبد الله والمنذر وعروة أبناء الزبير ثمرات أمهم أسماء بنت أبي بكر وما منهم إلا له الأثر الخالد والمقام المحمود. وعلي بن أبي طالب كرم الله وجه تنقل في تربيته بين صدرين من أملأ صدور العالمين حكمة وأحفلها بحلال الخلال، فكان مغداه على أمه فاطمة بنت أسد، ومراحه على خديجة بنت خويلد زوج رسول الله، ومكانهما من الفضل وبعد الرأي ما علمت. وعبد الله بن جعفر سيد أجواد العرب وأنبل فتيانهم تركه أبوه صغيراً فتعاهدته أمه أسماء بنت عُمَيس، ولها من الفضل والنبل مالها. وَمعاوية بن أبي سفيان أريب العرب وأَلمَعِيُّها ورث عن أمه هند بنت عتبة ما لم يرث عن أبي سفيان. وهي القائلة - وقد قيل لها ومعاوية وليد بن يديها إن عاش معاوية ساد قومه - ثكلته إن لم يسد إلا قومه. ولما نعي إليها ولدها يزيد بن أبي سفيان قال لها بعض المعزين إنا لنرجو أن يكون في معاوية خلف منه. فقالت: أو مثل معاوية يكون خلفاً من أحد؟ والله لو جمعت العرب من أقطارها ثم رمى به فيها لخرج من أيها شاء. وكان معاوية إذا نوزع الفخر بالمقدرة وجوذب المباهات بالرأي انتسب إلى أمه فصدع بذلك أسماع خصمه. ومن قوله في سجال الفخر لابن الزبير: أنا ابن هند، أطلقت عقال الخرب فأكلت السَّنام وشربت عنفوان المَكْرَع، وليس للآكل إلا الفَلْذَة، ولا للشارب إلا الرّنَق.

стр. 322

وعجيب أن معاوية لم يعرف يودع يزيد ابنه وخليفته، رأيه وحلمه وسياسته، ذلك لأن أمة امرأة أعرابية لا شأن لها، خطبها معاوية على الجمال واتخذها مقادة لقبيلتها ومرتقى لعشيرتها. وشبيه بمعاوية أخوه زياد بن أبي سفيان. فهو مساق المثل في ذكاء القلب وفرط الدهاء. إلى وفور في العلم، وقوة في البيان. وبرغم ذلك كان ابنه عبيد الله أبعد الناس عن خُلْقه وأنباهم عن طبعه. كان أحمق، أخرق، واهن العقيدة، مضطرب الفطنة، عييا، سفاكا، ذلك لأن أمه مَرجانة امرأة فارسية من فلول تلك الأمة المتهدمة المتحطمة، فهي ضعيفة ذليلة، لا تصلح أن تكون أماً لعزيز عظيم. ولقد انحسر ملك بني مروان عن رجلين، ذهب أحدهما بما أوتى من حَول وطول وما انتضى من حزم وعزم، وضربت الأمثال بما نهج ثانيهما من سَنَنَ العدل، وما أفاء على الناس من ظل الخيرات، وكلاهما مهبط وحي المرأة العظيمة. أما أولهما فعبد الملك بن مروان وأمه عائشة بنت المغيرة بن أبي العاص بن أمية وكان لها من مضاء العزم، وذكاء القلب، ونفاذ الرأي ما لم يكن مروان في شيء منه، وهي التي يعنيها ابن قيس الرُّقيات في قوله لعبد الملك. أنت ابن عائشة التي ... فَضَلَت أرُوم نسائها لم تلتف لِلشداتها ... ومشت على غُلَوائها ولدت أغر مباركاً ... كالشمس وسط سمائها وإما الثاني فأبو حفص عمر بن عبد العزيز. وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر ابن الخطاب أكمل أهل دهرها كما لا وأكرمهن خلالا وأمها تلك التي اتخذها

стр. 323

عمر لابنه عاصم، وليس لها ما تعتز به من نسب ونشب إلا ما جرى على لسانها من قول الصدق في نصيحتها لأمها - وهي التي نزعت به إلى خلائق جده الفاروق ﵁. فإذا نحن انتقلنا بك من مُلك بني مروان بالمشرق إلى ملكهم بالمغرب، وجدنا العظمة الرائعة، والهمة القصية، والأمل البعيد، والبأس الشديد، والأثر الخالد، والمجد المكين، لم يجتمع شيء منها على الرجل ما اجتمع لأمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر. ذلك الذي ولي الأندلس وهي ولاية تميد بالفتن، وتَشرَق بالدماء، فما لبثت أن قرّت له وسكنت لخشيته، ثم خرج في طليعة جنده، فافتتح سبعين حصناً في غزوة واحدة، ثم أمعن بعد ذلك في فرنسا، وتغلغل في أحشاء سويسرا، وضم أطراف إيطاليا، حتى ريض كل أولئك له؛ ورجف لبأسه، وبعد أن كانت قرطبة إمارة يذكر الخليفة العباسي على منابرها وتُمضي باسمه أحكامها، أصبحت مقرّ خلافة يحتكم إليها عواهل أوربا وملوكها يختلف إلى معاهدها علماءُ الأمم وفلاسفتها. أو أحدثك عن سر هذه العظمة ومهبط وحيها؟ هي المرأة وحدها، فقد نشأ عبد الرحمن يتيماً قَتل عمه أباه، فنفرت امه بتربيته وإيداع سر الكمال وروح السموّ في ذات نفسه، فكان من أمره ما علمت. ثم إذا نحن نشرنا صفحة العهد العباسي، بل صفحة العهد الإسلامي لا نجد في تضاعيفها امرؤا دانت له قطوف العلم والحكمة، ودانت له نواصي البلاغة والفصاحة كمحمد ابن إدريس الشافعي. فهو الشهاب الثاقب الذي انتظم حواشي الأرض فملأ أقطارها علماً وتشريعاً. ذلك أيضاً ثمرة الأم العظيمة. فقد مات أبوه وهو جنين أو رضيع، فتولته أمه بعنايتها، وأشرقت عليه بحكمتها،

стр. 324

وكانت امرأة من فضليات عقائل الأزد. وهي التي تنقلت به من غزة مهبطة إلى مكة مستقرّ أخواله فربته بينهم هنالك. وكان جعفر بن يحي وزير أرفق الناس برياضة القول، وأعرفهم بفنون الكلام. وكان إذا عقب رسالة ووقع تحت كتاب فإليه مباءة البلاغة ونهاية الإيجاز حتى لقد يتدافع الكتاب على بابه فيشترون من حجابه كل توقيع بدينار. كل ذلك ورثه جعفر عن أمه لا عن أبيه. كذلك كان النساء في ذلك العهد الكريم مبعث كل شيء في نفوس أبنائهن والأمر في ذلك ما قال رافع بن هُريم: فلو كنتمِ لمُكْيسةٍ لكاست ... وَكَيْسث الأم يعرف في البنينا أما بعد فأولئك هن الأمهات اللواتي انبلج عنهن فجر الإسلام وسمت بهن عظمته، وصدعت بقوتهن قوّته، وعنهن وحدهن ذاعت مكارمه ورسخت قوائمه؛ فإن كان مما يذل الرجل في عصرنا هذا أن يقال له تربية أمه فقد كان ذلك في عصور الإسلام الزاهية، وأيامه الخالية: مهبط الشرف الحرّ، والعز المؤثل والمجد المكين.

стр. 325

أثرها في العلم والأدب تصدت المرأة لفنون العلم وشئون الأدب جميعاً وأمعنت في كل ذلك إمعاناً أعيا على الرجل دركه في مواطن كثيرة. وبرغم ما مهد للرجل من مشاكل المسائل، وهيئ له من وسائل الكشف والاستنباط فقد كان للمرأة - على لحاقها بالرجل في كل ما أسلفناه - مظهر خلقي كريم في العلم والتهليم. أجل لقد امتازت العالمة المسلمة بالصدق في العلم، والأمانة في الرواية والحيدة عن مواقع التهم ومساقط الظُّن مما لم يوفق إليه كثيرون من الرجال. ومعاذ الله أن نقول ذلك محاباة أو مشايعة لموضوع كتابنا. فنحن أولاء ضاربون لك مثلا من إقرار عظماء بما نقول: الحافظ الذهبي المتوفى سنة ثماني وأربعين وسبعمائة ثقة من ثقات المسلمين وعظيم من عظماء المحدّثين ألف كتابه ميزان الاعتدال في نقد رجال الحديث خرّج فيه أربعة آلاف متهم من المحدثين، ثم اتبع قوله بتلك الجملة التي كتبها بخطه الواضح وقلمه العريض فقال وما علمت من النساء من اُّتهمت ولا من تركوها ولعل قائلا يقول: وما للنساء ورواية الحديث؟ وهل تركهن الذهبي إلا من قلة أو ذلة؟ ونقول نحن إن حديث رسول الله منذ عهد عائشة أم المؤمنين حتى عهد الذهبي ما حفظ ولا روي بمثل ما حفظ في قلوب النساء وروى على ألسنتهن.

стр. 326

ذلكم الحافظ ابن عساكر المتوفى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، أوثق رواة الحديث عقدة، وأصدقهم حديثاً - حتى لقبوه بحافظ الأمة - كان له من شيوخه وأساتذته بضع وثمانون من النساء. فهل سمع الناس في عصر من العصور، وأمة من الأمم أن عالماً واحداً يتلقى عن بضع وثمانين امرأة علماً واحدا؟ فكم ترى منهن من لم يلقها أو يأخذ عنها والرجل لم يجاوز الجزء الشرقي من الدولة الإسلامية، فلم تطأ أرض مصر، ولا بلاد المغرب، ولا الأندلس، وهي أحفل ما تكون بذوات العلم والرأي من النساء. والحق الذي لا مراء فيه أن مزال النفس، ومنازع التهم، ونزعات الريب لا تجد مسرباً إلا في صدور الرجال، فإن دواعيها موفورة فيهم، مؤتشبة بين جوانبهم. فلهم من منازعة السياسة، ومجاذبة الرياسة، ومناصرة الآراء ومؤازرة الأهواء، والزلفى عند الملوك ومساومة قلوب العامة، ما لا سبيل إلى نفس المرأة وكل ذلك مما يميل بالرأي ويصدع ركن العقيدة. ولم تقف التهمة بالرجل عند حدّ الدين وحده، بل لقد طمس أناس من الرجال معالم الشعر والأدب والتاريخ ووصف الأمم والمواطن وأسرار الكون ومظاهر الطبيعة. وإذا هان على المرء أن يكذب على الله، فأهون ما يكون أن يكذب على كل شيء سواه. وإذا كان الصدق في النقل والعصمة من الهوى مما دعم قواعد الأثر العلمي للمرأة المسلمة وشاد جوانبه، فقد كان لها من صفاء فطرتها وقوة فطنها عماد وقوّة. إن الذين يقولون بالفوارق في المقدرة بين الرجل والمرأة لينتقض رأيهم إذا هم استمعوا حديث النهضة العلمية الإسلامية.

стр. 327

لقد لحق النبي بربه وعائشة أم المؤمنين لم تَخْطُ إلى التاسعة عشرة، على أنها ملأت أرجاء الأرض علما. فهي في رواية الحديث نسيج وحدها ولم يكن بين أصحاب رسول الله من كان أروى منها ومن أبي هريرة، على أنها كانت أدق منه وأوثق. وكانت من أنفذ الناس رأياً في أصول الدين ودقائق الكتاب المبين. وكان زعماء الصحابة إذا أشكلت عليهم الفرائض فزعوا إليها فحسرت حُجُبها وكشفت سُحُبَها. ولم يكن نفاذ رأيها ورجاحة كفتها وقفا على الدين وحده. فكذلك كان أمرها في رواية الشعر والأدب والتاريخ، وكذلك كان نفاذها في الطب وعلم الكواكب والأنواء والأنساب وما إلى كل ذلك، وذلك عروة بن الزبير فقيه المسلمين يقول: ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا بطب ولا بشعر منم عائشة. وإليك فاسمع هذا الحديث ثم انظر إلى أي مدى بلغت عائشة من الإحاطة بحوادث الأمم ومشكلات التاريخ. لما وفد المسلمون إلى الحبشة مهاجرين أوطنهم النجاشي موطناً كريماً فأوفدت إليه قريش عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص بأعز ما لديهم من طرائف وتلاد. وفي أنفسهم أن يبرأ من ذمة اللاجئين إليه ويعيدهم على أعقابهم، فردّ النجاشي على القوم هداياهم وقال: لا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني الرّشوة حين رد عليّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه فحفظ الناس ذلك القول من ملك الحبشة ولم يعرفوا معناه حتى كانت عائشة هي التي حدّثته خبره مما تعلم من تاريخ الحبشة فقالت: إن أبا النجاشي كان ملك قومه ولم يكن له ولدا سواه. وكان للنجاشي عم له اثنا عشر رجلا كلهم من صلبه.

стр. 328

فقالت الحبشة: لو أنا قتلنا الملك وولينا لأَمِنَّا على الملُكِ أن يضيع وعلى الملك أن ينقطع عَقِبة. فعدوا على ملكهم فقتلوه وملكوا أخاه فمكثوا على ذلك حيناً. وكان ولد القتيل أيداً حازماً، لبيبا، أديبا، فغلب عمه على الملك وأوجس القوم أن يثب على الملك فيأخذهم بأبيه، فحملوا الملك على بيعه من تاجر بستمائة درهم، فقذفه التاجر في سفينة وانطلق به، حتى إذا كان العَشِي من ذلك اليوم هاجت سحابة من سحب الخريف فخرج الملك يستمطر تحتها فأصابته صاعقة فقتلته، ففزعت الحبشة إلى ولده هو مُحْمقٌ لا خير في ولده. ثم علموا أن لا مفزع لهم إلا إلى ملكهم القتيل، فخرجوا يطلبونه، فجاءوا به من صاحبه، فعقدوا عليه التاج. وعز على التاجر أن يضيع ماله وتذهب صفقته فاقتضى القوم حقه فجحده إياه، فشكا أمره إلى ذلك الملك فقال: لَتُعْطُنَّهُ ماله أو لَيَضَعَنَّ غلامه يده فليذهبن به حيث شاء، فقالوا: بل نعطه ماله. قالت: فلذلك يقول ما أخذ الله مني رشوة حين ردّ عليَّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيّ فأطيع الناس فيه. ذلك هو الحديث الذي خفي عن ثلاثة وثمانين رجلا، وابتدرته عائشة حين سئلت عنه. وكانت ﵂ تحسن أن تقرأ ولم يكن يعرف ذلك إلا عدد محدود من أصحاب رسول الله. وكان زوجات رسول الله جميعاً قسيمات عائشة في إذاعة العلم وإفاضة الدين على المسلمين. وكما كانت عائشة أم المؤمنين تجيد القراءة كانت حَفْصَة أمّ المؤمنين تحسن

стр. 329

الكتابة وكانت الشفاء بنت عبد الله بن شمس القرشية هي التي علمتها إياها. ولم يكن أمهات المؤمنين بدعا من نساء هذا العصر. فقد عقد محمد بن سعد جزءا من كتاب الطبقات الكبيرة لروايات الحديث من النساء أتى فيه على نيَّف وسبعمائة امرأة روين عن رسول الله، أو عن الثقات من أصحابه، وروى عنهنّ أعلام الدين وأئمة المسلمين. وهل تجد موطناً أوثق، ومرتقي أسمق، ومنزلة أوثق، من أنّ علي بن أبي طالب وهو العَلم الأشم الذي لا يدانيه أحد في علمه وحكمته، وقربه من رسول الله وقرابته يتلقى الحديث على مولاه لرسول الله كانت تقوم على خدمته، وهي ميمونة بنت سعد فكيف بمن دون على أحد؟ وما من أعلام الإسلام إلا دونه. على أنّ رواية الحديث ومعاناة التشريع لم تكونا كل ما للنساء من هَمّ، فقد كان لهنّ في الأدب العربي شأن لا يدرك وغاية لا ترام.

стр. 330

ومما حدثوا عنه أن عائشة بنت طلحة وفدت على هشام بن عبد الملك فقال لهاما أوفدك؟ قالت حبست السماء مطر، ومنع السلطان الحق قال. إني سأعرفه حقك. ثم بعث إلى مشايخ بني أمية فقال: إن عائشة عندي فاسمروا عندي الليلة لليلة، فحضروا، فما تذاكروا شيئاً من أخبار العرب وأشعارها وأيامها إلا أفاضت معهم فيه، وما طلع نجم ولا أغار إلا سمته فقال لها هشام أما الأول فلا أنكره وأما النجوم فمن أين لك؟ قالت أخذتها عن خالتي عائشة. فأمر لها بمائة ألف درهم وردها إلى المدينة. ودونك فاستمع حديث الحجاج عن نسائه، قال: عندي أربع نسوة: هند بنت المهَلب. وهند بنت أسماء بن خارجة، وأم الجُلاس بنت عبد الرحمن بن أسَيد وأمة الرحمن بنت جرير بن عبد الله البُجلي. فأما ليلتي بنت المهلب فليلة فتى بين فتيان، يلعب ويلعبون، وأما ليلتي عند هند بنت أسماء فليلة ملك بين الملوك، وأما ليلتي عند أم الجلاس فليلة أعرابي مع أعراب في حديثهم وأشعارهم، وأما ليلتي عند أمة الرحمن بنت جرير فليلة عالم بين العلماء والفقهاء. ومن حديث الذي نورده الآن عليك إلى أي مدى بلغت المرأة من رواية الشعر، والوقوف على مراميه، ونفاذ البديهة في اجتلابه وقت الحاجة إليه.

стр. 331

قالوا إن رجلا من العرب نزل بامرأة من بني عامر فأكرمته وأحسنت قراه، فلما هم بالرحيل أنشد ذلك البيت - وهو مما هجى بني عامر -: لعمرك ما تبلي سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها حتى إذا سمعته قالت لجارتها قولي له ألم نحسن إليك ونفعل ونفعل؟ هل رأيت تقصيراً؟ قال لا. قالت فما حملك على البيت؟ قال جرى على لساني. فخرجت إليه جارية من بعض الأخبية فحدثته حتى أنس واطمأن ثم قالت له ممن أنت يا ابن عم؟ قال رجل من تميم. قالت أتعرف الذي يقول: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضَلّتِ أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى ... خلال المخازي عن تميم تَجَلَّتِ قال: والله ما أنا من تميم، قالت: ما أقبح هذا الكذب بأهله! فمن أنت؟ قال: من بني عجِل. قالت أفتعرف القائل؟ أرى الناس يعطون الجزيل وإنما ... عطاء بني عجل ثلاث وأربع إذا مات عجليّ بأرض فإنما ... يخط له فيها ذراع وإصبع قال: لا والله ما أنا منم بني عجل، قالت: فمن؟ قال: من بني عبس. قالت: أفتعرف القائل؟ إذا عبسية ولدت غلاماً ... فبشرها بلؤم مستفاد قال: والله ما أنا من بني عبس، قالت: فمن؟ قال: من بْجيْلة، قالت: أفتعرف القائل؟ سألنا عن بُجيلة حين جاءت ... لتخبر أين قَرَّ بِها القرار فما تدري بجيلة إذ سألنا ... أقحطان أبوها أم نزار فقد وقعت بجيلة بَيْنَ بَيْن ... وقد خُلعت كما خلع العذار

стр. 332

قال لا والله ما أنا من بجيلة. قالت فممن؟ قال من بني نمير. قالت أفتعرف القائل؟ فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا قال والله ما أنا من بني نمير، قالت فممن؟ قال من بني باهلة. قالت أفتعرف القائل؟ إذا نصّ الكرام إلى المعالي ... تنحى الباهليّ عن الزحام إذا ولدت حليلة باهليّ ... غلاماً زِيدَ في عدد اللئام ولو كان الخليفة باهليا ... لقصر عن مساماة الكرام وعرض الباهلي وإن توّقي ... عليه مثل منديل الطعام قال لا والله ما أنا باهلة. قالت فممن؟ قال من خزاعة. قالت أفتعرف القائل؟ إذا فخرت خزاعة. قالت فممن؟ قال من بني أمية. قالت أفتعرف القائل؟ وهي من أمية بنيانها ... فهان على الناس فقدانها وكانت أمية فيما مضى ... جريا على الله سلطانها فلا آل حرب أطاعوا الإله ... ولم يتق الله مروانها قال لا والله ما أنا من بني أمية. قالت فممن؟ قال من همدان. قالت: أفتعرف القائل؟ إذا همدان دارت يوم حرب ... رحاها فوق هامات الرجال رايتهم يحثون المطايا ... سراعا هاربين من القتال

стр. 333

قال لا والله ما أنا من همدان. قالت فممن؟ قال من النخع. قالت أفتعرف القائل؟ إذا النخع اللئام عدوا جميعاً ... تدكدت الجبال من الزحام وما تغني إذا صدقت فتيلا ... ولا هي في الصميم من الكرام قال لا والله ما أنا من النخع. قالت فممن؟ قال من لخَم. قالت أفتعرف القائل؟ إذا ما اجتبي قوم لفضل قديمهم ... تباعد فخر الجود عن لخم أجمعا قال لا والله ما أنا من لخم. قالت فممن؟ قال من كلب. قالت أفتعرف القائل؟ فلا تقربن كلباً ولا باب دارها ... ولايطمعن ساريري ضوء نارها قال والله ما أنا من كلب. قالت فممن؟ قال من سُليم. قالت أفتعرف القائل؟ إذا ما سليم جئتها في ملمة ... رجعت كما قد جئت نادماً قال والله ما أنا من سليم. قالت فممن؟ قال من الموالي. قالت أفتعرف القائل؟ ألا من أراد اللؤم والفحش والخنا ... فعند الموالي الجيدُ والكتفانِ قال لا والله ما أنا من الموالي. قالت فممن؟ قال رجل من الشيطان الرجيم قالت أفتعرف القائل؟ ألا يا عباد الله هذا عدوكم ... وذا ابن عدو الله إبليس خاسئاً حتى إذا ضاقت بالرجل مناسبه، وأعيت عليه مذاهبه، قال لها الله الله! أقيليني العثرة فوالله ما ابتليت بمثلك قط. ثم خرج خاسئاً وهو حسير ذلك حديث الصبية العربية التي لم تَعدُ بعد طور الحداثة، وتلك قوة بديهتها ودقة فطنتها وحضور جوابها. وأخذها المآخذ على خصمها. وفي الحديث كما رواه المسعودي هناتٌ للقبائل ومغامز ضربنا الصفح عنها.

стр. 334

ولقد أثمرت رواية الشعر في تلك النفوس الصافية النقية ثمراً جَنِيا فكانت المرأة ناقدة لا تباري، وشاعرة لا تجاري، وبنقدها وصوعها تبوّأ الشعر العربي تلك المنزلة التي لا تطاول روعة وجمالا. ولئن ثار الخلائف من بني أمية في نفوس الشعراء روحاً خبيثة من التنابر والأحقاد فأثابوهم على المخزيات والمنتديات يترامون بها، ويتهالكون عليها لقد دافع عقائل العرب تلك الروح بنفاذ نقدهن، ولطف مآخذهن، وجلال المعنى وكفى. وكانت سيدة الناقدين سُكينة بنت الحسين. فهي حَكَمُ الشعراء الذي لا يرد حكمه ولا يَفيل رأيه ولا تبدو مزلته، وكانوا يفدون على دارها من كل صوب وحدب وكلهم قد عقد يده على خير ما قال، وليس بينهم إلا من كان حديثه طوال طريقه عما عسى السيدة أن تقوله وتحكم به، لأنه سيكون بين المتأدّبين وبغاة الشعر يقيناً لا شك فيه. اجتمع إليها ذات مرة جرير والفرزْدَق وكُثَيَّر وجميل ونُصيب فنقدت لكل شعره وأخذت عليه المآخذ. ثم أثابت كلا بألف دينار فخرجوا بخمسة آلاف دينار وما كان الخليفة ليظفرهم حتى يجمعوا فيه من الفضائل ما تفرق في الأبرار والمقرّبين، والكرام الكاتبين، والقادة الفاتحين. كذلك كانت مثوبتها للمغنين. وكان بصرها بمذاهب الغناء وضروب الإيقاع كبصرها بأعطاف الشعر وقطاف الأدب. وكانت عائشة بنت طلحة تتأثر خطوات سُكينة في نقد الشعر والغناء، والاجتماع بالمغنين والشعراء، والرواة والأدباء، وذوي الرأي والسناء، فتحدّث كلا بما عني به، وخلق له، حتى لا تدع له مجالا يقول فيه.

стр. 335

وكانت عمرة الجُمَحِية - من سرَاة بني جُمَح - يجتمع إليها الشعراء والرواة في دارها، فتستمع لكل، وتوازن بينهم جميعاً. وكثير من هؤلاء خصصن بنقد الشعر فيه قوة الخيال، وروعة الجمال ومن عيون هؤلاء أسماء وعُلَيَّة ابنتا المهدي وأختا الرشيد في الدولة العباسية، وحفصه بنت الحاج الركونية - من شريفات غرناطة وحسيباتها - وولاّدة بنت الخليفة المستكفي في الأندلس. ونحن أولئك مرسلو القول في تبسط العقائل للشعراء وتأثير رأيهن وحكمهن في أنفسهم. وكان أبو محْجَن نُصيب بن ربَاح مولى أسود حالك السواد. فاضت به عاطفة الشعر فظهر له فيه أثر حميد. وهو الذي نسوق عنه ذلك الحديث: قال إنه خرج هو وكُثير والأحوص غب يوم أمطرت فيه السماء، فقال هل لكم في أن نركب جميعاً فنسير حتى نأتي العقيق فنمتع فيه أبصارنا؟ فقالوا نعم. فركبوا أفضل ما يقدرون عليه من الدواب، ولبسوا أحسن ما يقدرون عليه من الثياب، وتنكروا. ثم ساروا حتى أتوا العقيق، فجعلوا يتصفحون ويرون بعض ما يشتهون. حتى رفع لهم سواد عظيم فأموه، حتى أتوه، فإذا وصائف ورجال من الموالي ونساء بارزات، فسألنهم أن ينزلوا فاستحوا أن يجيبوهن من أول وهلة، فقالوا لا نستطيع أن نمضي في حاجة لنا، فخلفنهم أن يرجعوا إليهن ففعلوا، وأتوا فسألنهن النزول فنزلوا، ودخلت امرأة من النساء فاستأذنت لهم فلم تلبث أن جاءت المرأة فقالت ادخلو، فدخلنا على امرأة جميلة برزة على فرش لها، فرحبت وحيت، وإذا كراسي موضوعة. فجلسنا جميعاً في صف واحد كل إنسان على كرسي، فقالت

стр. 336

إن أحببتم أن ندعو بصبي لنا فنصيحه ونعرك أذنه فعلنا - كناية عن ضرب العود - وإن شئتم بدأنا بالغداء. فقلنا بل تَدْعين بالصبي يفوتنا الغداء، فأومأت بيدها إلى بعض الخدم فلم يكن إلا - كلا ولا - حتى جاءت جارية جميلة فرحبت بهم وحيتهم فقالت لها مولاتها خذي ويحكم من قول نصيب عافى الله أبا محجن: ألا هل من البين من بُدّ ... وهل مثل أيام بمنقطع السعد تمنيت أيامي أولئك والمني ... على عهد ما تعيد ولا تبدي قال نصيب فغنته فجاءت به كأحسن ما سمعته بأحلى لفظ وأشجى صوت. ثم قالت لها خذي أيضاً من قول أبي محجن عافى الله أبا محجن: أرق المحب سُهُدُه ... لطوارق الهم التي ترده وذكرت من رقت له كبدي ... وَأبى فليس ترق لي كبده لا قومه قومي ولا بلدي ... فنكون جيناً جيرة بلده ووجدت وجداً لم يكن أحد ... من أجله بصبابة يجده قال فجاءت به أحسن من الأول فكدت أطير سروراً. ثم قالت لها خذي من قول أبي محجن عافى أبا محجن: فيالك من ليل تمتعت طوله ... وهل طائف من نائم متمع نعم إن ذا شجو متي يلق شجوه ... ولو نائماً مستعتب أو مودّع له حاجة قد طالما قد أسرها ... من الناس في صدور بها يتصدع تحملها طول الزمان لعلها ... يكون لها يوما من الدهر منزع قال فجاءني والله شيء حيرني وأذهلني طرباً لحسن الغناء وسروراً باختيارها الغناء في شعري وما سمعت فيه من حسن الصنعة وجودتها وإحكامها، ثم قالت لها: خذي من قول أبي محجن عافى أبا محجن:

стр. 337

يا أيها الركب إني غير تابعكم ... جتى تلموا وأنتم بي ملمونا فما أرى مثلكم ركباً كشكلكم ... يدعوهمو هوى إلا يعوجونا أم خبروني عن داء بعلمكم ... وأعلم الناس بالداء الأطبونا قال نصيب فو الله لقد زهوت بما سمعت زهواً خيل إلى أني من قريش، وأنّ الخلافة لي، ثم قالت حسبك يا بنية. هات الطعام يا غلام. فوثب الأحوص وكُثَيرٌ وقالا: لا والله لا نطعم لك طعاماً، ولا نجلس لك في مجالس. فقد أسأت عشرتنا واستخففت بنا. وقدّمت شعر هذا على أشعارنا، وأسمعت الغناء فيه، وإن في أشعارنا لما يفضل شعره، وفيها من الغناء ما هو أحسن من هذا فقالت: فأي شعر كما أفضل من شعره؟! أقولك يا أحوص كذا كذا، وقولك يا كثير كذا كذا، وذكرت لهما أبياتاً أساءا فيها إلى النساء فخرجا مغضبين! واحتبستني فتغديت عندها، وأمرت لي بثلاثمائة دينار وحُلتين وطيب، ثم دفعت إلي مائتي دينار، وقالت ادفعها إلى صاحبيك فإن قبلاها وإلا فهي لك. فأتيتهما منازلهما فأخبرتهما القصة. فأما الأحوص فقبلها، وأما كثير فلم يقبلها، فأخذتها وانصرفت. قال عبد الله بن إسماعيل فسألت نصيباً: ممن المرأة؟ فقال من بني أمية ولا أذكر أسمها ما حييت. وإذا نحن وازنا بين ثلاثة الشعراء وجدنا الأحوص وكُثَيَّراً قد ذهبا من ورقة القول، ودقة النسيج كل مذهب. على أن الحق الذي لا يماريان فيه أنّ شاعر حديثنا أشرفهم، وأكرمهم خلقا، وأنباهم عن هجر الكلام ومن أجل ذلك آثرته المرأة وأثابته وأنبهت شعره وذكره.

стр. 338

كل ذلك بينا تجد عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي يضع خمسمائة دينار بين يديه وعنده من الشعراء جرير والفرزدق والأخطل لتكون مثوبة لمن يكون أشد مدحاً لنفسه فيمن سواه. وعلى ذكر كثير ونقد شعره نقول إنه خرج ذات مرة إلى البادية فدفع به طريقه إلى خباء لقطام علقمه فنزل بها وعرفها بنفسه فقالت له أنت كثير؟ أنت الذي تقول: فما روضة بالحزن باكرها الندى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها بأطيب من أردان عزة مَوْهِناً ... إذا أوقدت بالمندل الرطب نارها قال: نعم. قالت: وهل أبقيت لعزة من الفضل فوق ما لهذه اللبنة الملقاة؟ أو لا تراها إذا أوقد المندل الرطب فوقها عبق منها ما يعبق من عزة؟ هلا قلت كما قال امرؤ القيس: ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدت بها طيباً وإن لم تَطَّيب فخرج كثير واستحيا بعد أن ملأ فخراً بنفسه. وإن من أعجب الأشياء أن تضع زوج أحد الشاعرين المتكافئين قوة وشيعة رأيها في كفة خصمه وتلك هي النور بنت أعين زوج الفرزدق همام بن غالب. سألها زوجها رأيها فيه وفي جرير فقالت: إن جريراً شاركك في مره وانفرد دونك في حلوه.

стр. 339

وما ظنك بامرأة تستمع بيوتاً من الشعر نفسها لقائلها بعد أن تكون قد رسخت منه وامتنعت عليه؟ ذلك ما كان من إحدى أدبيات العرب وجميلاتهم مع نصيب بن رباح فقد رامها نصيب فعزت عليه، بل لقد سخرت منه حين كلمها ودلف إليها فقالت له: ما أظرفك يا أسود! وأغضب ذلك نصيباً فانصرف عنها، فقال: فإن أك حالكا فالمسك أحوى ... وما لسود جلدي من دواء ولي كرم عن الفحشاء ناء ... كبعد الأرض عن جوّ السماء فإن ترضي فردّي قول راض ... وإن تأبى فنحن على السواء تلك شواهد موجزة مجملة عما للمرأة العربية المسلمة في الأدب من نفاذ وبراعة، ورجاحة وسماحة، وصفاء فطرة، ومضاء بديهية، وكريم مثوبة، وقوة عارضة، وصولة واستبسال، في حياطة مواطن الشرف والجمال من الشعر. وكان بودّنا لو ملأنا للقارئ أيدينا ممن ذلك الثمر الحلو الجني لولا خشية التياث القصد وترامي الطريق. ولئن نضرت جوانب الأدب العربي بموقف المرأة، وضاءت مذاهبه، ورقت مشاربه، لقد فاضت مشارعه، وتدفقت متالعه، وزكت فنونه، وتهدلت غصونه، بما أثمرت قريحتها، وانحسر عنه لبها من نثر الكلام وشعره. لقد وردت المرأة مناهل القول جميعاً. على أنها لم تجاوز الصافي الفرات منها، فكان قولها قطعاً من قلبها ومشاعرها. فهي إذا خطبت، أو كتبت، شافهت، أو نظمت، لم تعد ما تؤمن به، وتهفوا إليه. أما سفال القول من إغراق في المدح، وإقذاع في الهجاء، ومجون في الغزل، وذهاب في الخمر، وسخف في الدين، فذلك ما تركت الرجل يستأثر به ويتسكع فيه.

стр. 340

لا نكذب الحق فقد ظهر من الشواعر أخذن بطرف من ذلك اللغو. على أن هؤلاء لسن في شيء من موضوع كتابنا. فهن نوازح من الجواري جيء بهن إلى مدن العراق والشام والأندلس مما والاهن من الأقطار فتصدين لرجال العرب بما شئن من دعابة وتأنق، فظهر كثير من السرف والتهتك على مقالهن، حتى لقد سترن بذلك الانحسار تلك الملاحة الروحية المعنوية في المرأة العربية، فتضاءلت وتراجعت وقذف بها ذلك السيل الأتي إلى مكان سحيق، وسنفرد القول في ذلك في الجزء الثالث من كتابنا إن شاء الله. وإذا كانت المرأة العربية قد استمدت وحي البلاغة وسحر البيان من صبيب قلبها وخطرات سرائرها، فإن الرجل لم يستمد ذلك كله إلا من المرأة نفسها. وهل رأيت شاعراً ممن طار شعرهم كل مطار. وسار ذكرهم كل مسار يستمد خواطر شعره، أو يصطفي الحرّ السني من معناه وخياله إلا من المرأة؟. وكم قصيدة من تلك التي قيلت في العظائم وقدمت إلى العظماء لم تكن المرأة إلا مطلع أمرها ومنبلج فجرها؟ نقف الآن إلى ذلك الحدّ من منزلة المرأة في الأدب العربي وإنا لعائدون إليه إن شاء الله فيما نختاره لها من شئون وفنونه. ونأخذ ببقية القول في أثرها العلمي فنقول. لم تقف بالمرأة العربية قريحتها عند حدّ النبوغ في التشريع الإسلامي، والأدب العربي. فقد أخذت بنصيب موفور من النهضة التي استحدثها المسلمون عَمَّن سواهم من الأمم ذوات التاريخ الحافل والمجد القديم. وأخصن ما عنين به الطب، فهنّ فوق ما ورثنه عن أمهاتهن من أسْو الجراح، وجبر العظام، برعن إلى غير حدّ في بقية فروع الطب مما نقوله عن اليونان

стр. 341

والسريان والهند، حتى كانت بغداد وقرطبة وما سواهما من مدن العراق والأندلس مسارح للكثيرات منهن ممن خصصن بعلاج الأجسام ما ظهر منها وما بطن. ومن هؤلاء أخت الحفيد بن زهر الأندلسي وابنتها. فقد حدّث صاحب طبقات الأطباء عن نفوذهن في فروع الطب جميعاً وفي أمراض النساء خاصة، وكان المنصور بن أبي عامر وارث الخلافة الأموية بالأندلس لا يدعو لنسائه وعامة أهله غيرهما. ومنهن زينب طبيبة بني أود وكان أخص ما برعت فيه علاج العين بالجراحة أو إجراء العمليات الجراحية للعين. وغير أولئك كثيرات وسنختصهن ببحث طويل في الجزء الثالث من هذا الكتاب. ولا يفوتنا أن نختم حديثنا بشيء مما كتبه الكاتب الفيلسوف العظيم جوستاف لوبون في كتابه حضارة عن المرأة المسلمة وأثرها العلمي، قال: أما نباهة شأن المرأة وسمو مكانها في عصور العرب الواهية، فما ينبئ عنه عدد اللواتي امتزن بنفاذهن في العلوم والآداب من نساء العرب ولقد نبغ منهن عدد موفور في العهد الأموي بالأندلس والعباسي ببلاد المشرق. ولنذكر من بين أولئك وَلاَّدَة بنت المستكفي بالله أمير المؤمنين بالأندلس. كتب كوند مجملا عمن كتب من مؤرخي العرب عن الخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر قال: كان هذا الخليفة وسط ما يحيط به من بدائع الزهراء وعجائبها يسره أن يستمع الغناء مما كانت تصوغه جاريته وصاحبة سره مُزنة من الأناشيد العذبة الرقيقة. ومن أولئك الناهضات النابهات عائشة إحدى

стр. 342

بنات السَّراة بقرطبة. وهي التي يقول ابن حيان عنها إنها أجمل وأعقل وأعلم نساء عصرها وصفية وكانت من أفتن النساء بجمالها وأدراهن بفنون الشعر. ومما قال بعض المؤرخون عن الْحَكَم بن الناصر في ذلك العهد الذي أولع فيه أهل الأندلس بالشعر وجنوا قطاف الفنون والعلوم كان النساء في عزلتهن يقبلن على الدرس وينصرفن إليه وأكثرهن قد امتاز بمضاء الذكاء وانفساح مدى العلم، وكان في قصر الخليفة بين نسائه لُبنى تلك التي جمعت إلى جمالها الساحر إحاطتها بالنحو والشعر والرياضة وما سوى ذلك من علوم وفنون. وكانت تكتب رسائل الخليفة بأسلوب يملأ النفس روعة وخط يملأ العين جمالا، فهي كاتبة قصره، ومنشئة رسائله، ولم يكن بين نساء القصر من يساميها عقلا وفطنة ورشاقة لفظ، وسماحة قافية، وفاطمة وَمَثلُها في رجاحة العقل وسماحة القول مَثَل لبنى. وكان شعرها كفاء نثرها وفي كليهما أمعنت حتى بلغت غاية لا تنال، وكان العلماء والشعراء يطربون لشعرها وما فيه من أنق وإبداع. ولها مكتبة جمعت أجل الكتب وأنفسها. ومنهن خديجة وهي التي جمعت إلى عذوبة المنطق وروعة الشعر، رخامة الصوت والذهاب في فنون الغناء، ومريم التي كانت تغدو على بنات سادات إشبيليه فتعلمهن القريض، وكان لها في التعليم ذكر نابه وشهرة ذائعة. وقد تخرج في مدرستها طائفة عظيمة من شهيرات النساء. وراضية ويدعونها - الكوكب الزاهي - وهي التي وهبها الناصر لابنه الحكم. وكانت آية العصر في الأدب والتاريخ. وقد تنقلت في بلاد المشرق أثر موت الحكم فكانت موطن الإجلال والإكبار من العلماء جميعاً. أما بعد: فذاك حديث النهضة العلمية الإسلامية وتلك آثار المرأة فيها ومآثرها عليها، فهل رأيت في أمة قديمها وحديثها؟ اللهم إنها حكمة الله ملأ بها أحناء تلك الصدور، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.

стр. 343

أثارة من قولها نثار من النثر حفيدة رسول الله تفحم أهل العراق حدث ابن أبي طاهر عن خذام الأسدي، قال: قدمت الكوفة سنة إحدى وستين. وهي السنة التي قتل فيها الحسين بن علي ﵉ فرأيت نساء الكوفة قياماً يَلتدِمن ورأيت علي بن الحسين ﵉ وهو يقول بصوت ضئيل قد نحل من المرض: يا أهل الكوفة إنكم تبكون علينا فمن قتلنا غيركم، وسمعت أم كلثوم بنت علي ﵉ وهي تقول فلم أر خَفِرةً والله أنطق منها، كأنما تنزع عن لسان أمير المؤمنين عليّ ﵇، وأشارت إلى الناس أن أمسكوا، فسكنت الأنفاس وهدأت، فقالت الحمد الله رب العالمين، والصلاة على جدّي سيد المرسلين. أما بعد:

стр. 344

يا أهل الكوفة! يا أهل الختر والْخَذْل، لا، فلا رَقأت العَبرة، ولا هدأت الرّنَّة. إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم. ألا وهل فيكم إلا الصلف والشنف ومَلَق الإمام، وغمر الأعداء. وهل أنتم إلا كمرعىً على دِمنه؟ وكفضة على ملحودة؟ ألا ساءَ ما قَدمت أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون. أتبكون!! إي والله فابكوا! وإنكم والله أحرياءُ بالبكاء. فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلا، فلقد فزتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً وأني ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة. وسيد شباب أهل الجنة، ومنار محجتكم، ومدرة حُجتكم ومُفرح نازتكم، فتعساً ونكساً! لقد خاب السعي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذلة والمسكنة، لقد جئتم شيئاً إدّا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا. أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي كريمة له أبرزتم؟ وأي دم له سفكتم؟ لقد جئتم بها شوهاء خرقاء شَرها طلاع الأرض والسماء. أفعجبتم أن قطرت السماء دما! ولعذاب الآخرة أخرى وهم لا ينصرون، فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا تَحفزه المبادرة ولا يخاف عليه فوت الثأر. كلاّ إن ربك لنا ولهم لبالمرصاد؛ ثم ولت عنهم. قال فرأيت الناس حيارى قد ردّوا أيديهم إلى أفواهم. ورأيت شيخاً كبيراً من بني جُعْفيّ، وقد اخضلت لحيته من دموع عينيه، وهو يقول: كهولهم خير الكهول ونسلهم ... إذا عدّ نسل لا يبور ولا يخزى

стр. 345

بين الوفاء للرأي والمضاء فيه صواحب علي في مجلس معاوية سورة بنت عمارة استأذنت سودة بنت عمارة بن الأسك الهمدانية على معاوية بن أبي سفيان فأذن لها. فلما دخلت عليه قال يا بنت الأسك! ألست القائلة يوم صفين؟ شَمَّر كفعل أبيك يا ابن عمارة ... يوم الطعان وملتقى الأقران وانصر عليّاً والحسين ورهطه ... واقصد لهند وابنها بهوان إن الإمام أخو النبي محمد ... علم الهدى ومنارة الإيمان فقهِ الحتوف وسر أمام لوائه ... قُدما بأبيض صارم وسنان قالت إي والله، ما مثلي من رغب عن الحق، أو أعتذر بالكذب، قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب عليّ ﵇، واتباع الحق. قال: فوالله ما أرى عليك من أثر على شيئا، قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين وإعادة ما مضى، وتذكار ما قد نسى! قال: هيهات! ما مثل أخيك يُنسى وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك وقوم أخيك. قالت: صديق فوك! لم يكن أخي ذميم المقام، ولا خفي المكان، كان والله كقول الخنساء: وإن صخر لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار قال صدقت لقد كان ذلك، فقالت: مات الرأس، وبُتر الذنب. وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما استعفيت منه. قال: قد فعلت. فما حاجتك؟ قالت: إنك أصبحت سيداً، ولأمرهم متقلدا، والله سائلك عن أمرنا وما افترض عليك

стр. 346

من حقنا، ولا يزال يقدم علينا من يبوء بعزك، ويبطش بسلطانك، فيحصدنا حصد السنبل ويدوسنا دوس البقر، ويسومنا الخسيسة. ويسلبنا الجليلة، هذا بُسر بن أرْطأة قدم علينا من قبلك، فقتل رجالي، وأخذ مالي، يقول لي: فوهي بما استعصم الله منه وألجأ إليه فيه ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعه. فإما عزلته عنا فشكرناك، وإما لا فعرّفنك. فقال معاوية: أتهدديني بقومك؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردك إليه ينفذ فيك حكمه. فأطرقت تبكي، ثم أنشأت تقول: صلى الإله على جسم تضمنه ... قبر فأصبح فيه العدل مدفونا قد حالف الحق لا يبغي به بدلا ... فصار بالحق والإيمان مقرونا فقال لها ومن ذلك؟ قالت علي بن أبي طالب ﵇. قال وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟ قالت قدمت عليه في رجل ولاه صدقتنا، قدم علينا من قبله، فكان بيني وبينه ما بين الغث والسمين، فأتيت عليا ﵇ لأشكو إليه ما صنع بنا، فوجدته قائماً يصلي، فلما نظر إلىّ انفتل من صلاته ثم قال لي برأفة وتعطف. ألك حاجة فأخبرته الخبر. فبكى ثم قال: اللهم إنك أنت الشاهد علي وعليهم، إني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك. ثم أخرج من جيبه قطعة كهيئة طرف الجواب فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم. قد جاءتكم بيَّنة من ربكم فأوْفُوا الكيلَ والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تَعْثَوا في الأرض مُفسدين. بقيةُ الله خيرٌ لكم إن كنتم مؤمنين. وما أنا عليكم بحفيظ. إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام. فأخذته منه، والله ما خَتمه بطين. ولا خَزَمه بخزام، فقرأُتُه. فقال

стр. 347

معاوية: لقد لمَّظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان. فبطيئاً ما تُعَظمون ثم قال: اكتبوا لها برد مالها والعدل عليها، قالت: ألي خاصة، أم لقومي عامة؟ قال ما أنت وقومك؟ قالت هي والله إذن الفحشاء إذن الفحشاء واللؤم! إن لم يكن عدلا شاملا وإلا والله فأنا كسائر قومي. قال: اكتبوا لها ولقومها. أم الخير بنت الحريش البارقية كتب معاوية إلى واليه بالكوفة: أن أوفد علي أم الخير بنت الحريش بن سُراقة البارقية، رحلة محمودة الصحبة، غير مذمومة العاقبة، واعلم أني مجازيك بقولها فيك بالخير خيراً، وبالشر شرا. فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فأقرأها إياه، فقالت أما أنا فغير زائغة عن طاعة، ولا معتلة بكذب، ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري، وتجري مجرى النفس يغلي بها غلي المرجل بحب البُلْسُنِ يوقد بجذل السمر. فلما حملها وأراد مفارقتها قال: يا أم الخير إن معاوية قد ضمن لي عليه أن يقبل بقولك فيَّ. بالخير خيراً، وبالشر شرا، فانظري كيف تكونين؟ قالت: يا هذا لا يُطمعك والله برَّك بي في تزويقي الباطل، ولا تؤيسك معرفتك إياي أن أقول فيك غير الحق، فسارت خير مسير. فلما قدمت معاوية أنزلها مع الحرم ثلاثاً، ثم أذن لها في اليوم الرابع وجمع لها الناس، فدخلت عليه، فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال وعليك السلام. وبالرغم والله منك دعوتني بهذا الاسم! فقالت مه يا هذا! فإن بديهة السلطان مُدْحِضَة لما يجب علمه. فقال صدقت يا خالة، وكيف رأيت مسيرك، قالت لم أزل في عافية وسلامة حتى أوفِدت إلى مُلك جَزل وعطاء

стр. 348

بذل. فأنا في عيش أنيق، عند ملك رفيق. فقال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم وأعنت عليكم، قالت: مه يا هذا! لك والله من دحض المقال ما تُرْدى عاقبته، قال ليس لهذا أردناك. قالت: إنما أجرى في ميدانك، إذا أجريت شيئاً أجريته فاسأل عما بدا لك. قال: كيف كان كلامك يوم قتل عَّمار بن ياسر! قالت: لم أكن والله رويته قبل، ولا زَوَّرْته بعد وإنما كانت كلمات نفثهنّ لساني حين الصدمة. فإن شئت أن أحدث لك مقالا غير ذلك فعلت. قال: لا أشاء ذلك. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أيكم حفظ كلام أم الخير فقال رجل من القوم: أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد، قال هاتهِ! قال نعم، كأني بها، يا أمير المؤمنين وعليها بُرد زَبيدي كشيف الحاشية، وهي على جمل أرمك وقد أحيط حولها حَوَاء وبيدها سوط مُنْتَشرُ الضَّفْر، وهي كالفحل يهدرُ في شقشقتهِ تقول: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيءٌ عظيم، إن الله قد أوضح الحق، وأبان الدليل، ونوّر السبيل، ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء مُدلهمة. فإلى أين تريدون رجمكم الله، أفراراً عن أمير المؤمنين أم فراراً من المؤمنين؟ أم فراراً من الزحف؟ أم رغبة عن الاسم؟ أم ارتداد عن الحق؟ أما سمعتم الله يقول: (ولَنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: اللهم قد عيل الصبر، وضعف اليقين على الهدى واردد الحق إلى أهله. هلموا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصي الوفي والصديق الأكبر

стр. 349

إنها إحن بَدرية وأحقاد جاهلية. وصغائن أُحُدية، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس. ثم قالت: قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون. صبراً معشر الأنصار والمهاجرين. قاتلوا عن بصيرة من ربكم وثبات من دينكم. وكأني بكم غداً لقد لقيتم أهل الشام كَحُمر مستنفرة لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى وباعوا البصيرة بالعمى، عما قليل لَيُصْبحُن نادمين، حتى تحل بهم الندامة فيطلبون الإقالة. إنه والله من ضل عن الحق وقع في الباطل؛ ومن لم يسكنه الجنة نزل النار: أيها الناس إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها؛ واستبطئوا مدة الآخرة فسعوا لها. والله أيها الناس لولا أن تبطل الحقوق؛ وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه. فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته؛ خلق من طينته، وتفرع من نبعته؛ وخصه بسره؛ وجعله باب مدينته. وعلم المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين فلم يزال كذلك يؤيده الله بمعونته، ويمضي على سنن استقامته لا يعرج لراحته الدَّاب. هاهو مفلق الهام، ومكسر الأصنام، إذ صلى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أُحد، وفرق جمع هوازن فيالها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقاً، ورِدة وشقاقاً. وقد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة، وبالله التوفيق، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال معاوية: يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي، والله لو قتلتك

стр. 350

ما حرجتُ في ذلك. قالت والله ما يسوءني يا ابن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني الله بشقائه. قال هيهات يا كثيرة الفضول: ما تقولين في عثمان بن عفان؟ قالت وما عسيت أن أقول فيه؟ استخلفه الناس وهم عنه راضون، وقتلوه وهم له كارهون. فقال معاوية إيها يا أم الخير! هذا والله أصلك الذي تبنين عليه قالت لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً. ما أردت لعثمان نقصاً وإن كان لسباقاً إلى الخيرات، وأنه لرفيع الدرجة. قال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله قالت وما عسى أن أقول لكم في طلحة؟ اغتيل في مأمنه، وأتى من حيث لم يحذر، وقد وعده رسول الله ﷺ الجنة. وقال فما تقولين في الزبير قالت يا هذا لا تدعني كرجيع الصبيغ يُعرك في المِركن قال حقا لتقولن ذلك وقد عزمت عليك. قالت وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه، وقد شهد له رسول الله ﷺ بالجنة. ولقد كان سابقاً إلى كل مكرمة في الإسلام، وإني أسألك بحق الله يا معاوية فإن قريشاً تحدث أنك أحلمها، وأسألك تسعني بفضل حلمك، وأن تعفني من هذه المسائل، وخذ فيما شئت من غيرها قال نعم وكرامة. قد أعفيتك، وردها مكة إلى بلدها.

стр. 351

الزرقاء بنت عدي سهر معاوية ليلة فذكر الزرقاء بنت عدي غالب بن قيس - امرأة كانت من أهل الكوفة. وكانت ممن يعين عليا ﵇ يوم صفيف. فقال لأصحابه أيكم يحفظ كلام الزرقاء؟ فقال القوم كلنا تحفظه يا أمير المؤمنين: قال فما تشيرون عليّ فيها؟ قالوا نشير عليك بقتلها، قال بئس ما أشرتم على به! أيحسن بمثلي أن يتحدث الناس أني قتلت امرأة بعد ما ملكت وصار الأمر لي؟ ثم دعا كاتبه في الليل فكتب إلى عامله في الكوفة أن أوفد إلىّ الزرقاء ابنة عدي في ثقة من محارمها. وعدة من فرسان قومها، ومهدها وطاءلين، وأسترها بستر حصيف فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فأقرأها الكتاب، فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طائفة، وإن كان أمير المؤمنين جعل المشيئة إلى لم أرم منم بلدي هذا، وإن كان حكم الأمر فالطاعة له أولى بي، فحملها في هودج وجعل غشاءه حبراً مبطنا بعصب اليمن، ثم أحسن صحبتها. فحملها في هودج وجعل غشاءه حبراً مبطنا بعصب اليمن، ثم أحسن صحبتها. فلما قدمت على معاوية قال لها مرحباً وأهلا خير مقدم قدم وافد. كيف حالك يا خالة؟ وكيف رأيت مسيرك؟ قال خير مسير، كأني كنت ربيبة بيت أو طفلا ممهداً. قال بذلك أمرتهم فهل تعلمين لِمَ بعثت إليك؟ قال سبحانه أني لي بعلم ما لم أعلم؟ وهل يعلم ما في القلوب إلا الله؟ قال بعثت إليك أن أسألك: ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين صفين، توقدين الحرب وتحضين على القتال؟ فما حملك على ذلك؟ قالت يا أمير المؤمنين إنه قد مات الرأس وبُتر الذنب. والدهر ذو غَير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر. قال لها صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟ قالت ما أحفظه. قال ولكني والله أحفظه! لله أبوك. لقد سمعتك تقولين: أيها الناس! إنكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم، وجارت

стр. 352

بكم عن قصد المحجة. فيالها من فتنة عمياء صماء، يسمع لقائلها ولا ينظر لسائقها أيها الناس! إن المصباح لا يضيء في الشمس، وإن الكوكب لا ينفذ في الفجر وإن البغل لا يسبق الفرس، وإن الزف لا يوازن الحجر. ولا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن استخبرنا أخبرناه، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها. فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار، فكأن اندمل شعب الشتات؛ والتأمت كلمة العدل؛ وغلب الحق باطله؛ فلا يعجلن أحد فيقول كيف وأنى ليقضي الله أمراً كان مفعول. ألا إن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، والصبر خير في الأمور عواقباً إيها إلى الحرب قدما غير ناكصين. فهذا يوم له ما بعده. ثم قال معاوية والله يا زرقاء لقد شركت عليا ﵇ في كل دم سفكه. فقالت أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين، وأدام سلامتك. مثلك من بشر بخير، وسر جليسه. قال لها وقد سرك ذلك؟ قالت: نعم لقد سرني قولك فأني بتصديق الفعل؟ قالت معاوية: والله لوفاؤكم له بعد موته احب غلي من حبكم له في حياته، اذكري حاجتك. قالت؛ يا أمير المؤمنين إني قد آليت على نفسي ألا أسأل أميراً أعلنت عليه شيئاً أبداً. ومثلك أعطى عن غيرة مسألة. وجاد عن غير طلب. وقال صدقت، فأقطعها ضيعة أغلتها في أول سنة عشرة آلاف درهم. وأحسن صفدها، وردها والذين معها مكرمين. - بكارة الهلالية استأذنت بكارة الهلالية على معاوية فأذن لها، فدخلت؛ وكانت امرأة قد أسنت وعشي بصرها، وضعفت قوتها. فهي ترعش بين خادمين لها، فسلمت ثم جلست، فقال معاوية كيف أنت يا خالة؟ قالت بخير يا أمير المؤمنين. قال: غيرك

стр. 353

الدهر. قالت كذلك هو ذو غير عاش كبر، ومن مات قبر. وكان هنالك مروان بن الحكم وعمرو بن العاص فابتداء مروان فقال ألا تعرف هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن هي؟ قال هي التي كانت علينا يوم صفين وهي القائلة: يا زيد دونك فاستثر من دارنا ... سيفاً حساماً في التراب دفينا قد كنا مذخوراً لكل عظيمة ... فاليوم أبرزه الزمان مصونا قال عمرو بن العاص: وهي القائلة يا أمير المؤمنين: أترى ابن هند للخلافة مالكا ... هيهات ذاك وما أراد بعيد مَنَّتك نفسك في الخلاء ظلالة ... أغراك عمرو للشقا وسعيد فارجع بأنكد طائر بنحوسها ... لاقت عليا أسعد وسعود فقال سعيد يا أمير المؤمنين وهي القائلة: قد كنت آمل أن أموت ولا أرى ... فوق المنابر من أمية خاطبا فالله أخر مدتي فتطاولت ... حتى رأيت من الزمان عجائبا في كل يوم لا يزال خطيبهم ... وسط الجموع لآل أحمد عائبا ثم سكت القوم، فقالت بكارة: نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين واعتورتني، فقصر مْحِجَني وكثر عجي، وعشي بصري، وأنا والله قائلة ما قالوا، لا أدفع ذلك بتكذيب، فامض لشأنك، فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين، فقال معاوية: إنه لا يضحك شيء فاذكري حاجتك تقض. فقضى حوائجها وردها إلى بلدها.

стр. 354

عكرشة بنت الأطروش حدث ابن أبي طاهر عن الشافعي، فقال: دخلت عكرشة بنت الأطروش على معاوية وبيدها عكاز في أسفله زجٌ مسقي فسلمت عليه بالخلافة وجلست؛ فقال لها معاوية يا عكرشة! الآن صرت أمير المؤمنين قالت: نعم إذ لا عليٌ حي، قال الست صاحبة الكور المسدول والوسط المشدود والمتقلدة بحمائل السيف، وأنت واقفة بين الصفين يوم صفين تقولين: يا أيها الناس عليكم أنفُسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. إن الجنة دار لا يرحل عنها من قطنها، ولا يحزن من سكنها، فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا تنصرهم همومها. كونوا قوم مستبصرين. إن معاوية دَلَفَ إليكم بِعجم العرب غُلف القلوب لا يفقهون الإيمان، ولا يدرون ما الحكمة، دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى البطل فلبّوه. فالله الله عباد الله في دين الله! وإياكم والتوكل فإن في ذلك نقض عروة الإسلام، وإطفاء نور الإيمان، وذهاب السُّنّة، وإظهار الباطل. هذه بدر الصغرى، والعقبة الأخرى. قاتلوا يا معشر الأنصار والمهاجرين على بصيرة من دينكم، واصبروا على عزيمتكم، فكأني بكم غداً قد لقيتم أهل الشام كالحمر النهاقة والبغال الشحاجة، تضْفَع ضفع البقر، وتَروث روث العَنَاق، ثم قال معاوية فوالله لولا قدر الله وما أحب أن يجعل لنا هذا الأمر لقد انكفأ على العسطران. فما حملك على ذلك؟ قالت. يا أمير المؤمنين إن اللبيب إذا كره أمراً لم يحب إعادته. قال: صدقت، اذكري حاجتك. قالت: يا أمير المؤمنين إن الله قد ردّ صدقاتنا علينا، وردّ أموالنا فينا إلا بحقها، وإنا قد فقدنا ذلك فما يُنْعَش لنا

стр. 355

فقير، ولا يجبر لنا كسير فإن كان ذلك عن رأيك فما مثلك من استعان بالخونة واستعمل الظالمين، قال معاوية: يا هذه إنه تنوبنا أمور هي أولى بنا منكم، من بحور تنبثق وثغور تنفتق. قالت: يا سبحان الله! ما فرض الله لنا حقا جعل لنا ضرراً على غيرنا ما جعله لنا وهو علام الغيوب. قال معاوية هيهات يا أهل العراق فقد فقهكم ابن أبي طالب فلن تطاقوا. ثم أمر لها بردّ صدقتها وإنصافها وردها مكرمة. جروة بنت غالب احتجم معاوية بمكة، فلما أمسى أرق أرقاً شديداً، فأرسل إلى جروة بنت غالب التميمة - وكانت مجاورة لمكة، وهي من بني أسد بن عمرو بن تميم - فلما دخلت قال لها مرحباً يا جروة، أرعناك؟ قالت إي والله يا أمير المؤمنين، لقد طرقت في ساعة لا يطرق فيها الطير في وكره، فأرعت قلبي، وريع صبياني، وأفزعت عشيرتي وتركت بعضهم يموج في بعض، يراجعون القول ويديرون الكلام خشية منك وشفقة عليَّ. فقال لها ليسكن روعك، ولتطب ونفسك، فإن الأمر على خلاف ما ظننت، إني احتجمت فأعقبني ذلك أرقاً، فأرسلت إليك تخبرني عن قومك قالت: عن أي تسألني؟ قال عن بني تميم. قالت يا أمير المؤمنين هم أكثر الناس عدداً، وأوسعه بلداً، وأبعده أمداً. هم الذهب الأحمر، والحسب الأفخر. قال فَنَزّليهم لي قالت يا أمير المؤمنين أما بنو عمرو بن تميم فأصحاب بأس ونجدة وتحاشد وشدة، لا يتخاذلون عن اللقاء، ولا يطمع فيهم الأعداء سلهم فيهم، وسيفهم على عدوهم. قال صدقت، ونعم لأنفسهم. وأما بنو سعد بن زيد مناة ففي العدد الأكثرون، وفي النسب الأطيبون. يضرون إن غضبوا
следующие страницы →