← Фикх общий

Фикх общий · id 37059

المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

عبد الله العفيفي

Полный текст (543 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الزرقاء بنت عدي سهر معاوية ليلة فذكر الزرقاء بنت عدي غالب بن قيس - امرأة كانت من أهل الكوفة. وكانت ممن يعين عليا ﵇ يوم صفيف. فقال لأصحابه أيكم يحفظ كلام الزرقاء؟ فقال القوم كلنا تحفظه يا أمير المؤمنين: قال فما تشيرون عليّ فيها؟ قالوا نشير عليك بقتلها، قال بئس ما أشرتم على به! أيحسن بمثلي أن يتحدث الناس أني قتلت امرأة بعد ما ملكت وصار الأمر لي؟ ثم دعا كاتبه في الليل فكتب إلى عامله في الكوفة أن أوفد إلىّ الزرقاء ابنة عدي في ثقة من محارمها. وعدة من فرسان قومها، ومهدها وطاءلين، وأسترها بستر حصيف فلما ورد عليه الكتاب ركب إليها فأقرأها الكتاب، فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طائفة، وإن كان أمير المؤمنين جعل المشيئة إلى لم أرم منم بلدي هذا، وإن كان حكم الأمر فالطاعة له أولى بي، فحملها في هودج وجعل غشاءه حبراً مبطنا بعصب اليمن، ثم أحسن صحبتها. فحملها في هودج وجعل غشاءه حبراً مبطنا بعصب اليمن، ثم أحسن صحبتها. فلما قدمت على معاوية قال لها مرحباً وأهلا خير مقدم قدم وافد. كيف حالك يا خالة؟ وكيف رأيت مسيرك؟ قال خير مسير، كأني كنت ربيبة بيت أو طفلا ممهداً. قال بذلك أمرتهم فهل تعلمين لِمَ بعثت إليك؟ قال سبحانه أني لي بعلم ما لم أعلم؟ وهل يعلم ما في القلوب إلا الله؟ قال بعثت إليك أن أسألك: ألست راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين صفين، توقدين الحرب وتحضين على القتال؟ فما حملك على ذلك؟ قالت يا أمير المؤمنين إنه قد مات الرأس وبُتر الذنب. والدهر ذو غَير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر. قال لها صدقت فهل تحفظين كلامك يوم صفين؟ قالت ما أحفظه. قال ولكني والله أحفظه! لله أبوك. لقد سمعتك تقولين: أيها الناس! إنكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم، وجارت

стр. 352

بكم عن قصد المحجة. فيالها من فتنة عمياء صماء، يسمع لقائلها ولا ينظر لسائقها أيها الناس! إن المصباح لا يضيء في الشمس، وإن الكوكب لا ينفذ في الفجر وإن البغل لا يسبق الفرس، وإن الزف لا يوازن الحجر. ولا يقطع الحديد إلا الحديد، ألا من استرشدنا أرشدناه، ومن استخبرنا أخبرناه، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها. فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار، فكأن اندمل شعب الشتات؛ والتأمت كلمة العدل؛ وغلب الحق باطله؛ فلا يعجلن أحد فيقول كيف وأنى ليقضي الله أمراً كان مفعول. ألا إن خضاب النساء الحناء، وخضاب الرجال الدماء، والصبر خير في الأمور عواقباً إيها إلى الحرب قدما غير ناكصين. فهذا يوم له ما بعده. ثم قال معاوية والله يا زرقاء لقد شركت عليا ﵇ في كل دم سفكه. فقالت أحسن الله بشارتك يا أمير المؤمنين، وأدام سلامتك. مثلك من بشر بخير، وسر جليسه. قال لها وقد سرك ذلك؟ قالت: نعم لقد سرني قولك فأني بتصديق الفعل؟ قالت معاوية: والله لوفاؤكم له بعد موته احب غلي من حبكم له في حياته، اذكري حاجتك. قالت؛ يا أمير المؤمنين إني قد آليت على نفسي ألا أسأل أميراً أعلنت عليه شيئاً أبداً. ومثلك أعطى عن غيرة مسألة. وجاد عن غير طلب. وقال صدقت، فأقطعها ضيعة أغلتها في أول سنة عشرة آلاف درهم. وأحسن صفدها، وردها والذين معها مكرمين. - بكارة الهلالية استأذنت بكارة الهلالية على معاوية فأذن لها، فدخلت؛ وكانت امرأة قد أسنت وعشي بصرها، وضعفت قوتها. فهي ترعش بين خادمين لها، فسلمت ثم جلست، فقال معاوية كيف أنت يا خالة؟ قالت بخير يا أمير المؤمنين. قال: غيرك

стр. 353

الدهر. قالت كذلك هو ذو غير عاش كبر، ومن مات قبر. وكان هنالك مروان بن الحكم وعمرو بن العاص فابتداء مروان فقال ألا تعرف هذه يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن هي؟ قال هي التي كانت علينا يوم صفين وهي القائلة: يا زيد دونك فاستثر من دارنا ... سيفاً حساماً في التراب دفينا قد كنا مذخوراً لكل عظيمة ... فاليوم أبرزه الزمان مصونا قال عمرو بن العاص: وهي القائلة يا أمير المؤمنين: أترى ابن هند للخلافة مالكا ... هيهات ذاك وما أراد بعيد مَنَّتك نفسك في الخلاء ظلالة ... أغراك عمرو للشقا وسعيد فارجع بأنكد طائر بنحوسها ... لاقت عليا أسعد وسعود فقال سعيد يا أمير المؤمنين وهي القائلة: قد كنت آمل أن أموت ولا أرى ... فوق المنابر من أمية خاطبا فالله أخر مدتي فتطاولت ... حتى رأيت من الزمان عجائبا في كل يوم لا يزال خطيبهم ... وسط الجموع لآل أحمد عائبا ثم سكت القوم، فقالت بكارة: نبحتني كلابك يا أمير المؤمنين واعتورتني، فقصر مْحِجَني وكثر عجي، وعشي بصري، وأنا والله قائلة ما قالوا، لا أدفع ذلك بتكذيب، فامض لشأنك، فلا خير في العيش بعد أمير المؤمنين، فقال معاوية: إنه لا يضحك شيء فاذكري حاجتك تقض. فقضى حوائجها وردها إلى بلدها.

стр. 354

عكرشة بنت الأطروش حدث ابن أبي طاهر عن الشافعي، فقال: دخلت عكرشة بنت الأطروش على معاوية وبيدها عكاز في أسفله زجٌ مسقي فسلمت عليه بالخلافة وجلست؛ فقال لها معاوية يا عكرشة! الآن صرت أمير المؤمنين قالت: نعم إذ لا عليٌ حي، قال الست صاحبة الكور المسدول والوسط المشدود والمتقلدة بحمائل السيف، وأنت واقفة بين الصفين يوم صفين تقولين: يا أيها الناس عليكم أنفُسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم. إن الجنة دار لا يرحل عنها من قطنها، ولا يحزن من سكنها، فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها ولا تنصرهم همومها. كونوا قوم مستبصرين. إن معاوية دَلَفَ إليكم بِعجم العرب غُلف القلوب لا يفقهون الإيمان، ولا يدرون ما الحكمة، دعاهم بالدنيا فأجابوه، واستدعاهم إلى البطل فلبّوه. فالله الله عباد الله في دين الله! وإياكم والتوكل فإن في ذلك نقض عروة الإسلام، وإطفاء نور الإيمان، وذهاب السُّنّة، وإظهار الباطل. هذه بدر الصغرى، والعقبة الأخرى. قاتلوا يا معشر الأنصار والمهاجرين على بصيرة من دينكم، واصبروا على عزيمتكم، فكأني بكم غداً قد لقيتم أهل الشام كالحمر النهاقة والبغال الشحاجة، تضْفَع ضفع البقر، وتَروث روث العَنَاق، ثم قال معاوية فوالله لولا قدر الله وما أحب أن يجعل لنا هذا الأمر لقد انكفأ على العسطران. فما حملك على ذلك؟ قالت. يا أمير المؤمنين إن اللبيب إذا كره أمراً لم يحب إعادته. قال: صدقت، اذكري حاجتك. قالت: يا أمير المؤمنين إن الله قد ردّ صدقاتنا علينا، وردّ أموالنا فينا إلا بحقها، وإنا قد فقدنا ذلك فما يُنْعَش لنا

стр. 355

فقير، ولا يجبر لنا كسير فإن كان ذلك عن رأيك فما مثلك من استعان بالخونة واستعمل الظالمين، قال معاوية: يا هذه إنه تنوبنا أمور هي أولى بنا منكم، من بحور تنبثق وثغور تنفتق. قالت: يا سبحان الله! ما فرض الله لنا حقا جعل لنا ضرراً على غيرنا ما جعله لنا وهو علام الغيوب. قال معاوية هيهات يا أهل العراق فقد فقهكم ابن أبي طالب فلن تطاقوا. ثم أمر لها بردّ صدقتها وإنصافها وردها مكرمة. جروة بنت غالب احتجم معاوية بمكة، فلما أمسى أرق أرقاً شديداً، فأرسل إلى جروة بنت غالب التميمة - وكانت مجاورة لمكة، وهي من بني أسد بن عمرو بن تميم - فلما دخلت قال لها مرحباً يا جروة، أرعناك؟ قالت إي والله يا أمير المؤمنين، لقد طرقت في ساعة لا يطرق فيها الطير في وكره، فأرعت قلبي، وريع صبياني، وأفزعت عشيرتي وتركت بعضهم يموج في بعض، يراجعون القول ويديرون الكلام خشية منك وشفقة عليَّ. فقال لها ليسكن روعك، ولتطب ونفسك، فإن الأمر على خلاف ما ظننت، إني احتجمت فأعقبني ذلك أرقاً، فأرسلت إليك تخبرني عن قومك قالت: عن أي تسألني؟ قال عن بني تميم. قالت يا أمير المؤمنين هم أكثر الناس عدداً، وأوسعه بلداً، وأبعده أمداً. هم الذهب الأحمر، والحسب الأفخر. قال فَنَزّليهم لي قالت يا أمير المؤمنين أما بنو عمرو بن تميم فأصحاب بأس ونجدة وتحاشد وشدة، لا يتخاذلون عن اللقاء، ولا يطمع فيهم الأعداء سلهم فيهم، وسيفهم على عدوهم. قال صدقت، ونعم لأنفسهم. وأما بنو سعد بن زيد مناة ففي العدد الأكثرون، وفي النسب الأطيبون. يضرون إن غضبوا

стр. 356

ويدركون إن طلبوا، أصحاب سيوف وحَجَف ونزال وزَلف، على أنّ بأسهم فيهم، وسيفهم عليهم. وأما حنظلة فالبيت الرفيع، والحسب البديع والعز المنيع، المكرمون للجار، والطالبون بالثار، والناقصون للأوتار. قال إنّ حنظلة شجرة تفرع، قالت: صدقت يا أمير المؤمنين. وأما البراجم فأصابع مجتمعه، وكف ممتنعة. وأما طَهيَة فقوم هُوج وقِرنٌ لَجورج. وأما بنو ربيعة فصخرة صماء، وحية رقشاء يغزون لغيرهم، ويفخرون بقومهم، وأما بنو ربيعة ففرسان الرماح، وأسود الصباح، يعتنقون الأقران، ويقتلون الفرسان. وأما بنو مالك، فجمع غير مفلول. وعز غير مجهول، ليوث هرّارة، وخيول كرارة، وأما بنو دارم، فكرم لا يداني، وشرف لا يسامى، وعز لا يوازي، قال: أنت أعلم الناس بتميم. فكيف، علمك بقيس؟ قالت كعلمي بنفسي. قال فخبرني عنهم، قالت: أما غطفان، فأكثر سادة، وأمنع قادة. وأما فزارة، فبيتها المشهور وحسبها المذكور. وأمّا ذبيان فخطباء شعراء، أعزة أقوياء. وأما عبس، فجمرة لا تطفأ، وعقبة لا تعلى، وحية لا ترقى وأمّا هوازن، فحلم ظاهر، وعز قاهر. وأمّا سليم، ففرسان الملاحم، واسود ضراغم، وعز ضخم، وأمّا بنو كلاب، فعدد كثير، وفخر أثير. قال الله أنت! فما قولك في قريش، قالت يا أمير المؤمنين هم ذروة السنام، وسادة الأنام، والحسب القمقام قال فما قولك في علي ﵇ قالت حاز والله في الشرف حدّاً لا يوصف، وغاية لا تعرف، وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي مما أتخوف. قال قد فعلت، وأمر لها بضيعة غلتها عشرة آلاف درهم.

стр. 357

الكلمات الخالدة لما قُتل المفضل بن المهلب دخل ثابت قُطَنة العَتَكيّ على هند بنت المهلب، والناس حولها جلوس يعزونها فأنشدها: يا هند كيف بنُصب بات يبكيني ... وعائر في سواد الليل يؤذيني لما حنى الدهر من قوسي وعذرني ... قاسيت منه أَمَرّ الغلظ واللين إذا ذكرت أبا غسان أرّقني ... هم إذا عرّس السارون يشجيني كان المفضل عزا في ذرا يمن وعصمة وثمالا في المساكين ما زالت بعدك في هم تجيش به ... نفسي وفي نَصَب قد كان يسليني إني تذكرت قتلى لو شهدتهم ... في حومة الموت لم يصلوا بها دوني لا خير في العيش إن لم أجن بعدهم ... حرباً تنيء بهم قتلى فيشفوني فقالت له هند: اجلس يا ثابت، فقد قضيت الحق، وما من المَرْزئة بدّ، وكم من ميتة ميت أشرف من حياة حي، وليست المصيبة في قتل من استُشهد ذابّاً عن دينه، كطيعاً لربه، وإنما المصيبة فيمن قلت بصيرته، وخمل ذكره بعد موته، وأرجو ألا يكون المفضل عند الله خاملا.

стр. 358

قوة الحجة وحسن البيان كانت أم جعفر بن يحيى - وهي فاطمة بنت محمد بن الحسين بن قَحْطيَة - أرضعت الرشيد مع جعفر، لنه كان رَبى في حجرها، وغَذي برسلها، لأن أمه ماتت عن مهده فكان الرشيد يشاورها مظهراً لإكرامها، والتبرك برأيها. وكان آلى وهو في كفالتها أن لا يحجبها، ولا استشفعته لأحد إلا شَفَّعها، وآلت أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذوناً لها، ولا شفعت لأحد مقترف ذنباً. قال سهل بن هارون: فكم أسير فكت ومهم عنده فرجت؛ ومستغلق فتحت. ولما فتك الرشيد بابنها جعفر، وقذف بزوجها وبقية أسرتها في غياهب السجن بعد إيقاعه بالبرامكة - طلبت الإذن عليه في دار البانوقة، ومتت بوسائلها إليه، فلم يأذن لها، ولا أمر بشيء فيها. فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها واضعة لثامها؛ محتفية في مشيها، حتى صارت بباب قصر الرشيد؛ فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب فقال: ظئر أمير المؤمنين بالباب في حالة تقلب شماتة الحاسد إلى شفقة أم الواحد. فقال الرشيد: ويحك يا عبد الملك، أو ساعية، قال: نعم يا أمير المؤمنين، حافية! قال ادخلها يا عبد الملك، فرب كبدٍ غذتها، وكربة فرجتها؛ وعورة سترتها، قال سهل قال يهل: فما شككت يومئذ في النجاة بطلابها، وإسعافها بحاجتها، فدخلت؟ فلما نظر الرشيد إليها داخلة محتفية قام محتفياً حتى يلقاها بين عمد المجلس، وأكب على تقبيل رأسها، ومواضع ثدييها ثم أجلسها معه فقالت: يا أمير المؤمنين! أيعدو علينا الزمان، ويجفونا خوفاً لك الأعوان ويحرك بنا هاتان وقد ربيتك في حجري، وأخذت برضاعك الأمان من عدوي ودهري؟ فقال لها: وما ذلك يا أم الرشيد؟ قال سهل:

стр. 359

فآيسني من رأفته تركه لكنيتها آخر ما أطعمني من به بها أولا قالت: ظئرك يحيى وأبوك بعد أبيك، ولا أصفه بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته وإشفاقه عليه، وتعرضه للحتف في شأن موسى أخيه قال لها: يا أم الرشيد أمر سبق وقضاء حم وغضب من الله نفذ قالت: يا أمير المؤمنين يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. قال صدقت! فهذا لم يمحه الله. فقالت: الغيب محجوب عن النبيين فكيف عنك يا أمير المؤمنين؟ قال سهل: فأطرق الرشيد مليا ثم قال: وإذا المنية نشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع فقالت بغير روية: ما أنا ليحي بتميمة يا أمير المؤمنين وقد قال الأول: وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال هذا بعد قول الله : والكاظِمِين الغَيْظ والعافينَ عن النَّاسِ والله يحبُّ الْمحِسنين. فأطرق هارون مليا، ثم قال يا أم الرشيد أقول: إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تُقْبِلُ فقالت يا أمير المؤمنين وأنا أقول: ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدّل قال هارون: رضيت. قال فهبه لي، فقد قال رسول الله ﷺ : ترك شيئاً لله لم يوجده الله فقده. فأكب هارون مليا، ثم رفع رأسه يقول: للهِ الأمر من قبلُ ومن بعدُ. قالت يا أمير المؤمنين آليتك ما استشفعت إلا شفعتني. قال: واذكري يا أم الرشيد أليتك أن لا شفعت

стр. 360

لمقترف ذنباً، قال سهل: فلما رأته بمنعها، ولاذ عن طلبها، أخرجت حقا من زمردة خضراء فوضعته بين يديها. قال الرشيد: ما هذا؟ ففتحت عنه قفلا من ذهب فأخرجت منه ذوائبه وثناياه قد غمست جميع ذلك في المسك. فقالت: يا أمير المؤمنين أستشفع إليك، وأستعين بالله عليك، وبما صار معي من كريم جسدك، وطيب جوارحك، ليحي عبدك. فأخذ هارون ذلك فلثمه ثم استعبر وبكى بكاءً شديدا، وبكى أهل المجلس، ومر البشير إلى يحيى وهو لا يظنّ إلا أن البكاء رحمة له، ورجوع عنه. فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحق وقال لها: لَحَسن ما حفظت الوديعة، قالت: وأهل للمكافأة أنت. فسكت وأقفل الحق ودفعه إليها. وقال: (إن الله يَأْمُركُمْ أنْ تُؤدُّوا الأمانات إِلى أَهْلها). قالت: والله يقول: (وإِذا حكْمتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحَكْمُوا بِالعَدْلِ). ويقول: (وأَوُْفوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ). ثم قال: وما ذلك ياأم الرشيد؟ قالت: ما أقسمت لي به أن لا تحجبني ولا تمهني. قال: يا أم الرشيد أتشريه مُحَكَمَةَ فيه؟ قالت: أنصفت، وقد فعلت غير مستقيلة لك، ولا راجعة عنك. قال: بكم؟ قالت: برضاك عمن لا يُسْخطك: قال: يا أم الرشيد أما لي عليك من الحق مثل الذي لهم؟ قالت: بلى! أنت أعز عَلَيّ، وهم أحب إليّ. قال: فتحكمي في ثمنه بغيرهم. قالت: بلى قد وهبتكه وجعلتك في حل منه وقامت عنه، وبقي مبهوتاً ما يحير لفظة. قال سهل: وخرجت فلم تعد ولا والله ما رأيت لها عبرة، ولا سمعت لها أنَّة.

стр. 361

بين القبور لما توفي أبو بكر الصديق ﵁ قامت عائشة أم المؤمنين ﵁ على قبره، فقالت: نَضَّر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك، فلقد كنت للدنيا مُذلاًّّ بإدبارك عنها، وللآخرة معزا بإقبالك عليها، وإن كان لأَجَل الأرزاء بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رُزْؤُك، واكثر المصائب فقدك، وإن كتاب الله ليعد بجميل العزاء فيك، وحسن العوض منك فأَتنجَّزُ من الله فيك، بالصبر عنك، وأستخلصه بالاستغفار لك. توفي الأحنف في دار عبد الله بن أبي العُصَيِفر بالكوفة، وكان مُصعب بن الزبير إذ ذاك أميراً على الكوفة من قِبَل أخيه عبد الله بن الزبير، فشيع مصعب جنازة الأحنف فخرج مُتَسَلَبا في قميص بغير رداء - وكانت الأمراء تفعل ذلك بالسيد إذا مات - فلما دفن الأحنف أقبلت صفية بنت هشام الِمنقرية على نجيب لها متحضرة وكانت بنت عم الأحنف حتى وقفت على قبره فقالت: لله دَرُّك من مُجَنٍّ ومدرج في كفن، إنا للهِ وإنا إليه راجِعون جعل الله سبيل الخير سبيلك، ودليل الرشد دليلك. أما والذي أسأله أن يفسح لك في مدخلك، وأن يبارك لك في محشرك، ووالذي كنت من أجله في عدّة، ومن كتابه في مدة، ومن الأثرة إلى نهاية، ومن المضمار إلى غاية، لقد كنت صحيح

стр. 362

الأديم، منيع الحريم، عظيم السلم، فاضل الحلم؛ واري الزناد، رفيع العماد، وإن كنت لمسوداً، وإلى الملوك لموفدا، وفي المحفل شريفاً، وعلى الأرامل عطوفاً وكانت الملوك لقولك مستمعين، ولرأيك متعبين، ولقد عشت حميداً ودوداً، ومت شهيداً فقيداً. ثم أقبلت على الناس بوجهها فقالت: عباد الله؛ إن أولياء الله في بلاده شهود على عباده، وإنا لقائلون حقا. ومثنون صدقاً، وهو أهل لطيب الثناء. فعليه رحمة الله وبركاته. وما مثله في الماس إلا كما قال الشاعر في قيس بن عاصم: عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما سلام امرئ أودعته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سَلما فما كان قيس هلكه واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما قال فتعجب الناس من كلامها وقال فصحاؤهم تالله ما رأينا كاليوم قط، ولا سمعنا أفصح ولا أبلغ من هذه. قال فبعث إليها مصعب بن الزبير فخطبها على نفسه فأبت عليه فما زال يتعهدها ببره حتى قتل حدث الأصمعي قال: دفعت يوماً في تَلَمسي بالبادية إلى واد خَلاءٍ لا أنيس به إلا بيْتٌ معتنز بفنائه لأعنز، ولقد ظمئت، فيممته، فسلمت، فإذا عجوز قد برزت كأنها نعامة راخم فقلت هل من ماء؟ فقالت: أو لبن؟ فقلت ما كنت بغيتي غلا الماء فإذا يسر الله اللبن فإني إليه فقير.

стр. 363

فقامت إلى قعب فأفرغت فيه ماء، ونظفت غسله، ثم جاءت إلى الأعْنز فَتَغَبَّرتْهُنَّ حتى احتلبت قُراب مِلءِ القعب، ثم أفرغت عليه ماء حتى رغا وطفت ثُمالته كأنها غمامة بيضاء، ثم ناولتني إياه فشربت حتى تَحَبَّبْتُ ريّاً واطمأننت، فقالت إني أراك معتنزة في هذا الوادي الموحش والحلة منك قريب فلو انضممت إلى جنابهم، فأنست بهم؟ فقالت يا ابن أخي: إني لآنس بالوحشة، واستريح إلى الوحدة، ويطمئن قلبي إلى هذا الوادي الموحش فأتذكر من عهدت، فكأني أخاطب أعيانهم، وأتراءى أشباحهم وَتَتَخَيَّل لي أندية رجالهم، وملاعب وُلدانهم، ومُندَّى أموالهم، والله يا ابن أخي لقد رأيت هذا الوادي بشع اللديدين بأهل أدواح وقباب، ونعم كالهضاب، وخيل كالذَّئاب، وفتيان كالرماح يبارون الرياح، ويحملون الصَّباح، فأحال عليهم الجلاءُ قمّاً بغرفة، فأصبحت الآثار دارسة، والمحال طامسة. كذلك سيرة الدهر فيمن وثق به. ثم قالت: أرم بعينك في هذا الملا المتبطن فنظرت، فإذا قبور نحو أربعين أو خمسين فقالت: ألا ترى تلك الأجداث؟ قلت نعم. قالت: ما انطوت إلا على أخ، أو ابن أخ أو عم، أو ابن عم، فأصبحوا قد ألمأت عليهم الأرض، وانأ أترقب ما غلهم انصرف راشداً رحمك الله.

стр. 364

بين الرجاء والدعاء وقفت امرأة من هوازن على عبد الرحمن بن أبي بكرة فقالت: أصلحك الله، أقبلت من أرض شاسعة، ترفعني رافعة، وتخفضني خافضة بملحات من البلاد وملمات من الدهور، برين عظمى، وأذهبن لحمي، وتركنني والها، وأنزلنني إلى الحضيض، وقد ضاق بي البلد المريض، لا عشيرة تحميني، ولا حميم يكنفني، فسألت في أحياء العرب من المرجو سيبه، المأمون غيبه، المكفي سائله، الكريمة شمائله، المأمول نائله فأرشدت إليك، وأنا امرأة من هوازن، مات الوافد، وغاب الرافد ومثلك من سد الخلة وفك الغلة، فاصنع إحدى ثلاث: إما أن تقيم من أودى أو تحسن صفدي أو تردني إلى بلدي. قال: أجمعهن لك وحبا. خرج المهدي يطوف بعد هدأة من الليل فسمع أعرابية من جانب المسجد وهي تقول في مبطلون، بنت عنهم العيون، وفدحتهم الديون، وعضتهم السنون. بادت رجالهم، وذهبت أموالهم، أبناء سبيل وأنضاء طريق وصية الله ووصية رسول الله ﷺ . فهل من امرئ يجبرهم؟ كلأه الله في سفره وخلفه في أهله. فأمر نضيرا الخادم فدفع إليها خمسمائة درهم.

стр. 365

لما قدم إبراهيم بن محمد المدينة أتته عجوز من ولد الحارث بن عبد المطلب فشكت إليه ضنك العيش، فقال: ما يحضني الكثير، ولا أرضى لك بالقليل وأنا على ظهر سفر، فاقبلي ما حضر، وتفضلي بالعذر. ثم دعا مولى له فقال ادفع إليها ما بقي من نفقتنا وخذي هذا العبد والبعير. فقالت بأبي وأمي! أجزل الله في الآخرة أجرك وأعلى في الدنيا كعبك، وغفر لك يوم الحساب ذنبك، فأنت والله كما قالت أم جميل بنت أمية: زين العشيرة كلها ... في البدو منها والحضر ورئيسها في النائبا ... ت وفي الرحال وفي السفر ورث المكارم كلها ... وعلا على كل البشر ضخم الدسيعة ماجد ... يعطي الجزيل بلا كدر خرجت أعرابية إلى مني فقطع بها الطريق، فقالت: يا رب أخذت وأعطيت، وأنعمت وسلبت، وكل ذلك منك عدل وفضل. والذي عظم على الخلائق أمرك لا بسطت لساني بمسألة أحد غيرك، ولا بذلت رغبتي إلا إليك، يا قرّة أعين السائلين أغنني بجود منك أتبحبح في فراديس نعمته، وأتقلب في رواق نضرته، واحملني من الرجلة وأغني من العيلة، وأسدل على سترك الذي لا تمزقه الرماح، ولا تزيله الرياح إنك سميع الدعاء. الكلم القصار دخلت امرأة من بني أمية على عبد الله بن علي بالشام فبكت، فقال مم تبكين أجزعا على أهلك على ما أصابهم؟ قالت لا، ولكنه ما كان يوم سرور إلا وهو رهن بيوم مكروه، وما امتلأت دار حبرة إلا امتلأت عَبرة.

стр. 366

قيل لِحُبَّي المدينة: ما الجرح الذي لا يندمل؟ قالت: حاجة الكريم إلى اللئيم ثم لا يجدي عليه. قيل لها فما الشرف؟ قالت: اعتقاد المنة في أعناق الرجال تبقى الأعقاب. قيل لأعرابية مات ابنها: ما أحسن عزاءك؟ قالت: إن فقدي إياه آمنني كل فقد سواه. وإن مصيبتي به هّونت علىّ المصائب من بعده. ثم أنشأت تقول: كنت السواد لناظري ... فعمِى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر ليت المنازل والديا ... ر حفائر ومقابر إني وغيري لا محا ... لة حيث صرت لصائر حدّث إسحاق الموصلي عن رجل من أهل المدينة. قال: كنت في جنازة عبد الله ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإذا امرأة تقول: واحرّاه عليك! فسألت عنها، فقالوا هذه أُمه. فدنوت منها، فقلت يا أم عبد الله، إن عبد الله كان بعض البشر. فقالت: إن عبد الله كان ظهراً فانكسر، وأصبح أجراً ينتظر، وإن في ثواب الله لعزاء عن القليل، وجزاء على الكثير. كانت هند بنت المهلب تقول: إذا رأيتم النعم مستدرّة فبادروا بالشكر قبل الزوال. دعت أعرابية لابن لها وجَّهته إلى حاجة، فقالت: كان الله صاحبك في أمرك، ووليك في نجح طلبتك، امضِ مصاحباً مكلوءا، لا أشمت الله بك عدوّا، ولا أرى محبيك فيك سوءا. وقفت أعرابية فقالت: يا قوم سنة جردت، وأيد جمدت، وحال أجهدت، فهل من فاعل لخير، وآمر بِمَير. رحم الله من رحم فأقرض من لم يظلم.

стр. 367

رأت عائشة أم المؤمنين رجلا متماوتا فقالت: ما هذا؟ فقالوا زاهد. قالت: كان عمر بن الخطاب زاهداً. وكان إذا قال أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب في ذات الله أوجع. قال رجل لولادة العبدية، وكانت كأعقل النساء. إني أريد الحج فأوصيني قالت: أأوجز فأبلغ، أم أطل فأحكم؟ فقال: بما شئت. قالت: جد تسد، واصبر تفز. قال أيضاً. قالت: لا يتعد غضبك حلمك؟، ولا هواك علمك، وفّرْ دينك بدنياك، ووفر عِرضك بَعَرضِك. وتفضل تخدم، وأحلى تُقدم قال: فبمن أستعين؟ قالت: إن قلت من الناس. قلت الجلد النشيط، والناصح الأمين، قال: فمن أستشير؟ قالت المجرب الكيس، أو الأديب ولو الصغير. قال: فمن أستصحب؟ قالت: الصديق الملم، أو المدجى المتكرم. ثم قالت يا ابناه إنك تفد على ملك الملوك فانظر كيف يكون مقامك بين يديه. قالت أعرابية لابنها: أي بني! غن سؤلك الناس ما في أيديهم، من اشد الافتقار إليهم، ومن افتقرت إليه هُنْتَ عليه، ولا تزال تحفظ وتكرم حتى تسأل وترغب فإذا ألحت عليك الحاجة، ولزمك سوء فاجعل سؤالك إلى من إليه حاجة السائل والمسئول. مات لأعرابية ميت فغمضته وترحمت عليه، ثم قالت: ما أحق من أُلبس العافية وأطيلت له النظْرَةُ ألا يعجز عن النظر لنفسه، قبل الحلول بساحته والحيال بينه وبين نفسه. قالت هند بنت عتبة: المرأة غُل، ولا بد للعنق منه، فانظر من تضعه في عنقك. نظرت أعرابية إلى امرأة حولها عشرة من بنيها كأنهم الصقور فقالت: لقد ولدت أمكم حزناً طويلا.

стр. 368

بلغ عاثمة بنت عاثم ثلب معاوية وعمرو بن العاص لبني هاشم. فقالت لأهل مكة: أيها الناس! إن بني هاشم سادت فجادت، وملكت ومُلكت، وفضلت وفُضّلت واصطفت واصطفيت، ليس فيها كدر عيب، ولا إفك ريب، ولا خسروا طاغين؛ ولا خازين، ولا نادمين، ولا هم من المغضوب عليهم ولا الضالين. لما ذهب صالح بن علي إلى الشام من قبل السفاح سيق إليه بني أمية وبناتهم، فلما دخل عليه تكلمت بنت لمروان فسلمت عليه بالخلافة. فقال: لست بالخليفة؛ ولكني عمه. فقالت يا عم أمير المؤمنين! حفظ الله من أمرك ما تحب أن يحفظه، وخصك في الأمور كلها بخواص كرامته. وعمك بالعافية المَجَللة في الدنيا والآخرة، نحن بناتك وبنات أخيك، فلْيَسَعْنا عدلك، فقال: إذاً لا يستبقي منكم آل البيت أحداً، رجلا ولا امرأة. ألم يقتل أبوك بالأمس أخي الإمام في محس حران؟ ألم يقتل هشام بن عبد الملك زيد بن علي وصلبه وأمر بقتل امرأته فقتلها يوسف ابن عمر صبراً؟ ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد بخراسان وأحرق خشبته وجثته؟ فما الذي استبقيتم منا أهل البيت؟ قالت: قد ظفرتم فَلْيَسَعْنا عفوكم قال: أمّا هذا فنعم قد عفونا عنكم. دخلت ليلى على الحجاج بن يوسف فسألها عن نسبها فانتسبت إليه. فقال لها يا ليلى ما أتى بك؟ فقالت: إخلاف النجوم، وقلة الغيوم وكَلَب البَرد وشدة الجهد وكنت لنا بعد الله الرفد فقال لها: صفي الفجاج.

стр. 369

فقالت: الفجاج مغبرة، والأرض مُقشعِرة، والمنزل معتل، وذو العيال مختل، والهالك المقِل، والناس مسنتون رحمة الله يرجعون، وأصابتنا سنة مجحفة مبطلة لم تدع لنا هيعاً ولا ريعاً ولا عافطة ولا نافطة أذهبت الأموال، وفرّقت الرجال، وأهلكن العيال. أُسرت أم علقمة الخارجية وأتي بها إلى الحجاج فقيل لها وافقيه في المذهب فقد يظهر الشرك بالمكر. فقالت قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين. فقال لها قد خطبت الناس بسيفك يا عدوة الله خبط العشواء. فقالت خفت الله خوفاً صيرك في عيني أصغر من ذباب - وكانت منكسة - فقال: ارفعي رأسك وانظري إلى. فقالت أكره أن أنظر غلى من لا ينظر الله إليه، فقتلها. كانت أسماء بنت أبي بكر تقول لبناتها ونساء آلها: أنفقن وتصدقن ولا تنتظرن الفضل فإنكن إن انتظرتن الفضل لم يفضلن شيئاً، وإن تصدقتن لم تجدن فقده. وقدم إليها ولدها المنذر بن الزبير من العراق بثياب رقاق عتاق بعد ما كف بصرها، فلمستها بيدها، ثم قالت: ردّوا عليه كسوته فشق ذلك عليه وقال يا أمّه إنها لا تَشفِ فقالت إن لم تشف فإنها تصف.

стр. 370

عيون من الشعر الحنين إلى الوطن قالت فتاة أعرابية احتملها زوجها إلى مكان قصي: ألا أيها الركب اليمانون عرجوا ... علينا فقد أضحى هوانا يمانيا نسائلكم هل سال نَعمان بعدنا ... وحُبَّ إلينا بطن نعمان واديا فإن به ظلا ظليلا ومشرباً ... به نقع القلب الذي كان صاديا تزوج رجل من تهامة امرأة من نجد، فلما نقلها إليه قالت ما فعلت ريح من نجد كانت تأتينا يقال لها الصبا؟ ما رأيتها هاهنا، فقال يحجزها عنا هذان الجبلان، فأنشأت تقول: أيا جبلي نعمان بالله ... نسيم الصبا يخلص إلى نسيمها فإن الصبا إذا ما تنفست ... على قلب محزون تجلت همومها أجد بردها أو يشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها وقال حفص بن الأروع الطائي كنت أسيرا في بلاد طيء فإذا بجارية تسوق أعنزا، فقلت يا جارية أي البلاد أحب إليك؟ فقالت: أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلى وسلمى أن يصوب سحابها بلاد بها حل الشباب تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها

стр. 371

وتزوج رجل من حجر بامرأة من تميم، فلما احتملها إليه قالت: لقد كنت حجر بعيدا فساقني ... صروف النوى والسابقات إلى حجر يقولون فرش من حرير وإنما ... أرى فرشهم عندي كحامية الجمر وقالت أعرابية مرضت بعيداً عن بلدها: خليلي إن حانت بحربة ميتتي ... وأزمعتما أن تجعلا لي بها قبراً ألا فاقرأا مني السلام على قنا ... وحرّة ليلى لا قليلا ولا نزرا سلام الذي قد ظن أن ليس رائيا ... رماصا ولا من حرّتيه ذرى خضراً عهد الطفولة قالت فتاة تتغنى بأيام طفولتها: ألا لا أبالي اليوم ما دمت جاريا ... وما دمت أسعى لا أبالي إزاريا وما دمت أسعى بين أم عزيزة ... وبين أب يحب جماليا إذا عصبوا بردي بشقة بردهم ... وقيل اقعدن في البيت يخلط ذا ليا ومر جواري الحي من كل وجهة ... لألعب إن اللعب كان شفائيا في البكاء بكاء الأبناء كان معاوية قد أرسل قائده الطاغية بسر بن أرطاة مغيراً على اليمن - وكانت في حوزة علي ﵇ ففر من وجهه أميرها عبيد الله بن العباس فلم يجد السفاح غير طفلين له، فعمد إليهما فذبحهما، وترك أمهما ذاهلة

стр. 372

اللب، مخطوفة القلب، تهيم في كل واد، وتغشى كل مجتمع وناد، وتتغنى بما يثير الحسرات ويسيل العبرات. ومن قولها فيهما: ألا يا من سبى الأخوي ... ن أمُّهما هي الثّكلى تسأل من رأى ابنيها ... وتستقي فما تُسْقَي فلما استيأست رجعت ... بِعَبْرة حَرَّى تتابع بين ولولةِ ... وبين مدامع تترى وكذلك قالت: يا من أَسَّ بابْنَيَّ اللَّذين هما ... كالدُّرَّتين تشظّي عنهما الصدَف يا من أحس بابني اللذين هما ... سمعي وقلبي فقلبي اليوم مُزْدَهَفُ يا من أحس بابني اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مُخْتطفُ نَّبئت بُسراً وما صدقت ما زعموا ... من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا انحي على ودجى طِفْلَّي مُرْهَفةً ... مشحوذة وكذاك الإفك يقترف مَن دلّ والهة حرّى مُولّهة ... على حبيبين ضَلاّ إذ غدا السلف ووقفت أعرابية قبر ابن لها يدعى عامراً فقالت: أقمت أبكيه على قبره ... من لي بعدك يا عامر تركتني في الدار ذا وحشة ... قد ذل من ليس له ناصر وقالت زبيدة ابنة جعفر ترثي ولدها الأمين: أودي بإلفين من لم يترك الناسا ... فامنحْ فؤادك عن مقتولك الياسا لما رأيت المنايا قد قصدن له ... أصبن منه سواد القلب والراسا

стр. 373

فبت مكتئباً أرعى النجوم له ... أخال سنته بالليل قرطاسا رُزئته حين باهيت الرجال به ... وقد بنيت به للدهر أساسا فليس من مات مردوداً لنا أبداً ... حتى يرد علينا قبله ناسا وقالت أعرابية تندب ابناً لها: أَبُنَيَّ غيبك المحل اللحد ... إما بَعِدْتَ فأين من لا يَبْعَدُ أنت الذي في كل ممسي ليلة ... تبلي وحزنك في الحشا يتجدد وقالت فيه: لئن كنت لهواً للعيون وقرة ... لقد صرت شقماً للقلوب الصحائح وهوّن حزني أن يومك مُدْرِكي ... وإني غداً من أهل تلك الضرائح بكاء الآباء قالت امرأة من بني شيبان قتل أبوها ورجال من أسرتها مع الضحاك الحَرورِي: من لقلب شفه الحزن ... ولنفس مالها سَكنُ ظعن الأبرار فانقلبوا ... خيرهم من معشر ظعنوا معشر قضوا نحوبهم ... كل ما قد قدموا حسن صبروا عند السيوف فلم ... يَنْكلوا عنها ولا جَبُنُوا فتية باعوا نفوسهم ... لا ورب البيت ما غُبنُوا فأصاب القوم ما طلبوه ... مِنَّة ما بعدها منن

стр. 374

وقالت أروى بنت الحباب ترثي أباها: قل للأرامل واليتامى قد ثوى ... فلتبك أعينها لفقد حباب أودي ابن كل مخاطر بتلاده ... وبنفسه بقيا على الأحساب الراكبين من الأمور صدورها ... لا يركبون معاقد الأذناب وقالت فاطمة بنت رسول الله تبكي أباها ﷺ : إنا فقدناك فقد الأرض وابلها ... وغاب مذ غبت عنا الوحي والكتب فليت قبلك كان الموت صادفنا ... لما نعيت وحالت دونك الكتب بكاء الاخوة وقالت ليلى بنت طريف التغلبية ترثي أخاها الوليد بن طريف: بتل نباتي رسم قبر كأنه ... على جبل فوق الجبال منيف تضمن جوداً حاتميا ونائلا ... وسورة مقدام ورأي حصيف ألا قاتل الله الحشى كيف أضمرت ... فتى كان للمعروف غير عيوف فإلا تجبني دمنة هي دونه ... فقد طال تسليمي وطال وقوفي وقد علمت أن لا ضعيفاً تضمنت ... إذا عظم المرزي ولا ابن ضعيف فتى لا يلوم السيف حين يهزه ... على ما اختلى من معصم وصليف فتى لم يحب الزاد إلا من التقي ... ولا المال إلا من قنا وسيوف ولا الخيل إلا كل جرداء شطبة ... وأجود عالي المنسجين غروف

стр. 375

فقدناه فقدان الربيع وليتنا ... فديناه من فتياننا بألوف وما زال حتى أرهق الموت نفسه ... شجاً لعدوّ أو لجاً لضعيف حليف الندى غن عاش يرضي به الندى ... وإن مات لا يرضى الندى بحليف فإن يك أرداه يزيد بن مزيد ... فرب زحوف فضها بزحوف فيا شجر الخابور مالك مورقاً ... كأنك لم تحزن على ابن طريف ألا يا لقومي للنوائب والردي ... ودهر ملح بالكرام عنيف وللبدر من بين الكواكب إذ هوى ... وللشمس همت بعده بكسوف ولليث فوق النعش إذ يحملونه ... إلى حفرة ملحودة وسقوف بكت تغلب الغلباء يوم وفاته ... وأبرز منها كل ذات نصيف يقلن وقد أبرزن بعدك للورى ... معاند حلي من برى وشنوف كأنك لم تشهد مصاعاً ولم تقم ... مقاماً على الأعداء غدو خفيف ولم تشتمل يوم الوغى بكتيبة ... ولم تبد في خضراء ذات رفيف عليك سلام الله وقفا فإنني ... أرى الموت وقاعاً بكل شريف وقالت كذلك تبكيه: ذكرت الوليد وأيامه ... إذا الأرض من شخصه بلقع فأقبلت أطلبه في السماء ... كما يبتغي أنفه الأجدع أضاعك قومك فلينظروا ... إفادة مثل الذي ضيعوا لو آن السيوف التي حدّها ... أصابك تعلم ما تصنع نبت عنك أو جعلت هيبة ... وخوفا لصولك لا تقطع

стр. 376

وقالت عمرة بنت مرادس - وهي ابنة الخنساء - ترثي أخاها: أعيني لم أختلكما بخيانة ... أبى الدهر والأيام أن تصبرا وما كنت أخشى أن أكون كأنني ... بعير إذا ينعى أخي تحسرا ترى الخصم زوراً عن أخي مهابة ... وليس الجليس عن أخي بأزورا وقالت امرأة ترثي اخوتها: رعوا من المجد أكنافاً إلى بلد ... حتى إذا أكملت أظماؤهم وردوا ميت بمصر وميت بالعراق وميت بالحجاز منايا بينهم بدد كانت لهم همم فرقن بينهم ... إذا القعاد عن أمثالها قعدوا بذل الجميل وتفريج الجليل وإعطاء الجزيل إذا لم يعطه أحد. رثاء الأزواج قال الأصمعي: دخلت بعض مقابر الأعراب ومعي صاحب لي، فإذا جارية على قبر كأنها تمثال، وعليها من الحلي والحلل ما لم أر مثله، وهي تبكي بعين غزيرة وصوت شجي، فالتفت إلى صاحبي، فقلت: هل رأيت أعجب من هذه؟ قال لا والله لا أحسبني أراه، ثم قلت لها يا هذه! إني أراك حزينة وما عليك زي الحزن؟ فأنشأت تقول: فإن تسألاني فيم حزني فإنني ... رهينة هذا القبر يا فتيان وإني لأستحييه والتراب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني أهابك إجلالا وإن كنت في الثرى ... مخافة يوما أن يسؤك لساني

стр. 377

ثم اندفعت في البكاء وجعلت تقول: يا صاحب القبر يا من كان ينعم بي ... بالا ويكثر في الدنيا مواساتي قد زرت قبرك في جلي وفي حللي ... كأنني لست من أهل المصيبات أردت آتيك فيما كنت أعرفه ... أن قد تسر به في بعض هيئاتي فمن رآني رأى مولهة ... عجيبة الزي تبكي بين أموات وقالت عاتكة بنت زيد زوجها عمر بن الخطاب ﵁: من لنفس عادها أحزانها ... ولعين شفها طول السهد جسد لفف في أكفانه ... رحمة الله على ذاك الجسد فيه تفجيع لمولى غارم ... لم يدعه اليوم يمشي بسيد وقالت فيه: وفجعني فيروز لا درّ درّه ... بأبيض تال للكتاب نجيب رؤف على الداني غليظ على العدا ... أخي ثقة في النائبات مجيب متى ما يقل لا يكذ القول فعله ... يريع إلى الخيرات غير قطوب وقال الأصمعي: رأيت بصحراء جارية قد ألصقت خذها بقبر وهي تبكي وتقول: خدّي يقيك خشونة اللحد ... وقليلة لك سيدي خدّي يا ساكن القبر الذي بوفاته ... عميت على مسالك الرشد اسمع أبثك ولعلني ... أطفي بذلك حرقة الوجد وكان أمير المؤمنين الأمين قد عقد على لبانة ريطة بن علي فقتل عنها قبل البناء بها، فقالت تبكيه. أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والفرس

стр. 378

أبكي على سيد فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس يا فارساً بالعراء مطرحاً ... خانته قواده مع الحرس من للحروب التي تكون بها ... إن أضرمت نارها بلا قبس من لليتامى إذا هم سغبوا ... وكل عان وكل محتبس أم من لبر أم من لفائدة ... أم من لذكر الإله في الغلس وقال الأصمعي: خرجت إلى مقابر البصرة فإذا أنا بامرأة على قبر من أجمل النساء وهي تندب صاحبه وتقول: هل أخبر سائليه ... أم قرّ عينا بزائريه يا جبلا كان امتناع ... وطود عز لآمليه يا نخلة طلعها نضيد ... يقرب من كف مجتنيه يا موت ماذا أردت مني ... حققت ما كنت أتقيه دهر رماني بفقد إلفي ... أذم دهري واشتكيه آمنك الله كل خوف ... وكل ما كنت تتقيه أسكنك الله في جنان ... تكون أمناً لساكنيه قال: فقالت لها يا أمة الله ما هذا منك؟ قالت لو علمت مكانك ما أنشدت حرفاً! هذا زوجي وسروري وأنسي. والله لا زالت هكذا أبداً أو ألحق به.

стр. 379

في التذمم من الأزواج قالت امرأة تذكر ضيق صدرها وفرط عنائها من زوجها: يا من يلذذ نفسه بعذابي ... ويرى مقاربتي أشد عذاب مهما يلاقي الصابرون فإنهم ... يؤتون أجرهم بغير حساب لو كنت من أهل الوفاء وفيت لي ... إن الوفاء حلى أولى الألباب ما زلت في استعطاف قلبك بالهوى ... كالمرتجي مطراً بغير سحاب يا رحمتي لي في يديك ورحمتي ... لي منك يا شينا من الأصحاب يا ليتني من قبل ملكك عصمتي ... أمسيت ملكا في يد الأعراب هل لي إليك إساة جازيتها ... إلا لباسي حلة الآداب وحدث القالي قال كان رجل من أهل الشام مع الحجاج يحضر طعامه فكتب إلى امرأته يعلمها بذلك فكتب إليه: أيهدي لي القرطاس والخبر حاجتي ... وأنت على باب الأمير بطين إذا غبت لم تذكر صديقاً ولم تقم ... فأنت على ما في يديك ضنين فأنت ككلب السوء ضيع أهله ... فيهزل أهل البيت وهو سمين

стр. 380

في الأنفة والإباء دخل عبد الملك بن مروان على زوجته عاتكة بنت يزيد فرأى امرأة بدوية أنكرها فقال لها من أنت؟ قالت أنا الوالهة الحرّى ليلى الأخيليَّة. قال من القائل: أريقت جفان ابن خلع فأصبحت ... حياض الندى بهن المراتب فعُفَّاؤُها لَهفي يطوفون حوله ... كما انقض عرش البئر والورد عاصب قالت أنا الذي أقول ذلك. قال: فما أبقيت لنا. قالت: ما أبقي الله لك؛ نسباً قُريشياَّ وعيشاً رخيا، وإمرة مطاعة. قال أفردته بالكرم! قالت: أفردته بما انفرد به فقالت عاتكة لعبد الملك: قد جاءت تستعين بنا عليك في عين تسقيها وتحميها لها، ولست لِيَزِيد إنن شفَّعتها من حاجاتها لتقديمها أعرابيا جِلْفاً جافيا على أمير المؤمنين، فوثبت ليلى فجلست على راحلتها وقالت: ستحملني ورحلي ذات لَوثٍ ... عليها بنت آباء كرام إذا جعلت سواد الشام دوني ... وأغلق دونها باب اللئام فليس بعائد أبداً إليهم ... ذوو الحاجات في غلس الظلام أعاتك لو رأيت غداة بنّا ... سلو النفس عنكم واعتزامي إذاً لعلمت واستيقنت أبي ... مشيعة ولم ترعَىْ ذمامي أأجعل مثل ما وخدت برحلي ... أبا الذبَّان فوه الدهر دامي معاذ الله ما وخدت برحلي ... تغذ السير في البلد التهامي أقلت خليفة فسواه أحجي ... بإمرته وأولي بالشآم لئام الملك حين تُعد كَعبٌ ... ذوو الأخطار والخطَطِ الجسام

стр. 381

آخر صفحة في كتاب العظائم زبيدة بنت جعفر هي كوكب السحر في سماء العظائم، وآخر السُّوَرِ من كتاب العزائم، وهي زبيدة بنت جعفر، حفيدة المنصور، وزوج الرشيد، وأم الأمين. نشأت زبيدة في مهد الدولة العباسية، فكانت مهبط الحب وموطن الرعاية من قلوب بني العباس، وأخصهم فحل أجمتهم وركن دولتهم أبو جعفر المنصور، فقد كان يؤثرها بقلبه ويختصها بحبه، وهو الذي دعاها زبيدة لما رأى من بَضاضتها ونعومتها وقد أظهر من إعزازها والمغالاة بها يوم زفها عمها المهدي إلى ابنه الرشيد ما لا يتسع له مجال الخيال. فقد ألقي عليها من غوالي اللآلئ ما أثقلها وعاق سيرها. بل لقد نثر اللؤلؤ في جنبات طريقها على البسط الموشية بأسلاك الذهب. وكان لها من قلب الرشيد حِمى لا يرام. وبرغم من تصديق له من جواري الفرس وما تأنقن فيه من حسن مخضوب، وجمال مجلوب، وما ابتدعنه من ضروب اللهو، وفنون الإيقاع، وما امتزن به من خلابة ودعابة - برغم ذلك كله لبثت زبيدة ربة القول الفصل في قلبه وقصره ودولته. أما وفور فضلها، وسماح يدها وعظمة قلبها، ونفاذ لبها، ونبل خليقتها، وصفاء قريحتها، فمما سار مسار الأمثال، وذلك ميراث أمهاتها من عقائل قريس، وسلائل بني هاشم. وحديث حجها، وما ابتنت فيه من عظائم، وقدمت من مكارم، حديث لا يدع لقائل قولا ولا لمفتخر سبيلا، فقد بلغ ما بذلت فيما نولت من بر وما

стр. 382

ابتنت في طريق مكة من مساجد ومنازل ومشارب ألف ألف وسبعمائة ألف دينار وما كان ذلك كله إذا قيس بعين زبيدة شيئاً مذكورا. وقبل أن نأخذ في القول عن عين زبيدة تقول نقول كلمتنا في الأمين وما ذهب من مقالات السوء عنه، فرب قائل يقول: وأي أثر تركته المرأة العظيمة في ولدها الخليع؟ أستغفر الله ما كان الأمين خليعاً، ولا مائقا، ولا مارقا، ولا سرفا في دينه ودنياه بل كان شأنه كشأن أبناء النابهات من العرب، كف نَدِية، وهمة قصية، وفطنة هاشمية، وظل في الفضل ممدود، وأمد في النبل غير محدود، ولكن هُمُ المرجفون، من شيعة المأمون وقالة السوء من شعوبية الفرس، ألحقوا به ما ألحقوا ظلماً وزوراً لأنه اعتصم بالعرب، وجعلهم حزبه وشيعته، وترك ما سنه آباؤه من استدناء الفرس، وابتغاء الوسيلة عندهم، وتفويض الأمر كله إليهم، فنزعوا إلى المأمون ونزع إليهم لما بينه وبينهم من وشيج الرحم وفرط الهوى، فأثاروها على الخليفة العربي حملة فارسية، وأجلب بهم المأمون على أخيه فساروا إليه محدَّدي الأظافر، مرهفي الأنياب، حتى هتكوا عليه داره فذبحوه وحملوا رأسه إلى صاحبهم فهل رأيت أشدّ وأشنع من ذلك؟ أخ يقتل أخاه، ويروى نفسه بدمه، ويحمل رأسه من بغداد إلى أعماق بلاد الفرس؛ ليجعله مسلاة الأعاجم وملهاة الموالي يقولون إن الأمين أسرف في الشراب فاللهم إنهم كذبوا، لقد علموا أن الرشيد حدّ ابنه المأمون في الخمر أو ما هو شر منها، فأما الأمين فلم يكد يلي أمر المسلمين حتى ارتهن أبا نواس في سجنه وأطال فيه بلاءه وعناءه، لأنه لجّ في الخمر وأكثر من ذكرها.

стр. 383

لعمري لقد ذل العرب بموت الأمين ذلة تصدع لها ركن الإسلام صدعا لم يجبره المأمون بما اجتلب من علم وأدب، حتى لقد قال قائلهم: سألونا عن حالنا كيف أنتم ... مَنْ هَوَى نجمه فكيف يكون نحن قوم أَذلنا حادث الده ... ر فَظَلْنا لريبه نستكين نتمنى من الأمين إياباً ... ليت شعري وأين منا الأمين وإن أعوزتك صفات الأمين، فاستمع لما قالته فيه لبانة ابنة ريطة ونحن نعيد شيئاً منه لحاجتنا إليه ونعلم أنّ الشعراء وإن أغرقوا في الصفات فهم لا يخلقونها قالت لبانة: أبكيت لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والفرس حتى قالت: من للحروب التي تكون بها ... إن أضرمت نارها بلا قَبَس من لليتامى إذا هم سبغوا ... وكل عان وكل محتبس أم من لِبرّ من لفائدة ... أم من لذكر في الغلس وقال أبو نواس في رثائه: أيا أمين الله من للندى ... وعصمة الضعفى وفك الأسير خلفتنا بعدك نبكي ... دنياك والدين بدمع غزير يا ويلنا بعدك ماذا بنا ... من ضنك صروف الدهور لا خير للأحياء في عيشهم ... بعدك والزلفى لأهل القبور وعلى ذكر الأمين وأمه زيد نذكر لها وصية أوصت بها علي بن عيسى حين خرج للقاء جيش المأمون يا علي إنّ أمير المؤمنين وإن كان ولدي فإني على عبد الله المأمون متعطفة مشفقة، لما يحدث عليه من مكروه وأذى. وإنما ولدي ملك

стр. 384

نافس أخاه في سلطانه، فاعرف لعبد الله حق ولادته وأخوته ولا تَجْبَههُ بالكلام فإنك لست نظيراً له، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد أو غل، ولا تمنع عنه جارية أو خادماً ولا تعنف عليه في السير، ولا تساوره في المسير، ولا تركب قبله وخذ بركابه إذا ركب، وإن شتمت فاحتمل منه. فهل عرف المأمون أو بطانته أن يوصوا طاهر بن الحسين بمثل هذا؟ ونعود إلى ما نوهنا بالقول عنه في عين زبيدة فنقول: إذا قيست الآثار بما تنال على الدهر من خلود، وما ينال الناس منها من دفع غائلة، وتنفيس ضائقة، فكل عمل دون ذلك العمل الجليل، مهين ضئيل. وليس جلال الأثر أن تذهب به أقطار السماء، وتريق على جنباته دماء الضعفاء؛ ثم لا يكون للناس منه إلا أنه جبل يسامي الجبل الأشم، والغراب الأعصم، فإن ذلك سمة من سمات الظلم، ونزعة من نزعات الاستبداد، ولعمري إن كوخاً من هشيم الكلأ لامرأة ضعيفة معوزة، أعظم وأفضل في شرعه الإنصاف منه. لذلك كانت عين زبيدة أثراً صالحاً تفنى الآثار وتتحطم المعالم. لم يكن لأهل مكة من المناهل إلا المسايل التي يجودها المطر أحياناً، وبعض البئار التي تفيض آناً وتجف آناً، فإن جفاهم الغيث عاماً فالويل لهم ولكل راغية وثاغية عندهم. أما الحجاج فكانوا يحتملون من قرب ما يؤودهم ويوقر ظهورهم، ولقد أخذ بقلب زبيدة العظيم ما علمت في حجها أن رواية الماء تباع بدينار وأن الفقير إنما يتبلع بما يتساقط من قطرات الغنى فاعتزمت روّى الله بدنها أن تحفر

стр. 385

لآل مكة ولقصاد البيت الحرام نهراً جاريا يتصل بمنابع الماء ومساقط المطر من بعد الشقة ووعورة الطريق ما بلغت. ولم يسنح بخاطر أحد منذ عهد إسماعيل صلوات الله عليه حتى عهد زبيدة ﵂ مثل ذلك الخاطر الوثاب، خاطر إجراء نهر بين شعاب مكة. بل ولم يتمنه تمنياً، لأنه أبعد من حدّ التمني. أما زبيدة التي تحتكم على خراج الدولة الإسلامية، والتي لها من مالها وجواهرها ما لا تفي به الأرقام، ولا تحيط به الوهام، والتي فاض حنانها، وثارت عاطفتها، إلى حد لا يدفع ولا يرد فقد اعتزمت أن تجري ذلك النهر ولو كان سبيله دجلة والفرات. هنالك دَعَت خازن موالها وامرأته أن يدعو العُرفاء والمهندسين والعمال من أطراف الأرض وأقاصي البلاد فعظم خازنها وما يُسْتَنفذ من المال فيه فقالت زبيدة تلك الكلمة الخالدة: اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس ديناراً فلم يكن بعد ذلك إلا أن يراض العمل على اعتسافه، فيق إلى مكة أهل الكفاية من كل مهندس ناقد وعامل عتيد، فأخذوا يصلون بين منابع الماء في شعفات الجبال، ويظاهرون ذلك بما يحتفرون من الآبار، وما يعقمون من المسايل، ثم يغلغلون ذلك كله بين أعطاف الصخور تارة وفي أعماق الأرض طوراً حتى ينتهي ذلك كله إلى النهر الذي احتفروه. وأهم ما اعتمدوا عليه عين حنين في جبال طاد إلى الشمال من عرفة وعلى مدى خمسة وثلاثين كيلو مترا من مكة أعزها الله، وتجري في واد حنين ثم ظاهروا ذلك بمجرى آخر من وادي النعمان من مسايل جبال كسرى إلى الشرق والجنوب من عرفات وعلى مدى عشرة كيلو مترات منها وعززوا الْمَجْرَيبين بعد ذلك بسبع أقنية تتبعوا فيها مساقط السيل فسار ذلك كله في ممر عظيم بين الصخور حتى

стр. 386

ينتهي إلي فينحدر في خزان عميق نقروه لذلك في الجبل وسموه إلى اليوم بئر زبيدة ومن هنالك يسير الماء في فرعين: يذهب أحدهما إلى عرفات، وينتهي الآخر إلى مسجد نمرة. ولهذه العين بل لذلك النهر الفرات مَوَادع في أعماق أرض مكة يخزن الماء فيها. ولكي لا يأسَنَ الماء صرف ما فضل منه عن ري الظماء إلى بركة ماجن بالمسفلة فقام حولها الزهر الناضر والثمر الَجني. تلك هي عين زبيدة التي احتملت ماء الحياة سائغة هنية إلى أم القرى، إلى مُتَّجه أبصار المسلمين، ومعتصم أقطارهم، ومناط وحدتهم، وقبلة جماعته، إلى الوادي المقدس الذي يجتمع فيه ضيوف الله في بيته. ويصعدون فوق مرتقى رحمته، تهفو مآزرهم على مناكبهم، وتجف قلوبهم بين أعطافهم، وتحول دموعهم في مآقيهم. وهم يهتفون بصوت واحد ينبعث من قلب واحد لبيك اللهم لبيك فإن أظمائتهم مواقفهم فمن ذلك المنهل الطاهر المطهر نُهلةُ ريقهم، ونقيع زفراتهم وبلال أكبادهم. ذلك أثر المرأة التي تركت هُجناء الرجال في أودية الضلال يجد بهم الدهر وهم عنه لا هون؛ ويشتدّ بهم الأمر وهم في غيهم يعمهون. تلك هي النفوس التي صاغها الله من روحه، وروَّاها من رحمته، واصطنعها لإذاعة خُلُقه، وهيأها لتزكية خَلقهِ، وابتعثها غُرَّةً في جبين الزمان وأمنةً من كيد الحدثان. سلام على تلك الخلائق إنها ... مسلمة من كل عار ومأتم

стр. 387

الأمة العربية بين الرأي والهوى كان على العرب بعد أن لحق رسول الله بربه أن يبتغوا الوسائل لنشر دينه وإذاعة دعوته، وكان عليهم حين لا تجد الحجة البالغة سبيلا إلى القلوب أن يجعلوا السيف كفيلا بنشرها في مشارق الأرض ومغاربها، وبقدر ما كانت الأمانة الملقاة على عواتقهم فادحة والغاية بعيدة كان جهدهم كذلك فادحاً وهمتهم بعيدة، فقد وثبوا وثبة رجفت لها قوائم الأرض، فلم يبقى سهل ولا جبل، ولم يبق قطر ولا مصر، ولم يبقى عرش ولا تاج إلا تبدل حالا بعد حال، وكذلك صاروا يضربون في مناكب الأرض فمن وادعهم ودخل في ذمتهم عاهدوه على الوفاء له والذود عنه، ومن حشد لهم ونهض لقتالهم وفرّقوا جمعه ومزقوا شمله ونكسوا وتولوا حكومته، وما كانت قوتهم التي أخضعت لهم الرقاب وذلك لهم الصعاب في وميض سيوفهم ولا عديد جنودهم ولا قوة سواعدهم ولا نفاذ آرائهم فما من أمة ممن ناصبوها الحرب إلا وهي أشد منهم قوة، وأكثر عدداً، وأسنى تدبيرا، وأنفذ تفكيراً، ولكنها كانت في قلوبهم التي ملأ الإيمان أقطارها فلم يدع فيها مطمعاً في أمل ولا مستمعاً بمتاع، وفي نفوسهم التي استمكنت العفة من صميمها فلم تفتنها المآرب ولم تلوثها الشهوات، وفي مشاعرهم التي لا تريع لآية من آيات الكتاب إلا ترقرقت في العيون عبرة جارية، وتأججت في الصدور نارا حامية. تلك كانت قوتهم التي أعزهم بها الإسلام فآمنهم من خوف، وجمعهم من شتات، وجعلهم خير أمة أخرجت

стр. 388

للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله. على أن تلك القوة الروعة كان يساورها خطر محيق من الفتنة بما حوت الممالك المفتوحة من عيش ناعم، وملك باسم وزهو ولهو، وعزف وقصف، وما وراء ذلك مما يفسد سرائر القوم، ويكدر ضمائرهم ويطفئ نور اليقين من قلوبهم، ويخمد نار الحمية في صدورهم. وكان الإشفاق من وبال ذلك الداء أشد ما خامر قلب الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، وفي سبيله ألقى على السابقين الأولين من المسلمين كلمته الخالدة إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. ومن أجله حرّم على رجال المسلمين أن يتحلوا بالذهب وقال للمتختم به: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده وحرّم عليهم لبس الحرير وقال: إنما يلبسه من لا خلاق له، وأشباه ذلك، مما كبح به الرسول جماح الفتن وأخمد به جمرة الشهوات كثيرة لا يناله التعداد. وكان ذلك الإشفاق مما يهيج اللوعة والحسرات في صدور الخليفة الأول أبي بكر الصديق ﵁. ومن قوله وهو مرتكس في مرض موته يخاطب المهاجرين من أصحاب رسول الله: والله لتتخذنّ نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم على حسك السعدان والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه خير له من أن يخوض غمرات الدنيا. وبينا كان الفاتحون يمعنون في أعماق فارس والروم وكانت مغانم العدوّ وسباياه تتوارد على الخليفة الأيد عمر بن الخطاب بينا كان ذلك كله وكان عمر في شغل بما عسى أن يصيب العرب من تلك الدنيا المقبلة والحياة المجلوة، وهو الذي يقول بعد أن وطئ المسلمون أعرف مدائن كسرى ليت بيني وبين فارس جبلا من نار لا نصل إليهم ولا يصلون إلينا.

стр. 389

وكانت رهبة الدين وهيبة الخلافة لا تزالان تعقدان على عيون العرب حجاباً لا ينفذ النظر منه إلى متاع الحياة، وكانوا لا يزالون من نشر دينهم على غاية لم يبلغوها وهي غاية تملك عليهم خواطر نفوسهم ومدارج أنفسهم فلا يشعرون إلا بها ولا يحيون إلا لها ولا يلمحون ما دونها فلم تأخذهم لذلك فتنة ولم تفتنهم شهوة، ولم تبهرهم زينة. ولعلك تعلم أن مما أثار الناس على الشهيد المظلوم عثمان بن عفان وحملهم على اقتحام داره وسفك دمه ميله قليلا إلى ترفيه نفسه وساقوا من الأمثلة لذلك تعلية بيته وتزين جدرانه واتخاذ الوصائف لخدمته. وكانت فتنة عاتية قاتل فيها المسلمون بعضهم بعضاً وأذاقوا بعضهم بأس بعض ولم تنكشف حتى عصفت بعصر الخلافة وذهبت بجيل النبوة. وجاءت الدولة الأموية، وفي عهدها أخذت رهبة الدين تنحسر عن قلوب العرب وقيلت أقوال لم تكن قبل تقال واجترحت أفعال لم تكن من قبل تفعل؛ وأي قول أشنع من أن يقوم شاعر مسلم بين سمع المسلمين وبصرهم فيقص عليهم حديث اعتدائه أعراض المسلمات ثم لا يجد من الناس دفعاً ولا استنكارا. بل أي جرم أبشع من أن يقف شاعر نصراني بين يدي الخليفة الأموي فيسخر من شريعة الإسلام بقوله: ولست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لحم الأضاحي ولست بقائل كالعير يوما ... قبيل الصبح: حي على الفلاح ولكني سأشربها صبوحاً ... وأسجد قبل منبلج الصباح ثم لا ينثني من لدن الخليفة إلا مثوبا موفوراً. وهل أتاك حديث أبنا النبي وأحبائه الذين عاهد الله المسلمين على مودتهم بقوله تعالت آيته (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) أرأيت كيف قتلهم رجال هذه الدولة على مدرجة الطريق طعنا بالرماح وحزّا بالسيوف وصبراً

стр. 390

بالظمأ ثم ساقوا نساءهم سواهم الوجوه حواسر الرءوس تحملهن الإبل المعراة من بطحاء كربلاء إلى مقرّ الملك الأموي بدمشق. والمسلمون بمسمع وبمرصد ... لا جازع منهم ولا متصدع على هذه السنن من العقوق للإسلام سار الأمويون في غزو مدينة رسول الله وإباحتها وهدم الكعبة وإحراقها. وكان أكبر الظن بالقوم وتلك حالهم في انتهاك الحرمات أن يستمعوا بكل ما حوت البلاد المفتوحة من لذة ونعيم، لولا أن معاوية بن أبي سفيان شيخ بني أمية وفحل أجمعتهم نفخ في العرب روح العصبية العربية وحكم الأمم على أنهم السادة وغيرهم المسودون وأنهم الآمرون وغيرهم المأمورون فحجزهم بذلك عن مخالطة من يلونهم من الأمم إلا مخالطة الحذر المترفع الذي يرى الاتصال الوثيق بمواليه منقصة وعاراً. ذلك إلى أن العرب قضوا الشطر الأكبر من ذلك العهد وهم فرق متناحرة، بعضهم لبعض عدو، ليس منهم إلا من كفر خصمه واستحل ذمه؛ فهناك أهل الشام ومن حولهم من الأعراب يشايعون بني أمية، وهناك أهل العراق يبثون الدعوة لبني هاشم، وهناك أهل الحجاز يلوذون بابن الزبير، وهناك الخوارج الذين خرجوا على الخلافة الموروثة والملك المغصوب، فأي أولئك يتسع له الوقت ليمرح في مجال اللهو ويأخذ بأسباب النعيم. والحق أن شيئاً من وسائل اللهو وجُلب إلى الأمصار الثلاث دمشق والبصرة والمدينة وتذوقه الخواص من سادات العرب حين اطمأن وانقطعت أواصر الفتن، ومن هذه الملهيات فن الغناء، جاء به جماعة من موالي الفرس وعلموه القيان الفارسيات فأسمعن العرب أشعارهم موقعة على النغم الفارسي، على أن
следующие страницы →