Полный текст (543 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
ينتهي إلي فينحدر في خزان عميق نقروه لذلك في الجبل وسموه إلى اليوم بئر زبيدة ومن هنالك يسير الماء في فرعين: يذهب أحدهما إلى عرفات، وينتهي الآخر إلى مسجد نمرة.
ولهذه العين بل لذلك النهر الفرات مَوَادع في أعماق أرض مكة يخزن الماء فيها. ولكي لا يأسَنَ الماء صرف ما فضل منه عن ري الظماء إلى بركة ماجن بالمسفلة فقام حولها الزهر الناضر والثمر الَجني.
تلك هي عين زبيدة التي احتملت ماء الحياة سائغة هنية إلى أم القرى، إلى مُتَّجه أبصار المسلمين، ومعتصم أقطارهم، ومناط وحدتهم، وقبلة جماعته، إلى الوادي المقدس الذي يجتمع فيه ضيوف الله في بيته. ويصعدون فوق مرتقى رحمته، تهفو مآزرهم على مناكبهم، وتجف قلوبهم بين أعطافهم، وتحول دموعهم في مآقيهم. وهم يهتفون بصوت واحد ينبعث من قلب واحد لبيك اللهم لبيك فإن أظمائتهم مواقفهم فمن ذلك المنهل الطاهر المطهر نُهلةُ ريقهم، ونقيع زفراتهم
وبلال أكبادهم.
ذلك أثر المرأة التي تركت هُجناء الرجال في أودية الضلال يجد بهم الدهر وهم عنه لا هون؛ ويشتدّ بهم الأمر وهم في غيهم يعمهون.
تلك هي النفوس التي صاغها الله من روحه، وروَّاها من رحمته، واصطنعها لإذاعة خُلُقه، وهيأها لتزكية خَلقهِ، وابتعثها غُرَّةً في جبين الزمان وأمنةً من كيد الحدثان.
سلام على تلك الخلائق إنها ... مسلمة من كل عار ومأتم
стр. 387
الأمة العربية بين الرأي والهوى
كان على العرب بعد أن لحق رسول الله بربه أن يبتغوا الوسائل لنشر دينه وإذاعة دعوته، وكان عليهم حين لا تجد الحجة البالغة سبيلا إلى القلوب أن يجعلوا السيف كفيلا بنشرها في مشارق الأرض ومغاربها، وبقدر ما كانت الأمانة الملقاة على عواتقهم فادحة والغاية بعيدة كان جهدهم كذلك فادحاً وهمتهم بعيدة، فقد وثبوا وثبة رجفت لها قوائم الأرض، فلم يبقى سهل ولا جبل، ولم يبق قطر ولا مصر، ولم يبقى عرش ولا تاج إلا تبدل حالا بعد حال، وكذلك صاروا يضربون في مناكب الأرض فمن وادعهم ودخل في ذمتهم عاهدوه على الوفاء له والذود عنه، ومن حشد لهم ونهض لقتالهم وفرّقوا جمعه ومزقوا شمله ونكسوا وتولوا حكومته، وما كانت قوتهم التي أخضعت لهم الرقاب وذلك لهم الصعاب في وميض سيوفهم ولا عديد جنودهم ولا قوة سواعدهم ولا نفاذ آرائهم فما من أمة ممن ناصبوها الحرب إلا وهي أشد منهم قوة، وأكثر عدداً، وأسنى تدبيرا، وأنفذ تفكيراً، ولكنها كانت في قلوبهم التي ملأ الإيمان أقطارها فلم يدع فيها مطمعاً في أمل ولا مستمعاً بمتاع، وفي نفوسهم التي استمكنت العفة من صميمها فلم تفتنها المآرب ولم تلوثها الشهوات، وفي مشاعرهم التي لا تريع لآية من آيات الكتاب إلا ترقرقت في العيون عبرة جارية، وتأججت في الصدور نارا حامية. تلك كانت قوتهم التي أعزهم بها الإسلام فآمنهم من خوف، وجمعهم من شتات، وجعلهم خير أمة أخرجت
стр. 388
للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله. على أن تلك القوة الروعة كان يساورها خطر محيق من الفتنة بما حوت الممالك المفتوحة من عيش ناعم، وملك باسم وزهو ولهو، وعزف وقصف، وما وراء ذلك مما يفسد سرائر القوم، ويكدر ضمائرهم ويطفئ نور اليقين من قلوبهم، ويخمد نار الحمية في صدورهم.
وكان الإشفاق من وبال ذلك الداء أشد ما خامر قلب الرسول الأكرم صلى الله
عليه وسلم، وفي سبيله ألقى على السابقين الأولين من المسلمين كلمته الخالدة إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه. ومن أجله حرّم على رجال المسلمين أن يتحلوا بالذهب وقال للمتختم به: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده وحرّم عليهم لبس الحرير وقال: إنما يلبسه من لا خلاق له، وأشباه ذلك، مما كبح به الرسول جماح الفتن وأخمد به جمرة الشهوات كثيرة لا يناله التعداد.
وكان ذلك الإشفاق مما يهيج اللوعة والحسرات في صدور الخليفة الأول أبي بكر الصديق ﵁. ومن قوله وهو مرتكس في مرض موته يخاطب المهاجرين من أصحاب رسول الله: والله لتتخذنّ نضائد الديباج وستور الحرير ولتألمن النوم على الصوف الأذربي كما يألم أحدكم على حسك السعدان والذي نفسي بيده لأن يقدم أحدكم فتضرب عنقه خير له من أن يخوض غمرات الدنيا.
وبينا كان الفاتحون يمعنون في أعماق فارس والروم وكانت مغانم العدوّ وسباياه تتوارد على الخليفة الأيد عمر بن الخطاب بينا كان ذلك كله وكان عمر في شغل بما عسى أن يصيب العرب من تلك الدنيا المقبلة والحياة المجلوة، وهو الذي يقول بعد أن وطئ المسلمون أعرف مدائن كسرى ليت بيني وبين فارس جبلا من نار لا نصل إليهم ولا يصلون إلينا.
стр. 389
وكانت رهبة الدين وهيبة الخلافة لا تزالان تعقدان على عيون العرب حجاباً لا ينفذ النظر منه إلى متاع الحياة، وكانوا لا يزالون من نشر دينهم على غاية لم يبلغوها وهي غاية تملك عليهم خواطر نفوسهم ومدارج أنفسهم فلا يشعرون إلا بها ولا يحيون إلا لها ولا يلمحون ما دونها فلم تأخذهم لذلك فتنة ولم تفتنهم شهوة، ولم تبهرهم زينة. ولعلك تعلم أن مما أثار الناس على الشهيد المظلوم
عثمان بن عفان وحملهم على اقتحام داره وسفك دمه ميله قليلا إلى ترفيه نفسه وساقوا من الأمثلة لذلك تعلية بيته وتزين جدرانه واتخاذ الوصائف لخدمته. وكانت فتنة عاتية قاتل فيها المسلمون بعضهم بعضاً وأذاقوا بعضهم بأس بعض ولم تنكشف حتى عصفت بعصر الخلافة وذهبت بجيل النبوة.
وجاءت الدولة الأموية، وفي عهدها أخذت رهبة الدين تنحسر عن قلوب العرب وقيلت أقوال لم تكن قبل تقال واجترحت أفعال لم تكن من قبل تفعل؛ وأي قول أشنع من أن يقوم شاعر مسلم بين سمع المسلمين وبصرهم فيقص عليهم حديث اعتدائه أعراض المسلمات ثم لا يجد من الناس دفعاً ولا استنكارا. بل أي جرم أبشع من أن يقف شاعر نصراني بين يدي الخليفة الأموي فيسخر من شريعة الإسلام بقوله:
ولست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بقائل كالعير يوما ... قبيل الصبح: حي على الفلاح
ولكني سأشربها صبوحاً ... وأسجد قبل منبلج الصباح
ثم لا ينثني من لدن الخليفة إلا مثوبا موفوراً.
وهل أتاك حديث أبنا النبي وأحبائه الذين عاهد الله المسلمين على مودتهم بقوله تعالت آيته (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) أرأيت كيف قتلهم رجال هذه الدولة على مدرجة الطريق طعنا بالرماح وحزّا بالسيوف وصبراً
стр. 390
بالظمأ ثم ساقوا نساءهم سواهم الوجوه حواسر الرءوس تحملهن الإبل المعراة من بطحاء كربلاء إلى مقرّ الملك الأموي بدمشق.
والمسلمون بمسمع وبمرصد ... لا جازع منهم ولا متصدع
على هذه السنن من العقوق للإسلام سار الأمويون في غزو مدينة رسول الله وإباحتها وهدم الكعبة وإحراقها.
وكان أكبر الظن بالقوم وتلك حالهم في انتهاك الحرمات أن يستمعوا بكل ما حوت البلاد المفتوحة من لذة ونعيم، لولا أن معاوية بن أبي سفيان شيخ بني أمية وفحل أجمعتهم نفخ في العرب روح العصبية العربية وحكم الأمم على أنهم السادة وغيرهم المسودون وأنهم الآمرون وغيرهم المأمورون فحجزهم بذلك عن مخالطة من يلونهم من الأمم إلا مخالطة الحذر المترفع الذي يرى الاتصال الوثيق بمواليه منقصة وعاراً.
ذلك إلى أن العرب قضوا الشطر الأكبر من ذلك العهد وهم فرق متناحرة، بعضهم لبعض عدو، ليس منهم إلا من كفر خصمه واستحل ذمه؛ فهناك أهل الشام ومن حولهم من الأعراب يشايعون بني أمية، وهناك أهل العراق يبثون الدعوة لبني هاشم، وهناك أهل الحجاز يلوذون بابن الزبير، وهناك الخوارج الذين خرجوا على الخلافة الموروثة والملك المغصوب، فأي أولئك يتسع له الوقت ليمرح في مجال اللهو ويأخذ بأسباب النعيم.
والحق أن شيئاً من وسائل اللهو وجُلب إلى الأمصار الثلاث دمشق والبصرة والمدينة وتذوقه الخواص من سادات العرب حين اطمأن وانقطعت أواصر الفتن، ومن هذه الملهيات فن الغناء، جاء به جماعة من موالي الفرس وعلموه القيان الفارسيات فأسمعن العرب أشعارهم موقعة على النغم الفارسي، على أن
стр. 391
ذلك لم يعد القليل من ذوي الجاه يسمعونه في كثير من التجمل والاعتدال.
وكان حكماء بني أمية وعظمائهم يتواصلون باجتناب السماع وما يستدعيه من تبسط وابتذال. وهذا الوليد بن عبد الملك يطرق سمعه غناء مغن في عسكره ويرى جارية من جواريه تصغي إلى الصوت فيدعو بالمغني ويأمر بخصائه ثم يأمر بخصاء مخنثي المدينة الذين يغشون الديار ويغنون نساءها بالصوت المخنث والكلام المبذول. وهذا مَسْلَمة بن عبد الملك يستمع غناء المغنيات في قصر أخيه
الخليفة سليمان فيزجره في غير رفق ولا هوادة فلا يسع الخليفة إلا أن يطوي بساط الغناء ثم لا يعود إليه.
وكان من سنة المستمعين من خلفاء بني أمية أن يجلسوا وبينهم وبين ندمائهم ستر مضروب تصوّناً واستتاراً واحتفاظاً بما يطلبه الملك من هيبة ووقار. ولقد مكن الخليفة الخليع الوليد بن يزيد لخصومه من أهل اليمن أن يهتكوا عليه ستر الخلافة ويقتحمون عليه دارة الملك ويقتلوه جهرة بين قومه وعشيرته لأنه انحرف عن سبيل آبائه إلى سبيل اللهو والخلاعة والابتذال. وفي ذلك يقول قائلهم:
قتلنا الفارس المختال لما ... أضاع الحق واتبع الضلالا
ألا أبلغ بني مروان عني ... بأن الملك قد أودى فزالا
ولم يكن للجواري في ذلك العهد شأن ولا خطر، فلم يُتخذن إلا قهارم للخدمة أو سراري للاستيلاد، وهم يسمون جفن سلاح تشبيهاً لها بغمد السيف الذي لا شأن له وإنما الشأن لما فيه. وقد ابتكر لهم هذه التسمية همَّام بن غالب الفرزدق في قوله وقد ماتت جارية حامل له:
وجفن سلاح قد رزئت فلم أُنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو آن المنايا أمهلته لياليا
стр. 392
وكانوا ينكرون الهُجناء - أبناء الإماء - أن يطلبون الخلافة ولو كانوا من بيت النبوة! وقد زجر هشام بن عبد الملك يزيد بن علي عن طلب الخلافة بقوله: بلغني انك تطلب الخلافة ولا تصلح لها لأنك ابن أمة!
وكان مسلمة بن عبد الملك أشجع إخوانه وأبعدهم همة، ورغم ذلك دُفع عن الخلافة دونهم لأنه هجين.
وكانت المرأة العربية بفضل تلك العصبية العربية في الذَّروة والسَّنام من الإعزاز والإكرام. فقد أصبحت تجر أذيال النعمة بين خدمها ووصائفها وترفع أعلام العزة
بين آلها وذويها من الخلفاء والأمراء والقادة والولاة ومن إليهم من كل ذي موقف مشهود ومقام محمود.
ولم يؤثر ذلك النعيم الذي اجتَلَته المرأة العربية في شيء من نقاء فطرتها ولا صفاء طبيعتها ولا قسوة نفسها ولا توفرها على تربية أبنائها لأن العصبية العربية استبقت للرجل حميته وغيرته وعفته، والرجل مرآة المرأة.
على أن هذه العصبية التي صنعت نفوس العرب عن التهور في ظلال الشهوات كانت مزلق الأمويين إلى السقوط الذي لا قيام بعده.
فإن الفرس الذين أوطنهم العرب مواطن الخسف وأوردهم موارد الهوان لم يطيقوا القرار على ذلك طويلا. وكيف يطيقونه وهم أهل الرأي والعلم والتدبير والعدد؟ وكيف يقرّون وقد وجدوا في صفوف العرب ثغرة يقاتلون منها الأمويين باسم الدين؟ أو لم يتتبع الأمويين سلالة النبي بالقتل والصلب والحبس والتشريد؟ فما لهم لا يغضبون لآل النبي ويثورون بهم ويتخذون من دمائهم وأشلائهم سهاماً مسدّدة على أعدأئهم؟ أو ليس قميص عثمان المخضب بدمه هو الذي جمع لمعاوية الجموع وساق له الجيوش حين نصبه للعيون بمسجد دمشق حتى لبس به قميص
стр. 393
الخلافة؟ إذاً فلتكن الدماء المراقة على بطحاء كربلاء هي التي تدك عروشهم دكا! والفرس أعرف أمم الشرق القديم بتدبير المكايد وتنظيم الثورات، ولا تنس أن العصبية العربية أرجعت العرب إلى قديم أمرهم قبل الإسلام من فرقة وشتات، فبعد أن كانوا جميعاً قلباً واحداً تهزه كلمة واحدة وتدفعه عقيدة واحدة وتجتذبه غاية واحدة أصبحوا شعوباً وقبائل! فهنالك قحطان وعدنان، وهنالك مضر وربيعة، وهنالك قيس وتميم، وهنالك فرعا قريش من أمية وهاشم، وكل منهم يفتخر بعزه القديم ومجده الصميم. وفي تفاريق هذه الفرقة جمع الفرس شملهم وألفوا وحدتهم وأحكموا مادّتهم وجمعوا عديدهم ثم استاقوا الجيوش الزاخرة من
إقليم خراسان فسارت حتى التقت بجيوش بني أمية على نهر الزاب ولم تكن إلا جولة بعد جولة حتى انتكثت شمل الأمويين والتاثت صفوفهم وتبدّدت جماعتهم وفر خليفتهم حتى لقي مصرعه في مصر، وعلى أنقاض ذلك الملك الدابر قامت خلافة بني العباس.
وكان ملك بني العباس ملكا فارسيا يعلوه خليفة عربي، فالفرس هم ركن الخلافة ودعامتها، وهم ولاتها وساستها، وهم كفاتها وقادتها، وهم مشيروها ووزراؤها، وهم مفكروها وعلماؤها، وهم كتابها وشعراؤها، وهم مغنوها وندماؤها. وانتقلت الخلافة من بلاد العرب إلى العراق الفارسي فأصبحت بغداد خلفاً من المدائن.
وأراد الفرس أن يخمدوا آخر جذوة من الحمية العربية وأن يقطعوا آخر عقدة من العصبية العربية فأجلبوا عليهم بكل ما يوهن النفوس ويصبي القلوب من سماع وشراب وكواعب أتراب، وأغرقوهم في بحر طام من السرف والترف والزهر واللهو والمحارم والمآثم، ولم يمض غير قليل حتى راح العرب يخطرون في مطارف الفرس ويلعبون في ملاعب الفرس ويشربون في مشارب الفرس ويتأدّبون بآداب الفرس ويتخلقون بأخلاق الفرس. والمرآة والرجل كقوتي الكهرباء إذا تأثر أحدهما تأثر الآخر، وكذلك بدأت المرأة العربية تتأثر.
стр. 394
وكانت تلك المرأة منزلة في القلوب تعنوا لها الوجوه وتطمئن دونها النفوس. ولم يكن مرجع ذلك لما لها من جلال ودلال وغضارة ونضارة وخلابة ودعابة، فما كانت من ذلك في قليل ولا كثير، ولكنها كانت فيما تفرّدت به بين نساء العصور الأولى من سموّ الروح إلى أبعد مرتقى، وصفاء النفس إلى أتم غاية، وكان من أثر ما ذاع عنها من نبل وسناء وعزة وكبرياء وجلال في الطبع والخلق، وترفع في القول والفعل، وإسعاد للزوج والولد، حتى كان من ثمرتها تلك الأمة التي جمعت أطراف الأرض وملكت نواحي الأمم في أقل من خمسين عاما. ومثل تلك
المرأة إذا انحرفت عن المحجة وانثنت عن الغاية وأسفت إلى اللهو واستراحت إلى الشهوات خمد منها روح السمو وانهتك عنها ستر الجلال، وذلك ما قاد المرأة العربية إلى شفير الهاوية.
وكانت أمور صرفت الرجل العربي عن المرأة العربية بعد أن كانت عينه التي بها يبصر، ويده التي عليها يعتمد، ونفسه التي بشعورها يشعر، وقلبه الذي بوعيه يعي؛ فلما أحاطت شهوته بعقله وغلبت مجانته على دينه وجد عن امرأته مصرفا، ثم ما زالت الصلة تهن والعقد تحلّ حتى استحال عدوّا لها يأخذ عليها مدارج أنفاسها ويحصي عليها لحظات عينها ونبرات صوتها وخطرات نفسها، وكان أشدّ ما فتن الرجل في نفسه وغلبه على عقله وصرفه عن امرأته ثلاثة أشياء:
الأول: الجواري اللواتي سباهن العرب من مختلف الأقطار والأمصار.
الثاني: الديارات التي بثها الروم والسريان وأشباههما في تفاريق البلاد لصرف العرب أولاً عن قوميتهم وأخيراً عن دينهم.
الثالث: ذيوع البغاء وأمثال البغاء في حواضر العراق.
وسنختص كلا من هذه الثلاثة بكلمة تكشف عن حقيقته وتبين ما كان له من عمق الأثر وبعد الخطر في الرجل العربي والمرأة العربية.
стр. 395
الجواري
كل ما وراء العدو من نفس ومال فهو في الله أفاءه على المسلمين وولىّ أمرهَ إمامهم، فإن شاء تجاوز عنه ومنّ به، وإن شاء بسط عليه يده وعاد به على ذوي الحق فيه.
وبحكم ذلك كانت بنات العدوّ ونسوته من مغانم الحرب في كل بلد كان السيف حكم فتحه وامتلاكه.
وقد خَلَصَ للمسلمين من وراء ذلك عدد لا يحده الإدراك من النساء على اختلاف
أسنانهن وأجناسهن وأخطارهن، ومنهن الفارسيات والتركيات والأرمنيات والجرجيات والشركسيات والروميات والبربريات والحبشيات، وفيهنّ بنات الأكاسرة والقياصرة والأساور والبطارقة من كل قاصرة الطرف ناعمة الكف لم تبتذلها المهن ولم تمتهنها المحن.
لم تَلْقَ بُؤساً ولم يضررُ بها عوز ... ولم تُرَجَّفْ مع الصالي إلى النار
وكان قواد الدولة وولاة الأمصار يجمعون من أولئك أنضرهن وأنداهن صوتاً وأمثلهن أدباً ويرسلونهن إلى الخليفة وهو يصطفي منهن من يشاء ويثيب وزراءه وندماءه وخلصاءه بمن يشاء.
ولقد ينبئك بما تجمع للخلفاء من الجواري ما روى ابن الأثير أن المتوكل أُهدي إليه في يوم واحد عشرون ألف جارية ولَهُن ولأشباههنّ بني قصر الجعفري حين ضاقت بهنّ مقاصير الخلافة في بغداد.
وممن حديث تلك الكثرة أن الرشيد أهديت إليه جارية رائعة الجمال فاحتفل بها احتفالا أخرج فيه من جواريه المغنيات وساقيات الشراب زهاء ألفي جارية في أحسن زي وأتم حلية، واتصل الخبر بزوجه زبيدة فالتهب صدرها غيظاً وغيرة، وفزعت إلى عُلَيّة بنت المهدي فصنعت لحناً بديعاً وخرجت هي وزبيدة في زهاء
стр. 396
ألفي جارية عليهن غرائب الثياب وكلهن بنشدن بصوت واحد ولحن واحد:
منفصلٌ عنَي وما ... قلبَيِ عنه منفصلْ
يا قاطعي اليوم لمِنْ ... نَوَيْتَ بعدي أنْ تصل
فطرب الرشيد وقام حتى استقبل زبيدة وعُليَّةَ وقال لم أر كاليوم قَطّ! يا مَسرور! لا تبقين من بيت المال درهما إلا نثرته، فكان مبلغ ما نثره يومئذ آلاف ألف.
وعلى هذا السنن من الكثرة سار الخلفاء ومن دونهم من ذوي النعمة والثراء. وربما وقعت الفتاة الرود في سَهْم الزاهد الراغب في المال عنها فيبيعها من المقَيَّن
وهو يذهب بها إلى جواريه فَيجْلُونها أحسن ويُزَيَّنها أنفس زينة ثم يعرضها للراغبين في معرضه من سوق الجواري أو يستبقيها في بيته ليُروَيها الشعر ويخرجها في الغناء، وبها وبمثلها تصبح داره مثابة القاصدين من الحلفاء ومن دونهم ليستروحوا منهن بحسن الحديث وطيب السماع، وربما رغب العظيم في اقتناء إحداهن فبذل لصاحبها غاية ما يتمناه.
وكان الجواري أنفسهن ما يتهادى به ذوو الأخطار! وأفضل ما يثاب به الأدباء والشعراء والسُّمار، وبذلك انبثتن في كل موطن وحللن في كل دار. وإذا آملك أن يَسبي العرب هذا العدد العديد من النساء فاعلم أنهن اللواتي سبين العرب وملكن أزمتهم ووطئن أكتافهم، واقتعدن ظهورهم، وضربن بينهم وبين نسائهم بسور له باب ظاهره الحسن والدلال، وباطنه الذل والوبال. ذلك أنهن أصبحن عقدة تلك الحياة التي لم يعصمها دين ولم يحط بها رفق ولم يخالطها وقار، حياة الشرف والترف والشهوات واللذات. وكان لهنّ من وسائل امتلاك قلوب العرب ما يروض كل عصى، ويستقيد كل أبي، ويستميل كل نافر، ويستذل كل جامح.
стр. 397
الجمال
وأول تلك الوسائل الجمال، وأنت تعلم أن العرب فتحوا بلادا ليس لبلادهم شيء صفاء جوّها، ولا رخاء عيشها، ولا اعتدال إقليمها، ولا رقة نسيمها، ولا انسجام نعيمها، ولا ابتسام زهرها، ولا ازدهاء شجرها، فما يمنع نساءها أن يكون على سواء أولئك صفاء وبهاء، وجمالا واعتدالا؟ وقد احتوى الجميع بلد واحد وغذتهنّ طبيعة واحدة ونفحتهن نسمة واحدة.
وكان من أيسر الأمور أن يطلب الجمال المطلق في واحدة فإن لم يكن ففي جماعة وهنّ من كثرة العد واختلاف النوع على مثال ما رأيت.
التجمل
وربما كان أفتن للعقول من الجمال، وأسبى منه للنفوس أن تحسن المرأة التجمل في زينتها وزينتها، وحديثها وإشارتها، وعبثها ودعابتها ودلها وخلاعتها، وجلوسها ومشيتها فتلك ضروب من الجمال لا يستوي النساء في تنسيقها ولا تأليفها. وربما أخرجتها المرأة في غير مُخرجها فأسأمت كل نفس وثقلت على كل روح، وقد تسيب بها مواضعها فتكون أمضى من الجمال سلاحا، وأعظم منه كبدا؛ والمرأة الفارسية أقدر نساء الشرق القديم على استلاب قلوب الرجال. ولقد شاء القدر أن تصارع المرأة الأجنبية ما في الرجل العربي من بداوة وحمية وعصبية فما زالت تفوق إليها من سهام الحسن المجلوب والجمال المخضوب ما مزق قوتها وأطفأ جمرتها. ولقد لذ هذا الصراع لبنات الفرس حتى الحرائر اللواتي لم يكتب عليهن رق ولم يفرض فيهن حق فكن يتزين بزي الجواري ويدلفن إلى سوقهن!! وعليهن الأوشحة والعصائب والأكاليل والتيجان، وبأيديهن المراوح وقد كتب على
стр. 398
كل ذلك بالذهب والجواهر من غرر الشعر ما تحار فيه القلوب والأبصار. فما كتبته إحداهنّ على جبينها بالمسك:
كتبت في جبينها ... بعبير على قمر
في سطور ثلاثة ... لعن الله من غدر
وتناولت كفها ... ثم قلت اسمعي الخبر
كل شيء سوى الخيا ... نة في الحب يغتفر
ومما كتبته أخرى على عصابتها:
فما زال يشكو الحب كأنما ... تنفس في أحشائه وتكلما
فأبكى لديه رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما
ومما كتبته أخرى:
الكفر والسحر في عيني إذا نظرت ... فاغرب بعينيك يا مغرور عن عيني
فإن لي سيف لحظ لست أغمده ... من صنعة الله لا من صنعة القين
ومما كتبته واحدة على هلال في صدرها:
أفلت من الحور الجنان ... وخلقت فتنة من يراني
وربما ظهرت الجارية في زي فارس فتقلدت السيف واعتقلت الرمح واتخذت المنطقة على خصرها والقلنسوة فوق رأسها.
ومما كتبته إحداهنّ على قلنسوتها:
تأمّل حسن جارية ... يحار بوصفها القمر
مذكرة مؤنثة ... فهي أنثى وهي ذكر
стр. 399
وعلى حمائل سيفها.
لم يكفِهِ بِعَيْنَيْه ... يقتل من شاء بحديه
حتى تردى مرهَفاً صارماً ... فكيف أبقى بين سيفيه
فلو تراه لابساً درعهُ ... يخطِر فيها بين صفيه
علمت أن السيف من طرفه ... أقتل من سيف بكفيه
وأشباه ذلك كثير.
إن القَيْنَةَ لا تكاد تناصح في ودها لأنا مكَتَسَبَة ومجبولة على نصب الحبالة والشرك للمتربطين ليقعُوا في أنشوطتها، فإذا شاهدها المشاهد رمتهُ باللحظ وداعبته بالنسم وغازلته في أشعار الغناء، ولهجت باقتراحاته، ونشطت للشرب، وأظهرت الشوق إلى طول مكثه، والصبابة لسرعة عودتهِ، والحزن لفراقهِ، فإذا أحسَّتْ بأن سِحْرها قد تغلب فيه، وأنهُ قد تغلغل في الشرك، تَزَيَّدَت فيما كانت قد شرعت فيه، وأوهمته أن الذي بها أكثر مما به منها، ثم كاتبته تشكو إليه هواها، وتقسم له أنها مدت الدواة بدمعها، وبلت السحاء بريقها، وأنه سبْحها وشجوها في فكرتها، وضميرها في ليلها ونهارها، وأنها لا تريد سواه، ولا تُؤثرُ أحداً على
هواه، ولا تنوي انحرافاً عنه ولا تريده لماله بل لنفسه، ثم جعلت الكتاب في سلاسل طومار وختمته بزعفران، وشدته بقطعة زير، وأظهرت سره عند مواليها ليكون المغرور أوثق بها، وألحتْ في اقتضاب جوانبه، فإن أٌجيب عنه ادّعت أنها صيرت الجواب سلوتها، وأقامت الكتاب مقام رؤيته، وأنشدت:
стр. 400
وصحيفة تحكي الضمير ... مليحةٍ نغَماتُها
جاَءت وقد فرح الفؤا ... دُ لطول ما استبطأتُها
فَضَحِكْتُ حين رأيتها ... وبكيت حين قرأتُها
عيني رأت ما أنكرت ... فتبادرت عبراتها
أظلوم نفسي في يديك ... حياتها ووفاتها
ثم تغنت حينئذ بـ:
إن كتاب نَدْماني مُحَدَّثي تارةً وريحاني
أضحكني في الكتاب ... ثم تمادى به فأبكاني
ثم تجنت عليه الذنوب، وتغايرت على أهله، ووصمتُهُ النظر إلى صواحبها، وسقته أنصاف أقدحها وجمشته بعُضُوض تفاحها، ومنحته من ريحانها، وزودته عند انصرافه خصلة من شعرها، وقطعة من مرْطها، وشظية من مضاربها وأهدت إليه في النيروز تكة وسكرا، وفي المرجان خاتماً وتفاحاً، ونقشت على خاتمها رسمهُ، وأبدت عند العثرة اسمهُ وغنته إذا رأته:
نظرُ المِحبَّ نعيم ... وصدوده خطر عليه عظيم
ثم أخبرته أنها لا تنام شوقاً، ولا تهنأ بالطعام وجداً عليه، ولا تمل - إذا غاب - الدموع فيه، ولا ذكرته إلا تنغصت، ولا هتفت باسمه إلا ارتاعت، وأنها قد جمعت قِنَّيَنَةً من دموعها من البكاء، وتنشد عند موافاة اسمه بيت المجنون:
وأهوى من الأسماء ما رافق اسمها ... وأشْبهَهُ أو كان منهُ مدانيا
وعند الدعاء به قوله:
وداع دعا نحن بالخيف من مني ... فهيج أحزان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائر كان في صدري
стр. 401
أدب الجواري
بذلك وأشبه استكمن الجواري من شهوات العرب، وبقي أن يملكن عليهم مجال أرواحهم، ويأخذن عليهم سبل مشاعرهم، ويحففن بهم من كل نواحيهم والعربي شاعر يهب الشعر قلبه وماله، طروب يهزه رزام الناقلة، ويبكيه نوح الحمام، وبلاد فارس بما حباها الله من حسن وإشراق، مشرق شمس الشعر، ومهبط وحي الغناء؛ وليس ينقص الفتاة الفارسية إلا أن تروي الشعر العربي حتى تكون شاعرة ساحرة، ومغنية مضنية، وذلك ما أقبل عليه الجواري ومؤدبوهنّ إِقبالا لا حدّ له.
وكان المقَيَنون يحتازون الجارية، فان وجدوا منها لباقة في اللفظ أو رخامه في الصوت دفعوا بها إلى المؤدين والمغنين فيروّونها الشعر ويلقنونها الغناء، فإن تم لها هذان نبه شأنها، وتنافس ذوو السلطان في ابتغائها والمغالاة بها، ولصاحبها من وراء ذلك ربح غير معدود، وحفظ غير محدود.
وكانوا قبل عهد بني العباس إلا يعلمون الغناء إلا الصفراء والسود، فلما ازدهر العهد العباسي وظهر إبراهيم الموصلي أخذ يختار الحسان ويعلمهن الغناء، فكانت داره أشبه ما تكون بمعهد موسيقى يتخرج فيه حسان المغنيات، فإذا تم ذلك لهن أخذ يبيعهن من الخليفة أو الوزير بما يكفل له الغنى والجاه والحظ العظيم.
وفيما فعله إبراهيم يقول أبو عيينة:
لا جزى الله الموصلي أبا إسحاق عنا ... خيراً ولا إحسانا
جاءنا مرسلا بوحي من الشيطان ... أغلى به علينا القيانا
من غناء كأنه سكرات الحب ... يصبي القلوب والآذانا
ولم يمضي غير قليل حتى ظهرت الفرس في ميدان الشعر العربي والغناء العربي بدافعن الشعراء والمغنين بالمناكب، وأخذن يفرغن على الشعر العربي حلة مذهبة
стр. 402
النسيج، واضحة النهج، صفيَّة الديباجة، خفيفة الروح؛ وفي مذاهبهم سار الْمُرقون من الشُّعراء، أمثال إبراهيم بن العباس، وعلي بن الجهم، ومهيار الديلمي، ومن ذهب مذاهبهم ودرج على آثارهم.
وكان هذا العصر عصر مطارحة للشعر بين الرجال والجواري، يبتدئ الشاعر ببيت من الشعر فتعارضه الجارية بمثله على وزنه وفي بقية معناه، وأكثر ما تكون الغلبة للنساء، فقد كُنَّ أسرعَ بديهة وأرقَّ طبعاً. ومن حديث ذلك أن اعرابيا ذهب إلى عنان جارية الناطفي وصاحبة أبي نواس فقال: بلغني أنك تقولين الشعر فقولي بيتاً. وكان السلوى الشاعر عندها فقال: قل أنت يا عم!! فقال السلوي:
لقد جدَّ الفراق وعيل صبري ... عشية عيُرهم للبين زُمَّت
فقال الأعرابي:
نظرات إلى أواخرها ضُحَّيا ... وقد بانت وأرض الشام أمَّت
فقالت عنان:
كتمت هواكم في الصدر مني ... على أن الدموع عليَّ نمت
فقال الأعرابي أنت والله أشعرنا ولولا أنكِ بحرمة رجل لقبلتك، ولكني أقبل البساط.
وممن بديع المطارحة أن علي بن الجهم ألقى على فضل الشاعرة بحضرة المتوكل بيتاً غريب القافية ليُعْجزها فقال:
لاذ بها يشتكي إليها ... فلم يجد عندها ملاذا
فما لبثت أن قالت:
ولم يزل ضارعاً إليها ... تهطل أجفانه رَذاذا
فعاتبوه فزاد عشقا ... فمات وجداً فكان ماذا
стр. 403
وسنسوق إليك في حديث الشواعر والمغنيات من ذلك شيئاً كثيراً.
ومن فضل الشواعر من الجواري على نظرائهن من الرجال أنهن كن يجمعن الشعر والغناء، فكانت الجارية تقول الشعر ثم تُوّقعه ثم تتغنى به فتخرجه أحسن مخرج وتؤثر به أنفذ تأثير.
بذل
ومن هلاء بذل المغنية جارية جعفر بن موسى الهادي، وكانت أستاذة محسن ومحسنة، وكانت فيما ذكروا أروى خلق الله للِغناء وأخبار المغنين، وكانت قولها إنها تروي ثلاثين ألف صوت، لها كتاب جمعت فيه اثني عشر صوت ويقال إنها كتبته في يوم وليلة! وهو قولٌ ظاهر الغلق على أنه دليل على ما بلغته في فنّها من سموّ وبُعد غاية.
وكان كلّ مغنّ يصف نفسه بالسبقِ في فنه والتفرّد في إحسانه إلا بين يدّي بذل فهنالك يتضاءل فخره ويلتبس سبيله حين تأخذ عليه نواحِيَ الفنّ فلا يجد عنها مَصْرفاً ولا مَحِيداً.
وكان إبراهيم بن المهدي سيد الغناء يعظمها ويتوافى لها، ثم تغير بعد ذلك استغناء بنفسه عنها، فصارت إليه، فدعا بعود فغنت في طريقه واحدة وإيقاع واحد وإصبع واحدة مائة صوت لم يعرفه إبراهيم منها صوتاً واحداً، ووضعت العود وانصرفت فلم تدخل داره حتى طال عناؤه فيها وطلابه لها وتوسله إليها.
ومن حديثهم أن شَيْخ المغنين إسحاق بن إبراهيم الموصلي خالف بذلا في نسبة صوت غنته في حضرة المأمون، فأمسكت عنه ساعة، ثم غنت ثلاثة أصوات وسألت إسحاق عن صانعها فلم يعرفه، فقالت للمأمون: يا أمير المؤمنين ثلاثة هي والله لأبيه أخذْتها من فيه! فإذا كان هذا لا يعرف غناء أبيه فكيف يعرف غناء لا
غيره؟! فاشتدّ ذلك على إسحاق حتى رُؤِىَ في وجهه.
стр. 404
وكانت بذل لجعفر بن موسى الهادي فوصفت لمحمد الأمين في عهد خلافته فبعث إلى جعفر يسأله أن يُزِيره بذلاً فلم يفعل، فوافاه الأمين في منزله فسمع من الغناء ما لم يسمع مثله قط، وأحب الخليفة أن تكون له بذل فاستامها من ابن عمه، فقال جعفر: يا سيدي مثلي جارية. قال هبها لي، قال: هي مدبرة، فاحتال الأمين عليه حتى أسكره وأمره بحمل بذل إلى حرَّقته وانصرف بها، فلما أفاق جعفر سأل عنها فأخبر الخبر فسكت، فبعث إليه الأمين من غده فجاء وبذل جالسة فلم يقل شيئاً، فلما أراد أن ينصرف قال الأمين: أوقروا حراقة ابن عمى دراهم. فأوقرت فكان مبلغ ذلك عشرين ألف ألف درهم، ووهب لها الأمين من الجواهر ما لم يملك أحد مثله وبعد مقتله رغب غليها وجوه القواد والكتاب وبني هاشم في التزويج، فأبت وأقامت في مواطن الإجلال من الخلفاء والأمراء وصدور الدولة حتى ماتت.
عنان
وهي أحسن شعراء بديهة وأسبقهم نادرة وأعذبهم حديثاً وكل ذلك في رقة وجمال قلّ أن يكون لغيرها، وهي من مولدات اليمامة وبها كانت نشأتها ثم اشتراها الناطفي أحد المُقيّنين في بغداد، فكان بيته من أجلها مندَى العظماء والشعراء والعلماء. وكان أمراء الشعر يأتونها فيلقون عليها البيت أو البيتين فتجيزهما بما لم يخطر لهم على بال.
ومن حديث مروان بن أبي حفصة شاعر المهدي والرشيد أن الناطفي لقيه فدعاه غلى بيته فانطلق معه، ودخل إلى عنان قبله، فقال لها: جئتك بأشعر الناس مروان ابن أبي حفصة، وكانت تشكو علة، فقالت إني عن مروان في شغْل. فأهوى إليها بالسوط، وقال لمروان، ادخل فدخل وهي تبكي ورأى الدمع ينحدر من عينها
فقال:
بكت عنانٌ فجرى دمعها ... كالدر إذ ينسلّ من خيطه
стр. 405
فقالت مسرعة:
فليت من يضربها ظالماً ... تجفّ يمناه على سوطه
فقال مروان: أعتق ما أملك إن كان في الجنّ والإنس أشعر منها.
وقيل: إن الرشيد جلس ليلة ومعه سُمَّاُه، فغناه بعض من حضر منم المغنين بأبيات جرير التي يقول فيها:
إن الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك ما يزال مَعينا
فطرب لها الرشيد طرباً شديداً، وقال لجلسائه: هل نمكم من يجيز هذه الأبيات وله هذه البدرة - وبين يديه بَدْرَة من دنانير - فلم يصنعوا شيئاً، فقال خادم من خاصة خدمه: أنا بها لك يا أمير المؤمنين، قال: شأنك، فاحتمل البدرة، ثم أتى الناطفي فقال: استأذن على عنان، فدخل وأخبرها الخبر، فقالت: ويحك وما الأبيات؟ فأنشدها إياها، فقالت اكتب:
هيجت بالقول قد قلته ... داءً بقلبي ما يزال كمينا
قد أينعت ثمراتهُ في روضها ... وسُقِين من ماء الهوى فَرَوِينا
كذب الذين تَقَوَّلوا يا سيَّدي ... إن القلوب إذا هَوَيْن هوِينا
فدفع إليها البدرة ورجع إلى هارون، فقال له: ويحك، من قالها؟ قال: عنان جارية الناطفي. فقال: حللتُ الخلافة من عنقي إن باتت إلا عندي. فاشتراها منه بثلاثين ألفاً.
وقال أحمد بن معاوية: تصفحت كتباً فوجدت فيها بيتاً جهدت جهدي أن أجد من يجيزه فلم أجد. فقال صديقي لي: عنك بعنان جارية الناطفي، فأتيتها فأنشدتها البيت وهو:
وما زال يشكو الحبَّ حتى رأيتهُ ... تنفَّس من أحشائه وتكلما
стр. 406
فلم تلبث أن قالت
ويبكي فأَبكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعاً بكيتُه دما
ودخل عليها أبان بن عبد الحميد وأبو العباس بن رستم وهي في خيش، فقال لها أبان: العيش في الصيف خَيشُ. فقالت مسرعة: إذا لا قتالٌ وجيش، فأنشدها أبو العباس بن رستم قول جرير:
ظللْت أْوارى صاحبيَّ صبابتي ... وقد عَلقَتْني من هواك عَلُوق فقالت مسرعة:
فقالت مسرعة
إذا عقل الخوفُ اللسان تكلَّمتْ ... بأسراره عين عليه نطُوق
ولعنان مع أبي نواس فصول طوال، وكان يتعرّض لها بما يظنه أن يحرجها، فتردّ عليه بما يُفحمه ويَقهره. وقد صرفنا القول عما تجاذباه من الشعر لأن أكثره مما يند على السمع ولهُجره ومجانته.
ومن حديث الجد بينهما أنه دخل عليها وهي جالسة تبكي لما أصابها من ضرب الناطفي، فأومأ هذا إلى أبي نؤاس أن يكلمها، فقال أبو نؤاس:
عنانُ لو وُجِدْتِ لي! فإنِّي من ... عمريَ في (آمن الرسول بما)
فقالت:
فإن تمادي ولا تماديت في ... قطعك حبلي أكن كَمن ختما
فقال أبو نواس:
عُلَّقْتُ مَنْ لو أتى على أَنْفُس الْ ... ماضِين والغابرين ما ندما
فقالت:
لو نظرت عينها إلى حجر ... ولّد فيه فتورها سقما
стр. 407
بصبص
جارية أوتيت كثيراً من ملاحة الوجه وسحر الغناء. تلقت صناعتها عن الطبقة الأولى من المغنين. وكانت في رق يحيى بن نفيس، وكان يحيى صاحب قيان، يُرَوَّيَهن الشعر ويعلمهن الغناء، ومن أجل ذلك كانت داره بالمدينة مهبطا للوجوه والأشراف، ووصفت للمهدي وهو ولي عهد فاشتراها بسبعة عشر ألف دينار، وقيل إنه استولدها ابنته عُلية، وكان عبد الله بن مصعب حفيد ابن الزبير يأتيها بالمدينة في فتيان قريش فيستمع منها، وكان من أشد الناس إعجابا بها، وفيها يقول حين قدم المنصور منصرفاً من الحج ومر بالمدينة:
أراحل أنت أبا جعفر ... جاوزت العيس مِنْ بَصْبصا؟
هيهات أن تسمع منها إذا ... جاوزت العيس بك الأعوصا
فخذ عليها مجلسَيْ لذة ... ومجلساً من قبل أن تشخصا
أحلف بالله يمينا ومن ... يحلف بالله فقد أخلصا
لو أنها تدعو إلى بيعة ... بايعتها ثم شققت العصا
وما كان أجرأ ذلك الفتى القريش على المنصور وهو الذي لا تأخذه في سفك الدماء ملامة ولا يثنيه عنها حرج، ولقد بلغ المنصور هذا القول فاشتد غضبه، ودعا الشاعر وقال له: أما إنكم يا آل الزبير قديما ما قادتكم النساء وشققتم معهن العصا حتى صرت أنت آخر الحمقى، تبايع المغنيات، فدونكم يا آل الزبير هذا المرتع الوخيم.
стр. 408
وفي بصبص يقول هرون بن محمد بن عبد الملك:
بصبص أنت الشمس مزدانةً ... فإن تبدلت فأنت الهلال
سبحانك اللهم ما هكذا ... فيما مضى كان يكون الجمال
إذا دعت بالعود في مشهد ... وعاونتن يمنى يديها الشمال
غنت غناء يستفز الفتى ... حذقاً وزان الحذق منها الدلال
وممن شغف بهذه الجارية من أبناء الأشراف: محمد بن عيس الجعفري وقد هام
بها طويلا ثم لما عز عليه طلابها سلى نفسه بعض السلو عنها، ومن حديثه أنه قال لصديق له لقد شغلتني هذه الجارية عن صنعتي وكل أمرى، وقد وجدت مس السلو عنها، فأذهبت بنا إليها حتى أكاشفها ذلك وأستريح فأتياها، فلما غنتهما قال لها محمد بن عيسى: أتغنين:
وكنت أحبكم فسلوت عنكم ... عليكم في دياركم السلام
فقالت: لا. ولكني أغني:
تحمل أهلها عنها فبانوا ... على آثار من ذهب العفاء
فاستحيا محمد، وبدل بالسلو كلفا ووجداً، وأطرق ساعة ثم قال لها: أتغنين:
وأخضع بالعتبى إذا كنت مذنباً ... وإن أذنبت كنت الذي أتنصل
قالت: نعم. وأغني أحسن منه.
فإن تقلبوا نقبل بمثله ... ونزلكم منا بأقرب منزل
فتقاطعا في بيتين وتواصلا في بيتين، وما شعر بهما أحد
وحضر أبو السائب المخزومي مجلساً فيه بصبص فغنت:
قلبي حبيس عليك موقوف ... والعين عبري والدمع مذروف
والنفس في حسرة بغصتها ... وقد شف أرجاءها التساويف
стр. 409
إن كنت بالحسن قد وصفت لنا ... فإنني بالهوى لموصف
يا حسرتا حسرة أموت بها ... إن لم يكن لي إليك معروف
فطرب أبو السائب ونعر، وقال لا عرف الله من لم يعرف لك معروفك، ثم أخذ قناعتها من رأسها ووضعه على رأسه وجعل يبكي ويلطم بأبي أنت، والله إَني لأرجو أن تكوني عند الله أفضل من الشهد لما تُوَليناه من السرور، وجعل يصيح: واغوثاه! يا الله ما يلقي العاشقون!
وحدّث عثمان بن محمد الليثي: قال كنت يوما في منزل ابن نفيس فخرجت إلينا
جاريته بصبص، وكان في القوم فتى يحبها، فسألته حاجة، فقام ليأتيها بها، فنسى أن يلبس نعله، ومضى حافياً فقالت يا فلان نسيت نعلك، فرجع فلبسها وقال: أنا والله كما قال الأول:
وحبك يُنسى عن الشيء في يدي ... ويشغلني عن كل شيء أحاوله
فأجابته فقالت:
وبي مثل ما تشكوه مني وإنني ... لأشفق من حب لذاك تزايله
دنانير
وهو اسم لجارتين.
أما الأول فجارية محمد بن كناسة، وكان ابن كناسة شاعراً في الطبقة الثانية من شعراء العهد العباسي، وكانت جاريته في مثل طبقته منهم، وممن حديثها ما رواه المرزباني عن بعض شعراء الكوفة، قال: قال لي محمد بن كناسة: اشتهت دنانير أن تنظر إلى الحيرة فهل لك أن تساعدنا؟ وكان الزمان ربيعا، فقلت نعم، فقال: تقدَّمْنا لنلحق بك، فقصدت الخورنق، وجلست في بعض المواضع المعشبة،
стр. 410
وإذا به أقبل على بغلة، ومعه دنانير على حمار، فنزلا وجلسنا، وقد سترت بعض وجهها عني، فقلت أداعبها - وكان محمد يأنس بي ويسكن إلي -: إنما تسترين وجهك عن شيخ، فقالت: طماح العين، فضحكنا ثم أخذنا ننظر إلى رياض الحيرة وبقاعها ونتذكر ما مضى بها من الزمان ونستحسن حمرة الشقائق على ائتلاف تلك الأنوار والألوان، فأخذ محموداً عوداً وكتب على الأرض:
الآن حين تزين القطر ... أنجاده ووهاده العفر
فقلت أحسنت وكتبت:
برية في البحر نايتة ... يجيء إليها البر والبحر
فكتبت:
وسرى الفرات على مياسرها ... وجرى على أيمانها النهر
وبدا الخورنق في مطالعها ... فرداً يلوح كأنه الفجر
كانت منازل للملوك ولم ... يعمل بها لمملك قبر
أقول ومن أشرف الشعر وأجزله وأنزهه قولها تخاطب أبا الشعثاء وكان رجلا عفيفا مزاحا، وكان يدخل إلى ابن يسمع غناءها ويعرض لها بأنه يهواها:
لأبي الشعثاء حب كامن ... ليس فيه نبضة للمتهم
يا فؤادي فازدجر عنه ويا ... عبث الحب به فاقعد وقم
زارني منه كلام صائب ... ووسيلات المحبين الكلم
صائد تأمنه غزلانه ... مثل ما نأمن غزلان الحرم
صَلَّ إن أحببت أن تعطي المنى ... يا أبا الشعثا لله وصم
ثم ميعاد يوم الحشر في ... جنة الخلد إنِ الله رحِم
стр. 411
وأما الثانية فجارية جعفر بن يحيى، كانت أنبه من الأولى ذكراً وأبدع شعراً وأتم ظرفاً وكمالا، وأزهى حسناً وجمالا، وأكثر رواية واطلاعا، واطلاعا، وأدق لحنا وإيقاعا، كانت لرجل من أهل المدينة وهو الذي خرّجها في الأدب والغناء، فلما رآها جعفر بن يحيى وقعت بقلبه فاشتراها، وكان الرشيد يسير إلى دار جعفر ليسمعها ويتحدث إليها حتى ألفها واشتد إعجابه بها فكان لما يشعر من شغفه بها ونزوعه غليها لا يطيق الصبر عن المسير إليها، وكان بره بها وألطافه لها مما ضرب به الأمثال. ومن ذلك أنه وهب لها ذات ليلة عقداً بثلاثين ألف دينار، وعلمت زبيدة كل ذلك فأحزنها ودفعها إلى شكوى الرشيد إلى عمومته فصاروا إليه جميعاً فعاتبوه فقال ما لي في هذه الجارية من أرب في نفسها وإنما أربي في غنائها فاسمعوها، فإن استحقت أن يُؤلف غناؤها وإلا فقولوا ما شئتم، فنقلهم إلى يحيى حتى سمعوها عنده فأولوه جانب العذر وعادوا إلى زبيدة فأشاروا عليها ألا
تلح في أمرها فقبلت ذلك وأهدت الرشيد عشر جوار لعله يسلو بهنّ عنها ومنهن مارية أم المعتصم ومرَاحل أم المأمون وماردة أم صالح.
ومما حدث به إبراهيم الموصلي: قال لي بن يحيى خالد إن ابنتك قد علمت صوتا اختارته وأعجبت به فقلت لها: لا يشتدُّ إعجابك حتى تعرضيه على شيخك فإن رضية فأرضَيهِ لنفسك، وإن كرهه فاكرهيه، فامض حتى تعرضيه عليه، فقلت له أيها الوزير فكيف إعجابك، فإنك والله ثاقب الفطنة صحيح التمييز قال أكره أن أقول لك أعجبني فيكون عندك غير معجب إذ كنت عند رئيس صناعتك تعرف منها ما لا أعرف وتقف من لطائفها على ما لا أقف، وأكره أن أقول لك لا يعجبني وقد بلغ من قلبي مبلغا محمودا، وإنما يتم السرور به إذا صادف ذلك منك استجادة وتصويبا، قال: فمضيت إليها، وقد كان تقدم إلى
стр. 412
خدمه يعلمهم بأنه سيرسل بي إلى داره، فأدخلْت، وإذا بالستار قد نصبت، فسلمت على جارية من وراء الستارة فرددت السلام وقالت: يا أبت أعرض عليك صوتا قد تقدم. ولا شك إليك خبره، وقد سمعتُ الوزير يقول إن الناس يُفْتنون بغنائهم فيعجبهم منه ما لا يعجب غيرهم يفتنون بأولادهم فيحسن في أعينهم منهم ما ليس يحسن، وقد خشيت على الصوت أن يكون كذلك، فقلت هاتِ، فأخذت عودها وتغنت تقول:
نفسي أكنتُ عليك مدعيا ... أم حين أزمع بينهم خُنْتِ؟
إن كنت مُولَعة بذكرهم ... فعلى فراقهم ألا مُتَّ؟
قال فأعجبني والله غاية العجب، واستخفني الطرب حتى قلت أعيديه فأعادته وأنا أطلب لها موضعاً أصلحه، وأغَيَّره عليها. لتأخذه عني، فلا والله ما قدرت، ثم قالت لها أعيديه الثالثة، فأعادته فإذا هو كالذهب المصفى، فقالت أحسنت يا بنية، وأصبت، وقد قطعت بحسن إحسانك، وجودة إصابتك، ثم خرج، فلقيه يحيى فقال: كيف رأيت صنعه ابنتك دنانير قال: أعز الله الوزير والله ما يحسن كثير من
حذاق المغنين مثل هذه الصنعة، ولقد قلت لها أعيديه. وأعادته علىَّ مرات، كل ذلك أريد إعناتها لأجتلب لنفسي يؤخذ عني وينسب إلىّ فلا والله ما وجدته.
وإذا شئت أن تعرف ما لهذه الجارية من بعد الشأو في الشعر، ولطف المدخل في الغناء، فإليك قول جحطة البرمكي: كنت وابن جامع نعاني دنانير جارية البرامكة فكثيراً ما كانت تغلبنا وكلا هذين الرجلين قطب من أقطاب الغناء، في الدولة العباسية، وعلم من أعلامه.
ومن حديث وفائها لمواليها، أن الرشيد دعل بها بعد أن أوقع نكبته بالبرامكة، فأمرها أن تغني، فقال يا أمير المؤمنين، إني آليت ألا أغني بعد سيدي أبداً،
стр. 413
فغضب وأمر بصفعها فصفعت، وأقيمت واقفة، وأعطيت العود، فأخذته وهي تبكي أحرّ بكاء واندفعت فغنت:
يا داري سلمى بنازح السَّنَد ... من الثنايا ومسقط اللَّبد
لما رأيت الديار قد درسَت ... أيقنت أ، النعيم لم يَعُد
فرق لها الرشيد وأمر بإطلاقها، فانصرفت.
ولدنانير كتاب في الغناء يعده أهل الفن أصلا من أصوله، ومرجعاً من مراجعه
عريب
وهي فتنة هذا العصر، وعقدة سحره، وملتقى بدائعه، ومجتمع نوادره، نشأت في دار جعفر بن يحيى البرمكي، وقيل إنها من إحدى جواريه، ثم جحد البرامكة نسبتها، وبيعت فيمن بيع من جواري جعفر بعد نكبة، ثم احتازها ثمانية من خلفاء هذه الدولة، أولهم الأمين، وآخرهم المعتز، وما منهم إلا من يعدها زينة قصره، وآية عصره، وإليها اجتمعت محاسن هذا الجيل، وفيها انتظمت مواهبهم، من حسن الحظ، وحلاوة شعر، وجمال صورة، وغاية ظرف، وجودة ضرب، ودقة غناء، وفيها يقزل غسحاق الموصلي ما رأيت امرأة أضرب من عريب، ولا أحسن صنعة، ولا أجمل وجها، ولا أخف روحاً، ولا أحسن خطاباً، ولا أسرع جواباً، ولا ألعب بالشطرنج والنرد، ولا أجمع لخصلة حسنة، لم أر مثلها في امرأة
غيرها، وإسحاق أمام أئمة هذا الفن، وشهادته لها مقطع الرأي وفصل الخطاب، وقد ذكر هذه الشهادة حماد بن إسحاق لقاضي يحيى بن أكثم فقال: صدق أبو محمد، هي كذلك، قال: أسمعتها، قال نعم هناك يعني في دار المأمون قال أفكانت كما ذكر أبو محمد في الحذق، قال يحيى: هذه المسألة الجواب فيها على أبيك هو أعلم بها مني.
стр. 414
وكان المأمون مشغوف بحبها، وقد ذكر صاحب نهاية الأرب أنه خلع في حبها عذار الخلافة حتى قبل مرة قدمها، وقد نسبت هي إليه فقيل لها عريب المأمونية، وكان إسحاق قد وصفها له قبل أن تصير غليه فأمره أن يشتريها بمائة ألف درهم، وأعطى إسحاق في وساطة شرائها مائة ألف أخرى. وقال إبراهيم بن رباح - كاتب ديوان المأمون - فلما أرادت أن أثبت هذا القدر من المال كتبت إن المائة الألف خرجت في ثمن جوهرة، ومائة الألف الأخرى خرجت لصائغها ودلالها، فجاء الفضل بن مروان - الوزير - إلى المأمون، وقد رأى ذلك وأنكره، وسألني عنه فقلت نعم، هو ما رأيت، فسال المأمون عن ذلك فقال: وهبت لدلال وصائغ مائة ألف درهم! وغلظ القصة، فأنكرها المأمون، ودعاني فدنوت، وأخبرته أن المال الذي خرج في ثمن عريب، وصلة إسحاق وقلت أيما أصوب يا أمير المؤمنين ما فعلت، أم أثبت في الديوان أنها خرجت ثمن مغنية وصلة مغن؟ فضحك المأمون وقال: الذي فعلت أصوب ثم قال للفضل بن مروان يا نبطّي لا تعترض على كاتبي هذا في شيء.
وما أظن أن المرأة بلغت في هذا العصر من نباهة الشأن وبعد الشأو ما بلغته عريب بل لا أظن مغنية في أي عصر من العصور نالت من الحظوة والجاه بين صدور الدولة وأعوان الخليفة ما بلغته هذه المرأة الممتازة بين النساء.
ومن حديث إبراهيم بن محمد اليزيدي أحد أصحاب المأمون قال: كنت مع المأمون
في بلد من بلاد الروم فبينا أنا في ليلة مظلمة شاتية ذات غيم وريح؛ وإلى جانبي قبة، فبرقت برقة وإذا في القبة عريب، قالت: إبراهيم بن اليزيدي؟ قالت لبيك! قالت قل في هذا البرق أبياتا ملاحا لأغنى فيها، فقلت:
ماذا بقلبي من أليم الخفق ... إذا رأيت لمعان البرق
من قبل الأردن أو دمشق ... لأن من أهوى بذاك الأفق
стр. 415
خالفته وهو أعز الخلق ... علىّ والزور خلاف الحق
ذاك الذي يملك مني رقي ... ولست أبغي ما حييت عتقي
قال فتنفست نفساً ظننت أنه قطع حيازيمها، فقلت ويحك! على من هذا؟ فضحكت، ثم قالت: على الوطن، فقلت هيهات! ليس هذا كله للوطن، فقالت ويلك! أفتراك ظننت أنك تستفزني! والله، لقد نظرتُ نظرة مريبة في مجلسي، فادع لها أكثر من ثلاثين رئيساً، والله ما علم أحد منهم لمن كانت إلى هذا اليوم.
وكان بينها وبين إبراهيم بن المدبر أحد ولاة الدولة وكتابها وسراتها صحبة صادقة وودّ مكين، لم يجاوز ود للأديب، ثم حدث عتب فاحتجت عنه، وجد به الشوق والحنين إليها، وقال في ذلك - وهو مما يُتغنى به: -
إلى الله أشكو وحشتي وتفجعي ... وبعد المدى بيني وبين عريب
مضى دونها شهران لم أخلُ منهما ... بعيش ولا من قربها بنصيب
فكنت غريباً بين أهلي وجيرتي ... ولست إذا أبصرتها بغريب
وإن حبيباً لم ير الناس مِثله ... حقيق بأن يفدَى بكل حبيب
وحدث أن اجتمع إبراهيم بن المدبر وعبد الله بن حمدان وابن منارة والقاسم في بستان بالمُطيرة في يوم يقطر أحسن قطر، ويُجتلي فيه أطيب العيش، قال عبد الله بن حمدان فلم نشعر إلا بعريب قد أقبلت من بعيد، فوثب إبراهيم بن المدير من بيننا فخرج حتى تلقاها، وأخذ بركابها حتى نزلت، وقبّل الأرض بين يديها فجاءت
وجلست، وأقبلت عليه مبتسمة، وقالت: إنما حننتُ إلى مَن هنا لا إليك، فاعتذر لها. وقال:
بأبي من حقق الظن به ... فأتانا زائراً مبتديا
فكان كالغيث تراخي مدة ... وأتى بعد قنوط مُرْويا
стр. 416
طاب يومان لنا في قربة ... بعد شهرين لهجر مضيا
فأقرَّ الله عيني وشفى ... سَقَماً كان لجسمي مبليا
وقال فيها:
ألا يا عريب وقيت الردى ... وجنبك الله صرف الزمن
فإنك أصبحت زين النساء ... وواحدة الناس في كل فن
فقربك يدنى لذيذ الحياة ... وبعدك ينفي لذيذ الوسن
فنعم الأنيس ونعم الجليس ... ونعم السمير ونعم السكن
ثم قال فيها وفي جاريتها بدعة وتحفة:
إن عريباً خلقت وحدها ... في كل ما يحسن من أمرها
ونعمة الله في خلقه ... يقصر العالَمُ في شكرها
أشهدني جاريتاها على ... أنهما محسنتا دهرها
فبدعة تبدع في شجوها ... وتحفة تتحف في زمرها
يا رب أمتعها بما خُوَّلت ... وامدد لنا يا رب في عمرها
وكانت عريب على موعد من زيارة إبراهيم، فلما كانت في صباح يوم الموعد لم تجد نشاطاً للزيارة، فأرسلت إليه بدعة وتحفة تحملان منها هذه الرسالة:
بنفسي أنت وسمعي وبصري - وقَلَّ ذلك لك، أصبح يومنا هذا طيباً طَّيب الله عيشك - قد احتجبت سماؤه، ورق هواؤه، وتكامل صفاؤه، وكأنه أنت في رقة شمائلك، وطيب محضرك ومخبرك، لا فقدت ذلك منك، ولم يصادف حسنُه
وطيبه منا نشاطاً ولا طرباً لأمور صدتني عن ذلك، أكره تنغيص ما أشتهيهِ لك من السرور بشرحها، وقد بعثت إليك ببدعة وتحفة ليؤنساك وتُسر بهما، سرك الله وسرني بك.
стр. 417
فكتب إليها:
كيف السرور وأنت نازحة ... عني وكيف يسوغ لي الطرب
إن غبت غاب العيش وانقطعت ... أسبابه وألحت الكرب
وابتدأ الجواب، فلم تلبث أن جاءت على حمار فبادر إليها وتلقاها حافيا حتى جاء بها إلى صدر المجلس، يطأ الحمار بساطه وما عليه حتى أخذ بركابها فأجلسها في مجلسه وجلس بين يديها، ثم قال:
ألا ربَّ يوم قصر الله طوله ... بقرب عريب، حبذا هو من قرب
بها تحسن الدنيا وينعم عيشها ... وتجتمع السراء للعين والقلب
وكان يطيف الخاطر بعؤيب فتقوله شعراً ثم تصوغه لحناً ثم توقعه غناء يستطير قلب الحكيم ويستخف وقار الحليم، ومن شعرها ولحنها وغنائها قولها:
لو كان يقدر أن يبثك ما به ... لرأيت أحسن عاتب يتعتب
حجبوه عن بصري فمثَّل شخصه ... في القلب فهو محجب لا يحجب
ومنه:
أما الحبيب فقد مضى ... بالرغم مني لا الرضا
أخطأ في تركي لمن ... لم أُلْفَ عنه مُعْرضا
ومنه:
إذا كنت تحذر ما تحذر ... وتزعم أنك لا تجسر
فما لي أقيم على صبوتي ... ويوم لقائك لا يقدر
ومن بديع إجازتها للشعر وتضمينها إياه، ما حدّث على ابن المنجم، قال:
دخلت يوما على عريب مسلماً عليها، فلما جلست هطلت السماء بمطر عظيم، فقالت: أقم عندي اليوم حتى أغنيك أنا وجواري وأبعث إلى من أحببت من
стр. 418
إخوانك، فأمرت بدوابي فردت، وجلسنا نتحدّث، فسألتني عن خبرنا بالأمس في مجلس الخليفة الواثق ومن كان وأي شيء استحسناه من الغناء، فأخبرتها أنّ صوت الخليفة كن لحناً صنعه بنان المغني من الماخوري، وكان من أعلم الناس باللحن والإيقاع فقالت وما هو؟ فقلت:
تجافي ثم تنطبق ... جفون حشوها الأرق
وذي كلف بكى جزعا ... وسفرُ القوم منطلق
به قلق يململه ... وكان وما به قلق
جوانحه على خطر ... بنار الشوق تحترق
فوجهت عريب رسولا إلى بنان فحضر وقد بلته السماء، فأمرت بخلع فاخرة فجعلت عليه، وقدّم له الطعام فأكل، وجلس يشرب معنا، فسألته عن الصوت فغناها إياه، فأخذت دواة ورقعة وكتبت:
أجاب الوابل الغَدِق ... وصاح النرجس الغَرِق
وقد غنى بنان لنا ... جفون حشوها الأرق
فهاك الكأس مترعة ... كأن ختامها حدق
قال علي بن المنجم: فما شربنا يومنا إلا على هذه الأبيات.
ومن عجيب وفاء عريب لفنها ونسيان ذاتها في سبيله ما حكاه صالح بن علي بن الرشيد قال: تمارى خالي أبو علي والمأمون في صوت، فقال المأمون أين عريب؟ فجاءت وهي محمومة، فسألها عن الصوت فقالت فيه بعلمها، فقال لها غنيه، فولت لتجيء بالعود، فقال غنيه بلا عود. فاعتمدت من الحمى على الحائط وغنت، وأقبلت عقرب فرأيتها وقد لسبت يدها مرتين أو ثلاثا فما نحت يدها ولا
سكتت حتى فرغت من الصوت، ثم سقطت وقد غشى عليها.
стр. 419
ومن بديع منطقها ما حدثوا أن المأمون عتب عليها فهجرها أياما، ثم اعتلت فعادها، فقال كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت يا أمير المؤمنين لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذم بدء الغضب حمد عاقبة الرضا، فخرج المأمون إلى جلسائهِ فحدثهم بالقصة ثم قال: أترى لو كان هذا من كلام النَّظَّام ألم يكن كثيراً؟
ولما قبل المأمون قدمها قالت: والله يا أمير المؤمنين لولا ما شّرفها الله من وضع فمك الكريم عليها لقطعتها، ولكن لله ألا أغسلها لغير وضوء أو طهر إلا بماء الورد ما عشت. فكانت تفعل ذلك إلى أ، ماتت.
فضل
وعزيز علينا القول عن فضل في صفحة أو صفحتين فإن في ذلك الإجمال مظلمة للأدب العربي لا يبلغها العذر.
نشأت فضل بالبصرة في دار شاعر من بني عبد القيس، وبالبصرة تأدبت وتخرجت ثم اشتريت وأهديت إلى المتوكل، وكانت في الغاية العلياء من قسامة الوجه، وحلاوة الطبع، وحسن البديهية، وظرف الحديث، أما الشعر فيه نسيج وحدها، بل إنك لا تجد لها في شواعر النساء ضريبا منذ جرى على ألسنتهن الشعر، وكان عصر المتوكل عصر الشعر الساحر الذي ينبعث عن الطبع الرقيق، وقد اجتمع فيه من الشعراء المُرَقَّقين ذوي الديباجة المُذْهَبة والأسلوب الغنائي البديع ما لم يجتمع في عصر من العصور، ففيه ظهر البحتري وسعيد بن حُمَيد وعلي بن الجهم وإبراهيم بن العباس وابن الرومي وأشباههم وفيه ظهرت فضل فما قصرت عن هؤلاء جميعاً، وكثيراُ ما تقدمتهم في الشعر الغنائي الذي يعتمد على فرط الرقة وقوّة التأثير وكم من الشعراء من يحسن أن يقول:
стр. 420
الصبر ينقص والسَّقام يزيد ... والدار دانية وأنت بعيد
أشكوك أم أشكوك إليك فإنه ... لا يستطيع سواهما المجهود
ومن ذا الذي يستمع قولها في المتوكل يتغنى به:
إن من يملك رقي ... مالك رق الرقاب
لم يكن يا أحسن العا ... لم هذا في حسابي
ثم لا تميد به النشوة ويستخفه الطرب.
وهل يحسن البحتري وأشباه البحتري أن يقولوا خيراً مما تقول فضل:
لأكتمن الذي بالقلب من حُرَق ... حتى أموت ولم يعلم به الناس
ولا يقال شكا من كان يعشقه ... إن الشكاة لمن تهوى هي الياس
ولا أبوح بشيء من كنت أكتمه ... عند الجلوس إذا ما دارت الكاس
وانظر إلى استراضة الشعر لها، وانسياغه على لسانها يوم أهديت إلى المتوكل فقال لها أشاعرة أنت؟ فقالت كذا زعم من باعني واشتراني، فضحك وقال أنشدينا من شعرك، فقالت:
استقبل المَلكَ إمام الهدى ... عام ثلاث وثلاثينا
خلافة أفضت إلى جعفر ... وهو ابن سبع بعد عشرينا
إنا لنرجو يا إمام الهدى ... أن تملك الناس ثمانينا
لا قدّس الله امرأ لم يقل ... عند دعائي لك آمينا
وكانت فضل مضرب المثل في حسن البديهة وقوة الارتجال.
ومما حدث ابن طاهر أن بعض الشعراء ألقى عليها قوله:
ومستفتح باب البلاء بنظرة ... تزود منها قلبه حسرة الدهر
فقالت مسرعة:
فوالله ما يدري بما جنت ... على قلبه أم أهلكته وما تدري
стр. 421
ومن حديث الفضل بن العباس الهاشمي أن المتوكل خرج متوكئاً على جاريتيه فضل وبنان، فقال لهما أجيزا قول الشاعر:
تعلمت أسباب الرضا خوف سخطه ... وعلمه حبي له كيف يغضب
فقالت فضل:
تصد وأدنو بالمودة جاهداً ... ويبعد عني بالوصل وأقرب
وقالت بنان:
وعندي له العتبى على كل حالة ... فما منه لي وما منه مذهب
وكانت فضل على بعد مرامها في الشعر بعيدة الغاية في النثر، ومما قاله إبراهيم ابن المهدي فيها: كانت فضل الشاعرة من أحسن خلق الله خطا، وأفصحهم كلاماً وأبلغهم في مخاطبة، وأثبتهم في محاورة، قلت يوماً لسعيد بن حميد: أضنك يا أبا عثمان تكتب لفضل رقاعها، وتقيدها وتخرجها؛ فقد أخذت نحوك في الكلام وسلكت سبيلك، فقال لي وهو يضحك، ما أخيب ظنك! ليتها تسلم مني لأخذ كلامها ورسائلها والله يا أخي لو أخذ أفضل الكتاب وأماثلهم عنها لما استغنوا عن ذلك.
وبعد فكان أن نستوفي القول عن هذه الجارية ونبين ما لها على الأدب العربي من فضل وجميل، لولا أن المقام لا يتسع لأكثر من ذلك، ولعلنا نوفيها القول فيما نكتبه عن أدب النساء في كتاب خاص.
محبوبة
وهي من نظائر فضل في نشأتها وتربيتها وإهدائها إلى المتوكل، فالبصرة نشأت وفيها تخرجت، وكانت أجمل من فضل وجها وأعلى نفساً وأشبه بها في رقة طبعها وعذوبة لفظها وحضور خاطرها وقوة ارتجالها وإن وقعت دون غايتها في ذلك كله.
стр. 422
ومن حديثها أم قبيحة حظية المتوكل كتبت على خدها بالغالية جعفر وهو اسم المتوكل فأعجبه ذلك منها، وطلب إلى علي بن الجهم أن يقول في ذلك شعراً، وكانت محبوبة حاضرة، فلم تدع لابن الجهم وقتاً يفكر فيه واندفعت من فورها تقول:
وكاتبة بالمسك في الخدّ جعفرا ... بنفسي محطَ المسك من حيث أثرا
لئن كتبت في الخد سطراً بكفها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا
فيا من لمملوك لمِلْك يَمينِه ... مطيع له فيما أسر وأظهرا
ويا من هواها في السريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك وأظهر
وكان في المجالس علي بن يحيى المنجم أحد شعراء المتوكل وندمائه، فبقى الشاعران واجمين لا ينطقان بحرف، وأرسل إلى عريب فلحنت الشعر وغنى الشعر وغنى به المغنيات. ومن حديث علي بن الجهم قال:
كنت يوماً عند وهو يشرب، ونحن بين يديه، فدفع إلى محبوبة تفاحة مغلفة، فقبلتها وانصرفت من حضرته إلى الموضع الذي كانت تجلس فيه إذا شرب ثم خرجت جارية لها ومعها رقة فدفعتها إلى المتوكل، فقرأها وضحك ضحكاً شديداً، ثم رمى بها إلينا فقرأناها، وإذا فيها:
يا طيب تفاحة خلوت بها ... تشعل نار الهوى على كبدي
أبكي إليها وأشتكي دنفي ... وما ألاقي من شدة الكمد
لو أن تفاحة بكت لبكت ... من رحمتي هذه التي بيدي
إن كنت لا ترحمني ما لقيت ... نفسي من الجهد فارحمي جسدي
وكان المتوكل لا يكاد يفارق محبوبته وقتاً من الزمان، حتى إنه وهو في مجلس خلافته كان يجلسها خلف ستر وراء الستر فيكلمها، ثم غاضبها يوماً فهجرها ومنع جواريه أن يكلمنها وانقطعت عنه وانقطع عنها، ثم أخبرته وصيفة بأنها في
стр. 423
حجرتها تغني، فذهب حتى انتهى إلى حجرتها واستمع إليها فإذا هي تغني بقولها:
أدور في القصر لا أرى أحداً ... أشكو إليه ولا يكلمني
حتى كأني ركبت معصية ... ليست لها فدية تخلصني
فهل لنا شافع إلى ملك ... قد زارني في الكرى فصافحني
حتى إذا ما الصباح عاد لنا ... عاد إلى هجره فصالحني
ولما قتل المتوكل تفرق جواريه فكان مصير محبوبة إلى وصيف أحد المماليك الذين جلبهم المعتصم ثم غفل عنهم الزمان فأصبح لهم في هذه الدولة ملك وسلطان. وكان مصيرها إليه في كثير من جواري المتوكل، فلما انتهين إليه جلس للشرب وأحضرهن عليهن الثياب المذهبة والجواهر الوضاءة وقد تصنعن وتطيبن إلا محبوبة فإنها جاءت مرهاء متسلية حزناً على المتوكل، فغنى! فأخذت العود وغنت وهي تبكي وتقول:
أي عيش يطيب لي ... لا أرى فيه جعفرا
ملكا قد رأته عين ... ي قتيلاً معفرا
كل من كان ذَا هُيَا ... م وحزن فقد برا
غير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشتوى
لاشترته بملكها ... كل هذا لتُقبرا
إن موت الكئيب ... أصلح من أن يعمرا
فاشتد ذلك على وصيف وهم بقتلها، وكان بَغَا حاضراً - وهو خدينة وقسيمة في التغلب على الملك والعبث بالخلافة - فاستوهبها منه، فوهبها له، فأعتقها وأطلقها
стр. 424
فخرجت من سَّر مَن رأى إلى بغداد واحتجزت عن لقاء الناس حتى ماتت.
وبعد، فإلى هذا الحد من الشواعر والمغنيات يقف القلم، وما نحاول أن نستوعب الموضوع أو نحيط، به لنه أوسع من أن يحاط به، وإذا استصفينا من ذلك شيئاً
فحسبنا أن نقول إن أولئك الجواري أتين في الشعر والغناء ببدع جديدة؛ فالرقة النادرة، والخفة الساحرة، والأنوثة الظاهرة، وكل ما من شأنه أن يسترق عقول السامعين ويستخف ألبابهم كل ذلك كان أوضح ما عرف به جواري هذا العصر، وإذا علمت أن للمغنية من وسائل توطين النفوس وترويض الأرواح والاحتكام بالخواطر والمشاعر، والإمعان في الأعماق والسرائر ما لا يتاح للرجل شيء منه سهل عليك، أن تعرف قدر ما وصل النساء بهذا الفن من بعد الغاية وعلو المكان، وإذا قيل إن هناك أئمة الغناء من الرجال أمثال إبراهيم الموصلي وولده إسحاق وإبراهيم بن المهدي وأشباههم قلنا إن هؤلاء لم يكن يصطفيهم إلا الآحاد المعدودون من خلفاء الدولة وصدورها، فكان غناؤهم خبراً من الأخبار أما أولئك النساء فقد كن في منال العيون والأسماع فغلب ذكرهن على الألسنة وشاع حكمهن على النفوس، وفوق ذلك كن الحسن والإحسان في ملك وسلطان، حتى قال فيلسوف العرب وإمام مفكريهم أبو نصر الفاربي إن هذا الفن لا يسمع من لحية وشارب ولقد صور الشاعر البحتري هذا الأسلوب الذي أمتاز به المغنيات بقوله:
وأشارت على الغناء بألحا ... ظ مراض من التصابي صحاح
فطربن لهن قبل المثاني ... وسكرنا منهن قبل الراح
стр. 425
غلبة الجواري على قلوب العرب
أما بعد فذلك الذي أسلفناه من فنون الجمال والتجمل عند الجواري لم يكن كل ما ملكن من مواهب، وما سلكن من مذاهب، وما ارتدين من حسن وإحسان، وما ابتدعن من فن وافتنان، وليس في الكتاب مستفاض لأصفهن لك طاهيات طعام، أو ساقيات شراب، أو سامرات ليل، أو ناسقات بيت. على أنهن في جملة ذلك كن صورة الحياة الناعمة، والحضارة الباسمة، والعيش الرغيد، فأنت إذا تناولتها من أشتات نواحيها لا تجد إلا بهجة باهرة، وفتنة ساحرة، وكان أول آثار ذلك غلبتهن
على قلوب الرجال، واستحواذهن على عقولهم، حتى لقد هتكوا فيهن ستر كل حشمة وخلعوا عذار كل وقار.
وكانت بيوت الخلفاء مسْتن القدوة ومسار الأمثال في كل ذلك، وأول من بذل نفسه، ورأيه، وذخره، وجلال منصبه لهؤلاء الجواري الخليفة الثالث محمد المهدي ابن أبي جعفر المنصور، وما كذلك كان السفاح والمنصور من قبله.
أما السفاح فكان عصر عزم ومضاء وهدم وبناء، فلم يكن له متسع للهو ولا سبيل إلى النساء.
وأما المنصور فقد ملك عليه بناء الملك وتوطين دعائمه وتوفير المال لتشييده سبيل خواطره ومشاعره. وكان بخيلا غيوراً مسوقاً إلى الجد من الأمر مخوفا مهيبا. وربما مال قليلا إلى التبسط للسماء فلم يكن يظهر لنديم، ولا رآه أحد يشرب غير الماء، وكان بينه وبين الستارة عشرون ذراعاً وبين الستارة والندماء مثلها، فإذا غناه المغني فأطربه حركت الستارة بعض الجواري فاطلع إليه الخادم صاحب الستارة فيقول قل له أحسنت بارك الله فيك، وربما أراد أن يصفق فيقوم عن مجلسه
следующие страницы →