← Фикх общий

Фикх общий · id 37059

المرأة العربية في جاهليتها وإسلامها

عبد الله العفيفي

Полный текст (543 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ومن حديث الفضل بن العباس الهاشمي أن المتوكل خرج متوكئاً على جاريتيه فضل وبنان، فقال لهما أجيزا قول الشاعر: تعلمت أسباب الرضا خوف سخطه ... وعلمه حبي له كيف يغضب فقالت فضل: تصد وأدنو بالمودة جاهداً ... ويبعد عني بالوصل وأقرب وقالت بنان: وعندي له العتبى على كل حالة ... فما منه لي وما منه مذهب وكانت فضل على بعد مرامها في الشعر بعيدة الغاية في النثر، ومما قاله إبراهيم ابن المهدي فيها: كانت فضل الشاعرة من أحسن خلق الله خطا، وأفصحهم كلاماً وأبلغهم في مخاطبة، وأثبتهم في محاورة، قلت يوماً لسعيد بن حميد: أضنك يا أبا عثمان تكتب لفضل رقاعها، وتقيدها وتخرجها؛ فقد أخذت نحوك في الكلام وسلكت سبيلك، فقال لي وهو يضحك، ما أخيب ظنك! ليتها تسلم مني لأخذ كلامها ورسائلها والله يا أخي لو أخذ أفضل الكتاب وأماثلهم عنها لما استغنوا عن ذلك. وبعد فكان أن نستوفي القول عن هذه الجارية ونبين ما لها على الأدب العربي من فضل وجميل، لولا أن المقام لا يتسع لأكثر من ذلك، ولعلنا نوفيها القول فيما نكتبه عن أدب النساء في كتاب خاص. محبوبة وهي من نظائر فضل في نشأتها وتربيتها وإهدائها إلى المتوكل، فالبصرة نشأت وفيها تخرجت، وكانت أجمل من فضل وجها وأعلى نفساً وأشبه بها في رقة طبعها وعذوبة لفظها وحضور خاطرها وقوة ارتجالها وإن وقعت دون غايتها في ذلك كله.

стр. 422

ومن حديثها أم قبيحة حظية المتوكل كتبت على خدها بالغالية جعفر وهو اسم المتوكل فأعجبه ذلك منها، وطلب إلى علي بن الجهم أن يقول في ذلك شعراً، وكانت محبوبة حاضرة، فلم تدع لابن الجهم وقتاً يفكر فيه واندفعت من فورها تقول: وكاتبة بالمسك في الخدّ جعفرا ... بنفسي محطَ المسك من حيث أثرا لئن كتبت في الخد سطراً بكفها ... لقد أودعت قلبي من الحب أسطرا فيا من لمملوك لمِلْك يَمينِه ... مطيع له فيما أسر وأظهرا ويا من هواها في السريرة جعفر ... سقى الله من سقيا ثناياك وأظهر وكان في المجالس علي بن يحيى المنجم أحد شعراء المتوكل وندمائه، فبقى الشاعران واجمين لا ينطقان بحرف، وأرسل إلى عريب فلحنت الشعر وغنى الشعر وغنى به المغنيات. ومن حديث علي بن الجهم قال: كنت يوماً عند وهو يشرب، ونحن بين يديه، فدفع إلى محبوبة تفاحة مغلفة، فقبلتها وانصرفت من حضرته إلى الموضع الذي كانت تجلس فيه إذا شرب ثم خرجت جارية لها ومعها رقة فدفعتها إلى المتوكل، فقرأها وضحك ضحكاً شديداً، ثم رمى بها إلينا فقرأناها، وإذا فيها: يا طيب تفاحة خلوت بها ... تشعل نار الهوى على كبدي أبكي إليها وأشتكي دنفي ... وما ألاقي من شدة الكمد لو أن تفاحة بكت لبكت ... من رحمتي هذه التي بيدي إن كنت لا ترحمني ما لقيت ... نفسي من الجهد فارحمي جسدي وكان المتوكل لا يكاد يفارق محبوبته وقتاً من الزمان، حتى إنه وهو في مجلس خلافته كان يجلسها خلف ستر وراء الستر فيكلمها، ثم غاضبها يوماً فهجرها ومنع جواريه أن يكلمنها وانقطعت عنه وانقطع عنها، ثم أخبرته وصيفة بأنها في

стр. 423

حجرتها تغني، فذهب حتى انتهى إلى حجرتها واستمع إليها فإذا هي تغني بقولها: أدور في القصر لا أرى أحداً ... أشكو إليه ولا يكلمني حتى كأني ركبت معصية ... ليست لها فدية تخلصني فهل لنا شافع إلى ملك ... قد زارني في الكرى فصافحني حتى إذا ما الصباح عاد لنا ... عاد إلى هجره فصالحني ولما قتل المتوكل تفرق جواريه فكان مصير محبوبة إلى وصيف أحد المماليك الذين جلبهم المعتصم ثم غفل عنهم الزمان فأصبح لهم في هذه الدولة ملك وسلطان. وكان مصيرها إليه في كثير من جواري المتوكل، فلما انتهين إليه جلس للشرب وأحضرهن عليهن الثياب المذهبة والجواهر الوضاءة وقد تصنعن وتطيبن إلا محبوبة فإنها جاءت مرهاء متسلية حزناً على المتوكل، فغنى! فأخذت العود وغنت وهي تبكي وتقول: أي عيش يطيب لي ... لا أرى فيه جعفرا ملكا قد رأته عين ... ي قتيلاً معفرا كل من كان ذَا هُيَا ... م وحزن فقد برا غير محبوبة التي ... لو ترى الموت يشتوى لاشترته بملكها ... كل هذا لتُقبرا إن موت الكئيب ... أصلح من أن يعمرا فاشتد ذلك على وصيف وهم بقتلها، وكان بَغَا حاضراً - وهو خدينة وقسيمة في التغلب على الملك والعبث بالخلافة - فاستوهبها منه، فوهبها له، فأعتقها وأطلقها

стр. 424

فخرجت من سَّر مَن رأى إلى بغداد واحتجزت عن لقاء الناس حتى ماتت. وبعد، فإلى هذا الحد من الشواعر والمغنيات يقف القلم، وما نحاول أن نستوعب الموضوع أو نحيط، به لنه أوسع من أن يحاط به، وإذا استصفينا من ذلك شيئاً فحسبنا أن نقول إن أولئك الجواري أتين في الشعر والغناء ببدع جديدة؛ فالرقة النادرة، والخفة الساحرة، والأنوثة الظاهرة، وكل ما من شأنه أن يسترق عقول السامعين ويستخف ألبابهم كل ذلك كان أوضح ما عرف به جواري هذا العصر، وإذا علمت أن للمغنية من وسائل توطين النفوس وترويض الأرواح والاحتكام بالخواطر والمشاعر، والإمعان في الأعماق والسرائر ما لا يتاح للرجل شيء منه سهل عليك، أن تعرف قدر ما وصل النساء بهذا الفن من بعد الغاية وعلو المكان، وإذا قيل إن هناك أئمة الغناء من الرجال أمثال إبراهيم الموصلي وولده إسحاق وإبراهيم بن المهدي وأشباههم قلنا إن هؤلاء لم يكن يصطفيهم إلا الآحاد المعدودون من خلفاء الدولة وصدورها، فكان غناؤهم خبراً من الأخبار أما أولئك النساء فقد كن في منال العيون والأسماع فغلب ذكرهن على الألسنة وشاع حكمهن على النفوس، وفوق ذلك كن الحسن والإحسان في ملك وسلطان، حتى قال فيلسوف العرب وإمام مفكريهم أبو نصر الفاربي إن هذا الفن لا يسمع من لحية وشارب ولقد صور الشاعر البحتري هذا الأسلوب الذي أمتاز به المغنيات بقوله: وأشارت على الغناء بألحا ... ظ مراض من التصابي صحاح فطربن لهن قبل المثاني ... وسكرنا منهن قبل الراح

стр. 425

غلبة الجواري على قلوب العرب أما بعد فذلك الذي أسلفناه من فنون الجمال والتجمل عند الجواري لم يكن كل ما ملكن من مواهب، وما سلكن من مذاهب، وما ارتدين من حسن وإحسان، وما ابتدعن من فن وافتنان، وليس في الكتاب مستفاض لأصفهن لك طاهيات طعام، أو ساقيات شراب، أو سامرات ليل، أو ناسقات بيت. على أنهن في جملة ذلك كن صورة الحياة الناعمة، والحضارة الباسمة، والعيش الرغيد، فأنت إذا تناولتها من أشتات نواحيها لا تجد إلا بهجة باهرة، وفتنة ساحرة، وكان أول آثار ذلك غلبتهن على قلوب الرجال، واستحواذهن على عقولهم، حتى لقد هتكوا فيهن ستر كل حشمة وخلعوا عذار كل وقار. وكانت بيوت الخلفاء مسْتن القدوة ومسار الأمثال في كل ذلك، وأول من بذل نفسه، ورأيه، وذخره، وجلال منصبه لهؤلاء الجواري الخليفة الثالث محمد المهدي ابن أبي جعفر المنصور، وما كذلك كان السفاح والمنصور من قبله. أما السفاح فكان عصر عزم ومضاء وهدم وبناء، فلم يكن له متسع للهو ولا سبيل إلى النساء. وأما المنصور فقد ملك عليه بناء الملك وتوطين دعائمه وتوفير المال لتشييده سبيل خواطره ومشاعره. وكان بخيلا غيوراً مسوقاً إلى الجد من الأمر مخوفا مهيبا. وربما مال قليلا إلى التبسط للسماء فلم يكن يظهر لنديم، ولا رآه أحد يشرب غير الماء، وكان بينه وبين الستارة عشرون ذراعاً وبين الستارة والندماء مثلها، فإذا غناه المغني فأطربه حركت الستارة بعض الجواري فاطلع إليه الخادم صاحب الستارة فيقول قل له أحسنت بارك الله فيك، وربما أراد أن يصفق فيقوم عن مجلسه

стр. 426

ويدخل بعض حجر نسائه فيكون ذلك هناك. وكان لا يثيب أحداً من ندمائه وغيرهم درهماً فيكون له رسماً في الديوان، ولم يُقطع أحداً ممن كان يضاف إلى ملهية أو ضحك أو هزل موضع قدم من الأرض. ولما خلف من بعدهما المهدي أراد أول أمره أن يحتجب عن الناس متشبها بالمنصور فلم يطق البقاء على ذلك إلا قرابة سنة، ثم انكشف للندماء، فأشار عليه عبد الملك بن يزيد قائده وصاحبه أن يحتجب عنهم. فقال: إليك عني يا جاهل! إنما اللذة في مشاهدة السرور، وفي الدنو ممن سرني، فأما من وراء وراءهما فما خيرها ولذتها؟ ولو لم يكن في الظهور بين الندماء والإخوان إلا أني أعطيهم منم السرور بمشاهدتي مثل الذي يعطوني من فوائدهم لجعلت لهم في ذلك حظا موفوراً. ومن ثم بدأ المهدي يتبذل. وقد غلب شغفه بالجواري. فكان لا يطيق الصبر عن محادثتهن ومجالستهن وكان وزيره يعقوب بن داود يستثمر تلك العاطفة لنفسه. فكان إذا غضب تقرب إليهِ بذكر الجواري وأخذ يحدّثه عنهنّ فيرضى عنه. وما أظنك بخليفة في جاريته حتى يقول فيها: أرى ماء وبي ظمأ شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود أما يكفيك أنك تملكين ... وأن الناس كلهم عبيدي وأنك لو قطعت يدي ورجلي ... لقلت من الهوى أحسنت زيدي ذلك قول المهدي في حسنه جاريته. وفي سبيل المهدي تداعى بنوه وحفدته. فهذا الهادي تملك زمام قلبه جاريته غادر حتى لا يطيق فيها لوماً ولا يجد عنها مصرفا. وهذا الرشيد، ذلك الجبار الذي يرسل الكلمة فلا يبالي أي دم سفكت ولا أي

стр. 427

دار قوضت، إنه لا يبالي كذلك أن يرسل الشعر الباكي المسكين في جواريه! وإليك فاسمع قوله في ثلاث منهن: ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكل مكان مالي تطاوعني البرية كلها ... وأطيعهن وهن في عصياني ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني وهؤلاء الثلاث هن اللاتي صرح بأسمائهن في قوله: إن سحراً وضياء وخنث ... هن سحر وضياء وخنث أخذت سحر ولا ذنب لها ... ثلثي قلبي وترباها الثلث وخنث هذه إحدى الجواري المغنيات التبذلات وتعرف بذات الخال، ولها حديث عجب، فقد تعشقها وشبب بها ثلاثة شعراء: هم: إبراهيم بن المهدي، وإبراهيم الموصلي، والعباس بن الأحنف، وذاعت أشعارهم فيها في نواحي بغداد، وتجاوزت بغداد إلى ما سواها من البلاد، وتغنى بها الموصلي بين يدي الرشيد، ورغم كل ذلك لم يتحرج الرشيد أن يشبب بها ويتهتك فيها! وتَرَسَّم الأمين أثر أبيه، وما أظنه ابتكر ضرباً من ضروب اللهو، وأكثر ما قيل عن خلاعته ومجانته مما موهه مؤرخو الفرس على أنه كان أوهب الجميع في جد وهزل. ففي ليلة وهب إسحاق أربعين ألف دينار وفي أخرى وهب عمه إبراهيم مائتي ألف، ولا تنس أنه اشترى بذلا المغنية بعشرين ألف ألف درهم. أما المأمون عالم الخلفاء وفيلسوفهم فقد أحدث بابتذاله حدثا لم يسبقه أحد إليه ولا نظن أحداً لحقه فيه، فقد حدّث أحمد بن صدقة أنه دخل عليه يوم الشعانين وبين يديه عشرون وصيفة رومية مزنّرات قد تزَّين بالديباج، وعلقن في أعناقهن صلبان الذهب، وفي أيديهن الخوص والزيتون.

стр. 428

فهل رأيت كهذا؟ خليفة رسول الله، تُشد بين يديه الزنانير وتعلق الصلبان ويُرفع الخوص والريحان! ذلك ما تحدثنا به الأخبار عن الخليفة المأمون. وهل كان يخطر بنفسك أن يستحل خليفة المسلمين دم مسلم من أكبر رجال دولته لأنه طلب جاريته، ثم علم أنها أصبحت حاملا منه. فلم يكن له سبيل إليها. أما الرجل فعلي بن هشام، وأما الجارية فمتيم الهاشمية، وأما الخليفة فالمأمون ومتيم تلك جارية تنقل بها الرق من رجل إلى رجل، واجتمع إليها الناس تغنيهم وتطربهم فهل تعلم مآل أمرها بعد أن قُتل سيدها في سبيلها؟ لقد اتخذها الخليفة المعتصم ابن الرشيد لا جارية ولا مغنية، بل زوجة ذات إكليل وتاج. وحديث القوم كله على هذا النسق، كلما جاء خليفة أحدث في تبذله حدثاً واستجد جديداً. وكان من أعجب حديثهم أن المسترشد خص ولده الراشد بعدة جوار ليلاعبه وهو صبي مراهق، فحملت منه إحداهن وهو دون البلوغ. هكذا يقول ابن الأثير. نفوذ الجواري وكان من أثر تلك الغلبة على القلوب أن غلبن كذلك على سياسة الملك وتدبير الرعية. فهذه الخيزران جارية المهدي وأم ولديه موسى وهارون، قد بلغت من سعة الجاه ونفاذ الكلمة ما لم يبلغه وزير أو أمير. وكان بابها محط الولاة والقواد، ومهبط ذوي الحاجات والآمال، حتى فشت فيها القالة وساء عنها الحديث وكذلك أمرها في عهد مولاها وزوجها المهدي. ولما صارت الخلافة إلى الهادي درجت على سيرتها في عهد أبيه. وكان الهادي فتى ألمعي القلب عزيز الجانب، غيوراً على الحُرم. فلما رأى الوفود تنثال على أمه

стр. 429

أرسل إليها ألا تخرج من خفر الكفاية غلى بذاذة التبذل، فإنه ليس من قدر النساء الاعتراض في أمر الملك، وعليك بصلاتك وتسبيحك وتبتلك، ولك بعد هذا طاعة مثلك فيما يحب لك فلم يثنها ذلك القول الحكيم عما أَلِفَتْهُ، حتى إِذا مضى عليها أربعة أشهر جاءت مرة تكمله في أمر لم يجد غلى إجابتها إليه سبيلا، فقالت لا بدّ من إجابتي! قال لا أفعل، قالت فإني قد تضمنت هذه الحاجة لعبد الله بن مالك، فغضب موسى وقال ويلي علي ابن الفاعلة! قد علمت أنه صاحبها، والله لا قضيتها له، قالت إذاً والله لا أسألك حاجة أبدا، قال إذاً لا أبالي، وحمى وغضب، فقال مكانك تستوعب كلامي! والله - وإلا فأنا نفي من قرابتي من رسول الله ﷺ لئن بلغني أنه وقف ببابك أحد من قؤادي أو أحد من خاصتي أو خدمي، لأضربن عنقه، ولأقبضن ماله، فمن شاء فليلزم ذلك. ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك في كل يوم؟ أما لك مغزل يشغلك، أو مصحف يذكرك، أو بيت يصونك؟ إياك ثم إياك! ما فتحت بابك لملي أو لذمي فانصرفت ما تعقل ما تطأ فلم تنطق عنده بحلوة ولا مرة. ثم جمع الهادي قوّاده ورجال دولته. فقال لهم: أيما خير، أنا أو أنتم؟ قالوا بل أنت يا أمير المؤمنين، قال فأيما خير أمي أو أمّهاتكم؟ قالوا بل أمّك يا أمير المؤمنين، قال فأيكم يجب أن يتحدّث الرجل بأمّه فيقول فعلت أمّ فلان، وصنعت أمّ فلان، وقالت أمّ فلانة؟ قالوا ما أحد منا يحب ذلك، قال فما بال الرجال يأتون أمي فيتحدثون بحديثها؟! فلما سمعوا ذلك انقطعوا عنها فشق ذلك عليها وحلفت ألا تكلمه. ولكن هل كفاها منه ذلك الهجر، وهل تروي المغاضبة غليل المرأة التي ترضعها أفاويق الملك، وتسكرها بكأسه، وتشعرها بعزته، ثم تعود فتكف يدها وتكم فاها وتلزمها خدرها؟

стр. 430

لم يكفها منه ذلك الهجر، ولا ما فوق الهجر من شقاق ومكابرة ونزاع ومعاندة بل أمعنت في الانتقام إلى آخر ما تصل إليه النفوس الممنعة في الشر العارية من الفضيلة، فقد حرضت الأمّ جواري ولدها الشاب فقتلنه بغط وجهه والجلوس عليه حتى ماتت. . . أفرأيت كيف تشتري الجارية عزة الملك وزهرة الحياة بدم العزيز النجيب من بنيها. أما الرشيد فقد قضى عليه أن يمكن في ملكه لامرأتين: الخيزران أمّه، وزبيدة امرأته، أمّا الخيزران فلأنها خلعت عليه رداء الملك مخضبا بدم أخيه، وأمّا زبيدة فلأن ذات الخال وأشباهها عبثن بقلبه، وغلبنه على عقله، فأراد أن يشغلها عنه. وهل ترى أعجب من أن تغنيه ذات الخال ذات عشية فيحكمها في ملكه فتسأله أن يولي صاحبها حمويه الخادم ولاية الخراج والحرب بفارس سبع سنين، فيصدع الرشيد بالرأي، ثم يخشى أن يموت في خلال هذا الأمد فيكتب عهداً على من يليهِ من الخلفاء أن يضمن نفاذ العهد للخادم الأمير! ذلك ما رواه صاحب الأغاني عن الرشيد. ومضت أجيال كان فيها للجواري عزّ وشأن، وملك وسلطان، وكان من أشدّهنّ استمكاناً في الملك ومضاء في الرأي أم المقتدر، وهي جارية تركية فقد كان لها سطوة قاهرة على رجال الدولة، وكانت تتصرف بالأحكام دون ولدها، وكان الوزراء يهابونها ويرتعدون خوفا من ذكرها. وقد عَرَض لذوات الجاه والنفوذ من الجواري فقال: ثم لم يزل والأشراف إما يختلفن في الحوائج ويدخلن في الدواوين، ونساء يجلسن للناس. مثل خالصة جارية الخيزران، وعتبة جارية ريطة ابنة أبي العباس، وسكر وتركية جاريتي أم جعفر زبيدة ودقاق جارية العباسة، وظلوم وقسطنطينية جاريتي أمّ حبيب، وامرأة هارون بن معبوبة، وحمدونة أمّة نصر بن السندي بن شاهك

стр. 431

ثم كنّ للناس أحسن ما كن وأشبه ما يتزين به، فما أنكر ذلك منكر ولا عابه عائب. الجواري عيون الخلفاء وهنالك ناحية من نواحي العمل انبثن فيها واستشففن أسرار الملك من خلالها وذلك باتخاذهن عيونا على الوزراء والقواد ووجوه رجال الدولة، فكان الخليفة يهب الرجل جارية من جواريه فترصد منه كل إشارة وتتسمع منه أو من جلسائه كل كلمة فإذا أصبح الصباح كان ذلك كله عند الخليفة. ومن أبناء ذلك ما حدث الطبري عن يعقوب بن داود وزير المهدي قال: بعث إلى المهدي يوما فدخلت عليه فإذا هو في مجلس مفروش بفرش مورد متناه في السرو على بستان فيه شجر ورءوس الشجر على صحن المجلس، وقد اكتسى ذلك الشجر بالأوراد والأزهار، من الخوخ والتفاح، فكل ذلك مورد يشبه فرش المجلس الذي كان فيه، فما رأيت شيئاً أحسن منه، وإذا عنده جارية ما رأيت أحسن منها ولا أشط قواما ولا أحسن اعتدالا، عليها نحو ما في المجلس من الثياب، فما رأيت أحسن من جملة ذلك، فقال لي يا يعقوب! كيف ترى مجلسنا هذا؟ قلت على غاية الحسن فمتع الله أمير المؤمنين به وهنأه إياه، قال هو لك، احمله بما فيه وهذه الجارية ليتم سرورك به، قال فدعوت له بما يجب، ثم قال يا يعقوب! ولي إليك حاجة، قال فوثبت قائماً ثم قلت يا أمير المؤمنين ما هذا إلا من موجود، وأنا أستعيذ بالله من سخط أمير المؤمنين، قال لا، ولكن أحب أن تضمن لي هذه الحاجة وأن تقضيها لي، فقلت لأمير المؤمنين وعلى السمع والطاعة، قال والله! قلت والله ثلاثا، قال وحياة رأسي، قلت وحياة رأسك، قال فضع يدك عليه واحلف به، فوضعت يدي عليه وحلفت به لأعلمن بما قال، ولأقضين حاجته، قال فلما استوثق مني في نفسه. قال هذا فلان بن فلان من ولد علي

стр. 432

بن أبي طالب أحب أن تكفيني وتريحني منه وتعجل ذلك، قلت أفعل، قال فخذه إليك، فحولته إلى وحولت الجارية وجميع ما كان في البيت من فرش وغير ذلك وأمر لي معه بمائة ألف درهم، قال فحملت ذلك جملة ومضيت به، فلشدة سروري بالجارية صيرتها في مجلس بيني وبينها ستر وبعثت إلى العلوي فأدخلته على نفسي وسألته عن حاله فأخبرني بها وتجمل فيها وإذا هو ألب الناس وأحسنهم إبانة، وقال لي بعض ما يقوله، ويحك يا يعقوب! تلقي الله بدمي وأنا رجل من ولد فاطمة بنت محمد؟ قال قلت لا والله، فهل فيك خير؟ قال: إن فعلت خيراً شكرت لك؛ عندي دعاء واستغفار، فقلت له أي الطريق أحب إليك؟ قال طريق كذا وكذا، قلت فمن هناك من تأنس به وتثق بموضعه؟ قال فلان وفلان، قلت فابعث إليهما وخذ هذا المال وامض إليهما مصاحباً في ستر الله؛ وموعدك وموعدهما للخروج من داري إلى موضع كذا وكذا؛ الذي اتفقوا عليه في وقت كذا وكذا من الليلة؛ وإذا الجارية قد حفظت علىَّ قولي، فبعثت به مع خادم لها إلى المهدي، قال: وبعث المهدي من وقته ذلك فشحن تلك الطريق والمواضع التي وصفها العلوي برجاله، فلم يلبث أن جاءوا بالعلوي نفسه وصاحبه والمال على السجية التي حكتها الجارية. قال وأصبحت من غد ذلك اليوم فإذا رسول المهدي يستحضرني، وكنت خالي الذراع غير ملق إلى أمر العلوي إلا حين أدخل على المهدي وأجده على كرسي بيده مخصرة فقال يا يعقوب ما حال الرجل؟ قلبت يا أمير المؤمنين قد أراحك الله منه؛ قال مات؟ قلت نعم! قال والله قلت والله؛ قال فضع يدك على رأسي، قال فوضعت يدي على رأسه وحلفت له به فقال يا غلام، اخرج إلينا ما في هذا البيت. قال ففتح بابا عن العلوي وصاحبه والمال بعينه، قال فبقيت متحيراً وسقط في يدي وامتنع على الكلام فما أدري ما أقول، قال: فقال المهدي لقد حل لي دمك لو آثرت إراقته. ولكن احبسوه

стр. 433

في المطبق فما زال به حتى انقضى عهد المهدي والهادي وأخرجه الرشيد في عهده. وممن أحسنوا بث الجواري للرقابة: المأمون، وكان عنده أسرار رجال دولته جميعا ولما ذاع رأيه في خلق القرآن وخاصمه عليه قوم من سراة أهل الرأي والعلم وثبتوا على خصومته رغم ما أصابهم منه من شدّة وعنت أذاع في الناس أسرار كل منهم وخفي عيوبه ومكنون دخائله! وما عرف ذلك كله إلا من هذا الطريق. والعجب أن هذا الأسلوب من الرقابة قد ذاع بين الناس حتى أرصد بعضهم الجواري على بعض، ويعجبني من رقيق الشعر قول الناشئ في جاريته رقيبة: فديتك لو أنهم أنصفوا ... لقد منعوا العين عن ناظريك ألم يقرءوا ويحهم ما يرو ... ن من وحي طرفك في مقلتيك وقد بعثوك رقيباً لنا ... فمن ذا يكون رقيباً عليك أمومة الجواري وكان آخر حلقة من حلقات امتزاج الفرس بالعرب واندماج العرب في الفرس ما ناله الجواري الفارسيات من أمومة الأسر العربية. وقليل من رجال الحواضر العربية من لم ينزع بدمه إلى أُمّ أجنبية، ولكي نسوق لك المثل الواضح على ما نقول نذكر أن خلفاء الدولة العباسية الستة والثلاثين كانوا - إلا ثلاثة منهم - من ولد الجواري، وإذا نال الجواري شرف ولادة الخلفاء فلم يكن عزيزاً عليهن أن يلدن من سواهم. وهذا هو البيت العلوي الذي ينزع نسبه إلى رسول الله ﷺ ، وهؤلاء الأئمة الاثنا عشر منه وهم الذين أولاهم الشيعة الإمامية جانب الطاعة، ورفعوهم إلى مواطن التقديس، وهذا آخرهم محمد المهدي الذي يدينون بأنه لا يزال حيا يأذن الله له فيخرج إلى الناس ويملأ طباق الأرض نوراً وإيمانا وعدلا

стр. 434

وإحسانا، أولئك جميعاً لا نجد منهم في العهد العباسي إلا من كانت أمه جارية. وبعد: فذلك كان شأن الجوار في العراق وتلك غايتهن التي انتهين إليها من الاحتكام بقلب الرجل العربي، والتفرد بالمكان المحبوب في المجتمع العربي، والتمكن من قيادة الأسرة العربية، والوصول بالأمة الفارسية إلى القضاء على العصبية العربية. والآن ننتقل إلى حديث الجواري في الأندلس ومدى أثرهن في حياتها وقوّة تأثيرها في نسوتها. الجواري في الأندلس أقام الأمويون ملكهم بالأندلس كما أقامه أسلافهم بالمشرق على دعائم العصبية القبلية والبداوة العربية، لأن هذه السياسة وسيلتهم في تمكين الملك ومعاناة الفتوح، فعبروا دهراً من الزمن لا يتخذون الجواري إلا للمهنة والاستيلاء، فأما الحظوة والمكانة فللعقائل من بنات العرب. كذلك لبثوا قرنا ونصف قرن أخمدوا فيها الفتنة وسكنوا مضطرب الملك ثم بدءوا يأخذون لأنفسهم نصيبا من الراحة ويبتغون لها طريقا إلى السرور فأصغوا إلى المشرق ونظروا إلى بغداد واستقدموا بعض جواريها المغنيات. قمر ومن أول هؤلاء قمر البغدادية، وهي قيْنة مغنية من أنواع قيان بغداد وأصنعهن في الغناء وأعرفهن بفنون الكلام، سمع بها إبراهيم بن حجاج صاحب أشبيلية في أخريات القرن الثالث فوجه إلى بغداد بأموال عظيمة اشتريت بها حتى إذا قدمت الأندلس ازدرى بها نساء العرب لأنهن يألفن جارية ذات مكانة، وأخذن يتهامسن إذا مرت ويتغامزن إذا غنت، فقالت هي في ذلك:

стр. 435

قالوا أتتْ زي أطمار ... من بعد ما هتكت قلبا بأشفار تمشي على وجل تغدو سبل ... تشق أمصار أرض بعد أمصار لا حرة هي من أحرار موضعها ... ولا لها غير ترسيل وأشعار لو يعقلون لما عابوا غريبتهم ... لله من أَمة تُزري بأحرار ما لابن آدم فخر غير همته ... بعد الديانة والإخلاص للباري دعني من الجهل لا أرضى بصاحبه ... لا يخلس الجهل من سب ومن عار لو لم تكن جنة إلا لجاهلة ... رضيت من حكم رب الناس بالنار وقمر هذه التي اعتمدت بناء الأدب النسائي بالأندلس، وهو الذي سنصفه لك فيما يمر بك، ومما يمثل لك أسلوب هذا الأدب أبدع تمثيل قولها تتشوق إلى بغداد وتتغنى بمحاسنها وحسانها: آها على بغداد وعراقها ... وظبائها والسحر في أحداقها ومجالها عند الفرات بأوجه ... تبدو أهلتها على أطواقها متبخترات في النعيم كأنما ... خلق الهوى العذري من أخلاقها نفسي الفداء لها فأي محاسن ... في الدهر تشرق من سنا إشراقها الناصر وجواريه ولما ولي أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر أمر الأندلس بلغ الجواري في عهده مبلغهن في بغداد. وكان عبد الرحمن حين وثب إلى الملك في مشرق العمر ونضرة الشباب، وكان فتى لا تساميه الرجال في العزم ولا سناء في الرأي ولا نفاذاً في التدبير، وكانت أقاليم البلاد وأطراف الملك خاضعة للمتغلبين الذين استأثر كل منهم بما يملك من

стр. 436

دون الملك الأموي، فأراد عبد الرحمن ألا يبقى في الأندلس من ينازعه الملك ويجاذبه السلطان، فما زال ينتزع المتغلبين واحداً حتى دانت البلاد له وألقت أزمتها إليه، ثم اندفع بجيوشه إلى بلاد الفرنجة وما وراءها فدوّخ ملكها وأفزع ملوكها وأذل رجالها وسبى نساءها حتى تحامته القياصرة وتفادته الجبابرة، وأنشأ الجميع يهدونه أنفس ما عندهم من جوهر ومال حتى اعتلى ذروة المجد واقتعد ظهور الآمال. ومنذ ذلك العهد أخذ سيل الجواري يتدفق على الأندلس وأخذن يسقين العرب من بني أمية من الكأس التي شرب منها بنو العباس، بل كان أصحابنا في الأندلس أسرع نشوة وأشد اندفاعاً من أشباههم في العراق كدأب المقلدين من الناس أجمعين. هذا هو الناصر ومكانته من سناء الرأي ومضاء العزيمة ما علمت، تغلبه جاريته الزهراء على نفسه ورأْيه وهمته فيوجهها جميعاً إلى تذليل المستحيل لهذه الجارية وإن من تذليل المستحيل قيامه بابتناء مدينة الزهراء. الزهراء وإذا ذكرت الزهراء فاذكر ما يقول فيها صاحب نفح الطيب: أنه لما بنى الناصر قصر الزهراء المتناهي في الجلالة أطبق الناس على أنه لمُ يبنَ مثله في الإسلام البتة، وما دخل إليه أحد من سائر البلاد النائية والنَّحل المختلفة من ملك وارد أو رسول وافد أو تاجر جاهد - وفي هذه الطبقات من الناس تكون المعرفة والفطنة - إلا وكلهم قطع أنه لم ير له شبيها، بل لم يسمع به، بل لم يتوهم كونَ مثله. والحق أن القوة التي دفعت الناصر إلى بناء الزهراء لم تكن مما يدفع الناس إلى بناء قصورهم وعمائرهم ولا هي من جنون العظمة الذي دفع ملوك مصر الأقدمين

стр. 437

إلى بناء أهرامهم ومعابدهم، فإن لهذا النوع من الجنون حدّا دونه أو ينتهي إليه، ولكنها قوّة ساحرة يبثها النساء في قلوب الرجال فينخلعون عن أموالهم وأرواحهم في سبيلها. أرصد الناصر على بناء الزهراء ما ورثه من مال وما جلبه من مغانم، وإن تشأ فقد أرصد عليه ذخر أمم وأعلاق ملوك، واستقدم له المهندسين من بغداد ورومه والقسطنطينية، واجتلب له الرخام الأخضر والواردي والمجزع من إفريقية وتونس وقرطاجنة ورية ورومة، وأعطى على كل رخامة ثلاثة دنانير وعلى كل سارية ثمانية فكان ما جلب له ست عشرة وثلاثمائة وأربعة آلاف سارية. وأقام الناصر على بناء الزهراء عشرين عاما كانت تستنفد فيها كل يوم ستة آلاف صخرة غير ما كان يستنفده تمهيد طرقها وتعبيد مناهجها فذلك ليس في هذا الحساب. وكان يقوم على البناء عشرة آلاف رجل يعملون دائبين كلما غاب منهم فوج أعقبهُ آخر. أما وصف المدينة فمما يعجز عقل الإنسان عن تصويره وتصوّره، وهو كما يقول ضياء باشا صاحب تاريخ الأندلس كان بناء الزهراء أعجوبة الدهر التي لم يخطر مثل خيالها في ذهن بَنَّاء منذ برأ الله هذا الكون ولا تمثل رسم كرسمها في عقل مهندس منذ وجدت العقول. فأنت إذا شارفت المدينة وجدت سوراً يقوم عليه ثلاثمائة برج حربي كأبراج القلاع وينتظم على محيطه ثلاثة عشر وخمسمائة وألف باب كلها من الحديد الملَّبس بالنحاس أو الآبنوس المطعم بالفضة والذهب! فإذا نفذت إلى لمدينة من أحد أبوابها وجدت حديقة لا يحدها البصر، تشقها طرق منسقة وبرك وغدران تلتقي جميعاً على البحيرة العظمى التي جلب إليها أكثر ما عرف من صنوف السمك، وكان هذا

стр. 438

السمك من الكثرة بحيث يستنفذ اثني عشر ألف خَبزة وستة أقفزة من الحمص كل يوم. وعلى البركة تقوم تماثيل من الذهب المحلَّى بالجوهر على هيئة الأسد أو الطير فوق الغصون وكلها تتصل بأنابيب من الفضة تمدّها الماء من متالع جبل قرطبة، فإذا انتهى إلى أجوافها سمعت له زئيراً أو صفيراً ثم تلقيه من أفواهها في البحيرة، وإلى جانب من البركة حديقة للوحش، وأخرى للطير تظللها الشَّبَاك. أما القصور فكانت فوق منال العقول، ومنها قصر الخلافة وكان سَمْكُه من الذهب والرخام المتماوج الشفاف، وكانت قراميد بهو الخلافة من الذهب والفضة وفي سقفه علقت اليتيمة، وهي الدرّة أهداها إلى الناصر إليون ملك القسطنطينية وكانت تتألق في سماء الغرفة كما يتألق النجم في حاشية الظلام. وكان في كل جانب من جوانب هذا المجلس ثمانية أبواب قد انعقدت على حنايا من العاج والآبنوس المرصع بالذهب وأصناف الجواهر، وقامت على سواري من الرخام الملوّن والبلور الصافي. وفي وسط هذا المجلس حوض عظيم مملوء بالزئبق وكانت الشمس تشرف على الأبواب فيضرب شعاعها في صدر المجلس فيتوهج من ذلك نور يأخذ سناه بالأبصار، وكان الناصر إذا أراد أن يفزع أحداً من أهل المجلس أومأ إلى رجل من مواليه فيحرك ذلك الزئبق فتومض في المجلس بروق تغشي الأبصار وتخيل للرائين أن القصر طار بهم فيفزع الرجل حتى يقع. ومن القصور القصر المؤنس، وفيه بيت المنام، وفي وسطه الحوض الأخضر المنقوش الذي جلب إليه من بيت المقدس، وفيه نقوش وتماثيل وصور على هيئة الإنسان، وعلى جانبه اثنا عشر تمثالا من الذهب الأحمر مرصعة بالدرّ النفيس مما صنع بدار الصناعة بقرطبة، والماء يتدفق من أفواهها جميعا. وبين القصور مسجد الزهراء، وهو على هذا النسق الفريد من الجلال والجمال

стр. 439

ومن العجب أن الزهراء حين حلت به سألها الناصر كيف ترين هذا؟ فقالت حسن لولا أن هذا الأسود يضاجعني! - وأشارت إلى جبل قرطبة - فلم يكن غير قليل حتى كسي الجبل حلة مَوْشِيَّة منقطعة النظير من الزهر والريحان وشجر اللوز والصنوبر. ذلك هو القصر الذي استنفد جهد الناصر وهمته وماله عشرين عاماً، وما كان ذلك الجنون المبرح إلا لأن جاريته ثم زوجته الزهراء طلبت إليه بناءه فشرع به للناس شريعة الفناء في جواريهم، ولعمري لئن رفع الناصر بنيان الدولة العظيمة وأعلى كلمتها ووحد فرقتها لقد احتفر لها القبر العميق بما مكن لهؤلاء في الملك. ملك القلوب والأجساد. صبح وهذا ابنه الحكم قد غلبت على قلبه وعرشه جاريته صبح البشكنسية فتبادر العظماء وذوو الحاجات إلى غشيان دارها وابتغاء الوسيلة عندها والزلفى إليها، وبهذه الوسيلة انتقل المنصور بن أبي عامر من مقام الكتابة للناس على مدرجة الطريق إلى مقام الوزارة بل إلى مقام الملك لأنه تمكن بها من تقليم أظفار ولدها هشام ابن الحكم، وما زال ينتزع منه مظاهر الخلافة يوماً بعد يوم حتى حجبه عن الناس ومنع اسمه أن يذكر على أعواد المنابر أو يكتب في صدور الرسائل وفي طرر الدراهم، ثم استكتبه كتاباً جعل فيه ولاية العهد لعبد الرحمن بن أبي عامر دون الغطارف من قريش وسلائل الملوك من بني أمية، فثار الأمويون لذلك ثورة دمروا فيها الزهراء وانتهبوا كنوزها ونفائسها فأصبحت فردوس الدنيا أطلالا بالية ورسوماً عافية كل ذلك لأن الرجل توسل بدهائه وكياسته وجزيل هداياه وجميل ألطافه إلى قلب الجارية المُمَلَّكة فما زال يصعد بها درجة بعد درجة حتى أتعلى هامة الملك

стр. 440

وكان كلما أراد الوثوب إلى أمانيه سرها بأمنية حتى لقد بنى لها مرة بيتاً من الفضة لم ير الراءون مثله. شعر الملوك في الجواري وجاء سليمان بن المستعين الخليفة الأموي فاتبع خلفاء بني العباس وأذاع شعره تغزلا وتبذلا في جواريه، مما تغنى به المغنون في عواصم الأندلس. ومن قوله يعارض في أبياته التي أولها ملك الثلاث الآنسات عناني: عجباً يهاب الليث حدّ سناني ... وأهابُ لحظَ فواتر الأجفان وأقارع الأهوال لا متهيباً ... منها سوى الإعراض والهجران وتملكت قلبي ثلاث كالدمى ... زهر الوجوه نواعم الأبدان ككواكب الظلماء لْحُنَ لناظر ... من فوق أغصان على كثبان هذي الهلال وتلك بنت المشتري ... حسنا وهذي أخت غصن البان حاكمت فيهنّ السلو إلى الصبي ... فقضى بسلطان على سلطان فأبحن من قلبي الحمى وثنينني ... في عز ملكي كالأسير العاني لا تعذلوا ملكا تذلل للهوى ... ذل الهوى ملك وعز ثان ما ضر أني عبدهن صبابة ... وبنو الزمان وهن من عبداني إن لم أطلع فيهن سلطان الهوى ... كلفا بهن فلست من مروان ومن العجب أنك لا ترى عشاق الجواري مهما عز جانبهم وتسامت منازلهم إلا أرقاء في ألفاظهم، أذلاء في مشاعرهم، ضعفاء في ألفاظهم يتوسلون إلى جواريهم بالذل ويقدمون إليهم أعناقهم للرق ولا ترى ذلك في شعر من أضناه حب الحرائر من بنات العرب، بل إنه لا يتقدم إليهنّ إلا بغُرّ مآثره وعُظم مفاخره.

стр. 441

هذا المستظهر بن هشام وهو الخليفة المستعين ونظيره في جلال لقبه وسناء حسبه أحب أن يتزوج فتاة من قرابته فمطلته فيها بعض ما استفاد من عاطفته شعراً يفيض عزة وإباء. وكان مما قال: يكلفها الأهلون ردّي جهالة ... وهل سَن بالشمس أن تمنع البدرا وماذا على أم الحبيبة إذ رأت ... جلالة قدري أن أكون لها صهراً وإني لأرجو أن أطوف بمفخر ... بملكي لها وهي التي عظمت فخراً وإني لطعَّان إذا الخيل أقبلت ... جرائدها حتى ترى جُنها شُقرا وإني لأولى الناس من قومها بها ... وأنبههم ذكراً وأرفعهم قدرا جمال وآداب وخُلق موطأ ... ولفظ إذا ما شئت أسمعتك السحرا المعتمد وجواريه ولعل أتعس مثل من أمثلة تبذل الملوك في جواريهم وتهوّرهم في مرضاتهن واندفاع إلى أعماق الهاوية من جرائهن: المعتمد على الله محمد بن عباد صاحب أشبيلية ووارث ملك بني أمية؟، فقد أنَهبَ نفسه حظاياه لبه واقتسمن قلبه ومن حديثه أنه أرسلهن ذات ليلة من قرطبة إلى أشبيلية فخرج معهن يشيعهن فسايرهن من أول الليل إلى الصبح، ثم عاد عنهن وهو من فراقه في حسرة والتياع، ومما قاله: سايرتهم والليل أغفل ثوبه ... حتى تبدّى للنواظر معلما فوقفت ثَمَّ مسلما وتسلمت ... مني يد الإصلاح تلك الأنجما وقال في موقف الوداع ولما وقفنا للوداع غُدَيّة ... وقد خفقت في ساحة النصر رايات بكينا دماً حتى كأن عيوننا ... بِحريْ الدموع الحمر فيها جراحات

стр. 442

اعتماد وكان اشدهن امتلاكاً له واحتكاماً به جاريته اعتماد الرُّميكية التي اشتراها من رميك ابن حجاج، وإليها زمامه وفي سبيلها أرخى عنانه ومن اسمها اشتق فتسمى بالمعتمد وتلك التي يقول فيها الوزير الشاعر محمد بن عمار: تَزوجتَها من بنات الهجان ... رميكية لا تساوي عقالا فجاءت بكل قصير الذراع ... لئيم التجارب عما وخالا وكانت اعتماد لا تشعر بأن في الحياة أمينة عزيزة أو مطلباً بعيداً، فما نزعت نفسها إلى شيء حتى وجدته بين يديها على أحسن صوره وأتم وجوهه، ولقد رأت مرة فتيات أشبيلية يملأن الجرار من النهر وفي أقدامهن أثر الطين فأحبت أن تطأ الطين كما يطأن وتحمل الجرة كما يحملن، فصنع لها المعتمد جرة من سبيك الذهب وأوطأها المسك معجونا بماء الورد والغالية. وشاءت المقادير أن ينهك هذا الترف قوة الملك وأن يطمع فيه العدو المتغلب وأن يعرف ذلك يوسف بن تاشفين أمير الملثمين بالمغرب فيخوض البحر إلى أشبيلية ويقصي العدو عن الملك ثم يقود الملك المستهام أسيراً ويقود صاحبته ونساءه وبناته وجواريه سبايا أغمات من أعماق بلاد المغرب ولم تدرك الملك الملثم رقة الدين ولا نبل الخلق فألقى أسيره المسكين مكبلا بالحديد في غياهب السجن بين القتلة وقطاع الطريق، وترك بناته يطفن في الأسواق بما يغزلن من الصوف حافيات الأقدام باديات الأجسام معروقات العظام وكذلك دخلن على أبيهن في سجنه صبيحة عيد النحر فزفر زفرة كاد ينفطر لها قلبه ثم أنشأ يقول: فيما مضى كنت بالأعياد مسروراً ... فساءك العيد في أغمات مأسورا ترى بناتك في الأطمار جائعة ... يغزلن للناس ما يملكن قطميرا

стр. 443

برزن نحوك للتسليم خاشعة ... أبصارهن حسيرات مكاسيرا يطأن في الطين والأقدام حافية ... كأنها لم تطأ مسكا وكافورا لا خَدَّّ إلا ويشكو الجدب ظاهره ... وليس إلا مع الأنفاس مطمورا قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً ... فردّك الدهر مَنْهِيّاً ومأمورا من بات بعدك في ملك يسر به ... فإنما بات بالأحلام مغرورا ومن قوله يخاطب حين بلغ به العظم: قيدي أما تعلمني مسلما ... أبَيْت أن تشفق أو ترحما دمي شراب لك واللحم قد ... أكلتهُ لا تَهشِم الأعظما ارحم طفيلا طائشاً لبه ... لم يَخْشِ أن يأتيك مسترحما وارحم أخيات له مثله ... جرعتَهن السم والعلقما منهن مَن يفهم شيئاً فقد ... خفنا عليه للبكاء والعمى والغير لا يفهم شيئاً فما ... يفتح إلا لرضاع فما الجواري المدنيات في الأندلس وتلك طائفة أخرى من الجواري المجلوبات إلى الأندلس تصلها بغيرها صلة الاسم وتبعدها عنهن فوارق المبدأ والغاية والأثر. ولقد عُرفت المدينة منذ استوطنها اليمانيون من الأوس والخزرج بالرقة والظرف وإتقان الغناء والعزف، ودرجت على ذلك في الإسلام ولم تنحرف عن شهرتها في ذلك كله حتى في عهد النبوة والخلافة. واتصل الأندلسيون بأهل المدينة في مواسم الحج واستمعوا غناء جواريهم، فذهبن بهم كل مذهب من الطرب والإعجاب، وسارت الأنباء بذلك إلى الأمير

стр. 444

عبد الرحمن ابن الحكم صاحب الأندلس، فاستقدم منهنّ جماعة عرفن بالأدب الغض والشعر الرائع والغناء البديع، وابتنى لهن دار الدنيات بقرطبة وأجرى عليهن المثوبة واللطاف وأوسعهن بالبر والإكرام، ومن هؤلاء: فضل وعلم وقلم. وقد عرف هؤلاء جميعاً بشرف النفس ونبل الخلق وكمال الخلال. ولم يكن فيهن ما في بنات الروم والصقالبة والجلالقة من خلابة ودعابة فهنّ لا يصلحن لذلك وفيهن السوداء والحمشاء والعجفاء، ولكنهنّ مع ذلك كنّ مشرقاً من مشارق الجمال الفني في تلك البلاد. ولقد يجمل بنا أن نسوق حديثا عن إحدى هؤلاء الوافدات وتسمى بالجارية العجفاء لتعلم إلى أي حد بلغ أولئك الجواري في التأثير على نفوس أهل الأندلس. قال الأرقمي: قال لي أبو السائب - وكان من أهل الفضل والنسك - هل لك في أحسن الناس غناء؟ فجئنا إلى دار مسلم بن يحيى مولى ابن زهرة، فأذن لنا فدخلنا بيتا عرضه عشر ذراعا في مثلها، وطوله في السماء ستة عشر ذراعا، وفي البيت نُمْرُقتان قد ذهبت عنهما اللحمة وبقي السَّدى وقد حشيتا بالليف، وكرسيان قد تفككا ممن قدمهما، ثم أُطلقتْ علينا عجفاء كلفاء عليها هَرَوى أصفر غسيل وكأن وَرِكها في خيط من وسخهما، فقلت لأبي السائب: بأبي أنت ما هذه؟ فقال اسكت! فتناولت عوداً فغنت: بِيَدي الذي شغف الفؤاد بكم ... تفريج ما ألقى من الهم فاستيقني أنْ قد كلفت بكم ... ثم افعلي ما شئت عن علم قد كان صرم في الممات لنا ... فعجلت قبل اليوم بالصرم

стр. 445

قال فحسنت في عيني، وبدا ما أذهب الكلف عنها، وزحف أبو السائب وزحفت معه. ثم تغنت: بَرِح الخفاء فأيّ تكتم ... ولسوف يظهر ما تسر فيعلم مما تضَّمن من غريرٍ قَلْبُه ... يا قلب إنك بالحسان لمغرم يا ليت أنك يا حسام بأرضنا ... تلقى المراسِيَ طائعاً وتخيم فتذوق لذة عيشنا ونعيمه ... ونكون إخواناً فماذا تنقم فزحفت مع السائب حتى فارقنا النُّمْرقتين، وربت العجفاء في عيني كما يربو السويق بماء مزنة. ثم غنت: يا طول ليلي أعالج السقما ... إذ حل كل الأحبة الحرما ما كنت أخشى فراقكم أبداً ... فاليوم أمسي فراقكم عُزِما فألقيت طيلساني، وأخذت شادكونة وصحت كما يصاح على اللوبيا بالمدينة، وقام أبو السائب فتناول رقعة في البيت فيها قوارير ودهن، فوضعها على رأسه، وصاح صاحب البيت - وكان أحنف - قوانيني!! قواريري قواريري وسال الدهن على رأس أبي السائب وصدره. ومن هذا ونحوه تعلم أن هؤلاء الجواري لم يجتلبن لما اجتلب له غيرهن، وقد حُرّر هؤلاء وتزوجن وانبثثن في أسر الأندلس يُعلمن نسوتها الأدب، ويُرَوّينهن الشعر ويُلقَيَّننّ الغناء في حشمة ووقار. وقد ظهر في هؤلاء الوافدين من تجاوزت الأدب والغناء إلى الفقه والحديث كعابدة المدنية، فقد روت عن مالك بن أنس وغيره من أئمة المدينة، قدم بها الأندلس محمد بن يزيد بن مسلمة بن عبد الملك بن مروان، وكان كثير الإعجاب بعلمها وفهمها، وتزوجها بشر بن حبيب الأندلسي فمنه سائرُ ولده.

стр. 446

وتعدّ وفادة هؤلاء الجواري غلى الأندلس مطلع عهد جديد للأدب والشعر والغناء بالأندلس، وذلك ما سنتناوله بالقول عند الكلام عن الأدب النسوي بالأندلس. بنو الأغلب ذلك حديث أهل الأندلس، وفي مساقهم سار بنو الأغلب ملوك تونس، وعنهم وعن ملوك العراق وردوا موارد اللهو وشربوا كؤوس النعيم، ومن بغداد وقرطبة استوردوا الجواري الفارسيات والصقليات، ومن حديثهم أن المعتمد على الله العباسي ساوم في جارية شغفته حبا، وأبلغها جهد ما يطيق وهو يومئذ ولي عهد الخلافة العباسية - فأبى عليه صاحبها وأبلغها حدا ليس في منال ولي العهد، فلما أعجزه شراؤها ذهب بها صاحبها إلى ابن الأغلب فباعها منه. ثم لما فتحت عليهم صقلية ومالطة تدفق سيل الجواري الروميات فحللن من منازلهم وقلوبهم محلا لا يرام، حتى انتهى الأمر إلى زياد الله آخر عقدهم فقسم نفسه بين مماليكه وجواريه. وبلغ من إيثاره لأحد غلمانه أن ضرب النقود باسمه وترك له زمام الملك يلهو بتصريفه. ثم غضب عليه فأقصاه، حتى جاءت جارية فشغفت فيه، فأعاده إلى مكانه. . .!! وكان ملكا عزيزاً فذل، وقوّة هائلة فهانت. وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. الفاطميون وجاء الفاطميون في أعقاب بني الأغلب، وأورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم وما زال ظلهم يمتد وملكهم يتسع حتى وسع مصر، وبلاد الشام، والحجاز واليمن ووافتهم النعمة من كل مكان، وأضاء لهم العز من كل أفق، وجلبت إليهم الجواري

стр. 447

من كل قطر. ولكنهن لم يجدن عندهم من الحُظوَة ونفاذ الرأي وعلة الشأن ما وجدن في غير مصر من سائر البلدان، لأنهم راموا الخلافة بوسيلة النبوة المقدّسة من رسول الله ﷺ ، ولأنهم كانوا يرَوَّجون لأنفسهم بالإرجاف ببني العباس، وإذاعة السوء عنهم، وقولهم فيهم إنهم ملكوا الجواري زمام أمورهم وقوام سياستهم. ولما علم المعز لدين الله - وهو لم يزال بعد أميراً على تونس - أن ابنة الإخشيد اشترت جارية حسناء من بنات بغداد لتستمتع بها، أرسل قائده جوهراً لفتح مصر، وقال الآن لا يصدنا عنها شيء. فكان الأمر وفاق ما قال. وكان كل ذلك حائلا دون بلوغ الجواري مبلغ التغلب على قلوب خلفاء مصر والاحتكام بملكهم والعبث في جماعتهم. وما زلن كما هنّ أدوات مهنة ووسائل زينة حتى جاء عهد المستنصر وكان قد أوتي الملك صبيا لم يبلغ السابعة، وأقام فيه سنتين عاما وسبعة أشهر. ولما تنصف ذلك الأمد الطويل أدركته ملالة فمال إلى اللهو. واستراض للجواري، على أن القدر لم يدعه في لهوه طويلا، فأصيبت مصر بمجاعة مهلكة ذهبت باليابس والأخضر. ولبثت تجتاح الحرث والنسل وتعصف بالحب والنوى سبع سنين دّأباً، حتى أشفق الخليفة على حُرمه وبناته أن يأكلهن الجوع فأرسلهن إلى بغداد، وحتى لم يبق في دار الخلافة إلا جواد مهزول يركبه الخليفة ويسير من حوله حرسه وحاشيته مشاة يميد بهم سكر الجوع. وكان للملك من ذلك عظة بالغة، فإنه أقلع من بعدها عن اللهو وأناب إلى الله. وجاء الملوك من بعده فلم يكن منهم إلى جواريهم نزوع شديد كالذي كان في قرطبة وبغداد. ذلك الذي بسطته لك شأن الجواري في العالم العربي، وقد ذكرته لك ضافياً مستفيضاً لأنه أقوى المؤثرات في حياة المرأة العربية. وسنجلو من ذلك الحديث

стр. 448

وجه العظمة ونستخلص مدى الأثر حين نعرض لتلك المرأة وما نالها في هذه الدول من خير أو شر. وننتقل بمعونة الله وتوفيقه إلى ذكر الديارات المنبئة في بلاد العرب وما أنشئت له من غاية، وما كان لها من أثر. الديارات كان الفرس فيما قصدوا إليه من نشر وبث حضارتهم ينزعون إلى غاية واحدة هي إخماد العصبية العربية ليتم لهم ما أرادوا من إعادة مجدهم الغابر، وملكهم القديم، وما عليهم من سبيل أن يرتدوا لبوس الدين طائعين أو خادعين؟. أما الروم والسريان ومَنْ سواهما من نصارى المشرق والمغرب، فقد كان همهم من العرب غيرهمَّ الفرس منهم. غاية هؤلاء أن ينقُضوا دعامة الإسلام ليشقوا الصفوف للنصرانية في بلاد العرب، فأخذواُ يقلبون للإسلام وجوه الحيلة ويفوَّقون عليه سهام الغيلة، ويحشدون عليه جيوش التدبير، ولكنهم قوم أولو سياسة ودهاء، فهم لا يخطبون في حفل، ولا ينطقون في جمع، ولا يبعثون كتابا، ولا ينمقون صحيفة، ولا يبادهون أحداً برأْي، ولا يشافهون أحداً بمكروه. بل أخذوا يمزجون العسل المصفى في السم المذاب، وأنشئوا يبثون الشكوك والشبهات في مزاج من المآرب والشهوات. وذلك ما أعدوه في ديارتهم التي نثروها في كل مكان من بلاد العرب. وكانت عناية القوم بتنظيم ديارتهم وتنسيقها واختيار مواطنها الصالحة لها مما يفوق كل عناية، وأكثر ما تكون في أربض المدن وبين شتات القرى وعلى طرق القوافل، وفي منقطع الصحراء، وفوق سفوح الجبال، وفي كل مكان يكون انتياب الناس له وتواردهم عليه.

стр. 449

وعلى الرغم من تكاثر الديارات وانشعاب مواطنها وترامي قواصيها وتباين بلادها كانت كلها على نسق واحد من الجمال الغض الذي تنساق النفوس الزكية إليه ويحلو العيش فيه. فهنالك في نجوة من الأرض تجد خميلة من الزهر فعكفت عليها ظُلة من الكرم وانبعثت من ورائها أصوات ندية بجَمَّلها إيقاع جاوز غاية الإبداع؛ منظر يستهوي السمع والبصر ويستخف الأجسام والأحلام، حتى إذا دخلها الداخل - وهي لا تمتنع على قاصد - وجد النسيم بارداً خفاقاً والماء صافياً سلسالاً والخمر صرفاً معتقة، ووجد فوق ذلك كله إن شاء طعاماً هانئاً ومناماً هادئاً، وليس ذلك بشيء في جانب ما يسلب نهاهم من وَلهَ العشق وفتنة الجمال. ولشدّ ما غشيت تلك الديار بذوي الأخطار من خلفاء الودلة وأمرائها وساستها ووزرائها وكتابها وشعرائها، فكان لهم منها مآرب طيب وجدوا فيه كل ما تشتهي النفس من مطاعم ومشارب وأغراض ومأرب ينبئك عنها ما سار من شعرهم في وصف تلك الديارات وأفنائها وحسناتها وما أصابهم تحت ظلالها من حب شرد أحلامهم وسهّد أجفانهم وأحرق أكبادهم، وبين هذه المنايا وتلك النمى أثيرت روح الشبهات على الإسلام وعصفت ريح الزندقة والإلحاد. وليس من الحق أن نتهم العلم الذي نقله العرب عن أمم الحضارة بإثارة الشكوك والرَّيبِ فما عرف عن أئمة هذه العلوم إلا الدين الصريح الصحيح، وإنما الملحدون جماعة من الشعراء والمتأدبين والمتبطلين وأشباه المتعلمين ممن ألفوا غشيان تلك الديارات وأقاموا فيها ما أقاموا ثم انثنوا عنها بلا قلب ولا لب ولا دين ولا عقيدة. على أن الذي يعنينا الآن من هذه الديارات أن العرب أصيبوا فيها بنوع من الفتنة أشجى قلوبهم وأطال عناءهم لأن هذا الجمال الذي رأوه لم يكن مما ابتذله عيونهم وملكته أيمانهم. وكثير من ذوي الرأي والعلم كان يذهب إلى تلك الديار فيقيم فيها ما شاء

стр. 450

أن يقيم فإذا انصرف عنها شغفه الحب وشغله النوح عن بيته وآله. وما ظنك برجل من خاصة رجال الملك يسير في ركاب مولاه سميراً ونديماً حتى يبلغ ديراً فينفتل إليه ليلهو بالنظر إليه لحظة ثم يعاود فما هو إلا أن قدّموا له الشراب والطعام والكأس والنَّدام حتى ينسي الملك فيشرب وينام، وذلك ما يحدث به إسحاق بن إبراهيم الموصلي فيما رواه عنه صاحب الأغاني، قال: خرجنا مع الرشيد يريد الرَّقة فلما صرنا بالموضع الذي يقال له القائم نزلنا وخرج يتصيد وخرجنا معه فأبعد في طلب الصيد، ولاح لي دير فقصدته وقد تعبت فأشرفت على صاحبه فقال هل لك في النزول بنا اليوم؟ فقل إي والله وإني إلى ذلك لمحتاج، فنزل ففتح لي الباب وجلس يحدثني - وكان شيخاً كبيراً وقد أدرك دولة بني أمية - فجعل يحدثني عمن نزل به من القوم ومواليهم وجيوشهم وعرض عليّ الطعام فأجبته، فقدم إليّ طعاماً من طعام الديارات نظيفاً طيباً فأكلت منه، وأتاني بشراب وريحان طري فشربت منه، ووكل بي جارية تخدمني راهبة لم أرَ أحسن وجهاً منها ولا أشكل، فشربت حتى سكرت ونمت وأنبهت عشاء فقلت في ذلك: بدير القائم الأقصى ... غزال شادن أحوى بَرَي حُبَّي له جسمي ... ولا يعلم ما ألقى وأكتم حبه جهدي ... ولا والله ما يخفي وركبت فلحقت بالعسكر والرشيد قد جلس للشرب وطلبني فلم أوجد، وأخبرت بذلك فغنت في الأبيات ودخلت إليه، فقال لي أين كنت ويحك! فأخبرته وغنيته الصوت فطرب وشرب حتى سكر وأخّر الرحيل في غد ومضينا إلى الدير ونزله فرأى الشيخ واستنطقه ورأى الجارية التي كانت تخدمني بالأمس فدعا بطعام خفيف فأصاب منه ودعا بالشراب وأمر الجارية التي كانت بالأمس تخدمني أن

стр. 451

تتولى خدمته وسَقيه ففعلت، وشرب حتى طابت نفسه، ثم أمر للدير بألف دينار وأمر باحتمال خراجه له سبع سنين فرحلنا، فلما صرنا من دابق خرجت أنا وأصحاب لي نتنزه في قرية من قراها فأقمنا بها أياماً وطلبني الرشيد فلم يجدني، فلم رجعت أتيت الفضل بن الربيع فقال لي أين كنت؟ طلبك أمير المؤمنين فأخبرته بنزهتنا فغضب وخفت من الرشيد أكثر مما لقيت من الفضل فقلت: إن قلبي بالتل عزاز ... عند ظبي من الظباء الجوازي شادن يسكن الشآم وفيه ... مع ظَرف العراق شكل الحجاز يا لقومي لبنت أصابت ... منك صفو الهوى وليست تجازي وغنيت فيه، ثم دخلت على الرشيد وهو مغضوب فقال أين كنت؟ طلبتك فلم أجدك! فاعتذرت إليه وأنشدته هذا الشعر وغنيته إياه فتبسم وقال عذر وأبيك أي عذر، وما زال يشرب عليه ويستعيدنيه ليلته جمعاء حتى انصرفنا مع طلوع الفجر، فلما وصلت إلي رحلي إذا برسول أمير المؤمنين قد أتانا يدعونا فوافيت فدخلت وإذا ابن جامع يتمرغ على دكان في الدار وهو سكران يتململ، فقال لي يا ابن الموصلي أتدري ما جاء بنا فقلت لا والله ما أدري، فقال لكن والله أدري دراية صحيحة جاءت بنا نصرانيتك. . . عليك وعليها. . . وخرج الآن فأذن لنا فدخلنا، فلما رأيت الرشيد تبسمت فقال لي ما يضحكك فأخبرته بقول ابن جامع فقال ما صدق ما هو إلا أن فقدتكم فاشتقت إلى ما كنا فيه، فعودوا بنا فعدنا فيه حتى انقضى مجلسنا وانصرفنا. ذلك مثل من حديث الديارات، ومثله جم كثير، وما نحاول أن نتهم تلك المعابد بأنها كانت من مباذل القوم ودور خلاعتهم، ولا بأن رهبانها أباحوهم ما أرادوا من لهو ومجانة، ولكنهم وجدوا فيها فنّاً من الجمال لم يحوزوه في بيوتهم،

стр. 452

ولم تنبسط عليه أيديهم، وأصاب ذلك منهم نفوساً مبيحة، وسرائر نازعة، فشغفوا به، وشغلوا بالحديث عنه، وغرّهم من أمره ما وجدوا من تبسيط الرهبان لهم بالسمَر والمحادثة، وبالمحاورة والمجادلة، وبالكرم والضيافة، وبكل ما تسكن إليه النفس وتطيب به، فإذا رأيت انخلاع القوم في الفتنة بهذه الديارات فإنما هي فتنة الطمع فيما عزّ عليهم، والتشبيب بما ندّ عن حياتهم، والولوع بفنون الجمال المتناسقة هنا لك من ظل وبستان ورَوح وريحان، ووجوه حسان، وشراب روىّ، ومسمع ندىّ، وما إلى ذلك من فتنة السمع والبصر والنفس والقلب. وجميل بنا أن نلم إلمامة بأشهر الدَّيَرَة التي فتنت العرب وأثارت مشاعرهم وأرسلت أشعارهم، ومن جملة ما يساق لك من الشعر تعلم كيف كان شغف القوم بتلك المواطن من ديارات العراق دير أحويشا ومكانه بديار بكر، وكان غاية في السعة والبهاء، وحوله البساتين والكروم، ويحمل خمره إلى ما حوله من البلدان لجودته، وإلى جانبه نهر يعرف بنهر الروم وفيه يقول محمد بن طناب الشاعر: وفتيان كهَّمك من أناس ... خفاف في الغدوّ وفي الرواح نهضت بهم وستر الليل مُلْقى ... وضوء الصبح مقصوص الجَناح نؤم بدير أحويشا غزالاً ... غريب الحسن كالقمر اللياح وكابدنا السرى شوقاً إليه ... فوافينا الصَّباح مع الصباح نزلنا منزلاً حسناً أنيقاً ... بما نهواه معمور النواحي قسمنا الوقت فيه لاعتباق ... على الوجه الجميل ولاصطباح

стр. 453

وظلنا بين ريحان وراح ... وأوتار تساعدنا فِصاح وساعفنا الزمان أردنا ... فأبنا بين ريحان وراح دير الأعلى ومستقره بالموصل في أعلاها على جبل مطل على دجلة، يضرب به المثل في رقة الهواء وحسن المستشرف، وفيه يقول الخالدي: قمر بدير الموصل الأعلى ... أنا عبده وهواه لي مولى لثم الصليب فقلت من حسد ... قُبَلُ الحبيب فمي بها أولى جُدْ لي بإحداهنّ تَحْوِ بها ... قلبي فحبته على المقلى فاحمرّ من خجل وكم قطعت ... عيني شقائق وجنة خجلي وثَكِلْت صبري عند فرقته ... فعرفت كيف مصيبة الثكلى دير باشهرا على شاطئ دجلة بين سامَرَّا وبغداد، وفيه يقول أبو العيناء: نزلنا دير باشهرا ... على قسيسه ظهرا على دين يسوعّي ... فما أسنى وما أمرا فأولى من جميل الفعْل ... ما يستعبد الحرّا وسقّانا وروّانا ... وربطنا به عشرا دير الثعالب على مقربة من بغداد، وبينه وبينها ميلان، ومَدَاه أكثر من ميل وفيه يقول محمد بن جعفر العباسيّ: دير الثعالب مألف الضلاَّل ... ومحل كل غزالة وغزال كم ليلة أحييتها ومُنادمي ... فيها أبحُّ مقطَّع الأوصال وسقيته وشربت فضلة كأسه ... فرويت من عذب المذاق زُلال

стр. 454

دير درمالس في جانب بغداد، وهو نزه كثير الأشجار والبساتين، وفيه يقول أحمد بن حمدون النديم: يا دير دُرماس ما أحسنك ... ويا غزال الدير ما أفتنك لئن سكنت الدير يا سيدي ... فإني في جوف الحشا مسكنك ويحك يا قلب أما تنتهي ... عن شدّة الوجد لمن أحزنك أرفق به بالله يا سيدي ... فإنه من حتفه مكنك دير قُنَّى على بعد فرسخاً من بغداد ومسافة واحد من دجلة، وفيه يقول محمد بن الحسن القميّ: يا منزل اللهو بدير قُنَّى ... قلبي إلى تلك الربا قد حنَّا سقيا لأيامك لما كنا ... نمتار منك لذة وحسنا أيام لا أنْعَمُ عيشاً منا ... إذا انتشينا وصحونا عدنا وإن فَنِي دَنّ بَزَلنا دَنّا ... حتى يُظَنَّ أننا جُنِنَّا ومسعد في كل ما أردنا ... يحكي لنا الغصن الرطيب اللدنا أحسن خلق الله إذ تثنى ... وجَسّ زير عوده وغنّى بالله يا قسيسَ بَابا قُنى ... متى رأيت الرشأ الأغنا متى رأيت فتنتي تجنّي ... آه إذا ما ماس أو نثني أسأتُ إِذ أحسنت فيك الظنا دير قوطا على مقربة من البَرَدان بينه وبين بغداد، وهو من أبهج الديارات وأحسنها وأكثرها خمائل وبساتين. وفيه يقول عبد الله بن العباس بن الفضل ابن الربيع.

стр. 455

يادير قوطا هيجت لي طربا ... أزاح عن قلبي الأحزان والكُرَبا كم ليلة فيك واصلت السرور بها ... لما وصلت به الأدوار والنُّخبا في فتية بذلوا في القصف ما ملكوا ... وأنفقوا في التصابي العِرضَ والنشبا وشادن ما رأت عيني له شبهاً ... في الناس لا عجماً منهم ولا عربا إذا بدا مقبلات ناديت واطربا ... وإن مضى معرضاً ناديت واحربا أقمت بالدير حتى صار لي وطنا ... من أجله ولبست المِسح والصُّلبَا وصار شماسه لي صاحبا وأخا ... وصار قسيسه لي والداً وأبا دير اللج من ديارات الحيرة، وليس في الحيرة موطن أحسن بناء ولا أنزه موضعا منه، وفيه قيل: سقى الله دير اللجَّ غيثا فإنه ... على بعده مني إلىَّ حبيب قريب إلى قلبي بعيدٌ محله ... وكم من بعيد الدار وهو قريب يهيَّج ذكراه غزال يحله ... أغنّ سحور المقلتين ربيب إذا رجَّع الإنجيل واهتز مائداً ... تذكر محزون وحنّ غريب وهاج لقلبي عند ترجيع صوته ... بلابل أسقام به ووجيبُ ومن ديارات الشام دير صليبا وهو في قبالة باب القراديس من دمشق، وفيه يقول أبو الفتح محمد ابن علي: جنّةٌ لقّبت بدير صليبا ... مبدعا حسنه كمالا وطيبا جئته للمقام فيه يوما فظَلْنَا ... فيه شهراً وكان أمراً عجيبا شجر محدق به ومياه ... جاريات والروض يبدو ضروبا

стр. 456

من بديع الألوان يضحي به الثَّكال ... مما يرى لديه طروبا كما رأينا به فوق غصن ... مائس قد علا بشكل كثيبا وشربنا به الحياة مداما ... تطلع الشمس في الكؤوس غروبا دير الطور وهو دير طور سينا ومكانه بين طبرية واللَّجُون، وحوله الكروم والبساتين، ومن دونه الغَور والمرْج، وفيه يقول الشابشتي: قد أبانت لَيِ الرياض من الزهر ... غريب الصنوف والألوان وبدأ النرجس المفتح يزنو ... من جنون الكافور بالزعفران وقف الطلُّ في المحاجر منها ... ثم ماست فانهل مثل الجُمان يا غلام اسقني فقد ضحك الوقت ... وقد تمّ طيب هذا الزمان أدْنِ مني الدنان، صُب الأباري ... ق استحثَّ الكؤوس صف القناني بادر الوقت واغتنم فرصة العي ... ش ولا تُكْذَبَنْ فالعمر فان دير المصلَّبة وموضعه في ظاهر بيت المقدس، وهو دير نَزه بديع الموقع حسن المنظر تحف به أشجار التين والزيتون والكروم، وفيه يقول الحسن الغَزَي: يا حسن أيام قطعتُ هنيئةً ... بالدير حيث التينُ والزيتونُ دير المصلَّبة الرفيع بناؤه ... تفدي عبيرَ ترابه دارين ومزنرين إذا تلوا إنجيلهم ... وتعطفوا فحممائم وغصون وسعوا بكاسات وما دروا ... أن للكؤوس الدائرات جنون فقضيت بينهم زماناً لم يزل ... عندي إليه تشوق وحنين تلك المنازل قد سفحن مدامعي ... لا مصر قاطبة ولا جيرون

стр. 457

دور المآثم وامتد لسان الفتنة وأمعنت وسائل العبث حتى انبثت بيوت الدعارة وهي التي كانوا يدعونها بيوت الكشاخنة بين دور الحرائر في أشتات الحواضر، وكانت أثراً محتو ما من آثار أحكام الترف وتفاقم الشهوات وازدياد الجواري عن حاجة المحتاج، وكان ظهور تلك الدور في دار السلام أكفى دليل على عتوّ ريح الشهوة وإمعان سلطانها في النفوس. وقد بسط الجاحظ في رسالة القيان حديث تلك البيوت وذكر كيف تستباح فيها الأعراض وتنتهك فيها الحرمات. والعجب أن ترى رجلا من سمار الملوك وندمائهم وذوي المنزلة الدانية منهم مثل إسحاق الموصلي يذيع شعره في رثاء امرأة من صواحب تلك البيوت، وذلك ما يقوله في هشيمة الخمارة: أضحت هشيمة في القبور مقيمة ... وخلت منازلها من الفتيان كانت إذا هجر المحب حبيبه ... دبت له في السر والإعلان حتى يلين لما يريد قياده ... ويصير سيئه إلى الإحسان هذا إسحاق نديم الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق ومغنيهم وشاعرهم فمن منهم تنكر له أو تغير عليه من أجل ذلك؟! وكما ذاعت بيوت الدعارة في حواضر البلاد ذاعت كذلك الحانات في غير سر ولا استخفاء، وما ظنك بالخليفة الواثق يعقد حانتين إحداهما في دار الحرم ليغشاهما ويمتع نفسه بما يقال وما يدار فيهما، وإليك فاسمع حديث صاحب مسالك الأبصار في سياق ذلك:

стр. 458

قال محمد بن حمدون: كان الواثق يحب المواخير وما قيل فيها وما غنى به في ذكرها، فعقد حانتين إحداهما في دار الحرم والأخرى على الشط وأمر بأن يختار له خمار جميل المنظر حاذق بأمر الشراب ولا يكون إلا نصرانيا من أهل قُطْرَبُلّ فأتى بنصراني له بنان نظيفان مليحان وابنتان بهذه الصفة، فجعلهم الواثق في الحانتين وضم إليهم خدما وغلماناً وجواري رومية وأخدم النساء حانة الحرم وعلق عليهما الستور وجعل فيها الأواني المذهبة والدنان المدهونة فكأننا أحسن منظر وأبهاه. فلما فرغ منهما أمر بإحضار المغنين والجلساء ولم يدع أحداً من ضُرَّاب الطنابير إلا أحضره وحضرنا وخرج الخمار هو وأولاده معه عليهم الأقية المسهمة وفي أواسطهم الزنابير المحلاة ومعهم غلمان يحملون المكابيل والكيزان والمبازل في الصواني. وأخرجت تلك الدنان المذهبة فأقيمت بإزاء المجلس الذي كان فيه جالساً فُبزلت كما يفعل في الحانات وجعل يُؤتي بالأنموذجات فيذوقها ويعرض ذلك على الجلساء فيختار كل منهم ما يشتهيه فيأخذ دنّاً إلى الخمار ويكتال منه بمكيال في إنائه كما يفعل في المواخير ويوضع على رأس الحضور أكاليل الآس وما أشبهه من الرياحين. فشرب الواثق شرباً كثيراً وأمر للخمار بألف دينار ولزوجته بألف دينار ولكل واحد من أولاده بخمسمائة دينار. وحكى الحسين بن الضحاك قال: قال لي الواثق: هل لك في حانة الشط؟ فقلت إي والله يا أمير المؤمنين! فقام إليها فشرب وطرب وما ترك أحداً من الجلساء

стр. 459

والمغنين والحشم إلا أمر له بصلة، وكان من الأيام التي سارت أخبارها وذكرت في الآفاق. فلما كان من الغد غدوت عليه فقال: أنشدني يا حسين شيئاً قلته في يومنا هذا الماضي فأنشدته. يا حانة الشط قد أكرمت مثوانا ... عودي بيوم سرور كالذي كانا لا تفقدينا دَعابات الإمام ولا ... طيب البَطالة إسراراً وإعلانا ولا تخالُعَنَا في غير فاحشة ... إذا تُطَرَّبُنا الطيور أحيانا وسلسل الرطلَ عمرو ثم عم بنا الس ... قيا فألْحَقَ أخرانا بأولانا سقيا لعيشك من عيش خصصت به ... دون الدساكر من لذات دنيانا قال فأمر الواثق بِصلة سنية مجددة واستحسن الشعر وأمر أن يغَنَّى فيه. ومن ذلك الغور العميق أصيبت الدولة العباسية بالداء الدويّ والنازلة المُضنية. والحق أن هذا العصر العباسي سما بالعقل الإنساني من طريق العلم والتفكير. إلى أبعد الآماد وأقربها من الكمال، فهم قد ترجموا علوم الأمم السالفة وناقشوا مسائلها وابتكروا علوماً سواها في أقل من خمسين عاماً، وهم قد تناولوا الأدب العربي فهذبوه وجّملوه وألبسوه حلة مذهبة اللفظ ضافية الخيال، وهم بحثوا في الكتاب والسنة وقيدوا منها مسائل التشريع وابتدعوا ممن العلوم ما يكشف عن أسرار القرآن الكريم ويوضح مقاصده ويبحث علومه وحقائقه، ولكن ضعف النفش يطغي على قوة العقل فيقسرها كما تشيع آفة النبات في العود الناضر فتضنيه وتقصفه ثم تسرى منه إلى المرج الخصيب فتفتك به وتذهب بريحه. وكان في الدولة البررةُ والأتقياء، ولكن التقي والبر يكمنان في الفتنة العاصفة ويسكنان في الهيضة الجامحة ويخشيان صولة الألسنة الباغية. وماذا يقول البررة

стр. 460

الأتقياء في هذا العهد وهم يرون إمام العراق أبا حنيفة ينكر على الشاعر الخليع يحيى بن زياد بعض خلاعته فيجيبه يحيى بقوله: إن كان نسْكُك لا يتم ... بغير شتمي وانتقاصي فاقعد وقم بي كيف شئ ... ت مع الأداني والأقاصي فلطالما زكيتني ... وأنا المقيم على المعاصي أيام نأخذها ونع ... طي في أباريق الرصاص فيسمع الإمام بعض هذه الأبيات فيبكي إشفاقاً على نفسه من لوثة ذلك الشعر ومن إذاعة هذا السوء ويرسل إلى الشاعر من يستوهب منه نفسه فبعد لأي يهبها له. هذا مثل من احتكام الشر والفجور بالتقي ونموذج من غلبة صوت المجان والخلعاء على وعظ البررة الأتقياء فأيهم بعد ذلك يقوم على النصح ويهم بالإرشاد؟ على أن الفقهاء والعلماء نالوا كذلك من طيبات هذه الحياة ونعموا بمناعمها وإن وقف أكثرهم عند حد السائغ البريء من هذه الحياة. ولكن هذا السائغ البريء إذا سرى في رجال الدين قعد بهم عن احتمال البلاء ومعاناة الأذى في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك ما كانوا عليه في هذا العصر الحافل بالمناعم والمآثم.
следующие страницы →