Полный текст (543 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
من بديع الألوان يضحي به الثَّكال ... مما يرى لديه طروبا
كما رأينا به فوق غصن ... مائس قد علا بشكل كثيبا
وشربنا به الحياة مداما ... تطلع الشمس في الكؤوس غروبا
دير الطور
وهو دير طور سينا ومكانه بين طبرية واللَّجُون، وحوله الكروم والبساتين، ومن دونه الغَور والمرْج، وفيه يقول الشابشتي:
قد أبانت لَيِ الرياض من الزهر ... غريب الصنوف والألوان
وبدأ النرجس المفتح يزنو ... من جنون الكافور بالزعفران
وقف الطلُّ في المحاجر منها ... ثم ماست فانهل مثل الجُمان
يا غلام اسقني فقد ضحك الوقت ... وقد تمّ طيب هذا الزمان
أدْنِ مني الدنان، صُب الأباري ... ق استحثَّ الكؤوس صف القناني
بادر الوقت واغتنم فرصة العي ... ش ولا تُكْذَبَنْ فالعمر فان
دير المصلَّبة
وموضعه في ظاهر بيت المقدس، وهو دير نَزه بديع الموقع حسن المنظر تحف به أشجار التين والزيتون والكروم، وفيه يقول الحسن الغَزَي:
يا حسن أيام قطعتُ هنيئةً ... بالدير حيث التينُ والزيتونُ
دير المصلَّبة الرفيع بناؤه ... تفدي عبيرَ ترابه دارين
ومزنرين إذا تلوا إنجيلهم ... وتعطفوا فحممائم وغصون
وسعوا بكاسات وما دروا ... أن للكؤوس الدائرات جنون
فقضيت بينهم زماناً لم يزل ... عندي إليه تشوق وحنين
تلك المنازل قد سفحن مدامعي ... لا مصر قاطبة ولا جيرون
стр. 457
دور المآثم
وامتد لسان الفتنة وأمعنت وسائل العبث حتى انبثت بيوت الدعارة وهي التي كانوا يدعونها بيوت الكشاخنة بين دور الحرائر في أشتات الحواضر، وكانت أثراً محتو ما من آثار أحكام الترف وتفاقم الشهوات وازدياد الجواري عن حاجة المحتاج، وكان ظهور تلك الدور في دار السلام أكفى دليل على عتوّ ريح الشهوة وإمعان سلطانها في النفوس. وقد بسط الجاحظ في رسالة القيان حديث تلك البيوت وذكر كيف تستباح فيها الأعراض وتنتهك فيها الحرمات. والعجب أن ترى رجلا من سمار الملوك وندمائهم وذوي المنزلة الدانية منهم مثل إسحاق الموصلي يذيع شعره في رثاء امرأة من صواحب تلك البيوت، وذلك ما يقوله في هشيمة الخمارة:
أضحت هشيمة في القبور مقيمة ... وخلت منازلها من الفتيان
كانت إذا هجر المحب حبيبه ... دبت له في السر والإعلان
حتى يلين لما يريد قياده ... ويصير سيئه إلى الإحسان
هذا إسحاق نديم الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق ومغنيهم وشاعرهم فمن منهم تنكر له أو تغير عليه من أجل ذلك؟!
وكما ذاعت بيوت الدعارة في حواضر البلاد ذاعت كذلك الحانات في غير سر ولا استخفاء، وما ظنك بالخليفة الواثق يعقد حانتين إحداهما في دار الحرم ليغشاهما ويمتع نفسه بما يقال وما يدار فيهما، وإليك فاسمع حديث صاحب مسالك الأبصار في سياق ذلك:
стр. 458
قال محمد بن حمدون: كان الواثق يحب المواخير وما قيل فيها وما غنى به في ذكرها، فعقد حانتين إحداهما في دار الحرم والأخرى على الشط وأمر بأن يختار له خمار جميل المنظر حاذق بأمر الشراب ولا يكون إلا نصرانيا من أهل قُطْرَبُلّ فأتى بنصراني له بنان نظيفان مليحان وابنتان بهذه الصفة، فجعلهم الواثق في الحانتين وضم إليهم خدما وغلماناً وجواري رومية وأخدم النساء حانة الحرم وعلق
عليهما الستور وجعل فيها الأواني المذهبة والدنان المدهونة فكأننا أحسن منظر وأبهاه.
فلما فرغ منهما أمر بإحضار المغنين والجلساء ولم يدع أحداً من ضُرَّاب الطنابير إلا أحضره وحضرنا وخرج الخمار هو وأولاده معه عليهم الأقية المسهمة وفي أواسطهم الزنابير المحلاة ومعهم غلمان يحملون المكابيل والكيزان والمبازل في الصواني. وأخرجت تلك الدنان المذهبة فأقيمت بإزاء المجلس الذي كان فيه جالساً فُبزلت كما يفعل في الحانات وجعل يُؤتي بالأنموذجات فيذوقها ويعرض ذلك على الجلساء فيختار كل منهم ما يشتهيه فيأخذ دنّاً إلى الخمار ويكتال منه بمكيال في إنائه كما يفعل في المواخير ويوضع على رأس الحضور أكاليل الآس وما أشبهه من الرياحين.
فشرب الواثق شرباً كثيراً وأمر للخمار بألف دينار ولزوجته بألف دينار ولكل واحد من أولاده بخمسمائة دينار.
وحكى الحسين بن الضحاك قال: قال لي الواثق: هل لك في حانة الشط؟ فقلت إي والله يا أمير المؤمنين! فقام إليها فشرب وطرب وما ترك أحداً من الجلساء
стр. 459
والمغنين والحشم إلا أمر له بصلة، وكان من الأيام التي سارت أخبارها وذكرت في الآفاق.
فلما كان من الغد غدوت عليه فقال: أنشدني يا حسين شيئاً قلته في يومنا هذا الماضي فأنشدته.
يا حانة الشط قد أكرمت مثوانا ... عودي بيوم سرور كالذي كانا
لا تفقدينا دَعابات الإمام ولا ... طيب البَطالة إسراراً وإعلانا
ولا تخالُعَنَا في غير فاحشة ... إذا تُطَرَّبُنا الطيور أحيانا
وسلسل الرطلَ عمرو ثم عم بنا الس ... قيا فألْحَقَ أخرانا بأولانا
سقيا لعيشك من عيش خصصت به ... دون الدساكر من لذات دنيانا
قال فأمر الواثق بِصلة سنية مجددة واستحسن الشعر وأمر أن يغَنَّى فيه.
ومن ذلك الغور العميق أصيبت الدولة العباسية بالداء الدويّ والنازلة المُضنية. والحق أن هذا العصر العباسي سما بالعقل الإنساني من طريق العلم والتفكير. إلى أبعد الآماد وأقربها من الكمال، فهم قد ترجموا علوم الأمم السالفة وناقشوا مسائلها وابتكروا علوماً سواها في أقل من خمسين عاماً، وهم قد تناولوا الأدب العربي فهذبوه وجّملوه وألبسوه حلة مذهبة اللفظ ضافية الخيال، وهم بحثوا في الكتاب والسنة وقيدوا منها مسائل التشريع وابتدعوا ممن العلوم ما يكشف عن أسرار القرآن الكريم ويوضح مقاصده ويبحث علومه وحقائقه، ولكن ضعف النفش يطغي على قوة العقل فيقسرها كما تشيع آفة النبات في العود الناضر فتضنيه وتقصفه ثم تسرى منه إلى المرج الخصيب فتفتك به وتذهب بريحه.
وكان في الدولة البررةُ والأتقياء، ولكن التقي والبر يكمنان في الفتنة العاصفة ويسكنان في الهيضة الجامحة ويخشيان صولة الألسنة الباغية. وماذا يقول البررة
стр. 460
الأتقياء في هذا العهد وهم يرون إمام العراق أبا حنيفة ينكر على الشاعر الخليع يحيى بن زياد بعض خلاعته فيجيبه يحيى بقوله:
إن كان نسْكُك لا يتم ... بغير شتمي وانتقاصي
فاقعد وقم بي كيف شئ ... ت مع الأداني والأقاصي
فلطالما زكيتني ... وأنا المقيم على المعاصي
أيام نأخذها ونع ... طي في أباريق الرصاص
فيسمع الإمام بعض هذه الأبيات فيبكي إشفاقاً على نفسه من لوثة ذلك الشعر ومن إذاعة هذا السوء ويرسل إلى الشاعر من يستوهب منه نفسه فبعد لأي يهبها له.
هذا مثل من احتكام الشر والفجور بالتقي ونموذج من غلبة صوت المجان
والخلعاء على وعظ البررة الأتقياء فأيهم بعد ذلك يقوم على النصح ويهم بالإرشاد؟ على أن الفقهاء والعلماء نالوا كذلك من طيبات هذه الحياة ونعموا بمناعمها وإن وقف أكثرهم عند حد السائغ البريء من هذه الحياة. ولكن هذا السائغ البريء إذا سرى في رجال الدين قعد بهم عن احتمال البلاء ومعاناة الأذى في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك ما كانوا عليه في هذا العصر الحافل بالمناعم والمآثم.
стр. 461
المرأة العربية في العراق
كيف كان العباسيون ينظرون إلى المرأة
كان مما قضى الله أن ينشطر البيت الهاشمي في الدولة العباسية إلى شطرين متنافرين لا تعطفهما عاطفة الدم ولا تأخذهما وشيجة الرحم، بعد أن أقاما منذ لحق النبي بربه أسرة واحدة لا تزعجها الحوادث ولا تفرقها الخطوب، وبعد أن بُثت دعوة الخلافة لهما معاً باسم الرضى من آل بيت رسول الله. فلما وَلىِ الخلافة أبو العباس السفاح سليل العباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ ثم نهض من بعده أخوه أبو جعفر المنصور ثم نظر المنصور إلى ولده محمد المهدي - لما كان ذلك عرف العلويون وهم سلائل رسول الله وأحفاد علي بن أبي طالب أن بني عمهم الذين قاسموهم احتمال الظلم والخسف في عهد بني أمية غلبوهم على أمرهم واستأثروا بالخلافة من دونهم وهم أمس برسول الله رحماً، وأدناهم من الخلافة يداً، لأنها رَوِيت بدمائهم، ونهضت بأسماء الشهداء من قتلاهم، فاحتجزوا بأنفسهم وأطالوا النظر فيما عساهم يفعلون، وهكذا انصدع البيت العظيم ونظر بعضه إلى بعض نظر المقهور إلى قاهره والوتور إلى واتره، ثم خرج إمامهم النفس الزكية محمد بن الحسن ومعه أهل المدينة وجمهور من أهل العراق على الخليفة أبي جعفر، ولم يكن غير قليل حتى التقى الجيشان، وبينا رماح الفريقين متشجرة وسيوفهم متقطرة كان الإمامان محمد بن الحسن وأبو جعفر المنصور يتساجلان الرسائل ويتناظران بالكتب ليكسب كل منهما عطف جمهور المسلمين وانحيازهم إليه، وفي هذه الكتب يطاول كلاهما صاحبه بما له من فضل السبق وكرم العرق وقوة القرابة من رسول الله ﷺ .
стр. 462
وكان مما فخر به محمد أمومة سيدتي نساء العالمين فاطمة بنت رسول الله وخديجة أم المؤمنين، فكان مما أجاب به أبو جعفر أما بعد فقد أتاني كتابك وبلغني
كلامك، فإذا جل فخرك بالنساء لتُضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة، ولا الآباء كالعَصَبة والأولياء ومن ثم أخذ العباسيون يتناولون أمر المرأة بالتهوين وقرابتها بالوهن وعقدتها بالانحلال كلما سنحت سانحة أو جدَّت داعية، وأخذ شعراؤهم وعلماؤهم وذوو آرائهم يُبْعِدون ما بين الرجل والمرأة كأن الله تعالى لم يجمع بينهما في كل موطن من كتابه العزيز.
ولما قال مروان بن أبي حفصة شاعر العباسين يخاطب العلويين ويمدح العباسيين
خلقوا الطريق لمعشر عاداتهم ... حطم المناكب كل يوم زحام
ارضَوْا بما قسم الإله لكم به ... ودعوا وراثة كل أصيدَ حام
أَّني يكون وليس ذاك بكائن ... لبنى البنات وراثة الأعمام
بذل الرشيد مائة ألف وعشرة آلاف درهم، وما زال شعراء العراق يتداولون هذا المعنى تزلفاً لبي العباس واستدراراً لأموالهم ويكثرون الأخذ به واللجاج فيه حتى قال محمد بن يحيى التغلبي ردّاً عليهم:
لم لا يكون وإن ذاك لكائن ... لبني البنات وراثة الأعمام
للبنت نصف كامل من ماله ... والعم متروك بغير سهام
ما للطليق وللتراث وإنما ... صلى الطليق مخافة الصمصام
وما زالت المرأة مَبتَّ هم أبي جعفر ومثار ألمه فلم تفته حتى آخر عهده من الدنيا وأول عهده من الآخرة حيث كانت آخر وصيته لولده المهدي وإياك والاستماع إلى مشورة النساء وأظنك ستفعل.
стр. 463
ولعل أوضح مظهر من مظاهر إساءة بني العباس إلى المرأة وتهوينهم من أمرها ودفعهم لها عن مواطن الحياة العامة ما كان من الخليفة المستنصر حين علم بولاية شجرة الدرّ أمرَ مصر، فإنه على الرغم من رضاء شعبها بها واطمئنانه لحكمها كتب إلى أمراء المماليك يقول لهم:
اعلموا إن كان ما بقي عندكم في مصر من الرجال من يصلح للسلطنة فنحن نرسل لكم من يصلح لها! أما سمعتم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا أفلح قوم ولَّوْا أمرهم امرأة ثم ختم رسالته بإنكار شديد ووعيد وتهديد وتمثل بعد ذلك بقول من قال:
النسا ناقِصات عقل ودينٍ ... وما رأينا لهن رأياً سنيا
ولأجل الكمال لم يجعل الله تعالى من النساء نبيا
ومن كل ذلك نعلم أن بني العباس كانوا ينظرون إلى المرأة بمؤخر عيونهم حتى لا ينازعهم بنو عمهم زمام الملك باسمها ولا يساوموهم بسموّها، وأما تركهم الإماء يصرّفن قياد ويقلبن زمام الرعية، فما كان ذلك إكباراً للمرأة ولا تنويهاً بشأنها وإنما كان استضعافاً لنزوات النفوس وانغلاباً لحكم الهوى.
الصدمة الأولى
طلاق المكرَه
وكان على المرأة أن تستقبل الصدمة بعد الصدمة وتستعدّ للطمة بعد اللطمة في ظل هذا العهد، وكان أول ما ابتدعوه لها من العنت والمكروه يمين البيعة الذي يفرضون فيه على الرجال والسيف مصلت على عنقه أن يحلف بطلاق امرأته على أن يبقى على بيعتهم ولا يحيد عن دولتهم ولا يحول عن نصرتهم ولا يشايع أحداً سواهم
стр. 464
والذين يقسمون هذه اليمين هم ذوو الرأي والجاه من الساسة الكفاة والقادة الحماة والأئمة الهداة، وقد يكون الرجل منصرفاً بقلبه عنهم ميالا بوده إلى سواهم، فما عسى أن تكون امرأته؟ أيفرق بينهما طواعية لإرادة الحكم القاهر وخضوعاً للبيعة المقهورة؟ وكيف تخضع تلك الشركة التي أحكم الله عقدتها وأوثق آصرتها لريح السياسة ونوازع الأهواء؟ وهل يقضي على امرأة آمنة في سربها
في بيتها أمينة لزوجها ساهرة على أبنائها أن تقضي عن كل ذلك في غير ذنب ولا جريرة؟! ذلك ما كان يراه خلفاء العراق وفقهاء العراق؛ ولكن صوتاً دَوّى من مدينة رسول الله ﷺ فانتظم دويه الشرق والغرب بأن طلاق المكرَه باطل ويمينه لاغية ومصدر ذلك الصوت إمام المسلمين وحجة الإسلام مالك بن أنس، صدع به بين سطوة السيف وصولة السيف، ولم يخش في الحق إلاًّ ولا ذمة ولم يرع في الله لومة لائم ودعم هذا الرأي الصارخ بآراء أئمة المسلمين علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وابن الزير ومن إليهم من أشياخ الصحابة وأعلام الإسلام، ولقد راع الخليفة الجبار أبا جعفر المنصور موقف الإمام الأعظم مالك بن أنس فأمر بأن يضرب بالسياط عاري الجسد فشدّ يده وضرب على جسده وعليها بالسياط حتى خلعت كتفه فما نبا له عزم ولا وهن له رأي ولا حلت له عقدة ولا زاغت منه عقيدة، بل خرج من المِحنة أثبت جناناً وأمضى لسانا وأشدّ إيمانا وأقوى برهانا.
التجني على المرأة العربية
قيل إن عبد الملك بن مروان خطب إلى عقيل بن علفة المرّي إحدى بناته لأحد بنيه فقال عقيل، أقَبلُ يا أمير المؤمنين على أن تجنبني هُجَناء ولدك. فذلك
стр. 465
أعرابي لا شأن له أكثر مما لغيره من سراة أهل البادية وهو مع ذلك لا يعد الهجناء من أبناء الخليفة أكفاء لبناته، لأن المرأة كانت في العهد الأموي كما كانت في العهد الجاهلي في أدق مشاعر العزة والكرامة من نفس الرجل، أما الآن في هذا العهد العباسي فقد أخذ الرجل العربي يتجنى على المرأة العربية لأنه رأى من غيرها ما بهر لبه وسحر عينيه، ولأن حميته وعصبيته تردتا تحت أثقال شهوته، ومن ثم أخذ يعرض بها ويوازن بينها وبين غيرها، وذاع في هذا العهد قولهم: من أراد قلة
المئونة وخفة النفقة وارتفاع الحشمة فعليه بالإمام دون الحرائر، واشتهر قول من يقول: عجبت لمن استمتع بالسراري كيف يتزوج المهائر. وأول من جهر بهذا الصوت في المفاضلة الشاعر المبيح بشاربن برد، ومن قوله في وصف قينة:
وأصفر مثل الزعفران شربته ... على صوت صفراء الترائب رودِ
كأن أميراً جالساً في ثيابِها ... تؤمل رؤياه عيون وفود
من البيض لم تسرح على أهل ثَلّة ... سواما ولم ترفع حِدَاج قَعود
تميت به ألبابنا وقلوبنا ... مراراً وتحييهن بعد هجود
إذا نطقت صحنا وصاح الصدى ... صياح جنود وجَّهت لجنود
ظللنا بذاك الديدن اليوم كله ... كأنا من الفردوس تحت خلود
ولا بأس إلا أننا عند أهلنا ... شهود وما ألبابنا بشهود
ومن قوله:
وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش ... ببؤس ولم تركب مطية راع
إذا قلدت أطرافها العود زلزلت ... قلوبا دعاها للوساوس داع
وعلى أثر هذا الشاعر درج الشعراء على الغض من شأن المرأة العربية والزراية
стр. 466
بها والتهوين من أمرها، وإن يكن ذلك عجيباً فأعجب منه أن تعتب المرأة على زوجها شغفه بإحدى القيان وانصرافه عنها فيجيبها في غير خجل ولا استيحاء بمثل ما أجاب به محمد ابن بشير الناشئ زوجته، ثم يذيع هذا الجواب في الناس فيتغنى به في بغداد، وغير بغداد وذلك بقوله:
لا تذكري لوعة إثرى ولا جزعا ... ولا تقاسِمينَ بعدي الهم والجزعا
بل ائتَسي تجدي إن ائتَسَيْتِ أُسىً ... بمثل ما قد فجعت اليوم قد فُجعا
ما تصنعين بعينٍ قد طمحَتْ ... إلى سواك وقلب عنك قد نَزَعا
إن قُلت قد كنتُ في خفض وتكرمة ... فقد صدقت ولكن ذاك قد نُزعا
وأي شيء من الدنيا سمعت به ... إلا إذا صار في غاياته انقطعا
ومن يطيق خليعاً عند صبوته ... أم من يقوم لمستور إذا خلعا؟
فهذا الشاعر يصارح امرأته الحرة بانصرافه عنها إلى غيرها من القيان ويأخذها بالتأسي بما أصيب غيرها من جفوة وهجران، وذلة وهوان، ثم يلقنها من الحقائق أن المستور إذا خرج إلى الفجور سار طلق العنان لا ترده قوّة ولا يثنيه بيان وفي ذلك كله ما يكشف لك عن صورة هذا العصر ويمثله أوضح تمثيل.
الإغراء بالفساد
وكان كل ما حول المرأة يدفع إلى الإثم ويغري بالفساد، فقد أصبحت وإذا هي في ميدان فسيح تغمره اللذات وتدفعه المحرجات، فعن الرجال يستحدثن كل يوم أسلوبا من اللهو، ويستجدّون ضروبا من الشهوات، لا يتورعن لمندية ولا يسكنون إلى روية، ولا ينزعون عن حمية، بل ساروا خفافا تدفعهم المآرب والأوطار، وتحدوهم الكؤوس والأوتار، وعن يسارها الجواري يجرّون أذيال اللهو
стр. 467
ويجرين في مستبق الفساد ويتصدّين للرّجال بما يستخف ألبابهم من خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وأنشأ الشعراء وهم ألسنة القوم وعنوان أدبهم يُغرون الرجال بالحرائر ويُضرونهم عليهنّ ويُشككونهم فيما عسى أن يبدينه من عفة وما يتجملن به من إباء، وكان إمام أولئك الغواة بشار بن برد، وهو أوّل من اتهم الحرّة في صيانتها وأمانتها وأطمع الرجال في إسلاس قيادها بعد إفراط عنادها، وذلك حيث يقول:
لا يؤيسنَّك من مخدّرة ... قول تغَلَّظهُ وإن جرحا
عسر النساء إلى مياسرة ... والشيء يسهل بعدما جمحا
ثم استن في غباره أبو نواس الحسن بن هانئ فأتى ببدع من القول في قوله:
كان الشباب مطية الجهل ... ومُحَسَّن الضحكات والهزل
والباعثي والناس قد رقدوا ... حتى أزور حليلة البعل
فانظر إلى أي حدّ مَرِنت الألسنة واطمأنت الأسماع إلى مقال السوء وإشاعة الفاحشة بين الناس! فإذا تأمّلت ذلك فأشفق على قلبك أن يذوب أسى، وأبق على نفسك أن تذهب حسرات! يا ويْحَ هؤلاء الناس! أفي دولة إسلامية تُظلها خلافة إسلامية يقال ذلك القول وليس في الناس رادّ ولا دافع!! أبَلَغ من فساد المروءة ورقة الدين أن يتحدّث شاعر الخليفة بأنه كان يدرج في ظلمة الليل إلى حرم البيوت فيسلب ذات الزوج عفتها وفي المسلمين إمام يقيم الحدود ويمنع الحرمات!! فأين هذا من العهد الجاهلي الذي يقول قائله:
وأغض طرفي إن بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها
أو العهد الإسلامي الذي يقول قائله:
أعمى إذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الخِدر
ما ضر جاري إذ يجاورني ... ألا يكون لبيته ستر
стр. 468
أو العهد الأموي الذي يقول قائله:
قالت - وقلت تحرّجي وصِلي ... حبل امرئ بوصالكم صبَّ
صاحب إذاً بعلي! فقلت لها ... الغدر سيئ ليس من ضربي
ثنتان لا أدنو لوصلهما ... عرس الخليل وجارة الجَنب
أما الخليل فلست غادِرَهُ ... والجار أوصاني به ربي
وراح هؤلاء الخلعاء وأشباههم ينشدون من الأحاديث المبذولة ما يُروّض المرأة الآبية ويستنزل النفوس الرفيعة. وقد حدّثوا أن مطيع بم إياس مرّ بيحيى بن زياد وحماد الراوية وهما يتحدثان فقال لهما فيم أنتما؟ قالا في قذف المحْصنات! قال: أو بقيت في الأرض محصَنة فتقذفها؟! فهل هناك إغراء بالحرائر أشدّ وأشنع من اتهامهنّ جميعاً أعراضهنّ.
ومن الشنع المهلكة للفضيلة المغرية بالرذيلة تلك المقطعات التي تحدّث فيها الشعراء بأحاديث التمرّد على العفاف وأرسلوها مؤنثة اللفظ سهلة المأخذ فتلقفها المغنون والمغنيات وأنشئوا يردّدونها في المجامع والأندية وبين الستور والخدور، ومما هو شبيه بذلك قول بشار:
عجبت فطيمة من نعتي لها ... هل يجيد النعت مكفوف البصر
بنت عشر وثلاث قسمت ... بين غصن وقضيب وقمر
درّة بحرية مكنونة ... مازها التاجر من بين الدرر
أرخت الستر وقالت ويلتا ... مِنَ وَلوع الكفَّ كَّاب الخطر
أُمّتَا بدد هذا لُعَبي ... . . . . . .
أقبلت مغضبة تضربها ... واعتراها كجنون مستعر
أيها النوام هبوا ويحكم ... وسلوني اليوم ما طعم السهر
стр. 469
ولم يكن الرجال وحدهم هم المغرين للنساء باقتحام الآثام بل إن الجواري قلن في ذلك أشد مما قال الرجال وأغرين النساء بأكثر مما أغروا! ولو أن ذلك كله مما لا يستجيز القلم ذكره لأثبتناه منه ما يدل على باقيه.
حلول الكارثة
كذلك توالت النُّذُر المؤذِنة بانصباب الخطْب وهبوب العاصفة، وأي نفس تقدحها تلك المحن ولا تهن؟ وأي قلب تبلوه تلك الفتن ولا يميل؟ وأي عزم ترضخه تلك المآثم ولا يُفلّ؟ وأي ضمير تترهقه تلك المحارم ولا يأثم؟ زأي عين تأخذها تلك المخاويل ولا تطمح؟ وأي قدم تدفعها تلك المزالق ولا تزال؟ وكذلك حقت كلمة الله على الأمة المترففة أن يندفع نساؤها في تيار الزمن، وكان سبيلهن أن تبرجن كما تبرج الإماء، وتصدين للرجال كما تصدين، وبذلن من الزمام كما بذلن إلا قليلا منهن أمعنّ في الفرار فلزمن المنازل، واتخذن المسابح، وانقطعن إلى المحاريب، وكذلك كانت بلاد العراق مسارح للتبرج والتهتك ومعابد للتزهد والتنسك وفي كلا المواطنين فقدت المرأة أنوثتها التي تنهج لها سبيل الزوجية السعيدة والأمومة
الرشيدة، وكان للبيتين الكبيرين في هذا العهد - بيت العباسيين وبيت العلويين - أثر واضح في توجيه المرأة إلى ناحية من تينك الناحيتين.
بيت بني العباس
وكان المهدي أول ناشئ في مهاد الدعة وبين ظلال النعيم من بني العباس، وقد ترك له أبوه من ذخر المال ما لا يُنْفِذ سرف ولا يفنيه تلف فاتسع له بذلك مجال اللهو والترف ولقد علمت ما حدثتك ممن نفاذ جواريه إلى ذات نفسه
стр. 470
وعلى شؤون ملكه، وعلمت ما كان من صرف وجوه الرعية إلى دار الخيزران حتى فشت فيها القالة وأرجفت بها الألسنة وساء عنها الحديث.
ولم يكن المهدي في غيرة أبيه بل كانت الغيرة أضعف نواحيه. سمع أبا العتاهية ينشد مدحه فيمن أنشده من الشعراء فكان أول قصيدته غزلا واضحاً وتشبيباً صريحاً بفتاة من جواري قصر الخلافة، وذلك ما يقول:
ألا ما لسيدتي ما لها ... أدَلاًّ فأحملَ إدلالها
وإلا ففيم تجنت وما ... جنيت سقي الله أطلالها
ألا إن جارية للإما ... م قد أُسكن الحسنُ سربالها
مشت بين حور قصار الْخُطَا ... تجاذب في المشيِ أكفالها
وقد أتعب الله نفسي بها ... وأتعب في اللوم عذالها
فلم يرى الغضب على وجهه! بل لقد اختص هذا الشاعر دون غيره من سائر الشعراء بالجزيل من جائرته، وأشد من ذلك أنه حاول أن يستوهب ابنته عُلَيَّة تلك الجارية ليمنحها الشاعر وكاد يتم ذلك لولا أن توسلت الفتاة بألا يجعلها منحة لهذا الشاعر الدميم المنظر الداني من الموت، وشفعت فيها ابنته فبدله الخليفة منها مالا كثيراً.
ولعلك تقول هي جارية تشري وتمنح فليس من شأن المهدي أن يستشعر الحفيظة
لها والغيرة عليها، قلت فهلا حق له الغضب من نسبتها إليه وقرن اسمها باسمه! وأي الخلفاء كان يستمع قول أبي العتاهية:
ألا إن ظبياً للخليفة صادني ... ثم يتركه وفيه عين تطرف
ودعنا من الجارية: هذه ابنته البانوقة أعز الناس عليه وأحبهم إليه وأوحد أهل دهرها أنقاً وجمالا، فهل يجول في خيال أو يخطر ببال أن يلبسها أبوها ثياب
стр. 471
الجند ويقدّمها بين يدي موكبه في طريقه إلى الحج، وهي في نضرة العمر وربيع الشباب! أو كما يقول الطبري كان المهدي في موكبه يسير وابنته البانوقة تسير بين يديه في هيأة الفتيان عليها قَباء أسود ومنطقة وشاشية متقلدة السيف وقد رفع ثدياها القباء لنهودهما. . .!.
فهل رأيت كيف أبرز المهدي ربيبة الخلافة وسليلة العباس وعقيلة بني هاشم ونصبها للعيون في زي يجتذب الأبصار ويستقيد النظار؟!
ولم تطل حياة البانوقة بل هصرها الموت في مقتَبل الشباب فأخلت الطريق لأختيها عُليَّة والعباسة.
فأما علية فكانت شاعرة مغنية جميلة متجملة، روت لها كتب الأدب كثيراً الشعر الغنائي، وفي كثير ما رووا تشبيبها بفتيين من مماليك الرشيد يُدعى أحدهما طَلاّّ والآخر رشا، وربما زجرها الرشيد فصفحت اسميهما وجعلت أولهما ظِلاًّ والثاني زينب وهما تصحيف طل ورشا
ومن قولها في طل:
أيا سروة البستان طال تشوقي ... فهل لي إلى ظل إليك سبيل
متى يلتقي من ليس يُقْضَى خروجه ... وليس لمن يَهوى إليه دخول
عسى الله أن نرتاح من كربة لنا ... فيلقى اغتباطاً خلةٌ وخليل
ومن قولها فيه كذلك:
سلم على ذاك الغزال ... الأهيف الحلو الدلال
سلم عليه وقل له ... يا غل ألباب الرجال
خليت جسمي ضاحكا ... وسكنت في ظل الحجال
وبلغتَ منَّي غايةً ... لم أدر فيها ما احتيال
стр. 472
ومن قولها في رشا:
وجد الفؤاد بزينبا ... وجداً شديداً متعبا
أصبحت من كلفي بها ... أدعى سقيما منصبا
ولقد كنيت عن اسمها ... عمداً لكيلا تغضبا
وجعلت زينب سترة ... وكتمت أمراً معجبا
قالت وقد عز الوصا ... ل ولم أجد مذهبا
والله لا تلث المودّ ... ة أو تنال الكوكبا
ومن قولها فيه وقد حلف ألا يشرب النبيذ:
قد ثبت الخاتم في خنصري ... إذ جاءني منك تجنيك
حرّمتُ شرب الراح إذ عفتها ... فلست في شيء أعاصيك
فلو تطوعت لعوضتني ... منه رضاب الريق من فيك
فيالها عندي من نعمة ... لست بها ما عشت أجزيك
يا زينباً قد أرَّقَتْ مقلتي ... أمتعني الله بُحبيَّك
وكان الرشيد يستمع غناءها غير متحرج، وذكر صاحب الأغاني أنها تغنت وأخزها يُزمر لها بقولها:
تحبب فإنّ الحب داعية الحب ... وكم من بعيد الدار مستوجب القرب
تَبصَّر فإن حُدَّثْتَ أن أخا هوى ... نجا سالما فارج النجاة من الحب
إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضا ... فأين حلاوات الرسائل والكتب
وكان في جبين عُلية سعة غير مستحسنة فاخترعت له العصابة وهي شُقَّة من الحرير محلاة بصنوف الجوهر فسترت عيبها وزادتها جمالاً.
وأما العباسة فقد قال المؤرخون في أمر صلتها بجعفر بن يحيى البرمكي ما قالوا،
стр. 473
وذكروا أن هذه الصلة هي التي حملت الرشيد على قتله وإيقاعه بالبرامكة؛ كذلك كان الناس يعرفون قبل ابن خلدون، فلما أنشأ هو مقدمة تاريخه جعل هذا القول من أوهام المؤرخين وقال في سبيل ذلك: وهيهات ذلك من منصب العباسة في دينها وأبوتها وجلالها وأنها بنت عبد الله بن عباس ليس بينها وبينه إلا أربعة رجال هم أشراف الدين وعظماء الملة من بعده العباسة بنت محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد السَّجَّاد بن علي أبي الخلفاء بن عبد الله ترجمان القرآن ابن العباس عم النبي ﷺ ابنة خليفة، أخت خليفة محفوفة بالملك العزيز وصحبة الرسول وعمومته وإمامة الملة ونور ومهبط الملائكة من سائر جهاتها، وقربة عهد ببداوة العروبة وسذاجة الدين البعيدة عن عوائد السرف ومراتع الفواحش، فأين يُطلب الصون والعفاف إذا ذهب عنها أو أين توجد الطهارة والذكاء إذا فقد من بيتها أو كيف تلحم نسبها بجعفر بن يحيى وتدنس شرفها العربي بمولى من موالي الأعاجم بملكة جده من الفرس أو بولاء جدها الرسول وأشرف قريش، وغايته أن جذبت دولتهم بضعة وضبع أبيه واستخلصتهم ورقتهم إلى منازل الأشراف. وكيف يسوغ للرشيد أن يصهر إلى موالي العجم على بعد همته وعظم آبائه؟ ولو نظر المتأمل في ذلك نظر المنصف لاستنكف لها عن ثلة مع مولى من موالى دولتها وفي سلطان قومها واستنكره ولج في تكذيبه. وأين قدر العباسة والرشيد من الناس؟ وإنما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة واحتجانهم أموال الجباية حتى كان الرشيد يطلب من المال فلا يصل إليه فغلبوه على أمره وشاركوه على سلطانه. .؟
ذلك قول ابن خلدون؛ وما كان أولانا بما رآه وأذهبنا فيما ذهب إليه لولا أنه ناقش المؤرخين بمشاعره وبعض عقله، وراح يعتمد على فخامة اللفظ ورنة
الإيقاع
стр. 474
وكل ذلك ليس خليقاً بأن يمحو خبراً ذاع ويقطع حديثاً نمى، وكان أولى بابن خلدون حين ذكر للعباسية شرف المنصب وعلوّ النسب أن ينظر نظرة إلى الأمم فهي وحدها مرجع ما عليه البنت من علو أو هوان، بل مرجع ما عليه الولد من بعد همة أو فترو عزيمته، تلك الأم التي نزع الرسول الأمين ﷺ إليها بقوله أنا ابن العواتك من سُليم. وكل ما يتصل به من الأبناء من عظمة البيت وشرف الأسرة ونبل العشيرة إنما يتضاءل فيما يرتضعونه من أمهاتهم من لؤم وخمول. ومَن أم العباسة؟ أليست مغنية من القيان اشتراها المهدي وكان من أمرها أن أصبحت أم ابنته؟ أفي قدرة هذه أن تنشئ قناة تحفظ ما لبيتها العظيم من سموّ وجلال!
وإن النفس لا تطمئن لما ذكر ابن خلدون عن نكبة البرامكة، فإن المثْلَة الشنعاء التي مثلها الرشيد بجثمان جعفر من تمزيقه ثلاث فلذات وصلب كل واحدة على باب من أبواب بغداد بعد ما كان من فرط حبه له وتقريبه منه تقريباً لم يكن بين أخوين أليفين كل ذلك لا يكون إلا حين تتقد الغيرة وتهتاج الحفيظة ويصاب العرض، وما أظن ما قال القائلون من احتجان الأموال وممالأة بني علي بن أبي طالب إلا تمويهاً للأمر وإبلاغاً للعذر. ولو كان ذلك حقا لقتل البرامكة على سواء ولم يختص واحداً بالقتل ويترك الباقين رهائن السجن، بل لكان أولى بالقتل يحيى أبو جعفر لأنه هو الذي استنّ لبنيه سياسة الرفق والمودّة للعلويين.
وكان بيت المأمون يقوم وعلى العلم والحكمة، وعلى المرح والدعابة كذلك، وكانت ابنته خديجة تجدّ في أثر عمة أبيها عليه من إرسال الشعر في التشبيب وابتكار الغناء والتلحين، ومن قولها في خادم من خدم أبيها.
بالله قولين لمن ذا الرشا ... المثقل الردف الهضيم الحشا
стр. 475
أضرف ما كان إذا ما صحا ... وأملح الناس إذا ما انتشى
وقد بنى برج حمام له ... أرسل فيه طائراً مُرْعَشا
يا ليتني كنت حماماً له ... أو باشقاً يفعل بي ما يشا
لو لبس القوهيّ من رقة ... أوجعه القوهي أو خدّشا
وحسبنا أن نقف بالقلم عند هذا الحدّ ونكتفي منه بأن نقول إن نساء بيت بني العباس قد أخذن مآخذ الرجال من السرف والاندفاع، وما نريد أن نقول إنهن تجاوزن المرح والدعابة إلى ما وراءهما من العبث والفساد. وإذا زلت هنالك قد أو طمحت عين أو لَفَظ لسان، فإنّ لا يصدع البيت، ولا يئلم الأسرة إلا أن يقال إن ترف الحضارة ورونق النعيم، قد رفعا عن تلك البيئة كلفة الدين وخلعا عنها عذار الوقار.
بيت العلويين
أما نساء هذا البيت فقد عكفن على التبتل وأنِسْن بالوحشة وانقطعن عن الناس. وما ظنك بامرأة لا تنتقل من فاجعة إلا إلى فاجعة، ولا نصير من نازلة إلا إلى نازبة، قد رضّ الحديد عظام أهلها، ونهلت السيوف من دمائهم، وراح وحش الفلا بأشلائهم، وكأن بينهم وبين كل دولة ثأراً لا تسكن نأمته، ولا تروي غلته حتى لقد استجاز قُسَماؤهم وبنو عمهم أن يقودوا الطفل من ملعبه إلى مذبحه، وإليك فاسمع إحدى حوادثهم.
قال الطبري: ذكر أبو يعقوب بن سليمان، قال: حدذثني حميدة العطارة - عطارة أبي جعفر - قالت: لما عزم أبو جعفر المنصور على الحج دعا رَيْطة بنت أبي العباس امرأة المهدي - وكان المهدي بالري قبل شخوص أبي جعفر - فأوصاها بما أراد وعهد إليها ودفع إليها مفاتيح الخزائن وتقدّم إليها وأحلفها ووكد
стр. 476
الأيمان ألا تفتح باب تلك الخزائن ولا تُطلع عليها أحداً إلا المهدي، ولا تَطْلع هي إلا أن يصح عندها موته، فإذا صح ذلك اجتمعت هي والمهدي وليس معهما ثالث حتى يفتحا
الخزانة، فلما قدم المهدي من الري غلى مدينة السلام دفعت إليه المفاتيح وأخبرته عن المنصور أنه تقدّم إليها فيه ألا يفتحه ولا يطلع عليها أحداً حتى يصح عندها موته، فلما انتهى إلى المهدي موت المنصور وولي الخلافة فتح الباب ومعه ريطة فإذا فيه جماعة من قتلى الطالبيين وفي آذانهم رقاع فيها أنسابهم وإذا فيه أطفال ورجال شباب ومشايخ عدة كثيرة، فلما رأى المهدي ارتاع لِما رأى فحفرت لهم حفيرة ودفنوا فيها.
تلك فَغْلَة من فَعَلات أبي جعفر بأبناء عمه، وهي مَثَل واحد من كثير لا حدّ له. وما كان الرشيد بأنعم يداً، ولا أرق كبداً من جدّه المنصور، بل كانت سيوفه الطائشة كحمم النار ترتمي يميناً وشمالاً على رءوس الأبرياء من بني عمه، حتى لقد كانت سياسته فيهم سياسة إبادة وإفناء. فأين تقرّ العيون الباكية، وكيف تسر القلوب الدامية، وهل يطمئن بالحياة من تنذره كل لحظة بحيف نازل أو كيد محيق. لذلك لم يجد نساء هذا البيت فَرجة من الهم ولا متسعاً للسرور. ولذلك ائتنسن بالوحشة، واسترحن إلى الوحدة، وانعطفن إلى الدين، حتى لقد نشأ جواري ذلك البيت على غير ما ينشأ عليه جواري ذلك العصر. فما كانت تدخل في رقهم حتى تتلقاها إحدى نسائهم فترويها الحديث وتعلمها الفرائض.
وقد حدثوا أن فتاة رومية من بيت القياصرة، وفدت على أبي محمد الحسن العسكري فلما رآها راغبة في مصاهرة بيت النبوّة، دعا أخته حكيمة فقال: خذيها إلى منزلك فعلميها الفرائض والسنن.
ومما أذكر في وصف هذين البيتين وعقد الموارنة بينهما قول أبي فراس الحمداني
стр. 477
من قصيدة يرد بها على ابن سكة الهاشمي العباسي، وكان ابن سكرة قد قال قصيدة يمدح فيها بني العباس وتعقد فيها لواء الفخر عليهم.
خلوا الفخار إن سئلوا ... عند السؤال وعّمالين إن علموا
تبدو التلاوة من أبياتهم أبداً ... ومن بيوتكم الأوتار والنَّغَم
إذا تلوْا آية غنىَّ إمامكُم ... قف بالديار التي لم يعفها القدم
منكم عُلَيّة أم منهم وهل لكم ... شيخ المغنين إبراهيم أم لهم
ما في بيوتهم للخمر معتصر ... ولا بيوتهم للشر معتصم
اتصال البيتين
وأقام هذا البيت أبْعَدَ ما يكون عن بيت بني العباس حتى لا يجرؤُ أحد من المتصلين بالعباسيين أن يصهر إلى علوي خوفاً من الخليفة أن يعرضه على السيف وبقي العلويون في منعزل سحيق من النأي، حتى إذا استخلف المأمون أراد أن يصل الحبل. ويَرأب الصدع، ويحسم الشقاق. فدعا بعلي بن موسى الرضا عميد هذا البيت وزعيمه والإمام المرتضى من آل البيت. فقلده ولاية عهد الخلافة، وزوجه ابنته أم حبيب، وزوج ابنه محمداً بنته الثانية أم الفضل، وضرب النقود باسم عليّ وقرن اسمه على المنابر، وخلع الشَّعار الأسود الذي اتخذه العباسيون عنوان دولتهم وبدل الشَعار الأخضر اختاره العلويون شارة إمامتهم.
وكان من أثر ذلك تلك الخطة التي اختطها المأمون أن دوت صيحة بني العباس بالثورة على الخليفة القائم. واحتشدت جموعهم لقتاله، وخلعوا عن أعناقهم بيعته، وولوا عمه إبراهيم بديلا عنه. وقد قابل المأمون كل ذلك بجيش من مضائه ودهائه مزج فيه الشدة بالليين، والوعد بالوعيد. ثم ما زال بأهله حتى أخمد جمرتهم، وأطفا ثورتهم وإن كانت صدورهم لم تزال محنية على الحقد والحفيظة. وإذا كانت الحالة
стр. 478
السياسية قد صفت مظاهرها، فإن الحياة الزوجية في الأسرة المؤتلفة كان يشكو بها الكدر ويفسدها الشقاق، وذلك شأن الزواج الذي لا تأتلف فيه نشأة الزوجين وأسلوب تربيتهما، وكان الخلاف بين محمد وزوجه أشد مما كان بين أبيه وزوجه، تريد المرأة أن يبسط لها زوجها بساط النعيم، ويفسح مجال
السرور. ويجلو لعينيها بهجة الملك، ويأبى الرجل إلا التضييق عليها في ذلك كله، وكلاهما في الطرف القصيّ من صاحبه، وكثيراً ما كانت تشكوه غلى أبيها المأمون فيقول لها: يا بنية أطيعيه واحتميه بضعة من رسول الله ﷺ .
القطيعة
على أن الحبل ما لبث أن قطع من أحد طرفيه، فإن عليا مات بعد قليل ممن زواجه على أثر أكلة عنب قيل إنه مسموم، وقيل إن امرأته هي التي سمته، وقيل إن المأمون هو الذي أوحى ذلك إلى ابنته ليعود ودّ بني أبيه، ثم قطع الطرف الثاني في عهد المعتصم حين مات محمد بن علي، ويقول الشيعة إن امرأته كذلك هي التي قتلته لتفصم عقدة الحياة بينها وبينه، وبذلك عاد البيتان إلى قديم ما كانا عليه من فرقة وشتات وكان حُلماً فانقضى، وكان عقداً فانتثر.
فإن الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد
الاقتداء
وكان لا بد للمرأة أن تأتسي بأحد هذين البيتين: فأما بيت العباس فقد دخل في زمرته جمهور من النساء وأخَصُّهن ذوات الجاه والثراء لأن كل ما في الحياة من لهو واندفاع ينزع بهن إلى تلك الناحية، ومن شأن المقلد أن يندفع في تقليده إلى أبعد ممن يحكيه، وكذلك خرج النساء إلى مستَبَق المرح ومغتنَم السرور، وإذا استثنيت
стр. 479
ما يسوقه ابن خلدون من جدل وتأويل فإن المؤرخين مجمعون أن النساء قطعن الحوائل وكسرن القيود، ولم يكن سرا حديث ملاعب بغداد ومغانيها ودورها وقصورها وما أقيم فيها من عزف وقصف وما ساد عليها من لهو ولعب، فقد تواصفه شعراء هذا العصر ومؤلفوه، ولولا عفة القلم لنقلنا الكثير من الموفور مما وصفه أبو نواس في مقدمة ديوانه وما ساقه أصحاب الأغاني وكتاب بغداد
والمنظوم والمنثور والعقد الفريد وصاحب بلاغات النساء في باب المجون وأشباههم من المؤرخين والأدباء وفي كلها من حديث المرح وإجماح ما لا نراه إلا قطعاً للصلة بين نساء هذا العصر ونساء العصر القديم، وهل كان يُقْدَرُ للمرأة غير ذلك المقدور وقد تقاسمتها الفتن وتنازعتها الأهواء ومن البداءة الظاهرة في تاريخ العراق أن المرأة في هذا العصر شربت النبيذ. ومن حديث الطبري أن نساء أقررن بالخمر بين يدي المهدي. ومن رواية الأصمعي أن أعرابية نزلت بغداد فسقوها النبيذ، فلما أخذتها النشوة قالت: أيشرب نساؤكم هذا؟ قالوا نعم، فقالت زنين ورب الكعبة.
ومما يزيح لنا النقاب عن مبلغ ما أصاب الأخلاق من وهن وانتكاث قول علي بن هشام وهو ممن تصلهم ببيت الخلافة صلة الدم وآصرة المصاهرة: عشقت ألف امرأة ثم انتهيت على ألاَّ بامرأة أفرأيت كيف لانت مقادة النساء وهانت كرامتهن وأُذِيل فضلُ ما لهن من إباء وحياء حتى استعصى على الخبير بهن أن يثق بواحدة منهنّ. كذلك أقام الكسائي إمام اللغة والأدب دهرَة غير متزوج لأنه لا يثق بامرأة، وكثير من علماء هذا العصر درجوا ذلك المدرج فلم يتزوّجوا.
النساك
وكان من شأن تلك الحال أن تدفع كثيراً من الممستورين والمستورات إلى التحرّج منها والانحياز بأنفسهم عن مجالها والابتعاد عن مخالطة من يتصلون بها، وركبوا
стр. 480
في ذلك الحرج مركباً خشناً لا سواء فيه ولا صفاء، فاستوحشوا من الدنيا وانقطعوا عن لناس وتجافت جنوبهم عن المضاجع وتناءت قلوبهم من المطامع، وهذا الفريق من الناس هو الذي اتخذ أبناء الرسول ﷺ غاية مرومة وسنة مأمومة، ثم ما لبثوا أن تجاوزوا بالنسك أبعد حدوده فحرموا على أنفسهم طيبات ما أحل الله فلبسوا الخشنِ الشائك وأكلوا اليابس القَفار وأنسوا
بالظلمة الحالكة واستوطئوا الصلب العسير واندفعوا في سبيل ذلك كما يندفع المهر الأرَنّ فاعتسفوا الطريق إلى غايته واقتحموا الصعاب إلى مداها.
وكان الزاهدات من النساء أشد اندفاعا في الزهد وانقطاعاً إلى العبادة واقتناعاً عن طيبات الحياة من زهاد الرجال، فلا تراهنّ إلا صائمات قائمات، باكيات والهات، وخليق باندفاع المتبرجات المتبذلات أن يقابله اندفاع المتنكسات المتبتلات، فإن حسب المرأة أن تشعر بالموجدة على شيء حتى تفر من كل ما يلابسه أو يحيط به، لذلك كان العراق أحفل بلاد الله بالخّيرات الصالحات اللواتي نهجن طريق الزهد عن فرط علم ورسوخ عقيدة لا عن حماقة وجهالة كما تجد في كثير ممن عرفن بالنسك والتصوّف من أشتات البلاد.
ورأس هؤلاء الناسكات رابعة بنت إسماعيل العدوية البصرية، وكانت مضرب المثل في تدله القلب واحتراق الكبد حباً لله وإيثار لرضاه، وكانت على تواصل صيامها وقيامها وتتابع زفراتها وتدفق عبراتها تستقل كل ذلك في جنب الله. قال يوماً شيخ الزهاد سفيان الثوري وهو عندها: وحزناه! فقالت: لا تكذب! بل قل: وا قلة حزناه، ولو كنت محزوناً لم يتهيأ لك أن تتنفس.
ومن حديث خادمتها عبدة بنت أبي شوال - وكانت أشبه الناس بها في نسكها وعبادتها -: كانت رابعة تصلي الليل كله فإذا طلع الفجر هجعت في
стр. 481
صلاتها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من مرقدها ذلك وهي فزعة: يا نفس كم تنامين؟! يوشك أن تنامي نومة لا تقومين منها إلا بصرخة يوم النشور، قالت عبدة: وكان هذا دأبها أمد دهرها حتى ماتت، ولما حضرتها الوفاة دعتني وقالت يا عبدة: لا تؤذني بموتي أحداً، وكفنيني في جبتي هذه وهي جبة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون.
ومن قولها: ما ظهر من أعمالي فلا أعده شيئاً. ومن وصاياها: اكتموا حسناتكم
كما تكتمون سيئاتكم.
ومما أثر عنها من الشعر قولها في ذات الله تعالت ذاته:
إني جعلتك في الفؤاد محدّثي ... وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانسٌ ... وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
وكانت وفاتها رضوان الله عليها سنة خمس وثمانين ومائة.
عبدة البصرية
وهي امرأة عكفت على العبادة وأفرطت في السهر وأسرفت في البكاء حتى كف بصرها.
سمعت قائلا يقول ما أشد العمى على من كان بصيراً! فقالت: يا عبد الله عمى القلب عن الله أشدّ من عمى العين، وددت أن الله وهب لي كنه محبته وأنه لم يبقى مني جارحة إلا أخذها.
وقدم ابن أخ لها من فراق طويل فبُشرت به فبكت، فقيل لها. ما هذا واليوم يوم سرور! فازدادت بكاء، ثم قالت: والله ما أجد للسرور مسكناً مع ذكر الآخرة، ولقد أذكرني يوم القدوم على الله فمن بين مسرور ومثبور ثم أغمى عليها وسقطت.
стр. 482
فاطمة بنت عباس
المفتية، المدرسة، الفقيهة، العابدة، العالمة، الصوفية، المجاهدة: وكل هذه ألقاب خلعها عليها أهل دهرها، وكلها صفات وصلت بها منتهى حدودها كانت تصعد المنبر وتعظ النساء. وانتفع بتربيتها والتخرّج عليها خلق كثير. وكانت عالمة موفورة العلم في الفقه والأصول، وعلى سُنتها سارت ابنتها زينب فكانت تعظ النساء وتخطبهن في حياة أمها وبعد موتها.
فخرية بنت عثمان البصرية
كانت من أسرة عريضة الجاه موفورة الغنى، ولكن ذلك كله لم يطب لها فخرجت عنه وتزهدت وتنسكت وهجرت الراحة والمنام إلى الصلاة والقيام وقنعت من العيش برغيف وقدح ماء، فذلك قوتها كل يوم.
وكانت أشبه الناس برابعة في الوحشة من الدنيا والتدله في ذات الله. هاجرت إلى بيت المقدس وأقامت أربعين عاماً تقف الليل كله بباب الحرم تصلي حتى يفتح الباب فتكون أول داخل وأخر خارج.
مُعاذ بنت عبد الله العدوية البصرية
روى عنها قتادة والجرمي وأيوب وغيرهم، وكانت إذا شملها النهار قالت لعلَّي أموت اليوم فلا تنام، وإذا جنَّها الليل قالت لعلي أموت الليلة فلا تنام. وكانت إذا أشتد البرد لبست الرقاق من الثياب ليمنعها البرد طيب فلا تنام.
ومن قولها: عجبت لعين تنام وقد عرفت طول الرقاد في ظلمة القبور. وكانت تصلي في اليوم والليلة ستمائة ؤكعة، ولم ترفع بصرها إلى السماء أربعين عاماً.
وأكثر ما كان الزهد والتنسك في البصرة، وتلك كانت شهرتها من قديم عهدها ومن حديث هذا التبذل والتبتل تعلم أن المرأة تمردت على الحياة النَّسوية الكاملة، فليس في هؤلاء ولا أولئك مثل واضح للمرأة التي جعلها الله مبعث الودّ والرحمة للزوج
стр. 483
ومغرس النبل والكمال للولد، بل هي امرأة ثائرة على النظام نافرة من الجماعة، وما لهذا خلق النساء.
ومن العجيب أن المرأة المتنسكة انصرفت عن الزواج! كأنها تعلم أن نسكها لا يتم إلا إذا انفردت عن سائر الناس!
ومما رواه صاحب مصارع العشاق من حديث فتاة من المتبتلات نظر إليها فتى من جيرتها فهام بها فأومرت في الزوج منه فاعتذرت. أقول من هذا الحديث تعلم كيف يصرف هذا الصنف من النساء عنانه عن كل ما يتصل بالحياة.
وحديث ذلك أن هذا الفتى رأى الفتاة فشغفته حبا فكتم أمرها حتى أنحل جسمه وأشفى على الموت، ثم كاشف بأمره امرأة من أهله فذهبت إلى الفتاة - وكان حديث مرض الفتى قد انتهى إليها - وحدثتها ساعة، ثم قالت لها: يا بنية أبليت شبابك وأفنيت أيامك على هذه الحال التي أنت عليها! قالت يا عمتاه أية حال سوء تريني عليها؟! قالت لا يا بنية، ولكن مثلك يفرح في الدنيا ويلذ فيها ببعض ما أحل الله لك غير تاركة لطاعة ربك ولا مفارقة لخدمته، فيجمع الله لك بذلك الدارين جميعاً، فوالله ما حرّم الله على عباده ما أحل لهم من الطيبات. فقالت يا عمتاه، أو هذه الدار دار بقاء لا انقطاع ولا فناء، فتكون الجوارح قد وثقت بذلك، فتجعل لله تعالى شطر همتها وللدنيا شطرها، فتعد الجوارح إذاً التعب راحة والكد سلامة؟ أم هذه الدار فناء وتلك دار بقاء ومكافأة، والعمل على حسب ذلك، قالت يا بنية لا، ولكن الدنيا دار فناء وانقطاع وليست بباقية على أحد ولا دائمة له ولكن قد جعل الله تعالى لعباده فيها ساعات صدقة منه على النفوس تنال فيها ما أحل لها مخافة الشدة عليها، فقالت الجارية: صدقت يا عمتاه، ولكن لله عباد قد علموا وصح في هممهم شيء من ذخر ذخروه عنده، فجعلوا هذا الشكر
стр. 484
ذخيرة عنده، إذا لم تكن الدنيا كاملة لهم، ولا هم منتقصون شيئاً قدموه لأنفسهم؟، وسكنت نفوسهم ورضيت بالصبر على الطاعة لتنال جملة الكرامة، وإن كلامك ليدلني على أن تحته علة وهي التي حملتك على مناظرتك لي على مثل هذا. وقد كنت أظن قبل اليوم فيك أنك تأمرين بالحرص على طاعة الله والخدمة له والتقرب إليه بالأعمال الزكية التي تبلغ رضاه وترفع عنه، فقد أصبحت متغيرة عن ذلك العهد الذي كنت أعهدك عليه، فأخبريني بما عندك وأوضحي لي ما بقي في نفسك، فإن يكن لك جواب أعنتك، وإن يكن يكن فيه حظ تابعتك، وإن يكن أمراً بعيداً عن الله تعالى وعظتك. قالت يا بنية! فأنا
مخبرتك به، والذي منعني من إلقائه عليك هيبتك، فأما إذا بسطتني وعلمت أن عندي خبراً وأمرتني بإلقائه فإن من قصة فلان كذا كذا: قالت قد ظننت ذلك، فأبلغيه مني السلام وقولي: أي أخاه إني والله قد وهبت نفسي لمليك يكافئ من أقرضه بالعطايا الجزيلة، ويعين من انقطع إليه وخدمه بالهمم الرفيعة، وليس إلى الرجوع من بعد الهبة سبيل، فتوسل إلى مولاك ومولاي بمحابه، وأسرع إليه في غفران ما قدمت يداك من عمل لم يهبه ولم يرضه، فهو أول ما يجب عليك أن تسأله وأول ما يجب عليَّ أن أطيعك به، فإذا خدمته بقدر ما عصيته طاب لك الفراغ من سؤال شهوات القلوب وخطرات الصدور، فإنه لا يحسن بعبد كان لمولاه عاصياً وعن أمره ناسياً أن ينسى ذنوبه والاعتذار منها. ويلزم نفسه مسألة الحوائج لعلها داعية له غلى الفتنة إن لم يتداركه الله بكرمه، فاستنقذ يا أخي من مهلكات الذنوب فإن له فضلا وسع كل شيء، ولست مؤيستك من فضله إن رآك متبتلا إليه، ومما قدّمت يداك معتذراً أن يمن بي عليك، فإنه الملك الذي يجود علي من ولي عنه فكيف من أقبل إليه، فلا يشك أنه إذا جاد على من تولى عنه يكون لمن أطاعه مكرماً وإليه وقت
стр. 485
الندامة مسرعاً، وأما بقيت لك حجة تحتج بها، فليكن ما أخبرتك به نصيب عينيك، ولا تراودني في المسألة فلا أجيبك، والسلام.
فلما بلغته مقالتها زاد وجده حتى خولط عقله ومات بعلته.
وبعد: فهذه صورة ما كان عليه نسوة هذا العصر من غلو في كل شيء، ولست أعني بذلك أن نساء العراق لم يبقى منهن إلا الجامحة في أحد هذين الطريقين فما زال فيهن المستورات اللواتي سرن في الطريق السوي الذي لا اعتساف فيه ولا انحراف، ولكن هؤلاء لم يكن في أسلوب حياتهم شيء يستحق التنويه به ولا مزية تستوجب الإشادة بها وهن مع ذلك قُل في النساء.
المرحلة الثانية
الكساد
الزواج قيد من قيود الاجتماع أو ثقة الله بين الرجال والنساء لتنكسر به حدة الشهوة الطائشة، وترعوي به سورة النفوس المندفعة، فإذا تم لها ذلك، سمعت الروح وصفت السريرة، وغلبت الفضيلة، وسار الناس إلى الكمال في نهج وأضح وأمد قريب. لذلك لا تجد الأمة الغوية تنزع إلى الزواج، لأنها تريد إثارة الشهوات لا إمانتها، وإيقاظ الفتن لا إخمادها، وترضية النفوس لا ترويضها، فإذا نزع إليه منها نازع فبقدر ما يقضي نهمة جامحة، أو يسدّ مؤتشبا مطمعاً مؤتشباً، ثم يتركها كما يترك اللقَي المهمل، أو يطويها كما يطوي الثوب اللبيس. وذلك ما كان على أتم وجوهه في حواضر العراق، فقد كسد النساء حتى أصبحت المرأة تطلب بالدينار والدينارين فتساق، وهي تعلم أنها ستسلم حين اللقاء تسليم الوداع. ومما ينبئك عن هذا البوار ما حدث صاحب النجوم الزاهرة، أن عالماً من علماء بغداد زوج من تسعمائة امرأة!
стр. 486
فهل إذا قيل لك فلانا العالم ذبح في حياته تسعمائة شاة أفلا يكون ذلك إسرافاً مبيناً ذلك عالم ليس له إلا ما قيم أوده مما يوصف لأمثاله من بيت مال المسلمين فكم من النساء يمسك الغنى إذا نزل السوق الراكد ومعه ماله وجاهه.
وفي هذا السوق قضى على المطلقات قضاء لا مرد له، فلا يطلب المطلقة طالب ولا تلمحها نفس راغب، وقد كان من سنة العرب حتى آخر العهد الأموي، أن المرأة يخلفها بعد زوجها زوج ومن بعده أزواج، فلا يتضع لها قدر، ولا تطمئن لها عزة، وربما كان آخر أزواجها أسنى شرفاً وأدنى إلى قلوب النساء من أولهم لأن المرأة إنما تخطب لسناء شرفها وعلو بيتها، ونبل خلالها، وذلك ما لم ينقصه الطلاق شيئاً. أما الآن وقد شغل الناس بلذاذات الشباب، واستمرءوا مرعى
الجواري فأقل ما يطلب أبكار العرب بَلْه ثَيّبهن. وإلى تلك الحال أشار الجاحظ في كتاب القيان إشارة الآسف المحزون، وإن من أوضح ما يكشف عن رأي الرجل في المرأة ومنزلتها من نفسه وحالها في بيته قول القائل:
اذهبي قد قضيت منك قضائي ... وإذا شئت أن تبيني فبيني
ولعل أبلغ في الإنباء بحالها، وتجني الرجل عليها قول أبي الشيص:
إذا لم تكن طرق الهوى لي ذليلة ... تنكبتها وأنحرت للجانب السهل
وما لي أرضي منه بالجوز في الهوى ... ولي مثله ألف وليس له مثلي
ثم انظر إلى المجاهرة بالغدر، والمجابهة بمكنون النفس، والمظاهر بدخيلة الرأي في قول القائل:
يا رب مثلك في النساء كثيرة ... بيضاء قد متعتها بطلاق
لم تدر ما تحت الضلوع وغرّها ... مني تجمل شيمتي وخلاقي
стр. 487
وأعقب ذلك الكساد التفريط في حقوق المرأة. ومن ذا الذي يضن بالرخيص المبذول أو يصون البغيض المملول؟ ومن التفريط تركها في غياهب الجهل وطرحها في مطارح الإهمال، فلا تزويد بعلم، ولا تجميل بأدب، ولا تنشئة على دين. وانقضى بانقضاء القرن الثالث للهجرة عهد المرأة العربية الكاتبة والشاعرة والعالمة والخطيبة، وقالوا تَعلة لذلك، إن الذي يُعلم المرأة كمن يصقل السيف ليُقتل به، وقالوا: لا تسق السهم سما لترميك به يوماً ما، وقالوا إذا وصفت المرأة بالعقل فهي غير بعيدة عن الجهل، وقالوا: لا تدع المرأة تضرب صبيا فإنه أعقل منها. وأمثال ذلك ونظائره كثير.
ومن التفريط في المرأة ترك الحفاظ لها، والغيرة عليها. ولا أقول إن ذلك كان سنناً عاماً لأهل العراق، ولكنه مما فشا فيهم، وذاع في أشعارهم وأخبارهم وأثر عن سامّتهم وعامّتهم. وليس بسر ما وضعه أهل هذا البلد من الكنايات وما أرسلوه
من النوادر، وما أذاعوه من الشعر عن المفرّطين في أعراضهم، المغضبين عن الشرف حلائلهم مما استفاضت به الكتب، وتظاهرت عليهِ الأخبار.
إباحة المتعة والزواج الموقوت
المتعة عقد بين الرجل والمرأة صيغته أن يقول الرجل أتمتع أو أستمتع بك، أو ما إليهما مما اشتق من هذا اللفظ، فتجيبه المرأة بالقبول ولا تلزمه الشهود. والزواج الموقت صيغة كصيغة الزواج العامة إلا أنه موقوت بوقت، وقد أحلهما الإسلام معاً باسم المتعة في السنة الأولى من الهجرة، ثم حرمهما الرسول ﷺ في حجة الوداع. على أن المسلمين ما برحوا يتمتعون طوال عهد أبي بكر وصدراً من عهد عمر لأن منهم من لم يصله حديث المنع حتى أخذهم عمر بمنعه
стр. 488
وحسر لهم عن حجة تحريمه عنه، وأقاموا بعدها لا يبيحون المتعة إلا فريقاً من الشيعة أباحوها معتمدين على فتوى نسبت إلى علي ﵇، وأخرى قال بها ابن عباس ﵄، وما زال جمهور المسلمين يتحامون هذا الأسلوب من الزواج حتى أباحها المأمون للمسلمين عامة، وظاهر غرضه الانحياز إلى علي وابن عباس لأنه كان ينذر الأمة بالوبال العاجل والموت المحيق، على أنه لم يحسم داء ولم يدفع بلاء. لذلك حرّمه على الناس اعتداداً بحديث صدع به قاضيه يحيى بن أكثم.
آثام الظنون
استنشى الناس في العهد العباسي نشوة الحضارة وابتلوا سكرة النعيم وسارت المرأة في أثر الرجل ناهزة بدلوه مسلمة أفياء سرحته، والمرأة ذات حِسّ وثاب، تدفعها إلى الكمال فتسير إلى أبعد حدوده وتقذف بها إلى النقص فتتردى إلى أعمق وهاده، فلما أفاق الرجل وأبصر المرأة مرخاة العنان لا يردها زجر ولا يلويها تحرج أنشأ يَلْتدم حزناً ويستشري غضباً كأن لم تكن له في ذلك الْخَطب يد أيّدة
ولا جهد عميق، على أن مما يملك الرجل التعليل والتأويل، فهو إذا ضل راح يلتمس المعاذير لهذا الضلال وربما موّه الرأي فإذا الضلال هدى وإذا الشطط قصد مبين، لذلك راح يعزو ما تورطت فيه المرأة إلى سوى فطرتها ولؤم غريزتها وقبح دخيلتها وأنها أشرى الشر وأسوأ السوء، وزوّر الرجال أحاديث نحلوها رسول الله ﷺ وفيها أن المرأة قرار اللؤم ودارته ومنبت الشر ونبعته كأن لم يكن منها أمه ولا زوجه ولا ابنته التي عدها عديل نفسه، وادخر الله منها سلالة نبيه، ونسبوا إلى فلاسفة اليونان والهند تشبيههم المرأة بالصائد الخاتل والحية الرقشاء؟! ومما زوّروه من الحديث: أوثق سلاح إبليس النساء - النساء حبائل الشيطان - شاوروهن وخالفوهن - إياك
стр. 489
ومشاورة النساء فإن رأيهنّ إلى أفن وعزمهن إلى وهن - النساء شر كله وشر ما فيهن كله الاستغناء عنهن، ومما نحلوه صحابة رسول الله دعواهم أن عليا ﵇ قال لا تطيعوا النساء على حَال. ولا تأمنوهن على مال، ولا تذروهن يدبرن العيال، فإنهن إن تركن وما يردن أوردن المهالك وأزلن الممالك، لا دين لهن عند لذاتهن، ولا عقل لهن شهواتهن، ينسين الخير ويحفظن الشر، يتهافتن في البهتان ويتمادين في الطغيان ويتصدّين للشيطان وقولهم على لسان سَلمان ﵁: النساء عِيّ وعورة، فداووا العي بالسكوت، والعورة بالبيوت. وزعموا أن من الأقدمين من قال لا تدع المرأة تضرب صبيا فإنه أعقل منها. ومنهم من قال إذا وصفت المرأة بالعقل فهي غير بعيدة عن الجهل وأن سقراط رأى امرأة تحمل ناراً فقال: ناراً والحامل شر من المحمول. وقيل له أي السباع شر؟ فقال المرأة.
كل ذلك وأمثاله لم تقبله الألسنة إلا في العهد العباسي، وقد ظهر اختيان المرأة في أحط مظاهر على ألسنة الشعراء، ومن أشنع ما قيل في ذلك العهد.
تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن ... جزوعا إذا بانت، فسوف تبين
وإن هي أعطتك اللَيان فإنها ... لغيرك من خلانها ستلين
وخنها وإن كانت تفي لك إنها ... على مدد الأيام سوف تخون
وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين
ثم ما زال الشعراء يتداركون على ذلك السنن الوعر من هُجر الكلام ومُرَّه حتى جاء أبو العلاء فاتهم المرأة في ذمتها وأمانتها ودينها وخلقها! ولم يدع لها لمحة من الخير ولا حجب عنها لفحة من الشر، وهو في ذلك لم يَعْدُ ما يقوله أهل هذا العصر في المرأة، ونحن هنا نلم بشيء مما قال في هذا السبيل. قال:
стр. 490
وأظهر من ضوارب في نعيم ... نعام في الفلا متهبرات
تَقَيَّد لفظها عن كل بر ... مواشي بالحليَّ مقيدات
عجلن إلى مساءة مستجير ... لواه في الخطا متأبرات
وتنقص خيَرها أثراً وفتكا ... صواحب منطق متزيدات
وسَبَّح بالضحى ظَبَيات مَردٍْ ... بكل عظيمة متمردات
وقد أُغْمِدْن في أرز ولكن ... سيوف لحاظهن مجرّدات
وورّدت اللباس بِلَون صبغ ... خدود بالشباب مورّدات
وقال:
قد أهملت للخِيَاط إبرتها ... فصادفت إبرة لعقربها
فهي تُسَقّي الحليب ليلتها ... ولم يكن من لذيذ مشربها
الحجاب
وكان لزاما بعد أن أوحشت عقيدة الرجل في المرأة أن يقصيها عن منال العيون ويحجبها عن محال المآثم، فما لبث أن أرخى عليها الحجب وأسدل دونها الأستار وعفى على كل أثر ينء عنها أو يشعر بوجودها، وراح يتأول فيما أَباح الدين رؤيته منها، وأكثر من فعل ذلك المتأخرون من فقهاء الحنفية، وأنت تعلم أن
الإسلام أباح للرّجل أن يطَّع على وجه المرأة وكفيها وقدميها. فانظر كيف تأوّلوا في ذلك! أما الوجه فقد قال صاحب الدرّ وتُمنع - المرأة - من كشف الوجه بين الرجال مخافة الفتنة وأما الكف فقد قالوا: إن ظهره عورة كما قالوا: إن باطن القدمين عورة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد من الحجاب، بل إنهم تأوّلوا كذلك في صوتها فقالوا: إن نغمتها - حتى في قراءة القرآن الكريم - عورة. وزاد صاحب
стр. 491
الكافي فقال: لا يجوز للمرأة أن تلبي جهرة لأن صوتها عورة، بل لقد تجاوز صاحب الفتح كل ذلك إلى الفتوى بفساد صلاة المرأة لو جهرت بالقراءة.
كل ذلك مما تأوله فقهاء القرن الخامس وما يليه - باسم الدين - درءا للفتنة الناشئة وحسما للداء الوبيل، وما عسى أن يفعل هؤلاء وقد طغى الفساد على مشاعر الفاضلة فلا يعرف من المرأة إلا أنها ذريعة إلى مأرب فاسد وسبيل إلى مطمح وخيم.
ولقد أغرق الناس في حجاب المرأة حتى عيب عليهم أن يذكروا اسمها، وبعد أن كان معاوية يتحدث عن نفسه في مجلس خلافته فيبدأ حديثه بقوله أنا ابن هند وبعد أن جاء شاعر بني أمية يمدح فحل أجمعتهم عبد الملك بن مروان بقوله:
أنت ابن عائشة التي ... فضلت أروم نسائها
بعد كل هذا وأشباهه أصبح اسم المرأة عورة ذكره وتُتَلمسَ وجوه الكناية عنه، حتى لقد أراد أبو الطيب أحمد بن الحسين المتنبي أن يرثي خَولة بنت حمدان أخت سيف الدولة فسماها فَعْلَة، وهذا قوله:
كأن فَعْلَةَ لم تملأ مواكبها ... ديار بكر ولم تَخْلَع ولم تهب
هذا والمتنبي شاعر نشأ بين الأعراب وسار في مساقهم ورغم ذلك لم يشأ أن يصرح باسم مرثِيَّته وذكر عنها تلك الكناية الغريبة.
فانظر إلى هذا النوع من الحجاب كيف ألجأ الشاعر العظيم إلى تلك الكناية الفاسدة
وأخرجه ذلك المخرج المعيب؟ ولقد أراد ذلك الشاعر أن يصف ذلك الحجاب في رثائه والدة سيف الدولة فدعاه دفناً! وذلك بقوله:
صلاة الله خالقنا حنوط ... على الوجه المكفن بالجمال
على المدفون قبل الموت صوناً ... وبعد الموت في شرف الخلال
стр. 492
وأصبح أولئك الشعراء يعدون الإغراق في الحجاب فضلا ومحمدة حتى البنات الصغيرات وانظر إلى الشريف الرضي كيف أراد أن يرثي صغيرة من هؤلاء فقال:
يا أرض ما الدَّرء في شخص عصفت به ... بين الأقارب والعود والخول
أردت أن تحجب البيداء طلعته ... ألم يكن قبل محجوبا عن المقل؟
إذاً فقد كتب على المرأة الشريفة في هذا العهد أن توأَد في الحجاب وتظل فيه حتى تموت.
ومن بعد القرن الخامس غابت المرأة العراقية في الخفاء حتى عن التاريخ، فأصبح لا يهتم بها ولا يذكرها بخير ولا شر
محنة المرأة في فتنة القرامطة
فرقة الإباحة
القرامطة فريق من غلاة الباطنية، ولهؤلاء الباطنية حديث طويل يجب أن نجمله إجمالا ثم نأخذ فيما قصدنا له.
لقد ظهر مذهب الباطنية في القرن الثالث، والدعاة إليه قوم من أهل فارس أرادوا أن يوهنوا العرب في دينهم كما أوهنوهم في قوميتهم، ولهؤلاء القوم في دعوتهم حذق ورفق فلم يهاجموا الإسلام طعنا وتجريحا كما كان يفعل دعاة الأديان حين يدعون المسلمين إلى أديانهم، بل ظهروا للناس مسلمين لا يعدلون عن الإسلام إلى سواه، ثم تأولوا كل حقيقة من حقائقه وكل شعيرة من شعائره، فتأولوا الملائكة والعرش واللوح المحفوظ والبعث والجنة والنار إلى معان بعيدة لا ظواهر لها، حتى ذات الخالق تأولوها إلى قوى الطبيعة، وتأولوا كذلك الصلاة والصيام
стр. 493
والحج إلى ما ليس من شأنها، وذهبوا يتصلون بنفوس العامة اتصالا بارعاً دقيقاً، فهم يأتون السنة من غير الناحية التي يأتون منها المعتزلى، ويخاطبون المتصوف من غير هاتين الناحيتين، ويبيحون للغواة صنوف اللذات. وجعلوا من حق المرء أن يتزوج أخته وابنته كما يفعل المجوس، وفي ذلك يقول أحد دعاتهم: وما العجب من شيء كالعجب من رجل يدعى العقل ثم تكون له أخت أو بنت حسناء وليست له زوجة في حسنها فيحرمها على نفس وينكحها من أجنبي، ولو عقل الجاهل لعلم أنه أحق بأخته وبنته من الأجنبي
ويرى هؤلاء أن الأنبياء قوم أظهرتهم مواهبهم ونفاذ عقولهم وقوة تأثيرهم في نفوس الناس.
والقرامطة فريق من غلاة الباطينة، وهم يدينون بالقتل والتدمير وإخافة السبيل أكثر مما يدينون برأي أو ينزعون عن عقيدة، وكثيراً ما كانوا يغيرون على
الحجيج في طريقه إلى مكة أو في طوافه أو عند إفاضته فيقتلون الرجال ويذبحون الأطفال ويستحيون من راق في أعينهم من النساء.
وزعيم هؤلاء أحمد بن قرمط، وكان من صائبه حران، ثم قدم الكوفة فاجتذب غليه عامتها وأحل لهم الموبقات وخاض بهم الخبائث وقطع بهم السبيل واجتمع إليه خلق كثير. وخلف من بعده خلف كانوا أشد منه فتكا وأنكى طريقة. وقد حدثوا عن الحسين بن زكرويه القرمطي أنه ربما أغار على المدينة فقتل رجالها ونساءها وأطفالها وما شيتها وخرج وليس بها عين تطرف.
وكانوا يبيحون للمرأة أن تتزوج بالكثير من الرجال.
ومما حدث الطبري عن أبي الحسن المتطبب ببغداد قال: جاءتني امرأة بعد غلبة المكتفي بالله على صاحب الشامة - من زعماء القرامطة - فقالت لي: إني
стр. 494
أريد أن تعالج شيئاً في كتفي، قلت وما هو؟ قالت جرح، قلت جرح، قلت أنا كحال وهاهنا امرأة تعالج النساء وتعالج الجراحات فانتظري مجيئها، فقعدت ورأيتها مكروبة كئيبة باكية فسألتها عن حالها وقلت ما سبب جراحتك؟ قالت: قصتي تطول. قلت: حدثيني بها وأصدقيني، وقد خلا من كان عندي، فقالت كان لي ابن غاب عني وطالت غيبته وخلف على أخوات له فضقت واحتجت واشتقت إليه، وكان شخص إلى ناحية الرقة فخرجت إلى الموصل وإلى الرقة، كل ذلك أطلبه وأسال عنه فلم أدل عليه فخرجت عن الرقة في طلبه فوقعت في عسكر القرمطي، فجعلت أطوف وأطلبه، فبينا أنا كذلك إذ رأيته فتعلقت به، فقلت ابني فقالت أمي؟ فقلت نعم قال ما فعل أخواتي قلت بخير، وسطوت ما نالنا بعده من الضيق، فمضى بي إلى منزلة وجلس بين يدي وجعل يسائلني عن أخبارنا فخبرته، ثم قال دعيني من هذا وأخبرني ما دينك؟ فقلت يا بني أما تعرفنني؟ فقال وكيف لا أعرفك فقلت: ولم تسألني عن ديني وأنت تعرفنني وتعرف ديني؟ فقال:
كل ما كنا فيه باطل، والدين ما نحن فيه الآن، فأعظمت ذلك وأعجبت منه، فلما رآني كذلك خرج وتركني، ثم وجه إلى بخبز ولحم وما يصلحني وقال اطبخيه، فتركته ولم أمسه، ثم عاد فطبخه وأصلح أمر منزلة فدق الباب داق فخرج إليه، فإذا رجل يسأله ويقول له: هذه القادمة عليه تحسن أن تصلح من أمر المساء شيئاً؟ فسألني فقلت نعم، قال امضي معي، فمضيت فأدخلني داراً وإذا امرأة تطلق فقعدت بين يديها وجعلت أكلها فلا تكلمني، فقال لي الرجل الذي جاء بي إليها: ما عليك من كلامها، أصلحي أمر هذه ودعي كلامها، فأقمت حتى ولدت غلاماً وأصلحت من شأنها، وجعلت ألمها وأتلطف بها وأقول لها يا هذه لا تحتشميني فقد وجب حقي عليك، أخبرني خبرك وقصتك ومن والد هذا الصبي؟ فقالت تسأليني عن أبيه لتطالبيه بشيء يهبه لك؟ فقلت لا، ولكن أحب أن أعلم
стр. 495
خبرك فقالت: إني امرأة هاشمية - ورفعت رأسها فرأيت أحسن الناس وجهاً - وإن هؤلاء القوم أتونا فذبحوا أبي وأمي وأخواتي وأهلي جميعاً، ثم أخذني رئيسهم فأقمت عنده خمسة أيام، ثم أخرجني فدفعني إلى أصحابه فقال طهروها، فأرادوا قتلي فبكيت، وكان بين يديه رجل من قواده فقال هبها لي، فقال خذها فأخذني، وكان بحضرته ثلاثة أنفس قيام من أصحابه فسلوا سيوفهم وقالوا لا نسلمها إليك أما أن تدفعها إلينا وإلا قتلنها، وأرادوا قتلي وضجوا، فدعاهم رئيسهم القرمطي وسألهم عن خبرهم فخبروه فقال تكون لكم أربعتكم، فأخذوني، فأنا مقيم معهم أربعتهم، والله ما أدري ممن هو هذا الولد منهم.
قالت: فجاء بعد المساء رجل فقالت لي هنيه فهنأته بالمولود فأعطاني سبيكة فضة آخر وآخر أهنئ كل واحد منهم فيعطيني سبيكة فضة، فلما كان في السحر جاء جماعة مع رجل وبين يديه شمع وعليه ثياب خز تفوح منه رائحة المسك فقالت لي هنيه فقمت إليه فقلت بيض الله وجهل والحمد لله الذي رزقك هذا الابن
ودعوت له فأعطاني سبيكة فيها ألف درهم، وبات الرجل في بيت وبت مع المرآة في بيت، فلما أصبحت قلة للمرأة يا هذه قد وجب عليك حقي، فالهي ألهي في، خلصيني. قالت مما أخلصك؟ فخبرتها خبر ابني وقلت لها إني جئت راغبة إليه، وأنه قال لي كيت وكيت، وليس في يدي منه شيء، ولي بنات ضعاف خلفتهن بأسوأ حال، فخلصيني من هاهنا لأصل إلى بناتي، فقالت: عليك بالرجل الذي جاء آخر القوم فسليه ذلك فإنه يخلصك، فأقمت يومي إلى أن أمسيت، فلما انصرف تقدمت إليه، وقبلت يده وقلت يا سيدي قد وجب حقي عليك، وقد أغناني الله على يديك بما أعطيتني، ولي بنات ضعاف فقراء، فإن أذنت لي أن أمضي فأجيئك ببناتي حتى يخدمنك ويكنّ بين يديك فقال وتفعلين؟ قلت: نعم فدعا قوماً من غلمانه، فقال امضوا
следующие страницы →