← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37060

المطالع البدرية في المنازل الرومية

بدر الدين الغزي

Полный текст (303 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عقلنا نادَّهُ تفلت وتشرد، والقلب كلما آلمه القلق رفع عقيرته وأنشد: هل إلى أن تَنَامَ عيني سَبيلُ ... إنَّ عهدي بالنومِ عهدٌ طويلُ وقد توارد على القلب تقلقان، أنتجهما تحرقان، وأوجبهما تشوقان، أحدهما إلى الأهل والأولاد والأوطان، والثاني إلى مشاهدة مالك الروح والجنان والفؤاد السيد الكريم عبد الرحيم، والثاني أغلب وللأرق أجلب وللب أسلب، إذ لا يقاس الشاهد بالغائب، ولا يلتحق أفراد الجمع بقوة الواحد، ولا الداني الدار بالبعيد المزار: وأبْرَحُ ما يكون الشوقُ يوماً ... إذا دَنَتِ الخيامُ من الخيامِ وقد طال ذلك الليل مع قصره وعَسْعَس، وسألته عن صبحه فقال لو كان حياً لتنفس، كما قال المنشد وهو ابن مُنْقِذ رحمه الله تعالى: ولرُبَّ ليل تاهَ فيه نجمُهُ ... قضيتهُ سهَراً فطَالَ وعَسْعَسَا وسَألتهُ عن صُبحهِ فأجابني ... لوْ كانَ في قَيدِ الحياةِ تَنفَّسا

стр. 107

فلما تنفس الصباح بعد ما أيسناه، وتحققنا أنّه في قيد الحياة، وأظهر نوره في الآفاق وسناه، وانجاب طيلسان الليل، وشمر للفرار من النهار الذيل، وستر كافور الفجر مسك الغياهب، وظهرت الشمس المنيرة على الأنجم الثواقب، قصدت منزل مولانا المشار إليه، للسلام عليه والمثول بين يديه، فوجدته قد جدّ به ذلك المرض، وأثر في جسمه بعد ذلك الجوهر العرض، وأثقله حمل عبئه وبهض، فلما رآني اجتهد في القيام ونهض، فتلاقينا بالتقبيل والعناق، وتهادينا تحف الأشواق، وتشاكينا روعة الفراق، وحنَّ كل منّا حنين المغرم المشتاق، وحمدنا الله تعالى على ما منّ به من التلاق، وتسابقت شهب الدموع من الآماق، وتراكضت جارية في جوانب الأحْدَاق، وتراكمت من العيون سُحبها، وقضى من النحيب نحبها، وأنشدت لبعضهم: ولما وقفنا للسلام تبادرت ... دموعي إلى أن كدتُ بالدمع أغرقُ فقلتُ لعيني هل مع الوصلِ عبرة ... فقالت ألسْنَا بعدَه نتفرقُ ولبعضهم: ووقفتُ بين تأملٍ وتململٍ ... يبدو السرورُ على فؤادي الجازعِ حيرانَ لا أدري لقربٍ رائق ... أذري المدامعَ أم لبعدٍ رائعِ

стр. 108

ثم جدّد البكاء بالانتحاب الزائد، لفراق شيخ الإسلام الوالد، فحرك لواعج أحزان لم تفتر ولم تهمد، وأضرم نيران أشجان لم تنطف ولم تخمد، فأخذ كل منّا من ذلك حظه وبلغ منه نصيبه، واسترجعنا وحوقلنا من تلك المصيبة، وتوجعنا وتألمنا من رشق سهامها المصيبة، ثم أخذنا نجول في ميادين مذاكرة، ونخوض في بحار محاورة، ونستخرج كمائن محادثة، ونستفتح خزائن منافثه، ونجتلي أبكار أفكار، ونجتذب أهداب آداب، ونقيد شوارد فوائد وأوابد فرائد، فمضى لنا من ذلك يوم: أشفُّ من الليالي في صفاءٍ ... وأحلى من معاطاةِ الكؤوسِ فلما استوت شمس ذلك اليوم، ومالت الرؤوس وقت القَيْلُولَة للنوم، خرجنا من عنده للسلام على صاحبنا وصديقنا وحبيبنا الشيخ الأوحد والإمام الأمجد ملا حاجي جلبي عبد الرحيم بن علي بن المؤيد، هو صدر من صدور أئمة الدِّين، وكبير من كبراء الأولياء المهتدين، وقدوة في أفراد العلماء الزاهدين، حامل لواء المعارف، ومحرز التالد منها والطارف، محافظٌ على الكتاب والسُّنَّة، قائمٌ بأداء الفرض والسُّنَّة، حاملٌ لأعباء صلاح الأمة، باسطٌ للضعفاء وذوي الحاجات جناح الرأفة والرحمة، ذو أوْرَاد وأذكار يعمّر بها مَجَالسه، وأحوال وأسرار يغمر بها مُجالسه، وجدّ في العبادة، وجهد في الزهادة، ومواظبة صيام، وملازمة قيام:

стр. 109

يقضى بنفع الناس سائرَ يومِهِ ... ويجفوه في جنحِ الظلامِ مضاجِعُ فينفكّ عنه يومُهُ وهو ذاكرٌ ... وينفكّ عنه ليلُهُ وهو راكعُ فبادرته بالسلام عليه والذهاب إليه لعلمي بأنه ضعيف البُنْية، قديم السن عسر المشية، فقابلني بالرحب والترحيب، وعانقني معانقة الحبيب الحبيب، وترحّم على شيخ الإسلام وبالغ في الثناء وابتهل في الدُّعاء، ولم يدع شيئاً من أنواع الإكرام وأصناف الاحترام وأجناس التلطف في الكلام، فلم أرَ أحسن من لقائه، ولا أزين من ولائه، ولا أجلى من محادثته، ولا أحلى من منافثته، فلم أدر أأرد أم أرود، وافد على مجالس جود أو مجال سجود، وقد كان هو اجتمع بشيخ الإسلام في بلاد الشَّام حين قدمها قافلاً من الحِجَاز، وفاز بمشاهدته كل مفاز، فأكرمه وواخاه وخالله ووالاه، وشهد كل منهما في الآخر أنه ولي الله، فلبثنا عنده وقتاً نجوب في أرجاء المؤانسة ونجول، ثم ودعناه ومضينا إلى محل النزول، وأرسل هو خلف شخص من أكابر الرُّوْم، ليعلم صاحبنا الوزير بالقدوم، فأعاد الجواب بأنّه فرح بذلك وسُرَّ به، وابتهج غاية الابتهاج بسببه، وأن ميعاد الاجتماع به يوم الجمعة بكرة أو يوم الخميس عشية لتنقضي ضيافة السُّلطان بسبب مهم ختان أولاده للأمراء والينكجرية، وهذا المشار إليه هو الهمام المرتضى والحسام المنتضى، حسنة الأيام وغيث الأنام، غمام الندا الهاطل، وحِمَام العدا العاجل، ناظم شمل الفريق، وفاتح باب الأزمة والضيق، جامع أشتات المعالي ومحرز شرط الكمال، فلم يصلح إلاّ له المقر الكريم العالي الأميري الكبير الوزير المشير العالم العادل الفاضل الكامل الممهدي

стр. 110

المشيدي الذخري العضدي، زعيم جيوش الموحدين، عاضد الغزاة والمجاهدين، آصف الدهر وفريد العصر ووجيد المصر وفخر القطر، وسم العداة وآفة الجُزر، ومالك بيض الطروس وسمر السطور بالبيض والسمر، عين الوزراء العظام، ورأس الأمراء الفخام، وأشدهم بأساً وأقواهم جأشاً، مولانا الوزير المعظم والمشير المفخم إياس باشا: ذو عزمةٍ كالتماعِ البرقِ واقدةٌ ... تجىءُ من نُصْره بالعارضِ الهطْلِ لولا السعوُد التي نيطت بهمتِهِ ... لكنتُ أنسبها بُعْداً إلى زحلِ أدام الله سعده، وحرس بعين العناية مجده، ما دارت الأفلاك وسبحت الأملاك، وهو ممن له محبة واعتقاد تام، في سيدي الوالد شيخ الإسلام، وقد حضر إلى عند الوالد حين كان بكلربكي بالشَّام متخشعاً متواضعاً طالباً للبركة والدُّعاء، راغباً في اللحظ والإمداد، ملتمساً للصحبة والوداد، ولم تزل الصحبة بيننا وبينه من ذلك الزمان، والمكاتبات تتردد بيننا وبينه في كل حين وأوان، فوفينا له بما وَعَدَ به وشَرَطَه،

стр. 111

واجتمعنا به بكرة الجمعة في بستانه بر الغَلَطَة، فحصل منه غاية التعظيم، ونهاية التبجيل والتكريم، وتلقاني إلى خارج الدار، وهو مظهر للسرور والاستبشار، فبادر كل منّا لصاحبه وسابق، وصافح واستلم والتزم وعانق، وحيّا بأطيب السلام، ووانس بأعذب الكلام، وسألني عن جماعة من أهل الشَّام، وترحم وترضّى على سيدي شيخ الإسلام، وتألم لفراقه وتوجع وحوقل لتلك المصيبة واسترجع ثم قال: هو باق وسره ما فات، فإن من خلف مثلك ما مات، فإنك نعم الخلف، كما كان ﵀ نعم السلف، ونعتني بالعلم والفضل التام، وشهّرني بذلك عند الخاص والعام، وسألني ابتداءً منه فيما لنا من الحاجات والأشغال، لتقضى بإذن الله تعالى على أكمل الأحوال، والله تعالى هو المأمول، في المقاصد كلها والمسؤول، في قضاء الحاجات جلّها وقلّها، وسألني عن محل النزول فقلت له الآن في عمارة السُّلطان محمد ويريد مولانا السيد أن ينزلنا عنده؛ فقد أخلى لنا مكاناً حسناً وأفرد، فقال: تقدمنا السيد وسبق، وإلاّ فنحن كنا بذلك أحق. وحصل منه من التواضع والرقة ما لا يعبر عنه ولم يصدر في حق أحد غيرنا منه ولله تعالى الحمد أهل الثناء والمجد، ثم اجتمعت به ببيته بالمدينة ثاني مرّة، فبالغ في الإكرام والمبرّة، وأظهر غاية البشر والمسرّة، وأهديت له مهاداة الأحباب، مُصْحَفاً معظماً بخط ابن البَوّاب، وبُرْدَة لطيفة، وسُبْحَة بَلُّور ظريفة، فقابل ذلك بالإقبال والقبول والتقبيل، وأنزل منزلة الكثير ذلك النزر القليل، وقرأ في المُصْحَف في أماكن عدّة، ثم قرأ بعض أبيات من البُرْدَة، وسألني عن معناها، فأجبته بأجوبة ارتضاها، وسألني: هل المعوذتان من القرآن قطعاً أو هما من قبيل التعوذ؟ فقلت له:

стр. 112

هما من القرآن قطعاً. وأمّا ما نقل عن ابن مَسْعود أنّه أسقطهما من مُصْحَفه وأنكر كونهما قرآناً؛ فعنه أجوبة منها أنّ هذا النقل لم يصح عن ابن مَسْعود كما قال الفخر الرَّازيّ وابن حزم في المحلى وغيرهما، وعليه شيخ الإسلام محيي الدين النوويّ، ومنها أنّه إنّما أنكر كتابتهما لا كونهما قرآناً، لأنّه كانت السُّنَّة عنده أن لا يكتب في المُصْحَف إلاّ ما أمر النبي ﷺ بإثباته فيه، ولم يجده كتب ذلك ولا سمعه أمر به، وعليه القاضي أبو بكر وغيره، واستحسنه ابن حَجَر ورد الجواب الأول بصحة النقل عن ابن مَسْعود بإسقاطهما من مُصْحَفه من طريق أحمد وابنه وابن حبّان والطبرانيّ وغيرهم، ومنها أنّه لم يستقر عنده القطع بأنهما من القرآن، ثم حصل الاتفاق بعد ذلك، وحاصله أنهما كانتا متواترتين في عصره، لكنهما لم تتواترا عنده لا أنهما تواترا بعد ذلك، لما يلزم عليه من أنّ القرآن أو بعضه ليس بمتواتر في الأصل، وهذا الجواب لابن الصبّاغ وهو حسن. وقال ابن قتيبة في مشكل القرآن: ظن ابن مَسْعود أنّ المعوذتين ليستا من القرآن لأنه رأى النبي ﷺ يعوذ بهما الحسن والحسين ﵄ فأقام على ظنه، ولا نقول إنّه أصاب في ذلك وأخطأ المهاجرون والأنصار، ومما يؤيد قوله رواية الدارقطنيّ والبزار عنه أنّه كان يحكِ المعوذتين من المصحف ويقول: إنما أمر النبي ﷺ أن يتعوّذ بهما فأعجبه ذلك جداً وسألني في كتابته، ثم عَنّ لي كتابة شرح مختصر لطيف على البُرْدَة، فكتبته في مدّة يسيرة، وسميته الزُّبْدَة، وآخر على آية الكرسي محرر مطوَّل، ففرغ في مدة يسيرة وتكمل، وبيّضت للوزير نسخة بالأوّل، ففرح بها غاية الفرح، وسرّ كثيراً وانشرح، ثم اجتمع به قاضي العسكر قادري جلبي، فكلمه

стр. 113

وأكد عليه بسببي وقال: كل (ما هو) متعلق به فهو متعلق بي، وأمره بالاعتناء بشأني من كل الوجوه، وقال: ليس لي صديق في الشَّام إلاّ هذا الرجل وأبوه، وأمرني بالاجتماع بالقاضي المشار إليه للمعرفة به والسلام عليه، فأكرم غاية الإكرام، وبالغ في التعظيم والاحترام، ووعد بقضاء الأشغال على التمام، وصار بيننا وبينه صحبة ومودّة ومحبة، واجتمعت بمولانا الوزير، والمدبر المشير، قسيم المشار إليه، وتاليه وعاضده ومواليه، المقر الكريم العالي المولوي الأمير الكبير الزعيم المشير الذخري العضدي الممهدي الموطدي، فخر الملوك والسَّلاطين، ذخر الفقراء والمساكين، آصف الزمان وفريد الأوان، ضالة الناشىء الناشد، وبغية القاصي العاضد، وحديقة الرأي الرائد، غيث الندى الغائث، وليث الوغا اللايث، مولانا قاسم باشا الوزير الثالث: خلّى له عن طريقِ المجدِ حاسدُهُ ... ومرّ ساحلَ صوبَ العارض الهَطِلِ حلمٌ وعَزْمٌ ورأيٌ محصدٌ وندا ... سبحان جامع هذا الفَضْلِ في رجلِ فأهّل غاية التأهيل، وبالغ في الإكرام والتبجيل، والتمس ما لنا من الضرورات والمهمات، ليسعى في قضائها على أكمل الحالات، والله تعالى هو المأمول والمقصود والمسؤول. وصار بيننا وبين المشار إليه صداقة ومحبّة ومودّة ومؤانسة وصحبة، والله

стр. 114

تعالى يعاملنا وإياه بخفي ألطافه ووفي عونه وإسعافه بمنه وكرمه آمين). هذا كله وأرباب الدولة مشتغلون بمهم الخِتَان، المتعلق بأولاد مولانا السُّلطان، وليس ثم موكب ولا ديوان، واستمر ذلك مدة وأيّاماً عدة، استوعبت غالب شهر ذي القعدة، فلما انفتح الديوان مفتتح ذي الحجة الحرام، اهتم الوزير بحاجتنا غاية الاهتمام، والتمس منا كتابة ورقة بما نطلبه، وما نحن بصدده، فكتبناها فسلّمها هو لقاضي العسكر بيده، وأكد عليه بسبب ذلك ووصى، فبادر ذلك سفر السُّلطان إلى مدينة برصاه وصحبه إبراهيم باشا الوزير الأعظم، ثم كان عودهما في أواخر شهر المحرم، وسنذكر إن شاء الله تعالى ما جرى بعد ذلك من بلوغ المرام، ثم العود الى بلاد الشَّام إن شاء الله تعالى، ولنلتفت الآن الى سياق التنقلات فى المنازل الرُّوميّة والتفضلات الرحيميّة، فأقول: لمّا نزلت بعمارة السُّلطان محمد، وانفردت بذلك المكان المفرد، وصرت بين أهل تلك المدينة كالشامة البيضاء فى الثور الأسود، أعاني الغربة وأقاسي الكربة، لا أجد مألفاً ولا صديقاً ولا أنيساً ولا شفيقاً ولا رفيقاً رفيقا، فاستوحش قلبي، وطاش لبي، وزاد كربي، وعظم خطبي، وضاق صدري، وقلّ صبري، وترادفت عليّ هموم، وتواردت لديّ غموم، من ذلك فراق الوالدة والأولاد والأهل، وارتكاب خطة أمر لم يكن بالهين ولا بالسهل، ودخولي في أمر لم أعتده، وشأن لم آلفه ولم

стр. 115

أرتده وأعهده، وكنت سمعت من متمعقلين بالشَّام بأنّ هؤلاء الأروام لا يعرفون مقدار أحد، ولا يلتفتون إلى من صدر أو ورد، فزادني ذلك فرقاً، وأكسبني وسواساً وقلقاً، فألقى الله سبحانه على الجنان، ما نطق به اللسان، وأبان عنه البيان، وجرى به البنان، فقلت: إلى الله في كل الأمور توسلي ... بهادي الورى المختار أشرفَ مُرْسَلِ محمدٍ المبعوثِ من آل هاشمٍ ... إلى الخلْقِ بالدين القويمِ المكمَلِ لقد خُصَّ بالإرسالِ حقاً بآخِرٍ ... كما خُصَّ في الإنشاءِ خلقاً بأولِ رفعتُ إليه قصتي من حوادثٍ ... وَهَى جَلَدي منها وقلَّ تحمُّلي ألا يا رسول الله أني عائذٌ ... بجاهِكِ من خَطْبٍ عَراني مُجلّلِ فراقٌ لأولادي وأمي وعشرتي ... وأهلي وأصحابي وداري ومنزلي وتشتيتُ شملي في البلاد وغُربتي ... بغير شفوقٍ لي عليه مُعوّلي وقَصْدِي لحاجاتٍ أروم قضاءَِها ... سريعاً وأخشى أنها لا تعجّلِ ويخفِقُ من إخفاقها القلبُ سيدي ... ويؤنِسُه علمي بأنك موئلي وخوفي من كيدِ الحسود ومكرِه ... ومن قصدِه بغياً إصابةَ مقتلي

стр. 116

ومن ذلّ نفسي عند إعراض مدبرٍ ... وفتنةِ تعظيمٍ لإقبالِ مقبلِ وكثرةِ تردادي لبابٍ محجّبٍ ... عزيزٍ إليه كلّ وقتٍ تَوَصُلي ومن رؤيتي غيرَ الإله وفعلهِ ... لدي كل حالٍ مجمل ومفصّلِ فقوتي منها الله ثم وسيلتي ... محمد الهادي النبي المفضَّلِ فليس على غيرِ الإله توكلي ... وليس بغير الهاشمي توسُلي فببركة التوجه إلى الله الملك العلام، والتوسل بنبيه محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، لم يقابلنا أحد من الأكابر إلاّ بغاية الإكرام والتعظيم والتبجيل والاحترام، والله تعالى هو المأمول في نجاح المطالب وبلوغ المآرب إنه سبحانه لا يخيب من توكّل عليه، والتجأ في كل أموره إليه، وكان من تمام السعد والتوفيق، الانتماء إلى جناب الجَنَاب الكريم العريق، الصَّديق الصديق، بل الشقيق الشفيق، بل الركن الوثيق، والسيد على التحقيق، ذي الحسب الصميم الظاهر، والنسب الكريم الطاهر، والجلال الباهي الباهر، والجمال الزاهي الزاهر، والكمال المتجلي في أعلى كمالات المظاهر، والفضل الذي تطفَّل الفاضل على موائده، واستسقى من نمير موارده، والبيت الذي نمي على قواعد الدِّين بل نمي الدِّين على قواعده، فقام على أرفع أركان وأثبت أساس، وارتفع بالفضل على سائر الناس، كيف وبانيه عمّ النبي صلّى الله عليه

стр. 117

وسلم أبو الفضل العباس، فهو ابن عمّ من ختمت به الرسالة والنبوة، وعمته بركة العمومة الزاكية والبنوَّة، السيد الكريم والسند العظيم الإمام بدر الدِّين أبو الفتح عبد الرحيم، فأنزلني بمنزل جوار منزله، وأنهلني من صافي منهله، وأغدق عليَّ سبب فضله وتفضله، فأقمنا بذلك المنزل حيناً من الدهر نحو شهر ونصف شهر، ثم انتقلنا إلى مكان نفيس لطيف حسن أنيس، أخلاه لنا داخل داره، بالقرب من مكانه الذّي هو مقيم به وجواره، فلم نزل مدة مقامنا في حماه وجواره، فكان لنا جاراً كجار إبي دُواد، وغمرتنا منه بوالغ نعم وسوابغ أياد، وأنالنا من شمول لطفه ولطف شمائله ما برَّد الكبد وأثلج الفؤاد، ومن القرب إلى حضرته ما خفف عن القلب حرّ نيران البعاد، أخالُني بمجالسته جليس القَعْقَاع بن شَوْر، وأقتطف من مؤانسته أنيق ثمر وأعبق نور، وأجتني من مفاكهاته الجنيات ما هو ألذ من فاكهة الجنات، وأتحلى بزلال بحره المتدفق الجاري، وأتجلّى بعقد نظمه الفائق على الدّرر بل الدراري، وأجمع من زهر منثوره ما فاق عَرار نجد، وسما على شذا البان والرند، وأربى على عرف النرجس والورد، وأنبسط في داره تبسطي في داري وأبلغ،

стр. 118

وأتنعم في ظلال جواره بأخفض عيش وأرفع وأرفغ، وأتفيأ من ظلاله أورف ظل وأسبغ، فألفى منه ركناً عظيماً، ومأوىً كريماً، وأباً براً رحيماً، فكان حكاية بعض ذلك الحال ما أنشده طفيل الغَنَويّ، فقال: جزى الله خيراً جعفراً حين أزْلَقت ... بنا نعلُنَا في الواطئينَ فَزَلَّتِ أبَو أن يَملُّونا ولو أنّ أمَّنا ... تُلاقي الذي يَلقَوْنَ منا لمَلّتِ هُم خَلَطونا في النفوسِ وألجأوا ... إلى حُجُراتٍ أدفَأتْ وأظَلَّتِ وقد كتبت عنه أشياء تفوق الحصر، وكتب عني أشياء قصد بها حصول الرفعة والجبر، فمّما كتبته عنه واستفدته منه مؤلَّفه شرح المقامات، وهو عجيب في بابه، ولم يكمل إلى الآن. وشرحه على الخَزْرجيّة، وهو جامع حسن، وشرحه على شواهد التلخيص المسمّى بمعاهد التنصيص، وقد لخصته في منزله في مختصر سميته تقريب المعاهد، وغير ذلك من مؤلفاته ومروياته، وحكى لي عن بعض مشايخ الكبار أنّ العالمة المحدثة فاطِمَة بنت المنجا التَّنُوخِيَّة كانت متزوجة برجل دونها في الفضل، ثم تغاضبا وتفارقا فلامها بعض تلامذتها على فراقه، فأنشدت:

стр. 119

لما رأيتُ الودَّ منه قد انقضى ... وأراد حبلَ الوصل أن يتمزَّقَا فارقتُه ونفضتُ من يدهِ يدي ... وقرأتُ لي وله وأن يتفرَّقَا ونقل بلفظه وقرأته بخطه ما حكى أنّ الرشيد أجرى الخيل يوماً بالرَّقّة، فوقف متلوماً حتى طلعت، فإذا في أولها فرسَان في عنان، فتأملهما فقال: فرسي والله، ثم تبين وقال: وفرس ابني عبد الله، فجاء الفرسَان أمام الخيل، فرسه السابق وفرس المأمون المُصَلِّي فسرّ بذلك. قال الأصْمَعي: فقلت للفضل يا أبا العبّاس هذا من أيّامي فاحتل بأن توصلني فقال: يا أمير المؤمنين إنّ الأصْمَعي قد أعدَّ في أمر الفرسين شيئاً يزيد به سرور أمير المؤمنين، فقال هات يا أصْمَعي. قلت: يا أمير المؤمنين كنت وابنك اليوم وفرساكما كما قالت الخَنْساء، وقد قيل لها كدت تفضلين أخاك على أبيك: جَارَى أَباهُ فأقْبَلا وَهُمَا ... يَتَعاوَرَانِ مُلاَءةَ الحُضْرِ وَهُما كأَنَّهُما وَقَد برَزَا ... صَقْرانِ قد حَطَّا على وَكْرِ حتى إذا جدَّ الجراءُ وقَدْ ... ساوت هُنَاكَ العُذْرَ بالعُذْرِ وَعَلاَ هُتَافُ النَّاسِ أيُّهُما؟ ... قَالَ المُجِيبُ هُنَاكَ لا أدْري

стр. 120

برقتْ صفحةُ وَجْهِ والدِهِ ... ومَضى عَلَى غراتِهِ يَجْري أوْلى فأوْلى أنْ يُسَاوِيَهُ ... لوْلا جَلالُ السِِّنِّ والكِِبْرِ قيل لأبي عبيد: ليس هذا في مجموع شعرها، فقال: العامة أسقط من أن يجاد عليها بمثل هذا قولها مُلاَءَة الحُضْر، يعني به غبرة الفرسين اللذين أثاراهما جعلتهما كأنهما يرتديان بها ويتجاذبانها. ونقل أن عائشة بنت طلحة وسُكينة بنت الحسين كانتا تحت مُصْعب بن الزبير فحجتا معاً ومحملاهما متعادلان، فأنشد حادي عائشة: عائشَ يا ذاتَ الحِمالِ السِّتين ... لا زِلْتِ مذ عِشْتِ كذا تَحُجِّين فأجابه حادي سُكينة: عائش ما ذي ضَرَّةٌ تشنوكِ ... لولا أَبوها ما اهتدى أبوك فقالت عائشةُ لحاديها: أكفف، والقصة مشهورة. وحكى لي عن الشيخ العَلاَّمة زين الدِّين الأسديّ أنّه حكى له عمن نقل عن قاضي القُضاة صدر الدِّين المناويّ أنه قرأ قول الخَنْساء في أخيها:

стр. 121

ولوْلا كَثرَةُ البَاكينَ حَوْلي ... عَلَى أمواتهم لقَتَلْتُ نَفْسي ومَا يَبْكُونَ مثلَ أخي وَلكِنْ ... أُسلّي النَّفْسَ عَنْهُ بالتَّأسِّي فصحفها وما بيكون بتقديم الباء الموحدَة، واحتج به على جواز إدخال الباء على الفعل المضارع كما هو في ألسنة العوام، فذكر ذلك للركراكيّ قاضي القضاة المالكيّ فأظهر استحسان ذلك، وحَسَن له أن يذكره بحضرة السُّلطان وكان في نفسه منه شيء، فلما ذكر ذلك بحضرة السُّلطان، قال المالكيّ: لعلّ هذا تصحف على مولانا، وإنما هو يبكون بتقديم الياء المثناة من تحت، فخجل صدر الدِّين، ويقال إنّ ذلك كان سبب موته والله تعالى أعلم. وأنشدني للعلاّمة المُحَقِّق الشيخ شهاب الدِّين بن شُقَير التُّونسيّ ﵀: سائلي عن قضيتي في البراغيث ... خُذ الشرحَ إن أردتَ التّقصّي نحن فيها ما بين قَتْل وفتْلٍ ... وهي فينا ما بين قَرْصٍ ورَقْصِ وذكر أنّه أنشده أيضاً لنفسه أو غيره يهجو، وهو نوع لطيف: جماعةٌ كلّهم قشورُ ... ما فيهم واحدٌ لبابُ

стр. 122

رابعهم كلبهم ولكن ... من حيثُ ما يبدو الحسابُ وأنشدني لسيدي الوالد شيخ الإسلام ﵁ مما أنشده إياه، وكان قد رآه راكباً في موكب السائر شخصاً أسود يقال له عبد القادر العدويّ: لما رأيت البدرَ سائر أسوداً ... في موكبٍ متلاطمِ الأمواجِ ناديتهم لا تعجبوا من شأنِه ... البدرُ يسري مع ظلامٍ داجي وحكى عن سيدي الوالد ﵁ وأمدّنا بمدده في الدنيا والآخرة، أنّ ممّا وقع له معه وهو نازل عنده في بيته مختفياً في قَيْطُون بيت ابن حجر ببركة الرطلي من القَاهِرَة أنه كان كثيراً من الليالي ما يوقظه للقيام، ويسمع صوته عند رأسه يقول: يا هو قم. وبينه وبينه ثلاثة أبواب مغلقة، وأنه كان كثير التغلّق إذ ذاك، فقال له هذه خلوة حصلت لك فلا تخرج منها حتى تبلغ الأربعين فكان كذلك. وحكى لي عنه ﵁ أنه حكى له أنه كان مغرماً بحب الجمال، فأراه الله تعالى في عالم الحسن صورة حورية، فانتسخ ذلك من قلبه بالكليّة، وأخبرني أنه كان جالساً بحضرته يوماً، ﵁، فدخل رجل يقال له وفا الجوهريّ وهو من محبيه وهو متغير الوجه فسأله عن حاله، فقال: يا سيدي رأيت الليلة مناماً وأنسيته، فقال له ﵁ وهو يضحك: أُخبرك به؟ فقال: نعم، فقال: رأيت النبي ﷺ وهو يخبرك أن أجلك اقترب فتيقظ لنفسك، فصرخ وفا

стр. 123

صرخة كادت روحه تخرج معها، وقال: نعم، هكذا والله رأيت، ثم قام من المجلس وهو مضطرب متواجد، فما كان إلاّ دون الشهر ومات وفا المذكور. وحكى لي عنه أيضاً غير ذلك، وكراماته ﵁ أكثر من أن تُحْصَر، وقد ذكرت منها جانباً في القصيدة القافيّة التي رثيته بها، وسأذكرها قريباً إن شاء الله تعالى. وأخبرني عن قاضي القضاة محب الدِّين بن الشِّحْنَة عمن ينقل عنه من أهل العرفان والعلم، أنّ من قرأ آية الكرسي إحدى عشرة مرة عند قصده حاجة أو دخوله على كبير، فإنه يقضي حاجته ويعظم في عين ذلك الكبير، ولم يزل في حرز وحماية ونجاح مقصد وكفاية، (وقد نقلت ذلك أيضاً عن بعض من اعتقد فيه الصلاح، وذكر أنها تقرأ سبع عشرة مرَّة)، ونقل عن بعض الصلحاء من أهل مِصْر أنه من قرأ بعد العُطَاس فاتحة الكتاب ثم قوله تعالى: (قال من يُحيى العِظَامَ وَهيَ رَمِيم، قل يُحيها الذي أنشأها أول مَرَّةٍ وهو بِكلِ خلقٍ عَليم) ومرّ بلسانه على أسنانه جميعها، فإنها تحفظ من الآفات، ولا يصيبه منها سوء، ومما أنشدنا إياه من نظمه، فسح الله في أجله، ونفع بعلمه قوله، وهو معنى مخترع: أحبُّ من البريّةِ كلَّ سَمْحٍ ... قريب المستقى سَهْلَ القيادِ إذا ناداه مُفْتقِرٌ لبرٍّ ... أجابَ نداهُ قبل صَدَى المنادي وقوله مضمناً: دَعْ الهوى واعزُمْ على ... فِعْل التُّقى ولا تَسَلْ فآفة الرأي الهوى ... وآفة العَجْز الكَسَلْ

стр. 124

وقوله أيضاً: افعلْ جميلاً وانْسَه تُحصِه ... من سرِّه يدري ونجواه فإن أسنى حُلَّة لامرئٍ ... أن يفعلَ الخيرَ وينساه وقوله وقد جلس فوقه في مجلس بعض الرؤساء جاهل: إن يقعد الجاهلُ فوْقي ولمْ ... يَرْعَ ذمامَ العلمِ والأصْلِ فالشمسُ يعلو زُحَلٌ أوجَها ... وهي على الغاية في الفضلِ وقوله: كثير من الخلان يبدي تملقاً ... وفي قلبه داءٌ من الشر موبقُ كبحرٍ أُجاجٍ لا يسوغُ مذاقُهُ ... يُرِيكَ صَفاءً قاعُهُ وهو مغرِقُ وقوله: في الدهر قومٌ ملئت نفوسُهم من خبثِ أجدُّ في فراق ما قد ألِفوا من رفثِ اغسل رجلي فإنك نويت رفعَ الحدثِ

стр. 125

وقوله: حالُ المقلّ لم يزلْ ... يشكو اضطراراً مَسَّهُ يقول لما ضيفه ... يُذْهب عنه أُنسهُ إنّ الذي يزورني ... يظلمني ونفسَهُ وقوله: يا واهباً غفرانَه لمن أعزّ شأنه ... هبْ لفؤادي قوةً تزِدْ به إيمانَه حتّى يقول دائماً لمن يرى جثمانه ... سبحانه سبحانه سبحانه سبحانه وقوله: أرى الدّهرَ يسعِفُ جُهَّاله ... فأوفرُ حظّ به الجَاهِلُ وانظر حَظِي به ناقصاً ... أيحسَبُنِي أنني فاضلُ فأجبته بديهة بقولي: أعَبْدَ الرحيمِ سَليلَ العُلا ... ويا فاضِلاً دونه الفاضِلُ

стр. 126

أتَعْتَب دهراً غداً موقناً ... بأنك في أهله الكامِلُ وقوله أحجية: يا سيداً قد تسامى ... عن كلِ شين ومقتِ ما بنورِه منتهاها ... مرادف غِبَّ وقتِ فأجبته بقولي: يا سيداً ذا نعوت ... علَتْ على كل نَعْتِ لعلّ آخر صَادٍ ... بما تحاجيه يأتي وبقولي أيضاً: يا بحرَ علم وجودٍ ... لكل غادٍ وصَادِ لعل ذا اللغز يأتي ... في ختمٍ سورة صادِ ومن الغرائب ما سمعه في المنام، وقد مات السُّلطان سليم خان، وأُخْفِي موَتُه إلى أن يحضر ولده سليمان:

стр. 127

قُل لشياطينَ البغاة اخسئوا ... قد أوتي الملك سُلَيمان وأخبرني أنه رأى نفسه في المنام وهو ينشد ويشير للأديب علاء الدِّين ابن مُلَيك وكان حيّاً: هذا الأديبُ لص نشَّال ... في كلّ بيتٍ كمْ لو خزيَهْ يبطُّ يشْرُطُ ويشْتَالُ ... وَيْش يعملوا أهلُ قطيَهْ وكتب لبعض الأكابر وقد التمس منه حاجة ففوّض قضاءها لرجل اسمه صالح قوله: يا مظْهرَ الآمل والمرتجي ... ومَفْخَر الحامِد والمادحِ خالص ودي لم يكن فَاسِدَاً ... فلا تَكِلْ أمري إلى صالحِ وكتب لقاضي قُسْطَنْطِينيَّة سعدي، وقد عَمَّر منزلاً وسكن فيه يوم النيروز قوله: يا عظيماً دونَه شمسُ الضحى ... بدليل قطٍ ما فيه خفا

стр. 128

هي بالمنزل تعطى شرفاً ... وبك المنزل يُعطى الشرفا وأنشدني أول اجتماعي به في بيته بمنزلة القُسْطَنْطِينيّة في هذه الرحلة قوله: عَجِبَ الأنامُ لنورِ قُطْرٍ زُرْتَه ... يا ذا العُلا والمجدِ والتمكين فعجبتُ من إعجابهم وأجبتهم ... لمَ لا يُضِيءُ الكونَ بدرُ الدينِ وأنشدني من قصائده الطوال، حرس الله ذاته من عين الكمال، شيئاً كثيراً كتبت منها جملة في غير هذا الكتاب، واخترت أن أذكر هنا منها ما أَرْسَلهُ لشيخ الإسلام الوالد ضمن كتاب وهو قوله: يا فؤادي وأين مني فؤادي ... لستُ أدريه ضلَّ في أي وادِ شُعَبُ الحبِ قد تشعّبَ قلبي ... في ذراها وغابَ عنه الهادي يا خليليّ إن تَمُرَّا بلَعْل ... فانشداهُ ما بين تلك الوهادِ وهو في قبضةِ الغرامِ أسيرٌ ... دون فادٍ أو هالك دون وادي ليس غيرُ الصّدى يردُّ جواباً ... لي عنه في حالةِ الإنشادِ كلما قلتُ أينَ ضَلّ فؤادي ... رَدّ لي منه أينَ ضَلّ فؤادي كم ليالٍ سهرتُها وسميري ... في دُجَاها زُهْرُ النجومِ البوادي

стр. 129

أذْرَعُ الأفْقَ بين شرقٍ وغربٍ ... بجفونٍ تعافُ طيبَ الرَّقَادِ أحسنتُ صَنْعةَ البديعِ فوافتْ ... بِجِناسٍ بين السّها والسُّهاد وكذاك الطِباق لاح فصبري ... في انتقاصٍ ومَدمعي في ازديادِ والصباح استعار من هَجْرِ حُبي ... حُلّةً أورثته طُولَ التمَادِي فترى الطّرفَ في ارتقابِ سناه ... مثل رُقْبَى أهِلّةِ الأعيَادِ لو بدا لي وجهُ الرَّضِيّ لأغْنَى ... عن سناه بنورهِ الوقّادِ سيدٌ لم يزلْ يَمُدّ مواليه ... بفيضٍ من أغزرِ الأمدادِ ولعبد الرحيم رَحْمَى لَديْهِ ... هو في ظلها وثيرُ المِهَادِ لم يزلْ منه لي نتائجَ لطفٍ ... غادياتٌ تفوقُ سحَّ الغوادي والتفاتٍ بخاطرٍ حائلٍ ما ... بين حالي وبين أهلِ العنادِ وسلوكٍ على طريقٍ قويمٍ ... مُوصِل هَديُه لنهجِ الرشادِ لستُ أنسى لياليا بِحمَاهُ ... بتُّ فيها قريرَ عينِ الودَادِ راتعاً من ولائها في برودٍ ... نَسْجُها محكمٍ بِصُنْعِ الأيادِ

стр. 130

وظلالٍ من فيضِهِ سابغاتٍ ... لم يزلْ في جبرها فيَّ امتدادِ وتلافٍ لمّا بدا من تلافٍ ... بصلاح يزيل عَيْثَ الفسادِ ليتَ أيامُنا المواضي تفدّى ... بالبواقي من جالباتِ البعادِ فله في الحَشَا اضطرامُ لهيبٍ ... ليس يُطْفى بغير نيل المرادِ حقّق الله في التلاقي رجاءً ... هو للنفس أشرفُ الأزوادِ وأزاحَ الأعذارَ عنه وحيَّا ... وأراح الفؤادَ ممّا يعادي يا وليِّ الوجودِ عَطفاً على من ... هو من مُنْتداك في خير نادِ ما له غيرُ ظلِّ جودك ظلٌ ... فهو يعدو به على كلِ عادِ دمتَ للعالمين بحرُ علومٍ ... يرتوي منه كلّ صادٍ وغادي ولشيخِ الشيوخ نجلك سعد ... ذو نمو من مالك الإسعادِ ومعاليه قرّة لعيونٍ ... من نوالٍ وسخنة للمعادي ما أذيل اللقاء من يوم بين ... وأعاد السرور لطفَ المعادِ

стр. 131

وما كتبه أيضاً لشيخ الإسلام أيضاً ضمن مطالعة وأراد إرسالها صحبة مولانا حاجي جلبي حين قدم الشَّام حَاجّاً، ثم لم يتيسر إرسالها معه فأرسلها صحبة غيره، واختصر منها الأبيات المتعلقة بالمشار إليه: هل لي إلى سُبل اللقاءِ وُصُولُ ... لأرى وحبل مسرتي موصولُ وتقرّ عينٌ طالما باتت به ... والجفن معها بالقذا مكحُولُ ويقرّ قلبٌ دائم خفقانه ... ويصحّ جسْمٌ بالأسى مَعْلولُ وأقولُ غفرا للذي جَنَتِ النّوى ... وأحيدُ عن ذمّي لها وأحولُ وأرى الذي فوقَ العنان محلُّه ... رأي العَيان وينقضي التخييلُ وتزولَ أوهام الحُلُوم وينتهي ... شبه يحقّق دَرْكَها التأميلُ فهنالك الآمالُ يذهبُ عينُها ... ويفوت وسواسٌ بها ويزولُ وأرى محيّاه رضياً كاسمه ... عني وبرغمِ حاسدٍ وجهولُ فهو المنى والقصدُ والسؤلُ الذي ... أبغيه والمرجوّ والمأمولُ يا من به وبحبِهِ وولائه ... أحيا وأُقْبَرُ لستُ عنه أزولُ عودتني بلطيف برٍّ عادةً ... كم عادَ لي مما تُعِيدُ جميلُ

стр. 132

ترتاحُ روحي عندَ لقياها كما ... يرتاحُ من روح الشّفاءُ عليلُ ويهزُّني عند إذكاري لطْفها ... طربٌ كما هزَّ الحكيمَ شمولُ وأظلّ مرتقباً طلوعَ سعودِها ... رُقْبى الهلال وقد أطلَّ حلولُ والآن إبطاءُ سيبها في سحّه ... وغَدَتْ رياض الأنس وهي محولُ وذوتْ غروس أنت غارسها ومِنْ ... شأن السحابِ تكرم وهطولُ فابلل بها رَمَقاً متى أهمَلْتَه ... حُقَّ الفناء وحُتّم التَحْويلُ ولأنت أكرم شيمة من أن يرى ... لك سائل والدمع منه يسيلُ واهنأ بلقيا سيد فرع الورى ... عِلْماً وقد طابت لديه أصولُ متفرّدُ جمعت حسان خلالِهِ ... غرراً لها زهرُ السّماءِ حُجولُ عرف المعارفَ قد تضوّع نشرهُ ... منه وبقولهِ عليه دليلُ حَسْبُ المشيد به اختصارُ حديثه ... متعمداً فالشرحُ فيه يطولُ يهوى لقاكَ بالسَّماع وقد أبى ... إلاّ العيان فجدَّ منه رحيلُ

стр. 133

وإذا التقى البحران قُلْ في مجمعِ ... البحرين مهما شئت فهو قليلُ والعبدُ في حال التلاقي راغبٌ ... في دعوةٍ تعطى المُنَى وتُنيلُ لا زلْتَ ظلاً سابغاً يأوي لهُ ... من كان في طلبِ الخلاصِ يجولُ ولنجلك البدريّ أسنى رتبةٍ ... تسمو إليها هِمّةٌ وتميلُ ويدومُ كهفاً للأنام وملجأً ... في ظلّه تأوي الورى وتقيلُ ما سُلَّ سيفُ الفجرِ من غِمْدِ الدُّجى ... وَبَدا بكف الشّرقِ وهو صقيلُ وما كتبه له أيضاً ضمن مطالعة من أدرنة: مُحبّك فيك كما تعهدُ ... من الودِّ والشوقِ بل أزيدُ يرى كلّما بعدت دارُه ... صباباته عنه لا تبعدُ ومهما تقادَم عهدُ اللقاء ... جديداً تلهفُهُ يوجدُ فأنَّى وكيف ومن أين ... للدنوِّ سَبيلُ إذا يُقْصَدُ وكم بيننا جبلٌ شاهقٌ ... تخلّلَ ساحَته فَدْفَدُ وسد من المنع أسوارة ... تسوّرها قطّ لا يحددُ

стр. 134

ولكن إذا جاء عونُ الإله ... تسهّلَ ما كان يستمردُ فيا واحداً في العُلَى والنهى ... وهل فيهما غيرك الأوحدُ رضي القلبِ منك منأى الذي ... له طولُ دهري استرفدُ فكُنْ كاسمك المجتبى إنه ... لطِبْق مُسَمّاك إذ يوردُ ولا تخلني من دعاءٍ بهِ ... رجائي قويٌّ لما أقصدُ فلي مددٌ منه أحيا به ... وبعد الممات إذا أُلحَدُ بقيتَ من الله في نعمةٍ ... تفوق يدَ الحصر إذا تُعْدَدُ ونجلُك بحرُ العلوم الذي ... يزيدُ على البحرِ إذ يزبدُ ولا زلتما نيرّي دَهْرِنَا ... عَظيميهِ ما وُجِدَ الفرقدُ وكتب إليه وامتدحه بقصائد أخرى كثيرة، ذكرتُ غالبها في غير هذا الكتاب، وكتب إلى المرحوم ملك الأمراء كافل المملكة الشَّاميّة الأمير أركماس، وقد لبس خلعة:

стр. 135

قد أمكنتْ فُرص الإقبال فانتهزِ ... وحُلْ موعَدها بالسَّعدِ فانتجزِ واركَبْ إليها براقَ العزم وامضِ لها ... كالبرقِ يومضُ خِفَافاً على نَشِزِ واجذبْ عنانَ الأماني غيرَ محترسٍ ... وخذ بفودِ المعالي غيرَ مُحترزِ واهززْ بكفِ اقتدارٍ كل ذي ميسٍ ... واطعنْ به كلَّ قلب غير ذي ميزِ وأمدد يمينك للاجىء بمكرُمَةٍ ... وابسطْ يسارك للمسترْفِد العوزِ وسُسْ بحزمك ما في الناس من مرحجٍ ... ورُضْ بعزمكَ حدّ الجامحِ النَشِزِ وحاذرْ الخلقَ واصحبهم على دخلٍ ... ولا تدع حالةَ المستوفزِ الحَفِزِ واستعمل الحزم في كلّ الأُمور فمَنْ ... يضيّعِ الحزم لم يظفرْ ولم يَفُزِ واهنأ بخلعة عزّ بالوفا ورَدَتْ ... وبالهناء قد غَدَتْ مرقومةَ الطرزِ واخلَعْ بلُبْسك إياها قلوبَ عِداً ... وجُوههم قبحت من شدّة الشَّمزِ وأعذرْ بفضلكَ في تقليل عدّتها ... فالعذرُ أوضحُ من شمس على وَشَزِ ضاقت عليَّ قوافيها ألم ترني ... أتيت بعد نفيس الدُّر بالخَرَزِ

стр. 136

لو كان لي بَسْطُ عيشٍ كان لي لسنٌ ... لذي البلاغة لم يحوج ولم يَعُزِ يا مَنْ بأخلاقه فاتَ الملوك عُلا ... كما تفاوت بين الصّدرِ والعجزِ ومن بنائله أحيا الوجودَ كما ... يحيي الحَيا حين يهمي ميتُ الجُرزِ دُمْ وابق واسلمْ وجُزْ في دولةٍ وعُلا ... ما لم يحاوله مخلوقٌ ولم يَحُزِ واستجلها بنتُ فِكْرٍٍ في مروط سنا ... لغيرِ مجدكِ لم تُملَكْ ولم تُحزِ زائيةٌ لم تدعْ مرمى لذي غرضٍ ... ولو أتى ببسيطِ القولِ والرّجزِ كفيلةٌ للذي يأتي يعارِضُها ... أن لا يعود بغيرِ الهزؤ والطّنزِ واسمحْ لها بقبولٍ منك يجبرها ... ولو بلَحْظٍ من الإيماءِ والرمزِ وكتب إلى القاضي سعدي بن عيسى قاضي القُسْطَنْطِينيّة: قرّتْ عيون العُلا مُذْ بتَّ راعيها ... وبالثناء شَدَتْ إذْ صِرْت داعيها ومنك قد أشرقت أيامها وغدت ... من مدّها بالسنا بيضاً لياليها

стр. 137

وكيف لا يبهج الأيام سؤود مَنْ ... سمت معاليه عن قرم يساميها لا تسألن سوى علياه عنه تصب ... فالدار تنبئ عن مقدار بانيها كأنه نسخة في المجد مثبتة ... ومن عداه دخيل في حواشيها انظر بعينك في الأشخاص هل تر من ... يولي المعالي سواه أو يُواليها واستخبر البيض عن مقدار همته ... تُخبرك بالعجز منها عن مَواضِيْهَا واستفهم السُّمر عن أدنى عزائمه ... تجبك عن كنه علياها عَواليها يا من يقيس جداه بالسحاب أفق ... فالبحر يعجز عنها إذ يُجَارِيْها جدواه مال وجدوى السحب جود حيا ... فالفرق كالصبح يبدو في دياجيها أكرم به بشراً أنشأه بارئه ... على خلال تعالَتْ عن مُبَاريها آثاره لكن بالتفصيل مفصحة ... عن حسن ظاهرها منه وخَافيها من أين ما جئتها تظفر بمخبرها ... أمن قوادمها أم من خَوافيها تبارك الله كم من آية ظهرت ... من مجده وفم الأيام تَاليها

стр. 138

يكفيك أن عطاياهُ وأنعمه ... تجيب قبل صدى عافٍ يُناديها ما فيه عيب سوى أن الوفود له ... تنسى بتأهيله قربى أهاليها أقامه الله للأيام يظهر ما ... محت يد الدهر من آثار عَافيها إذا تأملته حق التأمل يا ... من ليس في قلبه بلوى يُناجيها تظن أن كرام الناس قد نشروا ... والأرض جادت على الدنيا بما فِيْها يا واحد العصر صبح الفضل منك بدا ... كالشمس في الظهر لا شيء يُواريها من مغرب الكون للشرق المنير فلا ... يرى لعلياك ذو مجد يُوازيها أين الثرى والثريَّا في كثافته ... ونورها وتجليها بزاهيها تعلم المكرمات الناس منك فقد ... أصبحت مرشدها فيهم وهَاديها كم عاطل الحال مثلي مسه كرم ... من منتداك فأمسى وهو حَاليها وكم شكى قسوة الأيام ذو كربٍ ... فما انثنى عنك إلاّ لان قَاسِيْها وراضها منك تدبير ومرحمة ... فأبدلته بوصل من تَجَافِيْها وكم غدت سحب الإحسان ممسكة ... وجود كفك يُغني عن غَواديها

стр. 139

إيه لعمري قذفت الأنام بما ... حويت من رتبٍ أعيت مَراقيها وحزت من شيم شام اللحاق بها ... لمعُ البروق فلم يلحق هَواديها وسدت بالسؤود المحض الذي عمرت ... ربوعه لك أخلاق تُعانيها وسعيك الجد في تأثيل مكرمةٍ ... بين البرية مشكور مَسَاعيها دم وابق واسلم لمعروفٍ تجدده ... بين الأنام لمثريها وعَافيها في دولة بدوام السعد دائرة ... والله باللطف والإسعاد حَاميها واهنأ بنور وزعام عائداً أبداً ... إليك منه مسرات تواليها في صحة واغتباط وانبساط يد ... فيما له النفس تهوى من مَراضيها وما لذاتك في الدنيا وزُخْرُفها ... شيءٌ يساوي علاها أو يُدانيها يا من بعليائه الأمثال سائرة ... ما بين حاضرها تبدو وبَاديها في مثل ذا اليوم يهدي القادرون إلى ... أربابهم غرراً تسمو غَواليها وليس لي غير مقدور الثناء فلي ... فيه حدائق قد طابت مَجانيها إن أدعها لك في حمدٍ وفي مدحٍ ... جاءت إليّ مطيعات قَوافيها

стр. 140

ففيه أهديت أبياتاً إذا قبلت ... أربت على دُرَرٍ تزهو مَرائيها عسى تهب لها ريح القبول فلا ... يُرَى لها شاعر يوماً يُحاكيها وعش لمجدٍ يرى الأنامُ منكَ بهِ ... مفاخراً تملأ الدنيا مَعاليها وسعد نجلك ممدود الظلال فلا ... يُرَى لعليائه نقص يُشَانيها في كل لمح له مجد يجددهُ ... محمود أخلاقه اللاتي تُراعيها ما رنحت عذبات الرند بارحة ... وما ترنم في الأدواح شَاديها ونظمه ونثره لا يعدُّ ولا يحصى، وفضائله وفواضله لا تحدُّ ولا تستقصى، وهذا القدر كاف، وبما قصدناه واف، وممّا حصل منه من الخير العام والجبر التام وغاية الأنعام، ما ألزمني بإملائه عليه، أحسن الله تعالى إليه، بعد أن أحجمت عن ذلك، وحق لمثلي أن يكون عن مثل ذلك مُحْجِماً، ورقى دمي حياءً وخجلاً، حتى لا تجد منه محجماً، وأستعفيته فما أعفى. ولم يزل جازماً ومصمماً، فأجبته إلى ذلك وإن كان فيه متهكماً، فمما كتبته بخطي وخدمت به حضرته الكريمة قصيدتي القافيّة التي رثيت بها سيدي شيخ الإسلام الوالد، ﵁ وأرضاه، وجعل فردوس الجنة منقلبه ومثواه، المسماة بنفث الصدر المصدور وبث القلب المحرور، وقد تقدمت الإشارةُ إليها، والوعدُ بها، وهي هذه: قلبٌ يذوب وأدمع تتدفق ... والجسم بينهما غريق مُحْرقُ وجوانح فنيت ضناً ومرائر ... شقّت وحق لمثلها يتشققُ

стр. 141

وتنفس الصعداء ناراً من جوى ... كبد تقطع بالأسى وتمزقُ أواه من حدث تذوب له الحشا ... وبدونه الأرواح منا تزهقُ ومصيبة عمت وطمت فالورى ... من خطبها في نار كرب تقلقُ والجو أظلم والبلاد تضوحت ... والأرض ترجف والصخور تفلقُ لم لا وشمس العلم غابت في الثرى ... أبداً وفي يوم القيامة تشرقُ وضياء عين الكون زال لفقدها ... إنسانها فإلى العلا لا ترمقُ والبحر غاض ودره متألق ... والبر فاض وسره متدفقُ قسماً بجوهر دره المكنون أو ... بمصون سر نشره يستنشقُ وبطيب عرف من علوم نشرها ... في الكون في كل المعالم يعبقُ وبحبل عرفان به مستمسك ... وإلى الوصول به له متعلقُ ما ذقت طعم النوم بعد فراقكم ... إلاّ لماظاً أو خبالاً يخنقُ أو لحظة فيها أراكم فأجبروا ... بدوامها وعلى العبيد تصدقوا

стр. 142

إني لأعلم أنكم لم تغفلوا ... عن عبدكم حتى بكم يستلحقُ وأنا بذا مستبشراً لكنني ... من حجب حسمان الثرى متقلقُ فلعل يرفع ذا الحجاب بسرعة ... وأفك من قيد الجسوم وأطلقُ إني سئمت من الفراق وإنني ... من مر طول زمان مرا فرقُ ليس المرؤة سادتي أن تتركوا ... ناراً بعبدكم تشب وتحرقُ أو تتركوه بعدكم يا منيتي ... بسهام أغراض المصائب يرشقُ أو تتركوه للبلاء متعرضاً ... فلقد غدا بولائكم يتدرقُ بل خلصوه من شوائبِ دهرهِ ... فعليه أنتم منه حقاً أشفقُ والعبد عبدكم ورقُ جنابكم ... والقصد منكم أنه لا يعتقُ منوا بقرب لا يقول وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنقُ بل أنت راضٍ يا رضيّ ولم تزل ... عينُ الرضى منكم إليه تحدقُ حاشاكم أن تغمضوها عنه أو ... أن تصرفوها بالقلى أو تطرقوا

стр. 143

يا سادتي لولاكم ما كان لي ... فضل به بين الورى أتخلقُ كلا ولا ذكر ولا صيتٌ ولا ... قد شاع أني في العلوم محققُ كلا ولا ألقيت درساً مبهجاً ... قيدت فيه أوابداً لا تلحقُ كلا ولا أبديت بحثاً فاتحاً ... باباً إلى التحقيق قد يتطرقُ كلا ولا جمعت تصانيفي التي ... سارت مسير الشمس ما يتفرقُ كلا ولا بالشيخ ادعى في الورى ... كلا ولا وفقت في ما أنطقُ كلا ولا ألبست ثوب جلاله ... متجدداً طول المدا لا يخلقُ والظن فيكم أن فيضكم الذي ... قد عمني قدماً دواماً يغدقُ حاشاكم أن تجزروا والمدد الذي ... عم العوالم سيبه المتدفقُ حاشاكم أن تتركوني ساعياً ... فيما لعل السعي فيه يخفقُ حاشاكم أن تقطعوا عاداتكم ... يا سادةً عاداتهم لا تخرقُ والخرق للعادات من سيماهم ... والعهد منهم دائم والموثقُ أو لم تقم عشراً بلا قوت ولا ... حدث وأنت بوارد مستغرقُ

стр. 144

هلا تركت المالكيّ بمجلس السُّلطا ... ن مطروحاً صريعاً يشهقُ لما بغى عدواً عليك ولم يفق ... حتى غدا مثواه لحد ضيقُ أنجزت في الفيقى ما أوعدته ... لما بغى عدوا فقلت سيشنقُ أنت الذي في نحو عام لم تزل ... من نزر مال باتساع تنفقُ هلا سمعت صريخ نور الدِّين من ... أرض الحِجَاز وكان باسمك يصعقُ وبِمصْرَ تخبر أنّ خالتك التي ... تدعى بزينب قد نعتها جلقُ في يوم ماتت مثلما أخبرتهم ... بوفاة أولاد وأنت مصدقُ أخبرتنا أن الجراكسة انقضت ... أيّامهم من قبل أن يتمزقوا وذكرت غربتهم وأن غرابهم ... بالبين بينهم يحوم وينعقُ وذكرتَ أن الرُّوْم تملك ملكهم ... مع أنهم لم يثبتوا أن يلتقوا والشّام تسلب منهم كالشعر سُلَّ ... من العجين وما به ما يعلقُ أو لم تخبرني بأن أخاك لا ... يبقى سبوعاً وهو حيٌ يرزقُ مع صحةٍ وسلامةٍ فبدونهِ ... قد ضمّه لحد عليه مطبقُ

стр. 145

أو لم تخبر أنّ زيداً لم يرح ... فعراه سقم فهو منه معوقُ أو لم تخبرني برؤيا المصطفى ... كشفاً وأسرار بوجهك تبرقُ بشرتني بالفتح والإقبال والعرفا ... ن يا قطب الوجود المطلقُ فلي الهنا أن تم ذلك سيدي ... والله أنك عارف ومحققُ ولكمْ كرامات وخرق عوائد ... ظهرت ظهور الشمس لمّا تشرقُ ولكمْ تصانيف تعد كرامة ... لكم إلى أمثالها لم تسبقوا يا بحر جوهرك الفريد لعقد كت ... ب القوم واسطة علاها رونقُ لب العوارف والرسالة إذ غدا ... فيها العشرى الأمام يدققُ أوضحتَ برهاناً به ودلائلا ... وفتحت كشفاً بات ما يستغلقُ أو ليس نظمك سيدي الثلثين في ... يوم يكون كرامة تتحققُ يا برّ عرف النفحة المسكيّ لم ... تُسْبَق له أبداً كما لا تُلحقُ يا حبر هذبت الأصول بنظمه ... درراً لوامع صنعها متأنقُ
следующие страницы →