Полный текст (303 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وسألني عن لغزٍ سمعه وهو نجس العين يطهر نجس العين، فذكرت له أنّ شيخ الإسلام الوالد سألني عنه في بيتين وهما:
يا سيداً هو بفقه في الورَى يشتهر ... أوضح لنا ما نجس لنجس يطهر
وإني أجبته بقولي:
هذا الذي سألت عنه هو فيما يظهر ... نجس دبغٍ دابغٌ بهِ الإهاب يطهر
ويمكن الجواب عنه أيضا إذا لم يقيد النجس بنجس العين بمّا أشرت إليه في قولي:
إذ خلط ماء نجس بمثله فيطهر ... إن قلتين بلغا ولم يكن تغير
واستجازني لولده النبيل العريق الأصيل اللبيب النجيب الحسيب النسيب الشِّهَابيّ أبي العبَّاس أحمد، ولأولاد ولده المذكور وهم: الموفقي عبد الرَّحمن، والسيدة
راضية تاج الشرف، وعينهم ورأسهم النجمي أبو الفرج محمد، كثَّرَ الله تعالى وتبارك من هذه السُّلالة الزكيّة وبارك، وقد أجزتهم بالشرط المعتبر عند أهل الأثر، جميع ما يجوز لي روايته وتصحّ نسبته إليّ ودرايته، وكتبت له صورة استدعاء باستجازته لولدي أحمد شهاب الدِّين وأخوته، أنشأهم الله تعالى نشوء الصَّالحين، وجعلهم من حزبه المفلحين، ولفظه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أطلع بدر دينه المُشرق من مشرق آيات كتابه العزيز، وأعجز
стр. 177
الفصحاء والبلغاء بإعجاز فصاحته وبلاغته غاية التعجيز، وجعل العلماء ورثة الأنبياء، فورّثوهم العلم الفائق على الدّر والإبريز، وعمّهم بتوفيقه لهداية عباده وخصّهم بالتقديم والتبريز، وأظهرهم على أسرار شريعته بما مُنِحوا من صدق التصوير وحسن التمييز، وأظفرهم بآثار حكمته فلمحوا وجه الأمر والنهي والتجويز، وأرشدهم لسلوك مجاز حقيقته وأبهج بعموم كرمه المُجاز منهم والمجيز.
أحمده حمد من لم يشهد سواه من بلوغ سن التمييز، وأشكره شكر من غمرته نعمه وعطاياه من وقت النشأة وإلى حين التجهيز، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة تنجي مخلصها من فنون الهلكات، وتحلّه من حصون النجاة في حرز حريز، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله وحبيبه وصفيه وخليله المختص بجوامع الكلم ذات المعنى البسيط واللفظ الوجيز، ﷺ وعلى آله وأصحابه ما نسج ديباج المعاني على منوال البَيَان حُلَلاً بديعة التفويف والتطريز، أمّا بعد:
فالمسؤول من فضل مولانا البر الإمام الأفضل، والبدر التمام الأكمل، والبحر الطّام الذي هو مع أمنه البارد العذب، والحبر الهُمَام الذي هو للأحبار رأس وغيره
كعب، ذي الحسب الصميم الظاهر، والنسب الكريم الطاهر، والجلال الباهي الباهر، والجمال الزاهي الزاهر، والكمال المتجلي في أعلى كمالات المظاهر، والفضل الذي تطفّل الفاضل على موائده، واستسقى من نمير موارده، والبيت الذي نمي على قواعد الدِّين بل نمي الدِّين على قواعده، فقام على أرفع أركان وأثبت أساس، كيف وبانيه عمّ النبي ﷺ أبو الفضل العبّاس، فهو ابن عمّ من ختمت به الرسالة والنبوّة وعمته بركة العمومة الزاكية والبنوّة، فعمرت باطنه
стр. 178
وظاهره، وغمرت وارداته وخواطره، فبرز في سماء الكمال بدراً منيرا، وظهر من فحول العلماء ملكاً مهيباً وسيداً كبيراً، وبلغ في فنون العلوم قصب السبق عند النضال، وصال في ميادين البلاغة الواسعة الشاسعة وجال، مظهراً ما اختفى على غيره من غوامضها ومجلّيا، ومطرزاً من إبريز ألفاظه الرائقة حللها ومحلّيا، فما من إمام وإن تقدم عصره إلاّ وتأخر عنه مُصَلّيا، وتقدم بين يديه (خاضعاً و) مسلّما:
تلك المكارمُ لا أرى مُتأخراً ... أولى بها منهُ ولا مُتَقَدّما
قد غمر ألباب الفصحاء ببحر بيانه الزاخر، وسخر بها حين سَحَرها بسحره الحلال، فنادته يا أيها الساحر يا أيها الساخر، ونهض برهاناً جليّاً ودليلاً قوياً على كم ترك الأول للآخر، من جمع الله له بين العلم والعمل، ومنحه من كل فضل فوق بلوغ الأمل، ووهبه مع شرف الذات شرف الخصال وخصال الشرف، وجعل شرفه في الخير حُجّة على من قال لا خير في الشرف:
شَرفٌ يَطلُّ على السِّماكِ وسؤدد ... كالصبح لا يسع العدا إنكاره
مولانا السيد الكريم، والسند العظيم، شيخ المسلمين بدر الدِّين أبو الفتح عبد الرحيم العبَّاسيّ الشَّافِعيّ، أدام الله تعالى إسباغ ظلاله، وأصحبه التوفيق والتسديد في سائر أقواله وأفعاله، التفضل بإجازة ولد كاتب هذه الأحرف أبي الفضل أحمد
стр. 179
شهاب
الدِّين وأخواته خديجة وجُوَيْرِيَة وأصيل، ومن سَيُحَدِّث له من الأخوة على مذهب من يرى ذلك جميع ما يجوز له وعنه روايته، وما تصحّ إليه نسبته ودرايته، وما له من تأليف وجمع وترصيف، على اختلاف أنواع ذلك وأصنافه، وتعدد نعوته وأوصافه، من إيجاز وإسهاب، وانتقاء واقتضاب، وشروح ومتون، ومنثور ومنظوم في سائر الفنون، مردفاً ما يُسْديه إليهم من التفضّل والفضل، بما أسداه إلى أبيهم من قبل، وإن تفضّل مع ذلك بذكر مولده ومنشئه وبلده، وأسماء أعْيَان شيوخه الأئمة، وعلماء الدِّين وهُدَاة الأمة، وتعداد بعض أسماء تآليفه النافعة، وتصانيفه الجامعة، مطرزاً ذلك بما يَصُوغه من مناظيمه البارِعَة، ومقاطيعه الرائعة، وبعض أسانيد مروياته إن تيسر، فهو من فضله ومن أهله، ونرجو أن يكون في محله، والمرجو من الله تعالى أن يحقق الأمل، ويرزقنا الخلوص في القول والعمل، والله يمدّ ظله الوريف، ويديم سعده الشريف، ويوفقنا وإياه لما يزلف لديه، ويتطول بكرمه على تقصيرنا يوم العرض عليه بمنه ويمنه آمين.
فكتبَ في جواب ذلك:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنار ببدر الدِّين أفق المعارف، وجعله في حرم الفضائل كعبة مجدٍ يحجها البادي والعاكف، وصيَّره للعُلُوم ركناً يستلمه كل ساعٍ وطائف، فما شهد معانيه أحدٌ إلاّ طرب وزَمْزَم، ولا شاهد رفيع مقامه مُمَارٍ إلاّ صلّى على النبي وسلّم، واستمسك بالعروة الوثقى من وفائه وتذمم.
أحمده حمد معترف بالعجز والتقصير، وأشكره شكر مغترف من بحر فضله العذب النمير، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة تقضي لقائلها بالجَنَّة، وتكون له من الموبقات جُنَّة، وأشهد أنّ سيدنا محمداً عبده ورسوله وصفيه وحبيبه وخليله، المبعوث إلى سائر الأمم، والمنعوت بشيم المحاسن ومحاسن الشيم،
صلّى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه وخواصه وأحبابه، ما استمد قلم لكتابة
стр. 180
إجازة، ورقم به بليغ بلاغته وإعجازه، وبعد:
فإنّ المرء وإن يكن في نفسه حقيراً، وعن تسنُّم رتب العلوم لا يألو توانياً وتقصيراً، فربَّما يُشْهَد فيه بلوغ إلى صهوات العلوم، ورقي إلى أسنى درجات المنثور والمنظوم، فضلاً من الله ومِنَّة، وستراً لما بباطنه أجنَّة، وشُعَاعاً من نور عالم انعكس إليه، فرأى فيه ما هو مقرّر لديه، ولولا ذلك لما سُئل الفقير، مع ما جُبل عليه من العجز والتقصير، من علاَّمَة الزمان، ونادرة العصر والأوان، البحر ابن البحر، وأجلّ مفاخر الدهر، شيخ الإفتاء والتدريس، وقُرَّة عين مولانا محمد بن إدريس، العَلاَّمة ابن العَلاَّمة، المخصوص بالتقدم في المراتب العلمية والإمامة، الشيخ الإمام المُحَقِّق المُدَقِّق بدر الدِّين أبي البركات محمد بن المرحوم الشهيد السعيد شيخ الإسلام رضي الدِّين أبي الفضل محمد بن مولانا الشيخ الإمام العَلاَّمة شيخ المسلمين رضي الدِّين الغَزِّيّ العَامريّ الشَّافِعيّ. من جَعل الله منهاجه للطالبين إرشاداً، وللرَّاغبين في مُهمّاتِ الدِّين توفيقاً وسدادا، كم رفع للرافعيّ علماً منشورا، وأحيا لمحيي الدِّين النوويّ ذكراً كان مقبورا، وسقى الرَّوضة من فضله عذباً نميرا، وأصبح روض اليمنى لسحائب فوائده ممطورا، والمنهج القويم بمهذَّب أبحاثه واضح المسالك، وأضحى العزيز بلفظه الوجيز سهل المدارك، وأبحاثه المفيدة بغرائب تدقيقها قوت الأرواح، وتآليفه الفريدة ببديع بيانها عروس الأفراح، فرع فاق الأصول، وغاص على درر الأصلَين فحصل على أعظم محصُول، ووشح ألفية ابن مالك بجواهر نظمه ونثره، وأتى من نيّر فوائده بما لا ينكر من نور بدره، وفك مأسور الإفهام بتقييده المطلق، حين فتح الله عليه بفتح المغلق، كم أبدع في تأليفاته وأغرب، وأدهش في مصنفاته وأعجب، ورصَّع من دُرّها النضيد وجوهرها الفريد في صفائح صحف الفضائل، ما أعجز الأواخر ولم يأت بمثله الأوائل، فلله دره من عالم
стр. 181
حَاز قصب السبق في ميادين العُلوم، وملك أزمَّة أفانين المنثور والمنظوم حسب البليغ العجز عن أوصافه لو جاء بالزهر الزواهر تزهر، أو حاول الشعرى لدى اشعاره قالت علاه إنه لا يشعر، لا زالت فوائده غرراً في جبهات الطروس، وفرائده درراً تتقلد بها نفائس النفوس، ما جرت جياد الأقلام في ميادين الكلام ببديع النظام، وها أنا ممتثل أوامره المُطَاعَة فيما أشار إليه حسب الاستطاعة من الإجازة لريحانة أُنسه، وثمرة غرسه، ونور بدره، وضياء شمسه، الشِّهَاب المتوقد ذكاؤه، النامي سناه والسامي سناؤه، شِِهَاب الدِّين أبي الفضل أحمد أسعد الله جده، وحباه فوق ما حبا به أباهُ وجدَّه، ولأخواته ومن سَيُحَدِّث له من الأخوة المأمول وجودهم من منح الله المرجوة، وقد أجزت له ولهم أن يرووا عني جميع ما التمس مني بشرطه المعتبر عند أهل الأثر، إجازة عامّة وخاصّة، وعلى كل فرد مما تجوز عني روايته ناصَّة، وأمّا مولدي (ففي سحر يوم السبت رابع عشري شهر رمضان المعظم قدره سنة سبع وستين وثمانمائة بالقَاهِرَة المعزّية حمى الله حماها وحرسها ورعاها:
بلادٌ بها نيطتْ عليَّ تمائمي ... وأولُ أرضٍ مسَّ جلدي ترابها
وقد أدركت بها وبغيرها من العلماء العاملين والأئمة المجتهدين من لم يسمح الدهر بمثاله، ولم ينسج على منواله، وكلهم أجازني بما تجوز له روايته، وما تصح إليه نسبته ودرايته، فأول من فتق لساني بذكر الله تعالى من برع أبناء زمانه مجداً
стр. 182
وجلالاً وفضلاً وأفضالاً، الشيخ الإمام العَلاَّمة والحبر البحر الفهّام، صاحب التصانيف المشتهرة، والتآليف المعتبرة، شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن برهان الدِّين النشائي المالكي قاضي القُضاة بالديار المِصْرِيّة، أسبغ الله تعالى ظلاله وختم بالصَّالحات أعماله، ولم أزل في رعايته وتربيته وعنايته وبركته إلى أن فرّق الدهر بيننا بالاغتراب سنة أربع وعشرين وتسعمائة.
ومنهم الشيخ الإمام العَلاَّمة محيي الدِّين الكافياجيّ الحنفي، تغمده الله برحمته ورضوانه وعفوه السابل وامتنانه، أجازني بمؤلفاته، وكتبَ بخطه أنها زهاء مائة مؤلَّف.
ومنهم الشيخ الإمام العَلاَّمة أمين الدِّين الأقْصَرَائيّ الحنفيّ، شملته سحائب الرضوان والعفو والغفران.
ومنهم الشيخ الإمام العَلاَّمة قاضي القضاة محبّ الدِّين بن الشِّحْنَة الحنفيّ، لا زالت سحائب الغفران هامعة، وأنوار الرضوان لديه لامعة.
ومنهم الشيخ الإمام العَلاَّمة سيف الدِّين الحنفيّ، تغمده الله برحمته وأسكنه بحبوحة جنته.
стр. 183
ومنهم الشيخ العَلاَّمة قاضي القضاة شمس الدِّين محمد الأَمْشَاطيّ الحنفيّ، أمده الله بمدد الرحمة، وأسبغ عليه بذلك جلابيب النعمة.
ومنهم الشيخ الإمام العَلاَّمة قاضي القضاة برهان الدِّين إبراهيم اللَّقانيّ المالكيّ، لا زالت الرحمة تغشاه ولا تفارق مثواه.
ومنهم الشيخ الإمام العَلاَّمة قاضي القضاة ولي الدِّين محمد السُّيوطيّ الشَّافِعيّ، غشيته سحائب الرضوان، وضفيت عليه جلابيب الغفران.
ومنهم الشيخ الإمام العالم العَلاَّمة قاضي القضاة شرف الدِّين موسى بن عيد الحنفي، وهو السعيد الشهيد، حباه الله من غفرانه بالمزيد، قرأتُ عليه كثيراً، ووردت من علومه عذباً نميراً.
ومنهم الشيخ الإمام العالم العَلاَّمة سِراجُ الدِّين عمر العبَّاديّ الشَّافِعيّ، ﵀ رحمةً واسعة، وأمطر عليه سحائب عفوه الهامعة.
ومنهم الشيخ الإمام العالم العَلاَّمة شمس الدِّين أبو عبد الله محمد الجَوْجَريّ الشَّافعيّ، حفّه الغفران والعفو والامتنان، أجازني بمروياته ومؤلفاته، ومنها شرحه
على المنهاج، وشرحه على الإرشاد.
ومنهم الشيخ الإمام العَلاَّمة جلال الدِّين محمد البَكْريّ الشَّافِعيّ ﵀، قال لي من لفظه: أنا عريق في صداقتكم، فإنني صديق جدك لأبيك وصديق جدك
стр. 184
لأمك، وممّا أجازني به نكته على المنهاج وحاشيته على الرَّوضة.
ومنهم الشيخ الإمام العَلاَّمة شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن قاسم الشَّافِعيّ، دامت عليه الرحمة، وتمّت له بالمغفرة والنعمة، ومما أجازني به جميع مؤلفاته.
ومنهم الشيخ الإمام حافظ العصر المسند الرُّحْلَة المحدّث فخر الدِّين عثمان بن محمد الدِّيَميّ الشَّافِعيّ سقى الله تعالى بصوب الرحمة ثراه.
ومنهم الشيخان المسندان المعمران نجم الدِّين الصحراوي والهَرسَانيّ، سمعت عليهما صحيح البُخَاريّ كاملاً بالجامع الأزهر، بحق روايتهما له عن العراقيّ عن الحجّار، وذلك سنة سبع وسبعين وثمانمائة.
ومنهم الشيخ المسند المعمّر المحدّث الرُّحْلَة بدر الدِّين حسن بن نبهان، تغمده الله بالرحمة والرضوان، قرأت عليه جميع صحيح البُخاريّ في مجالس متعددة في شهر رمضان سنة ست وثمانين وثمانمائة، وأجازني به بحق روايته له عن عائشة بنت عبد الهادي عن الحجّار.
ومنهم الشيخ الإمام العَلاَّمة برهان الدِّين إبراهيم بن ظَهِيْرة الشَّافِعيّ، قاضي مَكَّة المُشَرَّفة عند قدومه إلى مِصْر سنة ثمان وسبعين وثمانمائة.
стр. 185
ومنهم الشيخ الإمام العَلاَّمة محمد القَلْشَانيّ قاضي الجماعة بتُونِس المحروسة عند قدومه إلى مِصْر للحج سنة ثمان وسبعين وثمانمائة تغمده الله برحمته.
ولنختم من لقيته من العلماء بمسك ختامها، ووسطى نظامها الشيخ الإمام العَلاَّمة الحبر البحر الفَهَّامة محبّ الدِّين محمد بن الغرسي خليل البصرويّ الشَّافِعيّ، سقى الله ثراه، وجعل الجنّة مثواه، قرأت عليه كثيراً، وأخذت عنه علماً غزيراً،
وأجازني بمروياته ومؤلفاته، وخصَّني بها، ودفعها إليّ هي ومسوداتِهِ جميعها في مرض موته. ومن تآليفه قطعة على المنهاج من أماكن متفرقة، وقطعة على الإرشاد كذلك، وشرح ألفية العراقيّ في علوم الحديث، وشرح ألفية البرماويّ في الأصول، وشرح مختصر ابن الحاجب في الأصول، وشرح القواعد الكبرى لابن بسام، وشرح الخزرجيّة في العروض وهما شرحان كبير وصغير، وشرح المنفرجة وغير ذلك. نفعني الله بمصاحبته وتربيته ورعايته، فرحمه الله رحمة واسعة، وأمطر عليه سحائب عفوه الهامعة، هذا ما حضرني من أسماء شيوخي، وثمّ آخرون مثبتون فيما هو غائب عني الآن. وكلهم أجازني بمروياته وتأليفاته ومصنفاته وكتب لي خطة بذلك.
وأمّا ما وقع لي من تأليف، فإنه شيء يُستحى من ذكره، ويرغب في إخفائه وستره، بالنسبة إلى ما عند الفقير من العجز والتقصير، فأعلاها وأجلّها وأغلاها شرح البُخَاريّ الذي ألفته بالدّيار الرُّوميّة سنة خمس وست وتسعمائة، وشرح آخر مبسوط وصلت فيه إلى صلاة الليل، وشرح على مقامات الحَريريّ جاوز النصف، وقطعة على الإرشاد في الفقه، وشرح شواهد تلخيص المفتاح، وشرح الخزرجيّة في العروض، وإيَّاها سودت به وجه الطروس، وأفنيت به أرطالاً كثيرة من النفوس، مما يسمّى شعراً، ومما يشبه أن يُدعى نثراً، فهو شيء لا أرضى إثباته، ولا أستحسن أبياته، وإن تداولته الأقلام، وولع برقمه كثير من الأنام، فمنه:
стр. 186
إن رمت أن تسبر طبع امرئٍ ... فاعتبر الأقوال ثم الفِعالْ
فإن تَجْدْهَا حسنت مخبراً ... مِنْ حَسَنِ الوجه فَذَاك الكمالْ
ومنه:
عذرت أخا الجهالة مذ رآني ... وأولاني جفاً منه وذلا
رأني لا بعيني أدمي ... فأدبر مُعْرضاً عني وَوَلى
ومنه:
يا مشتري العبد الرقيق بماله ... هلا اشتريت الحرّ إذ هو أجدر
إنّ العبد ليس بشاكر لك نعمة ... والحرّ يحمد ما فعلت ويشكر
ومنه:
حالُ المقلّ ناطقٌ ... عَمَّا خفي منْ عيبهِ
فإن رَأيتَ عارياً ... فلا تَسْل عَنْ ثوْبهِ
стр. 187
ومنه:
أحبّ من البرية كل سمح ... قريب المستقى سهل القيادِ
إذا ناداه مفتقرٌ لبرٍ ... أجاب نداه قبل صدى المنادي
ومنه:
إذا ما كنتَ في قوم غريباً ... فَخَاطبهمْ بقول يُستَطابُ
ولا تأسف إذا فَاهُوا بفُحش ... غريبُ الدار تنبحهُ الكلابُ
ومنه:
كثير من الخلاّن يبدي تملقاً ... وفي قلبه دافن الشر موبقُ
كبحر أجاج لا يسوغ مذاقه ... يُريك صفاء قاعه وهو مغرقُ
ومنه:
يا مَنْ بنى دَارَهُ لدُنْيا ... عَاد بها الربحُ منه خُسْرَا
لِسَانُ أحوالها يُنَادي ... عَمَّرت داراً بهدم أخرى
стр. 188
ومنه:
يا منكراً فعل الجميل ... إذ مت بأعظم خزيةِ
لم لا تكون مذمماً ... وفعلت فعلتك التي
ومنه:
أرى الدهر يسعف جُهَّاله ... فأوفر حظّ به الجاهلُ
وانظر حظي به ناقصاً ... أيحسبني أنني فاضلُ
ومنه:
إذا ما تصدّى ظالم للأذى ... فكن على ما تبدى منه أجر صابر
ودعه وما يلقاه من شؤم بغيه ... وكِلهُ إلى فِعل الجدود العواثر
ومنه:
إن يقعد الجاهلُ فَوْقي ولمْ ... يَرْعَ ذمامَ العِلم والأصلِ
فالشمسُ يَعلو زُحَلٌ أوجَها ... وهي على الغاية في الفضلِ
стр. 189
وأمّا القصائد المطوّلات، فقد تفضل مولانا المشار إليه بكتابة كثير منها، فلا حاجة إلى الإطالة بذكر شيء منها، وقد آن أن أحبس عنان القلم عن الجري في هذا المضمار، وأكفكف من غلوائه خيفة العثار، وأن أوْصف بمِهْذار أو مِكْثار، وهو يسأل العفو عمّا بهذه الأُليفاظ من الزلل، وإصلاح ما غشيها من الخلل، لا زال من رقم باسمه، وزبر برسمه. سعيد الحركات، مزيد البركات، رفيع الدرجات، دائم المسرات، ما دامت الأرض والسموات، قال ذلك وكتبه العبد الفقير المعترف بالعجز والتقصير عبد الرَّحيم بن عبد الرَّحمن بن أحمد العبَّاسيّ الشَّافِعيّ غفر الله ذنوبه، وستر في الدارين عيوبه، وذلك يوم السبت سابع عشر شوال المبارك سنة سبع وثلاثين وتسعمائة بمدينة القُسْطَنْطِينيّة المحروسة، الحمد لله وحده وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلّم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد اعتنى بحاجتنا مولانا قاضي العسكر المنصور أتمَّ اعتناء، فعاجلنا سفر السُّلطان، أدام الله إسباغ ظله على الأكوان إلى مدينة بروسا المحمية، فنوينا الإقامة بمدينة القُسْطَنْطِينيّة لهذه القضية، فاستمرينا في منزل مولانا السيد المشار إليه، أدام الله إسباغ ظلّه عليه، نتملى بمشاهدة طلعته البهيّة، ونتحلا بسماع ألفاظه
العليّة، ونحن لا نملّ من المقام، ونرى أشهرنا كأنها أيام، إلى أن فشا الطاعون بالبلدة، وقاسى الناس من أهواله كل شدّة، وفُقِدَ جمعٌ من الأحباب، فتعوذنا بالله من ذلك المصاب، ولم يصر المقام بها من المستطاب، فعزمَ مولانا السيد المشار إليه على السفر منها إلى بعض البلاد
الخالية من الكدر، وأن يستصحبنا معه ولا بدّ في ذلك السفر، فاستخرنا الله تعالى في ذلك والسلوك معه حيث شاء من المسالك.
стр. 190
ذكر الرحلة الأزنكمودية
ثم لمّا سافرَ السُّلطان، وتعطّل من قضاء الأشغال المهمّة الديوان، وكان الهواء قد تغيّر، والجو بالوخم قد تكدّر، وظهر الوباء ونشا، وكثر الطاعون وفشا، وتحوّل النسيم سَموماً، وصارت المياه سموماً، وانقلب زلالها حميما، ومن يتبرد بها محموما، ولا يسأل حميم حميما، فَوصِفَتْ لنا بلدة أزنكمود بلطافة الهواء، وعذوبة الماء، وقلة الوباء، وطيب البقعة، وارتفاع الرقعة، وتناهي الرفعة، وسلامة الطبائع، وسعة المرابع والمراتع، وكثرة المنازه وأنواع الفواكه، فاستخرنا الله تعالى في السفر إليها والحلول لديها، إلى أن يعتدل الزمان ويعود السُّلطان. فتوجهنا إليها صحبة المولى السيد المشار إليه، أسبغ الله تعالى نعمه عليه، وخرجنا من المدينة، ونزلنا في السفينة ضحى يوم الاثنين المكرم ثاني عشر شهر الله المحرم سنة سبع وثلاثين وتسعمائة من هجرة النبي ﷺ ، وركبنا ذلك البحر وما رهبناه، واستصحبناه وما استصعبناه، وسرنا فيه في أطيب هواء، وأحسن استواء، وقد سكن هائجه وركد مائجه، وصلح مزاجه وحسن علاجه، وتلك تجاريه المشية تتبختر تبختر الجارية الناشية، وتنساب في الجناب كالحُبَاب، وتأتي من الحركة في صورة السكون بالعجب العُجَاب، فتحسبها جامدة وهي تمر مرَّ السحاب، ثم سكن الريح حتى كأنه ميت، وصار البحر كأنه قعبُ لبن أو زيت:
قد كانَ بحراً قبل ذلك زاخراً ... فغدا بذلك وهو برّ مقفر
وكان النهار قد قضى، ووفى دينه وقضى، وذهب مُهرولاً ومَضى، وأشرف القمر
стр. 191
وأضاء، فأرسينا حينئذ بالقرب من ساحل قرية يقال لها قِزِلْ اضا، فبتنا هناك والليل مزهر السراج، لابس من نور القمر أبيض الدِّيباج، وقد رقّ ذلك البحر وراق، وحلا وصفاً وإن كان مرّ المذاق، وأشرقت جنباته غاية الإشراق:
كأن الشعاع على متنه ... فرندٌ مصفحة سيفٍ صدي
وأشبه إذ درجته الصبا ... برادة تبرٍ على مبردِ
فلما هبّت بعد سكونها الصبا، وهبّ من نومه الصباح، واستتر نور القمر واختفى، وبدا نور الفجر ولاح، نشر من المركب بُنوده، وقلّد شراعه وأحكم شدوده، ثمّ رحلنا وسرنا، وأشرع ذلك الشراع فأشرعنا، وخفقَّ ذلك الجناح فطرنا، فلم نزل نسير وذلك المركب يكاد يطير وذلك البحر:
تتكسر الأمواج فيه فتنثني ... بيد الصبابة مبيضة أعطافها
فكأن شهب الخيل قد غرقت به ... فطفت على أمواجه أعرافها
فلما انتصف ذلك النهار، ظلمنا ذلك البحر وجار، وكان أمسى مس القرين بعد أن كان نعم الجار، ثم أزبد ورَغَا، وتعدّى وطغى، وعتا مفسداً وبغى، ورام ما لم ينله وبغى، واشتدت به الرياح وعصفت، وأتت به الأمواج من كل جانب واختلفت، واضطرب وتكسّرت وانقصفت، وصار السير به في حكم الحُرْمة بعد
стр. 192
الإباحة، فألقينا المراسي وقت العصر بوسط الباحة؛ لكي يحصل لنا من تلك الحال الراحة، فما ازداد القلب إلاّ خوفاً وفرقا، والعين إلاّ سُهَاداً وأرقا، والحلق إلاّ غُصةً وشرقا، والفؤاد إلاّ اضطراباً وقلقا، وقد أثارت الريح من الموج حنقا، ومشت عليه خبباً وعنقا، فأعادته كالبنان، وأصارت المركب فوقه يتلاعبُ كقضيب البان، حتى آليت ألاّ أودعها تحية، ولا يورثني هبوبها أريحيَّة.
وبتنا ليلة الأربعاء بين تلك الأمواج، ونحن في غاية الاضطراب والارتجاج، وأقمنا بذلك المحل إلى أن قوضت خيام الليل ورحل، وسَل صارم الفجر من قرابه، وتجلّى النهار في جوهري أهابه، وأسفر من المشرق وجه الشمس يُوح، فجرت بنا السَّفينة في موج كالجبال كجري سفينة نوح. ومما جربنا فيه الفكر في هذا الحال، وجرى به اللسان فنطق وقال، أبيات على وجه المطارحة، وهي لتلك الأحوال شارحة، وفي تلك الميادين سارحة، فقلت بيتاً ثم قال بيتاً إلى آخرها:
لي:
أزبد البحر هياجاً ورَغى ... وتعلى وتعدّى وطَغى
له:
قلت لمّا جدّ فينا عَزمه ... وجميل الصبر منّا استفرغا
لي:
وبنا قد أُنشبتْ أظفاره ... ولنا كشّر ناباً قد شَغَا
له:
وبغى إصلاح ما يحملنا ... بفساد الحال لمّا أن بغا
стр. 193
لي:
ربنا سخّره وأصرف شره ... وأنلنا من حباهُ المُبْتَغى
له:
وانثر الريح رخاء سجسجا ... وأعد ظلّ الأماني مسبغا
لي:
وأرحنا من أذى مركبه ... فهو عن مقصدنا قد روَّغا
له:
وتوانا عن منايا لاهيا ... عن هوان بلُبان مضغا
لي:
بحبال جرّها في مَوجه ... في جبالٍ مدّها لن يفرغا
له:
وبإيعاد عظيم قد هَذا ... وهو في لج عباب دَلَفا
لي:
فبسلم قد لقينا حربه ... وهو قد شبّ لنا نار الوغا
стр. 194
له:
فهو أعمى ما رآنا أبكم ... لم يجبنا بل أصم ما صَغى
لي:
لشهي الأكل قد أحرمنا ... ولصافي شربنا ما سوّغا
له:
ورجاء القلب في اللطف غدا ... واثقاً في دفع ضرّ بلغا
ولم نزل نسير ونمور في مواسط تلك البحور، طوراً في الصعود وطوراً في الحدور، إلى أن رجع البحر إلى الموادَدَة والمصافاة، بعد تلك القسوة والمجافاة، ووافى بريح طيبة أحسن موافاة)، فما كان إلاّ سُويعاتٍ يسيرة وأشرفنا على البلدة، واستبشرنا بالفرج بعد الشدّة، ثم أكملنا أبيات المطارحة بعد مُدة، فقلت:
فاستجاب الله منّا وكفى ... شر شيطان الأسى إذ نزغا
له:
وحبانا بِره في بَره ... وإلى ما يُبتغَي قد بلَّغا
стр. 195
لي:
فنعمنا في رياض الأنس في ... رفعةٍ مع خفض عيش رُفغا
له:
فلهُ الحمد على ما خصَّنَا ... من هباتٍ ظلها قد أسبغا
لي:
وعلى المختار منه دائماً ... صلوات كل حين تُبْتَغى
وعلى الآل مع الأصحاب ما ... أفل النجم دجى أو بَزَغَا
ثمّ أرسيْنا بمرساها عندما انطبق جفن الظلام على عين الشمس ومضى اليوم مضي أمس، وكان استقرارنا بتلك البلد الأنيس منتصف المحرم ليلة الخميس، فحللنا منها المحل المودود وحللنا بها المشدود والمعقود، وجددنا بمعاهدها العُهود، ووفا لنا الدهر بالعود إليها الوعود، فتبدل الكدر بالصفاء، وأيام الجفاء بليال الوفاء، ونزلنا في بيت صاحبنا الحاج مصلح الدِّين مصطفى، فوجدناه غائباً في تطلب عبد له قد أبق، وركب في الفرار طبقاً عن طبق، فتلقانا أهله وأولاده بالترحيب والتأهيل والتكريم والتبجيل، وأنزلونا بغرفة لطيفة حسنة مرتفعة، فتركنا هنالك ما معنا من الأسباب
стр. 196
والأمتعة، وأقمنا هنالك في أنزهِ مكان إلى وقت الصلاة من يوم الجمعة، فصلّيناها في مسجد البلد الجامع، وهو مسجد متسع لكل أهل البلدة جامع، إذ لا جمعة بها في سواه، ولا خطبة فيما عداه، فوجدناه مسجداً عتيقاً فضياً أنيساً أنيقاً، ذا أبنية متينة
وعمارة مكينة، وهو مرتفع في أعلى المدينة، يُصعد إليه ويُرقى في أطول طريق وأرفع مَرقى، وأمّا خطيبه ففي الأسْمَال غاية، وفي الإعجام آية، وفي التبديل والتحريف نهاية، مع ما يضاف إلى ذلك كما قيل من سوء الاعتقاد وتبديل القرآن كالنطق بالظاء مكان الضاد، وذكره أحاديث لا نعرفها، وصدور تُرَّهاتٍ منه لا نقدر نصفها، فقضينا ببطلان تلك الصلاة، وقضيناها ظهراً ولا قوة إلاّ بالله، ولما قضيت الصلاة انتشرنا في أرض تلك البلدة وأضافنا من الأصحاب بها عدّة، فلم نزل نَجْوب في أطرافها، ونجول في أكنافها، ونتفرج في مفترجاتها، ونتنزه في
متنزهاتها، وقد أخذت الأرض زخرفها وازينت، وبيّنت من صنعة الله وصبغته ما بيّنت، فغدت تتبرج في ملابس عبقرية، وتتأرج بأنفاس عنبرية، وتشمخ على غيرها من البلدان بارتفاعها، وتفتخر على مجاوريها بحصانتها وامتناعها، وتزهو بطيب هوائها ومائها، وتسمو بجدّة رونقها وقدم بنائها، وتستحل طيب فواكهها، وتستجل عرائس منازهها (وتقسم بعلو هضابها أن لا تفوز الثريا برشف رضابها) وقد استدار بها البحر استدارة السوار بالزند، وألبس ذلك الجسم حلل العرار والرند، وركب خلائق الوهد على ذلك النجد، وكتب بخضاب الربيع على نقاء ذلك النهد،
стр. 197
ثم آب الحاج مصطفى من غيبته، وقرب المسافة من أوبته، وحيَّانا بسلامه وتحيته، ثم أعادنا إلى منزله وعَقْوَته، بعد أن عقد في قسمه علينا وأَلِيَّتِه، (فعدنا إليه) وحللنا لديه في تلك الغرفة المذكورة آنفاً، فشاهد منها مشارقاً للإنس ومشارفا، وهو يهدي إلينا من تحف هداياه لطائفا، وقد أحاط بنا من سائر الجهات بستان ذو أفياء وأفنان، (وزهور مدبّجة الألوان)، عرائس مسرحات زاهية، وعرائش كرمات عالية، ذات قطوف دانية، ونسيم معطار، وحفيف أشجار، وتغريد أطيار، من شحرور وهزار، يهيج كل منها لوعة الصب النازح الدار، ويضرم في قلبه من أشواقه لاعج النار، ويطير بقلبه أنّى طار، كما قال في الإنشاد ابن حصن كاتب المعتضد ابن عباد:
وما هَاجني إلاّ ابن وَرْقَاَء هاتفٌ ... على فَننٍ بين الجزيرة والنَّهرِ
مفستقُ طوقٍ لازورديُّ كلكلٍ ... ومُوشى الطُّلىَ أحوى القوادم والظفرِ
أدارَ على الياقوتِ أجفانَ لؤلؤٍ ... وصَاغ على الأجفانِ طَوْقاً من التبرِ
حديدُ شَبَا المنقارِ داجٍ كأنَّهُ ... شَبَا قلمٍ من فِضةٍ مُدَّ في حبرِ
توسَّدَ من فرع الأراكِ أريكةً ... ومَالَ على طيِّ الجناحِ مَع النحْرِ
стр. 198
ولما رأى دَمْعي مُراقاً أرابَهُ ... بُكائي فاستولى على الغُصُنِ النضرِ
وَحَثّ جناحَيْهِ وصفَّقَ طائراً ... وطار بقلبي حيثُ طار ولا أدري
ولم نزل هناك ليالي وأياماً آمنين، وأعيان المدينة يهرعون إلينا مسلمين وداعين وملتمسين للدُّعاء ومؤمنين ومعظمين ومبجلين ومكرمين، ونحن في لذّة عيش، سالمين من الكدر والطيش، لولا ما يعترضه من تذكر البلاد، والتألم لمفارقة الأهل والأولاد، فكان كلّما هنئ العيش تنغَّص، وكلّما ازداد الأنس تنقَّص، وكلما هممنا ببسط وانشراح أدركنا بسيط هم وأتراح، كما قيل:
مُنغصُ العيش لا يأوي إلى دعَةٍ ... منْ كان ذا بلدٍ وكان ذا ولدِ
والساكنُ النفسِ مَنْ لم ترضَ همتّه ... سُكْنى بلادٍ ولم يشكو إلى أحد
ولولا ما مَنَّ به تعالى من مجالسة مولانا السيد ليلاً ونهارا، وتملينا بطلعته السعيدة عشياً وأبكارا، وتحلينا بدرر ألفاظه ومؤانسته مساءً وأسحارا، لتفتت القلب جداداً وانفطر الكبد انفطارا، فكنت أرتاح بروح مؤانسته ارتياح اللهفان للنسيم البليل، وأشفى بمكالمته كَلْم القلب العليل، وأروى برؤيته ما به من الغليل، وأدخل في الليل حالة السكون بقلب خافق فيه من الأدواء دخيل، وأتلقى المنام بطرف شحيح بالكرى بخيل، وكلما فتشت للأوطان في فكري ذنباً أجعله سبباً
стр. 199
للسلو أو عيباً أركن به إلى الراحة والهدوء قال الاختبار لا سبيل إلى ذلك، وجعل يعرض عليّ من حسناتها ما جلى به ظلام الليل الحالك، ولولا أني أرجع إلى جميل الصبر بعد الذهاب، وأعلل النفس بتنفس الكرب بقرب الإياب، لأمسيت أثراً بعد عين، ولكنت أحد من قتله يوم البين:
البينُ جرَّعني نقيعَ الحنْظَلِ ... والبين أثكلني وإن لم أُثكلِ
ما حسرتي أَن كنتُ أقضي إنما ... حسرات قلبي أَنني لم أفعلِ
نقِّل فؤَادك ما استطعتَ من الهوى ... ما الحبُّ إلاّ للحبيبِ الأولِ
كم منزلٍ في الأرض يألفُهُ الفتى ... وحنينُهُ أبداً لأولِ منزِلِ
وهذه عادة الأيّام في اعتقاب تجميعها بتفريقها، وإسراقها كل نفس بريقها، لا تجمع شملاً إلاّ شتّته، ولا تصل حبلاً إلاّ بتّته، من أطاعها عصته، ومن داناها أقصته، ومن وصلها قطعته، ومن نزع إليها نزعته، ومن أرضاها أغضبته وأحرجته، ومن سكن دارها أزعجته وأخرجته، بصَّرنا الله تعالى بمعايبها، وأعاذنا من بلاياها ومصائبها بمنه وكرمه آمين، إنّه أرحم الراحمين.
ومما فتح الله به في تلك البيوت من الأبيات، ولولا تقريض السيد المولى لها لما
стр. 200
استحقت الإثبات، قولي:
أتُرى لمُغْرى بالغرام مواسي ... أم من سقام شفه من آسي
أو من دواءٍ عله يشفيه أو ... من رقية تحميه من وسواسِ
إني ومن يهواه إمّا هاجر ... أو مبعد أو سَاكن الأرماسِ
وزمانه قد عظه بنوائب الأني ... اب بل وضوارس الأضراسِ
شوق وحزن واغتراب مع ضنى ... جسدٍ وبُعد الدار والإفلاسِ
وببعضها يفنى الحمول فكيف مَع ... تحميل ذي الأنواع والأجناسِ
فالروح فيه في السياق وجسمه ... بالٍ وفي الأحشاء حز مواسي
والعظم عار ليس يمسكه سوى ... جلد ومن لهب الجوانح كاسي
والقلب ذاب فماؤه دمعاً جرى ... ودخانه يجري مع الأنفاسِ
والطرف طول الليل لم يطرف وإن ... يغمض فيرجع حَاسراً كالخاسي
يجري على متن النجوم بسرعة ... والنجم كالمشدود بالأمراسِ
стр. 201
فالطَّرف في جولاته كالطِرف في ... ميدانه والنجم كالبرجَاسِ
والليل مثل السيل في إقباله ... لم يحص بالمكيالِ والمقياسِ
أو مثل بحر مزبد متلاطم ... أمواجه مثل الجبال رَوَاسي
أو عسكر كسر الصباح وجنده ... لما علاه بسطوة وببأسِ
وأظنه ماسوره إذ ليس من ... حسن له يُرجى ولا إحساسِ
فلقد ألفتُ سواده وغدوت من ... طول المدا لبياض صبح ناسي
وإلى إلهي أشتكي ما ألتَقي ... ممَّا أعاني حمله وأقاسي
وإليه في كل الأمور توسلي ... بمن اجتباه من جميع الناسِ
هو أشرف الخلق الذي قد طهرت ... أخلاقه من سائر الأدناسِ
هادي الأنام شفيع مُذْنبهم غَداً ... عون الغريب وللفقير مُواسي
من أظهر الدين الحنيف بسطوة ... أمسى بها إبليس في إبلاسِ
فعسى صباح للمنى يأتي بتف ... ريج الكروب السود بَعد اليأسِ
стр. 202
وعسى نهار بالتداني مشرق ... يمحو دجى ليْلِ التنائي الماسي
إني لأرجو ذاك يحصل عاجلاً ... وتراض خيل الحظ بعد شماسِ
وتُرى بوادي السعد وهي حواضر ... وتُرى عواري الجد وهي كواسي
ويُرى جنى روض الأماني دانياً ... فلقد تبدا ذاوي الأغراسِ
وتعود كالأعياد أيام الوفا ... وتُرى ليال القرب كالأعراسِ
وتفيق عين الدهر بعد منامها ... ويرق قلب من جفاه قاسي
ويفي بحق ضائع متذكراً ... لعهوده من بعد طول تناسي
ويمن ربي باجتماع الشمل مع ... أهلي بأسنى حالة وأناسي
في منزل أركانه بُنيت على ... تقوى من الله بخير أساسِ
فالباب ليس بمرتح عن مرتج ... روح الإله على مدا الأنفاسِ
عودتني بجميل لطفك سيدي ... في كل نائبة كطود راسي
стр. 203
ورحمتني في غربتي بمؤمل ... وأزلت ما بي بالوزير إياسِ
عضد الملوك وساعد لهم بَدا ... كالعَيْن للوزراء بل كالرأسِ
بحرٌ جَرَى عالي الذُّرى غيث الورى ... ليث السُرى عند الندا والبأسِ
ورحمْتَ عَبْدَك إذ لجأت به إلى ... عَبد الرحيم السيد العباسيِ
فبه تبدَّل كربة بمسرة ... وتعوض الإنحاس باستئناسِ
مولى تردا بالكمال موزراً ... من كل محمود بخير لباسِ
فرع لدوحة بيت آل محمد ... مترنح بجني وطيب غراسِ
بحُلى الفوائد والفرائد والعوا ... ئد والمحامد والمشاهد كاسي
فرد لأنواع المحاسن جامعٌ ... بالبشر بذكر مشهد العَبَّاسِ
نور النبوة لائح في وجهه ... زاهٍ كما المشكاة والنبراسِ
وأجُلُه عن ضرب أمثال وعن ... تخييل أشكال وذكر قياسِ
стр. 204
ماذا يقول مفوه في وصفه ... لو أنّه يُعطى ذكاَء إياسِ
إنّ البديع بما حواه لعاجز ... عن حصره بالنقش في القرطاسِ
لا زال محفوظاً بعين عنايةٍ ... تغني عن الحفاظ والحراسِ
ولمجده خضر السعادة دائم ... باق بسؤددهِ بقاء الياس
ولمجده ظل السيادة وارف ... ما أمتدّ ظل في رياض الآسِ
فلما وقف مولانا السيد المشار إليه، أسبغ الله نعمه عليه، على هذه الأبيات، أجابني عليها بأبيات أبيَّات، فقال:
قسماً بخير الخلق مولى الناس ... وبِعَمِه وصفيه العبّاسِ
ما مثل در قد نظمت عقوده ... متناسق الأنواع والأجناسِ
وافا فأهدى للمسامع حسنة ... شنفاً حيث شرفاً بغير قياسِ
وبما تبدّا من بديع بيانه ... قد صيَّر الأفكار في إبلاسِ
لو صُورت زُهراً معاني لفظهِ ... كانت لكيوان كتاج الرأسِ
стр. 205
أو قايست أنواره شمس الضحى ... أضحت كما المشكاة والنبراسِ
سبحان مبدع فكرة قد أبرزت ... ما فيه من غرر وحُسْن جناسِ
عالي الطباقِ فمتنه عن سَافِلٍ ... عارٍ ومن حُلَلِ البلاغة كاسيِ
تنشى معانيه بلطف فنونها ... ما ليس ينشئه سلاف الكأسِ
ويعيد روح الأُنس روح بديعه ... من بعد ما قد غاب في الأرماسِ
ويرد روض البشر أخضر يانعاً ... زاهي الروابي بعد طول يباسِ
فترى به ورق الفصاحة صُدَّحاً ... وكأنها القينات في الأعراسِ
وإذا شذا قمري فضل بيانه ... ما معبد في روضة المقياسِ
لله ناظم درة الغواص في ... لجج العُلوم بفكره الغطاسِ
فهو الذي فرع الشيوخ بعلمه ... والعمر غض في أجد لباسِ
وله معارف ليس ينكرها سوى ... من يبتلى في العقل بالوسواسِ
ومؤلفات شاهدات أنهُ ... بالبحر غير مشبه ومُقَاسِ
عن فضله حدث ولا حرج فما ... ينفيه إلاّ ذو الشنار الخاسي
стр. 206
من ينكر الشمس المنيرة غير من ... هو للعمى في حالتيه يقاسي
لا غَرْوَ أن يعي مجاري فضله ... تعيى البغال بجرية الأفراسِ
إني لأرفع مجده عن نعته ... ببديع أوصاف مضت لأناسِ
وأجله أن أستعير لذاته ... من حلم أحنف أو ذكاء إياسِ
ورث المحامد كابراً عن كابر ... وبنى علاه على أجلّ أساسِ
لله در أب له قد كان في ... أوج العلا الطود الأشم الراسي
ما أن رأت عيناه مثل جَلاله ... وخلاله كلا وَرَب الناسِ
حلم له رضوى يخف ومقول ... يدع الجواهر وهي في أبخاسِ
وطويل باع في العلوم مديدة ... ببسيط وافره الأنام يواسي
وسماحة تدع ابن برمك مادراً ... وترد حاتم في قلاً وتناسي
وولاية قرت عيون أولى الولا ... وبها عيُون أولى العناد خواسي
стр. 207
ونصائح تدع الغوى مرشداً ... ويلين منها كُل قلب قاسي
وله كرامات تَعذَّرَ حَصْرُها ... كالقطر والأمواج والأنفاسِ
من ذا يحاول عشر عشر نعوته ... لو يضرب الأخماس في الأسداسِ
والله إني عن وفاءِ حقوقه ... في غاية الإقتار والإفلاسِ
فله من المولى الكريم مواهب ... تكسُوه بالرضَوان خير لباسِ
ولأوحد العلماءِ وارث مجدِهِ ... رتب تُرى فوق السماك رواسي
وقباب سعد لم تزل علياؤها ... مشدودة الأطناب والأمراسِ
وبكل لمح يستجد سيادةً ... تدع الحسود بحالةِ الخناسِ
عذراً سليل المجد عن نظم امرءٍ ... قد رق من جور الزمان القاسي
إن ابن سبعين لمعذور إذا ... ما فكره أضحى كعود عاسي
فكن الرَّضِيّ بن الرَّضِيّ بن الرَّضِيّ ... بما أتى من فاقد الإحساسِ
وتلق بالبشر الذي عودته ... ما قد بدا من مخلص عباسي
ولئن تكن نزراً ركيكاً سافِلاً ... فالستر منك لدائه كالآسِ
стр. 208
جمحت قوافيه فلما راضَهَا ... بك أذعنت من بعد فرط شماسِ
وغدت بفخر المدح فيك رفيعة ... ولها منابر في العُلا وكراسي
وبَدَت تجرُ على جَرير مرطها ... وأبي فراس مفخراً ونُؤَاسِ
وعلى حبيب قد تعذر وصلها ... وابن الحسين اخى الندا والبأسِ
لا زلت ترقى للمعالي دائماً ... وفضاؤها لعلاك كالبرجاسِ
ولمجدك العالي الثناء من الورى ... يجري كما الأوقاف والأحباسِ
ولعيشك الخضر المنعم حافظ ... من أن يردّ رجاؤه للياسِ
ما فوقت أيدي اليراع بوشيها ... مبيضةَ الأطراس بالأنقاسِ
ثم كتب لي لُغْزاً زاده الله تعالى رفعة وعزاً:
يا من غدا لب العلوم حاوياً ... وبجواهر البديع حاليا
ما اسم ثلاثي تُرَى حُرُوفه ... ثلاثة وقد ترى ثمانيا
стр. 209
وهو على استوائه فعل وإن ... عكسته كان كذاك باديا
وإن حذفت أولاً منه يُرى ... فعلاً يكون ذاهباً وجاءيا
وإن تحرفه فذو الذوق يحُد ... عنه ويُلْفَى لأساه قاليا
وإن عكسته تَراه صالحا ... من بعد ما كان مهيناً واهيا
وكله في حَال قلبه يُرى ... فعلاً به تحصلُ المَرَائيَا
وإن أزلت عينه أقام في ... مقامه ولا يكون نابيا
وإن قلبته تَجده رقةً ... يحكي الذي بالسقم أضحى باليا
وإن جعلت لامه فاءً لهُ ... كان لما تزبرُه مساويَا
وإن قلبته فشىءٌ حامضٌ ... يُأكل منه حاضراً وباديا
وإن لثلثيه اعتبرت تلقهُ ... أمر لمن غدا بربع ثاويَا
واسم لبلدة تناءت دارها ... ودونها كم قطعوا فيَافيَا
стр. 210
وهو إذا اعتبرته حقيقة ... تراه شيئاً نائياً ودانيَا
يوجد في أرض العراق مثلما ... يوجَدُ في أرض الحجاز ناميَا
وفي خراسان إذا طلبتهُ ... يلفى وفي الروم يكون وافيَا
ومصر والشام ففيهما لَهُ ... مآثر قد عدمت مُضَاهيَا
فاقبله لغزاً قد أتى من مخلص ... لم يَبرح الدهر عليك ثانيَا
وحُلَّه وحله بجوهر ... من لفظك الجزل بقيت سَاميَا
منعماً في ظلّ عيش لم يزلْ ... عليك دوماً سَابغاً وضَافيَا
فأجبته عنه، وألحقت به لُغْزَاً فقلت:
يا من بِدُرّ العلم أضحى حاليا ... وفكره للمشكلات جَاليَا
أبديت لي لغزاً بديعاً لم يزل ... قدري به بين الأنام رَاقيَا
في اسم ثلاثي متى فصَّلتهُ ... صَارَت به أحرفه ثمانيَا
وإن عكست لفظه فاسم لما ... يكون من نفس الجريح باقيَا
وإن تصحفه محرَّفاً فمشر ... وب غدا التركي منه حاسيَا
стр. 211
وإن حذفت صدره وكرر الب ... اقي فمن صخر تراه زاهيَا
وصحف الباقي محرفاً تجد ... ذا الذوق عنه لا يكون قاليَا
وإن عكسته فأمر من يرى ... للنوق حالة الرحيل حَادِيَا
وإن ترخمه بتصحيف فذا ... عضواً لأعضاءِ يكون حاويَا
وإن حذفت عينه محرَّفا ... تجده في فصل الشتاء آتيَا
وهو بأرض الهند يلقى جَاريا ... ومن وراء النهر يُلفى ساريَا
أيضاً وفي الغرب يلوح مثلما ... يظهر في الشرق جلياً بَادِيَا
هذا وما اسم ذو ثلاث أحرف ... وهو لسبع قد يكون وافيَا
وذو هدى بهاؤه لا يختفي ... ترى به وصفاً لنا مساويَا
وظاهر وإن تصحفه اختفى ... وفي جهات البر يبقى جاريَا
محذوف غير منه شىءٌ ضدهُ ... محذوف فاءٍ فيه كان ثاويَا
محرفا ودان فونان إذا ... حَرفت أولاً وأيضاً ثانيَا
стр. 212
وإن نقلت أولاً لآخر ... فهو سبيل كم أعان عانيَا
وإن نقلت آخراً لأوسطٍ ... أمسى الفقير من آساه شاكيَا
وإن تصحف ذا فمحظور به ... ترى الغوى كل وقت لاهيَا
هاك الجواب ثم لغزاً سَافِلاً ... وللمعالي بالقبول رَاقيَا
فحلِه بحله الحِل لهُ ... يَحُل في أوج السماءِ سَاميَا
لا زلت في عز وسعد دائم ... مَا رَادَفت أيامنَا الليَاليا
فأجابني، أمتع الله بحياته، عن لُغْزي هذا بقوله:
يا بدر دين الله يا من غدا ... لكل فن في الورَى حَاوِيَا
ألغزت في اسم شامخ قدره ... ما زال في أوج العُلا عاليَا
إن قلت بدر فهو أزهى سنا ... إذ بك أضحى للسهار راقيَا
كم فيه در عقده لم يزل ... عند الذي يخبره غَاليَا
стр. 213
وفيه رد لحسودٍ يُرَى ... بحسنه بين الورَى خَاسيَا
وفيه بُر نبته مخصب ... وفيه بِر لم يزل جاريَا
لو سَافر الراغب بُرْداً له ... لعُدَّ في درب الوفا وانيَا
كم فيه للظمآن بُرْد يُرى ... من بَرَد يروى به صَافيَا
أحسن من تحبير بُرد غدا ... به يماني يُرَى كاسيَا
لو ابن بُردٍ رام نظماً له ... أعيى وأضحى عجزه بَادِيَا
أو النواسي غدا بالذي ... أحدثه العجب به ناسِيَا
أو الوليد اعتد ما صَاغه ... في كل نوع عبثاً واهيَا
والمتنبي غدا عاجزاً ... بمعجز أضحى به غَاوِيَا
أو المعري تعرى عن الرش ... د ولم يلق له هِادِيَا
وليس بِدعاً ذاك ممن غدا ... بمجده عُطل العُلا حَاليَا
لا زال في سعدٍ وفي نِعْمَةٍ ... ما لاحَ نجم في الدجى زاهيا
стр. 214
ثم كتبت له لُغْزَاً، فقلت:
يا من صفا في العلم مورد شربه ... لما تروّى من مناهل عَذبه
ما اسم ثلاثي معمى لم يزل ... تبصره في شرق الوجود وغربه
هو صامت أبدي ويلفى ناطِقاً ... لكن برمز في الكلام لعُجْبه
هو ظاهر خاف وليس به يُرَى ... غشٍ ولكن غشه في قلبه
وإذا حذفت الصَّدر منه تلقهُ ... جمعاً لمن يلقى الصدور بحربه
وإذا تصحف فهو أمر شامخ ... مع نعت جمع مشرف في حزبه
ومع الزيادة آخراً يُلفى به ... بلد زهَى بين البلاد بخصبه
وإذا تصحف فاسم خود كاد أن ... يقضي بها مَعْشُوقُها من حُبّه
وإذا جعلت الفاء لاماً فهو ما ... يُبدى المتيم من محاسن حبه
وإذا تصحف قلبه فقبيلة ... في البدو عُدت من أماثل عُرْبه
فامنن بحل اللغز يا براً بلا ... مثل ويا بحراً سَما عن مشبه
يا من إذا الأعلام عدت كان مَع ... أعيَانهم كالبدر صحبة شهبه
стр. 215
واسلم ودم في نعمة لا تنقضي ... ما انهل قطر من مواقع سُحبه
فأجاب عنه بقوله:
يا من غدا والعلم مورد شربه ... يصفو كما تصفو مَوارد حبه
ألغزت في لغز بديع لم يدع ... فضلاً لدى فهم اللبيب وَلبه
ومنعته نطقاً فأصبح صَامِتاً ... وعتا على فكر الأريب بحجبه
وغدا يلوح ويختفي والغش من ... أفعاله متمكن في قلبه
حاولت جهبذ فكرتي في رده ... غَزلاً وفسخ معاقد من عجبه
فبدا له غُزُّ يحاول منعهُ ... عَمَّا أراد ولا تني في حربه
وأراه عزاً شامخاً من معشر ... عز الطلائع أصبَحوا من حزبه
لو أدركته من كُثّير عَزَّة ... فكَر لأبعد عن مَواقع قربه
ولو استجاش لنصره وعلا لما ... أغنت ودام على الإباء بشعبه
لله غزة ربع ناظمه لقد ... أبدت لنا بدراً زهى في شهبه
следующие страницы →