← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 37060

المطالع البدرية في المنازل الرومية

بدر الدين الغزي

Полный текст (303 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وإن حذفت صدره وكرر الب ... اقي فمن صخر تراه زاهيَا وصحف الباقي محرفاً تجد ... ذا الذوق عنه لا يكون قاليَا وإن عكسته فأمر من يرى ... للنوق حالة الرحيل حَادِيَا وإن ترخمه بتصحيف فذا ... عضواً لأعضاءِ يكون حاويَا وإن حذفت عينه محرَّفا ... تجده في فصل الشتاء آتيَا وهو بأرض الهند يلقى جَاريا ... ومن وراء النهر يُلفى ساريَا أيضاً وفي الغرب يلوح مثلما ... يظهر في الشرق جلياً بَادِيَا هذا وما اسم ذو ثلاث أحرف ... وهو لسبع قد يكون وافيَا وذو هدى بهاؤه لا يختفي ... ترى به وصفاً لنا مساويَا وظاهر وإن تصحفه اختفى ... وفي جهات البر يبقى جاريَا محذوف غير منه شىءٌ ضدهُ ... محذوف فاءٍ فيه كان ثاويَا محرفا ودان فونان إذا ... حَرفت أولاً وأيضاً ثانيَا

стр. 212

وإن نقلت أولاً لآخر ... فهو سبيل كم أعان عانيَا وإن نقلت آخراً لأوسطٍ ... أمسى الفقير من آساه شاكيَا وإن تصحف ذا فمحظور به ... ترى الغوى كل وقت لاهيَا هاك الجواب ثم لغزاً سَافِلاً ... وللمعالي بالقبول رَاقيَا فحلِه بحله الحِل لهُ ... يَحُل في أوج السماءِ سَاميَا لا زلت في عز وسعد دائم ... مَا رَادَفت أيامنَا الليَاليا فأجابني، أمتع الله بحياته، عن لُغْزي هذا بقوله: يا بدر دين الله يا من غدا ... لكل فن في الورَى حَاوِيَا ألغزت في اسم شامخ قدره ... ما زال في أوج العُلا عاليَا إن قلت بدر فهو أزهى سنا ... إذ بك أضحى للسهار راقيَا كم فيه در عقده لم يزل ... عند الذي يخبره غَاليَا

стр. 213

وفيه رد لحسودٍ يُرَى ... بحسنه بين الورَى خَاسيَا وفيه بُر نبته مخصب ... وفيه بِر لم يزل جاريَا لو سَافر الراغب بُرْداً له ... لعُدَّ في درب الوفا وانيَا كم فيه للظمآن بُرْد يُرى ... من بَرَد يروى به صَافيَا أحسن من تحبير بُرد غدا ... به يماني يُرَى كاسيَا لو ابن بُردٍ رام نظماً له ... أعيى وأضحى عجزه بَادِيَا أو النواسي غدا بالذي ... أحدثه العجب به ناسِيَا أو الوليد اعتد ما صَاغه ... في كل نوع عبثاً واهيَا والمتنبي غدا عاجزاً ... بمعجز أضحى به غَاوِيَا أو المعري تعرى عن الرش ... د ولم يلق له هِادِيَا وليس بِدعاً ذاك ممن غدا ... بمجده عُطل العُلا حَاليَا لا زال في سعدٍ وفي نِعْمَةٍ ... ما لاحَ نجم في الدجى زاهيا

стр. 214

ثم كتبت له لُغْزَاً، فقلت: يا من صفا في العلم مورد شربه ... لما تروّى من مناهل عَذبه ما اسم ثلاثي معمى لم يزل ... تبصره في شرق الوجود وغربه هو صامت أبدي ويلفى ناطِقاً ... لكن برمز في الكلام لعُجْبه هو ظاهر خاف وليس به يُرَى ... غشٍ ولكن غشه في قلبه وإذا حذفت الصَّدر منه تلقهُ ... جمعاً لمن يلقى الصدور بحربه وإذا تصحف فهو أمر شامخ ... مع نعت جمع مشرف في حزبه ومع الزيادة آخراً يُلفى به ... بلد زهَى بين البلاد بخصبه وإذا تصحف فاسم خود كاد أن ... يقضي بها مَعْشُوقُها من حُبّه وإذا جعلت الفاء لاماً فهو ما ... يُبدى المتيم من محاسن حبه وإذا تصحف قلبه فقبيلة ... في البدو عُدت من أماثل عُرْبه فامنن بحل اللغز يا براً بلا ... مثل ويا بحراً سَما عن مشبه يا من إذا الأعلام عدت كان مَع ... أعيَانهم كالبدر صحبة شهبه

стр. 215

واسلم ودم في نعمة لا تنقضي ... ما انهل قطر من مواقع سُحبه فأجاب عنه بقوله: يا من غدا والعلم مورد شربه ... يصفو كما تصفو مَوارد حبه ألغزت في لغز بديع لم يدع ... فضلاً لدى فهم اللبيب وَلبه ومنعته نطقاً فأصبح صَامِتاً ... وعتا على فكر الأريب بحجبه وغدا يلوح ويختفي والغش من ... أفعاله متمكن في قلبه حاولت جهبذ فكرتي في رده ... غَزلاً وفسخ معاقد من عجبه فبدا له غُزُّ يحاول منعهُ ... عَمَّا أراد ولا تني في حربه وأراه عزاً شامخاً من معشر ... عز الطلائع أصبَحوا من حزبه لو أدركته من كُثّير عَزَّة ... فكَر لأبعد عن مَواقع قربه ولو استجاش لنصره وعلا لما ... أغنت ودام على الإباء بشعبه لله غزة ربع ناظمه لقد ... أبدت لنا بدراً زهى في شهبه

стр. 216

وبه دمشق تشرفت أرجاؤها ... لما أناخَ بها مطايَا ركبه وغدت به تبعاً لمصر تجول في ... حلل الفخار بما ارتوت من عذبه نشر العلوم بها فأصبح ما انطوى ... منها جلياً وادعاً في سربه فعساه يلفى كالرَّضِيّ أبيه بالش ... عر الذي وافا بذمه عُرْبه لا زال في سعد وعزٍ ما زَهَا ... بَدر الدجى في شرقه أو غربه وكتب لي لُغْزَاً أيضاً، وهو: يا واحد العصر الذي ... أوصافه لا تحصر ما اسم ثلاثي غدا ... معروفه لا يُنكر ليس بحسن جسمه ... وبالعيون يُبصر يمضي ولا رجل له ... مضاء طرف يحضر ويختفي في جوفه ... المحبوب والمستنكر قد خف لكن قلبه ... ليس عليه يقدر

стр. 217

متى تصحف فاَءه ... به كثيراً يُسْبر وإن حذفتها يكن ... له شؤون تزبر وإن تصحف عينه ... فاسم لشىءٍ يكبر وتارة يكون فعلاً ... حاله مقدر وتارة حرفاً لما ... يحيد عَنه المخبر وإن قلبته يكن ... خير متاع يخبر وإن تصحف فاَءه ... واللام لا تعتبر يختصُ بالفعل وعن ... فحواه لا يقصر وإن تحرف فاءه ... ولامه تُختصر يختصُ بي معروفه ... ولى حياة يقصر وإن تصحف لامه ... وعينه لا تذكر

стр. 218

فهو مباح لك يا ... من للقلوب يجبر فحله محله ... فهو الفريد الجوهَر واسلم ودم في نعمة ... ليس لها تغير دورية آخرها ... أولها لا يفتر ما لاح ليل ومحا ... دجاه صبح مسفر فأجبته عنه، وألحقت به لُغْزَاً أيضاً، فقلت: يا سيداً أوصافه ... مثل النجوم تزهرُ ألغزت لي في اسم غدا ... للكون طراً يغمر ليس يحسُّ جسمه ... والعين فيه تستر أوله كآخر ... ليس به تغير يطول مع أساه ... ومع سرور يقصر

стр. 219

وهو مطيع ربه ... لكن تراه يكفر متى تصحف فاؤه ... فهو لسبر مصدر واسم لألة لها ... يَخسر من قد يَخسر صحّف وحرّف فاءه ... أو عينه يختصر يُعم أشياء كما ... بالسبر أيضاً يأمر وجاء فعلاً للذي ... من الملال يحسر وأمر ذي سخاوة ... للضيف لما يحضر ترخيمه بالعطف أو ... بالمطل قد يفسر وإن تصحف فاءه ... فهو لنار أثر أو عينه ترى به ... باقي فعل يذكر وإن تصحفهما ... اذهب أمراً يحذر هذا وما مربع ... مع أنه معشر مسير ميسر ... مبشر ومنشر

стр. 220

كماله لا يختفى ... وهو بعين يبصر إن تحذف الزائد ... فهو بعباب يزخر والرد بالسوء لمن ... يسأل منه يؤثر متى حذفت صدره ... منه السقوط يحدر وإن أزلت جوفه ... فآكل لا يفتر وإن ترخمه أتى ... بعكسه إذ تأمر وقلبه اسم عاقد ... ووصف شىء يحضر وإن تصحف فاءه ... فهو نبات عطر وثم أوصاف له ... بين الورى تشتهر فحل عقده بعقد ... دُرّه لا يقدر لا زلت في سعادة ... أوصافها لا تحصر

стр. 221

دوريَة أفلاكها ... دائرة لا تفتر ما لاح نجم مزهر ... وفاح نجم مزهر فأجابني عن لُغْزي بقوله: يا من غدا مثل اسمه ... لما دجى ينور ألغزت في شىء غدت ... نعماؤه لا تحصر مرخماً حرفه ... تلقه نهى لا يقدر وإن تصحفه يكن ... منه بهاء يزهر وإن أعدت لامه ... حباك روض نضر واعكسه فهو راهب ... مما جناه يحذر وإن حذفت ثالثاً ... منه عراه بهر واقلبه فهو الرعب ... من قلب جبان ينفر فهاك حل اللغز من ... مقصر يعتذر واسلم ودم في نعمة ... ما لاح ليلاً قمر

стр. 222

وكتبت له لُغْزاً أيضاً، فقلت: يا أوحد العصر يا ... من عليه شكري وقف ما اسم ثلاث حروف ... وإن عكست فحرف وتارة هو فعل ... لذلك الاسم وصف فأجابني بقوله: يا من لمجد علاه ... بكر المعاني تُزف ألغزت شيئاً بديعاً له ... القلوب ترف كم مال عن ذي كمال ... وللجهول يحف وكم به جاء فتح ... وكم به حَل حتف وإن ترخمه يأتي ... له معاني تصفِ وإن ترخم وتقلب ... يَلوح من ذاك حرف وفاءه أحذف تجده ... اسماً به جاء عرف واعكسه تشهده حرفاً ... والنهي منه يشف لا زلت ترقى المعالي ... ما دام يَطرف طِرف

стр. 223

ولم نزل بذلك المكان المذكور، ننشر من الإنشاء زهر منثور، وننظم من القصائد درر بحور، ونحلى من نواشي الطروس بلآليء السطور، معاقد خصور ولبات نحور، وأتمتع من ذلك السيد المولى بمجالسته، وأتمنع إلاّ عن مسامرته ومؤانسته، وأرتشف من نمير زلال مفاكهة أحاديث أحلى من ارتشاف الرضاب، وأغترف من بحر علومه فوائد لها عندي اقتضاء واقتضاب: أحاديث أحلى في النفوس من المُنَى ... وألطف من مرّ النسيم إذا سرى فيا لها من أيام غرر جلت غسقاً وتعالت نسقاً، وبثت من علوم ونشت من منثور ومنظوم، وذكرت أيامنا بالبلاد الشَّاميّة، التي هي بالمحاسن موشية، وبعكوفنا فيها على العلم بكرة وعشية، فهناك كم من صارفة حرفت وعارفة عرفت وعقيلة عقلت وكلمة رمقت فومقتْ ومقلت فنقلت، قد ناب فيها عن والدتي هذا السيد أباً شفيقاً وعن أخوتي أخاً برّاً شقيقاً: شقيق أخاء لا شقيق أخوةٍ ... نسيب صفاء إن ذكرت نسيبا بل سيد ومولى ومالك الرق والولاء، ومنقذ بشريف فضله وتفضله نفساً أشرفت على البلاء، يؤنسني في وحشتي تلك مأنسة، ويقدّمني في كل الأمور على نفسه، بل هو الروح الروحانيّة والنفس الإنسانيّة، والقلب لكنه السليم من الانقلاب، والعين لكنها القريرة بالأحباب، قد رفعت من صدق الاتحاد الاثنينية بيننا، ولولا ملاحظة السيادة والعُبودية لقلت له: يا أنا، استغفر الله تعالى، بل نلحظ مقام

стр. 224

العُبودية ونحفظ رتبة السيادة ونقف على قدم الخدمة بين يديه متأدبين كما هو جاري العادة، ويكون هذا الموقف إعزازاً لا إذلالاً، ولا نتخذ كل وقت سوء الأدب ادْلالا، لا زال مقامه كل وقت شريفاً، وشرفه عالياً على كل شرف منيفاً، وظلّه في الآفاق صافياً وريفا، وسعده وارداً ورائداً من الإقبال منهلاً وريفاً، فلم نزل مقيمين هناك بذاك المكان إلى أن عاد السُّلطان من جَوْب تلك البلدان، وضرب له بظاهر تلك البلدة الخيام، وكان ذلك أواخر شهر المحرم الحرام، واستمر به المقام هناك ثلاثة أيام، ثم عَنَّ له الركوب من هناك في البحر المالح لمّا رأى في ذاك من المصالح، فبطل أعمال الركائب وأعمل ركوب المراكب، وعدّى الى القُسْطَنْطِينيّة محل تخت مُلكه في القارب، فما مضى ذلك اليوم وغده حتى ضمته سراياه وبلده، ثم تلاحقت به العساكر تترا، وتألفت مسرعة براً وبحرا، وكنّا قد سئمنا هناك من المقام، وإن لم يسأموا منّا أهل ذلك المقام، وآل الإكرام منهم الى الإبرام، وإن لم نبلوا من صحبتنا أقصى المرام، فأجمعنا على الرحيل وأزمعنا، ولم تك هناك الخيل معنا وليس ثمَّ محمل ولا مركب غير ما حملنا إليها من ذلك المركب المنسوب إلى الرئيس لطفي، وحاله في النذالة والسفاهة غير مخفي، وإلاّ المركب المنسوب لابنه ماميه، ساق الله ما يستحقه إليه، فأرسلنا وراءهما بسبب ذلك، وذكرنا لهما ما هنالك، وشرحنا لهما جليّة الخبر، وقلنا: إن كنتم تهيأتم للسفر وإلاّ فهنا مراكب أُخَر، وقصدنا تقريب الرجعة والمضي إلى القُسْطَنْطينيّة سرعة، فقالوا: قد تكاملت أمورنا ولكن اصبروا علينا إلى يوم الجمعة، فمضت الجمعة ولا حس ولا

стр. 225

خبر، ولا عين لهما ولا أثر، ولا أسفر وجه واحدٍ منهما ولا حضر، ونحن في غاية القلق والضجر، فأرسلنا إليهما وأكّدنا في الحضور عليهما فحضرا واعتذرا، وذكرا أنّ السفر ولا بدّ يوم الاثنين، فجاء ذلك اليوم ولا عين ولا خبر وليس إلاّ الكذب والمَيْن، ونحن نقول: هما أين؟ هما أين؟ فغضبنا من ذلك وحردنا، وأكّدنا عليهما بسببه وشدّدنا، فحضرا وأجمعا ووعدا بأنّ السفر ولا بد يوم الأربعاء، وأقسما على ذلك وتقطَّعَا، فحضر الأربعاء ولم يحضرا ولم يُشاهدا ولم يُنظرا ولا خبر منهما ولا مخبر عنهما، فأيقنَّا أن ليس واحد منهما مُسْلِمَا، ثم انقضى ذلك اليوم ومضى، ونحن نتقلى على جمر الغضا، ونمزج الغيظ بالرضى، وقد ضاق علينا ذلك الفضاء، وصار صبرنا كأمس مضى. ومضت بعد ذلك مدة، وأيام عدّة، ثم حضر أحدهما معتذراً، مستكيناً بما جرى مستغفراً، وعاهد ووعد وذكر بأن يوم الأحد ولا بد يكون السفر، فانْتُظر ذلك الأحد أحدّ انتظار، إلى أن وافى بوعده ذلك النهار، ثم مضى يوم الأحد، ولم يحضر منهما أحد، ولا أنجز ما عَاهَد عليه ووَعد، ثم حضرا بعد أيّام، وقالا: قد استحيينا منكم ونحن نصدقكما الكلام، فإنّ مركب لطفي لم يتم، ومركب ماميه أشرف على التمام، ويكمل وسقه ولا بدّ يوم الخميس، (ويحصل من الكروب التنفيس)، ويكون نزولكم فيه بخير يوم الجمعة وقت التَغْليس، وأقسموا على ذلك قسماً لا يفجر من كان مسلماً، فارتجينا بذلك تنفيس الكروب، وقلنا قد يصدق الكذوب، فارتقبنا ذلك رقبى الهلال، ولم نشكو في انتظاره من الكلال، فلم

стр. 226

نزل بذلك الحال حتى حَلّ ذلك الوقت وَحَال، ومضى يوم الجمعة بالتمام والكمال، وتصرّمت بعده عدّة ليال، فتزايد الكرب، وذاب من نار الانتظار القلب، وضنى الجسد والفؤاد، من خلف الميعاد بعد الميعاد، فذكرنا ذلك لقاضي البلد، فأحضرهما وتوعد، وأنكر عليهما وتهدد، وبالغ في ذلك وشدّد، وأبرق في إيعاده وأرعد، فقالا: لا عذر لنا بعد اليوم، ولا إنكار ولا لوم، ويوم الثلاثاء من كل بدّ يركب القوم، ويأخذ مركبنا في السير والعوم، وحلفا على ذلك وعاهدا، وبالغا في أيمانهما وعهودهما وأكدا، فحضرا يوم الثلاثاء يُحثان في المسير احتثاثاً، ويُظْهران أنهما لا يُبْديان للعهد انتكاثا، وقالا: لم يوافق هذا النهار ريح موافق ولا رُزكار، وبعد يومين تنصلح الرياح غاية الانصلاح، ويحصل رُزكار مواتٍ للرواح، وفي يوم السبتّ يكون السفر على البت، فجاء السبت وانصرم، واتقدّ جمر القلب واضطرم، ثم مضى يوم الأحد ولم يحضر منهما أحد، فلمّا كان ضحى يوم الاثنين حضر أحد الاثنين واعتذر بما لن ينفعه، عذراً ما كان أصقعه، وقال: نرسل في الغد صندلاً لنقل الأسباب والأمتعة، فلم نصدقه من كثرة ما كذب، وأقمنا جدّه مقام اللعب، فلمّا انجلى وجه الصباح وتهلل، ظهر لنا من بُعدٍ ذلك الصندل، ففرحنا به فرحنا بالمواسم، وانتظرنا وصوله للثغر وثغر كلّ منا باسم، وما علمنا أنّ هذا الفرح يعقبه بؤس، وهذا البشر بديله عبوس، فأنزلنا فيه في تلك الساعة

стр. 227

الأسباب والأمتعة والجماعة على أنّنا نبكر لهم صباحاً، ونركب معهم غدواً ورواحاً، فأمطرت السماء تلك الليلة مطراً غزيراً، صارَ منه الوادي غديراً، واستمر يوم الأربعاء ثم ليلة الخميس معاً، ثم أسفر وجه الخميس ووجه الجو في غاية التعبيس، وعيون المزن ذارفة، وسقف الأفق واكفة، والقلوب من ذلك راجفة واجفة، الى أن تعالى النهار، وكاد جرف الصبر ينهار، فكف حينئذٍ الوبل، وتنازل الى مرتبة الطل، والشّمس من خلل السحاب تظهر كالحسناء في النقاب أو مثل عذراء تبرز وتستتر بالخباء، أو كما قال الشريف ابن طباطبا: متى أبْصَرْتَ شمساً تحتَ غَيمٍ ... ترى المرآةَ في كفِّ الحسُودِ يُقَابلُها فيكسبها غِشَاءً ... بأنفاسٍ تزايدُ في الصُّعُودِ فعزمنا على الرحيل، والتجول في برد الأصيل، وخرجنا وقت العصر من تلك المدينة، قاصدين في زعمنا الركوب في السفينة، وذلك يوم ثامن عشرين صفر ختم بالخير والظفر، وأخذنا في السير والترحال، والقلب في غاية الأوجال من تلك الأوحال والأحوال، فلمّا وَصَلنا إلى قرب الساحل التي السفينة به، تلقّونا الجماعة، ومالوا بنا إلى قرية هناك بقربه يقال لها ينكيجه باللغة الرُّوميّة، ومعناه الجديَّدة بالتصغير في اللغة العربيّة، وقالوا لنا: استريحوا هنا في هذا المكان، وعرّفنا الجماعة أنّه كذب في قوله وَمَان، فنزلنا هناك ببيت عالٍ من الدفوف، متخرق الحيطان والسقوف، تتناوح به رياح الجنوب والشمال، من العلو والسفل واليمين والشمال، فلم نزل بذلك المكان ثلاثة عشر يوماً، لا نجد بالنهار راحة ولا نذوق بالليل نوماً، ونحن في أسوء الأحوال، وأشدّ الأوجال، من تلك الأمطار والأوحال، وقد اشتد البرد، وبلغ الجد وفرغ الجهد، ووقع الثلج على الجبال حوالينا، ووصلت

стр. 228

سهامه إلينا، وقلنا الحمد لله اللهم حوالينا ولا علينا، وهذان النذلان يعدانا بمواعيدهما المعروفة، ويجريان من الكذب على عوائدهما المألوفة، ويعاهدان ثم يخلفان، ويكذبان فيما عليه يحلفان، فلم تزل تلك دعواهم، أضعف الله قواهم، وضاعف بلواهم وأبعدهم وأخزاهم (وعاملهم بعدله وجزاهم)، فما أجرأهم على النفاق وأجراهم، فبينا أنا أقاسي من ذلك حزناً وحربا، وأتنفس الصّعداء غموماً وكربا، وألاقي من تلك الأهوال وصبا ونصبا، وأكاد أتميز غيظاً وغضبا (وقد بلغ السيل في الحالين الزبا)، وضاق الخناق، واشتد الوثاق، وتزايد الإغراق والإحراق، وبلغ إلى حدٍّ لا يستطاعُ وصفه ولا يطاق، فما راعني إلاّ البشرى بوصول خيلنا، وسوقها من فضل الله سوقاً لنا، فاستخرت الله تعالى في السفر في البحر وصمّمت، وعزمت عليه وعزَّمت وجزمت، وكان قد تنجز أمر ماميه حقيقة في تلك الساعة، وعزم على الركوب في سفينتهِ السيد ومن معه من الجماعة، وعرض علينا ماميه الركوب فيها عرض الكرماء فأنشدته: ما أنت نوح فتنجيني سفينته ... ولا المسيح أنا أمشي على الماء وممّا جرى على اللسان فيه وفي أبيه ما أنشدته على البديه، وهو قولي: إنّ يقل المريض ثلث مالي ... لا نذل النساءِ والرجال نصرفه في الحال إلى مَاميه ... لكن أبوه يدعي عليه

стр. 229

يَقول هذا خلقي وطبعي ... فالمال أستحقه بالشرع حينئذ يقول ماميه له ... لقد خبرتُ فرعه وأصله وقد حويت كثره وقله ... وقد وردت عله ونهله وقد بقي لي دائماً جبلَّهْ ... وخصلة طبعَية وخُلَّهْ فالمال أستحقه من دونكا ... فلا تمدنَّ إليه عينكا فعند ذا يغضب لطفي منه ... ولم يزل معنفاً بلعنه يَقول أنت غاصبٌ حقوقي ... في كل وقت مظهراً عقوقي يَقول ماميه إذا طلبت ... حقي فما أن لك قد عققتُ يَقول لطفي كيف قلت حقي ... وذلك الوصف أتم خلقي ألست من يوعد ثم يحلف ... خمسين ألف قسم ويخلف قال ابنه لقد رأوني أكذبا ... منك بإجماع وألعن أبا وقد تركبت عَليك الحجّة ... وظهرت منها لي المحجّة إنّ العقوق يقتضي استحقاقي ... إذ هو من نَذَالة الفساق

стр. 230

فما ذكرته هو الدليلُ ... قد قامَ لي عليك يا جهولُ وأنت إن كذبت إذ واعدتا ... فللذي فعلت ما وصَلتا ألست قد نبذتُ بالعراء ... السيد الشريف ذا العَلاء عين الأماثل ورأس الناس ... عبد الرحيم السيد العباس مع كبر المقدار والسن ولم ... أرع له الحقوق أصلاً والذمم ومعه ذاك الغريب الشامي ... مع أنه المفتي بأرض الشام فشاط لطفي عند ذا القول وقال ... من بعد أن آلمه ذاك المقال أليس تزعم بأنك ابني ... فقد أخذت ذا الطباع عني وقد نقلته جميعاً مني ... فإنه قبلك كان فني وثم عندي منه أصناف أخر ... وثم أوصاف لدي تُدَّخر وأنت لم تدر سوى ما قد ظهر ... ولست تعلم الذي عندي استتر

стр. 231

وكنت قد نويت أني أنفعك ... ببعض ما عندي ولست أمنعك فإنّ عندي منه ما لن يفرغا ... قط وما بَلَغت هذا المبلغا قال له ماميه بل عرفتُ ما ... عندك باديا وما قد تكتما ثم اكتسبت الضعف من سواكا ... غير الذي اقترحته من ذاكا فالآن قدري فيه فوق قدرك ... هذا وما بلغت نصف عمرك فسل من الأنذال عن مقالي ... يعترفوا بالمقام العالي فذل لطفي حين قال ذلكْ ... وصار وجهه كليلٍ حالكْ ثم أتاه بكلام حسن ... وبمقال لين لا خشن وقال يا ابني يا أخا المروة ... ويا أبا الرُجلة والفتوة والقصد بالمروة النذالة ... والقصد بالفتوة السفالة قد فقت فيهما جميع الخلقِ ... وقد سلخت خُلقي وخَلقي فانت يا قُرَّة عيني مني ... فقد تيقنت بأنك ابني

стр. 232

فاسمع كلامي وارع لي تعليمي ... وارفع مقامي واسع في تكريمي فقال: كلا لست أعطي حقي ... أو بعضِهِ لأحد في الخلقِ وإن تكن أبي فمن كمالِ ... سفالتي مَنْعُك من ذا المال فعند ذا رفع كل أمره ... لبعض من له بذاك خبره قال هما كفرسي رهان ... أو كشريكي شركة العنان فإن هذين بلا محالهْ ... رأسان قدوتان في النذالةْ وإنني والله لست أعلمُ ... أيهما في ذلك المقدمُ إن قلت ماميه ففيها أمة ... أو قلت لطفي فهو نذل الأمة فإنّ هذا الذل مع أصالته ... أعظم حجة على سفالته وذلك الجفاء من ماميه ... نذالة ظاهرة عليْهِ والصلح قالوا سيد الأحكام ... وهو اعتماد سائر الحكّام

стр. 233

والرأي أن تصطلحا وتقسما ... جميع ذا المُوصَى به بينكما فأنتما أنذل هَذي الأمّة ... فافترقا على رضى بالقسمة ومما قلته في لطفي العنيد، ونحن في ذلك الحال الشديد، الذي ما عليه من مزيد: عامل الله بعَدْل ... أنذل الأقوام لطفي وتولانا بفضل ... وتلافانا بلُطْفِ ثم ركبت من ذلك المكان، أنا ومن معي من الصبيان، وصحبنا معنا ما قلّ من الأمتعة، وتركنا بقيتها في المركب مودعة، وودعنا مولانا السابق في الذكر المتقدم بالذِكر وداعاً استولى على القلب واستعلى على الفكر، وفارقته بالجسم والقلب له مصطحب، وأنا ضاحك من ودع ذلك المحل ومن وداع ذلك الحال منتحب، وتذكرت بوداع ذلك الصاحب الحبيب وداع كل صاحب وحبيب، وبهذا الفراق والنأي القريب فراق كل ناءٍ قريب، وأنا أتململ بين نار قلب في نهاية الاضطرام، وماء طرف منسجم غاية الانسجام، وأتمثل بقول علي بن هشام: يا مُوقِدَ النارِ يُذكيها فيخمدُها ... قُرَّ الشتاءِ بأرواحِ وأمطارِ قم فاصطل النار من قلبي مضرَّمةً ... بالشوقِ من مهجتي يا موقدَ النارِ ويا أخا الذودِ قَدْ طَالَ الظماءُ بها ... ما يعرف الرَّيُّ مِنْ جَدْبٍ وإِقتارِ

стр. 234

رُدَّ بالعطاش على عيني ومَحْجرِهَا ... تُروي العطاشَ بدمعٍ واكفٍ جاري يا مُزْمع البين لا كان الرحيل فإن ... كان الرحيل فإني غير صبَّارِ إن غابَ شخصكَ عن عيني فلم ترهُ ... فإنّ ذكركَ مقرون بإضمارِ ذكر العود إلى القُسْطَنْطِينيّة وما جرى بعد ذلك من الأمور المرضيّة وكان رحيلنا من ذلك المكان الذي مرّ ذكره وتقدم، يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الأول المكرم بمولد النبي ﷺ ، وسرنا والسماء متسترة بأجنحة الفواخت، والطرف من خوف ما يحصل من نؤها باهت، ولم نزل نسير ونلتهم الأرض التهام الضمير، ونرتبط بالجد ارتباط الفعل بالضمير، ونجول في وداة وأشجار، ونحوب في مياه كالأنهار، إلى أن انهار جرف بناء ذلك النهار، ونحن نصل السير بالسُّرَى، ونعاصى عاذل الكرى، واليباب يخفضنا إلى بطون وهاده، ويرفعنا إلى ظهور نجاده، والليل قد أرفلنا في بجاده وجللنا برداء سواده، والقمر قد حجبه الغيم في أفقه، فلم يظهر من غربه ولا شرقه، وعَوَّض عنه بسناء برقه، والرذاذ يلطم الجباه، ويهجم على العيون والأفواه، وذيل الوحل على الأرض منسبل، وستره على بطحائها منسدل، (وسُلْطَان النوم عن الطرف ينعزل وعلى وصليه إلى المقل منفصل) والإعمال في السير متصل، وكل منا بحالة الخائف

стр. 235

الوجل، إلى أن اهتدينا بعد أن كدنا نضل، إلى المنزل المعروف بدل، وهو منزل إلى جانب البحر بين تلال في مضيق، ومنها يُنْزل في المُعديّة إلى قرب أزْنِيق فيقرب على الناس الطريق، وبها عمارة لابن هرسك للقاطنين والواردين، وعند المُعديّة على الدرب خان للمسافرين، وبظاهره عينٌ ماؤها معين، يصب في حوض كبير لورود الواردين، فنزلنا بذلك الخان، إلى أن آن وقت الفجر وحان، ونحن لا نهجع، ولا يستقر لنا مضجع، ودمعنا ودمع الغمام ذارف، وسقف الخان والسماء واكف، فبتنا بليلة نابغية وأحزان يعقوبية وتصبرات أيّوبية، لا نجد من تلك البأساء ملجأ ولا مقيلاً، ونلقي من أعيننا وأعين المزن بالليل قبل النهار سبحاً طويلاً، فعندما تجلّى وجه السحر، وذبح لضيف الصباح مطيّة الظلام ونحَر، خف القطر وقل، وتنازل من الوبل إلى الطل، فأخذنا في الترحال، وركبنا متون تلك الأوحال، وسمونا مع الماء سُموَّ حبابه حالاً على حال. ولم نزل نقطع مهامة وقفار، ونجوز في أودية كالبحار، يندهش بزمع فيها البصر ويحار، إلى أن وصلنا إلى كيكثبزة ضحوة النهار، فما ملنا إلى النزول ولا عُجْنَا، ولا عولنا على غير المسير ولا عرجنا، واستمر السير ذلك النهار جميعه والسحاب لا يكفكف دموعه، والشمس متسترة بخدرها لا تبرح خوف ذلك الزلق من وكرها، والأرض لا تثبت الرجل من كثرة الوحل على ظهرها، وتلك الجياد ترسف فيه كالراسف في الأقياد، وقد ضنى من ذلك القلب والفؤاد، والثياب منقوشة بأيدي الخيل من العاتق إلى الذيل، ووافانا (في

стр. 236

ذلك النهار) جماعة ممن كان صحبنا في الطريق، وممن عدّ في ذلك الفريق، واتّسم لنا بسمة الرفيق، راجعاً كل منهم إلى بلده، مؤملاً لقي أهله وولده، فحمّلناهم أطيب السلام إلى أحبابنا بأرض الشَّام، وقد فنى القلب تحرقاً وثوب الصبر تمزقاً وتذكرنا مرارة الفراق وحلاوة اللقاء، فتزايد من الجوانح الالتهاب، ومن الدموع الانسراب والانسكاب، ولم يمكننا لهم إذ ذاك كتابة كتاب، وتمثلت بقول أبي حيَّان بوأه الله تعالى غرف الجنان: لم أؤخر عمّنْ أحبُّ كتابي ... لقلىً فيه أو لتركِ هواهُ غيرَ أني إذا كتبتُ كتاباً ... غَلَبَ الدّمْعُ مُقْلتي فمحاهُ وأنشدتهم والقلب في شغل شاغل، والدمع من العينين سائل، للصلاح الإربليّ نديم الملك الكامل: بالله عليك أيها المرتحلُ ... بلغ عني أحبتي ما فعلوا قل مات فإن قالوا متى قل لهم ... من يوم فراقكم أتاه الأجَلُ وأنشدتهم والفؤاد مُستعر والدمع مُنتثر وعلى الخدين مُنتشر والقلب لا

стр. 237

يسكن ولا يقر، لبعضهم: أيها الرَّاكبُ المُيَمِّمُ أرْضِي ... بلغن بَعْضِِيَ السَّلامِ لبَعْضِي إنَّ جسمي كما تراهُ بأرْضٍٍ ... وفُؤادي ومالكيهِِ بأرْضِِ قد قضى الله بَيْننا بفراقٍ ... فَعسَى باجتماعِنا سَوفَ يَقْضي حقق الله رجاءنا وتقبّل دعاءنا بمنه وكرمه آمين. ثمّ فارقتهم والجوانح ملتهبة والدموع منسربة، وأنا ألتفت إليهم مرّة بعد أخرى، وأجرّ رجلي جراً وهلم جرا، إلى أن غابوا عن البصر، وعاد عيانهم إلى الأثر، وحديثهم إلى الخبر، ثمّ تذكّرت قدومهم إلى البلاد، وإخبارهم عني عند سؤال الوالدة والأولاد، فأنشدت: كأني بأمي لا عدمت حنوها ... إذا جاء من أرضي إلى أرضها قفلُ يعمهم من نجوها كل سَاعَة ... تسائلهم عني وعن حالتي الرسلُ يقولون أين البدر أين مَحلّهُ ... إلى ما انتهى لمَ لا أتى هل له شغلُ أضامت به حَال أطالت له يد ... أأخرهُ نقص أقدمه فضلُ يقولون قد نال الأماني جميعها ... وعمّا قليل سوف يجتمع الشملُ

стр. 238

وقد نشرت في الخافقين علومه ... ومقدارُ سموا وقيمته تعلوا ناشدتهم بالله ألا صدقتم ... لديَّ أجدٌّ ما تقولون أم هزلُ ولم نزل نسير، ونقطع حجّة ذلك الوحل الكثير، إلى أن حان وقت الأصيل، فبدت الشمس مصفرة كلون العليل، ونزل ذلك الوبل إلى مرتبة الطل، وشمر قليلاً ذيله المُهْطل، لكنه ما أهمل همله ولا أبطل، ولا أنعزل عن عمله ولا تعطّل، ووصلنا إلى قرية القَرْطَل: والشَّمْسُ قد مَدَّتْ أدِيمَ شُعَاعِهَا ... في الأرض تجنحُ غَيْرَ أنْ لم تَذْهَبِ خِلْتَ الرَّذاذَ بُرادَةً من فِضَّةٍ ... قد غُرْبلتْ من فَوق نِطْعٍ مُذْهَبِ والقَرْطَل قرية لطيفة، تلاصق ساحل البحر وسيفه يضرب ماؤه في حيطانها، ويدخل أحياناً إلى بَعض بيوتها وأوطانها، وسكانها نصارى قد أكتسبوا ذلّة وصغارا، وألبسوا من هواء ذلك البحر نحولاً وصَفَاراً، وبها سمك كثير، وخان متسع كبير، وهو مُسَّبل للمسافرين، وبالقرب منه عين ماءٍ معين، وبظاهرها مزارع وبساتين، وقد مررت بها على بستان ذي فنون أفنان، فحيّاني بوجه مشرق، وحباني برداءٍ مغدق، وأنعشني بشذا رند معبق، وأدهشني بأصوات أطيار تنطق، حتى كأن بكل عود عوداً يخفق:

стр. 239

وما كنت أدري قبل ذلك والهوى ... فنون بأن الرَّوض يهوى ويعشق فحرّك سواكن أحزان، وأثار كمائن أشجان، وأذكرني بالأهل والأوطان، فترادفت لي زفرات وحَنين، وتتابعت مني عبرات وأنين، وتمثلت بقول بعض المغرمين: تالله لقد سمعتُ بالدوح أنين ... ورقاَء تنادي بنحيب وحنين الإلفُ مجاوري وهذا كلفي ... ما حَال قرين قد نأى عنه قرين ثم بتنا بذلك الخان، والنوم لا تألفه العينان، ولا يعرف طريقاً للأجفان، والغرام للقلب مقلق، والبكاء للكبد مغلق، ولواعج الجوانح مع وجود ذلك البرد تحرق، وقد اجتمع هناك من أدمع العين والغمام نهر مغدق بل بحر مغرق، وذلك الليل بأذيال الوجود متعلّق، ولعُهوده أن لا يفاجئه الصباح متوثّق، والصباح في نومِه مستغرق، أو مقيد في قعر سجن لا فاكَ له منه ولا مُطلِقْ، أو ميت ثوى فحواه لحدّ مطبق ضيّق، ولم نزل نستشم رائحة أجناده (ونستنشق، ونسأل عنه) كل مغرّب ومشرّق، إلى أن سطع نوره المَشْرق، وتهلل وجهه من المَشْرق، ونحن نكذب

стр. 240

ولا نصدق، فحين ظهر دليله وبان، وقام بوجوده البرهان، ترحلنا من ذلك الخان، وفارقنا ذلك المكان، وسرنا نقتفي البيداء، ونعتلي كل ثنية جرداء، والشمس محجوبة عن الأبصار، والمطر تجلبه إلى تلك الأمصَار من جنود السحاب أنصار، ومن بعوث الرياح إعصَار، والنفوس منحصرة من ذلك غاية الانحصار، فلما تعالى النهار، انبثق ريق بناء ذلك الغيم عن مائه وانهار، وأرسل إلى الأرض مطراً كالأنهار، فصيَّر كل قرارة حفيراً، وغادر كل ربوة غديراً، وخطّ كل طريق خطاً، وجعل كل جانب شطاً، وكثرت بالأوحال الأوجال، ولم يبق للنفوس في ميادين الصَّبر مَجال، ولم نزل نسير على تلك الأحوال، وأكفّنا مرفوعة بالدُّعاء والابتهال، إلى أن وصلنا بلدة أُسْكُودار وقت الزوال، فذهب ذلك الكرب وزال، ثم نزلنا في المُعديّة قاصدين المدينة العظمى قُسْطَنْطِينيّة، ولما (فرغنا من الأرض وصحوها ومسراها وممشاها) وضمت إلينا تلك السفينة ودخلناها قلنا لمن معنا (اركَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللهِ مَجْرَاها ومُرْسَاها إنَّ رَبِيّ لَغَفُورٌ رَحِيم (فرحمنا الله بريح موافق مستقيم تسخر لنا به ذلك البحر، فامتطينا بركوبها مطاه، وتذلل لنا فصفعنا بأجنحتها قفاه، ولم تزل تسير بنا ونحن قعود، وقد خدمتنا في هذه الخطرة السعود، وأنجزت لنا ببلوغ المقصود الوعود، فوصلنا أصيل ذلك اليوم إلى الساحل، وانطوت بحمد الله شقة تلك المراحل. ثم دخلنا المدينة، وحصلت إن شاء الله تعالى الطمأنينة، وكان استقرارنا بالمنزل الذي أفرده لنا السيد وتفضّل، وذلك النهار الذي هو يوم الخميس ثاني عشر الشهر قد تحوّل، والليل الذي هو مسفر عن يوم الجمعة قد عَوّل، والقلب يصبو لمنازله ولا كأوّل

стр. 241

منزل، ويحن لأحبابه ولا كالحبيب الأوّل، وأقمت بذلك المنزل وتلك الدار ستة عشر يوماً لا يقرّ لي من البعاد قرار، ولا أجد جلداً ولا أطيق اصطبارا، ولا أطعم النوم إلاّ غرارا، وقد وهيت من فراق على فراق بداهية دهيا، وبقيت لا ميتاً مع الأموات ولا حيّاً مع الأحياء، وكلما تمثّلت لتلك المعاهد، وسألت عن تلك الموارد، لا أجدها إلاّ صماً عميا، فلم أزل أتطارح في تلك المنازل، وأتجرع غصص المنايا من خطب البين النازل: وأنتسم نواسم تلك المعالم ... فيفوح لي كالعنبر المتنفس ونمشي حفاة في ذراها تأدباً ... نرى أننا نمشي بوادٍ مقدّسِ وقد تزايد الشوق وربا، وزاد القلب هُمُوماً وكربا، وأثار فيه حربا زبوناً وحَرَبا، وتطايرت من نيران القلوب زفراته شرراً ولهبا، واعتلت من محاني الضلوع على الربا، وبلغ سيل العيون من محاجرها الزُبا، وكلَّ حُسَام الصبر ونبا، وعثر جواد الاحتمال وكبا، وأنا مع كل ذلك أستخبر عن أخبار ذلك الحبيب ولا خبر ولا نبأ، وقد طال الليل وأظلم واحلولك ولا نوم، وشابهه في نعته ما بعده من اليوم: فلم أرَ أُنساً قَبلَهُ عادَ وَحشَةً ... وبَرداً على الأحشاء عادَ غَليلا ومَنْ تَكُ أيّامُ السّرورِ قَصِيرَةً ... بهِ كانَ ليلُ الحُزنِ منه طَويلا وأُنْشِدُ قول القائل مترجياً: ولرُبَّ نازلةٍ يضيقُ لها الفتى ... ذَرْعاً وعندَ الله منها المخْرَجُ

стр. 242

ضاقَتْ فَلَمَّا اسْتحكمتْ حَلقَاتُها ... فُرِجَتْ وكان يظنها لا تُفْرَجُ فما راعني إلاّ دخول البشير عليَّ بقدومه، ثم اجتلاء طلعته الشريفة مع تسليمه، فتلاقينا بالتحية وتلافينا، وبكينا حتى انكبينا، ووالينا الحمد لله تعالى وأثنينا، وكم من نعمة لله تعالى علينا، فدنا الأنس، وانشرحت النفس، ونُسخ باليوم ما وقع بالأمس، وأخذنا نتفاوض مفاوضة الأصدقاء، ونتحدث عن أخبار ذلك السفر وآثار أولئك الرفقاء، ولا تسل عن حسن هذا الاجتماع وأنس هذا اللقاء: حديث تخال الروح عند سماعه ... لما هُزّ من أعطافِهِ تترنح فكان بذلك لنوم عيني سبيل، وعهدي بالنوم عهد طويل، وهو في الحقيقة لم يفارقني بل هو في كل حالة مرافق، وليس تألم القلب لمفارقته له وإنما هو لتألم الأجساد، فإنه وإن نزح عن العين ما برح في الفؤاد، فهو في الحقيقة لم يخرج عن شعار أجداده وهو السواد: حضرت فكنت في بصري مقيماً ... وغبت فكنت في أقصى فؤادي وما شطت بنا دارٌ ولكن ... نقلت من السواد إلى السوادِ

стр. 243

وما زلنا بذلك نجتلي أنوار المحاضرة، ونجتني نوَّار المذاكرة، ونلتقط نثير لآلىء الفوائد، وننظم عقود المقاطيع والقصائد، ونرد من العلوم أجلّ المصادر وأعذب الموارد، ونوالي أهل الولا، ونختص بذوي السؤود والعلا، ويتردد إلينا للانتفاع جماعة من الفضلاء، ولنشير إلى ذكر جماعة أيضاً ممن اجتمعنا به أو اجتمع علينا في مدينة قُسْطَنْطِينيّة أم الممالك الرُّوميّة وتخت سَلطنة الممالك الإسلاميّة، وكذلك في الرحلة الأزنكميدية. فأولهم وأولاهم، وأعلمهم وأعلاهم، الشيخ الأوحد، والإمام الأمجد المعروف بحاجي جلبي (عبد الرحيم بن علي) ابن المؤيد. وقد قدّمنا بعض ترجمته وذكر محبته وأخوته ومودته، وقد حصل لي منه قبول تام، وكنت عنده بمقام سام، يسمّني بالعالم المُدَقِّق، والعارف المُحَقِّق، وقد استفدتُ منه واستفادَ مني، وأخذتُ عنه وأخذَ عني، واستجزته لولدي أحمد ولمن سَيُحَدِّث لي من الأولاد، ويوجد على مذهب من يرى ذلك، ويسلك هذه المسالك. فممَّا أخذ عني مؤلفي المسمى ب الزّبدة في شرح البردة، وتفسير آية الكرسي، وبحث وتحقيق أوضحته في معنى الكلام النفسي، وقصيدتي القافيَّة القافيَة، التي هي ببعض مناقب شيخ الإسلام وافية، وقصيدتي الخائية المعجمة، وحل بعض طلاسم الكنوز المعظمة، وأنّ كتابه خَلاَّقٌ عَلِيم، وحملها ينفع لدفع الطاعون، وأنّه مجرّب كما رواه لنا الأئمة الواعون، وأنشدته لنفسي: من رامَ أن يبلغ أقصَى المنى ... في الحشر مع تقصيره في القربْ فليخلص الحب لمولى الوَرَى ... وَالمصطفى فالمرء مَع من أحبْ

стр. 244

ولشيخ الإسلام ﵁: إن تكن عن حال الذين احتباهم ... ربهم عاجزاً وتطلب قربا حب مولاك والذين اصطفاهم ... تبق معهم فالمرءُ مع من أحبَّا ومما أفادني إياه نقلاً عن بعض العارفين أنّ الإنسان إذا قال رَبَّنَا خمس مرات ودعا أُستجيب له، واحتج بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵊ (رَبَّنَا إني أَسكَنتُ مِنْ ذُريَّتي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرعٍ عِندَ بَيتكَ المُحَرَّم) إلى قوله: (رَبَّنَا وَتَقَبَّل دُعَائي رَبَّنَا اغفِر لي ولوالديَّ وللمؤمِنِينَ يَومَ يقُومُ الحِسَابُ) فاستحضرت في الحال دليلاً آخر ببركته، وهو قوله تعالى: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً) إلى قوله: (رَبَّنَا وآتِنَا مَا وَعَدتَّنا عَلَى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنَا يَومَ القيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعَادَ)، وهي تمام الخمس، ثم عقبها بقوله: (فاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُم) فَسُرَّ بذلك كثيراً وشكر ودعا. ومنهم ولده العَلاَّمة المُحَقِّق والفَهَّامة المُدَقِّق الرافع قواعد هذا البيت والمؤسس، ملا عليّ جلبي المدرّس، فرع الأصل العزيز، وطبع الأدب المحجل أسلاك الدرر وسبائك الإبريز، المُعْترف له في ميدان البلاغة فرسان البراعة بالسبق والتبريز، أحد المشيخة الذين تفرط بحلى أنبائهم كل أذن مصيخة، فترسخوا للعلا وتوشحوا بغر الحلا، وكرعوا في بحر علم لا يكدره الدلا، لم يزل متحلياً من الشيم الفاضليّة بأنفسها دراً،

стр. 245

متجلياً في سعودها الشارقة بدراً مُتخليّاً عن كل ما يعقب الإقبال على السعادات إدباراً، متسنّماً من ذروة مراتب الصفات وصفات المراتب أحصاها منالاً وأسماها مناراً، متبسماً من أخلاق المجد ومجد الأخلاق أزهرها نضارة وأنضرها إزهاراً متنسماً من رياح الأريحية نفحة طيبة ونسيماً معطاراً، (أحضره والده لديّ، فسلّم عليّ وتودّد إليّ، وصار بيننا وبينه أكد صُحبة وأشدّ محبّة). ومنهم أخوه الشّاب النجيب، والفاضل الأريب، الواصِلُ إلى رُتبة النهاية في المبادىء، والفائق بفضله الحاضر من أقرانه والبادي، سيدي أبو الهدى عبد الهادي، شاب نشأ في عبادة الله، وراعى في صغره من الهَدْي والهُدَى أباه، اختطفته يد المنيّة في صباه، ودعاه ربه إلى جواره فلبّاه، فمات بالطّاعُون شهيداً في صفر الخير سنة سبع وثلاثين وتسعمائة، ونحن إذ ذاك ببلدة أزنكميد، رحمه الله تعالى، وكان قد جمعه أبوه عليَّ، وأمره بالتردد إليَّ، وحضر مجلسي عند أبيه، وسمع ما صدر منّي من البحث فيه. ومنهم أخوه أيضاً الطفل الزكيّ والشَّاب الذكي، الموسوم بسمة الولاية، والملحُوظ بعين العناية، ذو الأنُس الظاهر، والخُلق الطاهر، محيي الدِّين عبد القادر، أحضره والدُه إليّ، وأمره بالمثول للاستفادة بين يديّ، أنشأه الله تعالى نشوءاً صالحاً، وجعله من متاجر الخيرات رابحاً بمنّه وكرمه. ومنهم الشيخ الإمام العَِلاَّمة القدوة العمدة الفَهَّامة، فرع الحسب الصميم، ونبع الأصل الكريم، وطبع الفضل العميم، وطوْع الخلق العظيم، قدوة الأئمة، وواحد أسانيد الأمة، قاضي القُضاة، وإمام الفقهاء والنُحاة، وربّ العقل الوافر والحصاة، روض العلم الوارف الظلال والفيء، والوافر الريع والري، قاضي أماسْيَة وما معها

стр. 246

القاضي عبد الحيّ ابن أخي حاجي جلبي المشار إليه، أفاض الله نعمه عليه، اجتمع بي وبوالدي بالشَّام عند قدومه إليها قاصداً بيت الله الحرام، فصار بيننا وبينه صُحبة ومودّة ومحبّة. ومنهم الفاضل اللبيب، والعالم الأَريب، الباسق في شجرة كريمة الأعراق، ساطعة الإشراق، طيبة الأثمار والإيراق، محرزاً في ميدان طهارة الأردان قصب السباق، متميزاً في عنفوان الشباب بحُسن الخلق وإحسَان الأخلاق، ابن قاضي العسكر الإمام عبد الرَّحمن أخي حاجي جلبي أيضاً المسمّى هو بعبد الرَّزاق، انقصف غُضر أجله في ريعانه، وكبا جواد أمله في ميدانه، فلبّى داعي ربه إذ دعاه، وأجاب ندائه مسارعاً للقياه؛ فمات شهيداً بالطّاعُون في شهر صفر المذكور قبل ابن عمّه المُشار إليه بأيام ﵀، وكان قد اجتمع بي مُسَلّماً، وأخذ عني متفهّماً. ومنهم المقرّ العالي الكريم، والجناب السامي الجسيم، المولوي الإمامي العالمي العلاّمي زين ممالك الإسلام، وحسنة الليالي والأيّام، ورجل الكمال والكلام، وحامل فخر الأقلام، ولواء الشرع المنيف والأحكام، ونجل الشراة الأعلام، غرّة الزمن البهيم، وبورد الآمال الهييم، الفائق بدرر علمه وكلمه على الدارين، قاضي قضاة العساكر المنصورة الرُّوم إيليه محيي الدِّين بن الفنّاري. ومنهم المقرّ الكريم العالي، الجامع أشتات المعالي، حسنة الأيام والليالي، عَلاَّمة الزمان، ووحيد الأقران، والمشار إليه بالبنان والبيان، زين الأكابر والأماثل، ورأس الأعيان الأفاضل، ومقصد المتلمس والسائل، ومحطّ رِجْل أمل الآمل، ومغيث الفقراء واليتامى والأرامل، ذو السيرة الحسنة المشكورة، قادري جلبي قاضي قضاة

стр. 247

العساكر الأناظولية المنصورة، أدام الله بهجة الدنيا ببهجة سُلطانه، ووالى تمهيد ربوعه وتشييد أركانه، وضاعف السعد في أمره وشأنه، قد اعتنى بأمري غاية العناية، وحصل منه كل تعظيم ورعاية، وقررني في تدريس حسن جليل نفيس، ابتداءً منه من غير سؤال، ولا طلب ولا التماس بحال، هذا مع نزر اجتماعي عليه وعدم ملازمتي له وقلّة ترددي إليه، وإنّما كان كلام الباشا معه بسببي وتحريضه عليه بما يتعلق بي بسبب كتابة براءات بتجديد ما بيدي من الجهات وشؤون أخرى لا تبرز، وقد انقضى كل منها بحمد الله وتنجز. ومنهم قاضي قضاة المسلمين وأولى وُلاة الموحدين، وينبوع العلم واليقين، العادل العدل في أحكامِه، والجزل في إقدامه، والمراقب لله في فعله وكلامه، عين إنسان الزمان، وإنسان عين البيان، قاضي القُسْطَنْطِينيّة سَعْدي بن عيسى بن أمير خان، ما قُرن به فاضِل في الرُّوم إلاّ رجحه، ولا أُلقي إليه مُبهم من العلم إلاّ كشفه وأوضحه، له صادقات عزائم، لا تأخذه في الله لومة لائم، إلى عفّة ونزاهة وإيابة، وهمّة عليّة وصيانة، وطلاقة وجهٍ وبشرة، وناء جميل يتضوّع نشره، مع خَلق وضيّ وخُلق رضي: يقابلني له خلق وضي ... لصدق بشره خلق رضي مع إجلال وتعظيم، ومبالغة في التكريم، واعتراف بالفضل الجسيم، عامله الله بفضله ولطفه العميم.

стр. 248

ومنهم الشيخ العَلاَّمة والقدوة الفَهَّامة، والإمام الأوحد، والهُمام الأمجد، مولانا خجا جلبي بن مولانا محيي الدِّين محمد، أحد المدرسين الثمانية، ذو همّة عليّة، وفطنة ألمعيّة، ووقار ما مثله وقار، ومآثر كأنها عَلمٌ في رأسه نار، ومفاخر طوالعُها صبح ونهار، وسجايا عريقة المجد ماجد الأعراق، خليقة بالحمد حميدة الأخلاق، قد سقته العلوم زلالها، ومدّت عليه ظلالها، وأحلّته الجلالة حِلالها، وسقته الأصَالة عذبها وسلسَالها، فعلا قدراً، ولاح في سماء السناء بدراً، وصار لأولئك الصدور صدراً، وقع بيني وبينه بحث في أنّ النعت في قوله تعالى (لا يُسمِنُ ولا يُغني مِن جُوع) متعلق بطعام أو بضريع فهو مال، وأنا قلت: متعلق بضريع، وذكرَ كل منّا حجته في ذلك، ثم أوردتُ عليه ظاهر الحصر منّا مع أنه طعامهم الزَّقُّوم، وهو غير الضريع، وشرابهم الحميم، فأجَابَ بأنّ ذلك يختلفُ بتعدد الأشخاص، واعترضت. . . في الصفوة فإنه جزم بها مكسورة الصَّاد لا غير، فقلتُ لهُ بل هي مثلثة الصَّاد، وبيننا وبينه محبّة وصُحبة، وهو يتأدَّب معي كثيراً، ويجلّني إجلالاً كبيراً، وهو صهر مولانا حاجي جلبي أخو زوجته الكبرى، وهي أم ولده الكبير. ومنهم الإمام العَالم العَامِل، والهُمام الأمجد الكامل، القدوة الأمّة، وأحد أئمة الأمة، ذو المناقب الرضيّة المرضيّة، والأخلاق الزكية، الشيخ الإمام أبو عبد الله محمد شمس الدِّين شمسي جلبي أحد مدرسيّ الثمانية، بيننا وبينه محبّة وصُحبة، ومصَافاة وَمُوافاة، وذكر لي أنّ سنّهُ دون الخمسين سنة، مع أنّه نقي الشيبة ذو شيبة حسنة، وأنشدته بحضرة مولانا حاجي جلبي لشيخ الإسلام تقي الدِّين بن دقيق العيد بسندي إليه قوله:

стр. 249

وددتُ بأن الشيبَ عاجل المنى ... وقرَّب من عهد الشباب مزارَهُ لأكسب من عصر الشباب نشاطَهُ ... وأكسب من عصر المشيب وقارهُ فَسُرَّ بذلك وابتهج واستبشر، وحمد الله تعالى وشكر. ومنهم الشيخ الصالح العَالم الأوحد الكامِل الخير الجيّد المقرئ المجود، الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحَلَبيّ الأصل، ثم القُسْطَنْطِينيّ الخطيب والإمام بجامع المرحوم السُّلطان محمد، اجتمع بي مرّات وتودّد، وصار بيننا وبينه أعظم مودة وأوكد، وأعارني من كتبه عدّة أيّام تآليف ما ألفته ببلاد الرُّوم كتفسير آية الكرسي وشرح البُرْدَة، والله يعاملنا وإياه والمسلمين بلطفه الخفي وبره الحفيّ وجوده الوفي بمنه وكرمه آمين. ومنهم الشيخ النبيل الوقور، المنسوب للعلم، والموسوم بالحلم، والمعدود من ذوي العقل والحصاة، والمشار إليه في أعيان القضاة، قاضي المنزلة ثم الخانكة، فتح الله صحِبَنَا من حَلَب إلى الرُّوم، وتكلمنا مَعَهُ في بعض العُلوم، وصار بيننا وبينه مواددة ومجاملة، ومصادقة ومخاللة، وممَّا سألني عنه لبس الوشق فأجبته بأنه كالسمور والقول بالحلّ هو المعتمد والذي عليه الجمهور، وبحثت معه في وجه ذلك بما لا يسع هذا الكتاب ذكره، وسأوضح الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى في الرسالة التي أفردتها للكلام في ذلك وشرعت في تأليفها، والله تعالى يقدر إتمامها والنفع بها.

стр. 250

ومنهم الشيخ الأوحد، والأصيل الأمجد، ذو البيت الذي طارت مناقب نزاهته كل مطار، وانتظمت أسلاك أصالته في أجيادِ الأسطار، وسَرَتْ نسمات فضيلته سرى نسمات باسمات الأزهار، وهمت سحاب سماحته كالغيث المدرار، فسما في سماء المجد علماً راسخ القواعد، مشار إليه من كل غائب وشاهد، حيناً للصلة وآونة للعابد، تصطفيه الرُّتب العلية السَّنية، وتتنافس فيه الخطط الشرعيّة السُّنِّية، فطوراً مقدماً في أندية الأمراء والأعيان، وتارة صدراً في قُضاة العدل والإحسان، القضائي الكمال التَّادفيّ قاضي حَلَب ثم مَكَّة. كان صحبني من حَلَب إلى البلاد الرُّوميّة، فأسفر عن أعذب أخلاق، وأكرم أعراق، وأحسن طوية، وأنشدني من نظمه قصيدة تائيّة، ومقامه أكبر من الشعر، وأعلى في القيمة وأغلى في السعر. ومنهم الشيخ النبيل، والفاضل الأصيل، فخر النبلاء، وأوحد الفضلاء، القليل الأنظار والأشباه، قاضي أزنكميد محيي الدِّين محمد ابن قاضيها لطف الله، حضر لدينا ببلده للسلام، ثم أرسل هدية من الدجاج والفاكهة والأغنام. وبعث إلينا ألغازاً فقهيّة وغيرها رآها في كتاب عنده ولم يدر ما هي فحللناها له وأجبناه عنها. ومنهم الشاب النيّر، الديّن الخيّر، الصَّالح الذكي، الفاضل الزكي، اللطيف الذات والطِبَاع، المباين بحسن الأخلاق أهل تلك البقاع، عين الأزلام والأصحاب (الحاج مصلح الدِّين لطفي بن الحاج) محمد الأزنكميديّ الشهير بابن القَصَّاب من أعْيَان بلدة أزنكميد وكبارها وموسريها ورؤسائها وتجارها، أقمنا عنده
следующие страницы →